المدونة

  • هايكو: النجوم تنصب شباكها – ريتشارد رايت – ترجمة: عادل صالح الزبيدي

    هايكو: النجوم تنصب شباكها – ريتشارد رايت – ترجمة: عادل صالح الزبيدي

    إنّني لا أحد

    شمس خريفية آفلة

    أخذتْ اسمي.

    *

    لكِ أيتها النوارس

    أطلب مياه رمادية

    وهذه السماء الرصاصية.

    *

    أيتها القطة النيقة

    اغفري لي هذا المطر الربيعي

    الذي يثير اشمئزازكِ هكذا.

    *

    في صباحات الشتاء

    تظهر الشمعة آثاراً باهتة

    لأسنان جرذان.

    *

    من سقف من الآجر الأحمر

    تلعق قطة خرزات ندى

    في فجر رطب.

    *

    نصل سكين مدمى

    تلعقه قطة

    في وقت نحر الخنازير.

    *

    صوت المطر

    تمحوه بين الفينة والفينة

    سعلة لزجة.

    *

    الربيع يسير وئيداً

    في رائحة لوح رطب

    يتفسّخ في الشمس.

    *

    خوخة ناضجة متفجرة

    تكوّن بركة على ورقة

    تشرب منها العصافير.

    *

    مطر كاف تماماً

    لأن يجلب رائحة الحرير

    من المظلات.

    *

    متسلق متلو

    منحدر نحو شروق الشمس

    ملتف على نفسه.

    *

    الرجل المسلول

    الذي يسكن في الغرفة قبالتي

    لم يسعل اليوم.

    *

    الغيوم الصفراء المنتفخة:

    بين قصفات رعد الربيع،

    سكنات بيضاء عميقة.

    *

    الغسق الخريفي البارد

    يزدادُ برودةً مع اشتعال

    الأضواء الصفراء في ناطحات السحاب.

    *

    الورق الجاف ذو الحفيف

    مُطلقاً حفيفه في غرفة فارغة

    هو جبل بارد.

    *

    النجوم تنصب شباكها

    في قعر النهر الربيعي

    لتلتقط كسراً من الفولاذ الأزرق.

    *

    ريح شتائيَّة هائجة

    تمزّق نفسها إربا

    على أسيجة من الأسلاك الشائكة.

    *

    من الغابة ليلاً

    يأتي صوت شيء يمشي

    فوق الأوراق الساقطة.

    *

    من أسفل البيت

    تأتي قطتي ذات الفراء الغسقي

    والشوارب من نسيج العنكبوت.


    *نص: ريتشارد رايت
    *ترجمة : عادل صالح الزبيدي

  • “أحسُّ أنّي خسرتُ عمري كلَّه”: رسالة فروغ فرخزاد إلى القاص إبراهيم كلستاني – ترجمة: ناطق عزيز وأحمد عبد الحسين

    “أحسُّ أنّي خسرتُ عمري كلَّه”: رسالة فروغ فرخزاد إلى القاص إبراهيم كلستاني – ترجمة: ناطق عزيز وأحمد عبد الحسين

    رسالة الشاعرة الفارسية (فروغ فرخزاد) إلى صديقها القاص (إبراهيم كلستاني):


    أحسُّ أني خسرتُ عُمري كلَّه، كان عليَّ أن أعرف أقلّ بكثيرٍ من خبرة السبعة والعشرين عاماً، لعلّ السبب يَكمُن في أنَّ حياتي لم تكن مُضيئة، فالحبُّ، وزواجي المُضحك في السادسة عشرة زلزلا أركان حياتي. على الدوام لم يَكُن لي مرشد، لم يربّني أحدٌ فكرياً وروحياً. كلُّ ما لدي هو مني، وكلُّ ما لم أحصل عليه كان بمقدوري امتلاكه؛ لولا انحرافي وعدم معرفتي لنفسي. عراقيل الحياة مَنعتني من الوصول.. أريد أن‏ أُبدأ…‏
    سيئاتي لم تكن لسوءٍ في صميمي، لكن بسبب إحساسي اللامتناهي بعمِل الخَير…‏


    أشعرُ تحت جِلدي بانقباضٍ وغَثَيان.. أريدُ تَمزيق كلَّ شيءٍ.. أُريد أن أتقوقعَ في ذَاتي ما أمكنني. أريدُ الانطواء في أعماق الأرض، فهناك حُبّي، هُناك عندما تخضر البذور وتتواشج الجذور يَلتقي التفسّخ والانبعاث، وجود ما قبل الولادة وما بعد الولادة، كأنَّما جَسدي شكلٌ مؤقتٌ سرعان ما سيزول. أريدُ الوصول إلى‏ الأصل، أرغب في تعليق قلبي على الأغصان مثل‏ فاكهةٍ طازجةٍ…‏
    سعيتُ دائماً لأكون بوابة موصدة لئلا يَطّلع أحدٌ على حياتي الباطنيَّة الموحشة، لئلا يعرف أحد حياتي… سعيت إلى أن أكون آدمية.. ولكن كان في داخلي على الدوام كائنٌ حيٌ..‏
    قد ندحرج إحساسنا بأقدامنا.. لكننا لا نستطيع أن نرفضه أبداً.‏
    لا أعرف الوصول.. لكني أعتقد أن هناك هدفاً ولابدّ، هدفٌ ينسابُ من وجودي كلّه إليه، آهٍ.. لو أموت وأُبعث ثانيةً لأرى الدنيا شكلاً آخر.‏
    العالم ليس ظلماً بكليّتهِ، والناس، الناس المتعبون ينسون أنفسهم دائماً فلا يسيج أحدٌ منهم بيته.‏
    الإدمان على عادات الحياة المُضحكة، والإذعان للمحدوديَّة والعوائق، كلّها أعمال مخالفة للطبيعة.‏
    إن حرماناتي، وإن تكنْ قد منحتني الحزن، فهي على العكس من ذلك أيضاً أعطتني هذه الميزة:‏ لقد أنجتني من فخاخ التهتّك المخادع في العلاقات المُحتملة. فالحرمانات تقرّب العلاقة إلى مركز الاضطرابات والتحوُّلات الأصلية.‏
    لا أريد أن أشبع، أريد الوصول إلى فضيلة الشبع.‏

    ****‏

    سيئاتي…؟ أية سيئات لي سوى خجلي وعجز حسناتي عن الإفصاح، سوى أنين حسناتي الأسيرة في هذه الدنيا المليئة بالجدران على مدِّ البصر، جدار تلو جدار، التقشف بالشمس، وقحط الفرص، والخوف والاختناق والاحتقار…‏
    بالأمس، في الغرفة اللصيقة بغرفتي (في الفندق) انتحرت امرأة، قُبيل الصبح انفجر صوت صراخ ظننته عواء كلب، خرجتُ لأستمع، الآخرون خرجوا أيضاً…. وأخيراً كسروا الباب.. كانت المرأة قد أصبحت رمادية، كانت قبيحة قصيرة، فقيرة، ترقد على سريرها فاقدة وعيها.‏
    يبدو أنها قد ضُربت أولاً، وقام ضاربوها بسحبها من الطابق الرابع إلى الطابق الأول. كانت قبل انتحارها ميتة تقريباً، والآن ماتت تماماً. من حقيبتها المفتوحة وسط الغرفة ومن بين ثيابها تبرز أشياء مضحكة، وعجيبة: حمالات صدر لا عدد لها، ألبسة داخلية قذرة، جوارب ممزقة، أوراق ملونة ودمى ملفوفة بالأوراق الملونة، كتب قصصية للأطفال، أقراص مختلفة، صورة المسيح وعين اصطناعية.‏
    لا أعرف، لقد جاء هذا الموت بلا شفقة. تمنيت أن أذهب وراءها إلى المستشفى. لكني أمام كل الناس الذين تعاملوا مع جسدها الرمادي بهذا القدر من الفظاظة، لم أتجرأ على إظهار رأفتي ومواساتي نحوها…‏


    سعيدة أنا، لأنَّ شعري صار أبيض، وجبيني تغضّن، وانعقدت بين حاجبي تجعيدتان كبيرتان رَسَختا على بشرتي. سعادتي أنّي لم أعد حالمة. قريباً سأبلغ الثانية والثلاثين، صحيح أن الـ(32) عاماً هي حياتي التي تركتها خلفي وأتممتها. لكن ما يشفع لي أنني وجدت فيها نفسي.‏
    فمي مُضطرب، وقلبي منقبض. تعبت من كوني متفرّجة. ما إن أعود إلى البيت وأتوحد مع نفسي أحس أني قضيت يومي كله بالتشرد والضياع بين أشياء ليست مني، أشياء زائلة.


    *نص: فروغ فرخزاد
    *ترجمة: ناطق عزيز وأحمد عبد الحسين

  • أربع قصص قصيرة جداً للأرجنتيني إنريكي أندرسون إمبرت – ترجمة: عبدالله ناصر

    أربع قصص قصيرة جداً للأرجنتيني إنريكي أندرسون إمبرت – ترجمة: عبدالله ناصر

    -1-

    تندم الزمن بشدّة عندما رأى ما فعله بذلك المسكين: مغطى بالتجاعيد، بلا أسنان، يشكو الروماتيزم، شاب شعره وانحنى ظهره. قرر أن يساعده بطريقةٍ ما فمرر يده على كل ما في ذلك المنزل: الأثاث والكتب واللوحات والأطباق … ومنذ ذلك الوقت صار بمقدور العجوز أن يعيش، ما تبقى من حياته، على بيع ممتلكاته بأثمانٍ باهظة، تلك الممتلكات التي صارت الآن أنتيكات نادرة.


    -2-

    عدتُ إلى البيت في ساعات الفجر الأولى، مثقلاً بالنعاس والتعب. وعندما دخلتُ كان الظلام دامساً، وكي لا أوقظ أحداً مشيتُ بحذر حتى الدرج الحلزوني الذي يقود إلى غرفتي.  وما إن وضعتُ قدمي بصعوبة على الدرج، حتى تساءلتُ ما إذا كان هذا البيت بيتي أم بيتاً آخر يشبهه. كلما صعدت خشيت أن يكون ذلك الولد الآخر – قد يكون مثلي تماماً – نائماً في غرفتي، ربما كان يحلم بي، وأنا أصعد الدرج الحلزوني بهذه الطريقة.  وصلتُ، فتحتُ الباب فوجدته هناك، أو لعله كان أنا، الغرفة مضاءة بنور القمر. جالساً بعينين متسعتين على السرير.

