المدونة

  • الراعي في ضياعهِ (مختارات) –  علي صلاح بلداوي

    الراعي في ضياعهِ (مختارات) –  علي صلاح بلداوي

    مناجاة قلقة

    يُشارِكُني في مناجاتِكَ طائرٌ قَلِقٌ 

    كأنَّهُ جابَ العالمَ كُلَّهُ وانزوى أخيرًا في صدري.

    تشاركني حروبٌ يسقط كلُّ قتلاها مُضرَّجين باسمِكَ على سجادتي
    وأعداءٌ لا يقتربون، لكنَّهم يَحومون في هدأة الليل حولي مثل الخفافيش
    وأصدقاءٌ ينهشون لحمي ويرفعونه إليكَ عالياً فلا تتقبَّله
    فينهشون المزيد.

    كلّما قُلتُ وصلتُ
    يَقطَعُ طريقي إليكَ عاشقاتٌ ومومساتٌ ودراويش
    كُلَّما صعدتُ سُلَّمًا تَشبَّثَ بي رهبانٌ وعبدةٌ وكلاب سبقت نباحها إليَّ. 

    يا الذي في كلِّ مكانٍ 
    ها أنا أُصَفِّفُ نداءاتي إليكَ في عيون الذئاب التي تقترب كأنَّها مسكونةً بالنّار
    وأتسلَّقُ الأهوال لأنَّ الذي يمشي إليكَ لا يُفكِّرُ بالخطوة السابقة
    يا الذي … ها أنا أناجيكَ
    جاثيًا 
    بينما رماحٍ عطشى
    تَشرَبُ من دمي.


    حارس الأسى

    كأنّي عثرتُ صدفةً على هذه المدينةِ
    فصرتُ موكولًا بخرابها.

    كأنَّهم رأوني أستلُّ من روحي المناديلَ لأمسَحَ سُخامها
    وأغزُلَ من عمرٍ مهدورٍ مئزرًا لأساها المفضوح
    ثم قالوا دعوه،
    عسى أن يُوكَل بكلٍّ خراب الوجود.

    كأنّي أرعى كلَّ المغضوب عليهم
    فالخِنجَرُ الذي قُتل بهِ الأبُ الأوَّلُ في خَصري
    والحوتُ الذي ابتلع أخًا لي عالقاً في حوض البيت
    والذئبُ الذي مزَّق قميصًا خاطته أمٌ ضريرةٌ،
    هناك، تُلاعبه الريح على الحبل في الخارج
    والحجارةُ التي شجَّت رأس الإمام أخَبِّئها خلف ظهري.

    لكنَّني في الحقيقة لستُ سوى حارسٍ فارغ اليدين
    أحرس أسايَ، وأسى المدينة
    واللصوصُ هناك، يمرحون
    في فراديس بعيدة.


    الراعي في ضياعهِ

    أشهدُ أنَّ طَيفَكِ مسّ وتر الربابةَ
    فانتشى الراعي في ضياعهِ
    ونسي القريةَ،
    واهتدى قطيعهُ فجأةً إلى فردوس مفقود.

    أشهدُ أنَّ صوتكِ منقوعٌ بخمرٍ ينساب من عينٍ في الجنَّةِ
    لهذا تسكر الأشجار والنَّهر والطيور المهاجرة
    وفي دفاترها تنبت الحسنات مثل العشب
    وتلاحقها الفضيلةُ مثل الأقدار.

    أشهدُ أنَّ لكِ على كلِّ جبلٍ دعاءً يرفعه عاشقٌ في قُنوته
    أو تحمله غمامة في رحيلها
    وأشهد أن لكِ من كلِّ سفحٍ تهفوا إليه أرواح القديسينَ
    نصيب.


    أينما ينبُت العُشب

    كنتُ أعوِّذُ القريةَ بالنَّهرِ كُلَّما شحبَ وجهُها
    وصارت تجاعيدُها وشيكةً
    وأُبخِّرُ البيادرَ بالصّلَواتِ التي تخنقُ سكرَتها
    فتتثاءبُ طويلًا 
    فيما تُفَرقِعُ في المِشعَلِ وجوهٌ شرّيرةٌ تَطلُعُ من النارِ ثم تصير رمادًا.

    كنتُ الحارسَ الذي شهدَ انطفاءَ الفانوسِ في غرفةِ الفتاة التي كَتَبَت بالحنّاءِ على كفّيها أغنيةً، 
    ولفَّتهُما بالخِرقةِ البيضاء ونامت،
    الحارسَ الذي رأى الملائكةَ تَسنُدُ جرّة الماء متروكةً على السطح تبردُ ببطءٍ 
    فيما أرادت أن تَنزَلِقَ على رأسِ الطفلِ المتوهّج بالحمّى
    كنت الحارسَ الذي يأمَنُ لظلِّه الصاعدِ على الشجرةِ وبندقيَّتِهِ الطويلةِ يتامى ووحيداتٌ، 

    وفقراءُ يمرحُ في أمعائهم خواءٌ 
    ويهطلُ على أكتفِاهم غبارُ جوعٍ من سقفِ أحلامٍ منهوبة. 
     
    كانت بندُقيَّتي غُصنَ زيتون
    وبيتي أينما ينبُت العُشب
    لهذا
    أحرس القريةَ
    وبلا حارسٍ أعيش
    كأنَّني مبعوثٌ لكلِّ هذا الليل
    فيما الفجر عالقٌ في بئرٍ مهجورةٍ على التلّ.


    *نص: علي صلاح بلداوي

  • فوبيا المرايا – صالحة عبيد حسن

    فوبيا المرايا – صالحة عبيد حسن

    كنتُ ألاحظُ بالتدريج، كيف تختفي بورتريهاتكَ الكثيفةَ من مفكرتي، متسللاً إليها أنت بقلقكَ عندما ننام، تُمزِّقُها، وجهًا بعدَ آخر.. لأِنَّكَ الخائفُ أبدًا من المرايا.  

    البورتريهاتُ الكثيرةُ التي أحفظُها الآنَ في رأسي، متخليةً عن فكرةِ تدوينها..  

    واحدٌ باستكانَتِكَ الدائمةِ وأنتَ تستيقظُ قبلَ الضوءِ بقليلٍ، تدخنُ بصمتٍ مباغتًا إياه، بالصبرِ والدُّخانِ، هذا رجلٌ ينتظرُ العدمَ بصبرٍ، رجلٌ منهكٌ ووحيدٌ، وبعيدٌ أيضًا، لأنَّنِي؛ وكُلَّمَا مددتُ يدايَ، فإنَّهمَا تعجزانِ عن لَمسِكَ.. 

    تضحكُ، متخففًا من التِّعبِ، وتشيرُ لكسلِ كلِّ أولئكَ الذينَ يسبقهمُ الضوءُ.. ومنهم أنا.  

    رجلٌ آخرُ، يتحركُ بإفراطٍ، ويفتشُ عن شيءٍ ما لا أدركه، لعلَّه لا يدركُه أيضًا، ينسى كثيرًا، الأماكنَ التي وضعنا فيها الأشياءَ معًا، يتحركُ وينسى، يتحركُ كرجلٍ يريدُ أن يتلاشى، وكُلَّما نسيَ أكثر، تحرَّكَ فاضمَحَلَّ فاختفى. 

    أما الآخرون، فهم أنتَ، وأنتَ تختارُ أن تصمتَ دائمًا وسطَ الجموع، الصمتُ الذي يجعلهم ينسونك، والصمتُ الذي يجعلكَ تتسللُ إلى تفاصيلِهم كلِّها، هم الذين لا ينتبهون لك؛ فينكشفونَ أمامكَ بلا اكتراثٍ، لتقبضَ على نقاطِ ضعفِهم، وتُفرِّغَها أمامي في نهايةِ اليوم، تقول: 

    • لعلكِ تستفيدينَ من هذه الملاحظات في قِصصكِ،

    وأعرفُ أنك تحاولُ إلهائي عن البورتريهِ الشخصيِّ، الذي أحاول من خلالِهِ الوصولَ إليك. 

    تبدو مُرتاعًا من فكرةِ كتابتي لك، كما هو روعكَ من فكرة المرآةِ الكبيرةِ التي اقترحتُها لمدخلِ المنزل.. كانت المرآةُ تلكَ شجارَنا الأول.. وهلعَكَ المقيم.. الأبديّ.

    تتكشفُ حيواتُكَ أمامي .. الأصواتُ .. المراراتُ .. الخديعةُ.. والقلقُ.. تتكشفُ لي الشروخُ التي ترفضُ باستماتةٍ أن تظهر، وكلَّما عبرتَ من أمام المرآة.. سمعتَ تكسُّرَها الآتي من الداخل، فتفرَّ قبل أن يطفو ذلك الصدعُ على السطح.. لعلكَ تحاولُ حمايتنا جميعًا من الشظايا.  

    كأنكَ الآن أشخاصٌ كُثر، لكلِّ شخصٍ منهم حكاية، لكأنهم الخائفون، الباحثون عن مأوى فيك، ولكأنَّهم أيضًا العاجزون عن استعادةِ حريتهم بعيدًا عنك.

     تُمزِّقُ بورتريهاتكَ المكتوبة 

    وجهًا بعد آخر.. 

    وأحتفظُ أنا بنسخةٍ لكلِّ وجهٍ منها 

    عميقًا 

    في رأسي. 


    *نص: صالحة عبيد حسن

  • حكايات الطرائد وقصائد أخرى – باسم فرات

    حكايات الطرائد وقصائد أخرى – باسم فرات

    حكايات الطرائد

    في غابات إفريقية
    أنقذتُ أسداً من الموت
    وضعتُ دموعي على جراحهِ فالتأَمَتْ
    قطيعُ ذئابٍ حَاصرني

    أخبرتُهم أنَّني غريبٌ
    وإخوة لكم يَنهشون البلاد
    هَرَبوا وعلى قميصي تَرَكوا عواءهم
    لأستأنسَ بهِ

    في منابعِ النيل صارعتُ جنيَّات ودببة
    وتماسيح عَطشى لعذراوات
    ذكرياتي حمّمتُها بشلالاتٍ بَكت طويلاً أمامي:
    ألبسوني اسم ملكٍ بَعيدٍ
    لأنّي الشاهد على حكايات الطَّرائد
    وفي الجبلِ دَفَنوا اسمي
    فوقَ خط الاستواء
    وهَتَفوا للتاجِ المُسربلِ بالضَّباب.


