المدونة

  • قُبلة أمام المُصلين- رسل قاسم الموسوي

    قُبلة أمام المُصلين- رسل قاسم الموسوي

    أريدُ تقبيلكَ وسط المَسجدِ

    في المكان الذي تُنقَلُ فيه الأشياء بسرعة للسماء 

    ويبدو الإعجازُ بداهةً

     فالكسرُ يتحول ضمَّاً

    كأنَّ “قِبلة، قُبلة”

    في اللحظة التي تُصبح فيها هذه القُبلة

    أمامَ المصلين اختباراً في الخشوع؛ وتبعد عنَّا أميالاً من الغفلة.

    نجونا من العتبةِ التي يكون فيها الصفر 

    سيد الاحتمالات .. 

    ليس لأنه اللاشيء 

    بل لأننا لا نملك وسيلةً للتعامل معه.. 

    هذا ما يجري بيننا ببساطةٍ

    الحضور والغياب.. 

    مثل المعادلة

    التي تقول: 

    يومٌ لك ويومٌ عليك 

    هذه التي يكون فيها اللاشيء شيئاً. 

    ونتيجة  

    أن كلَّ الأيام تعنيك.

    قُبلة كالحرب

    تصنع من اللسان مدفعاً 

    ومن الكلمات جثةً هامدة

    هذا الارتجاف في فرشاة الرسام

    لا علاقة له بالارتباكِ بل 

    جزءٌ من موقف إصبعٍ ماهرٍ.

    ففي جانبيّ فمي موقف كهذا 

    يشبه كلَّ

    ما يسكن في السماء

    في يوم ريحٍ عاتٍ

    لكن ليس كالقُبَل. 

    قُبلة كأغنية أوفيليا على ضفّة النهر 

    أغنية كما لو أنها إدانة على الحبِّ نفسه.

    فالأغاني لا تموت.

    لاسيّما في فمٍ كان يحتاج قُبلةً

     بدل اللكمات.




    *نص: رسل قاسم الموسوي

  • لماذا لا توجد امرأة نَبيَّة؟ – رسل قاسم الموسوي

    لماذا لا توجد امرأة نَبيَّة؟ – رسل قاسم الموسوي

    على شُرفة سطحٍ عراقيّ..
    حيث كلّ شيء منخفض من هذه الزاوية
    مع اضطراب في الجهاز الهضمي
    احمرار في الرأس، وتورّم في القدم..
    الشارع بقامة قصيرة هنا..
    شجرة تنوح هناك
    مصلوبة جذوعها كالمسيح..
    صراخ تحت هذه الصخرة
    هل يتصفّحنا الله كما نتصفّح الفيسبوك؟!


    أنا هنا قصيدة
    كلّ كلمة فيّ شيء من أسلافي عَدَاي
    أذني صراخ جدّي مُحسن في ثورة العشرين..
    يداي شرستان كمنجلٍ في بساتين المشخاب..
    وأصابعي فم انخيدونا..
    واجهتي الأمامية تومض باتّجاه معاكس للخلف
    مثل قريش
    ولا حقّ لي بينهم أن أعاتب


    سواك..
    الأشياء المكتومة مكمومة
    من ذا يرى الظلّ الذي تخلفه ورقة نبتة
    حتى يدرك أنّها
    تصنع معروفًا لنملة هاربة على أقلّ تقدير؟
    أو تشرح ضرورة الاحتضان؟
    جرّبت أن أضع إصبعي يومًا تحتها
    وأتخيّل أنّني هذه الإصبع الهاربة من قبضة يد محكوم بسجن مؤبد، وأشكرها بالمأوى
    أنا ابنة الأشياء غير المقصودة
    برغم أنّني لا أثق بالمصادفات
    بالطريقة نفسها التي لا أثق فيها بالمعروف..
    لا شيء أكثر يا ربّي
    يسمّونه كفرًا هذا الذي أعاتبكَ به..
    الكفر أن يكون كلّ جسدي
    باستثناء فمي
    أدرك أنّ كلّ الأعضاء مهمتها إيهام المعنى
    للوهلة الأولى
    أتساءل دائمًا..
    لماذا لا توجد امرأة نبية على أقلّ تقدير
    نبية، نبية، نبية
    أترى أنّ تاء التأنيث تجيد حضن أنبائك!
    أما زال فمك ممتلئًا؟!
    لا أريد آية القوارير أرجوك
    ولا تكرمني بسورة النساء..
    لم نجد أحدًا يضع السكّين في صدره
    أدرك أن الجوانب بعد الاجتياز
    تقتل أكثر من المقدمات
    أريد أن ألتقي بك وأنا أحيض
    وبطني ممتلئ
    وأقدامي منفرجة
    رأسي معصوب ووجهي أسمر
    وأطرافي كالقصب
    ثم إنّي أجيد مهارة التفاوض بالفطرة
    امتلأتُ من كوني
    ساعي بريد بلا أجرة..
    أريد خمرة ذات نشوة
    بلا هذيان..
    أريد رفضًا عصيًّا بلا طوفان..
    أريد حديثًا بلا ذاكرة
    عكس ما تفعل الجدران..
    مرنة “نون” الكسوة
    إلى حدّ الاجتياز السريع لو خذلتني رسالتي
    أم إنّك تحتاط أن أعبر من بين أصابعك؟!
    وأوقظ معي أحبّ الأشياء
    المكلّلة بالعظمة..
    السماوات والجنة والأيام الستة
    وكلّهن يملكن تاء السخرية!



    *نص: رسل قاسم الموسوي

  • أسدُّ بجسدي المترهّل شقوق الوقت  – آلاء فودة

    أسدُّ بجسدي المترهّل شقوق الوقت – آلاء فودة

    وجه الحقيقة

    من يمنح الحقيقة وجهاً أخضر لتنمو بداخلنا

    لتصنع الخطوط باستقامة لا تَحيد

    من يمنحنا بقاءً أصلح، وأمنيات لا تتكسَّر

    من يحمل عنَّا عبء التجربة

    يارب لقد دخلنا في التجربة

    يارب لقد قَتلتنا التجربة.

    من يلقّن القلب المعرفة كاملةً

    دون أن يترك أبواباً سريَّة للصدفة

    أو لتغيير المواعيد في اللحظة الأخيرة وذوبان الأقنعة على رصيف المفاجآت

    من يسرد الحكاية كاملة قبل أن تحدث.

    من يمسك عصا الوقت من المنتصف

    ويشير بها إلى مواضع أقدامنا

    لتتوقف الحياة قليلًا

    لتتوقف لحظة

    لحظة واحدة ربما تكفي لفتح كوَّة للإيمان.

    طفلي الذي ماتَ قبل أن يولد

    كان عارفاً بالخطّة كلّها

    لذا أدركته الحكمة قبل البدء

    وفضَّل البقاء هناك

    واحدٌ نجا وآخرون دهسهم السؤال.

    المقعد الذي تركنا وجلس بمفردهِ

    تركَ مساحة للوداع اللانهائي

    الوداع الذي لا تسبقه أية لقاءات

    ولا يعقبهُ نَدَم

    أو جمل مرتبكة عن الحنين وتمرين الأيام

    الوداع الذي لا يعرف وجوهاً مَخذولة

    ورسائل لم تُرسل بعد

    وداع الغرباء الذين لم يجمعهم الوقت ولا المقعد ولا الأجوبة الناقصة.





    ***

    دمٌ وملحٌ وماء

    الدنيا لم تكن معي

    هَجرتني في أشدّ لحظاتها حساسية

    ووضعت مطرقة فوق رأسي

    أو لسخرية الوضع

    الطرق والأماكن والمسافات

    كلُّها، كلُّها في نقطة واحدة

    والزمن معادل نسبيّ استطاع بمهارةٍ

    أن يتلوَّن حسب موقعه من الجريمة!

    وأنا بداخل الأكياس البلاستيكية

    لا أتعفَّن ولا أزدهر

    يتسربُ مني دمٌ وملحٌ وماء

    أتجدد لينمو على جلدي طفلٌ

    ويعد الزمن ثوانيه باتجاهٍ لا أجدك فيه!

    أنا هنا يا غريب

    وضعنا العالم في مُخلفاته

    وغيَّبنا الوقتُ باستدارته الناعمة

    أنا هنا

    أعدُّ للبحر موجه كي يَهدأ

    أسدُّ بجسدي المترهّل شقوق الوقت

    أسكبُ الماءَ على عتبات البيت

    وأهذب شفرات العالم

    لينكمش تدريجياً ونصير معًا.




    *نصوص: آلاء فودة
    *من ديوان: بحة في عواء ذئب


  • بحة في عواء ذئب – آلاء فودة

    بحة في عواء ذئب – آلاء فودة

    بحة في عواء ذئب

    1
    لا أدري أيّ شيءٍ دفعني للكتابةِ إليكِ
    ربما الخوف
    ربما التعثرُ في فتحِ حديثٍ مع ربة منزل
    كلَّما رأتني لعَنَتْ خوفي
    واستمرت في بصقِ النصح.

    2
    ربما كتمثالٍ عاطلٍ عن العمل
    لا أحدَ يعزِّزُ وجودَه غير مناقيرِ الطير
    وربما كخاسرٍ يحاولُ أن يلملمَ أوراقَه
    ليعيدَ ترتيبَ صفوفِه
    والبحث عن ثغرةٍ تعيدُ الرهان.

    3
    ليس لدي ما أقوله
    القصائد ضعيفةٌ جدًا
    في إزالةِ ركامِ الدخانِ من صدري
    وأنا طفلةٌ
    تملكتني ريحٌ
    وقذفت بي في آخرِ الممر.

    4
    سأتحدثُ عنكِ
    ربما البدايةُ تسمحُ بالشفاء
    وربما يشفعُ لي البحر
    وربما الخذلان
    وربما نستطيعُ أن نفثأَ معًا
    أصنامَ الهيليومِ التي شيَّدناها

    5
    لن أتحدث عن العالمِ يا عزيزتي
    العالمُ بريءٌ منا جميعًا
    بريءٌ من العجزِ و الألم
    العالمُ انعكاسٌ هشٌّ للذات
    حجرٌ في الطريق
    ريشةٌ في جناحِ غراب
    بحةٌ في عواءِ ذئب
    كهلٌ أرهقَه الطريقُ فاستراحَ لظلِّ شجرةٍ
    أصابها الطمث
    فكنَّا أولَ ورقتين تسقطان منها على رأسِه
    على رأسِ العالم.

    6
    في كلِّ مرَّةٍ أكتبُ فيها نصًّا
    أقولُ هذا هو النصُّ الأخير
    سأتركُ روحي هنا
    سأقطعُ من لحمي في تلك السطور
    وألفظُ أنفاسي الأخيرةَ على عتباتِه
    وحين ينتهي النصُّ أشرعُ في تمزيقه
    هذا النصُّ غيرُ جيد
    هذا النصُّ لا يليقُ بنهايةٍ مجيدة.
    بنهايةٍ لأمٍ تبحثُ طيلةَ النهارِ عن فمٍ لابنتِها
    بصيدلانيةٍ تتحسَّسُ مواضعَ الألم
    لتغرز فيها عصبًا جديدًا
    عصبًا يثورُ كلَّما نفخنا فيه
    بنهايةٍ تليقُ بزوجةٍ نسيت أصابعَها في المواعين
    وحين احترقت الوجبةُ طبخت نفسها كبديلٍ واقعي.

    7
    وهذا النصُّ سأتركه وحيدًا ينزوي في ركنٍ أزرقَ يابس
    سأتركُه في أيادي اللصوصِ ينهشون منه خيالًا مهترئًا
    سأتركُه على عتباتِ المساجد
    في صناديقِ الزكاة
    في كروتِ الڤلانتاين
    في نفاياتِ الحروب
    في النشراتِ الداخليةِ لأدويةِ السعال
    سأتركُه على شاهدِ قبري.