     أخذنا لوهلة نحدق لبعضنا البعض.ابتسمنا، بدت ابتسامته شبيهة بتلك التي على شفتيّ، كما لو أنها على المرآة. أحدنا كان مخطئاً. ” من يحلم بالآخر؟ ” صرخ أحدنا أو ربما صرخنا معاً. وفي تلك اللحظة تناهت إلى سمعنا خطوات قادمة

    من الدرج الحلزوني. اتحدنا معاً بحركةٍ واحدة، وهكذا أخذنا نحلم بأن الذي يصعد الدرج هو أنا مرةً أخرى.


    -3-

    كان ماريانو ضابطاً في إحدى محافظات بوينس آيرس. وفي إحدى الأماسي هرعت إحدى الجارات وهي تصرخ: ” لقد انتحر زوجي. “.. “هدئي من روعك يا سيدتي. “اعتمر ماريانو قبعته وحمل سلاحه، ومضى برفقة الخفير إلى بيت المرأة التي لم تكف عن الكلام والأنين : “إنه خطئي، نعم أنا المذنبة، أنا المذنبة. تشاجرنا فقال إنه لم يعد قادراً على تحملي أكثر من ذلك. أقفلَ على نفسه الغرفة وضغط على الزناد. آهيا للكارثة! الآن عندما حملتُ بطفلٍ آخر.”

    طرق ماريانو الباب بقوة، وبما أن أحداً لم يُجِب، كسر الباب بقدمه. كان الرجل ممدداً على السرير ينظر إليه بهدوء، والمسدس على الطاولة الجانبية.

    ” ماذا؟ ألم تمُت؟ “

    ” لا، يا سيدي. “

    ” والطلقة؟ “

    ” أطلقتها على السقف. تشاجرت مع زوجتي فأغلقت الباب وأطلقت على السقف حتى ألقنها درساً.”

    كاد ماريانو أن يضربه ولكنه عدل عن رأيه. أخذ المسدس من الطاولة وأعطاه الرجل قائلاً: ” والآن أطلق النار، ستنتحر صدقاً هذه المرة.”

    أخذ الرجل المسدس، أطلق رصاصةً على ماريانو، ورصاصةً أخرى على الخفير،وثالثة على زوجته،

     أما الرصاصة الأخيرة فأطلقها مرةً أخرى على السقف.


    -4-

    كل الرجال، أنت وأنا والجميع تحت المراقبة الدائمة للحيوانات التي تترصد عن بعد أدنى تحركاتنا، تحاصرنا أحياناً،  وتدّعي اللامبالاة في أحيانٍ أخرى. هل يعود السبب إلى اكتشافهم خطورتنا الشديدة مما جعلهم يستعدون لشنّ  الحرب علينا؟ لا أدري،ولكنهم قطعاً – وعلى كل درجات السلم الحيواني – يشاهدون وينتظرون. البعض يتظاهر  بالفرار، ويختبئ البعض الآخر. البعض يسمح لنا باصطياده حتى يسترق إلينا النظر من أقفاص حديقة الحيوان.  بعض الحيوانات تقترب كما لو أنها مشتتة أوغير مهتمة ولكنها مثل أولئك المحققين الذين يتنكرون بهيئة المشردين ويقطعون الشارع بضجر. ذات مرة، جاءت أنثى السنجاب لتلعب معي، لاحظتُ على الفور بأنها تريد مهادنتي ولما رفضتُ مواصلة  اللعب معها ذهبتْ بعيداً. صدقني، إنهم يدبرون أمراً ما.  أملنا الوحيد – عاجلاً أو آجلاً – أن يؤول الأمر إلى كلبٍ يكشف لنا خطة الحيوانات السرية، فهو الحيوان الوحيد الذي بمقدوره – من أجل أن يسدي لنا هذه الخدمة – أن يخون الآخرين.  ألم تلاحظ كيف يبدو الكلب أحياناً كما لو أنه يود إخبارنا بأمرٍ ما؟


    *نص: إنريكي أندرسون إمبرت
    *ترجمة: عبدالله ناصر

  • الشجرة المصيدة في مذبح الطائر – أحمد الحربي

    الشجرة المصيدة في مذبح الطائر – أحمد الحربي

    عدتُ إلى شقتي بعد سفر لعدة أيام، لفت انتباهي فضلات طائر متناثرة على المنضدة والكتب، لا أتذكر أني أفتح النوافذ إلا ما ندر وفي فترات قصيرة وغالباً ما أغلقها بعد مشاهدتي للشمس وهي تدع الظلام يخيم على كل شيء، رأيتها مفتوحة بشكلٍ كامل، أدركتُ حينها أنها ليست طريقتي بفتحها هكذا، ولم أعتد على استقبال الزوار. ثمَّ تذكرت الزميل الوحيد الذي زارني قبل انتقال عمله لمدينة أخرى، حين جاء وتذمَّر من قتامة المكان والرطوبة التي تخنق الهواء، خطا نحو النافذة وفتحها بشكلٍّ فج، لا أدري كيف نسيتُها، ربما هذه عادة الإنسان حينما يرتّب حقيبة سفره وينسى جزء منه، كان انتباهي أن أقفل الباب جيدًا لأصون أشيائي.


    تجاهلتُ الأمر على عادة الفطرة وأخذتُ أمسح الفضلات وأحياناً لا يجدي معها سوى القشط، ثم الغبار الذي بسط نفسه على كل شيء، أعدت الأمور إلى مكانها حسب ما كان يناسبني، أسقيت شجرتي التي مضى على موتها قرابة عام، مازلتُ في كلِّ مرة أغمرها بالماء، يجول في سريرتي ذلك الحدس بأن جذعها يحوي في جوفه بذرة لربما تكون سببًا في ميلاد آخر، انحنيت لأحد الأدراج السفلية لأنظفه، ولكن فوجئتُ بطائر ملقى على الأرض دون روحٍ تحرّكُ جناحيه، جالت في رأسي أفكارٌ كثيرةٌ، إلى أن هالني ما يرمي إليه تدفقها، أشحتُ بصري عنه وقد وقع على النافذة، شعرتُ بالهلع يتملَّكني جرَّاء تساؤلاتي، لقد كانت مفتوحة!  لم يكن الطريق يحمل العوائق! وهذا المدى لا يحتاج سوى جُهد رفرفتيْن من جناحيه.


     تذكرتُ كلام زميلي الذي دائماُ ما يحثّني على الخروج من هنا، لكنه ليس مجنون ليفتعل حدثاً كهذا،  يكمن رعبه بالرسالة التي تحمل آلاف الأوجه، كلُّ وجهٍ أبشع من الآخر بفكرته، ماذا لو أن الباب كان مفتوحاً على مصراعيه، نعم، إنه أقرب لحريته، لكن هذا لا يحبّط أمل المحاولة، ورغم ذلك سببًا رئيسيًا لقلب الموازين، أسندتُ ظهري على زاوية الجدار، تمعَّنتُ تفاصيل المكان أبحث عن سبب نهاية الطائر، لم أجد ما هو مثيرٌ للريبة،  أو ما قد تزحزح عن مكانه، كلُّ شيءٍ يدعو للاعتيادية ولا يمكنه أن يتسبب بمقتل حشرة، لعلها النهايات تُخلقُ من جنس الشيء الذي حتم موته.



    لذلك يموت الطائر من السقوط مثلما يموت الفرد من رغباته، أصابتني الحيرة لأنه لا يوجد هنا أفق يحتمل نهايته، تملكتني صرخة من اليأس المتكثف، لشدَّة السأم من الحرية، أيمكن أن تثأر الفطرة من الطبيعة! شعرت بالخوف، لا يحتمل العالم أكثر من شهوة الإنسان في جعل الأشياء دائمة التغيُّر، إذ تلهث خلف متناقضاتها. أحسستُ بالدم يتصاعد من أطراف يدي نحو رأسي الذي تتصارعُ فيه تلك الأفكار، ثمَّة خوف أدركه، وآخر أشعر به دون أن أعي كنهه.



    حاولتُ جعل الأمر تافها ذهبت للمطبخ، أعدتُ فنجاناً من الشاي، ثم جلستُ على الكرسي المقابل للمشهد المؤسف، ليكون اعتيادياً بالنسبة لي، تأملتُ منقاره ثم عاودتني خيالاتي، صارعتُها، رددتُ جملة “أمرٌ عاديّ” لأُسطّحها هششتُها لكنها تتطاير في ذهني ويزداد صخبها، لجأتُ لرشفةٍ من الشاي لأشتت تَركيزي، وجدتهُ باردًا لا يُستساغ يئستُ من حماقة المحاولة، دنوتُ بناصيتي على شفير الطاولة، فكأنّي سقطتُ داخل رأسي فاستحالت الأفكار إلى السراديب، بلغ مني التيه مبلغه.


     طرأ لي خاطر، أن أُبعد هذا الطير، والأيام كفيلة بالنسيان، نهضتُ وأنا أحمل حنقي، فما إن وقع نظري على شجرتي فوق الأدراج إلا وتهالكَ جسدي على مسند الكرسي، شعرتُ بحدقة عيني تهتز، نظرتُ للنافذة ثم أدرتُ نظري نحو أغصانها، تلك التي يتمثل بها استقرار الطائر وما يؤمن به، تجلى انعكاس المأساة على نفسي ارتعبتُ أكثر من السابق لهذا المعنى، شيء ما صعقني من الداخل، ذهبتُ مُسرعًا إلى النافذة نظرتُ لأسراب الطيور وهي تحلق، تنظر جميعها للأشجار التي تحمل مبادئ حريتها التي تريحها وتهبها الخلاص من لعنة التحليق، من سرق من الأفق معناه؟ وجعل جوهره السقوط؟ من قولب المفاهيم وتسبب بالخديعة الكبرى التي تحدث في السماء؟ حزنتُ للأسراب المخدوعة، أسدلتُ الستار وأنا حائرٌ بشكلٍ نافر مما أؤمن به؛ وقد رأيت الشجرة تسخر من الطائر المُلقى على نحوٍ بَشعٍ.


    *نص: أحمد الحربي

  • يوميات : أذهبُ إلى العمل مثل جاسوس – حسين بهيش

    يوميات : أذهبُ إلى العمل مثل جاسوس – حسين بهيش

    الهمُّ دوائر تُحيطُ بنا
    ندورُ بها مثلَ الفئران
    نركضُ لا لجوعٍ بل لنحصل على الحياة
    تشبه على الأقل حياةً ما.


    أجلسُ على الشاطئ
    أتمعن الطيور وأحسدها
    على الخفةِ، التحليق، عدم التفكير
    ليس لديها عقلاً مثلنا
    لكنَّها تعرف الطريق.