    الساموراي

    يَعتمرُ خوذتَهُ
    يمتشقُ سيفَهُ
    الذي يكادُ يُنافسُهُ
    على قِوامِهِ
    يتمنطقُ بالفولاذِ
    إنّهُ بكاملِ أبّهتِهِ
    فيهِ رائحة ُ التاريخِ
    وبقايا غُبارِهِ
    ولأنَّهُ لم يجدْ فُرساناً
    ليقاتِلَهُم
    خَصّصوا لهُ ركناً
    في المُتحفِ
    وفي المَهرجاناتِ
    تراهُ يجلسُ على صخرةٍ
    قربَ قصرِهِ
    أو يقفُ في زاويةٍ ما
    تُلتقط ُ لهُ الصورُ التذكاريةُ
    مع الأطفالِ
    وفي أحسنِ الأحوالِ
    يَتبَخترُ أمامَ الزوار
    وفي المساءِ
    عندما تنفضّ العوائلُ
    إلى مَهاجِعِها
    يُجَرّدُ من أبّهتِهِ
    ويُركَنُ
    في زاويةٍ شُبهِ مُظلِمَةٍ
    في مُتحفٍ ما
    بانتظارِ
    مَهرجانٍ
    جديد.


    طين المحبَّة

    المساءات المَليئة
    بنفايات الحُروب
    تطرقُ بابي عَمداً
    أستلُّ من أُفقي
    أُفقاً آخرَ
    وأرسم
    بالحسرات
    ما يشتهي الطيرُ من السماء
    أُدوّنُ طين المحبةِ
    حذراً
    أن ترصدني طعناتُ
    من مسحتُ
    عن إزارهم الخوف
    وآويتُ أحزانهم
    فرموني بوشاياتهم.


    *نص: باسم فرات
    *المصدر: مجلة الأديب العراقي، ع26، شتاء 2021م.

  • الأسود حالماً بالحرية  – هنري لونغفلو – ترجمة: محمد كمبال 

    الأسود حالماً بالحرية  – هنري لونغفلو – ترجمة: محمد كمبال 

    يرقدُ الأسودُ 

    بجانب الأرز قبل الحصاد 

    ومنجله في يده

    عاري الصدر 

    وشعره مدفونٌ في الرمال 

    وفي تلك اللحظات 

    تماماً وهو ناعس

    يحلم بتلك الأرض حيث ولد

    ممدة في أحلامه

    حيث يعبر نهر النيجر 

    وتحت أشجار البالم

    حيث مشي الملك

    وسمع أجراس القوافل 

    خلال الجبال 

    رأى مرة أخرى الملكة

    ذات العيون السود 

    تقف بين أطفالها 

    وعندما لمسوا عنقه وقبلوا خده

    وصافحوا  يده

    لم يجد إلا البكاء جواباً 

    وبعدها ركض مسرعاً على ضفة النيجر 

    كان لجامه ذهبياً 

    ومع كل قفزة كان يسمع صوت الحديد 

    يضرب خاصرة الحصان 

    الذي ما زال فحلاً 

    ذي اللون الأحمر كالدم 

     وطائر الفلامنجو الذهبي

        طوال اليوم يحلق بعيداً

        حيث ينمو التمر هندي 

        هناك من الأعالي 

         يحدقُ في أكواخ العبيد 

         ومنظر الخليج

          يلوح في الأفق 

         هناك في الأماسي يزأر  الأسد 

        ويصرخ الضبع أيضاً 

        والحصان بجانب النهر 

        يكسر بخطاويه قصب السكر 

        خلف النهر المخفي

        التي تعبر كالطبول العظيمة 

       خلال أحلامه بالحرية 

       وتصرخ الغابات بالحرية 

      والصحاري الممتدة

       تصرخ أيضاً بالحرية 

       وهو في أحلامه 

       يسمع صرخات الصحاري البعيدة

      والعواصف المرحة التي تشاركه الحرية 

       كأنه يوماً لم يذق ألم السوط 

       ولا حر أيام العبودية 

       لأن الموت ممزوج بطعم النعاس 

        وجسده ممدد الآن 

        وقد تحررت الروح أخيراً.   





    *نص: هنري لونغفلو
    *ترجمة: محمد كمبال 

  • موسم قطف القصائد الحزينة – عبير فتحوني

    موسم قطف القصائد الحزينة – عبير فتحوني

    نصفُ المقهى فارغ

     والنصفُ الآخر ينتحب

    أحلامي لا زالت تنتظر في آخر الشارع

    ووحدي أُربي آمالاً جديدة

     على شكل قصائد 

    وحدي أجالس هامش المقهى 

    وأحاول خطف المارة 

    وجهاً وجهاً، حلماً حلماً، جثةً جثةً

    لأحولهم لقصائد حزينة

    وحدي أقطف المارة المسرعين

    كسربٍ مهاجر

    وأزرعهم

    وعند المساء أقطفهم قصيدةً قصيدةً

    كان الجميع فاسداً!

    العجائز العازبات اللواتي يتبنين النسوية 

    وفي الليل يزوجن أنفسهن للأيام 

    يزوجن أنفسهن في الأحلام

    يراقبن انطفاء جمالهن السائل كساعة رملية

    وحدي كل مساء أقطف قصيدة 

    قصيدة كانت بالضرورة حزينة

    قصيدة عن الملائكة المتزاحمين 

    المتكدسين حول المساجد

    والأجساد التي تُغتصب في الأفق 

    على مرأى الجميع

    عن سوريا المليئة بثقوب الرصاص 

    وصغارها الذين يجعلون من مواطن المهجر بلداناً جميلة

    أعلامنا التي تراقص آمالنا المتطايرة

    تبكي كل صباح أناشيد وطنية

    فوق البنايات الزجاجية العالية

    وعلى ارتفاع أعلامنا 

    نلقي بأحلام الوظيفة العمومية

    وعند كل صباح نلقي التحية

    وحدي أقطف قصائد حزينة الليلة 

    وموسم القطف كل ليلة

    وأخاف أن يقطفني الموت بغتة 

    فأترك هذا الحقل العاري

    مترعاً بالجثث الحزينة

    أترك المقهى وحيداً

    والشارع منتظراً

    وكؤوس الشاي تبرد فوق الطاولة

    قصائدي تقرأ نفسها 

    وجريدة واحدة تنتقد أفلامي

    وأكثر ما أخاف، ألا يُنتبه لغيابي 

    فيا موت تمهل 

    أريد أن أصنع مجداً ….




    *نص: عبير فتحوني 

  • من فِناء البيت – فاطمة بن محمود

    من فِناء البيت – فاطمة بن محمود

    على حبل الغسيل 

    يؤرجح الملابس الداخلية 

    !النسيم الماكر 

    = =

    الملابس الداخلية 

    تتمايل غنجاً

    !كلما مرّ بها.. النسيم

    = =

    يتغزّل بالملابس الداخلية 

    أمام الملأ

    !البائع.. في السوق

    = =

    تغبط الأشجار النسيم 

    وحده

     !يداعب الملابس الداخلية

    = =

    في السوق الشعبي

    تتشمّس الملابس الداخلية 

    على الطاولة

    !تتبرّد شهوات المارة

    = =

    يحنّ حبل الغسيل 

    للملابس الداخلية 

    !ووشوشة العصافير





    *نص:  فاطمة بن محمود

  • الطبيعةُ جميلةٌ لأنها لا تَلتفت (شذرات) – فيرناندو بيسوا – ترجمة: عبدالله حمدان الناصر

    الطبيعةُ جميلةٌ لأنها لا تَلتفت (شذرات) – فيرناندو بيسوا – ترجمة: عبدالله حمدان الناصر


    الرجلُ الذي يرى، يتحوّل إلى الأشياء التي يراها، وهكذا تخلّيت كوني شخصاً، وأصبحتُ منظراً طبيعياً مع الوقت.


    الطبيعةُ جميلةٌ لأنها لا تلتفت.


    الجانبُ الآخر من النهر، طالما هو الجانب الآخر، وليس هذا الجانب، هو السبب الأصلي لكل عذاباتي.


    بهدوءٍ، ضع يدكَ في النهر، وسوف تتقنُ مع الوقت، هدوء الوقت.


    تشبه يدكِ صلاة غامضة، وحروباً صغيرة تندلع داخل قلعة في الليل.


    أتذكرُ فوتوغرافيا يديك أكثر مما أتذكرك أنت.


    اليدُ سر الأسرار. اليد: نصٌّ مقدس وعميق، شبيهة الليل والتهار، قلادة من لؤلؤ، قصر غامض في الجبلِ لا أحدَ فيه، ومعنى أكثر عمقاً من مخاوف المرء.


    الصحراء الكبرى روحي، لأنه لا يقطعها سواي.


    أبحثُ عن نفسي، كالبدويّ المترحل بحثاً عن الماء.


    انتمائي الوحيد كان دائماً للأماكن التي لن أصلها، والتماعة عينيّ كانت للشخص الذي لن أكونه. الشوق الذي عذبني دائماً كان الشوق لأشياء لم توجد.


    الصمتُ في البيت يُلامس اللانهائي. أسمعُ سقوط الوقت، قطرةً قطرة. ومثلما تعبرني العوالم المائعة، أنفذُ إلى الزمن بواسطةِ الصمت.


    صمتكِ قطعانٌ مُتعبة.


    لا أفكر بكِ ولا أشعر بكِ. لأنكِ تملأين تلك الفراغات بين أفكاري وتقطنين في الفجوات التي بين الأحاسيس.


    لم يكن يعرف ما معنى أن يكون مخلصاً وأصيلاً. لم يكن رجلاً. كان إيماءةً.