    9
    قبري الذي أدخرُ أموالًا كثيرةً لبنائِه
    قبري الذي يتسعُ لأطنانِ الذنوب
    وأنصافِ القصائد
    ووحده الله
    وحده يعرفُ الطريقَ جيدًا
    وسيغفرُ لي عدمَ اكتمالِ النص.



    ملح الرغبة

    بشفتيْن خاملتيْن
    يمتصُّ الغياب أضلعي
    رشفةً رشفةً
    ثلاث غيمات وأغنية
    لامرأةٍ
    تضفّر ذراعيكَ
    بنهج من القُدسية
    لامرأةٍ تتأوَّه من فرط العزلة
    ربطت في طرف البحر /مناماً
    وطفقت تغربُ عن رؤياه
    لامرأةٍ تطهو غيابكَ
    بملح الرَّغبة
    وتسافر فوق النخل
    صوب الله
    وتساقط كحل المغتربات
    بجوف الرؤيا –
    أقواسًا
    تتوتر دوماً
    دون سهام
    لامرأة تنتعل خيال الشوق
    بكعبٍ عالٍ
    وتصفّق لامرأة أخرى
    ترسمك بوجه القهوة
    نصف إله.


    تأويلات الجسد

    1
    الجسدُ الصدئُ الذي يتركُ بقعًا على القماش
    المحاطُ بالاتجاهاتِ وصناديقِ البريد
    الموشومُ بأصابعِ الرُّوچِ وشفراتِ الحلاقة
    الصالحُ لحشوِ الأيامِ بنهاياتٍ جديدة
    هذا الجسدُ يعرفُ طريقَه جيدًا
    لا يحتاجُ لمؤشراتِ تداول
    ولا رسائلَ قصيرة
    مُصفَّى بفعلِ التجربة
    كنتُ كلَّما هجرني حبيبٌ
    أثبِّتُ مسمارًا في قلبي
    ويتولى الجسدُ مهمَّةَ ريِّ الذكريات
    الأمرُ مسلٍ جدًا..
    بالأمسِ وضعتُ إطارًا فارغًا على مسمارٍ قديم
    وأوَّل أمس رشقتُ قميصًا على مسمارٍ آخر
    ومن دقيقتين علَّقتُ سلسلةَ المفاتيحِ على مسمارٍ ضال
    والدمُ فردُ حراسةٍ يمسكُ إزميلًا في يدِه
    كلَّما هدَّد حبيبٌ قديمٌ بزرعِ مساحةٍ جديدة
    دقَّ فوقَ رأسِهِ مسمارًا
    فتتعادلُ شحناتُ الحواس
    وتبرزُ بقعةٌ من الصدأ على حوافِّ القماش.

    2
    القطاراتُ التي تحكُّ قدمكَ في مبتدأ العمر
    ستعبرُ بجواركَ بأمانٍ تام
    دون أن تلتفتَ إليك
    وتتلاشى رويدًا، رويدًا
    حين يخرجُ عمرُكَ من باقةِ العد
    ووحده الجسدُ سيقبلُ انحساركَ كاملًا
    الجسدُ المثبَّتُ بدبوسٍ على الحائط
    المُذرَّى في الريح كفُتاتِ القنابل
    المتدفقُ على الممراتِ في انتظارِ القيامة
    المثقوبُ بكثرةِ الولاداتِ واحتمالِ الولادة
    بجرعاتِ المُسَكِّن ووصفاتِ التنحيف
    بالموتِ كفرصةٍ لنزعِ مساميرَ قلبِك
    مسمارًا، مسمارًا
    دون أن تشعرَ بالألم
    لأنَّ الحياةَ واسعةٌ جدًا
    ورغم ذلك
    لم تمنحنا إجازةً للنسيان!





    *نصوص: آلاء فودة
    *من ديوان: بحة في عواء ذئب

  • أطرافٌ تعويضية بالكلمات – فاطمة علي

    أطرافٌ تعويضية بالكلمات – فاطمة علي

    عزيزي صاحب الظل الطويل:

    سَمعتُ مقولةً:

    “من أي مادة متلاشية صُنعت عواطفنا”؟ 

    جملةٌ كهذه وشبيهاتها التي تحكي عن عواطف متبخرة؛ كانت تزرع في قلبي الخوف باعتباري شخص مُعمِّر في علاقاته، وكنت أعتبرُ أن اللاثبات من الخيانة، لكن الآن بعد أن مرت مياهٌ كثيرةٌ تحت الجسر، عرفت أننا نتحصَّن في هذه الحياة حول كلمة واحدة فقط “التغيير”. بل إنَّ التغيير هو الثبات الوحيد في الحياة. وهي كلمة مُخيفة لمن لم يعش كثيرًا، أعني يعش عميقا، يفهم المعنى وإرادته فينا. كانت جملة “القلب مُتقلب” تشعرني بالخوف؛ الخوف من نفسي أكثر من الآخر، فإن كانت لا ضمانة في قلب الآخر فلا ضمانة في قلبي بالمقابل، وكان يرعبني أن بين ضلوعي قلب يعبث وينسى ويحب ويكره ويصُور له ويتقلب، لكن كل ذلك كان فيما مضى، فالقلب أولى به أن يتقلب ويختبر حتى يعرف طبيعة الشعور الذي سينغلق عليه، ويأخذ كفايته من حقيقة لا تقلبها التأويلات.

    حتى العقل؛ كُنتُ قلِقةً بشأن زحزحة حدوده الذهنية، وريشُ الوسائدِ المريحة، يمنعني من النومِ على حصى الأفكار، ثم فهمت أننا لسنا في هذه الحياة إلا من أجل هذه الزحزحة. 

    من جهة مقابلة آخرى، كان ذلك مهم، بل حتمي.. الحياة رحلة صعبة، والقلب يأخذ الصفعات والعقل يعالجها، ولا شئ يثبت. وعواطفنا على اشتعالها تتبخر، وبقدر مالصقت بنا أصبحت بعيدة عنّا. الأفكار والعادات لازالت كما هي, إنما نحن من نتغير، الكُتب التي كانت تدمينا والأغاني التي ذوبتنا ذَهبت، أو بالأحرى نفوسنا القديمة ذَهبت.

    هناك من يرى أن “تحولات” الإنسان ودوراته وكبره على المكان والزمان عيبًا شخصيًا خطيرًا، لكني أعتقد أن العيب الشخصي الخطير ه‍و ألا نسعى نحو تلك التحولات، ونصنع تلك المواقف والعواطف التي تجعل نفوسنا تتشظى وتعاد التركيب من جديد، خاصة إن كانت نفوسنا تهدر كنهر تجذبه قوى خرافية نحو الحقيقة.

    وأنا ياصاحب الظل الطويل أريد من الحياة عواطف وأفكار وعلاقات ليست بها مِثقال ذرة من غِش!

    أعرف أن هذا صعب، وأنه يتطلب مني نقاءًا مماثلا بالضرورة، لكنه وإن كان مستحيلاً، فالتطلع للمستحيلات كاف لأن يُبصرنا بخردة أفكارنا القديمة، ويوعينا بنفايات الزمن التي ترامت على شواطئ أرواحنا وعقولنا، والرفض أول طريق الحرية.

    ***

    الأمرُ عندي ليس مجرد كتابة، أنا أصنع أطرافا تعويضية بالكلمات، أنا المُعاقة عن الحياة، عن الجناحين اللذين لم يكونا، عن الحب الجريح، والأمل الضائع، وكل العصافير التي اختنقت في صدري، عن الأمل الذي استيقظت حالما لمسته، وعن الصديق الذي امتدت بيني وبينه صحراء، كانت الكتابة في الوقت الذي لم يكن لي فيه أحد.

    جعلتُ لها قوة الضمادات، ورهبة المبضع، وبركة كلمات الصالحين، ولهفة العشاق المفارقين، وانتحاب الخطائين التائبين، وأنين الوحيدين.. روحي توسدت جملتي التي صنعتها خصيصا لتربت على قلبي المُلتهب..غزلت من كلماتي شالا شتويا، وثوبا قطنيا ناعما للصيف، ان القوة فيها أكثر من كونها كلمات.

    وهي، هي منحتني الحب والطهر أيضا، فبت أعترف على يديها بأدنس الذنوب وأقدسها، وأواجه نفسي بأحط الرغبات وأخلصها، أبكي بها، وأعصر الورق دموعًا وندى وفراشات وزهورًا وعطرًا.

    أخذت بها وجهة نظر في الحياة، وحملتها أرجوحة ولعبة، لعبة مناسبة لعزلة مقدسة. عشت في الكلمات أكثر مما عشت في الحياة، فالحياة لم تمنحني غير مساحة للوقوف على رجل واحدة، أو القفز كمخلوق أعرج، بينما الكتابة خدعتي الطيبة، وسمائي الصافية وسبع أراضين ليس لهن من قرار.

    منحة الكتابة منحة حرية، فرصتي لأتنفس، لأرفض، أعتصم أثور وأغضب، أقتل وأحي، أكون نفسي تمامًا، دون خليط مع وجوه من مروا، فرصة لأنقي ملامحي تماما، بعيدا عن إمتداد النسب والبيئة؛ إنسان بكامل اختياره الواعي لملامحه الداخلية.

    فرصتي الجميلة لأكون شفافة، وأطول عمرا من عمري، وأعمق من وقتي، وأثبت أثرا لقدم مشت على أرض.

    ***

    حين أبصرتُ داخلي، وجدت أن كثيرًا من الألم الذي عايشته على يد آخرين، لم يكن بخصوصهم هم على وجه التحديد، ولا في قوة رابطة علاقة ذُبحت، ولكن جزءًا كبيرًا من الألم ذهب للمعاني التي شوهها الخذلان داخلي، في يد العبث التي طالت وجداني. في أنه للأبد يهمس فيك هذا الأمر بالتهدم. 

    ونبهتني تلك الالتفاتة من الألم، لعجزي عن القدرة على مَدّ جسوري ثانية تجاه آخرين،  وبت صاحبة أُصعِّب تعاملًا عاطفيًّا حَذِرًا تجاه البشر عموما.. ففي الأخير القلب ليس غير قطعة لحم واهنة ترقد في جنوبنا.

    سألت نفسي أن الكثيرين منّا ليسوا في بلاغة الشعراء ليقدوا جرحًا مماثلا من الكلمات، ولسنا رسامين لنرسم قلبًا منفطرًا. إذا..لماذا ليس لنا نحن الناس العاديين قوة الجرّاحين فنشق عن صدورنا ونكشف عن قلبٍ ماذا فعلت فيه الكلمات والأفعال بالتعيين؛ فالعتاب في أوقات كثيرة غير مُجْدٍ، وفي لحظاته القصوى تفاجئنا الكلمات بسقوطها للداخل، لأنها لن تُفهَم غير هناك.. يخدّرنا الصمت لجرح لم يكن سطحيا كما تصورنا،  شرخ لن يُعافَى أبدًا بوقت.

    وجّهت أصابع الاتهام لنفسي، أكان خطأي أني منحت أحدًا كل تلك السلطة الروحية عليّ؟، أو أني تركت نفسي تنغمر باطمئنان في نفس أخرى لهذه الدرجة؟.

     وتساءلت أيضا، كم إنسانًا غيري انجرح، فسأل نفسه هذا السؤال، هل على الإنسان أن يثق تماما بإنسان؟.

    إذ ربما يكون هذا الألم جماعيًّا وليس شخصيًّا، سألته الإنسانية العاقلة الحساسة في كل مكان، وما قام زمان، هل تخطئ الأنهار حين تتجه بكل غريزتها قاطعة الأراضي، متدفقة ومنصبة في عمى لقلب المحيط!.

