المدونة

  • المنارةُ عمياء لكنَّ الحارس يُبصر (مختارات) – عبده وازن

    المنارةُ عمياء لكنَّ الحارس يُبصر (مختارات) – عبده وازن

    ظلان 

    ظلان ينحنيان على جدار

    ظل رجل يعانق امرأة

    ظل امرأة تعانق رجلاً

    ظل يعانق ظلاً على جدار

    ضوء القمر يخترق النافذة

    دمّ البُرتقال يشيع في الغرفة

    ظلان يسقطان أرضاً

    تحت جدارٍ يُعانق ظل القمر. 


    المفاتيح

    المفاتيحُ وحدها بقيتْ

    خبَّأوها كذخائرٍ في صدورهم

    هم يعلمون أنَّهم لن يعودوا

    أن البيوت أمست بلا أبواب

    المفاتيح لا يتخلّون عنها

    يوقظونها من نومها ليتذكّروا

    ليشموا رائحة أبوابهم

    ليلتمع في عيونهم بريق العَتَبة.

    إنها كل ما تبقى لهم من حياة

    كانت هناك من سماءٍ كانت تظللهم

    من شجرة الباحة

    وبنفسج السياج

    إنَّها كلّ ما تبقى

    من أماسيهم المُقمرة

    من صباحات كانوا يسبقونها

    إلى حقول الشمس

    من ظهيرات أيامهم وغروبها.

    الآن يجلسون

    ينظرون إلى هناك

    ينتظرون غيمة تحمل إليهم خبراً

    يترقبون نجمة تشرق من أرضهم

    لكنَّهم في الليل فقط

    يبصرون أنفسهم هناك

    أمام عتباتهم

    يفتحون الأبواب

    ثم يغلقونها

    هم يعلمون أنهم لن يدخلوا

    لكنَّهم لا يتخلون عن مفاتيحهم

    وحدها سترافقهم في يومهم الأخير.


     المنارة العمياء 

    حارسُ المنارةِ

    يجلس طول الليل أمام البحر

    عندما لا يبصر سفينة

    يُشعل سراجاً صغيراً

    عسى النوارس تهتدي.

    منارةُ الحارس

    تهشَّمتْ عيناها

    عندما رماها قراصنة بسهامهم.

    المنارة عمياء

    لكنَّ الحارس يُبصر ولو بخفوت.

    الحارس الذي نسيَته السماء

    ما زال يجلس طول الليل

    أمام البحرِ

    يحرسُ المنارةً

    من قراصنةٍ لا يُبصرهم.


    أنتَ أو هو 

    أنتَ هُنا

    أنتَ هُناك

    كرسيكَ هنا

    لكن أحداً سواك يجلس عليه

    هو أنتَ الذي لستَ.

    سريركَ هنا

    لكن لست أنتَ من ينام

    ربما أحدٍ سواكَ

    أنتَ ساهر منذ ليالٍ

    أنتَ الذي هو.

    كتابكَ هنا

    ليست يداكَ هما اللتان تفتحانه

    ليست عيناكَ اللتان

    تتلمسان حبره

    أنتَ الذي هو أنت

    أنتَ الذي هو

    حين تكون هناك

    حين تكون هنا.

    صورتكَ على الجدار

    العينان ليستا عينيكَ

    إنَّهما عينا شخص

    كان أنتَ

    أنتَ الذي هو.


     الحالمة

    بقميص نومٍ

    على كنبة زرقاء كالفجر

    تغفو نصف إغفاءةٍ

    كعادتها عندما تَحلم

    عيناها مغمضتان

    لكنَّ وجهها يشعُّ بخفوتٍ

    على شفتيها ترتسم ابتسامة في منتصفها

    جسدها المُرتمي على الكَنَبة يتموج قليلاً

    قد تحرّك قدماً بخفة

    نهداها يلوحان من وراء قميصها

    إنها تحلم

    وجهها مثل قمر اكتمل للحين

    على صفحته تعبر ظلال

    وهاد ورواب تكاد تتلاشى

    جفونها كلما تحركت اتسعت ابتسامتها

    شفتاها تعبرهما شهقة

    على الكنبة

    قد ترفع يمناها ثم ساقاً

    جَسدَها يضطرب

    لعل ذئباً طرق بابها هناك

    لعل سارقاً كسر نافذتها.

    إنَّها تحلم

    بيدها اليسرى تشد على نهدها

    ثم نزولاً إلى حوضها

    ترتعش قليلاً ثم تتلاشى

    وجهها يشع بعذوبة

    نجمة ابتسامتها تذوب برقة ماذا تبصر الآن؟

    هل حل الليل في بلاد هناك

    أم أن فجراً يسطع؟ أواقفة هي أمام مرآة

    أم وراء نافذة تطل على نهار؟

    الحالمة كم يعبر صفحة وجهها من أخيلة

    كم يجتاز شعرها من أسراب عصافير. 


    *نص: عبده وازن
    *من ديوان: ليس لنا هذا العالم

  • غير أنَ ثمن الخطوةِ آه – حسين بهيش

    غير أنَ ثمن الخطوةِ آه – حسين بهيش

    أطيرُ بلا جناحين مثلَ الهواء
    ومع كل مرةً أحلقُ فيها
    أنكبُ على وجهي كفرخ عصفور
    محاولاً الوصول إلى الفردوس الأعلى
    الذي يشبه ثمرة في رأس شجرة.


    في النهرِ الدافئ صار القاربُ كفاً
    محتضناً العابرين إلى الضفةِ الأخرى
    يمسكهم مثلَ حفنة رمل
    ويرشهم على جرفِ النهر
    ليكونوا كومة صَدف.


    ما زلتُ ضائعاً في المحطات
    أغطي جراحي بالانتظار
    مثلما يُغطي المسافرون الأثاث بالشراشف.


    الأفكار المتشعبةُ في الرأسِ
    تشبهُ سلاسل في قدمِ سجين
    أجرُّها مثلَ كرة حديدية
    غير أنَ ثمن الخطوةِ آه.


    تمنيتُ أن تقطفني امرأة
    من حقول الأوهام هذه
    وتتركني في كأس ماء
    أشُمها وتشُمّني..
    حتى أرتقي ذبولاً من يديها.


    *نص: حسين بهيش

  • زهرة في قارب – محمد فاهي

    زهرة في قارب – محمد فاهي

    1-
    هل هم راسخون في الأرض
    حتى ينقلوا الأزهار
    ولا ينتقلوا إليها؟


    2-
    ينقلون الأزهار
    ولا ينتقلون إليها
    هل يعيرون الساعة
    على الموت؟


    3-
    على القبر
    ما تبقى من حياة في الأزهار
    وما تبقى من ظل.


    4-
    قد يكون القارب تابوتاً
    كما في أسطورة
    وقد يكون طائراً
    كما في حكاية عجيبة
    وقد يكون حصان طروادة
    كما في ملحمة.


    5-
    من ثقب قصيدة
    يلوح البحر بحجم الكون
    ويلوح النوتي
    بحجم نقطة النون.


    6-
    أيها النوتي المهاجر
    ماذا ستحرق في البحر
    غير الوقت
    والمسافة
    وحطب المجاز؟


    7-
    ق…ا…ر…ب…
    لا بد من تقطيع الخشب
    لا بد من تقطيع الكلمة
    حتى تسبح الحروف
    إلى الضفة الأخرى
    أجسام مهاجرين
    على الرمل
    ساكنة ومتحركة.


    8-
    بأي شكل تكون زهرة
    في حضن قارب؟
    حينذاك
    إما أن تكون الزهرة مستلقية للنوم
    وإما أنها تنبت في بستان الوحدة
    وإما أن الحطاب نسيها في جيبه
    وإما أن النوتي خلعها عنه
    ثم
    غطس في البحر
    و
    رحل.


    *نصوص: محمد فاهي

  • الطريدة الهاربة – علي ضمد

    الطريدة الهاربة – علي ضمد

    (1)

    كلّما لَفني التيهُ
    ودَثرني بعباءته السوداء
    كلّما نادَتني المنايا
    تأتي يدُكِ مِن بعيد
    يدُكِ الصغيرة
    ويأتي معها الفجر
    بأشعته الفضية
    ليفقأ عين الظّلام
    وينتشلاني من الموت الذي يحوم حولي
    مثل صقرٍ جائع
    أنا الطريدة الهاربة
    بلا وجهة
    من رمية الصّياد
    لا الصّيادُ ملَّ من مطاردته
    ولا أنا تعبتُ من النجاة.


    (2)
    أيّتها المدن الكبيرة والعالية
    بقصورك وعماراتكِ التي تناطح السّحاب
    تشبثي بنا
    نحن الذين بلا بيت
    بلا عائلة
    ولا عنوان
    لا وجهة لنا على التحديد
    هائمين في البراري
    منذورين للمخاطر
    نركضُ لنجدة نجمة يلاحقها الظّلامُ
    وقمرٍ يلفظُ أنفاسه الأخيرة
    على جباهنا كُتبَ التّرحال
    كختمٍ على جبينِ مؤمنٍ
    أيّتها المدن الغافية وقت الفجر
    مرغمين نغادرك فجرًا في العربات الأخيرة
    بحكاياتٍ غير مكتملة
    وصرخاتٍ موؤدةٍ في مقبرةِ الرّوح المظلمة.


    (3)
    سعيدٌ أنا اليوم،
    ولن تستطيعَ كلُّ مصائب العالم وفواجعهِ
    هزّني أو النيل منّي.
    سعيدٌ أنا اليوم،
    وكلُّ ذلك سببه أنّي زرتُ حقلًا،
    ومشيتُ طويلًا بجوار سنابلهِ
    كلُّ ذلك سببه أنّي دخنتُ سيجارًا
    وأنا مستلقٍ على خضرتهِ
    فتعالي يا أحزان العالم
    تعالي يا تعاسةَ التعسين
    تعالي ودعي الفقراء والمساكين
    دعي المغضوب عليهم ومن ضلّوا طريقهم
    تعالي لأهزمكَ اليوم بسعادتي.


    *نصوص: علي ضمد

  • تحفة فنية عنوانها المنزل (مختارات قصصية) – ندى عبدالرحمن

    تحفة فنية عنوانها المنزل (مختارات قصصية) – ندى عبدالرحمن

    تحفة فنية عنوانها المنزل


    كان المنزل أشبه بتحفة فنيّة، الأبناء يستلقون على الأسرّة كجثث هامدة بريشة فنان يحاكي الموت. الأم لا تغريها الأماكن الأخرى، بقرب النافذة تصوِّب نظراتها نحو الفراغ. قد تحاسب نفسهَا سراً على عدد النظرات التي أهدرتها في حراسة خطوات الزوج، أو الوقوف طويلاً أمام طبق طعام. لا يظهر من الأب سوى ظهره. كل من في اللوحة بما فيهم الأبناء الذين قرروا أخذ استراحةٍ أبدية من اللعب في أرجاء الردهة الخلفية. تساءلوا في لحظةٍ سابقة، كم ضربة سيضربها الرسّام بريشته ليلتفت الأب؟


    كلما غادر المنزل عاد بلا خطوات


    كاد يفقد قدميه إلى الأبد. كلّما غادر المنزل عاد بلا خطوات، يتذكّر أنه توقف طويلاً أمام متجر لبيع الخردوات، ربما استبدل خطوته الأولى بإطار قديم للمّ شمل عائلته، أو ربما ابتاع حلوى لطفولةٍ لا يعرف عنها شيئًا، إلا أنه لم يعشها ودفع خطوةً ثانية ثمنًا لها. أثناء خروجه ارتدى حذاءً ضيّقًا، قد يعثّر هذا الحذاء رحلة البحث عن خطواتٍ ضالّة. أفرغ خطواته المتبقية والتي أنفق طفولته يتدرّب عليها أسفل الخزانة. أنفق معها تعليمات والديه لكي ينهضَ ويبدأ خطوةً جديدة. عند عودته أضاع المنزل، سقط أمام عتبة بابٍ لا يألفها. لم يكن بوسعه أن يعيد شريط طفولةٍ مضَت في كسب المزيد من الخطوات أو سماع تعليمات أبوين يلقّنان طفلاً آخر كيفَ ينهض.


    اسم بلا ملامح


    لقد عرفته لسنوات طويلة، مجرّد اسم، بلا ملامح، بلا صوت أيضًا، اسمٌ ما إن أقرأ حروفه حتى أصابُ بتخمةٍ في الشعور كما لو أنني تناولتُ وجبةً دسمة، أو خدر في اللسان لما يحملهُ من معان كثيرة، وأحيانًا كنتُ أصابُ بالأرق في الليالي الأولى بسبب لحنٍ صغير في نطقه. ولكن.. ظللت أردده، لأيام، لأسابيع، لشهورٍ طويلة وأكثر، حتى اعتدتُه وألِفته. لم يكن ذلك عشوائيًا بل التزمتُ بقراءة تلك الأحرف في الساعة نفسها التي صادفتها فيها، حتى ظهرت عليه يومًا ملامح السراب أو صفاته، فلم تلبث تلك التخمة إلّا أن تلاشت، والخدرُ حتى زال، حين اقتربتُ في محاولة لمسهِ أو النقر عليه من خلف شاشة، فظهر بجانبه تاريخٌ قديم لسنين غادرناها معًا، تلميحٌ أن صلاحية إجابة النداءات لهذا الشخص قد انتهت منذُ وقت طويل.