    اقترب الليل ولمع الجنون
    السماء بيانو والنجوم أزرار
    استعدّ القمر، انطلقت النسمة
    والغيم دفٌّ يستقبلُ العروس صباحاً
    الشمسُ حلوةٌ وهي توقظ الناس من الحفلة.


    في حيّنا لا تسمع ضحكات الأطفال نهاراً
    بل ترى الكآبة المتوحشة التي تغرق في وجوه الجيران
    حتى اللصوص لا يدخلون هذا الحي
    كأن سكانهُ من أصحاب الكهف.


    أطوي شعري مثلَ رجلٍ خمسينيٍّ
    أذهب إلى العمل مثل جاسوس
    أبحث عن ضحكتي في الطريق
    وأفتش في المبنى عن امرأة رأيتها هنا
    وعن أخرى رأيتها هناك.


    أمرُّ بالحياةِ تاركًا المعنى خلفي
    مثلَ أعمى لا يكترثُ للمسافةِ
    بل على أي كتفٍ سيستند
    أطرق على الأرض بعصاي
    عسى أن ينهض الموتى
    أو تفتح الشوارع أبوابها.


    *نص: حسين بهيش

  • تَشابكنا مثل نارٍ وخشبٍ (شذرات) – حسين بهيش

    تَشابكنا مثل نارٍ وخشبٍ (شذرات) – حسين بهيش

    1

    أحتاج امرأةً كلاسيكيّة
    من عصر الدراهمِ
    تشيّد لي قفصًا
    فأفتح في القفص باباً مشرّعاً إلى الأبد.


    2

    قلبي بين يديكِ كلعبةِ طفل
    تلاعبينه، يضحك
    تُناغينه، ينام.


    3

    استقِرّ أيّها النيزَك العابر
    من نجمة إلى أخرى،
    استقِرّ أيّها الجُرح العائم
    في محيط لا تحطُ عليه ذكرى.


    4

    أشحذُ الأماني
    قصوراً من الرغبات
    أرسمُ تلاً من الحرمان
    تنفخهُ الريح متى تشاء
    ويسحبه الشاطئ متى يشاء.


    5

    تشابكنا مثل نار وخشب
    كانَ احتراقاً
    وكُنتِ مرآتي
    وأنا أشاهد نفسي بعينيك كائنًا سماوياً.


    6

    أريدكِ نبتة تنمو على تربة قبري
    وتكبرُ تحت ظل شاهدي
    وهذا يكفي
    لشاعرٍ خاسرٍ مثلي، بلا تاريخ
    ليكن ظلكِ تاريخي.


    7

    ترحلين مع ضياع الصدفةِ
    تأتين مع ضياء الحسرةِ
    تشبهين دولاب الهواء
    وأرقّ الساعات
    وحفر الإسفلت
    والظرف المختوم بالشمع الأحمر.


    8

    أنتِ مرهم القصائد المغمورة
    ووميض الأرواح البريئة التي تحلّقُ في الفضاء
    وشرارة النفير الأخير،
    تهبطين من السماوات
    وفي قبضتكِ أغنية مجهولة المعنى
    تنطفئين فيذوب الكون في ظلام،
    تدوخ المجرَّات، تزدحم المسافات
    وينطفئ كلُّ شيء.


    9

    يحتاجُ الشاعر مساحة روحيَّة شاسعة
    ومتسعاً من الفراغ
    ليكتب كلمة دافئة
    فالشاعر حطبٌ
    نشيدٌ مدرسيٌ هو
    وصرخة ذاتٍ
    لا تشبعُ من الأنانية أبدًا.


    *نصوص: حسين بهيش

  • عُزلَتُكَ هي عُزلَتي – عبدالعزيز جاسم

    عُزلَتُكَ هي عُزلَتي – عبدالعزيز جاسم

    قصيدة عزلتكَ هي عزلتي – بصوت: محمد الحكيم

    عُزلَتُكَ هي عُزلَتي. لكنَّنَا افتَرَقنا في الدَّرب، وقَطَعت الرِّيحُ حَبلَنا بَغتًة. لم يَعُد نَهَاركَ نَهارِي، ولا نَخلَةُ البَيتِ تُظلِّلُنَا. أنتَ في طَرَفِ القرية تُسلِّمُ على المَوتى، وأَنَا أطُوفُ في المُدُنِ مَطْعوناً بخِنجَرٍ، كأنَّنا وُلِدنا معًا، أو بيومٍ نَاقِصٍ. وكانَتِ الطُفولَةُ التي سُلبتْ منكَ هي الأخرى سَلَبْتَها منِّي؛ ومَنحتني بَدَلاً مِنها صَمْتَ القيامَات كُلّها.

    ولأنَّني أذْكُرُكَ، وأسمَعُ ضِحكَتَكَ البَيْضَاءَ وهي تَطْرُدُ الحِقْدَ مِنَ الدَّار، وتَجعَلُ الرُجُولَةَ تَنمو كالكِريستَال. ولأنَّني ما انتظرتُ أحدًا، أكثرَ ما انتَظَرْتُكَ أنتَ. ولا تَسَمَّرْتُ مَغبُونَاً على المَرْفأ، تَسنِدُنِي الزَّوابِـُع وألـوِّحُ بيَـدَيِّ للسَّراب. ولأنَّنـي مَـا قاتَلـتُ فـي الأزقَّة المُظلِمَـةِ: سِلْكي مَشْـدُودٌ علـى خِـصْـرِي ورِفَاقي وَرائِي، وأنا بالقَلبِ الجَسُور، أَخُوضُ حُرُوبَ الحَاراتِ، وأُطَبِّبُ جُرُوْحِي بغَطْسَةٍ في البَحْـرِ. إلا مِـن أجْـل تلـكَ الضِّـحكَةِ البَيضاءِ التي أَعبُد.

    الفَتى السّاحِلِي الصّارِمُ والمَهيبُ كالرُّمْحِ. سـافَرَ كثيـراً، وعَمِـلَ غَوَّاصـاً فـي سُـفُـنِ الجَبَابِرَة. وكان يُدَخِّنُ التُّنْباكَ في البَصْرة. يَشْتَري البَخُورَ من عَدَن، يَعومُ فَرِحاً مع سَلاحِفِ المُحِيطِ الهنديِّ. وينامُ وحيداً مع خِنْجَرهِ على فِراءِ النِّمرِ في مُمْباسَا. وكانَ من فَرْطِ نَظَافَتِهِ، يَغْسِلُ صَبْرهُ بِمَاءِ اليَنَابِيعِ ويُصلِّي كإمَامٍ عَلى حَنِينِهِ. فَتـًى مِـن خَيزرانٍ وَوَردٍ، بعصاهُ المدْهُونَةِ بالغُيومِ، تَلْدَغُهُ شَمْسُ البُلدَانِ، ويَترُكُ في قَاعِ كُلِّ بَحرٍ ظِلَّهُ.

    هكذا كُنتُ أَراهُ، كُلَّمَا جَالَ وغَضِبَ وتَوهَّجْ. يَداهُ من مِلحٍ وعَنبَرٍ، وَعَيناهُ لُغَةُ البواشِـقِ النَّادِرَةِ. وكُنتُ لا أبكِي ولا أتَكلَّمُ، حينَ يَترُكَ قُبْلَةً يَتيمَـةَ علـى قَلـبِ أُمِّي، ويَمْضي بِـلا وَدَاعٍ مِني. كنتُ أهرُبُ مِنَ البَيتِ، في ذلكَ اليَـومِ المَنسي. أَتَسَلَّقُ شَجَرةً عَاليـةَ قُـربَ الشَّاطئ. وأكتَفي بالنَّظَرِ إليه من بَعيدٍ، وهو يَثِبُ مع صُرَّتِهِ إلى المَركِبِ. وكنتُ أتَكوَّمُ فـي مَكـانِي، مثـلَ صَخرةٍ عَالِقَةٍ بَطَـرَفِ الكَون، وأُناديهِ بِعيُوني، ولا يَسمَعُني.

    أربَعُون مـَرَّتْ الآنَ، ونَحنُ على فِراقِنـا يـا أبي. نَلتقي عند كُلَّ دَورَةِ قَمَرٍ، مِثلَ ناسِكَينِ مُتعَبَيْنِ. نَتَفَحصُ وجهَيْنا على ضَوءِ شَمعةٍ. ربَّما لنتأكَّد بأنَّنَا أحياءٌ، أو بأنَّنَـا لـم نَـزَل نَعرفُ بعضَـنا. أنتَ، دامِـعٌ كنَهـرٍ علـى كَتِفي. وأنـا بـلا دَمعٍ، يَهطِـلُ حُـزنـي بـين أحشَائي كانثيالِ الرَّمادِ، ولا أعرِفُ كَيـفَ أصدّهُ؟




    *نص: عبدالعزيز جاسم
    *من ديوان: آلام طويلة كظلال القطارات

  • معاناة الجوع الأزلي – ريا

    معاناة الجوع الأزلي – ريا

    أجهلُ كلَّ دوافعي، كما أجهلُ كونها غرائز منذ الأزل أم كونها مرتبطةً بإحساس اللحظةِ، غافلةً عمّا سيتبعها. الآنَ أعجز عن صياغةِ تعريف هدوئي، يرعبني هذا الهدوء الذي يحيطه برودٌ تامّ، الإحساس بالعجز والخواء، أن أستشعر في خلايَاي الخِدر وأمتلئ بهِ ليؤكد كوني كتلةً من عدمٍ أو ما يُقارب الجثّة. تصرخ كلُّ الأشياء من حولي، ساخطةً في لحظات، وفي الأُخرى تفرّغ غضبها وهلعها، وبكلِّ ما يحتويه جسدي من خدرٍ اعتدته، أمامها أهدأ. أبدو كالأبله الذي يشاهد جريمةَ قتلٍ عنيفةٍ أمامه بينما تستنجدُ الضحيّة بصرخاتها، أقِف هادئةً تمامًا، فارغةً من كلٍّ إحساسٍ يدفعني للارتباطِ بقضيّةٍ كهذه، قضيةٌ دمي يألفها، وأعرف الضحيّة بكونها أنا، وأعرف قاتلها بكونهِ إحدى صورٍ خلقتها عن نفسي، لأُجسّدها أمام مشهدٍ كلُّ من فيهِ ذواتي. أبدو شاحبةً جداً، تعتريني دوافع بأن أغفلَ عن الأهميّة لألتمس شيئًا من البسيط؛ لأجعل من نفسي أضحوكةً حين أمرُّ من خلالِ عاصفةٍ مأساوية، دونَ أن أتشتت. الآنَ حين أراكَ كإعصارٍ هو وحده من باستطاعتهِ أن يشتتني، عاصفةً مليئةً بأشياء تنقصني، بدوافعِ الاستمرارية، لتصِل لأجزائي، لتتلمّس بخواء يديكَ داخلِي فتمتلئ بكلِّ ما يعنيني، باتصالٍ جسديّ كنتُ أغفلُ كونه يعبر الأرواح إزاء ماديّة الأجساد. فأخافُ وجهك، أخافُ أن يحمل مصرعي، وأنا تعبتُ من تراكم جثثٍ كلها أنا، حين يُخلّف الآخرونَ- حين تُخلّف الحياةُ بقايا متهالكةٍ، من الذي سيتحمَّل بعد كل ذلك الكرب والمعاناةَ والمرارةِ، مشقّة أن يلملم الجثث عن الأرصفةِ، ليعبر المنفى، ليلتقي الموتَ وجهًا لوجه فيفقد لذّته ودهشته، ولا يصلُ إلى ما بعد الموت- غيري؟