    الحلم الذي يتحقق يتحوّل إلى سلطة غاشمة.


    كلُّ القصائد كُتبت في النوم، حتى تلك التي كُتبت في الصحو.


    ما نلتُ شيئاً: لا قُبلة الصحو، ولا مُلاطفات الخيال.


    قصة حياتي: لم أستطع الخروج. كانت تُمطرُ باستمرار.


    *نصوص: فيرناندو بيسوا
    *ترجمة: عبدالله حمدان الناصر
    *المصدر: مَلكُ الفجَوات (شذرات وأصوات فيرناندو بيسوا) – دار مدارك، ترجمات مزون، ط1، 2020م.

  • زهرة البريَّة (مختارات)- سماء عيسى

    زهرة البريَّة (مختارات)- سماء عيسى

    النبي أشعيا

    رحلوا

    كغبار تقذفه الريح

    أو كنار

    تفضي إلى رمادٍ يتناثر

    بقيتْ روحُ

    الطير

    “كلُّ بشرٍ عشب

    كلٌّ جماله كزهر البريّة

    العشب ييبس

    وزهره يذوي.”


    هوية

    أنا الذي حياتي

    أشبه بوردةٍ قطفها جنديّ

    هرب بها إلى ساحة المعركة

    هناك راقب الوردة

    نزيف دمه

    ابتسمتْ له قبل الموت

    وحيدة بكتْ عليه بعد موتهِ.


    تعويبة

    البوح ذهب بنا إلى الطفولة

    النساء دلفنَ في الظلمات

    كأنَّ أقمار المنفى.

    خطابات الليل

    أسمع نواحهن

    بقربي تنام فجائع الحنين

    ويغتسل بدمي رماد الموتی.

    مثلما تبعث المياه الحنين

    کنواح العذراء

    كنَّا نسمع نداء الحطابات وأجراس الموتی.


    *نصوص: سماء عيسى

  • الموتُ يثرثرُ في الزوايا (مختارات) – عباس بيضون

    الموتُ يثرثرُ في الزوايا (مختارات) – عباس بيضون

    لا أجسر

    أدخلُ تحت جلدكِ

    تكونين لي جسراً ولا

    أجرؤ. لا أقطع

    ورقة توت وأنا عار

    دون أن أختفي. لا أعبر

    عن ركبتيكِ دون أن

    تطير نفسي


    أترك نهدكِ حُرّاً أكثر

    من ذي قبل. أترك

    إجاصتكِ كاملة. لم أسمع

    شيئاً في شعركِ لم تسمعي

    شيئاً في قلبي.

    كم ساعة مضت ونحن نائمان،

    كم ليلة ولا أجسر، وأقول

    أقطع هذه الدمعة بغصن

    عارٍ

    ولا أنجو.


    سباحة الضفاف

    بعينين عاليتين لا نتعب

    من الصحو. لكنكَ لستَ

    في سلامٍ هنا. سباحة

    الضفاف غير مأمونة، والوحشة

    تكسح الشاطئ القريب . قد يكون

    الرعب قديماً خلف الأهداب، وأنتَ

    تربي وسواساً من

    سقطة لسان معدومة ولا تدري

    ما يحبل به شق صغير.

    بعينين تامتين لا

    قد يكون خلاص.

    هذا ساتان الوحدة. قد

    تكون الشهوة في الإبهام وقد

    يكون القدر حين تنعقد

    اليدان والحاجبان على خطٍ

    واحد. قد يكون الموت

    نفسه هو الذي يثرثر

    في الزوايا.


    الجسد بلا معلّم

    الجسد بلا معلم وطالما

    عومل كأنشوطة. إذ كان

    عليه أن يكون دائماً جاهزاً وأن

    يجري سَنّه باستمرار وأن يركض

    بمجرد أن يتلقى دفعة.

    هل نأسف لأنه ينطفىء الآن من حاله.

    أيتها الحكيمة ذات الحاجبين المقوسين للشمس.

    أيتها الجميلة التي قوس عينها

    شعارٌ منزليّ

    لكنه ثابت وأمين وليس

    بالتأكيد لعبة كما

    يحصل للكلمات عندما تفشل

    في أن تتحد.

    إذ الإنسان العاري لم يربح أبداً

    في صراعه مع الأقواس ومع

    الشمس مذ خرج مطأطئاً من الشرق.

    الرحلة التي انتهت بالخذلان، ومن

    رجل وامرأة لم نستطع أن

    نصنع قوساً. ما من

    عبارة غدت بالفعل شيئاً

    واحداً. إذ نفضل

    غالباً مفردة لا تنقسم، لكن

    الحب يتعذب لأجل ذلك، والرغبة

    التي لا تلاقي جسداً ولا تعرف

    سوى مخيلة السهم

    المرتد والضلع المخلوع.


    *نص: عباس بيضون

    *من ديوان: الجسد بلا مُعلّم

  • بعيداً وراء مدى الميناء – لورنس فرلنغيتي – ترجمة: محمد مظلوم

    بعيداً وراء مدى الميناء – لورنس فرلنغيتي – ترجمة: محمد مظلوم

    بعيداً وراءَ مَـدى الـمِيناء

    وعلى مَدى منازلَ غير مسدودةِ الشقوق

    بینَ مداخنِ «تشارلي نوبل» النُّحاسيَّة

    على سطحٍ مجهَّز بحبلِ الغَسِيل

    امرأة تنشرُ أشرعةً

    على الريحِ

    معلقةً شراشِفَها الصباحيَّةَ

    بملاقطَ خشبيةٍ

    يا للثدياءِ الجميلة.

    نهداها شبهُ عاريينِ

    وتلقي ظلالاً مُتشابكةً

    حينَ ترفعُ قامتَها

    لتعلِّقَ أخيراً

    آخرَ خَطايا غَسيلها الناصعِ البياض

    سوى شهوانيةٍ مُبلَّلة

    تلتفُ حَولَها

    ملتصقةً بجلدِها

    حتى التصقتْ بالذراعينِ

    المرفوعتينِ

    وهي تطوَّحُ رأسَها إلى الخَلفِ

    بضحكة بلا صوتٍ

    آنذاك وبلفتةٍ عفويةٍ

    تهزُّ شَعراً ذهبيَّاً

    بينما في الفضاءاتِ البحريةِ النائية

    ما بينَ الأغطيةِ البيضِ المنتفخةُ بالرياحِ

    تظهرُ السفنُ ساطعةٌ

    لتوافي المَمَلكة.


    *نص: لورنس فرلنغيتي
    *ترجمة: محمد مظلوم

  • ليليَّة التلمُّس: مُتلمِّساً أبواب الجنة – إلياس ناندينو – ترجمة: تحسين الخطيب

    ليليَّة التلمُّس: مُتلمِّساً أبواب الجنة – إلياس ناندينو – ترجمة: تحسين الخطيب

    ليليَّة التلمُّس

    في العتمةِ، مُمَدّديْن

    في السرير ذاته،

    نحن جمراتٌ وقَّادةٌ

    مستيقظيْن على اتّساعِ يَقظتنا، سهرانيْنِ

    لنبضِ احتراقها.


    مثارًا، أُغامرُ

    بيدي على طولِ جسدكِ:

    أطوفُ فأجدُ

    بطاحًا ومُنحدراتٍ،

    تظهرُ الحلمتان

    وتلّتانِ مستديرتانِ

    يفصلهما

    جرفٌ

    مفضياً إلى وادٍ

    بينهما.


    متلمّساً

    في الأعماقِ ألمسُ

    شعرًا أزغبَ ناعمًا

    كأنَّه الحلم أو يكاد..

    كأنَّه يَقودني

    إلى أبوابِ الجنَّة.

    النَّهب يتواصل

    ثمَّ،

    صاعدًا فهابطًا، وهابطًا فصاعدًا،

    أجدُ شيئاً

    خجولًا وماكرًا.

    يا لحسنِ طَالعي

    أنِّي في النهاية قد وجدتهُ

    مناسباً كخاتمٍ حول اصبعي.





    ***

    كبرياء ملعونة

    لا أستطيعُ النومَ

    لأنّي لستُ فيَّ

    بل معكِ، في بيتكِ

    وكلانا عاريانِ

    في السريرِ ذاتِهِ.


    وأنتِ كذَلك

    في هذي اللحظةِ

    لا بُدَّ أنّكِ

    تشعرين بالشيءِ ذاتهِ،

    لأنّكِ لستِ فيكِ،

    بل هُنا معي

    في هذي المَشْعَلَةِ

    التي من عزلةٍ وملاءاتٍ

    حيثُ أكافحُ

    بالجسدِ الثائرِ

    لغيابكِ.



    بسببِ الأنانية العنيدةِ،

    بسبب الكبرياءِ الملعونة،

    نحن مُتباعدان

    في سريريْن مختلفينِ

    لا نتعانقُ

    بل تعانقنا

    نيرانُ جحيمٍ متماثلةٌ

    حيثُ نستطيعُ، ربّما

    ونحن عاريانِ أن نعضَّ

    الوسائدَ

    طيلةَ الليلِ الطويلِ،

    الحدِّ مِنَ

    الجوعِ الحزين

    وألسنة اللهيبِ الجامدة لهذه النار.


    *نص: إلياس ناندينو
    *ترجمة: تحسين الخطيب

  • الأذن الورديَّة – زبيغنيف هربرت – ترجمة: هاتف جنابي

    الأذن الورديَّة – زبيغنيف هربرت – ترجمة: هاتف جنابي

    اعتقدتُ

    أنَّني أعرفها جيداً

    سنوات طويلة نعيش معاً


    أعرف

    رأس الطير

    الكتفين الأبيضيْن

    والبطن


    حتى أنَّها ذات مرة مساء شتائي

    جَلستْ إلى جانبي

    وفي ضوء المصباح

    الساقط خلفي

    لمحتُ الأذن الورديَّة


    بَتَلةُ الجلدِ مُضحكة

    صدفةٌ بدم حيّ

    في الداخل

    حينئذٍ لم أقل شيئاً


    كان من الأفضلِ لو كتبتُ

    قصيدةً عن الأذن الورديَّة

    لكن ليس هكذا لكي يقولوا

    أهَا لقد اختار موضوعاً

    إنَّه يتظاهر بالأصالة


    لكي لا يضحك أحد

    لكي يفهموا بأنَّني

    أعلنُ سراً


    حينئذٍ لم أقل شيئاً

    لكنَّني في الليل حينما استلقينا معاً

    جرَّبتُ بلطفٍ

    المذاقَ الغريب

    للأذن الورديَّة.