    غرفة انتظار


    في إحدى غرف الانتظار دخلتُ وقد سبقني مجموعة من الأشخاص. أتذكر أني خرجتُ، وقد تركتُ جسدي كلّه في تلك الغرفة، حدث ذلك أثناء نهوض أول الجالسين ومغادرته الغرفة ناسيًا ظلّه مضطجعًا ليحجز هذا المقعد باسمه طوال العمر. ظننا جميعًا أنه فكّر في تزيين المكان، لذلك من الإنسانية عدم ترك نسيانٍ واحد بمفرده. حين خرج الشخص المجاور له تعمّد نسيان نظرته كشقٍ على الحائط. تلاه آخر ظلّ يتعرق طوال الوقت، من المحتمل أنه صاحب اللمسة التي تركت مقبض الباب يغلي. من تبعه في الخروج تعرف أنه بخيل من أول نظرة، أوجد لنفسه أعذاراً تنقذه من مواقف كثيرة، لذلك فهو يحتاج الآن لقطعة القماش التي بحوزته ليمسك مقبض الباب الساخن. في الزاوية كان يجلس أكثرنا كسلاً وبدانة، أثناء التهامه وجبةً دسمة قضم أحد أصابعه. حين غادر استُخدمت تلك السبابة لتكمل نقص الشموع على الرف. بقيتُ وحدي في الغرفة أفكر بم قد أساهم في تزيينها. لكنني لم أسمع اسمي قط لذلك خرجتُ مسرعاً ناسيًا جسدي كله لأستعيد اسمي من غرفة سابقة.


    *نصوص: ندى عبدالرحمن

  • (ثعالبُ الريح) وقصائد أخرى – أحمد الوهيبي

    (ثعالبُ الريح) وقصائد أخرى – أحمد الوهيبي

    (1)
    ثعالب الريح

    بعين صقر تروز بصيرٍ

    المراوغة الأخيرة للطريدة


    النهارُ ينتظر خلف النافذة

    فاق باكراً وسقى الحبق والنعناع


    إن كنتُ طائراً کوني شجرتي خبئيني في ظلكِ

    لئلا تعثر عليّ الغابة


    ظلمة تحوم كطيورٍ فوق حقل

    تغريني بالبقاء في زاوية الغرفة


    انتظر يا نهار، كل نهار في الخارج

    سأعبر نهركَ صحبة خراف وأعشاب يابسة


    أروي لكِ عن الأفيال

    عن مفاتيح قديمة لأبواب منسية

    وعن كنز الأجداد المدفون في ميناء جزيرة بعيدة

    أصنع لكِ طوفاً من قناني فارغة

    أشده بخيوط الحكاية

    فقد لا يأتي وينقذنا من ليل الناقلات

    جزيرة معزولة قد لا يأتي ليعبر بنا أحد


    لا ظل لي ولا شجرة

    سريري كلمات

    وأحلامي خدعة قديمة

    تعلمتها من بائع كتب مستعملة

    نجوم حارسة تنصب فخاخ للعتمة

    نامي واطمئني يا ثعالب الريح.


    (2)
    في مساء ماطر


    في مساءٍ ماطر في قصبة المهدية،
    وقد بلل التلال شذى الزهور البريّة
    والنهر يلمع من بعيد بذهب المغامرة
    قررتُ اقتحام القلعة وتحرير الأسير الأمير ابن المعتمد بن عماد
    وتهريبه على قارب بمحاذاة سور العميان
    الواصل بين المهدية ومكناس
    عبر بنا صديقي البحّار إلى الضفة، وسرجت
    للأمير حصاناً طائراً
    طلب مني أن أرافقه إلى أغمات
    اعتذرتُ؛ لأني مهاجر وحقيبتي مليئة بالأحجار
    عدتُ ليلاً بعدما انطفأت المشاعل وتهدمت أسوار القلعة
    عندما استيقظتً
    كانت آثار حوافر الخيول تملأ البيت
    والنهر ينام على الأريكة
    وصديقي البحّار على قاربه في المطبخ
    يدخن مغمض العينين. 


    (3)
    خريف الشحرور

    في صباح عتمته الغيوم ومصباحه المطر، يقف الشحرور على السور يهدهد أمواج المحيط العالية.
    عند الغناء ينفش الطائر الأسود ريش حنجرته، يغمض عينيه ويشغب إلى السماء، ينفض منقاره ويرسل وصلات شدوه الطويلة في الأفق، بعض صفيره نداء وبعضه الآخر متواليات في الحنين، لنسيم الصباح المشمس، وصحبة الرفاق في رحلات الصيد واستراحة الضحى على حواف لأقطار الأثير الصدئة. 

    في الأيام المطيرة يتفرق السرب، تختفي الحشرات الطائرة وتغرق الديدان في الأوحال، وتتمترس اليرقات خلف ضلف
    اللحاء الغائر، لا جدوى من البحث والتحليق بأجنحة مبللة، مثقلة بالقطرات والبلورات المكثفة. 

    لذة الغناء والنشيد، كل ما يتبقى لطائر مغرد أفرده الطقس الغادر عن وليفه، عيشه وعشقه ومتعته، معنی وجوده في هذه الرحلة القصيرة. 


    *نصوص: أحمد الوهيبي

  • متسوّل يمتطي ظلّه (مختارات من الشعر الكردي) – روخاش زيفار – ترجمة: ماجد ع محمد

    متسوّل يمتطي ظلّه (مختارات من الشعر الكردي) – روخاش زيفار – ترجمة: ماجد ع محمد

    متسوّل


    ارتدى اللاجدوى
    علَّق الخنوعَ على كتفه
    أيقظ عبراته
    امتطى ظلهُ
    ورويداً رويداً
    يمَّم وجهه صوب جنة الاستعطاء
    تسوّل سلاماً
    وكحّل به علِل عيونه.

    تسوّل وردةً
    وزيّن بها أحزانه.

    تسوّل فكرةً
    ونيّم عقله بها.

    ودّ أن يتسول الحرية
    فتاهَ.

    Parsek

    Bêkêrî li xwe kir
    Stûxwarî bi milê xwe xist
    Hêstirên xwe hişyar kirin
    Li siya xwe siwar bû
    Û hêdî hêdî
    Berê xwe da bihişta parsê.

    Silavek pars kir
    Pê çavên derdên xwe kildan.

    Gulek pars kir
    Pê şînên xwe xemilandin.

    Ramanek pars kir
    Pê hişê xwe kir xewê.

    Xwest azadiyê parske
    Winda bû.

    بخيل


    السماء تتحمل أسقامَ وعِلل السُّحب
    لكي لا تشتكي الأرضُ.

    الأرض تتعرق
    لكي لا تذبل المنابع.

    الأنهار تحصد هموم التراب
    لكي لا تغضب الورود.

    الورود تزيِّن ربيع الحب
    لكي يفرح المرءُ بها.

    بينما الإنسان
    مشغول فقط بأناه.

    Çikûs

    ezman derd û kulên ewran dikîşne
    da ku zemîn gazî neke.

    Zemîn xuydide
    Da ku çem neçilmisin.

    Çem xemên axê diçinin
    Da ku kulîlik nexeydin.

    Kulîlk bihara evînê dixemlînin
    Da ku Mirov pê şabe.

    Mirov jî
    Bes li xwe digrî.

    الانتشاء


    جدائل الشجر
    تنتشي بالنسيم العليل.

    القصائد وأغاني العصافير
    تنتشي بأنغام الشلالات.

    الورود وأزاهير السلام
    تنتشي بشعاعات الحرية.

    وأمواج قلبي
    تنتشي بالنظر إلى الحبيبة.

    Serxweşbûn

    Biskên daran
    Bi bayê xweş serxweş dibin.

    Helbest û stranên çivîkan
    Bi awazên sûlavan serxweş dibin.

    Gul û kulîlkên aştiyê
    Bi tîrêjên azadiyê serxweş dibin.

    Pêlên dilê min
    Bi nêrînên yara min serxweş dibin.

    الخيانة


    يُجمِّلون الأكاذيب
    يُزيّنون الخضوع
    يُدهنون الخنوع
    يُخلقون ألواناً من البهتانِ
    والزيف
    والعمالة
    والخيانة
    شبراً فشبراً
    يقسمونها على بعضهم
    ورويداً رويداً
    يودون شلَّ عيدي(نوروزي)
    وبلا خجلٍ
    يُطلقون على أفعالهم اسم التكتيك.

    Xinizî


    Derewan fodil dikin
    Stûxwariyê dixemlînin
    Sernizmiyê boya dikin
    Bêbextiyê rengereng diafirînin
    Sextebaziyê
    Nokeriyê
    Xiniziyê
    Bost bi bost
    Ew li hev parvedikin
    Dixwazin hêdî hêdî
    Newroza min pûç bikin
    Û bê şerm
    nav lê dikin tektîk.

    المستعبد الجديد


    بلا تردُّد
    يطفئ عيون أحلام اليقظة
    يدوس على براعم الإنسانية
    يُهلك العدلَ جوعاً
    ينفي الحرية
    يرمي الشجاعة في السجون
    في كل لقمة خبز
    وفي كل قطرة ماء
    في الهواء
    يزرع بذور الاستعباد
    وفي كل خطوةٍ له
    يبتر عنق أماني الشعب
    يهدم مستقبل البلد
    يُشتت الجذور وغصون الحياة
    وليلاً نهاراً يقول:
    عاشت الحرية
    عاش الوطن والشعب.

    koledarê Nûjen


    Bê dudilî
    Kaniyên xewnerojan vedimrîne
    Gupikên mirovatiyê binling dike
    Dadmendiyê ji nêza re dikuje
    Azadiyê sirgun dike
    Mêrxwasiyê davêje binê zîndanan
    Di her pariyek nan de
    Di her dilopek av de
    Di bê de
    Tixim û tovê koletiyê diçîne
    Di her gaveke xwe de
    Hêviyên gel serjê dike
    Pêşeroja welêt hildiweşîne
    Reh û şaxên jînê tar û mar dike
    Û bi roj û şev dibêje:
    Her bijî azadî
    Her bijî gel û welat!

    إهداء


    لا أعرفُ
    غير الصراخ
    ماذا أرسل
    للآذان الصدئة؟

    لا أعرفُ
    غير الإشراقات
    ماذا أرسل
    للعيون العفنة؟

    لا أعرفُ
    غير الأسئلة
    ماذا أُرسل
    للعقول النائمة؟

    ولكنني بلا تردُّدٍ
    أهدي أبطالَ بترِ صدايَ
    وأمراءَ وملوك قتل أمانيَ
    إضافة إلى النقد والحِكم
    بعضَ الشكوك.

    diyarî


    Nizanim,
    Ji guhên zingarî re,
    Ezê ji bilî qîrînan,
    Çi bişînim.

    Nizanim,
    Ji nêrînên kufikî re,
    Ezê ji bilî tîrêjan,
    Çi pêşkêşkim.

    Nizanim,
    Ji hişên raketî re,
    Ezê ji bilî pirsan,
    Çi birêkim.

    Lê ezê bê dudilî
    Ji lehengên perçekirina dengvedana min re
    Ji mîr û şahên birakujiya hêviyên min re
    Ji bilî pend û rexnan
    Çend gumanan jî
    Bikim diyarî.

    أمل


    1


    لا أعرف إن كانت فتاة
    أم ملاك
    كل بضعة حسراتٍ
    مرةً وبلا وعدٍ وعهد
    من مرايا عيوني
    تدخل بستان قلبي
    وتشم وردات روحي وردةً وردة
    وقبل أن أحضنها
    خوفاً من عيون الحسادِ
    تترك رائحتها وتمضي.


    2


    لا أعرف إن كان حلماً
    لا أعرف إن كانت حمامةً
    فكل بضعة أوجاعٍ
    مرةً بلا هوية
    وبلا جواز سفر
    تعبر حدود همومي وآلامي
    وتبني عشاً
    على أغصان حياة قلبي
    وقبل أن أفرح بها
    خوفاً من القناصةِ
    ترحل بكامل صمتها.


    3


    لا أعرف إن كان فردوساً
    لا أعرف إن كان ربيعاً
    فكل بضعة أحزانٍ
    مرةً تزرع في شفاهي
    قبلاتً حارة
    وقبل أن أرد عليها
    تغرق
    في جروحي
    وفي أنهار دمائي
    تضيع وتتلاشى.