    من بإمكانهِ أن يبثّ في المادَّةِ والجماداتِ دهشتهُ وشغفهُ، ليغادرها إزاء إحساسه بالخواءِ، أن تصبح وعاءً لبقايَا روحه التي خيّبها سعيها نحو الاكتمال، حين أجِد أنني أفقد قيمتي بدون الإحساس حتى بنواقصه وعيوبه، وحين اتأكد أن الأشياء كلها أيضًا، تفقد قيمتها بدوني. أنا الذي ضلََ يزرعُ باستمرار، وحين جاء يومُ الحصاد، أضاع طريق الوصول، أو ربّما لعلّي توقفت لأستريحَ في منتصفِ الطريق، وفقدتُ لذّة الاستمرار، فبقيتُ حيث مكاني، خفتُ أن أُغادر الآن، أن أصِل لاستيعاب أنَّ كلَّ ما زرعته، التهم روحي، لينمو، فوصلتُ لهُ بفراغٍ سيتآكله بأكمله، ألّا يتبقى شيءٌ ليسدَّ جوع الآخر. آهٍ خوفي بازدياد دائم، بقدر ما ترهبني فكرةُ أن أجوع طيلة الأبديّة، لا أرغبُ أن يستشعر أحدٌ سوايَ هذا الجوع، لأنني عرفتُ كونه لن يكفيني، فاخترتُ أن يسبقني إلى حقلي، من عرفَ معاناةِ الجوع الأزليّ، لكن لم يعرف بعد، معاناةَ أن تنسى الإحساس بالشبع، أن تتذوق مرارةً دومًا، فلن يكفيك شيئًا حتى إن التهمتَ حقلًا زرعته يديك بأكمله.

  • افتحي الأيام لأختفي وراءها – عقل العويط

    افتحي الأيام لأختفي وراءها – عقل العويط

    ولأعترفْ
    كان يمنعني عنكِ كلُّ هربٍ يركض فيّ
    وكان يمنعني عنكِ خوفي على المعنى
    وكم كان يضنيني أن أغيبَ مثلَ شمسٍ وراء غيمة
    ومثلَ قمرٍ في نهار
    لكني عرفتُ سذاجةَ هجرتي
    وعرفتُ أن غيابي احتجابُ العودة إلى الرحم
    لأني منتظرُكِ وغائبُكِ ولأني أغدر بهربي
    فكم هائلٌ ما تفعلين
    ثم كم وكم عندما أهرب لأن كلَّ عثورٍ مانعٌ عن الكل
    فأكون في استيلائكِ عليّ وفي نزولكِ على هروب جسدي.




    ولأعترفْ
    أجدكِ عندما تصلين إلى صحراء نفسي
    وصحراءُ نفسي لا شجرةَ فيها سواي
    تجدينني ولا تستطيعين البقاء طويلاً لأني صحراءُ الله
    وعندما أتوب إلى هربي فلكي لا تصبحَ الأرضُ ضيّقةً
    ولا المتاهةُ ميناءَ خلاصٍ جزئيّ
    ثم أجدكِ عندما يعييني البحثُ عن سماءٍ مفتوحة
    وعندما أعثر عليكِ فإنما تحت سقفِ الشعر
    وإذا أمطرتْ أقول ها هي تمطر في كلّ الأمكنة
    لأني أحبّ البقاء ولا أعود قادراً على الهرب
    وكلما رأيتُ نفسي عائداً إلى بيتِ جسدي أعثر عليكِ كأنما على بيتي الضائع
    من هجراني أعود وهذا لسببِكِ الأشدّ جمالاً من حياتي
    ومثل هذا يجعلني خالصاً من الوقت ومن المكان
    ويمنحني اسمي حرّاً ومكبّلاً ثم حرّاً منه
    فأخاطبكِ بصوتي وبغيرِهِ ثم أقتل صوتَ غيري
    وأنزل عليكِ
    وأخاطبكِ
    لأنكِ تريقين نبيذَ ضجري فيظلّ خيالُنا مرتوياً
    لكني أخاطبكِ وعيناي تفتشان عن شقيقٍ ضائع
    وأخاطبكِ لأني مقتضَبٌ كشمسٍ لا تشرق طويلاً
    كحياةٍ في قطبٍ تغمره الظلمة
    وها هو جسدي يعبرني ولا يضعني.


    أذهب إلى مسائكِ ومعي جمرُ الاعتذار
    أجعلكِ وسيطاً بين قلبي ولفظي لتدمليهما باحمرارِ الوجنتين
    أنجز الوقتَ
    وأحوك الليل دثاراً لضحكتِكِ الكارجة
    أسترق النظرَ إليكِ من غيرةِ عينيّ
    كي أختلسكِ من جسدِكِ
    كي أنهبَ كلّ ما أستطيع ولا أعلن
    كي أراكِ مرةً وحيدةً بكمالِ الرؤية
    كي لا تعرفي أني ضعيفُكِ
    كي تعرفي كم أنا ضعيفُكِ
    كي لا أعرفَ أني أحببتُكِ
    كي أعرفَ أني أحببتُكِ
    كي لا أفقدَ حباً لا ينازعني أحدٌ عليه
    كي أكونَ أعينَ كلِّ الذين يحبّونكِ
    كي يتوافدَ أحبّتُكِ من قلبي فأوزّعهم على منازلِكِ السبعة
    آنيةً لباقاتِ الخزامى
    كي أهيّئَ الحطبَ لتشعلي الطريقَ أمام أفكارِكِ
    كي أرتّبَ بيتي لموسيقى عشّاقِكِ ولجنونِ الآخرين في جسدِكِ
    كي أرسمَ قمرَ العشّاقِ على العتمة
    ليكونَ نافذةً على كلِّ خيال
    كي أسعفَ الذين يحبّونكِ بحبّي
    كي إذا بلغوا ميناءَ كِ يصلوا بمراكبي الكثيرة
    كي في عتمةِ يديكِ
    أصيرَ قناعَ مَن يدلّكون أحزانَ روحِكِ بالشعر ولعنةَ جسدِكِ بالجنس
    كي تباركَني لعنةُ الماضي وتُغويني لعنةُ خلْق الحاضر
    كي أُعدَّ طعامَ الصداقة لتنشغلي بالوليمة بدلَ السَّفَرِ في الهاوية
    كي أسكبَ نبيذَكِ الأبيض على رخامِ الوقت
    كي أرتضي أن أكونَ فُتاتاً لانتقامِ الجوع بعد عودتِكِ من كلِّ حبٍّ وخيبة
    كي أجعلَ عينيكِ مرآةً للنظر إليّ كلّما غامتْ روحي تحت عشاءِ الرؤيا
    كي أناديكِ مغسولةً بالطيب وملطّفةً بسعيرِ عطرِكِ الملائكي
    وكي تكوني بديلي وغائبي
    كي غداً وبعد غدٍ وأمس لا يعرف أحدٌ كيف أحبّكِ وكم
    وحيداً وبلا منافسة
    كي مسترقاً ومتسلّلاً أكونَ الرواقَ المفضي إلى لحظةِ اندلاعِ خيالِكِ
    وكي أكونَ نازعَ الليل عن وجهِكِ إلى أن يسكرَ مني الحاضرون
    كي، متقطّراً من النبع، يحصدَني الصيف ولا يبقى عليَّ ماءٌ في الشمس
    كي أكونَ نظراتي فلا يشاركني أحدٌ متعةَ الفوز بكِ
    وكي أكونَ مرارةَ أن تحملَكِ نظراتي إلى البيت وأعودَ خالياً من عينيّ.


    أقول هذا هو الحب
    أعلّق يديَّ على خشبة لأوافيكِ في الصحراء والليالي
    يُهلكني أنكِ تعدّين المائدةَ للآخرين
    يُرهبني تهديدُكِ ولا أريد سواه
    بقوةِ الأعداء ينهب كسلُكِ خزائني وأزعم أنها هداياي
    يسلس الجنون قيادي ولا أعرف أن أليّن أحصنتَكِ
    تقولين هذا هو الحبّ
    وتقولين إنكِ خفيفة ثم تجتاحين حياتي
    لا تتحمّلين انتظامَ الحياة
    يجرحكِ خيالُ الكلام وحتى نظرةٌ تريد أن تصلّي
    فماذا أصرخ ومَن أستنجد!


    أوسِّط بيننا ملائكةَ الرأفة ليرفعوا للطريقِ ضفتين من الزنبق
    أتداوى بصبرِ الأعشاب على العذاب
    أكابد كي لا تنزلَ من وجهي تعابيرُهُ
    أقتتل في دواخلي لأوحّدَ جموعي
    وأصدّ بهاتين يديَّ جموعَ ليلِكِ
    أجانِبكِ وطأةً تقتلني ثم أنتحب عليكِ
    أضعكِ في صيفِ الفردوس تخبلينني في الجحيم
    أرفعكِ إلى غيمِ الموسيقى ترمينني في أخضر الصمت
    أكلّل غيمَكِ بالمطر تخرّبين برديَ بالشمس
    أحبّكِ تصيرين منتصفَ قمرٍ في آخرِ البحر
    طعاماً لدلالِ الخيال
    فماذا أصرخ ومَن أستنجد!