    أراحني أن يكون هذا همًّا إنسانيًّا، ولا يحتاج كل هذا الحزن المسرحي مني!.

    لكن الذكريات تعاودني بمكر؛ تقابل إنسانًا تثق به، فتفتح له قلبك، وتتركه هناك، الكل حدث معه الأمر هكذا، لكن ما بعد ذلك كل منّا يمسرحه بطريقته..

    في إحدى الرويات التي قرأتها، في مشهد يبدو متكررا، كان هناك رجل استيقظ من نومه، يبحث عن صديقه الذي يعتبره “أناه الثانية”، فوجده واقفا على الشرفة، يجافيه النوم وينظر للبحر ذاهلا، فسأله: ما الذي يوقظك الآن؟.

    فأشار له إلى صخرة بعيدة، وقال له: أتحسب كم لها من زمن هناك؟.

    فأجابه: لا أدري…ربما قرون…ربما منذ خلق الله الأرض.

    فرد صديقه: أتمنى أن تنشق هذه الصخرة وتطويني.

    لم يكن هناك ردٌّ على أسئلة التعب، غير أن صوت “ربابة” في ذلك الوقت انسال من الأفق البعيد، فسالت معه الكثير من الدموع.

    فاطمة علي – مصر

  • تنهضُ من نومٍ عائم – بسام حجار

    تنهضُ من نومٍ عائم – بسام حجار

    تنهضُ من نومٍ عائم

    كأنَّ شيئاً من نهار البارحة

    تريَّث على ثيابكَ

    وفي عينيكَ المُغمَضتيْن


    لم يمزجْكَ السرير بدَعةِ

     أنفاسها والرائحةِ الرقيقةِ

     لجسمها النائم


    كنتَ تحلم وتتحدَّث

    تحلمُ وتفكِّر

    تحلمُ وتضحك

    وتواصلُ شيئاً ما

    فيتلاشى

    لكي تجدَه في الصباح

    متروكاً على الطاولة.


    تنهضُ من نومٍ عائم

    كأنَّ قفراً بكاملهِ في جوفكَ

    والمياه التي كنتَ تَراها،

    رائقةً وكثيرة،

    كانت عطشاً


    لم تأخذكَ يدٌ إلى أبعد

    من النَّافذة

    وكنتَ ترى الأصقاعَ والسُّهوب

    مأهولةً بالمنازلِ والأراجيح والوجوه

    وكنتَ تحسب

    أنَّ أطلس النّوم يأخذكَ معه

    إلى بلدٍ تعرفه

    فبدَّلته الخرافاتُ

    وكنتَ تخاف إذ تُصدِّق الخرافاتِ

    وكنتَ تمدُّ يداً وحيدةً

    لكي تأخذك يدُها الرقيقة

    إلى النوم العميق

    فتحلم أنَّك أحببَت امرأةً من أجل

    يديها الرقيقتين


    تنهضُ من نومٍ كالغلالات

    شفيفٍ

    لا يحجب العتمة الواطئةَ

    كنتَ تحلمُ وتتحدَّث

    تحلمُ وتفكر

    تحلمُ وتبكي،

    وتواصلُ شيئاً ما

    فيتلاشی

    لكي تجده في الصباح

    مُهملاً على الطاولة.




    *نص: بسام حجار

    *من ديوان: مِهَن القسوة

  • من أنتَ فينا أيُّها العدو؟ – عبدالعزيز جاسم

    من أنتَ فينا أيُّها العدو؟ – عبدالعزيز جاسم

    من أنتَ فينا أيُّها العدو؟

    (1)

    لم تَكُن الحياةُ المَلولةُ هذهِ تَسَعُني، أو لعلِّي لم أكن أَسَعُ الحياة!

    الواحـدُ مِنَّـا كـان يَضـيـقُ بـالآخرِ: يَكـنِسُ خَطـوَهُ ويُهيـلُ الغُبَـار علـى أَثَرِه. أو رُبَّما شَخصاً ثالثاً، كـان يُطلِقُ الرَّصاصَ بين كَتِفيْنا ويُفرِّقُ ما بيننا.
    كـان هـذا العـدُو، وأقـول: رُبَّمـا نَفْسي، أو الحيـاةُ، أو شَخصٌ ثالـثٌ. يَعمـلُ بالخفـاءِ كَمَن يَحفرُ نَفَقاً في رِئتي. يَندَّسُ بين جِلدي وعَظْمَتي. وأحياناً، كنتُ أشعرُ بهِ يَنفَخُ في أُذني. لا شُـغلَ يُبعِدُهُ عَنِّي. لا حـربَ ولا سِلم. لا نسيانَ ولا مَنفى. وكان مِثلَ عَاشقةٍ غيورةٍ يوزِّعُ الغِلَّ على أيامي، ويمنعُ عليَّ رُقـادي. لكـم وَصـلنـي صـَوتُـهُ وهـو يَـدقُّ مِسمَارَهُ في نَعْشي. يُطاردني أنَّى ذَهَبْتُ، ويَبيتُ لياليهِ مُنهِمكاً في إشعالِ الحرائقِ في رَأسي.

    كان يعملُ ضدِّي، أو مَعي، أو من أجلِ شخصٍ ثالثٍ. يَدفع بي إلى تُخومٍ قَصيَّةٍ. يُشوِّشني، وفي الفضاء اللَّيلكي يَرفعني على المَنصَّات كالنَّشر.

    لرُبَّما أرادَ لي النجاةَ وأسأتُ به الظَّن. أو لرُبَّما تآخَى ضِدِّي وأرادَ القَضَاءَ عليَّ!

    ولكن من أنتَ فينا أيُّها

    العدو؟


    (2)

    مـن جـبـال السـَّرمَـدِ، مـن دُفؤاتِ المُطلَقِ، حيثُ يَنمو اللاشيء كالوليدِ بَين غِيـاضِ الزَّيتون؛ أتاني صَوْتُهُ هادئاً ورخيماً:

    “كنتُ الجَليدَ المُتراكِمَ فـوق رَحمِ الأرض، وكنـتُ النـارَ الكامنةَ تحتَ الجَليد. كنـتُ القوسَ والسَّهم واليدَ التي تُطلقُ السَّهم، و كنـتُ قلـبَ الفـراغِ الـدَّامـي الـذي يَسـتقبِلُ السِّهام. كنـتُ المَحـارةَ اليَتيمـة فـي القـاعِ المُظلم، و كنـتُ مـن انتَحَـرَ البحـارةُ مـن أجلهِ. كنتُ مِصباح ديُوجِينَ وخيطَ أريانَا.

    كنتُ ثقبَ الظـلِّ الـذي يَهرِّبُ الأبـدَ إلـى صحراءِ روحِكَ، لتراني وأرَاكْ. كنتُ الخاتمَ والإصبعَ وصانِعَ الخَواتم. كنتُ من يَكرهني الغبيُّ، ويفرُّ من أمامي الجاهلُ، ويَفطِـسُ في لُجَجِي الأدْعياءُ. كنـتُ المـدَّ والجَـزرَ والبوصلةَ والجِهةَ ومن يَجرُفَ الحُدود. كنتُ البحرَ اللامرئيَّ والسماءَ النائمـةَ فـي سَـلامِ القواقعِ. كنتُ الصِّراعَ والمُصـارِع والصَرَع والمصرُوعَ بي يَشفَى. كنتُ المَتاهةَ الجَذلي. أوقفتُ الخليقةَ قُروناً عند بابي، وما تنغَّمتُ بصوتي مُطلقاً إلا لمن تسلَّق جِبالاً وَعِرة ليستنشقَ هَوائي. كنتُ رسولُ الأراضِي التي أُلغيتْ منها الحياة، وكنتُ الحياةَ المُرسلةَ إليكَ كدوائرِ المَاء.

    كنـتُ مـن لـم يَلـدنـي بطـنٌ، ولا أَرضَعتني غيمةٌ، ولا احتوتني بُلدان. كنتُ من أُعلِّمُكَ كيـف تَمشـي علـى ظهـرِ السَّبُع، وكيـف بِلمسَتيْن تُعيدُ للزجاجِ المُهشَّمِ نَضَارته. كنتُ الحَفيفَ الذي يوقِفُ شعرَ القِططِ ويرفعُ آذانَ الصُّخور. كنـتُ الإشـارةَ المُريَّشـة وكنـتُ مـن يَجلـس قبالتَـكِ علـى الكُرسـيّ الفَارغ شابكاً أصابعي على الطاولةِ نَفسها، وأحدِّقُ في عينيكِ الجَميلتين. كنتُ، طِفلَ هذا الوجودِ وشيخَهُ. خادِمَهُ وسيِّده. حبيبَهُ ومَصيرَهُ.

    كنتُ من يُسمونَني المُبهم، يَتعثَّرون بأورِدَتي ويَسقطونَ فيَّ يومياً. كنـتُ أنـا المَجهول، بقفَّازين بلا أصابع: أفتحُ لكَ بوابةَ الحُصنِ العَتيق، كي تخرجَ كغوَّاصةٍ بَيضاء، وتبحر معاً حيث المَجرَّات واسِعة”.


    حائك الرماد

    ينسجُ وينسجُ، حائكُ الرَّمـاد! علـى مِنْوَلِهِ القَديم يَنسـجُ. بأصابعهِ النَّاقصـة إصبعاً، وبِرقبتهِ التي تُطقطِقُ كَصـوتِ مطـرٍ يـرِخُ على الألواحْ.

    ينسجُ وينسجُ. يجلـسُ وحيـداً فـي شُـرفته الخَشبية. شُـرفته التـي هَجرتهـا طُيـورُ الدِّغنَاشِ، وذَبُلَ اليَاسمين من حولها. على كُرسيه المُخلَّـع يَجلـسُ. بشـعرهِ الأَشهَبِ وعُيونـهِ الواسعةِ التي تبلـعُ حُـزنَ العـالم. يُحصي سنوات عمره. يحصي إبرهُ المُدبَّبَة.

    يُدخِّن. يَنفخُ الغُبَـار عـن نَظَّارته، ويديرُ فوتوغرافهُ القَديم.

    ينسجُ وينسجُ، حائكُ الرَّمـاد. يقتلُ خيطانَه بهمَّةٍ. يفتِلُ مَشاعرهُ وحياتَهُ وما تبقَّى له من حُطـام. يتحسّسُ عُروقَ يَديهَ. يُفكِّر: هي خيوطٌ أيضاً! يشدُّ قَبضته بقوَّةٍ. يَشدُّها على أشلاءِ ذكرياته المنثورةِ كحبَّاتِ حَبَقٍ يَابِس.

    يُكلِّمُ نَفسه ولا يُكلّمها. يُغني قليلاً، ويواصلُ نسجه، بأسنانهِ يقطِّعُ خيطانَهُ، ويكوِّم قِطعاً مثـل الأشرِعَةِ على الأرض. يرفـعُ بَصـره للسماء الغائمة: البرقُ من فوقهِ فَالتٌ لِجَامَهُ ككُرباجِ ثِيرانٍ، والحياةُ من تحتهِ تمرُّ مع العابرين مثلَ مَصَّاصةِ دماء.

    ينسجُ وينسجُ، حائكُ الرَّمـاد، مثل من يعزفُ علـى آلـة قـانون. هكـذا، منحنيـاً كـعُـروة الإبريق على مِنْولِهِ. يعمل الوقت كُلَّه، وينامُ متدثِّراً في مكانهِ ككلبِ حِراسة.

