ربما أعبرُ البحر والبحرُ بحيرةٌ زرقاء، البحر شارعٌ أو نهرٌ.. البحرُ طريق. ربما أغادر، في مساء هادئ أو في أول النهار والأمل يلمع في منزلي شعاعَ نورٍ على حائط، أو غيمة من شتاء الأمس تُركت على الكرسيّ، مضاءةً أو رأس غزال معلق في الردهة..
ربما أبدأ مرة أخرى، سوف أخرج من النهر هذه المرة هادئًا وبسيطًا، والساحرات يتركن جرابهن عندي، مملوءة ذهبًا.. والذهب فراغٌ، مرايا تعكس الجرح المُخبأ.
هل نحرق القوارب أولًا.. كي لا نعود؟ ونسمي أبناءنا بأسماء أشياء نراها زهرٌ أبيض وردٌ ينمو أمام أعيننا هل ندفن الذكرى؟ وننحر الخيل المقابِلَ حين يتبعنا أهلنا؟
نحن متنا خلال النهار وغنّى في جنائزنا رجال طيبون يخبئون الله في الأدراج تعويذةً زرقاءَ وكلامًا قديمًا.
نحن متنا في طفولتنا أنا حضرت عاريًا، وضعوني في ملاءة بيضاء وودعوني وداعًا خفيفًا لا أذكر الأشياء واللغة، وصورةُ البيت ذابت، ملحًا على حجرٍ مبللٍ..
لكني أشعرُ بالدفء.. ربما كان بيتُنا دافئًا، أمي تلفُّ يديها حول النار وتهمسُ لها.. والنارُ تُخرجُ من طفولتها، زهرةً حمراء.
نحن متنا في طفولتنا ورمينا أسماءنا الطويلة في هدير السيل لم ينج أحد من غيابنا أنا غبتُ عن أحدٍ غاب عنّي رجلٌ من الصحراء يتعبُه الثلجُ والمنفى في روما.. هل أغلقتَ -مثلي- الباب على جرحك؟ ودسستَ تحتَ الباب منشفةً تجففُ الدَّمَ حين يخرجُ حارًا ورطبًا؟
غفرتُ لوالدي ورأيت طفولتي غزالة منحورة في حجرة البيت.. فهل غفرتَ لوالدك؟ وعلقتَ رأس غزال، أملًا ذهبيًا يلمع في الردهة؟ أنا غفرتُ لك.. وقلتُ: يتعبه الثلج والمنفى في روما.
هذا هو البيت وحداثة الأقفال هدهدة الزمن لطفل كبر في غيابك.. ماذا سأفعل إذن؟ سأبيت في المنفى، أيلًا تائهًا، وأحيا سهوًا!
سأرحل أنا أيضًا فهم قد ماتوا قبلي لاموا المنائر والبلاد.. وغنوا حول النار ودفنوا مفاتيحهم القديمة في الطين، وماتوا.. جرائر من طين، وشموسًا من طين وبكاءً من طين.. هم قد رحلوا.. منحازين إلى التيه وسمعوا خبرًا قديمًا عن تيه الإله.. وتاهوا. وعن ندم الإله، وندموا.. وعادوا شيوخًا طيبين للبيت وللأطفال الذين كبروا في الغيابِ فأعادوا طلاء المنازل وغيروا الأقفال.
عنّي أنا تغيب؟ لا… قلتُ، سأعبر البحر أيضًا. سأبدأ مرة أخرى.. واضحًا وبسيطًا. أتوب عن هزائمَ قديمة، وجراحٍ قديمة أقرع كأسي، كأس الوحيد، بحجر. وأقول لجرح في المخيلة: تشبه شخصًا أعرفه، وحيدًا ومنفيًا في روما.. أقول لجرح في المخيلة: لا.. ربما كان حلمًا.
العجائزُ فرغنَ من عملهنَّ القائمِ على تنظيفِ الميت، وسدِّ فُوهةِ مؤخرته بالقطن الجاف كي لا يخرجَ شيءٌ ما يفسدُ الجنازة.
خرجنَ من الغرفةِ المتوسطةِ، وهن يحملن أوعية البلاستيك التي يتأرجحُ فيها ماءُ الصابون العطن.
حرارةُ الجسدِ المسجى في السابعةِ مساءً من ديسمبر 2024 مساويةٌ تمامًا لدرجةِ حرارة الغرفة، وهذا يعني موته. أن تُصبحَ أشبهَ بالحديدِ والخشبِ وقماشِ الأرائكِ ومقابضِ الأبواب، حين يركدُ الدمُ الذي تحرَّكَ دومًا في جسدك لسبع وستين عام.
أشياءٌ أخرى حصلت لبعض الموتى مؤخرًا، مثل اللون الأصفر المخاطي المتجانس الذي انسدلَ على الوجه والجسد، والشعرِ الذي أصبحَ أشبه بخيوطِ صُنعية، فبات الرأسُ كأنه رؤوس الدمى..
لا يمكن للميت الآن إلا أن يتماهى مع بلاطة القبر المستطيلة الرخامية التي يضعونها فوق جسده، (وكأنه عائدٌ للحياةِ مجددًا في نومهم، أو لدى انتهاء المراسم، وهم يمنعونه عن ذلك الفعل المتمرد).
لا أعلمُ كيف ماتَ هذا الرجل في بيتنا، هكذا فجأةً، ودون أن ندعوه لزيارتنا، لكن امتلاء البيت بالزوار أحدثَ خللاً عامًا في البيت، مكَّنني من التسلل خارجًا إلى بيت صديقي.
حين أزورُ فرات؛ يفتحُ البابَ ويضمني قائلاً بأنني موجةُ بحرٍ في أغسطس. لم أرتجف حقًا يومًا حين كان يخلعُ عني ثيابي.. كان يصعدُ ويهبطُ فوق جسدي بانتظامٍ مثل الأنفاس، والبطانيةُ الحمراءُ فوق كتفيه، تجعله مضحكًا بعض الشيء…
قبلاتي حارة ، ولعابي حلو مثل ماء..
يبحث أيضًا عن المزيد بين ساقيَّ، ويخرجه إلى عالم الصقيع بأصبُعِه الوسطى مثل بطانة.. أفكر أن حرارة جسدينا وحدَها تفصلنا عن موتنا، أنا وهو في هذه الليلة القارسة دون محروقات!
التفكير بالأشياءِ الجامدة يغيبني للحظاتٍ قبلَ أن أجدَ يده فوق الحلمة.. في الحادية عشر صباحًا تقريبًا نستيقظُ معًا وكأننا ننجو.
أشعةُ الشمس تغمرنا من الشباك، لكنه لا يزال منشغلاً بي وكأنني ربّة، وقد فات وقت الجنازة!