    هكذا يبدأ اعتذاري
    أنظر إليكِ بعينَيْ ذئب كي أتركَ لنفسي أن تراكِ
    عن كلِّ مرةٍ ممكنة
    عن كلِّ مرةٍ مستحيلة
    عن كلِّ حياتي السابقة
    عن الحياةِ المقبلة
    عن الأفراحِ والأوجاع وعن الموتى والأحياء
    عن اللصوصِ والملائكة وسارقي التفّاح
    عن أولئك الذين يأكلونكِ بوحشةِ أجسامِهم ويشربونكِ بعطشِ الصحارى في أعينِهِم
    عن نفسي كلما كثر عددُ الذين يلتهمونكِ
    عن كلِّ الأجيال
    عن الذين يحبّونكِ نيابةً عني
    عن الذين يحبّونكِ نيابةً عن أنفسهم
    عن الذين يتركون على الأبواب دموعاً ومشاعرَ انتقامٍ لأجلكِ
    عن الذين يغارونكِ ولا يغارونكِ
    عن الذين يكرهون أن يقاسمَهم أحدٌ نظرةً إليكِ
    عن الذين سيحبّونكِ كلما غادرتِ
    عن الذين يتوجّعون كلما عدتِ
    عن الدوارِ الذي يسلبني براعتي في الوصف
    عن التماسُكِ الذي يغريني بمفاتنِ البعاد وكبرياء المغادرة
    عن اللفظِ الأقلّ بلاغةً من حبي والنظرةِ الأقلّ نفاذاً من الماءِ في الصخر
    عن كلِّ مرةٍ تقفينها أمام مراياكِ وتمحوكِ مراياكِ بشراهةٍ ضاحكة
    عن كلِّ مرةٍ تكونين امرأةً أخرى
    عن كلِّ مرةٍ تكونين لإخوتي وأعدائي
    عن كلِّ مرةٍ تكونين لي
    عن كلِّ مرةٍ تكونين لي ولإخوتي وأعدائي
    عن طفلةٍ على غرارِكِ تولد سبعَ مرات وأموتها سبعَ مرات
    عن السبعِ النساء اللواتي يُقمنَ فيكِ
    عن سجونِكِ السبعة وتزعمين أنها أمكنةٌ للفرار
    عن يومِ الأحد حين أيضاً لا يستريح الله من خَلقِه
    وعن عددِكِ الصالحِ لأيام الأسبوع ولا عددَ لكِ
    عن الرجالِ الذين تحبّينهم
    عن الرجالِ الذين لا تحبّينهم
    عن كلِّ رجلٍ آخر تحبّينه وتكرهينه
    عن كلِّ نظرةٍ تشتهي أن تكرجَ عليكِ
    عن كلِّ يدٍ لا تملك أن تلامسَ خيالَكِ
    عن خيبتي عندما أعود إلى البيت ولا أرى ضحكتَكِ على قلبي
    عن غيرتي كلما رأيتُ ضحكتَكِ وليمةً في أعينِ الآخرين
    عن كلِّ رغبةٍ لا أستحقها
    عن كلِّ رغبةٍ تستحقين أن تملكيها ولا تملكينها
    عن كلِّ سكوتٍ لم تعرفي أنه لأجلِكِ
    عن كلِّ ثرثرةٍ زائدة
    عن كلِّ أحزانِ يديّ وعن كلِّ خوفٍ وارتباكٍ لا يراعيان وداعتي
    عن كلِّ ذهابٍ لي عنكِ وإيابٍ إليكِ
    عن كلِّ حكمةٍ أسديها وعن كلِّ جنونٍ أحاكَم عليه
    عن ادّعائي وتواضعي
    عن غريزتي كلما عرفتُ أنكِ ستسلبينني مناعةً باقية
    عن ذكائي كلما دعوتُكِ إلى العشاء
    عن سعادتي كلما أحببتُ خسراني
    عن جهلي ومعرفتي المسبقين
    عن كلِّ عاصفةٍ لم تكسر شوكةَ أغصاني
    عن كلِّ عاصفةٍ كسرتْني وأغصاني
    عن كلِّ هاويةٍ رمتْني إليكِ
    عن كلِّ هاويةٍ رمتني إليكِ ولم أهوِ
    عن رعبي بأن رجلاً آخر يقيم فيكِ
    عن رعبي بأن رجالاً آخرين
    بأني لستُ لصّهم وأمينَهم
    وبأن امّحائي غير تام لأكونَ جنودَهم وأعداءَهم معكِ
    فماذا أصرخ ومَن أستنجد!


    هكذا تبدأين اعتذاري
    تنظرين إليّ بعينَي ذئبٍ يتأهّب للفريسة
    كي تتركي لنفسكِ أن ترَيني عن كلّ مرةٍ ممكنة
    عن كلّ مرةٍ تقيمين في مكانٍ محدّد
    عن كلّ مرةٍ لستِ في أمكنةٍ عديدة
    عن كلّ مرةٍ تأوين إلى جسدِكِ كسائر النساء
    وتتعرّىن كخيالِكِ
    عن كلّ مرةٍ أنكِ
    وأنكِ
    وأنكِ نائمةٌ في بحيرةِ حناني
    وأنكِ حرّةٌ مني
    وأنكِ حرّةٌ فحسب
    وأنكِ مَن أراها ومَن لا
    وأنكِ تمنحين الآخرين أن يرَوا فيَّ أسماءَكِ
    وأنكِ تصيبين أهدافَكِ بلا قوس
    وأنكِ تعرفين خوفي أن أنظرَ إليكِ
    وأنكِ تعرفين مشقةَ أن لا أنظرَ إليكِ
    وأنكِ تجهلين مشقةَ أن أنظرَ إليكِ
    وأنكِ كلُّ شاردةٍ وشاردٍ منكِ ومنّي
    وأنكِ صفاءُ جلوسي تحت الليل إلى أن يأتي الملاكُ حاملاً البشرى
    وأنكِ سقفُ الغيم وغريزةُ الرملِ المتحرّكِ تحت وقوفي
    وأنكِ ملاكُ كلِّ ضحكةٍ ونومٍ لي
    وأنكِ شيطانةُ زهرةِ الفيروز
    وأني لن أسترقَ النظرَ إليكِ يوماً
    وأني سأنظر إليكِ مثلما أنظر إلى أيِّ امرأة
    وأني سأصافحكِ
    وأني سأخاطبكِ بكلامٍ وقور ومشاعرَ أخوية
    وأني سأجاملكِ مثلما أجامل حياتي
    وأني سأتعايش معكِ مثلما أتعايش مع موتي
    وأني عاقلٌ لأصحّحَ لكِ الأخطاء وأسندَكِ في المشقات
    وأني مدركٌ أنكِ تبدعين شيئاً هائلاً غيرَ جمالِكِ فيَّ
    وأني سأكون مع امرأةٍ أخرى
    وأني سأكون معكِ ولن أكونَ معي
    وأن أحداً سيعرف
    وأن أحداً لن يعرفَ
    وأني بابُ بيتِكِ وفنجانُ القهوة
    وأني صالحٌ للقفز من الباب إلى الشبّاك ومن الشبّاك إلى الخيال ومن الخيال إلى الهاوية
    وأني ضالعٌ في حنكةِ مراياكِ
    وأني جناحُكِ المتمرّدُ عليكِ كلما وقعْتِ في الحكمة
    وأني أفرادُكِ الضائعون إليكِ في التجربة
    وأني الأزرقُ من خوفي والأحمرُ من غبطتي والأبيضُ من اغتسالي بطيبكِ
    وأني كلُّ الألوان لكِ
    وأني مدينٌ لكِ بالأوجاع كلما تحرّك أنينُ الجبال في الأعالي
    وبالنظراتِ حين تقول للقتلى أن يتجمّعوا في رأسي
    وأني مجنونُكِ كلما لممتُ لكِ ضحكةً
    وأني لم يتسنّ لي أن أبيحَ نفسي لنزولي إلى ليلِكِ
    وأن نفسي باتت لكِ مباحةً بلا إرادةٍ منّي
    وأني مباحُكِ وممنوعُكِ قبل أن أخافَكِ وأهربَكِ
    وأني الملاكُ الساقطُ من سقفِ غيمةٍ على سطحِ هاوية
    وأني ملاكُ وجهِكِ وشيطانُ دعوتِكِ
    وأني شعبُكِ وصحراءُ عبورِكِ إلى اليمّ
    وأني جسدُكِ الذي يسند ترابَ الحديقة من الانزلاق
    وأني بيتا دموعِكِ ومعطفُ شتائِكِ الأخفّ من الهواء
    وأني سأهرب في رأسي حيث أستطيع أن أحتمي من هلاكيَ المعلَنِ فيكِ
    وأني لن أجدَ حمايةً لنفسي منكِ
    وأني سأهرب فلا أرى نظراتي كي لا أراكِ
    وأني هاربٌ مذ رأيتُكِ إلى مجاهلَ أكتشف بذهولٍ أنكِ فيها وأني مغبوطٌ لأني ذاهبٌ إلى أمكنةٍ سأجدكِ ولن أجدَكِ فيها
    إلى أمكنةٍ تحرقني بعذابِ غموضها
    وأني إذا استرقتُ النظر ولم أجدكِ سأراكِ بتمامِ قلبي
    وأني إذا رأيتكِ فبأعينِ جميعِ مَن سيحبّونكِ وسيكرهونكِ
    وأني إذا أتممتُ الرؤيةَ سأفوز بعماءٍ عظيم
    وأني هالكٌ ولستُ صالحاً لأكونَ ميناءَ عودتكِ من بحارِ أسمائِكِ الكثيرة
    وأني صالحٌ لكلّ هذا
    وأني ساهرُكِ
    وأن موتي ليس أصعبَ من انتظاري
    وانتظاري تحت قوسِ القزح ليس أجملَ من حبّي وأنتِ تتريّضين في عريِكِ الحرّ إنعاماً للقلب وتلييناً لأحوالِهِ
    وأن حبَّكِ الناضجَ في أتونِ الوحدة سيكون سميري
    أنا المقيمُ في عتمةِ الباطنِ إلى أن ينموَ البحر في أحدِ الأيام
    وأني جارُكِ في الخيال وتوأمُكِ في الليل وجديدُكِ في الرجال
    وأني العددُ الذي لا يُحصى لأني لستُ في مكان
    وأني مدمعاكِ كلما تساقط البللُ الغامض ولم تجدي أرضاً لزرعِكِ سوى فراغِ البئر
    وأني كاتمُ وجوهِكِ وأهوالِكِ وكاتبُكِ كلما أقمْتِ في ريفِ جروحي وكلما ارتحلْتِ
    وأني صباحُكِ في الفرج وظهيرتُكِ في النوم ومساؤكِ في الضيق ونصفُ ليلِكِ في الرغبة
    وأني غائبُكِ وحاضرُكِ بسبب القناعِ وأصلِ الوجه
    وأني أُتمّ مشورةَ القلب ومبالغةَ الخيال وسَفَرَ الوهم
    وأني الأسرعُ بين الطيور لأقعَ الأسرعَ من الغيم
    وأني المتهوّرُ كلما أبعدتُ بصري عن مرمى القنص لأرى بالغريزة مخبأَ الطريدة وفرارَها
    وأني المقيمُ بسبب العاصفة تحت سقفِ الغيومِ الكثيفة
    ولا يدُكِ تضع حداً لجمالِ ما أنا فيه
    ولا جنونُكِ يقول كلمةً ليهدأ روعُ القمر
    ولا وحدتُكِ تقول لي تعالَ.