    إنَّه منذُ سنوات. منذ الإعصار. منذ أن بلعَ الموج جوهرته. وهو يرابطُ كالجاموس أمام الوحش الأزرق بعينين نَاشفتيْن. وكان في المسـاءات الرَّائقة، حـين تصـفو السَّـماء وينبلجُ البدر. يَرى شبح امرأةٍ تَمشـي فـوق الماء وتُناديه باسمه. تُناديـه كمـا لـو أنَّها قَدَمت من القاع، وتطلبُ منه انتقَامَها.

    ينسجُ وينسجُ، حائكُ الرَّمـاد. إلا أنَّه ذات يوم، توقَّف عن النَّسج، فتوقَّف كلُّ شيءٍ معه. تماماً كما لو أنَّ ساعة الصفر قـد أزِفَتْ الآن.

    الحَارةُ الفَارغـةُ بـدت مُغطَّاة برُمَّتِها بكفَـنٍ أبيض، والشُّرفة العالية أُسدِلَت عَليها ستارة سوداء. بينما رجُلٌ، وعلى صوتِ فونوغرافهِ القديم، أخذَ يَنزِلُ الماءَ مع حِربَته العَتيقة، كَمَن قرَّرَ طَعنَ البَّحرِ أخيراً.



    *نصوص: عبدالعزيز جاسم
    *من ديوان: آلام طويلة كظلال القطارات

  • أنطوي كليلٍ بداخلها – علي المازمي

    أنطوي كليلٍ بداخلها – علي المازمي

    (1)

    حُزنها المُضاء

    في العتمةِ الخاشعة

    حُزنها الغابرُ

    يطلُّ من ليلٍ قَديم

    ومثل مطرٍ أليفٍ

    تطلُّ على رُوحي

    تطلبُ الغُفران،

    وأنا الغَافي على وَجَعي

    لا أحملُ مِفتاح التَّوبة

    أغيبُ في ليلها

    وتغيبُ هي في ضوءٍ أَعمى،

    نَلتقي في النهار،

    الأضواءُ نائمةٌ

    وأنطَوي كليلٍ بِداخلها

    نحملُ الأمسَ على أَكتافِنا

    لن يعود، سوى على هيئةِ ذِكرى

    لتثاؤبِ رجلٍ ماتَ تَالفاَ

    هل غَفَرتَ لها؟

    فالأبوابُ مُشرعة

    السماءُ جَاثيةٌ

    قنينةُ البارحةِ والليلُ اليَتيم

    في أكفانِ الأمس.

    أتجنَّب المُرور

    بأوجاعي في الأماكنِ العَامة،

    أغضُّ الطرفَ

    عَنها،

    في الطرقاتِ والمَقاهي

    وكأنَّنا لم نلتقِ

    تسير هي، على الياسمين

    خطوةٌ بريئةٌ

    لا تُوحي

    بأنَّها فتاةُ الأمسِ

    وعندما يسقطُ الليلُ

    أغيبُ في ليلها

    وتغيبُ هي في ضوءٍ أعمى.



    (2)

    كنتُ ساهياً عندما خَرجَ المسيحُ من عينيها مَعصوب العَينيْن، مُبِّشراً بالهلاك؛

    امرأةٌ تنطفئ في شمعةٍ

    وتاريخٌ يسلخُ رُوحي

    الصورُ مُترهِّلة

    وبصري يذوب شيئًا فشيئًا

    أطلقتْ الجدرانُ صَرخاتنا

    والثورةُ التي مارستُ الحبَّ مَعها

    تحنَّطَت على الأسوار

    والمدينة الفضية انهدَّتْ على رَأسي

    حتى الشمسُ أدارتْ لنَا ظهرها..

    وأغرقَ الماردُ القمرَ

    الوجهُ الياسمينيُّ بجانبي

    أشعلَ الروحَ، فتبخَّرَتْ

    وفي حكايةٍ أُخرى

    قصَّ شريان الحفل؛

    خرجَ المسيحُ من عَينيها

    والقيامةُ تهلّل بنذورها

    هل جاء المُخلّصُ؟

    كما في العهودِ الغَابرة

    يأتي على الريح، يَتَبختر على الماء!

    هل جاء المُدمِّر؟

    بيدٍ تَطالُ أوجاع الخليقة

    لا نعرفُ كمَّ الوجوه التي

    ستخلعها الأقنعة

    وهذا الليل البريء

    ابتلعته غيرةُ امرأةٍ

    لا أحتمل الحرب

    أعيدوني إلى البدايات

    حيث الأدغال

    أعيدوني قبل ولادة اللغة!

    قبل مجيء السيوف

    قبل تأنسُن النار!

    بعيداً عن كُثبان الرعب التي تركضُ خَلفنا

    قبلَ أن تُهشّم خدِّي حَدْوَة المَلاك

    أعيدوني إلى دَهشَاتِ الأنبياءِ

    إلى الصحراء ذاتِ الجناحين

    واتركوني وحيداً

    تحت آخر نجمة في الصحراء.


    (3)

    عائدٌ کالهزائم

    شوقي مُعلَّقٌ على نَابي

    وفي جَبيني ترقصُ

    رصاصةُ الرَّحمة

    لا أرى أحداً

    والشَّوارع كانت كالثغورِ التي أقطنها ليلاً

    ساخنةً كقُبَلِ الشَّاعِرات.


    يُعانق عواءَهُ

    في مجرةٍ موبوءةٍ

    وسط عالمٍ يَنشطرُ في المَرايا..

    يقفُ على قمَّةٍ

    يحملُ سكينةً بفمهِ

    وتفلتُ منهُ

    تجرحهُ

    وكأنَّها قصيدةٌ.

    يُغرقُ المدينةَ في عِوائِهِ

    ذئبٌ.. شاعرٌ

    وفي عينهِ اليُسرى

    كوكبٌ أنثويٌّ،

    ذئبٌ عشقَ آدمية

    وكُلَّما شاهد انعکاساً

    خدش عينيه.

    يعتمرُ قُبعةً

    ويسيرُ مُتنكّراً

    في أحشاءِ الحُشود

    استوقفتهُ أُنثى العَمَى

    المرأة التي دارت حولَ الكَمَان

    وقبَّلَت غَريباً يعتمرُ قُبَّعة

    وقالت شفتاكَ كالذَّئبِ

    ورائحتكَ فوق آدميَّة

    أتُحبُّني؟

    قال: قتلتُ حَبيبتي.

    وركض يَبكي

    يجرجرُ قُبلةً عِملاقةً وجرحاً

    وكيف يعود؟

    وماذا لو عرفت الذئابُ أمرهُ؟

    يقفُ بين مُحيطينِ من دموعِهِ

    ولا يَدري أهو ذئبٌ

    أم شاعرٌ عضَّ مَدينة.


    *نصوص: علي المازمي
    *من ديوان: قبر الغراب

  • ضوءُ جَسدي – عباس بيضون

    ضوءُ جَسدي – عباس بيضون

    ضوءٌ قَويٌّ
    -ضوءُ شهرٍ-
    مضغوطٌ في وجهكِ
    الرَّغبة تجدُ إيقاعاً
    إنَّها رجع الوِصال
    الذي يَفوح
    بعد عودة الجسدِ إلى إغماضتهِ
    الجسدُ الذي نتفقدهُ
    بيدِ الحبيبِ
    بيدِ الحبيسِ
    متذكِّر دائماً
    مغفل دائماً


    ليس عليكِ أن تَنتقلي
    مكانكِ.. انطبقَ الجسدُ على ودائعهِ
    مكانكِ ابتل
    وعاد للنسيم
    مكانكِ خرجَ واضحاً
    من الموج.
    مكانكِ
    ولد فوراً على الرابية
    أشياء الحجرة وحدها
    تعرفُ تاريخهُ
    جميعها كانت تَشيخ
    -بمعرفته وشكِّها –
    قبل أن تدخل إلى الأسطورة


    ليس عليكِ أن تَنتقلي
    بیدین قليلتين:
    تصبحُ اليابسة مُمهَّدة
    ترجع الأشياء
    إلى عُلبة النذور

    بحركاتٍ أقل:
    تُعدين الصباحَ للشموع
    ترمينَ منديلاً في الأسطورة
    تقفين على البلاط
    ويطلُّ عليكِ العموم
    من نوافذ الزفاف
    الرِّقَّة أختٌ أخرى
    والصمتُ يشيعُ كالحرارة


    ليس عليكِ أن تتركي مكانكِ
    إننا على الأبهاءِ لا السِّكَكِ

    البحيرةُ تدخلُ في مريولكِ
    الثلجُ في الآنية
    القبلةُ ستطول
    أكثر من حفلةِ القَصر

    كلماتُكِ أيضاً قليلة
    كبذوٍر لغابات غد


    كلماتٌ قليلةٌ
    على هلال جسدكِ
    على الحَلمتيْنِ كوكب
    الذَّاكرة
    والصرخةُ التي تخرجُ
    من جذركِ

    أنا بعيدٌ
    الأيامُ تسقط کندی
    عليكِ وعليّ
    ووصالكِ من شَهرٍ
    ضوءُ جَسدي.


    *نص: عباس بيضون
    *من ديوان: زوار الشتوة الأولى

  • شمعة الأرض – أحمد راشد ثاني

    شمعة الأرض – أحمد راشد ثاني

    افترضي أنَّ انتظارَكِ

    أصعب من الحياةِ

    وأنَّ الدَّمَ يَجري مُندفعاً

    إلى البابِ

    حينَ تَدخلينَ…


    يفتحُ لكِ البشر

    والمكانَ

    ويُعانقُ الغيومَ التي تمشينَ معَها

    يعانِقُ البئرَ

    التي تَتبعُكِ


    … إذنْ

    ها أنتِ هنا

    في الحانةِ

    تقفينَ

    فتَنحني لكِ الجدرانُ

    في الرأسِ


    تجلسينَ فتُمطرُ على الغاباتِ،

    الغابات التي تحترقُ في الكؤوسِ


    النادلةُ يدي

    وعينايَ وصيفاتُ الملكةِ

    وأفكاري كصحراءٍ من الخيولِ

    سقطتْ في البحرِ


    وحين نخرجُ

    أراكِ موجةً عاريةً

    تُغنِّي في الشارعِ:


    «مجنونة أنا

    وسكرانٌ أنتَ

    فمن يأخذُنا إلى البيتِ»


    من يأخذُنا؟


    لن يأخذنا التعبُ

    فقد نسيناهُ على الكراسي،

    ولن يأخذنا الوقتُ

    فقد مرَّ من هُنا

    ولم ينتظر،

    ولن يأخذنا أحدٌ

    فالأحجارُ ما زالتْ نائمةً

    على الطريقِ…


    إذن

    ها أنتِ هنا

    في البيتِ


    تضعينَ العَين في العينِ

    وتلعبينَ بسلسلة مفاتيحكِ

    تلعبين بمصباحِ الكلامِ


    ترقصينَ

    فأضيعُ في البَهوِ،

    وظلال الموسيقى

    التي تترنَّح مثلي


    الأنفاسُ من كثرِ ما تمزَّقتْ

    تقدمُ لكِ الكرسيَّ

    والرغبةُ الكأسَ

    والمساءُ يُواربُ البابَ…


    بعينيكِ الوَحيدتيْنِ

    تجمعينَ جَسَدي

    بيديكِ الوحيدتيْنِ

    تخلقينني على السرير


    وعندما يستيقظُ النهارُ

    في الليلِ،

    أو يخرجُ الصباحُ نَظيفاً

    من بابِ الليلِ

    كالأمواجِ أُخرِجُكِ معي

    من الأحلامِ التي طَمَستْها الذاكرةُ

    إلى الذاكرةِ التي تُمزِّقها الأحلامُ


    فافترِضي

    أنَّ الحياةَ من دونكِ سُدى

    وأنَّ الروح هي المسافةُ التي

    لا تَقطعُها اليدُ

    وأنَّكِ شمعةُ الأرضِ

    وشمعة الأمطارِ التي لم تسقط بعدُ

    على الأرضِ

    وشمعةُ وصولَ سكانِ الكواكبِ الأخرى

    وشمعةُ القصيدةِ التي كُتبت

    في الظلامِ.