    *نص: زبيغنيف هربرت
    *ترجمة: هاتف جنابي

  • مجنونة – أحمد سواركة

    مجنونة – أحمد سواركة

    أجذبها من الخصر الأسفل،
    فتسيل
    تدفع بوابة الليل بإحدى ردفيها
    وبشكلٍ طولي، تتعدد في المرآة ونحو النافذة
    أدق على ظهرها تاريخاً طويلاً للرجل الشرقي
    وسوءات تعلمتها في الحبِّ
    فتضحك
    ترسل شعرها نحو اليمين وإلى أعلى
    تخاف على (الميك أب) من قبلة طويلة
    وتهز كتفيها على طول الكلام
    هي امرأة شاخصة في جهاز جسدها المترامي
    تغرف من نكسةِ قَلبي ما يكفي لشدِّ شفتيها لأعلى
    ليست لها مَرارة
    ولا سوء حظ
    ومهمومة بدق خطواتها على مساحات ضوء شاسع.
    أحدّق في بهيمة العالم
    أبني شواطئ وهدنات حرب على ساقها العُليا
    أجهزها لحفلة المجنونات وفاسدات الرَّغبة
    أنا لا أحبها
    ولا أرتاح لذكراها
    لكن أُفتّش عن أجزاءها بكلِّ الطرق
    أدفعُ صدرها لكوكب المجرات الشاربة
    ونصفها للمذنّب الذي لم يصل
    هي كارثة في نفسي لا تنام إلاّ لتنفجر
    تمدّد يَدي على نصفيها بلا إحساس
    عادية وبلا أسرار
    تُعطيني وجهها ببرودةٍ مَائلة
    وتقول:
    مازال هنالك وقت.

    *نص: أحمد سواركة

  • نُسفّد القُبَل، ونَشوي النهود (من الشعر الكردي) – قوباد جليزاده –  ترجمة: حميد كشكولي

    نُسفّد القُبَل، ونَشوي النهود (من الشعر الكردي) – قوباد جليزاده – ترجمة: حميد كشكولي

    في غابة دباشان* نلتقي خِلسة.
    الساعة تشير إلى السابعة مساء:
    شجرة تتكرم علينا بظلٍّ،
    لئلا تخدش أظافر الغروب جيد موعدنا الرَّقيق.


    رويداً رويداً تطوّقنا الغابة لئلا يكشفنا بيشمركة* من التل المقابل،
    فيطلقُ النارَ فوق رؤوسنا احتفاءً بالعرس مفزعاً قُبلاتنا‍‍!
    الساعة التاسعة:
    نعبئ صُدورنا بفحمِ الشَّبقِ،
    و نفتحُ العشقَ،
    و نشوي القُبَل.
    يرحب بنا كلبٌ هازّاً ذيله،
    ثمَّة سيارات أُجرة تدور حوالينا
    مثيرة غباراً في الغابة،
    ينتاب أشجار الصنوبر العجوز السعال، فرئاتها مُصابة باليأس.


    نسيم لا أدري من أية قارورة عطر يهبُّ يرش الدرب بالورد،
    بريحانةٍ ينفض الغبار من رؤوسنا و حلمات فروع الأشجار و رموش الأوراق.
    فالسواق سكارى برائحة البنزين في النهار و بالخمر ليلاً و الآن يثملون بعطر البخور، بخور قُبلنا الوَرِعة.
    الساعة الآن العاشرة:
    يلتهب الجسد ناراً،
    نسفّد القُبَل،
    ونَشوي النهود.


    الشجرات الكَهلة يدرن ظهورهن مبتسمات,
    و الصغيرات اللائي لما يبرز من نهودهن حجم؛
    تختلسن النظر و تكركرن،
    فتستحيل وجناتهن حمراء من الحياء فتحتضن بعضها البعض.


    الساعة الآن الحادية عشرة:
    قبل أن نغادر، نترك خوختين،
    و إجاصتين،
    كميَّة من قشر السفرجل
    و شيئاً من قشور الثَّدي
    و حُفنة حبات قُبَل قد تناثرت.


    الساعة الآن الخامسة صباحاً:
    الصنوبرة العاشقة تقول للعصافير:
    أمس عانقتني امرأة
    امرأة صوتها قوس قزح
    أنفاسها عطور
    امرأة
    عيناها نهرا مَغفِرة،
    ذراعاها نهرا لبن،
    خُفّاها عشب داكن.


    ثم تقول الصنوبرة لليمامات الرشيقة:
    أمس عانقت امرأة رجلاً،
    شعره ضوء القمر،
    صوته أنين كلارنيت.
    أيّ رجل!
    كان يشبه شاعراً لا حاكماً،
    عاشقاً لا شُرطيّاً،
    دَمه أكثر خضرة من دمّ الصّنوبر.
    تقول فراشة لنحلة:
    أمس عانقتُ امرأة العشق،
    أية امرأة!
    أصابعها من خيوط الكتَّان،
    راحتاها أساور حلوى،
    امرأة!
    ستيانها مليءٌ بالتوت الشَّامي،
    لباسها الداخلي مليء بالنُّور.


    الساعة الثامنة صباحاً:
    معذرة! نسيتُ أن أروي لكم أنَّه بالأمس وقبل أن نودعَ الغابة رأينا أشجار الصنوبر عاريةً ترتعشُ لذَّةً.

    *دباشان: منطقة غابات في السليمانية، كردستان العراق.
    *بيشمركة: القوات العسكرية الكردية


    *نص: قوباد جليزاده
    *ترجمة: حميد كشكولي

  • قافلة الكلاب – سماء عيسى

    قافلة الكلاب – سماء عيسى

    مرَّت قافلةُ كلاب، كنتُ قد احتميتُ بجدرانٍ آمنة، الساعةُ كانت الثانية فجراً، بعدها ظلَّت تَعوي عُـواءً مُـراً، لم أجد ثمة مـن داعٍ كي أفيق وأتابعها، تركتُها تنبحُ وتدورُ حول الجدران الفاصلة عني إياهـا، ثـم رحلـتْ وسـاد المكان هـدوءٌ تام. غير أن ابنتي اقتربتْ مني وقالت: لمَ أنتَ غير قادرٍ على النوم يا أبي؟ قلتُ لها: الكلابُ أيقظتني بعوائها، قالت: لم تأتِ الكلابُ هُنا ولم يعـوِ كلبٌ في هذه الحارة منذُ زمنٍ بعيد، ربما مرَّ عليك في المنام كابوس ثقيـلٌ يـا أبـي. إذن سأعودُ إلى فراشي، ولكن لا تفتحي البـاب أيتها الصبية، حتى لو لجأ إليكِ هاربٌ من كلاب الثانية فجراً.

     بكتْ ابنتي وقـد مـرَّ على قلبهـا خـوف وهلع، قافلـة الـكـلاب تلك، كـانـوا بـشـراً مسحورين، وكانوا يعدون منادين ذويهـم لتخليصهم من السحر، ومِن مَن سكنَ ذلك الحي فقد عزيـزاً، كـان عليه التيقّظ وفتح باب منزله ليدلف إليـه ابـنـه أو ابنته المسحورة، ثم وعندما يُغلَقُ عليه الباب، يقوم بضربهِ ضَرباً مبرحاً حتى ينفكّ عنه السحر، وإن لم يكن ذلك، يُغلق عليه باب غرفة ما، ويبدأ الاتصال بـسحرة الأرض وإغرائهم بالمـال وتلبية طلباتهم كـي يعيدوا إليه فقيده إلى حضيرة الإنس. قالت ابنتي: حسناً فعلت يا أبي، أنتَ لم تفتح الباب، فنحن فقدنا أختاً صغيرة، قبل أعوام بعيدة، ربما تكون واحدة مـن ذلـك القطيع المهاجر من الكلاب الضالة، حسناً فعلـت يـا أبي، هي الآن أكثر سعادة في عالم الكلاب عن عالمنا الإنسي هذا.

    الكارثة أننا على اثنين، منذ أن تركنا الحياة على أربعة أطراف؛ بدأت مأساتنا، لقد عادت صغيرتنا إلى الطبيعة الأولى، ولن تعاني بعد اليوم من آلام العمود الفقريّ، وهي أيضاً لن تستخدم السلاح ولا الحصى في قذف الآخـريـن، ستظل هكـذا أسيرة أطرافهـا الأربعة، فضلاً عن أن عمرهـا كـكـلـب لـن يطـول كثيراً، أعمـار الكلاب لا تتجاوز العشرة أعوام، ثم ترحل وتنفق، وبعدها تُرمى مع القمامة بعيداً. لقد رحلت صغيرتكَ يا أبي، وعندما تعود ثانية وتنبح طويلاً أمام المنزل، تيقظ وانظر إليها نظرة حب ثـم قـل لها وداعاً، ولا بأس من أن تمسح عن عينيها قطرات دمع حبيسة ذرفتها.

    ثم مـن تلقاء نفسها سترحلُ إلى الأودية البعيدة، وأعتقدُ أنهـا لـن تـعـود ثانيةً إلا في موكب جنازتكَ، ستسيرُ مُبتعدة عن البشر، حتى لا تثير شكوكهم فيلتفت أحد إليها، سيكون بكاؤهـا عليـك صامتاً، ولكنني سأتعرف عليها من خلال الدمع الحبيس في عينيها، والذي لن يجد أحداً لمسحه مـن وجنتيها، ستكون تلك آخـر زيـارة لها إلينا، بعدها سترحل إلى أوديتها البعيدة، ولن تعود ثانية حتى مماتها.