    *نص: عقل العويط

  • أهذه حياتي؟ أم طيفٌ تراءى لي؟ – سرغي يسنين – ترجمة: حياة شرارة

    أهذه حياتي؟ أم طيفٌ تراءى لي؟ – سرغي يسنين – ترجمة: حياة شرارة

    لا آسف، لا أنادي، لا أبكي،
    كلُّ شيءٍ سيزول كدخان أشجار التفاح.
    ذبول الذهب يلفُّني،
    لن أكون شاباً بعد الآن.


    الفؤاد مسَّه البرد
    ولن ينبض الآن كما كان،
    وبلاد أطمارها شجرة البتولا
    لا تُغري على التطواف مشياً.


    أيتها الروح المتجوِّلة إنَّكِ نادراً، نادراً
    ما تُحركين شُعلة الشفاه.
    أوَّاه يا نضارتي الضائعة،
    ويا وهَج العيون ويا فيضَ العواطف
    الآن بتُّ أكثر ضنَّاً بأمانيَّ،
    أهذه حياتي؟ أم طيفٌ تراءى لي؟
    كأنِّي مع همهمةِ الربيع الباكرة.
    أثِبُ على جوادٍ ورديّ.


    كلُّنا، كلُّنا إلى الفناء في هذا العامل،
    القطراتُ تسيل من أوراق القيقبِ بهدوء..
    كن مباركاً إلى الأبد،
    لأنَّك تفتحتَ ومُتَّ.


    *نص: سرغي يسنين
    *ترجمة: حياة شرارة
    *من كتاب: من ديوان الشعر الروسي – دار المدى

  • سيقطعُ الموتُ رأسي بيدٍ ساهية – مارينا تسفيتاييفا – ترجمة: إبراهيم إستنبولي

    سيقطعُ الموتُ رأسي بيدٍ ساهية – مارينا تسفيتاييفا – ترجمة: إبراهيم إستنبولي

    مختارات في رثاء الذات: للشاعرة الروسية مارينا تسفيتاييفا

    1

    بينما أُفكّر بآخر، المُختلف،

    بذاك المَفقود، كَمَا لو كنز،

    أنا قمتُ بقطعِ رُؤوس كلّ البستان،

    خُطوة بعد خُطوة،

    زهرة خشخاش بعد زهرة.


    هكذا، في يومٍ ما، في صيفٍ

    جافٍ، على طَرف حقلٍ

    سيقطعُ الموتُ رَأسي

    بيدٍ ساهية.


    2

    لأنَّني قريباً سأودِّع الجميع –

    أنا طوال الوقت أتساءل

    برقَّة كبيرة،

    لِمَن سيَبقى فراء الذئب،

    ولمن سيَبقى اللحاف الذي يَستدعي الحنان،

    والعُكَّاز الأنيق مع الصولجان

    لمن سيبقى سواري الفضيّ،

    المنثور بالفيروز…


    وكلُّ المذكرات، وكلُّ الأزهار،

    التي أعجز عن صوْنها…

    وآخر بيت من الشعر – وأنتِ

    يا ليلتي الأخيرة!


    3

    أنا قلتُ، فسمع آخر

    وهمس لغيرهِ،

    ففهم الثالث،

    أما الرابع فتناول

    عكازاً من السنديان

    ومَضَى في الليل

    طلباً للمأثرة.

    عن هذا صاغ العالم أغنية،

    ومع هذه الأغنية بالذات على شَفتي –

    يا للحياة!

    أنا أستقبلُ موتي!


    صلاة

    يا رب! أنا أتعطَّشُ للمعجزة

    الآن، حالاً، في أول النهار!

    أوه، اسمح لي أن أموت، طالما أن

    الحياة بكاملها كما الكتاب بالنسبةِ لي.

    أنتَ حكيمٌ، ولن تقول بصرامةٍ:

    «اصبري، لم يحن يومكِ بعد».

    بنفسكَ قدَّمتَ لي -الكثير الكثير!

    أتعطش فوراً -إلى كلِّ السُبل!


    أريد كلَّ شيء: أن أمشي إلى القرصنة

    بروح غجريّ ومع أغنية،

    أن أشقى لأجل الكل تحت أصوات الأرغن،

    وأن أندفع في المعركة كأمازونيةٍ؛


    أن أبصر بالنجوم في البرج الأسود،

    وأن أقود الأطفال إلى الأمام، عبر الظل…

    لكي يكون أسطورة – يوم أمس،

    و لكي يُصبح جنوناً – كلَّ يوم!


    أحبُّ الصلاة و الحرير و الخُوَذ،

    فروحي أثرٌ للحظاتِ عابرة،

    أنتَ أعطيتني طفولةً -أجمل من حكاية،

    فاعطني الموتَ – في السبعة عشر عاماً!


    *نص: مارينا تسفيتاييفا
    *ترجمة: إبراهيم إستنبولي
    *من كتاب: كبرياء جريح : قصائد مختارة

  • إشارةٌ – أحمد شاملو: في الفنانة (إيران درودي) – ترجمة: مريم العطار

    إشارةٌ – أحمد شاملو: في الفنانة (إيران درودي) – ترجمة: مريم العطار

    كتب أحمد شاملو هذه القصيدة عام 1982. و أهداها لـ “إيران درودي” ونشرها في مجموعة إبراهيم في النار. هذه القصيدة، التي تتناول فن الرسم، مدرجة كمقدمة في كتاب نشرته درودي لاحقاً بعنوان : على مسافة نقطتين.


    ارسمي الصّرخةَ
    ارسميها!


    *أحمد شاملو


    صورة الفنانة: إيران درودي

    إشارةٌ

    قبلكِ رسامون كُثر
    رسموا مزيجًا مِنْ الأوراقِ والغزلانِ
    أو في خطوطِ سفوحِ التّلالِ
    أو القطيعِ
    وراعيها الذي غابَ ما بينَ الغيومِ وتلالِ الجّبالِ
    وأنّهم
    مِنْ الشّبعِ أو البساطةِ
    في غابةٍ مليئةٍ بالصّورِ الضبابيةِ
    رسموا
    إيلًا جائعًا
    يخورُ
    أنتِ جسّدي خطوطَ التشابه:
    بين الآهةِ والحديدِ والجيرِ الحي
    بين الدخانِ والكذبِ والوجعِ-
    لأنَّ التعتيمَ
    ليسَ مِنْ تقوانا
    صمتُ الماءِ
    يمكنُ أنْ يكونَ سببَ الجفافِ أو صرخةَ ظمأ
    صمتُ القَمحِ
    يمكنُ أنْ يكونَ سببَ الجّوعِ أو صرخةَ المجاعةِ المنتصرةِ
    كما أنَّ صمتَ الشّمسِ
    هو الظّلام-
    لكنْ صمتُ الإنسانِ هو فقدانُ العالمِ والـله:
    ارسمي الصّرخةَ
    ارسميها!
    ارسمي زماننا
    في انحناءِ السّوطِ على سَطرِ العَذابِ
    ارسمي جاري
    الغريبَ مَع اللـهِ والأملِ،
    ارسمي قداستي
    التي لوثوها بالدّينارِ والدّرهمِ وتمَّ بيعها
    كنا نملكُ كلَّ ألفاظِ العالم
    لكنّنا لَمْ نقلْ شيئًا
    يفي بالغَرض
    لأنَّ كلمةً واحدةً، واحدةً فقط
    لَمْ تكنْ في حَوزتنا:
    -الحرّيةُ!
    نحنُ لَمْ نقلها
    أنتِ ارسميها!
    .


    • إيران درودي: وُلدت عام 1961 في عائلة ارستقراطية في مدينة خراسان و هي رسامة إيرانية بارزة. و أيضًا مخرجة أفلام وكاتبة وناقدة فنية وأستاذة جامعية لتاريخ الفن. يعتبر البعض بأن السيدة درودي من أتباع مدرسة السريالية. لم يعتبر سلفادور دالي أبدًا أسلوب درودي قريبًا من أسلوبه ووصف درودي بأنها فنانة من الشرق تتمتع بذوق وموهبة متناهية.
      كما أنها قامت بإخراج وإنتاج العديد من الأفلام الوثائقية والأفلام القصيرة للتلفزيون. في عام 1970 ، درست درودي تاريخ الفن في جامعة الشريف للتكنولوجيا بناءً على طلب الطلاب, عرضت إيران درودي أعمالها في أكثر من 63 معرضًا فرديًا وأكثر من 250 معرضًا جماعيًا في إيران وحول العالم ، كما كتبت كتابًا بعنوان “على مسافة نقطتين”.

    *نص: أحمد شاملو
    *لوحات: إيران درودي
    *ترجمة: مريم العطار

  • الخراب ما سيجيء – حسن مريم

    الخراب ما سيجيء – حسن مريم

    صوت: أحمد قطليش

    إننا نصحو على يبابٍ
    وأذىً يأكل الطمأنينة بأفواهٍ شرهة
    الحياة التي أردناها لن تجيء
    والآمال – بلا مقدمات – تسقط كالأشجار
    وتهرس ظلالها
    كونٌ تحرسه أسرارٌ فاسدة
    والناس يلهثون خلف سرابٍ ترتدي الحقيقة
    الموت ضجرٌ من وظيفته
    رأيته يشبك كفّيه خلف ظهره
    ويركل ما يصادفه من أرواحٍ بقدمٍ هائلة


    والشهادة توزَّع بالمجّان
    مُذ صار الله حِكراً على القتلة


    البحثُ طريق بلا جانبين
    والفهمُ هاوية
    والحكمة في مخالب العنقاء


    هذا ليس خراباً تماماً
    هذا ضبطٌ للإيقاع
    الخراب ما سيجيء ..!