أرى على وجنة تلك الأرض احمرار، وخجلٌ في ملامِح حقولها المخضرَّة، فاستَدْللتُ من مُخافتة الاشجار آنذاك أنكَ عبرتَ من هُنا، و سقطت منك سهوًا خطوةٌ صغيرة خبَّأتها منابِت الزَّهر في باطِنها، لكي تستَرِق منها بضعُ أخبار عنك
علّ الخطوات تنطقُ يومًا، بآمالٍ وإن كانت زائفة.
« مشهَد »
أسترِقُ من ضفافِ النوافذ أحاديثَ الحوائط
و آخر أخبار دقائقُ السّاعة
و إيقاعات المُوسيقى التي يكررها المذياعُ كلّ صباح
وخطواتُ الرَّيح عبر رقصات السَّتائر،
أتأمل هذا المنزل
أترُك خلسة نظرة بريئة
علّها تجدُ جوابٌ صغير عن حال الأسرة السَّاكنة هُناك
تبدو الذاكرة كائناً شبحياً نقاوم بها ثقل الأيام ومتاعبها، تارةً تظهر كشاشة سينما داخلية كالمخلص الذي يرمم جروحنا، وتارة تصف لنا روشتة أقراص تضع فيها ضحكات من نحب وهمساتهم نتناولها سراً عندما نصاب بوعكة، وتارة تُلبسنا جناح طير تحمل معها أجمل اللحظات لنرتفع عن متاعبنا.
أمتهن حرفة بناء الذكريات بمهارة وإتقان مع جميع أحبائي، بما في ذلك الأماكن والطبيعة التي أعتبرها كائنات حسية تألفني وأألفها، وأعزي تلك المهارة لقدرتي على التنقل معهم بخفة من حاسة لأخرى.
وفقاً للأبحاث التي أجراها مايك ويكينج، 62% من الذكريات المؤثرة التي تم استرجاعها كانت متعددة الحواس، فكلما زادت قدرتنا على استخدام حواسنا بشكل متعدد، زادت فرصتنا في الاحتفاظ بالذاكرة واستدعاؤها في المستقبل. لذلك عند رغبتي في تثبيت لحظة معينة في ذهني كجزء من مخزن الذكريات، أكون منتبهة للمداخل الحسية المحيطة بي، هل هناك رائحة مميزة في الجو؟ أغنية معينة تلتقط انتباهي؟ ملمس يثير إحساساً معيناً؟ طعمًا يجعل اللحظة لا تنسى؟ أحيك نسيجًا من الروائح واللمس والتذوق وأراكمه مرة تلو الأخرى، حتى أبني قصراً من الذكريات التي لا تُنتسى.
حظيت الميثولوجيا القمرية بأهمية أكبر مقارنة بالميثولوجيا الشمسية
في رحاب الأساطير القديمة، نرى أن الميثولوجيا القمرية كانت تحظى بأهمية أكبر مقارنة بالميثولوجيا الشمسية. ويعزى ذلك جزئياً إلى الأثر العميق الذي كان يتركه مشهد السماء في الليل بنجومه المتلألئة وقمره الساطع على نفس الإنسان القديم. وبالرغم من أهمية الشمس كمصدر رئيسي للطاقة والحياة، إلا أن القمر كان يثير استفسارات وتساؤلات أعمق في نفوس البشر، وذلك بفضل حركته الشهرية التي كانت تتناغم بشكل لافت الحركة الطبيعية الداخلية لجسد الأنثى. لذلك صنف القمر في أساطير العهد القديم على أنه أنثوي الطابع. وارتفعت أهمية القمر عندما ارتبطت أهمية القمر في وعي الإنسان منذ القدم بالتغيرات الموسمية على الأرض وخصوبتها. فكان القمر بمثابة العنصر المحرك الذي يعيد الحياة إلى الأرض بعد فترات السبات. وهذا ما عكسته الأساطير السومرية، فتم تجسيد مراحل القمر من البدر إلى المحاق من خلال قصة هبوط آلهة الخصوبة “إنانا” وفقدانها جزءاً من زينتها أمام عبورها كل بوابة من بوابات العالم السفلي حتى تصبح عارية تماماً، حيث يعتبر وجودها في الأسفل رمزاً لغياب الحياة والخصوبة في فصل الشتاء. في حين تعود حية ومجددة في الربيع مع عودة النباتات إلى الحياة عندما تجد محبوبها “ديموزي” إله الخضرة، وهنا يبدأ ظهور القمر مجدداً أول الشهر، كخيط رفيع يتزايد حتى يكتمل بدراً.
سيلين، إلهة القمر في الأساطير الإغريقية (التمثال في الأصل يبين إلهة القمر الرومانية لونا، والتي تعد الإلهة المقابلة لسيليني)
نحن كائنات تسعى دائماً للبحث عن المعنى في كل شيء من حولنا، وقد ابتكرنا الأساطير لتكون عوالم موازية وظلالاً باهتة للحقائق الأرضية، لتساعدنا على التعامل مع المآزق البشرية وتعيننا على العيش بعمق وكثافة. القمر في أغاني فيروز ليس مجرد جرم سماوي، بل هو يتجلى كرمز للأنثى في رحلتها العاطفية، المتبدلة في تحولاتها، والهشة في ارتباطها العميق بمن تحب، فتتبدل أحوالها وأطوارها مع الحبيب بين الضياء والعتمة، تبدو بدونه هلالاً رقيقاً شاحباً ولا تخضر الأرض بدونه، ومعه تكتمل بدراً تنير السماء وتخضر الأرض بهما. وينعكس التناغم في مشاعر الأخذ والعطاء في لعبة الضياء والعتمة في التربيعين الأول والثاني من أطوار القمر، حيث تارة يغلب الضياء على العتمة، فتعطي أكثر مما تأخذ، وتارة أخرى يحدث العكس.
هذه تدوينة للتذكير بأن حياتنا ليست فقط الأيام التي مضت، بل الأيام التي ستظل في ذاكرتنا إلى الأبد، الجزء الأهم في الذكريات ليس فقط تذكرها، بل صنعها، لأنها الدليل على أننا عشنا حياة ذات معنى. لذلك، اسعَ لصنع أجمل اللحظات وللاحتفاظ بها لأطول مدة ممكنة، قم بسردها كقصة، لتحيا وتظل خالدة في عقلك وروحك للأبد.
ذات يوم، سوف تومض حياتك أمام عينيك، فتأكد أنها تستحق المشاهدة.