    HÊVÎ


    1


    Ez nizanim keçeke
    Nizanim firişteke
    Her çend kovanan
    Carekê bê soz û peyman
    Di neynikên çavên min re
    Dikeve baxê dilê min
    Gulên canê min yekayek bîn dike
    û berî wê himbêzkim
    Ew ji tirsa çavtengan re
    Bihna xwe dihêle û diçe.


    2


    Ez nizanim xewneke
    Nizanim kevokeke
    Her çend êşan
    Carekê bê nasname
    Bê pasport
    Sînorên derd û xemên min derbas dike
    Hêlînekê
    li ser şaxên jiyana dilê min dirêse
    û berî ez pê şabim
    ew ji tirsa segmanan re
    koça xwe bê deng bar dike.


    3


    Ez nizanim bihişteke
    Nizanim bihareke
    Her çend şînan
    Carekê ramûsanine germ
    Di lêvên min de diçîne
    Û berî lê vegerînim
    Ew di birînên min de
    Di çemên xwîna min de
    Noq dibe
    Winda dibe
    Tar û mar dibe.

    *نص: روخاش زيفار
    *ترجمها عن الكردية: ماجد ع محمد

  • أقف على جبينها كنسرٍ – عارف عبدالرحمن

    أقف على جبينها كنسرٍ – عارف عبدالرحمن

    بدوية

    قلبها كان يمتلئ سريعاً
    بالدموع المكسورةِ وألوان
    الورد.
    كلمة واحدة صغيرة بقيت
    تدور بين الشفة العليا والسفلى
    لم أستطع إلى الآن فهم المحتوى،
    دقيق أسمر كان يتسرب
    من كفها النحيل، كنت أرى
    فوق شرفةِ جبينها برجاً
    عالياً أقف عليه كنسرٍ
    يرى ضحيته
    وكنت رأى الضحية تتمددُ
    على طول جسدي.


    الظل والمرأة

    الظل ينسكب على جسدي،
    فأخفض، رأسي لكي لا أصاب
    بدوخة التفكير
    أوَّل الليلِ
    وبلا نجومٍ، يطوِّقُ ذاتي
    أتشرد خارج حدودِ الأرضِ،
    حيث الصمتٌ السحريٌّ المخيف
    الرِّيحُ هدأتْ؛ وبعض نسيمات
    لا تزال تطوف، كما لو أنها تبحث
    عن حياة
    بين أجمات اللوز البنية.
    أزيز صراصير البراري،
    حماسة يائسة، لشتلات العليق الأحمر
    ليس هناك إلَّا لون النُّعاسِ المعتِم
    في أول الليل بداية ضوء القمر
    والحب في هيئته الوديعة
    هيئة الناسك في الـتأمل الصامت
    العالَم نفسُه عدوُّ العالَم.


    اللامنتمي

    تعاقبني الحياة
    وتجرّدني من محبة البلاد
    التي كثرت فيها الدماء.
    وتعاقبني الحياة لا لشيءٍ
    اقترفته يداي
    فقط لأنني ولدت هناك،
    وكان لي
    انتماء.
    تذكرين أيتها البلاد
    الأيام الغائمة
    التي جعلت القلوب
    المقهورة تذوب دموعاً
    وتتضرع إلى السماء
    ولكن ليس هناك من يستجيب
    الدعاء
    حتى أشجار الكرز فيكِ
    أصابها النعاس، وأصابها البلاء
    وتحولت من روعتها إلى عصير
    ألمٍ مزمن في طحال الأمهات
    وفي أَثْداء كل النساء.
    أيتها البلاد
    تشبهين تلك الآفاق الساحرة
    التي تضيئها شموس الفصول الباردة
    لقد كسرتي مرآتكِ
    و تحولتي إلى كنتونات
    في كل مترٍ منك يرفع علم
    وفي كل بيتٍ فيكِ هناك مفتي
    وهناك جلاد
    لم أعد أنتمي إليكِ أيتها البلاد
    ضاق بي ذرعاً، ولم يعد
    لي قطاف هناك
    وأنا الآن اسمي اللامنتمي
    وأنا الآن اسمي الحياد.


    *نصوص: عارف عبدالرحمن

  • اهدأ يا قلبي كلانا أخطأ الوجهة – عبدالرحيم الخصار

    اهدأ يا قلبي كلانا أخطأ الوجهة – عبدالرحيم الخصار

    1
    اهدأ يا قلبي
    كلانا أخطأ الوجهة
    أنتَ أعمى
    وأنا وثقتُ بك.

    2

    تبكي كلَّما سقطتْ شجرة
    زوجة حطاب.

    3

    تبكي كلَّما سقط فرد من العائلة
    الشجرةُ الوحيدة في باحة البيت.

    4

    كلاهما ينظر إلى الآخر بشجنٍ:
    قمرُ الخريف
    وطفل بلا عائلة.

    5

    العجوز الذي يرفع المذراةَ في البيدر
    يرفع معها أحلامي.

    6

    عينك على امرأةٍ تمشي تحت المطر
    وعيني على المطر.

    7

    أُخرجُ الماضي من الباب
    فيعود من النافذة.

    8

    في الطريق إليكِ
    أتعثر بنظرتكِ

    9

    الفراشة التي طارت
    من شفتيكِ هذه المرة
    لم تكن كلاماً
    كانت قُبلة.

    10

    تغرب الشمس
    يشرق الليل.

    11

    من بدتْ لك ملكةً على العرش
    كانت ساحرةً فوق مكنسة.

    12

    يبكي الغصن وينتحب
    إذا ما فصلوه عن الشجرة.

    13

    تتحسر على أيام الغابة
    قطعة الخشب
    الملقاة جنب الموقد.

    14

    هي أيضاً تتألم مثلهم
    أزهار الريحان
    حين يضعونها على القبر.

    15

    الجسور التي بيننا

    قد تتهاوى تباعاً

    لأننا بنيناها
    من قشٍ ومن قصب.

    16

    وحيدة في بيتها
    أمام المدفأة
    تتذكر العجوزُ أول ليلة حب.

    17

    بعد سنوات على الحرب
    كلَّما حلّ الشتاء
    تجلسُ أمام آلتها القديمة
    وتنسج رداءً
    لطفلها الميت.

    18

    حين أمسكت بياقة المعطف
    وجذبتني إليك بقوة
    سقط الألم من يدي
    وتكسر على الطاولة

    19

    سأملأ دولابكِ بالكلمات
    إنها تلمع أيضاً
    مثل الذهب.




    *نصوص: عبدالرحيم الخصار

  • دريكسيت – آنا ميتش – ترجمة: كريم جمال الدين 

    دريكسيت – آنا ميتش – ترجمة: كريم جمال الدين 

    دريكسيت*

    بدأ ذلك منذ نصف عام في غرفة الأطباء. لم يصوت أي شخص على القرار ولا حتى “دوروتيا” نفسها، بل استسلمت خلايا جسدها وقررت نيابة عنها أنه قد حان الوقت لتنحيها وهي لا زالت في سن الثامنة والعشرين وبعد إقامتها في لندن لمدة أربعة أعوام. لم تفهم ما قاله الطبيب في البداية على الرغم من أنها تتحدث الإنجليزية بطلاقة، بل وحتى وهي طفلة صغيرة فقد تحدثت الإنجليزية بصورة جيدة، فلم تقرر أمها العمل ثلاث مناوبات: واحدة في مكتب البريد، واثنتان كعاملة نظافة عبثاً كي لا تتحدث “دوروتيا” الإنجليزية في النهاية بطلاقة. لكن لسبب ما لم يكن مصطلح “سرطان عنق الرحم” قد دخل قاموسها بعد حتى تلك اللحظة. ولكنها بالطبع قد فهمت كلمة “سرطان”، أما ما أتى بعدها ففي الحقيقة كان سياناً. قال لها الطبيب: – للأسف لقد جاء التشخيص بعد فوات الأوان “دير دوروثي”، بالطبع بعد فوات الأوان، فلم تذهبين للفحص السنوي، بل وحتى أن السبب الوحيد في مجيئكِ الآن هو أنكِ لم تعدِ قادرة حتى على العمل. للأسف ليس هناك ما في وسعنا فعله باستثناء وصف مسكنات للألم.

    سافرت “دوروتيا” إلى هنا من الأساس كمتدربة في وكالة إعلانات صغيرة بلندن عام ألفين وخمسة، وانتهى بها الآمر بتولي كل مهام الوكالة بنفسها بعد ذلك: بدءا من تحرير الصور ومنها إلى الرسوم المتحركة وانتهاء بكتابة نصوص الإعلانات بنفسها. وبالتالي فقد أتاحت لها خبرتها التي اكتسبتها في الوكالة من إنشاء حسابها الخاص على الإنستغرام بشكل احترافي. كان حساباً مَجَريّاً ولا في الأحلام صادر من هنا من لندن. قد حصد نجاحاً كبيراً، فوحدة “دوروتيا” قد أتاحت لها الفرصة لتستثمر في حسابها على الإنستغرام الكثير من وقتها، فضلاً عن أن موجة الهجرة كانت في أشد قوتها في ذلك الوقت، الشيء الذي استغلته “دوروتيا” لصالحها. تابعتها نساء مجرية ما بين 25-35 من عمرهن على الإنستغرام من لندن، برلين، أمستردام، ومن كل مكان كان يمكن الهجرة إليه من المجر، وكأن تلك المدن قد ذابت واندمجت معاً مكونة قرية كبيرة يسكنها المجريين. ولكن كانت هناك طبقة أخرى مثيرة للاهتمام من متابعيها تتكون من نساء ورجال ما بين سن 55-65، تابعوها جميعاً من المجر. جاءت منهم أكثر الإعجابات والتعليقات، كانت “دوروتيا” على علم بأنهم يتواصلون مع أبنائهم المهاجرون من خلالها. أصبحت في نظرهم الفتاة التي تعيش حياة أبنائهم.

    سرطان. عنق. رحم. هربت من بلدها وجاءت إلى لندن. لكن إلى أين يمكنها الهروب من السرطان.

    ليس ما يخيف “دوروتيا” هو خسارة حياتها. بل خافت على شعور أمها التي تعتقد أن ابنتها تعيش حياة سعيدة في ذلك العالم البعيد الغامض. إذا تنحت الآن قبل الأوان، ستضيع ساعات عمل أمها الإضافية وتضحياتها وحرمانها ووحدتها في الأعوام الأربعة الماضية هباء. إذا كانت ستفقد أمها على كل حال من الأحوال، فعلى الأقل لتفقدها وهي تعتقد أن ابنتها سعيدة.    

    “دوروتيا”، إيكسيت، دريكسيت. أفضل سيناريو لتنحيها: لتخلد تلك الحياة التي لكان بأماكنها أن تعيشها في ذكرى أمها. أمها في الخامسة والستون من عمرها، توفت كل النساء في عائلتهم من جهة الأم قبل عيد ميلادهن الخامس والسبعون، وبالتالي فإذا أخذنا بأقصى الافتراضات أن أمها ستعيش أكثر منهم بخمسة سنوات، فإن أمامها خمسة عشر سنة أخرى على الأقصى. مما يعني أن على “دوروتيا” أن تبدأ الآن في كتابة محتوى إنستغرام وبوستات لتغطي الخمس عشر سنة القادمة.

    – “دوروثي”، في خلال شهر ستتدهور حالتك بشكل ملحوظ.

    – لا بأس، لكن متى سأموت؟ – سألت الطبيب وكأنها تسأل عن الموعد النهائي لمشروع ما في عملها.

    – لا نعرف على وجهه التحديد، ربما بعد بضعة أشهر، نصف عام.

    كانت على علم بأنه مهما كانت حالتها أو مظهرها فإن بإمكانها استخدام إحدى المنقيات التي تجعلها تبدو في حالة رائعة في الصور. ولكنها كانت أيضاً على علم بأنها قريباً لن تتمكن حتى من تحريك يدها وسوف تشعرها شاشة الكمبيوتر بالغثيان ولن تتمكن حتى من احتمال العمل لأكثر من دقيقتين على التوالي. وللأسف ليست هناك وسيلة لمعالجة ذلك في برنامج الفوتو شوب. ليس أمامها الكثير من الوقت، عليها البدء في تنفيذ الدريكسيت.  

    أول خطوة من خطوات الدريكسيت: التقليل من نشاطاتها على الإنستغرام، فمقارنة بنشاطاتها الحالية، لن تتمكن من تحضير هذا الكم الهائل من الصور والفيديوهات في الأسابيع المقبلة الباقية – بينما لا تزال في حالة جسدية جيدة – لتغطي الخمسة عشر عاماً القادمة. لذلك عليها أن تعوّد متابعيها على الإنستغرام من الآن فصاعدا على البوست الأسبوعي الواحد.   