    *نص: حسن مريم

  • وفاة موظف – أنطون تشيخوف

    وفاة موظف – أنطون تشيخوف

    ذات مساء رائع كان إيفان ديمتريفيتش تشرفياكوف، الموظف الذي لا يقل روعة، جالساً في الصف الثاني من مقاعد الصالة، يتطلع في المنظار إلى «أجراس كورنيفيل» وأخذ يتطلع وهو يشعر بنفسه في قمة المتعة، وفجأة.. وكثيرًا ما تقابلنا «وفجأة» هذه في القصص، والكتّاب على حق، فما أحفل الحياة بالمفاجآت! وفجأة تقلص وجهه، وزاغ بصره، واحتسبت أنفاسه.. وحوّل عينيه عن المنظار وانحنى و.. أتش! عطس كما ترون، والعطس ليس محظورًا على أحد في أي مكان، إذ يعطس الفلاحون ورجال الشرطة، بل وحتى أحيانًا المستشارون السريون، الجميع يعطس، ولم يشعر تشرفياكوف بأي حرج، ومسح أنفه بمنديله، وكشخص مهذب نظر حوله ليرى ما إذا كان قد أزعج أحدًا بعطسه، وعلى الفور أحس بالحرج، فقد رأى العجوز الجالس أمامه في الصف الأول يمسح صلعته ورقبته بقفازه بعناية ويدمدم بشيءٍ ما، وعرف تشرفياكوف في شخص العجوز الجنرال بريزجالوف الذي يعمل في مصلحة السكك الحديدية.

    وقال تشرفياكوف لنفسه: «لقد بللته، إنه ليس رئيسي، بل غريب، ومع ذلك فشيء محرج، ينبغي أن أعتذر» وتنحنح تشرفياكوف ومال بجسده إلى الأمام وهمس في أذن الجنرال:

    – عفوًا يا صاحب السعادة لقد بللتكم.. لم أقصد..

    ــ لاشيء، لاشيء.

    ــ أستحلفكم بالله العفو. إنني.. لم أكن أريد!

    ــ أوه، اسكت من فضلك! دعني أستمتع!

    وأحرج تشرفياكوف فابتسم ببلاهة، وراح ينظر إلى المسرح. كان ينظر ولكنه لم يعد يحس بالمتعة، لقد بدأ القلق يعذبه، وأثناء الاستراحة اقترب من بريزجالوف وتمشى قليلاً بجواره، وبعد أن تغلب على وجله دمدم:

    ــ لقد بللتكم يا صاحب السعادة.. اعذروني.. إنني لم أكن أقصد أن..

    ــ لقد بللتكم يا صاحب السعادة.. اعذروني.. أنني لم أكن أقصد أن..

    فقال الجنرال:

    ــ أوه كفاك! أنا قد نسيت وأنت ما زلت تتحدث عن نفس الأمر!

    وحرك شفته السفلى بنفاد صبر.

    وقال تشرفياكوف لنفسه وهو يتطلع إلى الجنرال بشك: «يقول نسيت بينما الخبث يطل من عينيه، ولا يريد أن يتحدث، ينبغي أن أوضح له أنني لم أكن أرغب على الإطلاق.. وأن هذا قانون الطبيعة، وإلا ظن أنني أردت أن أبصق عليه، فإذا لم يظن الآن فسيظن فيما بعد..!

    وعندما عاد تشرفياكوف إلى المنزل روى لزوجته ما بدر عنه من سوء تصرف، وخيل إليه أن زوجته نظرت إلى الأمر باستخفاف، فقد جزعت فقط، ولكنها اطمأنت عندما علمت أن بريزجالوف ليس رئيسه.

    وقالت:

    ــ ومع ذلك اذهب إليه واعتذر، وإلا ظن أنك لا تعرف كيف تتصرف في المجتمعات!

    ــ تلك هي المسألة! لقد اعتذرت له، ولكنه.. كان غريباً.. لم يقل كلمة مفهومة واحدة.. ثم إنه لم يكن هناك متسع لحديث.

    وفي اليوم التالي ارتدى تشرفياكوف حُلة جديدة، وقص شعره وذهب إلى بريزجالوف لتوضيح الأمر.. وعندما دخل غرفة استقبال الجنرال رأى هناك كثيرًا من الزوار ورأى بينهم الجنرال نفسه الذي بدأ يستقبل الزوار. وبعد أن سأل عدة أشخاص رفع عينيه إلى تشرفياكوف فراح الموظف يشرح له:

    ــ بالأمس في «أركاديا» لو تذكرون يا صاحب السعادة عطست و.. بللتكم عن غير قصد.. أعتذر..

    ــ ياللتفاهات.. الله ما هذا! وتوجه الجنرال إلى الزائر التالي ماذا تريدون؟

    ــ وفكر تشرفياكوف ووجهه يشحب: «لا يريد أن يتحدث إذن فهو غاضب.. كلا، لا يمكن أن أدع الأمر هكذا.. سوف أشرح له..».

    وبعد أن أنهى الجنرال حديثه مع آخر زائر واتجه إلى الغرفة الداخلية، خطا تشرفياكوف خلفه ودمدم:

    ــ يا صاحب السعادة! إذا كنت أتجاسر على إزعاج سعادتكم فإنما من واقع الإحساس بالندم!. لم أكن أقصد كما تعلمون سعادتكم!

    فقال الجنرال وهو يختفي خلف الباب:

    ــ إنك تسخر يا سيدي الكريم!

    وفكر تشرفياكوف: «أية سخرية يمكن أن تكون؟ ليس هنا أية سخرية على الإطلاق! جنرال ومع ذلك لا يستطيع أن يفهم! إذا كان الأمر كذلك فلن أعتذر بعد لهذه المتغطرس، ليذهب إلى الشيطان! سأكتب له رسالة ولكن لن آتي إليه. أقسم لن آتي!».

    هكذا فكر تشرفياكوف وهو عائد إلى المنزل.. ولكنه لم يكتب للجنرال رسالة، فقد فكر وفكر ولم يستطع أن يدبج الرسالة، واضطر في اليوم التالي إلى الذهاب بنفسه لشرح الأمر.

    ودمدم عندما رفع إليه الجنرال عينين متسائلتين:

    ــ جئت بالأمس فأزعجتكم يا صاحب السعادة، لا لكي أسخر منكم كما تفضلتم سعادتكم فقلتم، بل كنت أعتذر لأني عطست فبللتكم.. ولكنه لم يدر بخاطري أبدا أن أسخر، وهل أجسر على السخرية؟ فلو رحنا نسخر، فلن يكون هناك احترام للشخصيات إذن..

    وفجأة زأر الجنرال وقد أربد وارتعد:

    ــ اخرج من هنا!

    فسأل تشرفياكوف هامسا وهو يذوب رعبًا:

    ــ ماذا؟

    ــ فردد الجنرال ودق بقدمه:

    ــ اخرج من هنا!

    وتمزق ما في بطن تشرفياكوف وتراجع إلى الباب وهو لا يرى ولا يسمع شيئًا، وخرج إلى الشارع وهو يجرجر ساقيه.. وعندما وصل آلياً إلى المنزل استلقى على الكنبة دون أن يخلع حُلته.. ومات.

    *نص: أنطون تشيخوف
    *ترجمة: الأعمال المختارة – مج 1 – الأعمال القصصية – دار الشروق

  • أثرٌ من أصابعِ الريح – علي عكور

    أثرٌ من أصابعِ الريح – علي عكور

    أثرٌ من أصابعِ الريح – نصوص: علي عكور، صوت: محمد الحكيم

    1


    تُرى، أتكونُ الغيمة
    صورةً جماعية
    لكائنٍ يخشى
    أن يجفّ
    قبلَ أن يحصي نفسه!


    2


    ‏تخدعني
    كثافةُ الليل
    ها أنا
    أخرجُ يدي
    من النافذة
    وأجَدِّف!


    3


    ‏أن يدرّبَ الأيامَ على المشي.
    تلك بهجةُ الذاهلِ عن غدِه
    أن يأخذها في طرقه الصاعدةِ إلى الغيم
    أوِ المنحدرةِ كالتعبِ المَحْض
    إلى جروفِها النائية
    تلك بهجته: أن يعبر الماء خفيفًا، لا مُوْغلًا
    في مناماتِ الزنابق.
    وأن يتبعَ الأثرَ الخفيّ، ذاهبًا كالندى
    بطيئًا، متعرّجًا، وشحيحًا بالتفاتة


    4


    ‏جَسَدٌ هائلٌ، هذه الأرض
    لها زَفْرةٌ في قُلَلِ الجبال، وتَنهيدةٌ
    في ما غارَ منْ روحِها والوِهاد.
    حالكٌ، وقديمٌ حُزنُها.
    فلا البحيراتُ تتذكّرُ ما أبكاها
    ولا الأنهارُ بوسعِها -الآن-
    أنْ تتعرّفَ الإصبعَ التي نكَأتْها مرّةً، واختَفَت!



    5


    ‏مؤمنًا بالنظرة
    وذاهبًا
    في مساقطِ الضوء
    كأنك بالانتباه
    تُطيلُ عمرَ الشيء
    وبالإشاحة، تسلبُهُ الخلود!



    6


    ‏ما عساهُ
    يكونُ الثلجُ
    أهوَ الغيمُ قابضًا يدَه
    على ما يَبْقى
    أم الماءُ، أتعبَهُ الذهاب!



    7



    شَيْئًا فشَيْئًا
    تَفْرَغُ منْ نفسِها الغيمةُ
    حتى تَنْتهي – في سريرِ
    رجلٍ مُسِنّ – مِلاءَةً مُجَعّدة.



    8


    ‏في الداخلِ
    مِبْرَدٌ منْ حجر
    يَبْردُ الروحَ ببطء
    هو ذاك
    ما يصقلُ النظرَ
    على صفحةِ المرآة.



    9


    ‏أفهمُ صراخَ المنشار
    حتى من جهته
    لا يخلو الأمر من ألم.


    *نصوص: علي عكور

  • بدونكِ كيف سأتقبل الحياة؟ – وائل عقيلة

    بدونكِ كيف سأتقبل الحياة؟ – وائل عقيلة

    بدونكِ كيف سأتقبل الحياة؟ لن أقول إن الأكسجين لن يفيد لكي يبقيني على قيد الحياة، لن أقول أنني سأرمي بنفسي من أعلى مباني المدينة البائسة، لكنني سأعيش بدونكِ الآن.. فكيف ستكون الحياة من بعدكِ؟ لقد عشتُ معكِ ورأيتُ فيكِ ما لم يره مانغويل في الكتب، كان مانغويل يرى أن قراءة الكتب قد أعطته مبرراً للعزلة، لم تعطِني أنتِ مبرراً للعزلة بل مبرراً لكي أحيا الحياة التي لطالما رغبتها. لا يمكن لأيّ أحدٍ أن يفهم ما مدى ارتباطي بكِ، ومَدى روعة أن يكون معنى حياتي متعلّق بكِ. ما معنى الحياة دونكِ؟ ما معنى أن يعيش الإنسان بلا حبٍ أيقظهُ من سباتهِ العميق؟ قال سراج الورفلي: “المرأة التي تغوصُ في التفاصيل أكثر ستُرجع له شيئاً فشيئاً ذاكرته.. ويعود لتدقّ في رأسه طبول الحرب..فيشتاق إلى همجيتهِ، وإلى هدفه الأسمى.. وهو الركض بلا وجهة في غابةِ العالم”.