قهوةٌ مُرَّةٌ وصهيلُ جيادٍ مسومةٍ، والمحاميس في ظاهر الخيمة العربية
راكةٌ في الرمال وفي البالِ، كيف المطاريشُ إن ذهبوا للرواح مطي السفر ؟
وكيف هي الأرضُ قَبْلَ المطر ؟
وكيف الليالي، أمُوحشةٌ في الشعيب إذا ما تيمّم عودُ الغضى واحترى أن يمّر به الوسمُ صبحيةً والنشامى يعودون في الليلِ مثقلةٌ بالرفاق البعيدين أعينهم،
ثم كيف السرى إذ يطول بمَدْلجِها؛ أرضهُ أنسُهُ في التوحُّدِ، لا أحدٌ غير رمل الجزيرةِ، لا نجمةُ يستدلّ بها في السّرى غير قلب المحبِّ، وهذا الحصى شَرِهٌ ما طوته القوافلُ من زمنٍ ثم كيف النوى إذ يطول بنا.
قــم بنــــا
أيَها الوطن المتعالي بهامات أجدادنا
أيَها المستبدّ بنا لهفةً وهوىً
أيَها المتحفّز في دمنا
والمتوزّع في كل ذرّاتنا
أعطنا بصراً كي نراك، وأوردةً كي تمر بنا فيه نلقي مساءً جميلاً، قرنفلةً في عرى ثوبك الأبيض المتسربل ضوءًا لنمشي أيا أيّها الوطن المتعالي إذا ما ارتدانا الظلامُ إليك.
خذ يدينا إذًا
صُفْنا.. وأقم يا إمامَ الرمال صلاةَ التراويح فينا، مقدّسة أن تظلّ لنا شامخاً كالنخيل الذي
لا يموت..
واضحاً كالطفولة، كالشمس ثم اعْطنا جذوةً حيَةً في الفؤاد الخليّ لكي يصطفيك
ربما لديها خطةٌ، ربما تعودُ به إلى بيتها، ليستيقظَ بعد ساعاتٍ في بانيو مليءٍ بالثلج،
بفمٍ جافٍ، ليتابع إجراءاتِ نظافتِهِ الجديدة.
IV
أشرتُ لجسدي وقلتُ، أوه هذا الشيءٌ القديمُ؟ لا، لقد ولجته توًا.
V
سألتُ أمي: ستأكلين هذا؟ مشيرةً إلى والدي الذي كانَ يرقدُ على مائدةِ غرفةِ الطعام،
وفمه محشوٌ بالتفاحِ الأحمر.
VI
كلما نما جسدي، كلما زادت الغرفُ المغلقة، وكلما زادَ عددُ الرجالِ حاملي المفاتيح. لم يدفع أنورُ بالمفتاحِ جيدًا، لازلتُ أفكر بما كان يمكنُ أن يفتَحَه لو أفلح.
لثلاثِ سنواتٍ وقفَ باسلُ مترددًا عندَ الباب. أما جوني صاحبُ العيونِ الزرقاء، فأتى بحقيبةِ أدواتٍ سبقَ وأن استخدمها مع نساءٍ أخريات: دبوسُ شعرٍ، قنينةُ مُبَيِّضٍ، مِطوَاة، وعبوةُ فازلين.
يوسفُ ذكر َاسمَ الله وهو يديرُ المفتاح، لكن، لم يجبْهُ أحد. البعضُ تَوسَّلَ، البعضُ تَسَلَّقَ جانبَ جسدي بحثًا عن نافذة، والبعضُ قالوا إنِّهم في الطريقِ، ولم يأتوا.
VII
قالوا: أرنا على جسدِ الدميةِ مواضعَ اللمس.
قلتُ: لستُ دميةً، أنا بيت.
قالوا: أرنا في البيت.
هكذا: أصبعين في جرِّة المربى.
هكذا: مرفقٌ في حوضِ الاستحمام.
هكذا: يدٌ في الدُّرجِ.
VIII
لابد أن أخبرك عن حبي الأول الذي اكتشفَ، منذ تسعٍ سنواتٍ، بابًا مسحورًا أسفل نهدي الأيسر، ما إن فَتَحَهُ حتى انزلقَ داخلي، ومنذُ ذلك الحين لم يَرَهُ أحد. بينَ وقتٍ وآخر، أشعرُ بمن يتسَلَّقُ فخذي، عليه أن يكشفَ عن نفسِهِ، رُبَّما كنتُ لأسمحَ له بالخروج.
آمُلُ ألا يكونَ قد اصطدمَ بالآخرين، الصبيةِ المفقودين من المدنِ الصغيرة، مع أمَّهاتِهم الطَّيبات، الذين ارتكبوا أمورًا سيئةً وضاعوا في متاهةِ شعري. أطعِمُهم جيدًا، شريحةً من الخبز، وإذا كانوا محظوظينَ قطعةً من الفاكهة. فيما عدا جوني صاحبُ العيون الزرقاء، مَنْ فتحَ قُفلي وزحفَ داخلًا. ولدٌ سخيف، مغلولٌ في قبوِ مخاوفي.. أعزفُ الموسيقى لأغرِقَه.
IX
قرعٌ قرعٌ
-من بالباب؟
-لا أحد.
X
في الحفلاتِ أشيرُ إلى جسدي وأقولُ: هنا يموتُ الحبُّ. مرحبًا بك، تفضَّل بالدخول، اعتبِرهُ بيتَكَ.
مقدمة ديوان: ألف حياة وحياة، للشاعر الكوري كو أون.
ترجمة: تشوى جين يونج – تحرير ومراجعة أشرف أبو اليزيد
لستُ أدري ما السبب، غيرَ أنَّ الليلةَ ساكنةٌ، هامدةٌ تمامًا.
سكونٌ محيطٌ وكأني أكادُ أسمعُ رمالاً تذروها الريحُ تُغنـِّي على مدارجِ جبل “مينجشا” الزلقة في “دون هوانج”، بعيدًا علـى طريقِ الحرير، تخترقُ كلَّ تلك المسافات.
آلافُ الأميالِ الصامتة!
هل يكونُ ذلك صوتُ فراغٍ ينادي على فـراغ، أم صـدى أسماءٍ تستدعي أسماءً؟
هذا الصوتُ الساكنُ لشخصٍ ما، يشقُّ الطريقَ الـذي يقبـعُ وراءَ الخيرِ والشر، صوتٌ بلا صوت، كما لو كان ينادي علـى النيرفانا. صوتُ الدائرةِ المفرغة، لما وراءَ البهيِّ والقبيح، لمـا وراءَ الطيبِ والشرس، بل هو صوت يتجاوزُ كلَّ ما يشبِهُ ذلك، ربما كي يصلَ إلى الحالةِ التي قد يختفي فيها ذلك الصوت.
ها أنذا أتجرَّأُ لأحرِّكَ هذا السكون.
ربما كان سؤالُ العالمِ الأول: “ما القصيدة؟” ولعل ذلك كـان وراءَ – أنه خلال العصورِ المتوالية، وعندَ لحظـاتٍ حرجـةٍ – لايزالُ هذا السؤال: “ما القصيدة؟” يطرحُ نفسَه دون كللٍ أو ملل.