    *نص: سماء عيسى
    *من كتاب: أبواب أغلقتها الريح


  • ذاكرة الحب –  ريهام عزيز الدين

    ذاكرة الحب –  ريهام عزيز الدين

    (1)

    صندوقٌ خشبي مُغطى بقماش أخضر،

    بينما يتمدد في زواياه الأربع، 

    تنفلتُ قبضة يده للتشبث بي، 

    تستجديني ألا أفلت عروق يده.

    أَوصَى أن أمشي جنباً إلى جنب بجوار صندوقه الخشبي،

    يغمرني اللون الأبيض، 

    غير أني لا أتوحد بأي طقوسٍ جماعية للحزن.

    أتذرع بقصر ذراعيّ، 

      أذرع  العائلة تمتد لتحمل عني جسده أو ما تبقى منه.

    للطريق لمقبرة العائلة، 

    عليك أن تقطع عشرين ألف هيكتارًا من أرض رملية من أرض لم تنبت سوى الوحشة والغياب.

    عائلة أبي يطلقون عليها “جبّانة”، 

    ظننتُ أنهم يخبئون بداخلها نوعاً مميزًا من “الجُبن”.

    سيتحول أبي إذن إلى قطعة “جُبن”!

    جدي  ذو العينين الزرقاوين كبحر لم يره قط، 

    وعمي الذي جاب البلاد طولها وعرضها دون ابتسامة واحدة، 

    وجدتي ذات السن الذهبي حين تبتسم وثعبانٌ يأكل ذيله عضها ذات عُمرٍ في قدمها اليسرى.

    لم يخبرني أحد ما الذي ينتظرنا هناك، 

    نتحرك كجنودٍ عائدين للتوّ بخسارة لا تحتمل.

    أود أن أقطع المسافة إلى المقبرة ركضًا، أخبره بما لم أخبره به من قبل.

    سبعة عشر عاماً من الحكايا المؤجلة

    الأذرع الممتدة تقبضُ على الحُنجرة،

    تجبرنا على ترديد كلماتٍ أعجز عن مضغها، 

    يخبرونني أنها أنشودة جماعية للتخلي، 

    لحنًا يحمل صوتًا أعلمه، يأتيني من بلد بعيد أُحب.

    يتناوبون اللحن بينهم كبكرة خيط تتلمس طريقها حتى نهاية الخيط.

    يستمر اللحن، كي يعبر وحده دونما التفات نحو أرضٍ الجديدة.

    أتساءل كيف يعبر دون أن يحمل معه حكايا تحمل بعضاً مني، 

    منه، 

    وما كبُر بيننا في الغياب!

    الطريق نحو المقبرة لم يستغرق سوى دقيقتين أو لربما سبعة عشر عاماً!

    تنسحب مني الذاكرة كقلم جاف فرغت أنبوبته للتو تجبره مرات متتالية أن يكتب شيئاً،  ينظر إليّ يائسًا

    امرأة تشبهني- كراحة يدي- تتكور أيضًا مع ساقيه الطويلتين 

    في الصندوق الخشبي المغطى برائحة المانجو الذي لم يتذوقه.

    شريط أبيض بلا صوت، 

    بلا حركة، 

    بلا ذاكرة.


    (2)

    استيقظ في الثامنة أقفُ قبالة  باب دوّار يأخذني إليه برفق، 

    يتلاشى  صوت أمي  كأنه لم يكن.

    حين يعود في الظهيرة، 

    يتخلى عن قميصه المُبلل بعرق المحاولة،

    يُريني عضلة تبرز على استحياء أعلى ساعده،

    كنتُ أتشبث بها، 

    وبه،

    أصنع منها أرجوحة كي أرفس العالم كعادتي ضاحكة !

    بعد سبعة عشر عاماً أو أكثر، 

    كانت عضلة ساعده البارزة هي انتصاره الأخير، 

    محاولته المتهكمة لمعاودة الرغبة في الحياة،

    قبل أن يكور ساقيه الطويلتين في صندوق خشبي، 

    مغطى بالقماش الأخضر، 

    يتجه وحيداً نحو حافته.


    (3)

    أتوسل إلى الأحجار العالقة بروحي كلّ صباح، 

    أن تعود إلى موطنها في حديقة منزلي حيث تنتمي.

    أمضغ مئة كتاب عن كيفية الزراعة وتجاوز الفقد،

    أود أن أزرعك  في مواسمٍ لا نهاية لها.

    أستيقظ صبيحة كل يوم، 

    أدعو أن تُنبت في شرفتي يومًا ما.

    يخبرني المتمرسون في مواسم الرحيل 

    أنّي لن أستطيع معك صبرا،

    كي أعيد انباتك يتوجب علىّ أن أدفنك بطريقة ما، 

    أبحث عن أرض تُحبك

    تمنحك ذراعيها بلا قيدٍ، 

    بلا غيابٍ مُحتمل،

     بلا وعدٍ ينكسر.

    في رأسي، 

    أُعيد إليك الحياة في اليوم ألف مرة

    لم تمتلك يوماً هاتفاً خُلوياً، 

    غير أني أهاتفك بلا انقطاع:

    أنشأتُ مشروعاً باللون الأخضر،

    أمضي في مسارات الكشف مُغمضة العينين،

    أحتفظ ببقايا صوتك في ملف إلكتروني أخشى أن أفقده إن انقطع التيار الكهربائي!

    غادرتُ خوفي القديم من الغرق، 

    لا زلت أتذوق المحبة على مهل.

    ينقطع الخط.

    عاجزة أن أفلت يدك كي يغادر أحدنا الآخر،

    محاولات انباتك في شرفة المنزل باءت بالفشل!

    احتفظ بك أسفل وسادتي كسنٍ لن تبصره الشمس الشموسة،

    لن ينبُت 

    سيبقى فراغ أعلى اللثة

    ليذكرني بما فقدت

    وأني أمارس فعل الحياة بقسوة كيلا يبتلعني الغياب.

    الندبة الموشومة بأعلى الكتف تمسك بي بكلتا ذراعيها

    تنهرني  كيلا أتوقف عن المحاولة.


    (4)

    أحدق بثقبٍ  يتسع داخلي،

    يعج بكتيبة نملٍ تمشي بحوافٍ مدببة فوق جلدٍ يحترق،

    ثمة صقيع يُجمّد أطرافي الأربعة كصليبٍ دُق للتوّ على الناصية.

    تتخدر حواسي بالكلية

    بلا أدنى مقاومة،

    أهمس:

    من غير العدل أن يحدث كل ذلك،

    غير أن كل ذلك قد حدث بالفعل.

    أحدنا مات مرتين، 

    كيف السبيل للملمة الخسارة!

    أغفر لك!


    (5)

    البيت مُعتم، 

    لا رائحة طعام يُطهى أو مائدة تُعد، 

    لا صوت طمأنينةٍ يُخفف وطأة جُدرانٍ إسمنتية بُنيت على عجل. 

    ألقم مفاتيح البيت فم الباب الجائع، 

    أسير على أطراف أصابعي خشية أن أوقظ من سكنوا البيت في غيابي الممتد. 

    أسترخي على أريكة وضعتها أسفل شباكٍ يطل على ذاكرة الطفولة،  

    لا ستائر تحجب الرؤية. 

    البنايات الإسمنتية وحدها تراني. 

    أتحسس ضفيرتي البُنية التي أحببتها دومًا ممتدة نحو سرتي، 

    تستحيل إلى حبلٍ سًري يُعيدني في كل مرة إليك.


    (6)

    جدتي ذات السن الذهبي حين تبتسم، 

    تهب لي ثعبانها الذي يأكل ذيله، وتبتسم!

    خط يدك بالأزرق والأخضر” كل من عليها فان”،  

    فوق المقبرة 

    دليلًا أبديًا للتيه والحنين،  

    يقترب ببطء.

    أغمض عينيّ.

    العتمة تُغلف الزوايا الأربع لصندوقٍ خشبي، 

    مُغطى بقماش أخضر.

    يأتيني صوتٌ أعرفه: 

    “حديقتك أنبتت شجرتى ليمون غرائبيتين بحجم البرتقال!”

    ابتسم، 

    أوشك أن أخبر الصوت  أن تلكما ساقيك  الطويلتين 

    هاهما أنبتتا في البلد البعيد الذي أحببت، 

    لا أفعل.

    احتفظ بسرٍ صغير ينمو بيننا، 

    ابتسم

    تدق على النافذ حمامة رمادية، 

    تترك ريشة بيضاء توقيع محبة ممكنة.

    أفتح عينيّ ببطء.

    تفوح رائحة حليب طازج،

    أتحسس ثدييّ

    ينسل منهما سائل باللون الأخضر

    ثمة عينان تنظران لي بفرح

    يشب برأسه خارج الصندوق الخشبي،  

    أزاح القماش الأخضر بأسنان نبتت بخجل

    يشاكس الحمامة التي حطت على النافذة

    يكركر ضاحكًا بغنج.

    أُسميه “أنت”،

    نتعاهد أن نبني معًا ذاكرة جديدة، 

    ذاكرة للحب. 

    أليس الحب أن يصبح أحدنا ذاكرة الآخر؟


    (7)

    إليه.


    (8)

    الغريب:

    11 أغسطس 1944- 16 سبتمبر 2017


    (9)

    .


    *نص:  ريهام عزيز الدين

  • عشر دقائق لترتيب حجرة واحدة – فاطمة إحسان

    عشر دقائق لترتيب حجرة واحدة – فاطمة إحسان

    أكتب إليكِ من شرفة بيضاء صغيرة لبيت بحجرة واحدة، وسرير خشبي يتسع لأجساد أربع فتيات بحجمك، اخترتُ صوفا رمادية بجانب طويل للاستلقاء، زينتها بوسائد تحمل صوراً لأزهار ذائبة وعصفورين ملتصقين ينظر كل منهما في اتجاه بعيد، كما أضفتُ اليوم لوحة للأمير الصغير، ظله فيها يوازي ظل الزهرة التي ما يزال يحرس هشاشتها من ضراوة العالم.