    ثاني خطوة من خطوات الدريكسيت: بما أنها كانت معتادة على إضافة بضع تعليقات ساخرة عن الوضع العام في بوستاتها على الإنستغرام، فمن الآن فصاعدا عليها الإقلاع عن ذلك أيضاً، فلن تكون قادرة على التنبؤ بالأوضاع المحلية والعالمية لخمسة عشر عاماً قادمة. وعلى أي حال من الأحوال فأختها تشعر بالانزعاج عندما تبدأ “دوروتيا” في التحدث عن الأوضاع في المجر – لأنكِ في تلك الحالة أما تلومين الناس هناك أو تضخمين الأمور. لا تنتقدي الأوضاع من الخارج يا “دوروتيا”!”.

    ثالث خطوة من خطوات الدريكسيت: يجب عليها افتراض الحياة التي كانت لتعيشها حتى تصل إلى سن الثالثة والأربعين: ربما ستقرر لاحقاً الانتقال إلى أمريكا، فلم تعد الحياة في إنجلترا كما كانت قبل البريكسيت، وبالرغم من أنها تكره “ترامب” فنيويورك لا زالت أفضل من لندن المنزوعة من أوروبا: ستقابل “توم” زوجها المستقبلي في “منهاتن” في حفل في وكالة الإعلانات هناك: يتواعدان لفترة، يسافران سوياً، ينتقلان للعيش معاً، يتزوجان، ينجبان طفلتين “سارة” و”إليزابيث”. يزداد وزن “دوروتيا” خلال الحمل فجسم أمها وأختها الصغيرة أيضاً قابل للسمنة، ولكنها تجد بعد ذلك حمية فعالة وتخسر الوزن الزائد. تقع علاقتها مع “توم” لاحقاً في أزمة، فلم يعد الضغط النفسي في علاقتهما محتملاً. ينتقلان إلى بيت من بيوت الصفوف في إحدى المدن الصغيرة في “نيو جيرسي” التي تبعد على الأقل ساعة عن مقر عمل “توم” دون ذكر أنها مدينة مملة إلى أقصى الحدود. تستطيع “دوروتيا” في تلك الأثناء بناء علاقات قوية في عملها، وتتمكن بعد ذلك من تأسيس وكالتها الخاصة بها التي تسميها “دوروثي”، والتي لا يزال عليها تصميم شعارها مساء اليوم بسرعة. أما “سارة” و”إليزابيث” فيذهبان هناك إلى الحضانة، بينما يسافر “توم” يومياً لعمله كل تلك المسافة، بالقطار بالطبع، مما يؤثر على علاقتهما. أضف إلى ذلك أن “توم” سيقع في الحب مع إحدى زميلاته في العمل، ثم يترك عائلته وينتقل للسكن مع عشيقته، ولكنه يدرك بعد وهلة أنه لا يستطيع الحياة بدون “دوروتيا” فيعود إليها بعد بضعة أسابيع. يقررا معاً إنجاب طفل آخر. ولكن “تيم الصغير” يولد معاقاً بمتلازمة داون. ربما لأنها أنجبته في سن متأخر، ولكنه يعلم “دوروتيا” وزوجها أشياء جديدة لم يكونا على علم بها.

    رابع خطوة من خطوات الدريكسيت: بوست واحد أسبوعي لخمسة عشر عاماً، أي أنه عليها تحضير سبعمائة وثمانون بوست. تختار الممثلين الذين سيلعبون شخصيات “توم” و”سارة” و”إليزابيث” و”تيم” الصغير من ملف وكالة للكومبارس بنيويورك: تختار لـ”سارة” من تلعب دورها كرضيعة، وأخرى وهي في الثالثة من عمرها، ثم السادسة، التاسعة والثانية عشر، و”إليزابيث” أيضا كرضيعة، ثم وهي في الثالثة ثم السادسة وأخيراً التاسعة من عمرها، أما “تيم” فاكتفت باختيار من يجسده كرضيع، كما لم تختار لـ”توم” إلا رجل واحد ليمثل دوره فـلا توجد من “دوروتيا” أيضاً إلا واحدة، دون ذكر أنه حتى أكثر الناس غباء يمكنهن تعديل الصور ليبدوا أصحابها أكبر سناً. تصرف نصف مدخراتها على سلسلة الصور تلك: هي و”توم” سوياً في ـ”غراند كانيون”، ثم في “تورونتو” مع “سارة” ذات الثلاث سنوات، وبعدها “هاواي” مع “سارة” ذات الست سنوات و “إليزابيث” ذات الثلاث سنوات. ثم تحجز شقة لأسبوع على الـ”أير بي إن بي” باعتبارها شقتهم المستقبلية وتصور فيها مشاهد من حياتهم في “نيو جيرسي”. خلال التصوير يمضي خمسة عشر صيفاً وخمسة عشر خريفاً، خمسة عشر شتاء وخمسة عشر ربيعاً، وفي لمح البصر تجلس في تراس بيت الصفوف في الضواحي وهي في الثالثة والأربعين من عمرها حاملة في حضنها “تيم” الصغير بينما يلعب “توم” مع “سارة” ذات الاثني عشر سنة و”إليزابيث” ذات التسع سنوات. تشاهدهم “دوروتيا” من بعيد بينما تغنج الرضيع، ثم تركض نحو الفتاتان وهي حاملة “تيم” في يدها وتعانقهما بشدة وتشم شعرهما. تشعر الفتاتان الصغيرتان لوهلة بالخوف، فكل ما تعرفانه أنهما تمثلان في إعلان، ولا تفهمان لماذا تعانقهما أمهما في الإعلان بهذه الشدة، ولكنهما تتركان أنفسهما لحنان حضنها. تقوم “دوروتيا” بتحرير الصور في ليل اليوم الأخير: يترهل صدرها في الصور مع بضع ضغطات من فأرة الحاسوب وتعرضّ أردافها. تنسخ التجاعيد من صور أمها القديمة على وجهها هي. يفقد “توم” رونقه في الصور أكثر فأكثر باعتبار أن التوتر يأكل روحه ببطء. تكتب “دوروتيا” في ذات الليلة كافة البوستات والتعليقات على الصور، سبعمائة وثمانون بوست، رغم أنها لا تكتفي الآن بكتابة كلمة أو اثنتان متبوعتان ببضعة “إيموجي” كعادتها في السابق، بل تكتب بإسهاب وصدق عن كل الأزمات والصعوبات وبامتنان لكل لحظة سعيدة مرت عليها.

    خامس خطوة من خطوات الدريكسيت: عندما تتدهور حالتها ولم تعد قادرة على أي شيء سوى التقيؤ المستمر منذ أسبوع، تقرر أن تبدأ في تفعيل الخطة. لا تكتب مجدداً عن حياتها الشخصية، بل تبدأ في تشغيل سلسة الصور المبرمجة. تحدد توقيت وتاريخ ظهور البوستات. البوست الأخير في 13 يوليو 2034. تتمنى من داخلها أن يظل الإنستغرام موجوداً حتى ذلك الحين وألا تعيش أمها ليوم آخر بعد ذلك التاريخ، كي لا تدرك أن ابنتها في الحقيقة قد ماتت منذ زمن بعيد. نادراً ما أصبحت تجاوب على التعليقات، رغم أن الكثيرين سعداء من أنها و “توم” قد وجدا بعضهما البعض ويتمنون لها السعادة والتوفيق في حياتها الجديدة في نيويورك. ولكن لا يمكنها أن تتفاعل مع تعليقاتهم الآن بنشاط، فعليها أن تنسحب ببطء. تنجح في ذلك بالفعل، فمع حلول الأسبوع الثالث لا تصبح “دوروتيا” سوى متابعة لحسابها الخاص على الإنستغرام، دون ذكر أن مسكنات الألم تذهب بعقلها إلى عالم آخر فلم تعد تتذكر حتى ما هو البوست القادم وتتفاجأ مجدداً ومجدداً من حياة “دوروثي” الرائعة، الصادقة، وتتطلع هي الأخرى إلى المحتوى الجديد بإثارة.

    بدأ ذلك منذ نصف عام في غرفة الأطباء. لم يصوت أي شخص على القرار ولا حتى “دوروتيا” نفسها، بل استسلمت خلايا جسدها وقررت نيابة عنها أنه قد حان الوقت لتنحيها وهي لا زالت في سن الثامنة والعشرين، وبعد إقامتها في لندن لمدة أربعة أعوام. لم تفهم ما قاله الطبيب في البداية، على الرغم من أنها تتحدث الإنجليزية بطلاقة، بل وحتى وهي طفلة صغيرة، فقد تحدثت الإنجليزية بصورة جيدة، فلم تقرر أمها العمل ثلاث مناوبات: واحدة في مكتب البريد، واثنتان كعاملة نظافة عبثاً كي لا تتحدث “دوروتيا” الإنجليزية في النهاية بطلاقة. لكن لسبب ما لم يكن مصطلح “سرطان عنق الرحم” قد دخل قاموسها بعد حتى تلك اللحظة. ولكنها بالطبع قد فهمت كلمة “سرطان”، أما ما أتى بعدها، ففي الحقيقة كان سياناً. قال لها الطبيب: – للأسف لقد جاء التشخيص بعد فوات الأوان “دير دوروثي”، بالطبع بعد فوات الأوان، فلم تذهبين للفحص السنوي، بل وحتى أن السبب الوحيد في مجيئكِ الآن هو أنكِ لم تعدِ قادرة حتى على العمل. للأسف ليس هناك ما في وسعنا فعله باستثناء وصف مسكنات للألم.

    سافرت “دوروتيا” إلى هنا من الأساس كمتدربة في وكالة إعلانات صغيرة بلندن عام ألفين وخمسة، وانتهى بها الأمر بتولي كل مهام الوكالة بنفسها بعد ذلك: بدءا من تحرير الصور ومنها إلى الرسوم المتحركة وانتهاء بكتابة نصوص الإعلانات بنفسها. وبالتالي فقد أتاحت لها خبرتها التي اكتسبتها في الوكالة من إنشاء حسابها الخاص على الإنستغرام بشكل احترافي. كان حساباً مَجَريّاً ولا في الأحلام صادر من هنا من لندن. قد حصد نجاحاً كبيراً، فوحدة “دوروتيا” قد أتاحت لها الفرصة لتستثمر في حسابها على الإنستغرام الكثير من وقتها، فضلاً عن أن موجة الهجرة كانت في أشد قوتها في ذلك الوقت، الشيء الذي استغلته “دوروتيا” لصالحها. تابعتها نساء مجرية ما بين 25-35 من عمرهن على الإنستغرام من لندن، برلين، أمستردام، ومن كل مكان كان يمكن الهجرة إليه من المجر، وكأن تلك المدن قد ذابت واندمجت معاً مكونة قرية كبيرة يسكنها المجريون. ولكن كانت هناك طبقة أخرى مثيرة للاهتمام من متابعيها تتكون من نساء ورجال ما بين سن 55-65، تابعوها جميعاً من المجر. جاءت منهم أكثر الإعجابات والتعليقات، كانت “دوروتيا” على علم بأنهم يتواصلون مع أبنائهم المهاجرين من خلالها. أصبحت في نظرهم الفتاة التي تعيش حياة أبنائهم.

    سرطان. عنق. رحم. هربت من بلدها وجاءت إلى لندن. لكن إلى أين يمكنها الهروب من السرطان.

    ليس ما يخيف “دوروتيا” هو خسارة حياتها. بل خافت على شعور أمها التي تعتقد أن ابنتها تعيش حياة سعيدة في ذلك العالم البعيد الغامض. إذا تنحت الآن قبل الأوان، ستضيع ساعات عمل أمها الإضافية وتضحياتها وحرمانها ووحدتها في الأعوام الأربعة الماضية هباء. إذا كانت ستفقد أمها على كل حال من الأحوال، فعلى الأقل لتفقدها وهي تعتقد أن ابنتها سعيدة.    

    “دوروتيا”، إيكسيت، دريكسيت. أفضل سيناريو لتنحيها: لتخلد تلك الحياة التي لكان بأماكنها أن تعيشها في ذكرى أمها. أمها في الخامسة والستون من عمرها، توفت كل النساء في عائلتهم من جهة الأم قبل عيد ميلادهن الخامس والسبعون، وبالتالي فإذا أخذنا بأقصى الافتراضات أن أمها ستعيش أكثر منهم بخمس سنوات، فإن أمامها خمس عشرة سنة أخرى على الأقصى. مما يعني أن على “دوروتيا” أن تبدأ الآن في كتابة محتوى إنستغرام وبوستات لتغطي الخمس عشرة سنة القادمة.

    – “دوروثي”، في خلال شهر ستتدهور حالتك بشكل ملحوظ.

    – لا بأس، لكن متى سأموت؟ – سألت الطبيب وكأنها تسأل عن الموعد النهائي لمشروع ما في عملها.

    – لا نعرف على وجهه التحديد، ربما بعد بضعة أشهر، نصف عام.