    *نص: أحمد راشد ثاني
    *من ديوان: وهنا اللذَّة

  • يدا جدك – ورسَن شِري – ترجمة: سلمان الجربوع

    يدا جدك – ورسَن شِري – ترجمة: سلمان الجربوع

    يدا جدّك كانتا بنيّتين
    باستْ جدّتُك كلَّ مفصلٍ في أصابعه،
    رسمتْ جزيرةً دائريّة في باطن كفّه
    وأخبرته أيَّ أجزاء سيتشاركانها
    وأيّ جزء سيتركانه وحده
    بلّلت إصبعًا لتحدّد أين سيكون المحيط
    على رسغهِ، قبّلته هناك،
    وسمّت المحيطَ على اسمها.
    يدا جدّك كانتا متمهّلتين لكن لَحوحتين.
    حَلَمتْ بهما جدّتك،
    دواليبَ ساعة من أصابع تبحث عن أماكن لتحوزها
    تحت اللسان، الترقوة، الشفة السفلى،
    مشط القدم.
    تسمّي جدّتك أصابعَه على أحوال الطقس-
    السبّابة، موجة حر،ّ
    الوسطى، هطول أمطار.
    إبهامه هو القمر في بعض الليالي
    آويًا تحت ضلعها.
    كثيرًا ما وجد جدّاك نفسيهما
    في غرفٍ مظلمة، يصنعان خرائط
    من جسديهما،
    وبفميهما
    يستوليان على بلدانٍ بأكملها.


    *نص: ورسَن شِري
    *ترجمة: سلمان الجربوع

  • اغفري لي يا أمي، واجمعيني في كيسٍ أسود – جعفر العلوي

    اغفري لي يا أمي، واجمعيني في كيسٍ أسود – جعفر العلوي

    صار ضرورياً أن أقول لكِ:
    إنَّ لكِ ابنًا، يا أمي
    يُشبهني في تفاصيلهِ.
    يبدأ صباحاته بالنظر إلى عينيكِ
    دون أن يقبِّل رأسكِ.

    اغفري لهُ نومهُ البارحة عارياً حين فكَّر في طريقةٍ ما، لإيقاف تبوُّله اللاإرادي في المنام. اغفري له مسَّ طهارتك بألبسة نسائه الداخلية التي تجمعينها من أسفل سريره. جُرأته على تحدي عميق إيمانكِ بجُمَلٍ سريعة ومقتضبة ونافرة. سخريته من فكرتك “البسيطة جدًا” عن الحب، وادعاؤه الكاذبُ فهماً أكثر تعقيداً لما يحدث. جبروتُهُ على قلبكِ الذي يبكي مطوَّلاً أمام التلفاز.

    ابنكِ الذي يشبهني، يا أمي.. كبر.

    نزع عن معصمهِ خيطَ كربلائكِ الأخضر الحزين. لم يعد يؤمنُ بالحسينِ الذي يزهو كنغمةٍ في هاتفك النَّقال، ولا بالحكايا التي تُصدقينها لأنها تشبهكِ. فقدتُ إيماني بكلِّ شيء تُصدقينه، يا أمي، منذُ إيمانكِ بي.

    اغفري لي عشر سنوات في أحضان غيركِ، سؤالي المُتكرر عن حال قلبكِ، كأنِّي لا أعرف. نَبرتي الزائفة وأنا أخبركِ:

    “لا شيء يستحق.”

    اغفري بطشَ أسئلتي
    عجزي عن لزوم بيت طاعتكِ
    أن أكون ابنكِ المثالي، كما تخبرين نساء الحيّ

    جئتُ متأخراً قليلاً، بعد أن صار غيابي ذريعةً لزواجٍ ثانٍ لأبي الذي كان يبحث فيَّ عن ولدٍ ثانٍ، ليصفعهُ بعد أن تهدَّم وجهُ ابنه البكر. متأخراً دقائق فقط وكانت كفيلة بعجزي، وقوفي دون قدرةٍ على إنقاذ ما تبقى منكِ تحت ركامكِ، تكوّمكِ الثَّقيل.

    ابنكِ “الوسيم”، يا أمي، لم يعد يُصدِّق مرآة انهزامكِ أمامه. لا أحد يُصدِّقه. صعَّبتُ عليكِ مُهمَّة إقناعهم. أرهقتُ كاهلكِ بالدِّفاع عني، وتَشذيبي. اغفري لي عَبَثي بحائط ذكرياتكِ الهَرِمِ.

    ابنكِ، يا أمي..
    ليس نبياً
    لأوَّل مرة..
    وصادم
    أرغمكِ على حُبِّهِ طيلة سبعة وعشرين عاماً.

    اغفري لي.. قَتلي بدافع الثأر لإحيائكِ بدافع الشَّفقة. مَحوي بدافع الحبّ لرسمكِ بدافع التسلية. اغفري رأسي الثقيل المُتعب على خاصرتكِ المُجرَّحة. هَرَبي الدائم. لوني الأحمر الذي استعرتُه من والدي طفلاً وشحوبي الذي استعرتُه منكِ آخر العمر. هرس رأسكِ الأبيض.. بنقاطِ تناقضي السوداء.

    كم أودُّ، يا أمي إنهاء خيط سنيني الذي تُعلِّقينه على صَدركِ. أن أُسقِط لحظاتي في حضنكِ.

    اغفري لي.. خياري الأول في أن أكون ولداً، وخياري الأخير في أن أصير شاعراً، ليس أقل ولا أكثر. احتمائي بكِ من القصص المُرعبة كلّها التي تسردينها، انزعاجي الدائم من قُدرتكِ الدائمة على الوَدَاعة، وترتيب البيت بأناقة ربَّة منزلٍ بارعة، وعجزكِ عن ترتيبنا كأبناء طبيعيين.

    صار ضرورياً أن أقول لكِ
    إنَّ ابنكِ، يا أمي
    رکلَ صحن نذركِ الأخير
    بال وراء الأبواب كلّها التي كنتِ تَفتحينَها أمامه
    ولازال يعرجُ
    منذ عراكه آخر مرَّة
    لم تنجح عرَّافات الحيّ كلهن
    في فَكِّ حجاب عزلته
    ولا في البحث له
    عن أسباب مُقنعة لضعفهِ

    ابنكِ المُجتهد، يا أمي..
    لم يعد قادراً بعد على إخفاء علامات رسوبهِ في مادة الحساب تحت السِّجادة. ولا علب الدخان الرخيصة خلف سيفون الحمَّام. ولا صور مجلاته الخلاعية في شقوق جدران المنزل. سرقتُ كلّ ما كنتِ تَجمعينَهُ وأخفيتُ بقايا حصَّالتكِ الخَزفية فوق سطح المطبخ.

    صار ضرورياً جدًا أن أعترف لكِ..
    أنَّني كنتُ أتعلَّق بباب المدرسة حين مزَّقتُ بنطالي الرمادي
    وملابسي كلّها التي تمزَّقت لاحقاً..
    كانت بسبب تعلّقي بأبواب كبيرة
    ومرتفعة.

    أنَّني كنتُ أهرب
    حين أعطبتُ دراجة أخي الجديدة
    ولا زلت أعطبُ كلَّ شيء..
    في محاولاتي المُتكررة للهرب

    أنَّني أضعتُ..
    مع ريموت التلفاز..
    قدرتي على التحكُّم بأيّ شيء
    ومع ساعتي..
    تعلُّقي بالوقت
    ومع معطفي الأسود الثقيل..
    تَمكُّني من تحمُّل برودة الخارج
    ومع مِغرَفتكِ المُفضَّلة..
    قُدرتي على تحريك حياتي التي تُعَدُّ
    على نارٍ هادئة
    ومع نعالي المهترئ..
    قدرتي على المشي دون ضجيج
    قُرب الحائط
    ومع حقيبتي المُزركشة..
    قُدرتي على إخفاء قميصي
    المُمزَّق من الخلف
    ومع مفاتيحكِ
    قُدرتي على اختيار الوقت المناسب
    للعودة إلى المنزل
    ومع أسناني..
    قُدرتي على عضّ أصابع النَّدم
    أو التشبُّث أكثر
    بهذه الذكريات.

    ابنكِ الذي يَشبهني، يا أمي
    کبُر
    كبُر كثيراً
    اغفري له
    اجمعيهِ في كيسٍ أسود
    وألقي بهِ
    من السَّطح.

    *نص: جعفر العلوي
    *من ديوان: قبل أن يرتد باب الندم على أصابعي

  • الموتى لا يضحكون أبدًا – مختارات من سما خفاجي

    الموتى لا يضحكون أبدًا – مختارات من سما خفاجي

    كوبُ ماءٍ ممتلئٌ حتى المنتصف 

    يعرفُ ما لا أعرِفُهُ عن الأبدية.

    نحن مسوداتٌ لما لا نعرفُ عنه شيئًا 

    مسوداتٌ لوجودٍ فاسد.

    الهاويات العميقة حيثُ تكونُ حرًّا تمامًا.

    الطفلُ الذي بداخلنا يبكي بدون أسبابٍ أحيانًا

    بالجمال؛ نعير الزمن لخلود تقطعُهُ غفلةٌ جديدة.

    نمنحُ الحبَّ والظلالَ صمتنا.

    ببالغ الحنان أحتضنك، وأحتضنُ خساراتي.

    قطرةُ مطرٍ لا تملُّ السقوط،

    أخيرًا تعرفُها الصخرة.

    أسقطُ كاختيارٍ وحيد لا تبدِّدُه الشموس.

    أسقطُ كعارفة، لا أترددُ أبدًا.

    أسقطُ كما الحلم.

    تسقط كما رؤياها.

    نهبها الزمن الذي كان بين يديها .

    لماذا يحبُّ البشرُ الموتى؟

    لأنهم ماتوا.

    في الظاهرِ عينٌ،

    تحت الجلد صحراء.

    الليلُ يدركُ تهاوي العشاق،

    يضحكُ الأملُ كثيرًا على السذاجة المفرطة .

    الأمل هو أسوءُ ما فينا.

    الموتى لا يضحكون أبدًا.

    الأحلامُ الحزينةُ،

    تتساقطُ منها الأشجارُ اليابسةُ والنجومُ المنتحرة .

    السعادة أن تعرِّيكَ الخسارةُ،

    أن تخسرَ حتى الخسارة.

    ما الذكرى؟

    أنت في حلم أحدهم .

    ما الحب؟

    ألا تسمع ولا تبصر.

    ما الحزن؟ 

    أن تبقى وحيدًا وأعمى في الحب.

    العاشقُ هو الأكثرُ صمتًا.

    ماهو البحر؟

    حلمٌ.

    ما الخيبة؟ 

    أنت وقد استيقظت سفينةً تغرقُ في النسيان.

    من الأقرب؟

    الغريب.

    الحزن يقتل الأشجار.

    عشب الحديقة 

    يعرفُ أن الهواء فاسد.

    ما هو موطن الأشجار؟ 

    السماوات.

    ماهو الحنان؟

    الليل يطوي النهار.

    الألمُ يبني أعشاشه ثم يستقر عميقًا.

    للموت نباته، لا يصعد إلا ليموت.

    العالم كسير لا تنقصه الخسة.

    لا أريد عودتك لنصوص ليلي.

    ندرك النهايات

    لذلك تأتي مطابقة لكوابيسنا المفزعة.