    “نجمتي صغيرة للغاية، لا أستطيع أن أدلك عليها.. هذا أفضل، ستكون نجمتي بالنسبة إليك كسائر النجوم”.

    الأمير الصغير-أنطوان دو سانت أكزوبيري

    أظنني أوفيتُ بوعدٍ قديم دون أن أخطط لذلك حقا، بيتٌ صغير أنثوي التفاصيل كبيت الدمى، لهذا ما زلتُ حين أخرج للمشي ليلاً أترك الحجرة مضاءة، وستارة النافذة مواربة قليلاً، لأتأملها من الخارج بعينيكِ التين لا تصدّقان أي شيء. تنظرين إليّ من بعيد كما لو كنتُ دمية تتحرك في البيت، تُبقي خزانة ملابسها مفتوحة على الدوام، وحقائبها مبعثرة على الأرض، كما لو كانت متأهبة دوماً لقيامة محتملة. أحياناً يسقط ثوبٌ من مكانه على الكرسي المقابل للمرآة، ويظل في محله لأيام. ما الفارق الذي ستحدثه عودة الأشياء إلى أماكنها الصحيحة؟ أفكر وأنا ألقي بثوب إضافي على ظهر الكرسي نفسه. لسببٍ ما، لا يعود لهذا السؤال أي وزن وأنا على مقعد المعالج النفسي، يزدردني الظمأ لترتيب البعثرة الداخلية لهؤلاء الذين يعوّلون على ما سأقول، كما لو كانت أسطورة ساحرة في العصور الوسطى تتلبسني كلياً.

    “كان يكفي أن تكوني جميلة أكثر من اللازم، أو قبيحة أكثر من المعقول، غير متزوجة أو زوجة لم تنجب، أن تتصرفي بأي طريقة غير مألوفة، لكي تربطي على عمود، وتتركي لألسنة اللهب”.

    الساحرات ــ منى شوليه

    يذكرني بكِ بعض المرضى، كلنا مرضى، لكنني أعني أولئك الذين يشعرون بوجود عطبٍ يتعذر إصلاحه، ويظلون محرجين من الشكوى، من بقائهم عالقين في مزالق كان يمكن أن تكون عابرةً كسحابة صيف، لكنها ظلّت موشومة على شرودهم الطويل المتقطع، وهم يتذكرون تفصيلة صغيرة، لا يكترث بها عشاقهم المُتعَبون على الأرجح.  هم الذين أحبّوا كثيراً، بإسرافٍ شديد لا يتناسب مع استطاعتهم، وعادوا في آخر الليل إلى قصائد مسموعة عن الوحدة وتزجية الوقت، لكن أحداً سواهم لم يستمع إليها بعد كما ينبغي.

    تقول امرأة لا أنساها: أصرخ في نوبات غضبي أمام الرجل الذي أحب: لا أحد يحبني، وحين أُخبرها بأنها في تلك اللحظة توبّخ أباها الذي لم يحبها أبدًا، تبكي كمن يعي أنه كان بلا أب طوال عمره، رغم كل الدلائل التي تشير إلى وجوده.

    “ألمي الكبير هو أنك لم تعرفني أبداً ولم ترغب في معرفتي يوماً. وما زلت تراني امرأة خفيفة بأفكار حمقاء جاءتها من قراءة روايات حب وقصص في مجلة طهران المصورة. ليتني كنتُ هكذا، لاستطعتُ حينها أن أكون سعيدة”.

    ـــمن فروغ فرخزاد إلى والدها

    بالمناسبة، انتبهتُ جيداً إلى لحظة الصمت القصيرة تلك، وأنتِ تخبرين أباكِ عن انبهارك بقصة السمكتين لإبراهيم كلستان، كان واضحاً أنكِ تنتظرين منه أي إشارة باهتة للإعجاب بالقصة، ليس بك تحديداً لأن ذلك لم يعد في متناول اليد، كأن في تلك الإشارة طيفٌ بديل عن كل الجسور التي احترقت حبالها الواهنة منذ زمن بعيد. أقول لمرضاي بأننا نأنسُ بالبحث عن فُتات الحُب في كومة هائلة من القش، لأن هذا أقصى ما منحنا إياه الآباء الذين أداروا لنا ظهورهم قبل أن نتعلم المشي باتزان، أو دفعونا بقسوة عن الجرف الذي لم نعرف أبدًا ما الذي ينتظرنا تحته، هكذا تولدت شُبهة التمييز بين الغياب والحُب، بين وجوهنا المحايدة في المرآة وعيون الآخرين التي تضيق بمكر مقصود لتتوسع حدقاتنا، في محاولة لتأويل التماعاتها الغامضة. هكذا نتعلم نسج الأعذار ونحن نتسول المحبة من أولئك الذين تركونا في منتصف البحر، بعيونٍ غارقة بالتوّسل، أولئك الذين حين عادوا لإنقاذنا، كانت عيوننا قد جفّت مثل حفنة أسماكٍ ميتة على الشاطئ.

    “كان البحر بداخلي
    البحر من حولي ٌإلى الأبد
    أي بحر؟ هذا ما كنت غير قادر على تحديده”.

    -هنري ميشو

    صورتكِ في الخامسة معلقة على الجدار المقابل للوحة الأمير الصغير، والنظرة الجانبية الحزينة لعيني ايغون تشيله الكبيرتين. تبدو نظرتكِ في الصورة متوقدة وماكرة، لكنك على الأرجح كنتِ تفكرين سراً: ما شكل الابتسامة التي ينبغي أن تبدو على وجهي في هذه اللحظة؟ خافتة، عريضة بشفتين مطبقتين أو بأسنان ظاهرة؟  هكذا تشكّلتْ في نهاية الأمر، مزيجاً من البراءة الفجّة والافتعال الساخر دون قصد.

    بعد ذلك ظلت إيماءاتك إما مبالغاً فيها، أو غائبة كلياً؛ ميزانٌ مكسور  لكنه يقدّم كسره كمصافحة أولى، تُقبل أو تُرفض فوراً دون كثير من التفاوض، هذا على الأقل ما تقوله الارتجافات اللحظية لشفتيكِ قبل تشغيل كاميرا التلفزيون. لا يخفي الماكياج أي شيء يتعلق بتعابير كهذه، تماماً مثلما يبقى صوتكِ منفلتاً من حسم الإيقاع المنضبط. هل حدث ذلك كله بعدما قلّمت الوحدة أظافركِ كلها؟ أم أن الوحدة محصلة حتمية لكل هذه النشازات الصارخة؟

    لا أدري أهي الحياة قليلة
    أم أكثر مما ينبغي بالنسبة إلي؟
    لا أدري أبالكثرة أحسُّ أم بالقلة؟

    -فرناندو بيسوا

    ثمة تشخيصٌ سيكومتري لقصور الانتباه وفرط الحركة، قصور الذكاء العام، وحِدية المزاج، أفترض إذن أن هنالك من سيتوصل يوماً إلى تسمية لقصور الحيلة، أعني تحديداً تلك الحالة التي تشبه حالة الاعتراف لقسّ، عندما يطلب منكِ أحدهم أيّ تبرير. يبدو الالتفاف على الحقيقة مُرهقاً، لاسيما لكائن متململ مثلك. لا يبدو أنكِ تفهمين حقاً كيف يبتكر حتى أصغر الأطفال أكاذيبهم اليومية، أو تعالي البالغين على تعابير الامتعاض والرغبة الجارفة في ركل مديريهم في العمل على مؤخراتهم المترهلة. لكن هذا هو “الامتثال” الذي لم تتقنيه أبداً، ولا حتى في تنفيذ وصفة معكرونة بحذافيرها. يبهجني أني توصلت لهذا التعبير عبر قراءة المسافر ونور القمر لأنتل سرب، وأن لهذه الحالة تسمية غير موجزة، تنفذ إلى تحت الجلد بتأنٍّ مقصود، كجريمة قتل مُدبّرة.

    “أمقتُ البشر الذين يصلون إلى نتائج عملية من الحقائق العلمية، الذين “ينقلون العلم إلى الحياة” كالمهندسين الذين يفبركون أدوية قاتلة للبعوض من مواضيع الكيمياء الرعناء. الأمر معكوس تماماً كما قال غوته: “كل حياة رمادية وخضراء هي الشجرة الذهبية للنظرية”.

    المسافر ونور القمر- أنتل سرب

    وعدتُ كثيراً من الأطباء والمعلمين بأني سأخصص خمس دقائق يومياً للمِران على عادات جديدة؛ تمارين الإطالة لتخفيف آلام الظهر، تمارين التنفس لتقترب طبقة صوتي من القرار، تمارين النظريات النفسية الحديثة لتصل إلى مُراجعتي ذات السبعة عشر ربيعاً فكرة الاتصال بين الجسد والشعور، أضيفي إليها تمارين اليقظة الذهنية لأتذكر بأن اللحظة الحاضرة هي كل ما أملك، وأن ما مضى وسيأتي، سرابٌ يسلبني صوابي. إلا أن ذلك كله كثير حقاً. حتى عندما جربتُ طريقة جديدة لوضع أحمر الخدود، فوجئت في نهاية اليوم بأنه مرسوم بخطوط حادّة ومكشوفة، توحي بقلة الجهد في مُحاولة دمج اللون وتصحيحه مثلما تفعل امرأة بمزاج رائق. في لحظات كهذه فقط أحسّ بأن عليّ أن أعذر أولئك الذين يلقون باللوم على كل الأسباب الخارجية لعثراتهم الفاقعة، وينتظرون مُخلّصاً ينتزعهم من أنفسهم دون أي جهد يُذكر.

    “جرب مرة أخرى
    أن يرتقي الدرج الكبير.
    لم يستمر.
    نزل من جديد
    متكئاً على تعبه”.