    كانت على علم بأنه مهما كانت حالتها أو مظهرها فإن بإمكانها استخدام إحدى المنقيات التي تجعلها تبدو في حالة رائعة في الصور. ولكنها كانت أيضاً على علم بأنها قريباً لن تتمكن حتى من تحريك يدها وسوف تشعرها شاشة الكمبيوتر بالغثيان، ولن تتمكن حتى من احتمال العمل لأكثر من دقيقتين على التوالي. وللأسف ليست هناك وسيلة لمعالجة ذلك في برنامج الفوتوشوب. ليس أمامها الكثير من الوقت، عليها البدء في تنفيذ الدريكسيت.  

    أول خطوة من خطوات الدريكسيت: التقليل من نشاطاتها على الإنستغرام، فمقارنة بنشاطاتها الحالية، لن تتمكن من تحضير هذا الكم الهائل من الصور والفيديوهات في الأسابيع المقبلة الباقية – بينما لا تزال في حالة جسدية جيدة – لتغطي الخمسة عشر عاماً القادمة. لذلك عليها أن تعوّد متابعيها على الإنستغرام من الآن فصاعدا على البوست الأسبوعي الواحد.   

    ثاني خطوة من خطوات الدريكسيت: بما أنها كانت معتادة على إضافة بضعة تعليقات ساخرة عن الوضع العام في بوستاتها على الإنستغرام، فمن الآن فصاعدا عليها الإقلاع عن ذلك أيضاً، فلن تكون قادرة على التنبؤ بالأوضاع المحلية والعالمية لخمسة عشر عاماً قادمة. وعلى أي حال من الأحوال فأختها تشعر بالانزعاج عندما تبدأ “دوروتيا” في التحدث عن الأوضاع في المجر – لأنكِ في تلك الحالة أما تلومين الناس هناك أو تضخمين الأمور. لا تنتقدي الأوضاع من الخارج يا “دوروتيا”!”.

    ثالث خطوة من خطوات الدريكسيت: يجب عليها افتراض الحياة التي كانت لتعيشها حتى تصل إلى سن الثالثة والأربعين: ربما ستقرر لاحقاً الانتقال إلى أمريكا، فلم تعد الحياة في إنجلترا كما كانت قبل البريكسيت، وبالرغم من أنها تكره “ترامب” فنيويورك لا زالت أفضل من لندن المنزوعة من أوروبا: ستقابل “توم” زوجها المستقبلي في “منهاتن” في حفل في وكالة الإعلانات هناك: يتواعدان لفترة، يسافران سوياً، ينتقلان للعيش معاً، يتزوجان، ينجبان طفلتين “سارة” و”إليزابيث”. يزداد وزن “دوروتيا” خلال الحمل فجسم أمها وأختها الصغيرة أيضاً قابل للسمنة، ولكنها تجد بعد ذلك حمية فعالة وتخسر الوزن الزائد. تقع علاقتها مع “توم” لاحقاً في أزمة، فلم يعد الضغط النفسي في علاقتهما محتملاً. ينتقلان إلى بيت من بيوت الصفوف في إحدى المدن الصغيرة في “نيو جيرسي” التي تبعد على الأقل ساعة عن مقر عمل “توم” دون ذكر أنها مدينة مملة إلى أقصى الحدود. تستطيع “دوروتيا” في تلك الأثناء بناء علاقات قوية في عملها، وتتمكن بعد ذلك من تأسيس وكالتها الخاصة بها التي تسميها “دوروثي”، والتي لا يزال عليها تصميم شعارها مساء اليوم بسرعة. أما “سارة” و”إليزابيث” فيذهبان هناك إلى الحضانة، بينما يسافر “توم” يومياً لعمله كل تلك المسافة، بالقطار بالطبع، مما يؤثر على علاقتهما. أضف إلى ذلك أن “توم” سيقع في الحب مع إحدى زميلاته في العمل، ثم يترك عائلته وينتقل للسكن مع عشيقته، ولكنه يدرك بعد وهلة أنه لا يستطيع الحياة بدون “دوروتيا” فيعود إليها بعد بضعة أسابيع. يقررا معاً إنجاب طفل آخر. ولكن “تيم الصغير” يولد معاقاً بمتلازمة داون. ربما لأنها أنجبته في سن متأخر، ولكنه يعلم “دوروتيا” وزوجها أشياء جديدة لم يكونا على علم بها.

    رابع خطوة من خطوات الدريكسيت: بوست واحد أسبوعي لخمسة عشر عاماً، أي أنه عليها تحضير سبعمائة وثمانين بوست. تختار الممثلين الذين سيلعبون شخصيات “توم” و”سارة” و”إليزابيث” و”تيم” الصغير من ملف وكالة للكومبارس بنيويورك: تختار لـ”سارة” من تلعب دورها كرضيعة، وأخرى وهي في الثالثة من عمرها، ثم السادسة، التاسعة والثانية عشر، و”إليزابيث” أيضا كرضيعة، ثم وهي في الثالثة ثم السادسة وأخيراً التاسعة من عمرها، أما “تيم” فاكتفت باختيار من يجسده كرضيع، كما لم تختر لـ”توم” إلا رجل واحد ليمثل دوره فـلا توجد من “دوروتيا” أيضاً إلا واحدة، دون ذكر أنه حتى أكثر الناس غباء يمكنهن تعديل الصور ليبدوا أصحابها أكبر سناً. تصرف نصف مدخراتها على سلسلة الصور تلك: هي و”توم” سوياً في ـ”غراند كانيون”، ثم في “تورونتو” مع “سارة” ذات الثلاث سنوات، وبعدها “هاواي” مع “سارة” ذات الست سنوات و “إليزابيث” ذات الثلاث سنوات. ثم تحجز شقة لأسبوع على الـ”أير بي إن بي” باعتبارها شقتهم المستقبلية وتصور فيها مشاهد من حياتهم في “نيو جيرسي”. خلال التصوير يمضي خمسة عشر صيفاً وخمسة عشر خريفاً، خمسة عشر شتاء وخمسة عشر ربيعاً، وفي لمح البصر تجلس في تراس بيت الصفوف في الضواحي وهي في الثالثة والأربعين من عمرها حاملة في حضنها “تيم” الصغير بينما يلعب “توم” مع “سارة” ذات الاثنتي عشرة سنة و”إليزابيث” ذات التسع سنوات. تشاهدهم “دوروتيا” من بعيد بينما تغنج الرضيع، ثم تركض نحو الفتاتين وهي حاملة “تيم” في يدها وتعانقهما بشدة وتشم شعرهما. تشعر الفتاتان الصغيرتان لوهلة بالخوف، فكل ما تعرفانه أنهما تمثلان في إعلان، ولا تفهمان لماذا تعانقهما أمهما في الإعلان بهذه الشدة، ولكنهما تتركان أنفسهما لحنان حضنها. تقوم “دوروتيا” بتحرير الصور في ليل اليوم الأخير: يترهل صدرها في الصور مع بضع ضغطات من فأرة الحاسوب وتعرضّ أردافها. تنسخ التجاعيد من صور أمها القديمة على وجهها هي. يفقد “توم” رونقه في الصور أكثر فأكثر باعتبار أن التوتر يأكل روحه ببطء. تكتب “دوروتيا” في ذات الليلة كافة البوستات والتعليقات على الصور، سبعمائة وثمانون بوست، رغم أنها لا تكتفي الآن بكتابة كلمة أو اثنتين متبوعتين ببضعة “إيموجي” كعادتها في السابق، بل تكتب بإسهاب وصدق عن كل الأزمات والصعوبات وبامتنان لكل لحظة سعيدة مرت عليها.

    خامس خطوة من خطوات الدريكسيت: عندما تتدهور حالتها ولم تعد قادرة على أي شيء سوى التقيؤ المستمر منذ أسبوع، تقرر أن تبدأ في تفعيل الخطة. لا تكتب مجدداً عن حياتها الشخصية، بل تبدأ في تشغيل سلسة الصور المبرمجة. تحدد توقيت وتاريخ ظهور البوستات. البوست الأخير في 13 يوليو 2034. تتمنى من داخلها أن يظل الإنستغرام موجوداً حتى ذلك الحين وألا تعيش أمها ليوم آخر بعد ذلك التاريخ، كي لا تدرك أن ابنتها في الحقيقة قد ماتت منذ زمن بعيد. نادراً ما أصبحت تجاوب على التعليقات، رغم أن الكثيرين سعداء من أنها و “توم” قد وجدا بعضهما البعض ويتمنون لها السعادة والتوفيق في حياتها الجديدة في نيويورك. ولكن لا يمكنها أن تتفاعل مع تعليقاتهم الآن بنشاط، فعليها أن تنسحب ببطء. تنجح في ذلك بالفعل، فمع حلول الأسبوع الثالث لا تصبح “دوروتيا” سوى متابعة لحسابها الخاص على الإنستغرام، دون ذكر أن مسكنات الألم تذهب بعقلها إلى عالم آخر فلم تعد تتذكر حتى ما هو البوست القادم وتتفاجأ مجدداً ومجدداً من حياة “دوروثي” الرائعة، الصادقة، وتتطلع هي الأخرى إلى المحتوى الجديد بإثارة.

    سادس خطوة من خطوات الدريكسيت: أصعب خطوة، عليها أن تتشاجر مع أختها الصغيرة وأمها كي تجعل علاقتهما بها منحصرة في متابعتها على الإنستغرام فحسب. لا تتصل بهما، فالصور يمكن تعديلها ولكن صوتها سيكشفها. السبب في اختيارها لذلك السيناريو على الإنستغرام أو بمعنى أصح كذبة انتقالها لأمريكا، هو أنها على علم تام أن ليس لأمها وأختها ما يكفي من المال كي تسافرا إليها، أضف إلى ذلك خوفهما من الطيران لمسافات بعيدة. تكتب لهما خطاب للوداع تخبرهما فيه بأنها ستسافر لأمريكا، الشيء الذي يعد بمثابة ختم النهاية لذلك البعد الذي تشعر به تجاههما منذ سنوات. ليس الذنب بذنبهما، ولكن حياتهما مختلفة تماماً عن حياتها ولا يوجد وجه للمقارنة. تكتب لهما أنها قطعت أي علاقة تربطها بالمجر ولا تريد أن تعود إليها أبداً وترغب في أن تحفظ ذكراهما في مخيلتها كما هي الآن: لا ترغب أن تراهما وهما تغرقان في مستنقع الأوضاع الاقتصادية والسياسية في بلدها. تكتب لهما أيضاً أنها لن تخبرهما أين ستسكن في أمريكا بالضبط: “أرجو منكما ألا تبحثا عني، أتوسل إليكما، الوداع يا أمي، لكنني سأشتاق إليكِ رغم كل ذلك، وشكرا على كل شيء”. 

    سابع خطوة من خطوات الدريكسيت: تعين حوالة شهرية لأمها من مجهول من النصف الآخر من مدخراتها لخمسة عشر عاماً.

    آخر خطوة من خطوات الدريكسيت: إيكسيت.


    *:دريكسيت/ Drexit استيحاءاً من مصطلح بريكسيت / Brexit، أو انسحاب بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي، حيث تستعد بطلة القصة دوروتيا هي أيضاً من الانسحاب تدريجياً من الحياة.


    • نص: آنا ميتش ( كاتبة مجرية معاصرة ولدت عام 1988. قصة “دريكسيت” قد صدرت في كتابها “خطأ في الاتصال” عام 2020).
    • ترجمة:  كريم جمال الدين 
  • لوحة منمشة وقصائد أخرى – عبير الكوكي

    لوحة منمشة وقصائد أخرى – عبير الكوكي

    “لوحةٌ مُنمّشةٌ “

    مُمدَّدةٌ على جسدِك
    النّمشُ يَسيلُ على ظهرِك بــبطءٍ
    والتّوتُ العالقُ على جلدِك
    قد أنضَجَه الضّوءُ
    ***

    الرّجُلُ الذي ماتَ وحيدًا
    لم يُكن يَملك شرفةً ليَراكِ مِنها
    رَسمَها على حائِطِه ونامَ
    فـتحوّل الرّسمُ إلى قبرٍ
    مات ولم يرَك
    ***

    أنا أرسم بحرًا
    لأراكِ تَمشين عاريةً على الرّملِ
    والنمشُ يَتساقطُ
    والارضُ مُمزّقَة تَحتَك

    هكذا يَسحبُني ضوءُ الفجرِ
    المنعكِسُ على ظلالِ نهدَيك النديّتين

    وأموتُ سريعًا.