    ***

    في المساء أطفىءُ الأضواء

    أشعل شمعتين أو أصابعي أحيانًا

    تنساب مني الأرواح الهائمة، 

    الشوارع تمتليءُ بالقطط ذات الحيوات المتعددة، 

    والكلابِ التي تعاف البشر

    ماذا يجب أن نفعل في هذا الليل؟

    هل نتجول في المدينة نقتلُ كتسليةٍ متخيلة، 

    نشعلُ النيران في المدينة العفنة؟

    العفونة تملأ المدينة،

    الشوارعُ الوسخة، احتضاراتٌ في كل مكان، 

    جماجمُ مليئةٌ بالثقوب تملأها الأكاذيبُ والرياح، 

    أعضاء تناسلية تتدلى هنا وهناك في الفضاءات والغرف المتعفنة

    عريٌّ لأجلِ استمناءاتٍ سريعة،

    لا أحدَ يشمُّ عفونة الموت

    أصغي للموتى يمارسون طقوسهم البائدة

    يصنفون الناس ويمنحون الصكوك

    مثيرون للغثيان، يستعرضون عطنهم والعفن

    لابد من حرائق شاسعة، 

    فيضانات غامرة لتنظيف المدن من الموتى فاقدي حاسة الشم

    ***

    ياحبي الوحيد،

    كلُّ شيءٍ يتلاشى هنا، 

    لا شيء له معنى

    لا الحياة ولا الموت

    لا حكمةٌ،

    لا حراسٌ لمذابحِ الملك،

    الروحُ تضلُّ والوادي الخصيبُ امتلأ بالنخاسين بائعي الغد

    النيلُ لا يفيضُ

    فوق الطرقِ الملتهبةِ توابيتٌ تسافرُ دون وجهة..

    مدينةٌ نبتت على جثثِ أحلامِ الضائعين من قراهم

    المدنُ الحزينةُ دومًا،

    حزنًا يشبه وجوهًا مهدمة

    وجوهُ سكانِ المدنِ الضبابية،

    تشبه بناياتٍ منهارة …

    المدنُ مزدحمةٌ ببشرٍ لا مرئيين،

    نام الجميع

    بقيت أشباحٌ حزينةٌ تتجولُ مع الكلاب والليل،

    مدينةُ تشبه احتفالاتُها جنائزَها

    لا خروجَ من المدينة، 

    المدينة ستبقى في كل أحلام التيه…

    بالتوازي تقرأ ذاكرتها المعبأة في كشاكيل صفراء

    تعبر حجرة التخدير

    تلقى من عالم لآخر

    كإضافة لعناوين أخرى

    الجسد مصيدة الألم.

    ***

    لمن تلك الأماني في قصائد لا أجنحة لها

    مقصية للصمت للطرقات الخاوية،

    منتصف النهار

    الصمت يتسلق جدران المنزل

    نوم طويل نوم مرير

    الغابات التي لم نذهب لها يوما

    الوحيدات المتعاطفات يتعلمن اللؤم

    ليروين قصصًا ليست لهن

    نوم طويل .. نوم مرير

    النائمات في القصائد مصيرهن الوحدة.

    *** 

    اليوم بجوار النافذة

    ابتلعت مضادات الاكتئاب 

    طعنتك 60 طعنة أو أكثر

    بكيت بدموع مجففة

    بكيتك بصدق وعميقا

    أرجوك لا تعتبرني عدوانية

    أنا فقط أمارس طقسًا تنفيسيًا

    قتلتك آلاف المرات

    ***

    عقب كل خيبة

    كل سقوط

    أستعيد تفاصيل وجهك اللامبالي

    ثم أشعل سيجارة

    **

    ذات صباح في المدينة

    أفكر في تلك العصافير الهشة

    الرمادي ينساب على نافذتي.

    ***

    أنقذني الشعر مرات

    من الحافات الخطرة التي أهوى الوقوف عليها،

    أنقذني من العماء 

    من البكاء على جثث الحلم.

    مأخوذة بالحنين للسموات الزرقاء

    مهووسة بالضياع وهذياني بالموت

    قلبي كان يشبه نصا مفتوحا على البحار

    لم ينف الموت، بات محتملا فقط.

    أنقذني الشعر مرات

    ضمد الشعر جراحي

    بدل ابتساماتي الشاحبات ببضعة نجمات

    كان رفيقا جيدا لا يمل الاستماع

    وحينما عدت من بلدات الحلم

    عائدةً خاوية بلا غيمات بلا أسرار

    الكلام الذي لم أبح به لم يزيف 

    بقي بنفسجيًا

    في نصوص تشبه حزنًا ناعمًا.

    رغم بقاء الليل رغم ضياع منازلنا

    يعلمني الشعر الغفران لمن يصرون على البقاء في الموت.

    يحتضن خيباتي ويمد الأشجار،

    ثمة حقيقة أعرفها كما أعرف الحلم،

    الضوءُ يترسب،

    ولا مفردات هنا.

    سما خفاجي

  • الصحراءُ طاردتني من حَانةٍ إلى حَانة – أحمد راشد ثاني

    الصحراءُ طاردتني من حَانةٍ إلى حَانة – أحمد راشد ثاني

    بعد النُّطفة

    أولَ مرةٍ فرَّطتُ بطفولتي قُربَ بئرٍ تُقبل متناثرةً عليَّ، فيما يليني من أيامٍ، وكأنني لن أقبضَ بعـد النُّطفةِ على أحدٍ، ولن أنطوي بعد الرَّحمِ
    على كَونٍ.

    هكذا، وبسرعتي انسحبتُ من غشاءِ القابلةِ إلى عراءٍ
    لا يجتمع على نَهدٍ

    في هواءٍ يلتهبُ بي وحدي
    في بريَّةٍ لا يتكلم فيها الماء
    أتفردُ بشاعةً عارمةً
    وملامحَ أُطلقها من ضيقي فلا تعود …
    حتى إن أقفاصاً تصفق ُتوقاً عني
    لتطير

    فهرولتُ في صخرةِ الجدران الصمَّاء
    في صناديق الآبار المهشمةِ
    في جفاف الغيومِ الداكنِ
    في مزاجِ الأبوابِ

    كلُّ مغلقٍ جاءَ ليقفَ أمامي
    كلُّ ليلةٍ لالتهامِ الفجرِ
    كلُّ طريقٍ من طرقاتي
    يمرُّ على مقبرة

    … لكنَّ الطرقات مرَّت
    وكبرت القُرى تحت عينيّ
    والبحر ألقى أنفاسه الأخيرة
    على نافذتي
    وذهب مع السور.
    الصحراء طاردتني
    من حانةٍ إلى حانة


    خُطواتي واسعة
    بلا قرار
    أحلم بفمٍ مستطيل
    وقلبٍ دائري،
    مما جعلني على الطاولات
    حافلاً بالآبار،
    وعلى البحار كالطيور
    أقفز من هذه الموجة
    إلى تلك
    وأتسلق الهواء
    كأنَّني على سدرة الجيران.

    دمي يدفنُ الشمس
    في الغروب
    خلف الجبل،
    وأخرج الأمواج الطائشة
    من مرآتي بصعوبة

    الليل أخي بالرضاعة
    والغيمة موعدي مع الصُدف.


    لا أحد

    لا أحـدَ قـربـي كـي أزورَ حـيـاتَه وأرتـِّق مَـوجَـهُ وأرعى
    غيومَه على طاولةٍ تجلسُ عليها رياحُ دمي…

    لا أحدَ

    لا أحدَ قربي كي أطوفَ أصابعَه
    غازياً كثبانَهُ بملقطِ عَينَي
    بسكينِ الرّغبةِ

    الماءُ على ضوءٍ جافٍّ
    البحرُ صحراءُ الداخلِ
    وتحت الدمِ يجري الندمُ
    وعلى أكتافهِ ذاكرةٌ
    من صخورٍ.

    من فجر سابق

    عطشٌ ناشبٌ بخلجانِ عذوبةٍ
    … وقد نمتُ الآن كما لو أنَّني رغبةٌ
    من فجرٍ سابقٍ

    وأيضاً غيوم دمي
    على وديان يديك
    تتذوقُ الخطرَ

    لم أجد قربَ وجهي
    ما تجدهُ العيونُ عادةً
    لم أجدِ الرحمةَ
    ولم أجدِ الارتواءَ

    كلَّ غُروبٍ أجمعُ حُطامَ جبالي
    وتأوهاتِ البحرِ
    وأقطعُ طريقَ نفسي
    حتى الرَّبوةَ في داخلي
    ومن هناك أنحني على مرآةِ عطشي
    كُلَّ مرة أقبضُ على بَدَدٍ
    حتَّى عمَّ
    حتَّى عمَّ العَماءُ
    عَمَّ…
    وانهمرَ.


    نص: أحمد راشد ثاني
    من ديوان: حافة الغرف

  • قياسُ الهاوية بآلةِ الكلام – محمد الحكيم

    قياسُ الهاوية بآلةِ الكلام – محمد الحكيم

    I

    القدمُ:

    سبعُ خُطواتٍ إلى الوراء،

    سبعُ أفكارٍ تسبقُ المعنى،

    خُطوتانِ إلى الأمام،

    عُمرٌ كاملٌ من الكتابةِ،

    للوصول.

    باطنُ القدمِ:

    تأملُ اللهِ في شرقِ البحيرة، 

    المشيُّ على آثارِه باتجاهِ الداخل. 

    الغرقُ.

    الروحُ:

    عُريٌّ لا يَشِفُّ، 

    تَعرٍ لا يَفضحُ، 

    هُلامٌ للمادةِ، مَادةٌ للهلامِ،

    شبقٌ للقاءِ الغريبةِ.

    الشَّرودُ.

    الجسدُ:

    شَهوةٌ للغريبةِ،

    السيرُ عارياً نحوَ البعيدةِ،

    امتطاءُ الوَحْشَةِ ليلاً.

    دَمٌ للعشبِ، 

    عُشبٌ ينبتُ في صَدري، 

    تتوسَّدُهُ القريبةُ، 

    البعيدةُ 

    الغريبةُ.

    II

    وَلَدْتُ نفسي في كهفٍ مُظلمٍ،

    فنَمَتْ حَواسِّي في العتمة.

    تعلمتُ أن ألمسَ وُجودي،

    كي أكونه.

    تقتربُ الحقيقةُ مِن دَمي،

    في لقاءِ الغابةِ بالليلِ

    أسفلَ الشجرةِ كُلَّما 

    وُلدَ معنىً جديد.

    III

    أتعوَّدُ الشعرَ،

    تلتقي ضِفَّتانِ في آخرِ الليلِ،

    في أوَّلِ الأنثى، في عبورِ القصيدةِ

    قَمراً يَنزُّ برغبةٍ فِضيةٍ، أو نَهراً مَوجوعَ

    البَللِ، أو نَهداً قُدسيَّ الشَبقِ.

    الخيالُ الْمُشعُّ للحِكمَةِ، 

    خيالُ الكلمةِ،

    نورُ الظَّلمةِ، ودليلُ الْحُلكَة

    الباهرة.

    IV

    مَنذورٌ للريحِ، ولحلمِ النارِ الصاعدة،

    مَنذورٌ لهواجسِ الغريبةِ، لِخوفِ العذراءِ،

    للعواءِ، ولِحفلاتِ الأنينِ الجماعيةِ

    تُنظمها الحياةُ، ويَرعاها الوجود.

    مَنذورٌ للهاويةِ.

    السقوطُ إلى العدمِ الْمُمِضِّ،

    أن يَطأَ الإنسانُ عَدمَه خارجَ

    سياقهِ، من أجلِ كينونةٍ أخرى.