    -يانيس ريتسوس

    وعدتكِ أن أتوقف عن إقفال صندوق الأحكام عليكِ، وها أنذا أخفق مجدداً مثل من لم ينجح أبداً في سد أي باب. لا أعرف كيف يمكن للعالم أن يكون مكاناً آمناً حقاً، لكنني على الأقل أحاول الميل باتجاهك كلما استطعت. أحاول مثلاً أن أنصت لثرثرتكِ الليلية الخارجة عن السياق مثلما أنصت لوحيدٍ يقرر أن يشاركني كتاباته التي يحبها رغم رداءتها الواضحة، وأن أهدهد شعوري بالعار عندما تخطئين كل مرة في اختيار الطرق الأقصر لوجهاتك اليومية في مسقط، ويُلقي الجميع نكاتاً جارحة حول ذلك. حدث هذا في وقتٍ متأخر جداً، لكنه كل ما أريد.

    لهذا  على الأرجح سأكون بانتظارك الليلة، ربما نُخصص عشر دقائق لترتيب المكان الجديد معاً، حتى لو آلمكِ عدم وجود مناص من الفوضى، ربما نقرأ ترجمة رديئة لكفافيس للمرة المئة، ونُعيد الاستماع لواحدة من أشهر أغنيات فيروز دون أن نتوقف كثيراً عند المقطع الذي تقول فيه: واللي ذكر كل الناس بالآخر ذكرني.


    *نص: فاطمة إحسان

  • لوسيفر (حَامِلُ النُّور) – ميهاي إيمينِسكو – ترجمة: محمد السعيد

    لوسيفر (حَامِلُ النُّور) – ميهاي إيمينِسكو – ترجمة: محمد السعيد

    إلى عبير… التي سمّتني كلَّ الرِّفقة.
    *المترجم


    ذات زمانٍ تغنّى فيه الشعراء بحكايات رفيعة مزدانة، عاشت غادة حسناء، أنجلها الملوك النبلاء. وحيدةَ الأبوَين، نعمةً لذويها، صبيحة الحسن، يكاد الخيال يذوي من بهائها،كأنها أمّ النّجوم الشّوابك، أو مريمُ العذراء بين القدّيسين. في كلّ ظلمةِ سَحَر، تقودها خطواتها عبر أقبية القلعة إلى شرفةٍ يشرق عليها لوسيفر. رنت بصرها إلى أبحر بعيدة لتسترق نظرةً لإصباحه على السفن التائهة في ذلك الخضمّ. تشرّبتْ نورَه حتى أسكرتها الرغبة، أما هو أبصرها في كلّ لياليه المدلهمّة حتى نالتِ القلب. مُسبلةً رأسها ومتكئةً على إطار النافذة، جواها حبٌّ وملأ قلبها حنينٌ دفين. وهو، مشعًّا كالشرارة، أنار بعزمٍ ملتهبٍ جثمان القلعةِ المظلمة العظيمة التي تطلع منها. 


    في ليلةٍ ملأى بأشعّته المنثالة، اجتاح خدرَها، كأنما أطبق عليها ضباب فضّي غريب. وقتما ران الكرى في عينيها، أودع يديها على صدرها، وأطبق عينيها الوديعتَين. في مرآتها، انعكست صورتها مشرئبَّةً شعاعًا دافئًا، على نحرها ووجهها الملتفّ. بسمةٌ ارتسمت على شفتَيها، إذ تخلخل نوره الدافق إلى منامها، محتضنًا  روحها. في سَورة النّوم، همست في زفراتها الحرّى: «هلمّ إليّ أيها الحبيب، يا أمير السماوات الحِسان. أدركني أيا لوسيفر البهيّ، يا فتنتي، وأفِض خدري ومهجتي بعذبِ نورِك!»، وأشعّ لوسيفر كالشّمس لما سمع من عذبِ صوتِها ، ثمّ غاص في المحيط كمذنّب. وأينما خفتت شرارته، تموّر البحر وهاج حتى بزغ من العُباب الأزرق شابٌّ صبوح. تنزَّى من على الموجة العبوس، ونفذ إليها بحنانٍ، مُمسكًا صولجانَ معرّشًا. أميرٌ رفيع بشعرٍ من الذّهب، تكسوه عباءة من البنفسجْ. عيناه نجمتان. خدّاه أبيض من الموت. إنه الموتُ لو كان جسدًا. شابٌّ أنجبه اللّيلْ. 


     «أتيتُ من الكواكب البعيدة، وما أهولَ السّفر. أبي قبّةُ العالم، وأمّي المحيط. تركتُ سلطاني لطاعةِ أمانيك، وأنا وليدُ الهوّةِ والسماء، أقفُ أمامكِ، فتعالي إليّ يا نجيبة المحتد، واطرحي عنكِ العالمَ؛ فلوسيفر حطّ على الأرضِ كي تكوني عروسهُ، ولْتعيشي حتى يفنى الزمان في قلاعِ السّماء، ولْتملكي كلّ الأسماك وكلّ طائرٍ يطير.». 

    «يا لحسنك يا سيّدي، فأنتَ أميرٌ ملاك. لكن لن أُسلِمكَ القدر. غريبٌ سماع صوتِك ورؤيةُ محيّاك، أنا حيّة ولكنّكَ ميت؛ عيناك جمرتان تملآن روحيَ رعبًا.».


    مضى يومٌ فَيَومان، ثمّ أنار لوسيفر القلعةَ الظّلماء بنورِه البرّاق. بثَّ نورَه الفريد في أحلامها، فمزّقَ قلبها بحبٍّ مُوجعٍ وحنينٍ ممضّ.

    «هلمّ إليّ أيها الحبيب، يا أمير السماوات الحِسان. أدركني أيا لوسيفر البهيّ، يا فتنتي، وأفِض خدري ومهجتي بعذبِ نورِك!».

    حينَ سمِع أنينَها، اختفى مكلومًا، والتمع البرق واهتزم الرّعد، وأمطرت السماء شعاعًا سيّالًا، فنبع من ذلك السّيل وجهُ إنسان. على الرأس خصلات سفعاء، متوَّجةٌ باللّهب، ومن ذلك الهواء المُشمِس، أتى محقَّقًا. ذراعاه رخام، أسفرت عنهما عباءةُ غربان، طَلْعَته حزينة، وحاجباه الشُحوب. عيناه اللّامعتان أوحَتا بغريبِ الوحوش، وفي بؤرتَيهِما المُقمرتَين سِحرُ الغدران المضاءة بالقَمَر.

    «أتيتُ من الكواكب البعيدة، وما أهولَ السّفر. أبي توّجَهُ أبولو، وأمّي ابنَةُ اللّيل. تركتُ سلطاني لطاعةِ أمانيك، وأنا وليدُ الهوّةِ والسماء، أقفُ أمامكِ، فتعالي إليّ يا نجيبة المحتد، واطرحي عنكِ العالمَ؛ فلوسيفر حطّ على الأرضِ كي تكوني عروسه. طوقُ النّجوم زينةُ شعرِكِ، وستُشرقِين بين الكواكب فخرًا وعزًّا.».

    «يا لحسنكَ يا سيّدي، فأنتَ أميرٌ.. هَلاك. لكن لن أُسلِمكَ القدر. جُرحٌ أنتَ بفظِّ منطوقِك؛ أخافُ مما ظانٌّ أنّك تراه؛ كأنّ عينَيك ممسوستان، إذ تخلُبان روحي.».

    «لِمَ نادَيتنِي إليكِ؟ أأنا كاذب؟ فأيّامي أبد وأيّامك لَحَدْ.».

    «لساني خبط عشواء وكلامي انتشار، ومع لغتك البشريّة، حديثك غريب. لكن إن أردتَ إثبات ذاتِك وتزوُّجي، فتعالَ إلى الأرض، ولْتُصبح فانٍ».

    «ساومتِ حياتي الأبديّة من أجل قبلة، بلى، سأُريكِ حُبّي وعميقَ حنيني. سأتخلّى عن حقّي الطّبيعي وأُولدَ من الخطيئة، أنا الذي أُطارحُ الزّمان، سأفكّ تلك العقدة الكبرى».

    فوثَبَ بعيدًا إلى حيث تطفو غيمةٌ من لؤلؤ ليتنازل عن حقّه الطّبيعي  فداءً لفتاةٍ فانية.


    قُضِيَ أنّ كاتالين الشابّ، مِرسالَ البيت، بهلوانٌ يملأ الكؤوس ويُدير الرؤوس في المآدب والمُصاخبات؛ مرسالًا يحملُ طرفَ رداء المَلِكَة، ذا نسبٍ وضيع، قويَّ الشّزَر، أحمرَ الوجنتَين حُمرةَ الرّمان، لَعوبًا، بارِقَ العينَين، حثيثَ الخطو خفيفَه بجانب كاتالينا. أيا عروسَ الحبّ، أليس حُلوًا؟ فلتمضِ يا كاتالين ولْترمِ سهمَك، لعلّه لا يطِيشْ. وإذ به طوّق خصرَها وربط يدَيه لكسب ودّها.

    «إليكَ عنّي يا خائب، فما أنتَ صانع؟»

    «إنّ روحَ الحزن ترفرف على قسماتكِ، ظننتُ أن أهدِّئ روع قلبِك، لكن أكرميني بالالتفات والابتسام وتقبيل خادمك ولو مرّةً.. مرّة!».

    «لا أعلمُ نواياك، فاغرب عنّي أيها الصّفيق. يا للبؤس! إن تلهّفي لتلك النجمة هو قبري»

    «إن لم تعرفي، ستتعلمين كيف يبسطُ الحبّ راحتَيه، لا تشيحي بوجهك عن تعاليمي، فلتصغي إليّ ولتهتدي. كما يلقي الصيّاد شبكتَه التي تقلقُ الطيورُ راحتَها، حينما أحيطكِ بذراعي، كوني لباسًا لي. عيناكِ تلتمعان في صحوِ عينيّ، لا بعيدتان ولا قريبتان، وحينما أرفع خصرَكِ بحنان، أعلِي كاحلَيكِ. عندما أُدني وجهي، أعلِي وجهَكِ، فنغرق في نظرات متلهّفةٍ عذبةٍ أمدَ الدهر. ولمعرفة نعماء الحبّ، عند التظاء شفاهنا، أقبلِي ونوّليني.»