منذ ستينَ ألفِ سنةٍ مضت، كانت شعوبُ “الناندرثال” تحرِقُ موتاها، وتُزَيِّنُ نعوشَهُم بغصونٍ خضراءَ، وسـنابلَ أرجوانيـةٍ وأقحوانٍ ذهبيٍ مُتوَّج، وعراقيبَ مقدسةٍ، وسواها، ثم يضـعونَ الجسدَ فوقها. هذا ما اكتُشِفَ في كهوفٍ بالعراق. وكـان جسـدُ صبيٍ من العصرِ الحجريِّ، قبلَ عشرين ألفِ عام، قد اكتُشِفَ
في كهفٍ بكوريا، بمقاطعةِ تشونجي هونج، وعلى حاجبيهِ أقحوانٌ مُتحجِّرٌ.
الأمرُ نفسُه في مصر، حين عثروا على أكاليل زهـورٍ على رأسِ الفرعون الصبي توت عنخ آمون، الذي مـاتَ قبـلَ ثلاثةِ آلافٍ وثلاثمائةٍ سنة خلت.
أنا على اقتناعٍ تام، بأنَّ طقسَ تقديمِ هذه الزهور هُـوَ لُـبُّ الشعر. فالشعريةُ، ونظرياتُ الشعرِ التي نشـأتْ فـي الشـرقِ والغربِ، منذ العصور الكلاسيكية، تتشابهُ فـى كونِهـا مـرَّت بتطوراتٍ جمةٍ. ومنذُ الأزل، كانَ الناسُ يتلونَ صلواتِهم، بقلوبٍ مِلؤُها الشعرُ، على موتاهم، لكي يبعثوا في العالم الآخرِ، عالمـًا من الأزهار، حيث تمثِّلُ تلكَ الجنان، الأسى الطالعَ بين الحضور والغياب.
وكما انحازَ الشعرُ للإنسانيةِ على مدى عشراتِ الآلاف من السنين، فقد أصبحَ، بمرورِ الزمن، أصدقَ ما يُعبِّرُ عن كنه ذلك الزمن. إن بيتًا واحدًا من الشعر، بل ربما كلمةً واحدةً منهُ، قـد تبُعثُ في عشرةِ آلافِ زهرة!
الشعرُ، دونَ شكٍّ، عهدٌ نقطَعُه على أنفسنِا للمستقبل. لـذا يُعلِنُ عن لُبِّ خلوده كما لو كان حلمًا. وبعـددِ البشـر، تتعـددُ الأحلام.
اكتشفتُ أننى مفتونٌ باقتفاءِ آثار الخطى الروحانية، تلك التي تركَها الشعراءُ السابقون عليَّ. أحلامُ هؤلاءِ الشـعراء لا تـزالُ تضيء. نبوءاتُ بعضِ الشعراء تبدأُ في أحلامهم.
يُقالُ إن شاعرًا استعارَ من حُلمِه خمسَ ريشاتٍ للكتابة، كلٌّ منها ذاتُ لونٍ مختلف، وكتبَ بها قصائدَه. ثُمَّ إنَّهُ، أعادَ الريشاتِ لأصحابها خلالَ الحلم، فلم يأتِهِ إلهامُها أبدًا! وحينَ وجدَ نفسَهُ بلا قصيدةٍ، لم يجد مُبرِّرًا لاستمرارِ حياته، فرحلَ عن عالمنا.
شاعرٌ آخر بدأ – بالمثل – بالأحلام. في أحدِ أحلامِه وجـدَ نفسَهُ يتقيأُ عنقاءَ لها ذيلانِ؛ طارتْ وحلَّقتْ عاليًا، وفـي اليـوم التالي وما بعدَه، انهمرت القصائدُ المجنَّحةُ من تلقاءِ نفسها. بينما شاعرٌ آخر، بدأ، أيضًا، حياتَه عبرَ الأحلام. ذاتَ مرةٍ، تفتَّحَ
في حُلمِه بُرعمُ زهرةِ “الفاوانيا” على طَرَفِ غُصنٍ، غيرَ أنَّهُ بينَ الرؤيا واليقظة، كتبَ عشرةَ آلافِ قصيدةٍ تجعلُ كـلَّ الأرواحِ – في السماءِ وتحتها – تبكي. لم يكن الأمـرُ متعلقـًا بالقصـائد فحسب، لأنَّهُ احتسى أيضًا عشرةَ آلافِ كأسٍ من الخمر، أثنـاءَ كتابَتِهِ تلكَ القصائد. في حياتِه كانَ هو العَالَـم، وفي مماتِهِ تَجسَّدتِ الأكوانُ فيه.
ثُمَّ إنَّ شاعرًا آخرَ بدأَ كذلك بحلم، كان يمضي على طريـقٍ بَرِّيةٍ، زَلقةٍ، وصخرية، إلى حيثُ ينبتُ العشبُ في الأعالي. كانَ هناكَ راعٍ قد وصلَ إلى قمَّةِ الجبلِ مع قطيعِ أغنامه. وحين نظرَ إلى العالمِ من عَلٍ، غلبَهُ سلطانُ النوم، فجاءتهُ في الحلـمِ تِسـعُ حورياتٍ، فاستيقظَ، فإذا به في الواقعِ حولَه الحورياتُ التسـعة.
حينئذٍ، بدأ الراعي الأمِّي، الذي كان يجهلُ معنى القصـيدة، حياتَهُ كشاعر. واندفعت من بين شفتيهِ نافورةٌ لا تتوقـفُ مـن القصائد. وعلى الرغمِ من تدوين تلك القصائد، فإنها لـَمْ تـَكـُنْ مُصطَنَعةً، بل وهبت ذاتهَا حياتَها.
أتكونُ كلُّ هذه الأحلام، لكلِّ أولئك الشعراء، ملكًا لي، فأكونُ حَلُمتُ بها أيضًا، في هذا العالمِ، وسواه؟
إن عددًا من قصائدي – دونَ شكٍّ – كانت الأحلامُ أجنَّتَهَا.
في الليلةِ الماضيةِ، نهضتْ قصيدةٌ في أحلامي – هي من بناتِ أفكاري، بالقدرِ الذي قد تكونُ قصيدةَ سواي. هذا الشخصُ المجهولُ ربما يكونُ كذلكَ هو أنا في حيواتٍ سابقةٍ. وربما يكونُ شخصًا سأصبِحُهُ في عالمٍ آت.