    V

    دُخانٌ يتكوَّرُ على نفسهِ، ويَخلُقني.

    يدُ اللهِ تحيطُ بي وأنا على هيئةِ ذَرَّةٍ، وتَخلقني.

    قَصيدةٌ نافرةٌ في دَمي، تتشظَّى فيَّ، وتَخْلُقني.

    كَونٌ يتمَدَّدُ في ذاكرتي، ويَخلقني.

    ذاكرتي مُمتَدَّةٌ مُنذُ خلقتُ، 

    ذَاكرتي قُرصٌ ممغنطٌ 

    لا تنتهي قدرته على التسجيل.

    صَوتيَ مَلعونٌ، 

    صَوتيَ أفولُ الليلِ، 

    وخَاتمةُ اللحنِ الضائع.

    VI

    مُصابٌ بلعنةِ التحوُّل. 

    قَدري مُخبَّأٌ في وَشمٍ 

    على هَيئةِ ثُعبانٍ أسطوري، 

    مَرسومٍ فوقَ عانةِ غجريةٍ حسناء.

    VII

    مَطعونٌ بالمجازِ، 

    أواجهُ الاسفلت بقناعٍ

    يحجبُ عن الآخرينَ رؤيتي

    كاملاً،

    فأكونُ النقصَ في نظرتهم،

    الضعفَ في توَّهُمهم للقوة،

    الانحلالَ في تظاهرةِ الفضيلة،

    أكونُ المعنى الزائدَ عن حاجتهم،

    لأنني بكلِّ كلماتي، لا يحتاجني

    أحدٌ سوايَ.

    VIII

    مَوتي حياةُ الكلمة،

    والكلمةُ دليلي نحوَ الأبد.

    أحكي تاريخَ الرعشةِ

    طوالَ الوقت. 

    لحظاتي قُربانٌ للضجرِ

    كي يَدعَني أخوضُ الموتَ

    بسعادةٍ بالغة.

    أموتُ كلَّ يومٍ، كي

    أحيا قليلاً.

    تَحضُّري مثاليةٌ تربويةٌ،

    ولُغتي أسلوبٌ غيرُ محايد

    لتناولِ الحياة.

    مَا الحِيادُ؟

    أن تظلَّ على قيدِ

    لا شئَ. أن تقفَ

    على الحافةِ، ولا تسقطُ.

    ما الأملُ؟

    أكبرُ داعرٍ يُقيمُ فينا،

    ونستطيبُ مُقامَهُ.

    ما الخداعُ؟

    فضيلةُ هذا الزمان.

    IX

    أغوصُ في عمقِ دوامةٍ رملية.

    أجيدُ تقشيرَ البرتقال. 

    مُذنبٌ بحالةٍ جيدة.

    متوقفٌ عن النبض.

    صامتٌ كمقبرة.

    مُجرمٌ، بانتظارِ جريمة.

    إنسانٌ يحبُّ ظلَّه في الأرض، ويحميه من الشمس.

    حارسُ الهاوية              سادنُ الخواء، 

                 مَعاً ضدَّ العالم.

    ضدَّ الوقُوعِ ضَحَايَا لِمَا هُوَ حَتمِيٌّ.

    X

    هَاويةٌ تتنفسُ دُونَ عُمقٍ،

    لاَ قَرارَ لها.

    لا جبالَ تقطعها، 

    لا وديانَ تتيه فيها كي تصلَ إليها، 

    إنها تصلُ إليك.


    *نص: محمد الحكيم

    * من ديوان: يحرث الهاوية – 2010

  • كلانا معًا على حافّة جسدَيْن – عبده وازن

    كلانا معًا على حافّة جسدَيْن – عبده وازن




    مزاج

    تعالي ننام، أمامنا الكثير من الليالي، لنسهرَ ونَفتحَ عيوننا، فأنظر إليكِ، وتنظرينَ كأنَّما ليس إليّ. تعالي ننام، فالنهار سيكون طويلاً غداً وبعد غد وبعد … لِنَنَم ما دامت نجمة التلاشي أشرقت علينا من قلب هذا الاحتضار الطويل الذي نُسميه الحياة، من صميم هذا الخدر الذي يعتري جَسدينا. لِنَنَم كأن دهراً مر لم نتم فيه لحظة. كأنَّنا ولدنا من أرقٍ طويل، وعلينا أن ننام مثل نُطفتين، ما بَرَحتا في عتمة رحم. كأنَّ شخصيْن آخرين ناما عنا تلك الليالي كلّها ونحن ساهران، كأنَّهما يَنامان عنَّا وعيوننا يتأكَّلها ملحُ اليَقظة. فلأغرق فيكِ، ولتغرقي في حفرة اللَّذة العمياء، إنها غيمة القُطن التي سَنَتمدَّد عَليها. حواسّنا لن تَستيقظ قبل صياح وعكتنا، فلنَنم عَاريين حتّى إذا ذبنا في شَمس غريبة، نختلط جسدًا بجسدٍ، ونصبح بقعة هائمة. إنَّنا أرقْنا كثيراً، وكدنا نُمسي طَيفيْن، يطويهما الخَواء عندما يهبّ، ويَمحوهما الضوء عندما ينسلُّ من النافذة. أرقْنا حتَى أصبَحنا بزُرقة الفَجر المنتحر، ومزاج حادٍّ كالمعدن. لِنَنَم قبل نحني الظهيرة، قبل أن يشيخ الصَّباح وتقفر سماء الليل. لِنَنَم قبل تنتهي ما ندعوها الأيام. إنَّني أُهلوس، أعرف، ربما أنتِ تُهلوسين، ربَّما کلانا معًا على حافة جسدَين، هما لنا، بعدما نالت منا قيلولة الرَّعشة أو ما بعدها بقليل.






    المنسيُّون

    أحبُّ الشعراء المنسيِّين
    الذين لا يَطرق بابهم أحدٌ
    الشُّعراء الذين وقعوا باكراً
    في حُفرة عُزلتهم
    الذين أَغلقوا دفاترهم
    لئلا تَقرأها عَينَان
    الشُّعراء الذين طَووا أيامهم بالسرِّ
    لئلا يَسمع وقع خُطواتهم
    حجر أو شجرة
    أولئك الذين كأن لم يكونوا
    قصائدهم بلَّلها برد الليل
     حِبر أصابعهم محاه الظلام
    آثارهم حَملها الهواء
    إلى ما وراء المملكة
    الشُّعراء الذين لم تبق لهم أسماء
    ولا وجوه، ولو بالفحم
    الذين امتزجوا برحيق تُرابهم
    الذين أصبحوا ليل الشعر المُشرق من أحلامهم
    الذين على حافة الأرض يقفون
     ليبصروا نوافذ، كانت لهم
    دروباً ومقاعد.

    أحبُّ الشعراء المنسيِّين
    الذين أوقدوا أسرجتَهم باكراً
    وبدلاً من أن يناموا
     راحوا يطوفون أطراف عالم
    أبعد من نظراتهم.


    شبح

    لا وَجهَ لي أراه في المرآة
    لا عينيْن لي أُخبِّئ فِيهما سَماءً
    الشُّعاع الذي عبر محا صورتي
     وصرتُ كالطيف لا يُبصره أحد
    أعبر أبواباً مُغلقة
    الجدران لا أترك فيها أثراً
    والسياج لا يجرح يَديّ.
    إذا لَفَحَني هواء
    أترنَّح خفَّةً
    أُحلّق قليلاً
    ثم أسقط كورقة خريف.
    إنَّني الشبح
    الذي فَقَدَ عينَيْه
    قبل أن يخرج من الظلام.

    عينان

    السرّ لا تبوح به عيناكِ
    مهما فتحتِهما
    مهما أغمضتِهما
    مهما دمعَتا
    هاتان العينان
    بأزياحِ شَغفِهما
    الواضحتَان بمَائهما المَجروح
    المُتلبِّدتان بِصفاء ينبوع 
    المُشرقتان خلف سحابة
    النَّقيَّتان بشغف المجهول 
    المُبهمتان حتى الفجر.

    السرّ لا تبوح به عيناكِ 
    عيناكِ هما السرّ 
    الذي يَبوح بزرقته.




    *نص: عبده وازن
    *من ديوان: لا وجه في المرآة

  • مذكرات ك.ز / للكاتبة فاطمة رحيم

    مذكرات ك.ز / للكاتبة فاطمة رحيم

    أشياء لا يمكنني تفسيرها:
    غضبي من الوقت
    من الحلم والنافذة
    والضوء.

    الجمعة ١٢ نوفمبر ٢٠٢١
    ألجأ إلى الكتابة كلما شعرت بأنني أريد ركل حجرٍ أو رشقه بمنتصف لوحٍ زجاجيّ لتهشيمه …
    أو عندما تلتهمني الرغبة في تمزيقِ صورة من أحب، أو عندما أحتاج للقفز من علوٍ شاهق دون الوصول إلى الأرض، دون أن أرتطم بحقيقةٍ تؤلمني.
    ألجأ إليها ليظل الفعل السيئ قيد الورق، لأنني لا أجرؤ على التنفيذ.

    أجلس الآن بمنتصف صفحة فارغة
    أعد الدقائق التي مضت وتلك التي سوف تمضي
    دون أن نتحدث، أعدك سأدرب قلبي على المزيد من الغياب.

    أحبك ..كلمةٌ مُرة – أحيانًا – وفي أغلب الوقت لاذعة أو حامضة أي شيء غير أن تكون بحلاوة خالصة دائمًا ما أجدها ممزوجة بوجعٍ ما أو بجرحٍ ما، إلا أنني لا أتوقف عن قولها، أو بلعها، أو مضغها .. أفعل أي شيء إلا بصقها !

    أخاف من الوقت، حين تزحف عقاربه على وجهي، كل ما أفعله هو البكاء .. أبلل رمل جسدي كي لا يكون ملجأً للعقارب.

    ليلة الأمس سهرت معك بجسدٍ أهلكه التعب، لا كلمة واحدة ولا ابتسامة لم يكن إلا عناقٌ طويل.

    ****

    معك
    أصل إلى حافة الحافة
    النقطة التي يتحول فيها سقوطي إلى جنون. منذ البداية كنت أعرف أن تورطي في عشقك سيقودني إلى حتفي وبكل إصرارٍ تورطت.

    يمكنني الآن أن أكتب أكثر
    ليس عن الأمس، ولا عن الأيام التي مضت .. سأكتب عن عينيك التي التهمتني بكاملي ولم تترك مني شيئًا .. عن صوتك وعن النبرة التي اخترقت أقصى حواسي بلا أدنى رحمة ..
    عن شعوري المسالم لأنيابك ومخالبك .. عن محبتي لدور الغزالة التي تفضل عناق البندقية بدلاً من الهرب.

    ****

    اعتدت على ذلك أن أعرض نفسي للخطر، أن أحب .. أن أكون الريشة الوحيدة لكل ما ترتديه الريح.أنت هنا أم هناك، لا فرق، ففي كل الأحوال أنت نائمٌ تحت جلدي كالحزن.يزداد الأمر سوءًا، نعم، في أوقات غيابك يحتل الليل جميع النوافذ وتسد الرمال جميع الأبواب.لا بأس، أحب الغرق وحديأحب أن أخلع ما يؤلمني من فوق قلبي كما تخلع العاشقة المتلهفة ملابسها لمعانقة حبيبها المتأخر عن موعده بساعةٍ ونصف.