    مشدوهةً خجلى لما قاله الشاب، احمرّت وجنتاها وأشاحتْ عينَيها راغبِةً راهِبة.

    «مهذارًا ثرثارًا منذ صغرِكَ، إلا أنني شعرتُ بنغمٍ بيننا»

    لكنّ شُعلةَ لوسيفر البطيئة المُبحرة برقَتْ من البحر على الأفق. آهٍ يا أمير الأبدية.

    وهنا قلبي التَّعِس ينزف دمًا، وبالدمع الهتون تخيبُ مقلتاي حين أرى فَلَكَ البحر يصبو إليه، مشعًّا بحنان، غاشيًا حزني، سابحًا في العلياء حيث لا بشرْ. أشعّته الرمادية المنثالة تخرِقُ الأكوان ولا فضاء يُثنيها! أحبّه إلى أنْ أموتَ لكن يا لِبعده فلا يدَ تصِله. يا لصحراءِ أيّامي وطولِ ليلي!

    «يا لطيفةَ المنطوق. هيّا! هيّا، فلنهربْ، وندعَ العالم يضيعُ خلفنا ولا يهتدون. ولا نندم على ما فات، بل نعيشُ ربيعَ أيّامنا، فتنسين والدَيك ومُناكِ وحُنوَّ الأحلام».

    هبَّ لوسيفر، وفَرَدَ جناحَيه غطاءً للسماء، وطوى مليون سنةٍ في لحظة. سماءُ نجومٍ تعلوه، سماءُ نجومٍ تدنوه، وهو يخبطُ تائهًا كسيلٍ من البرق. وإذ به يدرك وراءَ أستار الليل البهيم ينبوعًا من النور، سابحًا فيما يشبه ليلَ العدمِ الأخير نحو الخواءِ، مدفوعًا بحنين مهجته.


    لم يصل إلى مرامِه ولا إلى نظرِ عينَيه بعد؛ إلى ذلك المكان حيث نُزع الزمان قسرًا من الأبدية. فلا شيء حوله، ولكن يمضّه حنينٌ غريب، حنينٌ لا أبد له ولا أمد، عميقٌ كهوّةٍ عمياء.

    «أبتاه ربّي، حرّرني من أمانتي السماويّة، تباركتْ سماؤك وأرضك. ما تطلبُه منّي موفّى، هبْني قدرًا جديدًا، فأنت للحياة المَعين، وللموتِ الهامدِ الوِرد. فلتسلبني ملائكيّتي وقدسيّتي، ولتُنظرني عوضَهما ساعةً من الحبّ البشريّ. من رحِم الفوضى خرجتُ وإليها أعود، ومن الظلمةِ البهيمة وُلدتُ وإليها القرار.»

    «هيبيريون، يا بنيّ المقدّس، لا ترمي بحقّك، ولا تنتظر المعجزات والإشارات التي لا اسم لها ولا منطق. تتمنّى أن تصير إنسانًا وتعيش. لكنّ البشر في لحظة يموتون، وكلّ يومٍ يولدون. يبنون على الرّيح أفكارًا عمياء خاوية؛ هم كالموجِ يُمدَّون إلى القبور ويخلفهم موجٌ جديد. حتّم عليهم القدر، يا نجميَ الرّفيع، حبَّ المال، أما نحنُ لا نعي زمانًا ولا مكانًا ولا موتًا.»


    «منذ الأزل وإلى الأبد، وراء كلّ شمسٍ شمسٌ جديدة. فالحياةُ والموتُ سيّان، كلاهما يُعطيان معنىً للآخر.»

    «لكنّك يا هيبيريون لا تتقهقر، يا معجزة معجزات اللّيل. السماءُ بيتُك، يا لغز الزمان. ما الخيال الذي يسكنُك، ما الحلم الذي يؤنّبك؟ امضِ إلى الأرض، فتجد ما تُمنِّيه.»

    فانطلقَ هيبيريون إلى اللّيل الذي طالما أشرق عليه وأنار. أدرك المساء حينما تجثي دُكنةُ اللّيل ويقبل القمر بنوره البارد، النورِ الذي يُرعشُ الماء ويملأ أغباش الغابات بشفيفِ الضوء، حيثما تشاركا حبيبان وحدتَيهما تحت الشّجر.

    «آه. لتُعطِني حبًّا، أغفو به على صدرِ الحبيب في سحرِ عينَيه غفوةَ نعيمٍ وعبير. يغطيّنا نور اللهفة والفتنة، وأفِض روحي بعذوبة اللّيل في زمانٍ رقيق أبديّ. آه. فلتُبِد وحشتي ولوعتي، فلأنتَ أوّل الحب ولآخر الأماني.»


    تطلّع هيبيريون إليهما وعرفَ ذلك اللّهيب الذي حرّق روحَيهما، ودنى الصبيّ منها فطوّقته لصدرها. تطايرت بِرِقّةٍ بتلاتٌ في الهواء، شابّان جميلان محمومان بخصلاتِ ذهب. هي تاهت في فكرِها ورنت إلى السماء، فأبصرت نور لوسيفر، وزفرت:

    «أدركني أيا لوسيفر البهيّ، يا فتنتي، وأفِض خدري ومهجتي بعذبِ نورِك!»

    ولوسيفر، وحيدًا في الفضاء، سمع تلك الزفرات التي زلزت كوكبًا مطلًّا على البحر، لكنه ليس كذي قبل، فنحَبَ ملء القلب:

    «ما همّكِ، يا ابنةَ الطين، إن كنتُ أو كان؟ فالأرض هي الأرض، والحظّ يدركُ من يريد. أما أنا سأسودُ في سلطاني.. جامدًا ميّتًا».


    *شاعر رومانيا الأكبر: ميهاي إيمينِسكو

    *ترجمها عن الإنجليزية: محمد السعيد

    *مراجعة وتدقيق: موزة العبدولي


    المصادر:

    https://www.gabrielditu.com/eminescu/lucifer.asp
    https://allpoetry.com/Evening-Star-_AKA-Lucifer

  • كتفاكَ تحملان العالم – كارلوس د. دي أندراده – ترجمة: سركون بولص

    كتفاكَ تحملان العالم – كارلوس د. دي أندراده – ترجمة: سركون بولص

    يأتي وقتٌ لا تستطيع فيه بعد أن تقول : إلهي.

    وقتٌ للتصفية الكَاملة.

    وقت لا تستطيع فيه بعد أن تقول : يا حُبي.

    لأنَّ الحب بَرهَن أنَّه لا يُفيد.

    والعينان لا تَبكيان

    واليدان تَقومَان بالأعمالِ الخَشِنة فقط.

    والقلبُ يابس.


    عبثاً تَطرقُ النساء على بابكَ، لن تَفتح لهُن.

    تبقى وحدكَ، نُوركَ مُطفأٌ، وعيناكَ

    الهائلتان تَشعَّانِ في الظَّلام.

    من الواضح أنَّكَ لم تَعد تعرف كيف تَتَألَّم.

    ولا تريد شيئاً من أصدقائكَ.


    ماذا يهم إذا جاءت الشَّيخوخة، ما هي الشَّيخوخة؟

    كتفاكَ تحملان العالم

    وهو أخفُّ من كفِّ طفلِ.

    الحروب، المجاعات، شجار العوائل داخل البنايات

    تثبتُ فقط أنَّ الحياة تستمرّ

    ولا أحد سيكون حُرَّاً.


    البعض (أولئك المرهفون بيننا) سيقررون أنَّ

    المشهد قاسٍ

    ويفضّلون الموت.

    يأتي وقتٌ عندما يعجز الموت أن يُقدم المَعونة.

    يأتي وقتٌ عندما تكون الحياة أمراً.

    الحياةُ وحسب، لا مفر.


    *نص: كارلوس د. دي أندراده
    *ترجمة: سركون بولص

  • واقع الحال – دوريان لوكس – ترجمة: سامر أبو هواش

    واقع الحال – دوريان لوكس – ترجمة: سامر أبو هواش

    حبيبي يكره التكنولوجيا
    ويكره اضطراره إلى استعمالها: الهاتف
    والمايكروفيلم، مكيف الهواء وراديو السيارة،
     وبالطبع إرسال فاكس من وقت لآخر.
     يتمنى لو أنّه يُعيش في العالم القديم،
    يَجلس مثلاً على جذع شجرة ناحتاً ملقط غسيل أو ملعقة.
    يُحلم لو كان خيطاً في جيب جده الأكبر،
    لو يُولد من جديد حاجاً أو فلاحاً يعزق الأرض.
     حبيبي يذهب من وقتٍ لآخر
     في نُزهة إلى التلال وراء منزله،
     تُرافقه کلابه مثل سفن بخارية بطيئة.
    يفرح هناك بهبوط الشمس البطيء البسيط،
    وبالآلية المعقدة لجسدهِ الخاص.

    وكنتُ سأحبه في أيّ حُقبة، في أيّ عَصرٍ مُظلم.
    كنتُ أخذته إلى الغروب وطرحته هناك،
    ومسَّدتُ شعره وجعلته يَجثو على ركبتيه.
     لكن كما هو واقع الحال اليوم، في نهاية القرن العشرين،
    ها أنا جالسة على كرسي المطبخ
    أضعُ المفاتيح في حُجري،
    وأضغطُ على الزرّ الأسود في المُجيب الآلي
    مصغية مرَّة بعد مرَّة إلى رُسالته.
     صوته يأتيني عبر الشريط الممتدّ خارج نافذتي
    حيث تَجثم عَصافير وتُحملق إلى الشارع في الأسفل،
    وأفكر أنَّني حتّى في المُستقبل البَعيد، وفي الكون الأبعد،
    كنتُ سأميّز صوتَه الواهِن
    كضوءِ نَجمةٍ صَغيرةٍ مَجهولةٍ.


    *نص: دوريان لوكس
    *ترجمة: سامر أبو هواش