    أنتِ لستِ تماماً من هذا النوع، صحيح أنكِ تميلين إلى تقدير التفاصيل وترينها متعة العالم، لكن معكِ لم أركض بلا وجهةٍ في غابةِ العالم، بل على العكس رأيتُ فيكِ تلكَ المرأة التي يصلح قلبها لينصب فيه الرجل خيمةَ ترحالهِ، وتتحول بذلك الخيمة إلى مأوى في موطن صالح لكي أتقبل فيه نفسي. المرأة التي تعتبر من الطبيعي أن يبدو الرجل في بعض الأوقات نهراً حزيناً. أنا كذلك فعلاً، لكن حزني بلا معنى لو أنَّني تحدثتُ عنه مع غيركِ.

    يمكن أن يكشف الحب معكِ عن أسرارهِ المثيرة، يمكن أن أنظر إليكِ بشغفٍ كما ينظرُ عالم آثارٍ إلى حائطٍ فرعونيّ عتيق. من حبي لكِ أتجاوز الخطوط الحمراء كما فعلها ليغوسي الذئب حينما وقع في حب أرنبة ناصعة البياض، لم يتقبل مجتمع الحيوانات أن يقع كائن مفترس في حب كائن رقيق وضعيف. عندما نقع في الحب لا يهمنا حينها ما رأي المجتمع تجاهنا، ما يهمني هو أن أعيش مراراً وتكراراً تلكَ اللحظة التي تغمرنا فيها شمس الغروب بينما نتبادل أطراف الحديثِ عن أمورٍ تافهةٍ وبلا مَعنى تُضيف لحياتي معنى.

    *نص: وائل عقيلة

  • الشتاءُ أكثر دفئاً وإنسانيةً – إبراهيم زولي

    الشتاءُ أكثر دفئاً وإنسانيةً – إبراهيم زولي

    كيف سنكتبُ أسماءنا
    ثم نرجع ثانية نتسكّع في آخرِ الأرض
    نوغلُ في التيه من سغبٍ
    كيف أجلو الكتابة من صدأ الخوف،
    أصقلها ببريق الصّبا.


    كان يجلسُ قرب السرير
    تجاسر أن يسرق العشب
    يطوي البراري على راحتيه
    غداً، سوف ينقسم الناس قال،
    وخطّ
    بأصبعه
    في
    الترابْ.

    .. وسواء، غسلتها بالطهور من الماء، أم عفّرتها بالتراب
    سوف تبقى الغواية تنتحل الورع بوقاحة
    لن تقبض أبداً على ظلّكَ المُستاء من شغفه الجحيمي،
    الشغف العاكف على الصدف الإباحية،
    الحافل باليأس المهذب
    في آخر الأمر يسيء العاشق لأصابعه،
    ويسقط ضجراً في عثراته
    حسبكَ من ذلك، أثر الخذلان عقب تفرّق سعاة البريد،
    حسبكَ الألم عذْباً صائغاً يتدحرج في جوفكَ،
    حسبكَ الذكرى الخادشة للحياء،
    الذكرى التي تتقمّص ثياب المجاز
    إنَّها في انتظاركَ كالمُعتاد
    ضيّق بابها، ومقعدها شاغر لم يُمس،
    مقعد ينذر بفحشٍ وَشيك
    مقعد بتقرّب إليكَ كلَّما عفوتَ له عن ذنب،
    كلَّما كنتَ به أرحم من عطش المتاهة،
    من فتنة الإطراء، ولهاث المكيدة.

    .. وأنتَ تطلّ على حنينكَ البعيد
    صاعدًا على حافة الشهوات
    تسقط من علوّ شاهق
    وتكون عرضة للشتاء

    الشتاء أكثر دفئًا وإنسانية –
    حين تطلّ على حنينكَ القريب
    تخرج في مشهد رشيق
    قامتكَ تقف شاهدة عليك
    لا تريد الدخول معكَ في
    جدلٍ لا ترغب فيه.
    حين يطلّ على…
    يجفّ حِبر اللوعة،
    وترتدي الوجوه أوَّل سوءاتها.

    *نص: إبراهيم زولي

  • أقول للعالم: ثكلتك أمك – محمد أبو زيد

    أقول للعالم: ثكلتك أمك – محمد أبو زيد

    اِفتح يا سمسسم

    ثمة أشخاص يريدونني في الخارج

    يقفون بالمشاعل في الطريق المظلم

    يهتفون باسمي

    ينتظرون أوبتي

    اِفتح يا سمسم

    ثمة طفل ينتظرني في الخارج

    لا بد أنه ملّ

    لا بد أنه تعب من الضجر واليأس

    لا بد أنه كبر الآن

    ذهب إلى المدرسة

    خرج مع أصدقائه

    تزوج

    ونسيني

    اِفتح يا سمسم

    لا كنوز هنا

    لا شيء سوى فيروسات متجولة

    تتنقل من قدمي إلى صدري

    لا شيء سوى سعالي

    يضيء المكان

    وحائط أسود

    أخاطبه كمجنون

    ولا أعرف ماذا يحدث

    وراءه.

    *نص: محمد أبو زيد

    *من ديوان: جحيم

  • حياتنا.. غرفة مُعلّقة – حسن حصاري

    حياتنا.. غرفة مُعلّقة – حسن حصاري

    فِي غُرْفتِي المُعَلقَة،
    تِلكَ الغُرفَة التِي…
    تَتَملكُني بِحُبٍّ جَارِف،
    ثمَّةَ نُدفُ بَياضٍ
    مُتدَليةٍ منَ السَّقفِ
    لا تُرى بِعَينِي المُجرَّدَة مِن الضَّوء.
    أخبِّئُ بِحَذرٍ شديدٍ
    نَفسِي وَوَجهاً…
    في زَوايَا مُظلِمةٍ
    لا تُشبِهُني.

    لا كوَّةَ…
    تَمْتصُّ رَائِحَة المَاءِ إلى الدَّاخِل،
    رَحيقَ احتِراقِ
    عُشبِ غابَةِ الصَّنوبرِ المُقفِرَة،
    بِالجُدرانِ الغارِقةِ
    فِي رُطوبَةِ كهْفِ نِسْيانٍ
    جِدِّ آثِمٍ…
    بِلعْنةِ الغُفرانْ.
    الغُفْرانُ الذِي…
    لا يُكسِّرُ،
    لِلخَطيئةِ جَناحاً.

    دَقاتٌ…
    وَدَقاتٌ…
    مُنشغِلة عَلى الدَّوامِ،
    فِي تَحريضِ
    وُجُومِ تأفُّفِي المُزمِن
    عَلى أبَديةِ الاشتِعال.
    السَّاعةُ الحَجَريَّة القديمَة،
    بِجُمْجُمتي الفارِغَة مِن الصَّدى،
    تدُّقُّ بِقدمَيْها الثقِيلتيْنِ بَابَ الوَقتِ.
    الوقتُ…
    المُتسَكِّعُ بِبَداءَةٍ،
    بَينَ سَوادٍ…
    وَبَياضٍ…
    عَارِياً… عَارِياً…
    مِنْ وَجْهي،
    المُقتَلعِ
    مِنْ مَلامِحِه.

    *نص: حسن حصاري

  • تمائم ومنمنمات – إيناس ثابت

    تمائم ومنمنمات – إيناس ثابت

    1
    لم ألمح وجهكَ
    لم يصلني سحر صدى صوتكَ
    إلا أنَّني شعرتُ برقَّة طيفكَ
    تلاطفني من بعيد
    نافذتي تستقبلُ نسيم الصباح


    2
    كلَّما أبصرتُكَ في داخلي
    صفَّقتْ أجنحة الأغاني
    وانتشتْ غابات الزهور
    وتولَّتني رجفة عميقة
    سرتْ في صبوةِ أيامي وأوصالي


    3
    أنتَ زهرتي المُقدَّسة
    وأنتَ شمس قلبي
    تنير كَمَا تكوي وتحرق


    4
    في النهار تُضيء السَّماء بنور الشمس
    وفي الليلِ تُومض النجوم
    والقناديل الصغيرة تحي كرنڤالات المَساء
    وأنتَ وحدكَ في قلبي، حاضراً تتوهَّج
    كنجمةٍ منيرةٍ في سَماء صحرائي


    5
    أحتفظُ بكَ سرَّاً في عينيّ
    في قلبي.. في اسمي
    في صومعتي.. في خلوتي.. وفي تكويني
    تورَّطتُ فيكَ.. بلا إياب!


    6
    مثلما يفيض الكرز بالسكر
    والياسمين بعطرهِ الأبيض
    فَكُلّك خمرة تَسري في دَمي


    7
    أنتَ..؟ يا أنا
    كلَّما ناديتني
    لا أفتشُ عنكَ خارجاً
    لأنَّك تسكنُ عمق أعماقي
    وكلَّما جفَّتْ شَفَتاي
    لا أفتش عن النبع خارجاً
    لأنَّك بحيرةٌ ونبعٌ دَافق
    يفيضُ على حقلي ومواسمي


    8
    لا أحتاج البحث عن الجمال
    في وجه العالم
    يكفيني أن أتطلع في بحر عينيكَ


    9
    كلَّما ذكرتُكَ للسماء
    غنَّت لكَ الملائكة
    وتزيَّنت يَدَاي بالخضاب
    والضحكة البريئة
    تشقُّ قلب السموات السبع
    فتهبّ الريحُ فوق بتلات الأحلام
    وتلتقي في قلبي توقاً للسلام


    10
    أيُّها الحبيب
    لا تَمِلْ بوجهكَ عنّي
    ففراشتي احترقتْ
    لتضيء بنور حبّكَ


    11
    في غيابكِ كشمعةٍ أذوبُ
    أذوي مثل نايٍ خنقته الدموع
    وأنينه تَلاشى في عصف الرياح


    12
    بدونكَ أنا ريشة في مهبِّ الريح
    حلمٌ بهيٌّ تلتقطني يداكَ
    أتجذّر فيكَ وتَتَحقق آمالي


    13
    بإيجازِ المَحرُومين
    بكلمتين اثنتين
    أنا.. مِلكُ هَواكَ


    14
    أخجلُ من البوحِ للعالم عن حبّي لك
    فقل للدنيا بلسانكَ.. يا سلام


    15
    صه..! أنت تدركُ ما تقوله عيناي
    فما حاجتي إلى تحريك الشفاه؟

    *نص: إيناس ثابت