هاهي القصيدة:
“قدِّمي حياتَكِ كُلَّها قربانًا للظُّلمَةِ،
أيَّـتُـها الرقطاءُ،
أيَّـتُـها الموجاتُ المتسارعةُ،
الساحقةُ الماحقةُ النافذةُ،
الضاربةُ منحدراتِ الصخرِ في الظلام.
سيولدُ الضوءُ، وسيأتي الفجرُ.”
حينَ تذكرتُ القصيدةَ بعد استيقاظي، وجـدتُها اسـتثنائية.
بعضُ قصائدِ الأحلام طويلة، وتتلاشى تمامًا لحظةَ الاستيقاظ، لكنهَّا على الأغلب تكونُ مثلَ تلك القصيدة، هي قصيدةٌ ليسـت طويلة.
جذورُ قصائدي الموجَزَةِ تنبتُ في حُلُمي.
تخيَّل أنَّ شاعرًا يكتبُ قصائدَهُ وهو على ظهرِ حمار.. إنَّـهُ حين يسعلُ، فإنَّ بُصاقَهُ سيكونُ قصيدة. بعضُ الشعراء يقولـون إنَّهم يشربونَ الشعر. أحدُهم قالَ مرةً: إنَّهُ يتنفسُ الشعر.
توقفتْ في طريقِها سحابةٌ تجرُّها الريح.
في ليلةٍ مقمرةٍ، كانَ العالمُ على اتساعِ مئاتِ الأميـالِ مـن حولنا بيتـًا. في ليلةٍ مقمرةٍ كتلك، قد تُنشِدُ قصيدةً، ثم تعزفُ على الناي، فيتوقفُ القمرُ في مدارِهِ السماويِّ، ويسكنُ هنيهاتٍ ممتدةٍ، يُنصِتُ إلى قصائدِ الأرض.
أيكونُ ما حدثَ شأنـًا سماويـًا؟ كيفَ يكونُ ذلك شأنُ السماءِ والشمسِ والقمرِ والنجومِ فحسب؟ اعتادت القصائدُ أن تُضَفِّرَ العوارضَ الخشبيةَ فى البيوت الكورية، وأن تتردَّدَ أصداؤها بعيدةً وعالية.
في البَدءِكانَ الشعرُ في السماء، ثـم هـبطَ إلــى الأرض. وكذلك الشاعرُ، الذي حطَّ من، أو نُفِيَ عن السماءِ، ليلاقيَ قدَرَهُ الأرضي.
لا يحدثُ هذا – بالطبعِ – دونَ صراعٍ داخليٍ أليم، حـــينَ تواجِهُنَا أسئلةٌ من قَبِيلِ: ماذا يعني الشعرُ في مواجهةِ العُدوانِ والقهرِ والفقر؟ وماذا يعني الشعرُ في عالمٍ مِلؤُهُ الجشعُ والجهلُ والمرض؟” حتَّى مع مواجهةِ تحدِّي السؤال، ما إذا كانت كِـتابةُ الشِّعرِ ممكنةٌ بعد التطهيرِ العرقي، حين يفقدُ الشعرُ جَلاَله. لقد بدأتُ كتابةَ أولى قصائدي كما لو كانت فسائلَ عُشبٍ، تنمو من بين الأنقاضِ التي خَلَّفتَها الحربُ الكورية، التي خَلَّفت ورَاءَها زُهاءَ أربعةِ ملايين فقيد.
لقد مزجَ الراهبُ البوذيُّ الكوريُّ القديم “وونهـــو” الحقيقةَ التي تعتمدُ على الكلماتِ، والحقيقةَ الصامتة. هنا تبدأُ إمكانيــةُ دخولِ الشعرِ إلى المفازاتِ الغامضةِ التي تتجاوزُ حدودَ الـحَـكي.
وفي علاجِ الوَسَاطةِ الروحانية للبوذي شيون، ثَـمَّةَ إنكارٌ تامٌّ للكلماتِ والكتاباتِ على الرّغمِ من ذلك، وبعدَ إصابةِ المرمى، تتفتحُ أزهارُ الكلامِ من براعمها تمامًا.
لقد كتبتُ قصائدَ مُطَوَّلاتٍ للغاية، وسطَّرتُ عدةَ ملاحـم، لكنَّ قصائدَ: “أزهارُ اللحظة” هذه تأتي على النقيضِ منها:
تتحقق النبوءة، تشعر بدغدغة نسمة رقيقة في ليلة صيفية شديدة الحرارة،
نسمة تجد طريقها بين ثنايا الفستان القطني الملتصق على جسدها بفعل الرطوبة العالية وبين جلدها الذي يتنفسُ للمرة الأولى منذ أزمنة.
يأتي الحب،
تشعرُ أن ثمة وجودٌ يتشكلّ، وجودٌ قد يكون له نفس الوجه، غير أنها كلما مرّت على مرآة أطالت النظر لوجهها، ثمة ابتسامة ترتسم، وثمة غلالة رقيقة تكسوها وكأنها تأريخ للحدث.
يأتي الحب،
يتفتتُ العالم الذي خَبِرَته من قبل، فضاءٌ مُمتلىء بصورٍ ليست لها، وأعينٌ مُجوفة تنظر إليها بلامعنى وأفواهٌ تسردُ كُلَّ ما يُمكن تعبئته في الهواء من صخبٍ وتشويش. يتفتتُ العالم بأسره مثل ذرات رمال زارتها موجةُ مياهٍ بلون زُرقة السماء، فلثمتها لثمًا فأتبع الوجود الفناء دون أدنى مقاومة.
يأتي الحب،
ويأتي معه ذلك الشعور بأنّ العالم أصبح أكثر اتساعًا، وأنّ ثمّة لون يُمكنُه أن يُعيد تأريخ الخليقة،
وأنّ الآن، والآن فقط يبدأ كل شىء، يولد كل شىء،
هلمّ أيها الفرح، أقبل نحونا.
يأتي الحب،
وتنهار الأيدولوجيات التي تتمترس حول أفكارٍ خائفة بين يدىّ ساعاتي يحرص ألايُفلت الترس الصغير منه وإلا ضاع منه الإيقاع للأبد.
يأتي الحب،
تُولدُ تلك الرغبة المستمرة في الهرب، الهرب من الأماكن التي لايكون الحُب مدعوًا بها، الهرب من الحديث الذي لايتحدث عنه، الهرب من الأوجه التي تتفرسها بمليّة بحثًا عن انعكاسه في مُقلة عينيها، الهرب حين تراه، والهرب حين تجده، والهرب حين تمتلأ المسافةُ بينهما بكل شىءٍ عدا الحب.
يأتي الحب،
تأتي معه الدموع المالحة، حين تراه يعبُر بين الجموع على بواباتِ الوصُول للسفر، ذلك الوجه ذاته إقبالًا وإدبارًا، تنسال الدمُوع المالحة متأرجحة بين الفرح لطلّته، وبين الأسى من كل تلك الوحشة التي سيخلِفُها المقعد الفارغ حول المائدة.