    “لمَ حجبْتَ الشّمسَ عنّي”

    لِمَ حجبْتَ الشّمسَ عنّي
    هل ظلّي أعرج؟

    لقد خدشتَ نفسَك ومزّقتَني
    الآن فقط يُمكِنك أن تُغطّي الشّمسَ
    بشالي

    مغطّاة بـماءِ النّعناعِ
    كان جلدي يَلمعُ
    عيناي مثل لؤلؤتين
    وشعري يَعبقُ بالقرنفل
    يداي رقيقتان صالحتان للعزْفِ
    وظهري مُغطّى بـزهرِ الخزامى
    كنتُ معلّقةً أمامَك كـلوحةٍ مصنوعة لك كاملةً
    بلا عيوب مشدودة بالمسامير من كلّ جانبٍ

    خَفّفت عِبءَ الظّلِّ
    وعِبءَ الشّمسِ
    ساقاي كانَتا معك
    كنتُ أمشي لك دائماً
    لِمَ حجبتَ الشّمسَ عنّي؟

    كنتُ خفيفةً كـنسمةٍ
    كي لا أُثقِل هواءك

    مصنوعةٌ من خشبِ الخيزران
    طريّةٌ كالجّلد
    ليّنةٌ كالقماشِ
    حارّةٌ كالبلحِ
    حلوةٌ كالسّكرِ

    كنتُ لك وحدَك امرأةً
    لِمَ حجبتَ الشّمسَ عنّي؟


    “أشجارٌ للنّسيان”

    في النّسيانِ
    تَجتَمِع كلُّ نساءِ القريةِ
    يَغرُسنَ أنفُسَهنّ بدلَ أشجارِ الغابةِ

    يَدسُسنَ ظِلالَهنّ في جيوبِ الفساتينِ
    تَتساقطُ دموعُهنّ
    على الأيائلِ الشّاردةِ

    تتوالى الرّجالُ بالفؤوسِ على قَطعِهنّ

    أنا الرّجلُ الوحيدُ الذي لم يَحملْ فأسًا
    لم يَقطعْ شجرةً
    كنتُ دائمًا ما أحدِّثُ البُحيرات
    عن أشجارِ الكاليبتوس داخلي

    الرّجلُ الوحيدُ
    الذي صار قلبُه غابةً
    وأذرُعُه الخضراء
    تَنبتُ في قلبِ امرأةٍ

    لكنّ الأشجار عمياء
    تَسيرُ نحو حطّابِها.


    “عروسُ السّكّر”

    حينَ غفَى الكونُ فوقَ جَديلتي
    لم أكُن أطيرُ
    كنتُ أوَزِّع الماءَ على الغيومِ
    وأهيئ للعصافير أعشاشًا في قلبي
    كنتُ ألمِّعُ النّجومَ
    أغرفُ منَ البَحرِ
    وأضيفُ الزّرقةَ للونِ السّماءِ

    حينَ يَهبّ النّسيمُ أَنعسُ
    أحلُمُ بـالكونِ يَحلُم
    حينَ أفيقُ أمشي إليك
    أَلبسُ القمرَ وأمشي
    أمشي إلى النورِ الأبديّ

    أدورُ مثل عروسِ السّكر
    ساقاي من قصبٍ ليّنٍ
    رأسي ميسَمُ وردةٍ

    أدورُ مائلةً تحتَ ضوئك
    أصواتُ الكونِ في أذُني
    أرى نورَك آخرَ الطريقِ
    تعالى إليّ يا مولاي

    ولا تُبعِدِ النّهرَ عنّي
    أنا مازلتُ عَطشى.


    “خلفَ المراكبِ”

    كـعُصفورٍ طارَ خلفَ المراكبِ

    تَبعتُكَ …

    طِرتُ معك حتّى الميناءِ
    ولكنّي عُدتُ وحدي
    إنّ مراكبَ الصّيّادين
    لا تَعود أبدًا
    أمّا العصافيرُ فـتَعود بها الرّياحُ
    مَنتوفةَ الرّيشِ
    مكسورةَ الجّناحِ
    تَعودُ إلى الغابةِ لــتُغنّي
    أغنيَة عصفورٍ وحيدٍ في غابةٍ مُوحِشة

    حينَ تَعود المراكبُ التّائِهةُ

    لن يَطيرَ العُصفورُ
    لن يُغنّي
    سيَتّكئ على الغُصنِ
    ويَحلُم أن يَنبُتَ ريشٌ
    مكانَ الجّرحِ.


    *نصوص: عبير الكوكي

  • كيف تصير السماء سحابة – بتول دندشي

    كيف تصير السماء سحابة – بتول دندشي

    الهواء عندما يمرّ
    يأخذ معه كل الصّوت

    كَم منَ الموت نحتاجُ بعد؟
    لأموتَه كلّه، وأريحَ البَحر

    إنّني أريدُ الحدّ الأقصى من الذّنب
    كي أعودَ كخطيئة
    كي أروحَ كغفران
    كي تنسى المراكب أنّها كانت حوتًا
    دونَ يونس
    دون ظلمات
    دون “فلبثوا”

    وأنت
    أخبرني لماذا تقفُ عند حافة البحر؟
    وأيّ ملح ما زلت تفرك به جلدك؟

    عزيزي الله

    إنّني لا أفهم السؤّال
    ولا أفهم الإجابة
    ولا أفهم كيف تصير السماء سحابة

    كنتُ أريدُ فقط أن أستلقيَ بين القمح
    لينقرني الطّير الواقع
    من رؤى يوسف
    كيفَ صرتُ صحراء واسعة
    وحيدةً على كتفِ جمَل متعب

    ما من طريقٍ
    إلّا وكنتَ شجرته الناقصة
    ما من كوميديا
    إلّا وكنتَ سوادها المضحك
    ما من موسيقى
    إلّا وكنتَ مقامها المتنقّل

    أمرّر أصابعي في الهواء
    أتحسس وجهك النائم في الضوء
    عندَ الظّهيرة
    كلّ القطط تنام
    وتتخلى عن أحلامها
    وأنا أتدحرج عليكَ
    كلفافة تَبغ بين أصابع بائع خردة

    في اللحظةِ التي نحبّ فيها
    ندركُ بردَ الموت
    والفِراق
    “أحبَّ من تشاء فأنتَ مفارقه”

    الله عزيزي
    لا أريدُ أن أفهم
    ولكن، كيفَ أشاء؟
    كيفَ أشاء أن لا أحبّ ولا أفارق

    كنتُ أريدُ أن أكون لقاءً
    كيف صرت تذكرة سفرٍ واقعةً من محفظة

    عندَ المساء
    يجهزّ الليل الرّطوبة، وصوتَ المراوح
    تجهز أنتَ النّسَمات الصيفية
    وأنا بخّاخ الحساسية
    نضحك حتّى الرابعة فجرًا

    ثمّ يذهب كلّ منّا لينام في السخرية
    لن نبقى .. لن نبقى
    الهواء عندما يمرّ
    يأخذ كلّ الصوّت
    والنهر عندما ينتحر
    لا يسأل عن الحصى

    والغيمُ إذا ما قرّر الرحيل
    لا يمكنكَ أن تستوقفه لأغنية.


    *نص: بتول دندشي

  • لا شيء يستحق العبور في الألفية الثالثة (مختارات) – عبدالله الريامي

    لا شيء يستحق العبور في الألفية الثالثة (مختارات) – عبدالله الريامي

    في الألفية الثالثة


    سأموتُ في الشارع
    لا أعرف أحدًا هنا
    لا مكان أذهب إليه
    الشوارع الخلفية محاقن للإبر
    الأمامية للمواكب
    وماكينات الصرف الآلي
    لحسن الحظ
    منذ ثلاثين عاماً
    جميع ملابسي بلا جيوب
    وللاحتياط أكثر
    ألبس أحذية بلا خيوط
    لا أعرف أحدًا هنا
    رحل الأصدقاء
    أُغْلِقَ المقهى
    لا مكان أذهب إليه
    لا سلام من هنا إلى زحل
    الحروب تقتل الفارين منها
    أكثر من المسلحين
    لا أهمية لهذه الجسور
    لا شيء يستحق العبور
    في الألفية الثالثة
    سأموت في الشارع.


    سفينة يابسة


    الوحدة
    عندما لا تموت
    في قتالٍ أو هروب
    عندما لا تبحر السفينة
    أو
    تطير
    عندما يكون الوداع
    اسماً لكل شيء تعرفه
    في الموانئ قبلات حارة
    أكثر من موائد العشاء
    في المستشفيات تضرّعات
    أكثر من صلوات المعابد
    في البلاد أسوار
    أكثر من تلك التي في قصور الحكام
    في الماء سواحل بلا عدد
    وفي الفضاء دروب
    أكثر من اليابسة
    لا تركض
    ليس هناك مكان للاختباء
    لا تحاول الاستسلام
    لن تستطيع
    لا تبقى واقفاً
    اجلس
    امسح بقعة حبر من صفحتكَ
    كأنَّها حبة عرق من جبينك
    وعندما يتجمع ما يكفي
    من الغيوم في صدرك
    سيمطر جبينكَ
    وتبحر السفينة
    أو
    تطير.


    الساعة الناطقة

    هنا
    صورتكِ
    ترفرفُ كقميصٍ مسروق
    وأنا بين يديكِ
    لوحةٌ لم تكتمل
    مات الرسامُ في الطريق إليّ
    وراء كل هذه السنوات
    أنبتُ كما العشب بعد عاصفة
    أنا عناقيدُ أخطاء
    وأنتِ شجرةُ العنب
    لم نعصُر الليالي كفايةً
    نسيتْ جفونَـها الليالي
    تدلّت المصابيح مشانق للظلام
    والرِّبـاط بيننا شجرةٌ مُسـنّـة
    نتدفـأ بخشبها الذي لا يكفي
    جسديْن
    أنا عناقيد أخطاء
    وأنتِ تملئـينـني كما يملأ الدمُ
    الجرح الجديد
    المرآةُ خلفكِ
    وأنتِ تمشطين شعركِ
    في بياض عينـيّ
    فأرى على ظهركِ نَمَـش نداءاتي
    والظلامُ حولنا نسرٌ أبيض
    نسي بيضهُ على إفريز نافذتي
    مثل ساعةٍ معلقةٍ في الأفق
    حين نظرتُ إليكِ
    عرفتُ كم تأخرت
    وحين ابتلّ إصبعي أول مرةٍ
    في سُـرَّتك
    دارَ رأسـي دورةً كاملة
    فلم ينفصل
    كنتِ عُنـقي
    شكّلـتُ أصابعي طائراتٍ ورقية
    نفختُ في يدي
    فهبت ريحٌ
    أنا صائد الفلين
    في بحر الليالي
    شربتُ طويلاً
    فلم يرجع أحدٌ بعدي
    إلا طافياً
    اختاري الشتاء
    وعليّ المطر
    صُـبّـي لي كـأساً
    وضُمي شفتيكِ
    كِـدنا نسكر
    أمامنا ليلٌ
    وكثيرون يرسمون الصباح
    على ظهورنا.


    *نصوص: عبدالله الريامي

  • حفَّار القبور – ماريو سكاليزي – ترجمة: محمد لطفي اليوسفي

    حفَّار القبور – ماريو سكاليزي – ترجمة: محمد لطفي اليوسفي

    حفَّار القبور

    رأيتهُ بفأسٍ حادّةٍ يحفرُ الأرض الصمّاء

    رأيته، حفَّارَ القبورِ الكئيب، الشيخَ الأبديّ

    حطَّمتْ طلعتُه الشقيَّةُ مثل قبضةٍ ثقيلةٍ

    شعاعَ الأمل الكريستاليّ في قاعِ روحي

    َكيف يُمكننا أن نعيش غير مبالين، أن نضحك

    بينما يداه توسِّعان تحت أقدامنا

    الحفرة الباردة، حيث الموت يستدرجنا

    نحن الأُلى فقدنا الأملَ في رحمةٍ ما، في خلاصٍ ما؟


    كيف يُمكننا أن نؤمن بالربيعِ، بالفجرِ،

    بالأفقِ اللازوردي، بالشمس، بالأنهارِ، بالمستقبل؟

    كيف يُمكننا أن نظلَّ سُذَّجاً غافلين

    حتّى نُنفق أيامنا في الزرعِ والتشييد؟

    في حين يكفي أن نصيخ السمع قليلاً صامتين

    إلى الإيقاع الرَّتيب لدقّات قلوبنا

    حتَّى نسمع ضربات فأسِ حفَّار القبور

    تدوي في وجيبِ الدّم.

    شعرٌ أبيض، ظهرٌ أحدب، لكن قوَّته ظلَّتْ خارقة

    معطفه الأسود يلفُّ الأمس ويلفُّ الغدَ،

    رأيتهُ حفَّار القبور منتفخ الصَّدر يكدُّ

    مفتول العضلات لا يكلّ.


    ًالحفرةُ التي كان يوسّعها بدتْ من عمقها هاوية

    لا شيء في الدنيا يمكن أن يملأها إلا الكونُ كلُّه.

    كلُّ الدروب في الدنيا ستنتهي إلى هذه الحُفرة،

    والناس الطيبون والأوغاد المارقون فيها سينتهون.