  • التصاق – دوريان لوكس – ترجمة: سامر أبو هواش

    التصاق – دوريان لوكس – ترجمة: سامر أبو هواش

    التصاق

    الضوءُ يبقّع الظِّلال بلونٍ أصفر.
    نتعرّقُ ونندفعُ إلى بَعضينا،
    نتسلقُ بأصابعنا سلالم الأضلاع الزلقة.
    وحيثما يَتلامس جَسدانا
    يصيرُ الجلدُ حياً، حاراً وتواقاً،
    وكحيواناتٍ غير مرئية
    يتحرَّكُ على صَدري ملمسكَ الناعم.
    ما أريده أن أمدّ يَدي ببساطةٍ وآخذه بغير كياسة،
    أن ألتهم الخبزَ البشري القاتم
     بیدین جَشعتين.
    أن ألتهمَ العيون، الأصابع، الفم،
    طفيليات الرَّغبة العذبة.
     مجنونة أنا، رأسي مليء بالنحل،
    أترى كيف أضرب الوسادة بغير وعي.
    وحين يستسلم جَسدي أخيراً،
    ثم يجرُّ نفسه بعيداً، مشبعاً بالملح،
    ويتقوس بوجعهِ الأخير،
    أشعر بامتنانٍ شديدٍ نَحوك،
    فأعطيكَ أي شيء، أي شيء.
    إذا ما أحببتكَ، يُمكن أن يقتلني هذا القرب.

    القُبلة

    قبلةُ عاشقين على مقعد الحديقة،
     على حافة السرير القديم، على بابِ البيت،
    أو في الكنيسة.
    قبلةُ عاشقين بينما الشوارع تغصُّ بالبالونات
     أو الجنود،
    بالجراد أو بالأوراق الملوَّنة،
    بالغبار أو الماء أو النيران.
     قبلةُ عاشقين على امتداد العصور
     تحت الشمس أو النجوم،
     تحت الأشجار الميّتة،
    أو المظلات، وبين الأطلال.
     قبلةُ عاشقين بينما يحمل المسيح صليبه،
     وينشد غاندي الخُطب،
    وتشق رصاصة الهواء
    إلى قلب طفل رائع.

    قبلة طويلة، عميقة، فسيحة،
    تستكشف صمت الفم،
    تجوعُ إلى نبض الحياة.
    لا تتوقف قبلة العاشقين
    حين ترتطم السيارات
    وحين تسقط القنابل،
    وحين يبكي الأطفال
    لحظة خروجهم إلى الهواء الأبيض،
    حين ينحني موزارت فوق حسائه،
    أو يميل ستالين فوق حديقته.

    لا شيء يمكن أن يوقف العاشقين
    عن هذه القُبلة،
    عن أن يبدأ هذا العالم من جديد.
    لا شيء يُمكن أن يوقفهما.
    قبلة طويلة، عميقة، فسيحة،
    قبلة تورّم الشَّفتين،
    تجعل اللسان يندفع كالمجنون
    وراء عذوبة الريق.
    أريد أن أصدق أن العاشقين يتبادلان هذه القبلة
    أملاً بإنقاذ العالم،

    لكنهما لا يفعلان ذلك.

    كل ما يعرفانه الإلحاح والحاجة،
    حين يلتصق وجهاهما كزهور مسحوقة
    ثم يرتدّان ثانية.
    يغطيان الأسنان. يفعلان ما عليهما فعله
    أملاً بالنجاة من الأسوأ.
    يكتمان الكلمات القاسية،
    يموتان بسبب خطايانا.

    في هذا العالم المحطم
    يمارس العاشقان هذا الفعل البسيط الكامل.
    يتعانقان.
    يتبادلان قبلة فحسب.

    *نص: دوريان لوكس
    * ترجمة: سامر أبو هواش

  • تراتيلٌ لمقبرة الغربة ونصوص أخرى – ريوان ميراني

    تراتيلٌ لمقبرة الغربة ونصوص أخرى – ريوان ميراني

    غرفتي

    ٭ غرفتي المتخمة بالأحزان

    لم تعرف نافذةً مُطلة على العالم

    غير ضحكتكِ

    ٭ في الغرفة قنانٍ فارغة

    وركوة ترسبت فيها الذكريات

    ٭ للغرفة جدرانُ مطليةٌ بلمساتكِ

    وشقوقٌ يخرج منها طيفكِ

    كلما أقفلتُ الباب

    ٭ للغرفة وسادةُ مشربةُ بعرقنا .. ودموعنا..

    كومة ملابسكِ المنسِّية

    وستارةٌ إحدى وجهيها تحرسُنا

    والأخرى تعرف كل الشامات

    ٭ للغُرفة أرضية أيضاً

    أرضيةٌ تهوى أن تقبل قدميكِ

    تماماً كما طلبت منكِ البقاء

    آخر مرة

    ***

    تراتيلٌ لمقبرة الغربة

    المَقبرة التي تُشبه المحرقة

    تستحيلُ بُستاناً

    إذا ما زُرتِها

    ٭٭٭

    روحُكِ وإن كانتْ هائمةً

    ربةُ شعرٍ

    تَغزِلُ قَصائد النور

    بِحروف الحنين والألفة

    ٭٭٭

    لستِ وحيدةً

    ولا أنا

    فجيوبُنا مُكتظةٌ بالشِّعر

    وهذهِ بألف حياة

    ٭٭٭

    لا تَسلُكين للفرح طريقاً

    أُخرجي .. فهأنٰذا

    أهدم جُدران الخَيبةِ بِمعول الأمل

    أحفرُ الأسى بأظافِري عنْ ابتسامتكِ

    وأسقي الحدائق في شُرفاتكِ

    لابُد من طريقةٍ ما..

    سأخترعها..

    فهذهِ الروح الجَميلة

    لا بُد أن تَخرُج للنور

    لا

    بُد

    أن

    تخرُج

    للنور

    ***

    إذا ما ذهبنا إلى النهر ثانيةً

    منذ آخر لقاء بيننا

    ما عدتُ أتذكر النُّور

    لم تلتفتي لتقولي وداعاً

    ولم تُلوحي ولو بكلمة

    لذا حفرتُ قبري في قلبي

    ومشيتُ بعصا الأمل

    بألف ألف حُفرةٍ للغياب

    كل اللواتي عرفتهن

    لم ينسوني إياكِ

    أعترف..

    صنعتُ الحب مكابرةً

    مع كل أُنثى

    كنت أنتقم من طيفكِ..

    ظننتُ أن قلبي سيصيرُ حديداً مع الزمن

    ولكن أكلهُ صدئ الرحيل!

    كل شيءٍ بات رمادياً..

    جف النهر..

    والأشجار نثرت أوراقها بخجل..

    الأعشاشُ هربت مع الريح

    والعصافير توقفت عن إنشادها، وهاجرت بعيداً

    أوتارُ الوجود إنقطعت

    الليل أهدر نجومه كلها

    والسماءُ غادرها الشمس

    وأنا..

    وأنا..  فقدتكِ للأبد

    هل تتذكرين..

    ذلك الجدول وخريره،

    العشب النديّ وهو يُداعب أقدامنا العارية

    يديَّ وخصركِ..

    والهواء الذي شاركنا في اِغتيالهِ ذات ليلةٍ

    على هامش قريتنا النائمة

    ليتني أطعتكِ

    وتركتُ الوعل يرعى

    في المراعي العذارى كما أشتهيتِ

    أتذكر حينها بأنني أحجمت من أجل رصاصتين

    كان ذلك أكبر شيء ندمت عليهِ في حياتي

    لذا في كل ليلةٍ قبل أن أنام

    أقضم أصابع الندم

    وأردد بدمعتين للشجن

    تعويذتي السحرية:

    “أعدكِ،

    هذهِ المرة إذا ما ذهبنا إلى النهر

    أن نعود ثلاثةً”

    ***

    ثلاثةُ مشاهدٍ تائهة

    المشهد الأول

    مُتخماً بالغياب

    أجلس القرفصاء أمام النهر الشارد

    هزيز الريح يُراقص أشجار اللوز إغتصاباً

    والشمس تنتحر خلف التلال البعيدة

    تبدأ السماء بحشرجتها اليومية

    فوق المدينة الصاخبة

    تفنى الغيوم في البكاء الزاخر

    أعمدة الكهرباء المصلبة

    تحمل على أسلاكها

    أسراب حمائمٍ بأجنحة متكسرة

    معلقة بين لا مكانٍ، وزمنين

    ألسنة اللهب تأكل سنابل العمر

    والغصة المتعششة في القلب

    توقفت عقارب الساعة في معصمي

    وأنا أثرتُ الصمت الحكيم

    أمام كل شيءٍ يتكلم من وحيي

    المشهد الثاني

    في كل صباح أمشي إلى الناس

    وفي كل مساءٍ أرجع

    كل شيء يبقى على حالهِ

    ولا أحد يرى القصائد المذبوحة في قلبي

    المشهد الثالث

    كل يوم أموت

    فلا شيء جديد إذاً.

    نص: ريوان ميراني

  • صورة أخذت بدقةٍ في الظلام – سوزان آزاد

    صورة أخذت بدقةٍ في الظلام – سوزان آزاد

    غرفتك المقبرة ..

    تابوتك الصغير الذي أغلقت بابه على بدنك، الغرفة المكتظة بأدوات انتحارك، ويسكن معك فيها الكثير من أشباحك الغرفة الغول التي لمّا تضيق عليك تبلعك، المُنقطعة عن الضوء والفرح والحب والناس… بالمناسبة (الناس) كلمة تعني الكثير من أشباهك، كائنات مثلك من لحمٍ ودم، لها أرجل وأسنان وضحكات مختلفة ومشاعر الغرفة الـ….. المكان الذي تقبع فيه الآن الوهن الآيل للانهيار .. أربعة، أمتارك غير المطلة على الحياة عهرك الذي تصدر منه الوجع، حتفك المحبوس فيه .. آخر زنازين انعزالك، لها باب واحد أقسمت عليك بما تعبد اخلعه، طيره من مكانه ثم اخرج، ا خ ر ج، على اشتياقنا الحزين وقل: سأجرب مرة ثانية الحياة.

    ****

    الوحدة:

    هي كل صورك الفوتغرافية المأخوذة بدقةٍ في الظلام ..

    هل تتذكرين ورقة الشجر التي صدمت رأسك عصر هذا اليوم، الورقة الذابلة اليابسة هي أوضح مثال يمكن أن أستخدمه في شرحي الممل للوحدة..

    السبب ليس رأسك ومؤكد أنَّ الهواء بريء من ذلك .. أنَّني أعيش مثل غيابك تماماً لولا حفنة الأصحاب الذين يخرجون الميت من الحي.

    الأصحاب هم الذين يثرثرون طويلاً ويرغبون في السُكر والتدخين وهم الكثيرون جداً .

    ****

    بكل أسفٍ أنا حقيقية جداً
    في القرى المشطوبةِ من أطلس العالم،
    كانت أمي وجاراتها يغلين الماء في برميل نفطٍ، يعودُ في الأصلِ لشركةِ تنقيب انتهت ولايتها على البئر الناشف ريقه ..
    وتأخذُ كل سيدة بعد ذلك حصّتها من الماء
    لتبدأ جولةٌ من الزعيق على الأولادِ المتمردينَ على الصابونِ،
    آه
    أنا حقيقية لأنّي كنت أركض قبل أن يغلي الماء
    في نهرٍ ضلَّ طريقه
    وأصل قبل أن تزعق الأمهات للظمأ
    ومثل السمكاتِ اللواتي تنتهي دورة حياتهن في قنواتٍ نائيةٍ، توقفت: قدمٌ في الخطيئةِ وقدمٌ في الندم..
    ولأن الماء ساخنٌ جداً
    كانت الأنهارُ تختنقُ بالسناراتِ
    ولأن الأمهات في قريةٍ مشطوبة من الكرة الأرضية يندهن
    كان لزاماً أن أنجو في ابتلاع طعم ما.

    *نص: سوزان آزاد