يأتي الحب،
تترنح اللغة، تعجز أن تملأ الشقوق التي وجدت طريقها في الجدار بينهما، لايُمكن حشر الكلمة التي قيلت من قبل في الشق ذاته، لاتبدو أن هناك ثمة كلمة كافية لترمم ما حدث، سيظل الشق في الجدار يشي بتلك اللحظة التي لن تنمحي من ذاكرتهما، لحظة أن سدد أحدهما مِعوله نحو الآخر، لحظة أن رأى أحدهما أن آَخَرَه قادرٌ على أن يُلحق به أقسى هزائمه، وأن يمنحه الألم صافيًا كسهمٍ انطلق وبات متأخرًا إرجاعه إلى جُعبته.
يأتي الحب،
يُولد الصمت ممتدًا كأذرع عنكبوتٍ وجد طريقه للبيت، ينسجُ خيطًا وراء الآخر، يسكنُ في أخر كُلّ خيطٍ خوفٍ قديم أن ينظر أحدهما في عين الآخر فلايعرفه، أو تبتلع أحدهما ذاكرة التيه، يبحثُ عن صُورة الحب القديم فلايستبين الطريق.
يأتي الحب،
تأتي معه الرغبة في فقدان النطق والتمنطق، تشي به الأعين الُمتلهفة على أن تحط على كتفيه بين الجموع، تفوح منه رائحة الاحتراق عند الغياب، تئن منه أقدامٍ لازالت تسير في كُلّ تلك الدروب التي قطعاها معًا، تُرتب الأبجدية وفق حروف اسميهما فتارةً تضيق وتارةً تتسع، تارةً تحجب وتارةً أخرى تكشف، تفقد الكلمات خدرها اللئيم القديم، كأنها مُضغت من قبل وأن الفم لايستسيغ الكَلِم الذي سقط من الشجرة، بل وينفر الجسد أن ينثني ليلتقطه.
يأتي الحب،
ويأتي معه الإيمان، ثمة أمل سيزورهما كُلّ صباح، أملٌ يكفي أن تمضي الحياة يومًا آخر، فقط يومًا آخر بكل تلك الخفة واليُسر والسَكِينَة.
يأتي الحب،
تأتي معه الإمكانية، إمكانية الإيمان، إمكانية الإرادة، إمكانية الحدوث، إمكانية التحقق، إمكانية أن تُصبح الحياة مُمكنة لمرة واحدة وطويلة وممتدة.
يمحو كل الجيوب التي أثقلتها القسوة من حياةٍ سابقة.
يأتي الحب،
تأتي معه الرغبة في تعلّم المغفرة كل يومٍ من جديد، مرّة تلو الأخرى، مغفرة لاتُشبه تلك المرصوصة رصًا في الكتب المقدسة مغفرة لاتأتي من السماء، بل تولد من طين الحياة، تعلن عن نفسها حين تتولد تلك الرغبة في صفع ذات الوجه مرة واحدة وتقبيله مرات كثيرة. مغفرة، يتسارعُ الإثنان للبحث عنها لئلا ينفلتُ الخيطُ من أيديهما. يجدها ربما الأقدر على التشبّه بالإله لبعض الوقت، أو من ينتصر الحب بداخله دونما تردد.
يأتي الحب،
تأتي معه الرغبة في العراك، والمصالحة بعد العراك حين ينظر أحدهما للآخر مؤنبًا كيف تفوه بتلك الكلمة، وكيف جرؤ على أن يُغمض عينيه دون أن يطمئن أنها بجانبه وأىُّ هوانٍ ذاقه حين أفلتَ أحدهما يده.
يأتي الحب،
تتوقف عقارب الساعة عن الدوران في مسارها المعتاد، ينفك المسمار الصغير الذي ظنّا أنه يُحكم ضَبطَ كُلَ شىء، ينطلقُ العقربين كعصفورينِ فُتح لهما باب القفص الزجاجي للتوّ، ولن يصدهما شى ءعن التحليق عاليًا، فوق كل ما كان وما سيكون، وما هوكائن.
يأتي الحب،
تأتي معه الرغبة في الاقتراب والاحتراق والفناء وإعادة الخلق كلّ يومٍ من جديد.
ياتي الحب،
تنسلُّ طمأنينةُ أنَّ الظهر لم يعد عاريًا للعالم يصوب سهامه نحو أحدهما بلاهوادة، ثمة أيدٍ ستصد عن أحدهما الخديعة والمهانة والقسوة، بل وستضمد جراحه إن لزم الأمر بقبلاتٍ شافيّة.
يأتي الحب،
ينحني أمامه كُلّ ما كُتب في الكتب، وسيق عبر شاشات السينما، ورآه اثنان يجلسان في الصالة المعتمة كقصةٍ تحدث لآخرين، يرونه قريبًا، قريبًا جدًا، قريبًا لدرجة ما أن يلتفت أحدهما للآخر، يصمت كُلّ شىء، وحدها القُبلة ترشدهما نحو الطريق لخارطة الآخر في البيت الجديد.
يأتي الحب، تنتظر طرقاته على الباب في تمام الساعة الرابعة من مساء كل يوم مُحملًا بالأسى من قسوة العالم، تضع عنه ثِقل قلبه، تُضمد جراحٍ أنفق ماء قلبه كيلاتُرى، تملؤه يقينًا أنهما معًا، وأن ما ينبُتُ بينهما غابة باللون الذهبي، سيهربُ إليها يومًا ما كل مُتعبي الأرض ومثقلي الأحمال.
يأتي الحب،
تأتي الرغبة في أن تغرس أصابعها في عجينٍ يختمر من زاوية دافئة بالبيت، وأصابع تحطُ بخفة نورسٍ على وجه بيانو باللون الأخضر، وتلك التي تمرر بشبقٍ فوق صندوقٍ من خشبٍ عتيق فيستحيل نهرًا لا يضل الطريق.
يأتى الحب،
كلاهما مُتعبٌ من الحياة، استقبلاه كمن يطفو على وجه الماء فاردًا ذراعيه، لايخشى أن تحمله صفحة الماء وتهمس له الريح أنه يُمكنه الآن، والآن فقط أن يُفلت قبضة يده لبعض الوقت، ويستريح.
يأتي الحب،
تنبت حديقة كلما مرً أحدهم بها سمع صوتً يخبر “خلّيني ببالك- دايمًا- ببالك”.
أنـتظر تسرّب الـقليل مـن فكرة انزوائكِ. أخرجُ، أطـمئن على وقوفكِ المُستمر، أمام المسجـد أحـضر، لأرى الأيام تقف بكِ مثمرةً، التي أمتدُّ في ظلّها شجرة باسمكِ.