    أجل ههنا ستسقط البشريَّة جَمعاء، هذا نهرٌ

    من وجوه، نهرٌ من أصواتٍ، من أصابع ملتوية، نهر من قلوب،

    والليل يُهدهد جباهنا في حضن امرأة ثكلى،

    والشمسُ مذبحٌ تنزفُ على مدارجه دماؤنا،

    رأيتُ الناسَ يعبرون، مجانين أو عقلاء،

    رأيتُ الأطفال المأخوذين بالأمجاد والمسرّات،

    النساء اللاتي تحلّين صدرياتهن بالورود،

    النساء اللاتي تسمعن نداء العطر فتهبن من خيراتهن.


    أمواتُ المستقبل، الأُلى نفوسهم تتقي بكلِّ طيشٍ

    تحذيرات أشجار السروّ

    أمواتُ المستقبل يكادون لا يلمسون

    على الطريق

    آثار العبور الأبديّ لمن كانوا أحياء في الماضي.


    الشكرُ لكَ يا إلهي، الشكرُ لكَ، أيُّها الإله الرحيم، الإله العادل جدًّا،

    يا من تقبض الأنفس جميعها.

    شكراً لك فقد عجنتَ بيدكَ الطَّاهرة

    زهرة أعوامي العشرين.


    بفضلكَ وحدكَ سأستطيع أن أنزلق داخل الحفرة المعتمة

    دون حسرة على نور النهار.

    سأُزَفُّ إلى الليل، وسأحيي ظلّ

    قُبلتي الأولى.


    لكن اسمح أن تجعل قلبي دمعة حمراء

    اسمح أن أرفع الصوت عتاباً

    حين أسمع النشيد المُخادع الذي يغذي

    أملَ المحكومين بالإعدام.


    *نص: ماريو سكاليزي

    *ترجمة: محمد لطفي اليوسفي

  • أيَّتُها الحقول الجافَّة تعالي لأهبكِ خضرة دمي – رياض الصالح الحسين

    أيَّتُها الحقول الجافَّة تعالي لأهبكِ خضرة دمي – رياض الصالح الحسين

    غرفة الشاعر

    يفتح بابَ الكلماتِ و يدخلُ بخطىً خائفةٍ
    في أنحاءِ الغرفةِ
    بعض قصائد ذابلة
    كلمات تتمدد فوق الكرسيّ
    و أخرى تتعلّق بالمشجب
    سنبلة تهرب من بين أصابعه
    و طيور تقتحم الشفتين
    يرى عشبًا ينبت في المكتبةِ المهملةِ
    و نبعًا ينبثق من الحائط
    بعد قليل سوف يداهمه الليل بأقمار و كوابيس
    تداهمه أشجار الغابة
    و رمال الشاطئ
    و حصى الأنهار
    و آبار فارغة
    يملؤها بحروف سوداء
    ماذا يأخذ من جثث الأيام
    و ماذا يترك
    غير قصائد ذابلة
    و غبار الكلمات؟
    و بعد قليل
    سوف يداهمه الشرطيّ
    ليسأله عن جمل غامضةٍ
    و يحذره من استعمال “القُبلة” و “القنبلة”
    و يمضي..
    هو ذا الشاعر
    يفتح نافذة القلبْ
    يغلق عينيه
    و يحلم بقصيدة حبْ


    الذئب

    الذئب الذي افترسني
    تركني وحيدًا في الغابة
    مَن يغطي جثتي بالأعشاب
    بأوراق الأشجار اليابسة
    بقليل من تراب؟
    مَن يقرأ الفاتحة على روحي
    مَن يغمض عيني الهلعتين
    مَن يضع على صدري
    صليبًا من أزهار؟
    الذئب الذي افترسني
    صار أنا
    أخذ وجهي الشاحب
    و شفتيّ المرتجفتين
    و قلبي الطيّب
    و ظل محتفظًا بأنيابه
    أنا الذئب
    ذو اليد البيضاء
    أدور في المدينة و أعوي
    أنا الذي قتل الصياد في الغابة
    أنا الصياد
    احذروا حبي
    و احذروا أنيابي.


    لا أحد

    فتحتُ الباب
    لم يدخله أحد
    لا ضيف، لا امرأة، لا شرطي


    فتحتُ النوافذ
    لم يدخلها أحد
    لا هواء، لا فراشة، لا أغنية تائهة


    فتحت قلبي
    لم يدخله أحد
    لا نهر، لا رصاصة، لا طير


    و ها أنذا الآن
    مغلقًا و وحيدًا
    أنادي
    تعالي


    ذات يوم فوق سرير شاسع

    للمرَّة الألف أرجوكِ لا تذهبي
    للمرَّة الألف آخذكِ بيديَّ
    و أركض في حقول الألغام
    في حقول الدم
    في حقول الحنطة
    و أرجوكِ لا تذهبي
    لا تذهبي و في عينيكِ غزالة مذبوحة
    لا تذهبي و تحت جلدك يصفّر الموتى بشفاههم المعطَّلة
    لا تذهبي يا عزيزتي لا تذهبي
    تعالي و قبِّليني قبل أن تذبح شفتيكِ المرتعشتين
    سكاكينهم الطويلة
    تعالي لنثرثر بسهولة و ألم
    تعالي لنتحدَّث مثلاً:
    عن الديدان التي تغزو السنابل
    عن المعادن التي تقزقز أصابع العمَّال بطريقة عجيبة
    حدِّثيني عن السهول ذات الخضرة الضارية
    عن الوعول التي تقفز بسعادة بالغة
    و هي تقضم عشب الفرح بحريَّة لا تشبه إلاَّ قلبي
    حين يخفق بأعلامه السوداء
    فوق ثكنات المحاربين الذين يحلمون فقط

    بثلاثة أمتار من الراحة

    بدوش ماء بارد

    بامرأة تغنِّي بصوت حزين
    و طفلة تقول لكل رجل تصادفه: أريد بابا
    حدِّثيني عن الدنيا و قارَّاتها الخمس
    و حدِّثيني فيما بعد عن الزمن
    و حدِّثيني عن العصور جميعًا
    ابتداءً من العصر الحجري القاتل
    و انتهاءً بعصرنا السفَّاح
    حدِّثيني عن السفَّاحين المنتشرين في:
    السفارات، الأزقَّة، دور السينما، المطابخ، علب الكبريت،
    زجاجات مياه بقين، أحذية باتا، ولاَّعات رونسون، شركة ميكروفيلم، جوارب أوغاريت…
    حدِّثيني لأحبَّكِ
    حدِّثيني لأحبَّكِ
    “أحبُّكِ”


    هذا ما يقوله السنديان للمطرقة.
    “أحبُّكِ”
    لي نهار في المعصية
    و لي أزهار في الطرقات
    “أحبُّكِ”
    هذا ما أقوله أنا
    هذا ما يقوله الرجل الذي من خلفه النوافذ تهوي
    و من تحته الأرض تئنُّ
    “أحبُّكِ”
    لي ثلوج في جميع المدافئ
    و لي وحل في جميع الشتاءات
    لي الحائط الكتيم
    الأصفاد الثقيلة
    الزمن البطيء
    و لي الزهر الذي يتدفَّق من رئتيكِ
    تنفَّسي يا حبيبتي تنفَّسي
    فهوذا الهواء ينبح في الأزقَّة بصوته البليد
    هوذا الدم يسيل فوق لحم الشرفات
    و أنا ملتفٌّ بقلبي
    و قلبي يقرع أجراس الأجساد الرثَّة
    أيَّتُها الأجساد الرثَّة المغسولة بالحبّ و عصير البرتقال
    أيَّتُها الأشجار الصاخبة
    المغلَّفة بالأيقونات و صور القدِّيسين
    أيَّتُها الأحجار، المقابض، الأسطحة، الأحذية، الأعلام، القواميس،
    الرجال، النساء، القطط، الفؤوس، الهراوات، الشياطين…
    تعالوا و استمعوا إلى خرير الإرهاب في الشوارع
    تعالوا إليَّ جميعًا
    تعالوا إليَّ بدون استثناء

    أيَّتُها المرأة تعالي لأضمَّكِ

    أيُّها الطفل تعال لأقصَّ عليك حكاية الذئب و الأرنب

    أيُّها العاري تعال لأكسوك بالقبلات

    أيَّتُها الحقول الجافَّة تعالي لأهبكِ خضرة دمي

    أيَّتُها الشمس لماذا ترتعشين من البرد
    و حطب قلبي مهيّأ للاشتعال؟
    و يا أيَّتُها الأسئلة
    يا أيَّتُها الأسئلة
    تعالي لنكسر معًا زجاج النوافذ
    التي تحجب عنَّا نضارة الصراخ
    سأسأل الصبايا:
    لماذا أنتنَّ مكتئبات
    و موسيقى ديميس روسوس معبَّأة في زجاجات الكازوز
    سأسأل الجائعين:
    لماذا لا تأكلون أطنان التفَّاح
    التي يهدرها الإمبرياليّون في البحر يوميًّا؟
    سأسأل أشجار الزيتون في ضواحي دمشق:
    من اختلس أوراقك في الليل
    و جعل منها وسادةً للسفَّاحين؟
    سأسأل السفَّاحين عن الأشجار
    الأشجار عن الشوارع
    الشوارع عن الاضطهاد
    الاضطهاد عن حبيبتي
    و أقول لحبيبتي
    أقول لحبيبتي التي تبيع الجنارك و المانجة في باب توما:
    إنَّني مرهق كثعبان ابتلع بيضة
    و أقول لحبيبتي
    و أنا أصغي إلى زقزقة الموتى في التوابيت
    إلى هديل الحرب في البلاد:
    تعالي لنمشي و نتذكَّر كيف كان الملوك ينتحرون
    لأنَّ عينين حافيتين انطفأتا
    لأنَّ قلبًا وسيمًا أضاء
    تعالي لنتفاءل بذات يوم فوق سرير شاسع
    ذات يوم فوق سرير شاسع، حيث:
    العصافير تقصف الطائرات
    الشهداء يضعون القتلة على الكراسي الكهربائيَّة
    الزهور تسنُّ للرصاص شفرات المقاصل
    والحريَّة
    تغتصب
    السجون
    ذات يوم فوق سرير شاسع
    أفتح ثغرة في لحمكِ الذي يحترق أيَّتُها الأرض
    وأقذف إليكِ بدماري.


    *نص: رياض الصالح الحسين
    *من: رياض الصالح الحسين: الأعمال الكاملة

  • حصان الرَّغبة يطيح بآخر قلعة – محمد الحارثي

    حصان الرَّغبة يطيح بآخر قلعة – محمد الحارثي

    بين كأسين يتبادلان الأصابع

    -1-
    تمثالٌ يضيءُ
    أحجيَـةَ الفراش.



    -2-
    جسدان يلعبان الشطرنج
    للمرَّة الأولى.



    -3-
    ماءٌ
    يبكي منذ الأزل.



    -4-
    جسرٌ مُعلَّق
    على التفاتة غامضة
    لأيِّـلِ الحبّ.



    -5-
    وردة حياة
    مفقودةٍ في الإنـاء.



    -6-
    قُبّة كاتدرائية
    تلوّن مئذنة النسيان
    بزجاجٍ مُعـشّّـق
    في بطاقةٍ بريدية
    يعرضها للبيع
    سليل بحّارة
    لم ينجُ منهم أحد.



    -7-
    زاويةٌ قصيّـة
    في آخر اللـؤلـؤة
    تخلعُ أضلاعها
    على الطاولة
    ونافذة
    تهبط الزقاق وتصعد
    بريشـة جُهـدٍ موسيقيّ
    تُخفيه خطوة المـخمـل
    لنـادلٍ يسـتنـبت في حديقة
    أحـلامه كأسيْن آخريْن
    تحيـةً وارفة
    لحصـان الرَّغبة
    يطـيح بآخـر قلعةٍ
    في اللعبة.


    *نص: محمد الحارثي
    *من ديوان: كلُّ ليلة وضحاها

  • اليد المَنقوعة بالسّم، تَمتدُّ بلطفٍ بالغٍ – سيف الرحبي

    اليد المَنقوعة بالسّم، تَمتدُّ بلطفٍ بالغٍ – سيف الرحبي

    مقطع من قصيدة: حين أشرق طفلٌ من روحه

    الكلُّ يَتمنى موتَ صاحبِهِ
    أن تنزِلَ عليهِ نائبةٌ
    أو تبتلعَهُ كوبرا
    أن يختنقَ بشربةِ ماءٍ
    أو كسرةِ خبزٍ
    أن يجرُفَ الطاعونُ أطفالَهُ
    ويَمشوا في جنازتِهم الجماعيَّة
    حزانی مرتادينَ السوادَ
    أن يموتَ الآخرونَ
    ويَبقى وحدَهُ.
    شاهدَ الفجيعةَ واللذةَ

    (صوتٌ ينفجرُ من قلبِ الغابةِ)

    لا تستعجلوا يا إخوان
    جائحةُ الموتِ ستجرُفُ الجَّميع
    وستكنسُ أرواحَكُم القذرةَ
    من غيرِ هوادةٍ ولا تأخيرٍ

    صباح مساء، يتمايل بطيبةٍ لا تعرفها الملائكة، عيناهُ مُسبلتان بحزنٍ مُفتعل وهداية كاذبة. اليد المَنقوعة بالسّم، تَمتدُّ بلطفٍ بالغٍ. والابتسامة التي تخبئ الخِنجر والطلقة. إنَّه النموذج الأكثر انتشاراً في أزمنة الضعة والانحدار. وهو العلامة الأعمق لوجودها، الذي بسببه تلاشت مكاسب البشر الإنسانيَّة والجماليَّة التي حوشتها عبر الأزمنة الطويلة والمشقات.


    حرب الأجنَّة في الأرحام

    آهٍ، هذا العالمُ الذي تسفحُ
    على غاربهِ المَراثي
    قد انتهى منذُ زمنٍ طويلٍ
    شبعَ موتاً
    أنت الآن ، عن جثّته التي تطايرتْ هباءً
    في فضاء الله
    عن الجثةِ التي ماتَ الدودُ الذي نَخَرَها
    جيلاً بعد جيلٍ
    عن هباء الجثّة تحاول أن تكتبَ
    أنت الآن في ظلّها الشبحيّ تعيشُ
    والذي يملأُ العالم هلوساتٍ وكوابيس.
    ظلُّ السحابةِ المُنقرضةِ
    ظلّ الثور المقدّس يجره الجزّارون مُدمَّى
    في الوحل
    ظلّ النمر الذي شنقته أشجار الغابة
    ظلّ الطفل الذي قتلته أمه من فاقةٍ
    واضطراب
    ظلّ النجوم الراكضة إلى حتفها
    الأكيد
    ظلّ الظلال وهي تقضي نزهتها الأخيرة
    وسط حيطان مهدّمة..
    عليكَ أن تتوقف عن سفحِ المراثي
    ورمي الكلماتِ
    فلم يعد هناكَ ما يستدعي عواء ذئبٍ،
    أو عويلَ قردٍ ثكلتْه الريحُ
    بين الأكماتِ.


    *نص: سيف الرحبي

  • ستارة – عبدالله حمدان الناصر

    ستارة – عبدالله حمدان الناصر



    لي أبٌ يكره الشعر ثم يَحبسُني في الدواوين
    يخلق غجراً من أصلابِي
    ثم يعيّرني بشفاههم النحاسيةُ
    وقلوبهم الرثة الملأى بالألاعيب.


    يَسرّحُ شعري بالمريمية والزيت
    بينما يجعل من رؤوس أطفالي زهورًا حجريةً
    على شرفات القصور.


    ثم أبي يَسألُني.. منْ أينَ لي غلظةُ السياحِ وَالنسيانِ؟


    نحنُ جارحُونَ لأنَّنا بكَ مصقولونَ

    نحن نسَّاؤون لأنَّكَ أتقنْتَ الصمتَ

    وَالآباءُ أنتَ خلقْتُهمْ جارحِينَ.


    نحن يا أبي خبز صعب
    لأن الخباز كان غاضبا وهو يقلبنا بين يديه

    فظللنا نرتكب الكثير من الحماقات

    ونتفاجأ كل مرة بقدوم الصيف

    بالأمس قتلتُ طيراً

    ثم ما استطعتُ أن أخيط فاه

    صارت صرخته نبعاً

    ونظرته ياقوتة

    في ثوب طفلة عمياء.


    وظللتُ أحلمُ كلَّ ليلةٍ كلَّ الأحلام التي كتبها الرب على الناس. كلُّ الأموات فـي مِقبرة البلدية اشتاقوا لـي فـي لحظةٍ واحدة، تعطروا جميعاً فـي لـيـلـةٍ واحـدةٍ كـي أتـذكـرهـم، وأزورهـم. وكانت غُرفتـي فـي الصباح تختنق بالعطور وأشـواق موتى الرياض.


    هذا يحدث لأنَّ أبي يُصمّم كلَّ شيءٍ.

    وقسوة قلبي ليست من عملٍ سواه.

    هذا يحدث لأنَّه كان يُطعمني رؤوس العصافير

    وقلبي صار مكبَّاً للأغنيات.


    هذا يحدث لأنَّني أنامُ منذ سنين في غرفةٍ عاريةٍ

    شباكها غير محميّ من الصباحات

    ولستُ الآن قادراً على أن أكون مهذبًا وأنا، منذُ عقود، أول من يركله الصَّباح.


    لستُ أخا لأحدٍ
    ولن أعرف أحداً


    وأنا بلا ستارةٍ يا الله.


    *نص: عبدالله حمدان الناصر
    *من ديوان: اللحاق بالرمل

  • الشعر الغزير – شارل بودلير- ترجمة: محمد عيتاني

    الشعر الغزير – شارل بودلير- ترجمة: محمد عيتاني

    يا للشَّعر الجميل المُجعَّد والمُسترسل على الرقبة

    يا للخصلات! يا للطيب المُشبَّع بالكسَلَ!

    يا للنشوة المُذهلة! لكي أملأ المَخدع المُعتم، هذا

    المساء

    بذكريات نائمة في هذا الشَّعر الغَزير

    سأهزّه في الهواء مثل منديل!


    آسيا الفاترة وأفريقيا اللاهبة

    عالم كبير ناء، غائب، شبه متوفّی

    يعيشُ في أعماقكِ، أيَّتها الغابة العطرة!

    وكما تسبحُ أرواح أخرى على الموسيقى

    فإنَّ روحي، آه يا حبيبتي، تسبح على شَذاكِ.


    سأذهبُ إلى هناك، حيث الشجرة والإنسان

    مُفعمين بالنَّسغ، يَنتعشان في غيبوبة طويلة

    تحت ضرام المناخات؛

    أيَّتها الضفائر الجزلة كوني الموجة العاصفة التي تَجرفني!

    أنتَ تضمُّ، أيُّها البحر الأبنوسي، حلماً باهراً

    من الأشرعة، والجدافين، وألسنة اللهب، والصوراي:


    مرفأٌ يعجُّ بالأصوات، حيث تستطيع بروحي أن تعب

    بدفقاتٍ كبيرة العطر، والصوت، واللون؛

    وحيث المراكب، المُنزلقة في الذهب والنسيج المتموج

    تفتح سواعدها الواسعة لمعانقة مجد

    سماء صافية تَرتعش فيها الحرارة الأبديَّة؛


    سأدسُّ رأسي العاشق من الثمل

    في هذا الأوقيانوس الأسود حيث الآخر مسجون،

    وخاطري المُرهف الذي يداعبه الترنّح

    سيتمكّن من استعادتكَ، أيّها الكسلُ الخَصب!


    أيَّتها المدهدات الطويلة لهدأة الوقت المطيبة!

    أيّها الشعر الأزرق، يا سرادقاً من عتمات ممتدة

    أنت ترد لي زرقة السماء الشاسعة والمستديرة؛

    على الأهداب الزغبية لخصلاتكِ الملتوية.


    أثملُ بحرارة من الروائح المختلطة

    لزيت النارجيل(1) والمسكِ، والقطران

    لزمنٍ طويل! دائماً! يدي في عرفكِ الكثيف

    سوف تزرع الياقوت الأحمر والدر والسافير(2)،

    لكي لا تصمي أذنيكِ أبداً عن رَغبتي.

    ألستِ أنتِ الوَاحة التي أحلمُ فيها، والمطرة

    التي أرتشف منها، برشفاتٍ طَويلة، خمرة الذكريات؟


    ____________________________

    (1) النارجيل Coco جوز الهند .

    (2) السافير Saphir. ويسمى أيضاً اللازورد والياقوت الأحمر


    *نص: شارل بودلير
    *ترجمة: محمد عيتاني

  • الموت نزهة – دعاء سويلم

    الموت نزهة – دعاء سويلم

    ما الذي جعلني أتأثر بحياة عنايات الزّيات؟ وحدتها القاسية أم انتحارها؟ في عام 1993 حينما وقعت يد الكاتبة “إيمان مرسال” على رواية عنايات”الحب والصّمت” ولدتُ أنا.

    تولدُ امرأة تعاني في مقابل موت امرأة أخرى حزينة، ثمّ تتجدد المعاناة من روحٍ إلى روح، هكذا الكاتبات الوحيدات يرثنَ عن بعضهن الحزن، هذه لغة الكون.أصبح اسم “سيليفا بلاث” ملتصقاً بالعديد من النّساء اللواتي بلا حظ، تقول امرأة: “أنا نسخة سيلفيا بلاث”. وتقول أخرى: “أنا امتدادٌ لسيلفيا بلاث”. تستمرّ المرأة في عملية المقارنة، بين حياتها وحياة تلك المهمشة أو الحزينة، وما أن تجد وجه الشبه؛ حتّى تشعر بمشاعر مختلفة، مثل الشفقة على حالها، أو الرّاحة بأنّ هناك من يتألم مثلها، ليس حباً بألم الآخر، بل يعني بأنّ ثمة يد خفية تشاركها هذه المأساة.

    وأنا أيضاً، أعيشُ منعزلة، لا أعرفُ إن كانت السّماء فوقي تشبه السّماء التي في الشّارع الآخر من مدينتي، هل لونها يميل للأزرق أم الأخضر؟ لستُ أعرف.الموت نزهة. حينما تعيشُ وحيداً، دون أصدقاء ولا حبيب، وتكون كلماتك بذيئة ورخيصة ومبتذلة لا يقبل بها المجتمع ويرفضها النّاشر بدافع التّدين، ألا تستحق النّزهة؟ كلنا نحتاجُ إلى الجماعة، نحتاجُ ألا نشعر بالغربة داخل وطننا، أن ننتمي لهذه الحياة، وحينما لا نجدُ من يشاركنا كل هذه المأساة، أين نذهب؟!

    لم تكن تثق بكلماتها، ولم يثق المجتمع بأنّها موهوبة، هذا ما قاله أنيس منصور ليوسف السباعي حينما سأله عنها، إنّها كاتبة موهوبة ولكنها غير محظوظة، هذا ما أنوي قوله. تقول عنايات الزيات:

    “أنا لا أعني شيئاً عند أحد.. إذا ضعتُ أو وجدت سيّان. وجودي كعدمي، أنا إن وجدتُ أو لم أوجد لن تهتز الدنيا. خُطاي لا تترك أثراً وكأني أمشي على الماء، ووجودي لا يراه أحد كأنني كائن غير مرئي”. وأنا مثلك يا عنايات، امرأة وربّما كاتبة مجهولة، لا أعرف، ولكنني عاطلة عن العمل، ولستُ من أسرةٍ ذات شأنٍ رفيع، بل أخدم والدي المريض المسكين الذي لا يعرف كيفية تحريك ساقيه، لكنني مثلك صامتة، أعيشُ في صمتٍ ووحدة، داخل غرفة بلا نوافذ ولا أبواب، كل ما أفعله: أحترقُ على البؤس الذي أصاب أحبائي. أريدُ الكتابة والصّراخ، أريدُ النّجدة، ولكن من سيقبل أن يسمع امرأة منبوذة من كل مكان؟ يقول جان أميري:” أنا أموت؛ إذاً أنا موجود”. الموت، ذلك الذي حلمت به “آن ساكستون”: “سوف أرحل الآندون شيخوخة أو مرضبعنف ولكن بطريقة صحيحة تماماًوأنا أعلم أفضل طريقٍ سأسلك”الموت نزهة، مرّة أخرى. إنّه استراحة البؤساء، ذلك الشقي الذي نركضُ إليه ولا يركض إلينا، ألم تكن “إيميلي ديكنسون” تنتظر عربة الموت بكل إيمان؟ ما علاقة قصة الشّعر بالمرأة المكتئبة؟ من المضحك بأنّ عادة ما يرتبط قص الشّعر بالتّجميل، ولكن ماذا لو كان للتخلص من الشّعور بل من الذّات؟ ها هي عنايات الزّيات تجزّ شعرها، ثمّ تذهبُ إلى بيت صديقتها مسيار حتّى ونحن نموت نرغب بإيجاد شخصٍ نخبره بذلك وما أن فتحت لها الباب، ربّما توسلت لها بصمتٍ أن تنقذها، أو كانت نظرة الوداع، غالباً ما يترك المقدم على الموت رسالة لمن يحبه، فماذا لو تركت نظرة؟ غادرت المكان بحجة أنّ لديها موعد. موعد مع من؟ مع الرّاحة الأبدية بالتأكيد.العيون تلتقي، ثمّ تحين لحظة الفراق، وتغطي جسدها باللحاف، أهي تجهز نفسها للدخول في القبر؟ إنّها الحريّة، أن تعيش بمفردك منعزلاً عن العالم في بيتٍ لا أثاث فيه، ثمّ تقرر كيفية موتك، وتستقبل الحياة الجديدة التي ترغب بها.