(2
بفكرةٍ صـالـحة أضـعـكِ هـناك قريبة مـن دفئي المفتوح، ومـن حـرارة أنفاسي الصَّاخبة التي على أشـدّهـا، في الشمال، أُغري الـمَاء بنظرتكِ للجريان في (المناه)*.
(3
كأنَّه جاء بلا نهايات في زمنكِ الأسطوريّ، الذي دحرج جبلاً، استقرَّ في حضن شارع. زمـنكِ الـلاطـم لخـد الاقتراب، الماثل كجسـدٍ مـن شـمع، ككتلةٍ بعد الذوبان، جاء بعد النار، يتأرجح في الأزمنة.
(4
ليس لي إلا الدوام على الثلاثاء، والسير كأعمى إلى الفيافي والدخول في الـذكـرى، مستعيناً بضحكتكِ لـدرء الـسواد، وصـلابة عـودي، أضـع الصباحات الباسمة في جذعكِ، وأذهب كي أعود مُفعماً بالحنين.
(5
يقفز الأطـفـال مـن الـكـرسي الطويل، القريب منكِ، والآخرون على المراجيح، يتطايرون مسرورين، هذهِ أنتِ الخضراء المُمتدَّة في البركة تحدثهم غصونكِ عن الله، والحب، والتضحية، بينما تُشيرين بإصبعكِ، من مكان جلوسهِ، المُنهك القادم مازال منزوياً في أعماقكِ.
(6
يبقيني الليل في هـذيانكِ الـزمنيّ. الطبيعة رئـتكِ في الحب. روحـكِ مستحيلة، اخضرارها للداخل على جسدكِ، كربِّ العصور، حيث يدفع المُحيطين من حولكِ، العميق فيكِ هدوءهم.
(7
قبل أن تأتي، كنتُ ألمس طباعكِ في السنوات العشر من عمر ظهوركِ، خبأني ترددكِ، الجميع وَجدني مُتراكماً في صدركِ، ومتوارياً في زاوية! كنتُ أستفيق فيكِ بمعرفة اللاوعي، وأضيع في حجَّة الخوف.
(8)
آنستُ ذلك، ودخلتُ الـرضـا وغرستكِ، كـي أُلـزم المُصلين بالـدعـاء الشجرة التي باسمكِ يغمرهـا الـمطر، الأدعية، الأمنيات، ليميزكِ الله وتكوني أجمل شجرة في حديقة (الفريج)**.
(9
في عناقٍ مُلتصق مع الفراغات – الأرق – بانقلابٍ مُشترك، مع حرارة الدمع، يقسم وسادتنا. النائم على مسمار الأيام، مُدمى رأسه بفقدكِ، الأكثر حضوراً في النفسِ.
(10
تعرفتُ إلـى مـوسيقاكِ وهـي مُـتجهة إلى الصحـراء، بمشاعـر غيمة مُخلصة في المشهد. صباحات الطيور المختبئة من الليل، نهرني صوتكِ عن الطيران فبقيت مشاعري تُمطر الروح، في الصحراء.
(11
أنتِ الهاربة والعائدة إلى الأمكنة ذاتها باستمرارٍ تجمعين الـمـواسـم، وتحصدين القدر الأكبر من الحب، ومن دعاء المُصلين عند الفجر، عند الظهيرة. وفي المساء، تبقى الطيور مُسترخية على أغصانكِ.
(12
شجرة إخلاص*** مُؤمَّنٌ عليها في النخل، سَرَّني لسان المُغادرين، ودعاؤهم لكي تصبح أماً لكلِّ (عذوق النخل).
(13
من فرطِ ما بيني وبينكِ، تتسع رغبات الأزلي المُصاب بكِ. يوقد ناره على المقربين، أن يهشموا الأعصاب الباردة التي سعت في اتساعنا، من فرط الأشياء التي تركناها صرتُ الجذورَ.
(14
يأتون كالندرة متذكرين جفاف شفاههم واختفاء السحر عن أحاديثهم الأصدقاء خارج السور لأن الحارس أقفلَ الحديقة في الثامنة مساءً
(15
هذا وقد أبلت بلاءً حسناً، في المواجهة. الشجرة أظنها آمنة من الريح
من بينِ كلّ كتلِ اللحم المتقاطرةِ دماً بينَ أصابعي لم أختر سِوى جَسَدي، وكأنَّه الأمل الوحيد الذي أذهب إليه قصداً أو سهواً كلما أصابني عطلٌ بسيطٌ في الذاكرة، عطلٌ بسيطٌ يَمنحني البدء من جَديد، عطلٌ بسيطٌ جداً يُعيدني لأكتشفني من خلاله! عطلٌ بسيطٌ للغاية يتفرغُ معي بشكلٍ كاملٍ لتشكيل قوالبي، وإعادة رسمي في أرض أحبها وتخونني! إنَّه جسدي الذي لا أراه إلَّا من خلال شهواتي ورَغائبي ونَزَواتي، لا أراه إلَّا من خلال صلواتي وأدعيتي وابتهالاتي، لا أراه إلَّا حين أشعر بتخمةٍ فيه، أو خفَّة منه، لا أراه إلَّا عندما يغامرُ معي ليكتشفني في أرضي، أو أقوم أنا باكتشافهِ في أرضهِ! إنَّه يحرثني بمعاول الُّلغةِ تحتَ تُرابي، يفتحُ شريانَ العقلِ بأسئلتهِ من جهة، ويراكم مسودات العاطفة بحسراتها من جهة أخرى، فلا أستبين منهُ سوى المسافة الواقعة بينه وبين روحي المسكينة التي سكنتْ فيه رغماً عنها أو باختيارها، لا فرق! فنحنُ لا نختار لأرواحنا أجسادها الـ تهبها المتعة، والـ تمنحها السكينة واللعنة معاً! هي وحدها ملائكتنا التي تشتهي ولا تجد!
الأسفار التي جمعناها في قمر الرأس بالخطى الذهبية لريم الروح بمخلب المُغامرة الفائضة طيوره على السماء الأثرية (مرعى ملكوت القطيع، وصولجان الفراغ). الأسفار التي خبأناها: مدينةً مدينة وامرأةً امرأة حديقةً وارفَة البياض وموسيقا وردية النوم ..التي رفَـونا بحارها ذات سهرة بمطرقة الحزن وسندان النشوة وذات سهرة بالألوهة الندية لأرصفة الرغبة بالحنين الغافي على إفـريز الشفاه بالسفن العميقة في مجرى الكلام جميعها تندلق الآن نبيذاً واسعاً نبيذاً بلا اسم على ذات الطاولة التي مددناها ونحن نضحك باتساع الصحراء. كأنما الخطى، ذاتها الخطى المسـكوكة على نخلة الألِـف سنواتٍ من الدِّنان التي عَتّـقنا فيها الأعمار وانتظرنا طويلاً هزيمة المكان الأول.
بين عصفورين
بالزنبقة ذاتها بين عصفورين في حديقةٍ عامة نفتـتحُ هذا اليوم بكأس من الكلام وطاولةٍ من الوقت كأنَّما لننسى كأنَّما لنتذكر الأيامَ الخوالي الأيام المليئة كأنَّما لن تعود من مساء الماضي كأنَّما لن تُـقبل من صباح الغَـيب تلك الأيام بالزنبقة ذاتها بين عصفورين في حديقةٍ عامة.
المقهى الطافي أمام بيت العجائب
على الساحلِ المُسمى بالسَّـواحيلية: فَـرَضاني كان السلطانُ يرقبُ أبدان السفن التي تُضَمّخُ موانئ اليابسة بشذى القُرنفل. فبعد أن خانهُ الخِلان وهربت الأميرة أضحت تلك تسليتهُ الوحيدة في فـصِّ خاتم الجزيرة. على هذا الساحل (المُـتكـتِّم على ينابيع حكايته تلك) يتأرجحُ المقهى الطافي بندولاً قطباهُ الذكرى والنسيان الأسطورةُ ونسيمُـها المرفرف في الأشرعة المثلثة كما لو كانت ساعةُ الزمن راسيةً في مينائها البكر أو كما لو كانت مُبحِـرةً في غُـروب مرآة. عَـبرتْ قهوتَـهُ الحروبُ وتلـوّنت فوق سـاريته الأعـلام. بكـى واستبكى الموجةَ التي تحت قدميه. امتدحَ زجاجه المكسور وطاولاته التي طاولت أعناق السفن ثم استـأسدَ في عَـريشِ غابته ظافراً بإمبراطوريةٍ وخطايا. بيـدَ أن للذنوب غفّـارُها فالعاطلون عن كهرمان الحياة، قاطفو ثمرات جوز الهند والبحارة المزمنون يرتادونهُ في قيـلولاتِ الحيلة. وبين الفينةِ والأخرى شقراواتٌ بمعاطف سـفاري يبتسمن بين أفخاذهنّ لساحرٍ يعـتصرُ زجاجةَ ميرندا ويقرأ كفَّ اليابسـة في الأماسي ذات الشمس الحمراء، الأماسي التي لا تكـلُّ من تكرار شمسٍ حمراء وأطفالٍ على حافة الزرقة يـترنمـون بصوتٍ يكاد أن يكون واحداً: من يُـباهي بقفزة كهـذه؟ “ترنـيمةٌ خِـلتُهـا مقهى طافٍ أمام بيتِ العـجـائب” قال غريقٌ في بحر الظلمات.. لكنَّ بحاراً – أطـفأ سيجارتهُ المُـعشـوشبة ونَـشـرَ شراعهُ المثـلث – كانَ قد سبـقـهُ إليها.
تحبُّ البحر يُشعركَ النهر بالخديعةِ الكامنةِ أن هذه العذوبة لها أيضاً إمكانية أن تُغرِقكَ.. وحبي للبحر مُختلفٌ.. أكثرَ تخففاً من التفكير في النقائضِ لعلها القدرة على التلاعب في حوافِ العالم وتذويب الحدود يُشعركَ البحر بأنَّ هناك لا متناهٍ فقط وهذا هو سرُّ التكوين
جَمَعتنا أنهارٌ كثيرةٌ وبحرٌ واحد.. تقولُ ساخراً في إشارةٍ للمُدن التي كنا فيها سوياً مؤخراً.. وأعلم أنه ليس صحيحاً.. لكنني أتركُ لكَ اعتقاد أن بحرنا هذا هو الوحيد.. هو بحرُ تكويني وتكوينكَ على أي حال.. وهذا الساحل لجدي وجدك كان كل شيء.
تجمعُنا أيضاً الملوحة والسُمرة المرتبِكة كطيفٍ مُبهَمٍ نتبادلُ أحياناً بشكلٍ عابرٍ ما مرَّره لنا أهلنا عن حكايةِ الغاصةِ والماء والموت.. لا يكون الأمرُ قصدياً، لكن هذا ما تحفظه الذاكرة الجمعية لأهل الساحل.. حتى وإن تبدى لِمَن يُراقب من بعيد أنها ذاكرة كانت طافيةً لخفتها فتلاشت.
لا تندهش كثيراً ولا تنفعل كثيراً ويشعرني ذلك بالصحو.. ويغيب عن ذهني في غالب الوقت كيف لكَ أن تعصف أيضاً.
حلمي الأول بكَ كان أمام حطبة التوبة* حيث كُنتَ تدورُ في تجلٍ. الخشبةُ التي تُشعِرُني بالهلع لما تحمله من أطياف مصلوبةٍ تقول لي أن هذه الخشبة هي صلاة المدينة اليوم استغفارها لتخليها عن الماء وأسألكَ هل يُمكن أن تُصلب المدن؟
نجلسُ لنقرأ على البحر أحياناً فأشير لكَ لحزني من تحول البحر لقطعة إكسسوارٍ في مدننا اليوم لم يعد السيد، لم يعد القدر الهائل تبتسم غالباً كما تفعل أمام مبالغاتي وتشير إلى أنها قصة حب.. يتركُ العاشق لمعشوقه أن يتسامى يتركه يظن أنه سيد أقداره.. ويحيطه يترك للآخر أن يظن أنه وحده صانع مصيره وأن الآخر هو قطعة إكسسوار.. لكنه اختار ذلك.. اختار المحبة.. وترك لها أن تُصنع بينهما على مهل. أشير بأن في ذلك شيئاً يشبهنا أنتَ وأنا صبركَ الرحيم الباب الذي تتركه موارباً والنافذة التي تحميني من الاختناق فتبتسم وتعود لصمتكَ أمام الاتساع الذي أدركُ في لحظتها كم يشبهكَ.
*حطبة التوبة: جذع شجرة تاريخي يتموضع أمام حصن الشارقة في منطقة الشارقة القديمة، وقد كانت هذه الحطبة هي المكان الذي يربط عليه المتمردون من الغاصة أو أولئك الذين يخفقون في إتمام مهامهم على ظهر السفينة في رحلات الغوص؛ فيجلدون ويُحرمون من الأكل والشرب.
الخصوصية في أنطولوجي
نقوم بإحصاء الزيارات واستقراء البيانات العامة، وقد يفعلُ شركاؤنا أيضًا وبعضُ الأدوات التي نستعين بها.
الموافقة اختيارية لكننا نحب لو توافقون، وبيننا وحي الأدب، وهذه سياسة الخصوصية (تُفتح في لسانٍ جديد).