المدونة

  • عائدٌ مني إلي – ملاك لطيف

    عائدٌ مني إلي – ملاك لطيف

    أخذوا أعمارَهُم،

    وتركوا لنا الرملَ

    تركوا لنا تصوُّرَ أشكالِهم وهم تحتَه،

    أخذوا أجسادَهُم،

    وتركوا لنا صورةً واحدةً نعيدُ تركيبَها،

    لو كانوا هنا.

    لكنَّهم أخذوا أعمارَهم وأجسادَهم

    علقنا آمالنا على الموت،

    قلنا سيأخذُهم، أو يأخذُنا قبلهم

    لكنَّ من ماتوا عادوا لنا في المنامات

    وكانوا أشدَّ قسوةً وأشدَّ غرابة

    عاد ميتي إليَّ في هيئةِ حوت

    إذن،

    علّقتُ أملي على الموتِ غرقًا

    لكنهم أخذوا البحرَ وحبسوني في صحراء

    انتابتنا الهلاوسُ،

    صرنَا نمشي ونركضُ، ونبكي ونضحكُ، ونحنُ نحلمُ بهم

    أولئك الذين أخذوهم حتى من المرايا، من نظراتِ أعيننا،

    أخذوا أسماءَهم من أفواهنا،

    وصاروا يُفتِّشُونَ داخلَ رؤوسِنا عن ملامحهم

    انتابتنا الهلاوسُ ونحنُ نعيد تركيب جثثهم تحت جلودنا

    لم تكن جثة واحدةً تدل على الموت،

    رتبناهم في قبور عدة،

    وكتبنا الأسماء كلها على الشواهد كلها

    لم يكن موتًا واحدًا يدل على نفسه

    خرجنا معه في الشوارع، رتبنا له الأيام

    التي يحلو له أن يدخل فيها بيوتنا

    وأعددنا له أجسادنا وأجساد أبنائنا وأطفالنا المحتملين

    أعددنا الأرض خصبة داخل أحشائنا

    وتزاوجنا فوقه بوحشية بألم بنسيان

    لكننا لم نغفل،

    لم نغفر

    مذ رأينا موتانا في هيئاتٍ أخرى وهم أشد قسوة وأشد غرابة

    وحركنا شواهد الموتى الذين أقبلوا علينا في الأحلام

    نتذكرهم فيما نرتب أجسادنا فوق السرير

    ونرتبُ وجوهنا فوق أجسادنا، ودموعَنَا فوق وجوهنا

    فيما تتحرك الأرض من الجهة التي

    نام فيها الميِّتُ على يمينه إلى جهة يساره، فتتعرف على قلبه

    الأرض

    قلب الميتين،

    الأرض قلب الميتين

    ونحن فوقها أو فوق قلوبهم

    تتحرك أنفاسنا

    تتحرك أنفاسنا داخل المساحات الفارغة في الجسد ما إن نموت

    ما إن نموت ننسى في اليوم

    نعلق ما أبصرناه من حلم عن موتانا السابقين

    نعدد أسماءهم فوق وصولنا الأرض

    نحفر في الأرض طويلاً كي نصل إلى من سبقونا

    نصل إليهم عظامًا ويصلون إلينا روائح

    نصل إليهم نسيانًا

    ويصلون إلينا ذاكرة

    حالماً بنفسي

    بعودة ميتي إليَّ،

    لننام على السرير نفسه

    أنظرُ إلى يدي في عظامه وأمسح عنه غبار جلده

    وأهيئُ له النوم

    ننامُ في الحلمِ نفسه

    نرفلُ الصحراءَ نفسها،

    ونرمي جسدي وجثته في البحر نفسه

    ينام ميتي،

    فأنظر إليه

    وأفرّقه في الغرفة كي يصير المكان

    تنتشر رائحةُ الموت في ملابسي وفكرة من كان في رأسي

    أحفرُ أحفرُ..

    أحفرُ، وأضع صُرّة مشمومٍ فوق صوته

    أحفر كما حفروا له قبرًا على بُعد 30 دقيقة من البيت

    ينام ميتي

    وأنا أبدلُ جمجمته برأسي

    أجرب جسده أو ذاكرة جسده

    يأخذ مناماتي

    وآخذ جسده 

    أمتطي الخوف الذي اعتراه وهو يفلت كتفي

    أفلتَ كتفي

    أفلتَ كتفي

    أفلتَ كتفي، أفلتني الموتُ على الرمل

    وبمسافة خمسة أمتار أقيسها في ظلامٍ حبوتُ فيه

    أفلت دمه من جسده

    هادئ ميتي

    هادئ ميتي يزفرُ دمه من أذنيه، هادئة ملامح ميتي

    أفلت نظرته الأخيرة على وجهي

    نائمٌ ميتي،

    ورأسي على يده، رفسوا رأسي بعيدًا

    رفسوا رأسي بعيدًا وأداروا جسدي المتغضن بملابسات الموت

    لم يتركوا لي فرصة التصديق

    حملوه في سيارة موتى

    حبسوا جسدينا في مكانين بعيدين

    شتّتوا النوم

    وصرخوا بأسماء كثيرة باحثين عن اسمينا،

    عن صلة قرابة الحي بالميت

    ولأني..

    ولأني بعيدة عنه مثل صباح

    أجرُّ قدمي اليسرى، أجر عباءتي، أجر دمه يابسًا في يدي

    لأني بعيدة عنه مثل العودة إلى البيت

    مثل دخول السرير

    مثل صوت أمٍ

    تضرب رأسها على صرتي وتبكي: سلبوني بكائي عليه

    عائدٌ ميتي إليَّ،

    نائم داخلي

    فوقَ صدري

    وراء ظهري ملتفٌ حول عنقي

    قلقًا من نفسي، أفلتَ كتفيَّ وأزاح جسده عني

    خمسةُ أمتار وظلام ودم

    خمسةُ أمتار وظلام ودم وصرخة وتبادل أسماء

    ثلاثون دقيقة

    وصُرّة مشموم

    وماء لأغسل تراب ميتي وماء لأروي عطش جثة

    ثلاثون دقيقة أحرّك سكون الميت بصوتي ودموعي وسورة يس

    أقلق نوم ميتي في أوقات

    لن يربك نومه أحد

    ثلاثون دقيقة ذهابًا لسقاية الميت

    وثلاثون دقيقة للعودة بجثته

    سوف يتحرك الميت في قبره

    فيما نعبر نحو ميتنا لنتشارك جثته

    أفلتَ كتفي..

    أفلتَ كتفي…

  • اخرج وخذ الباب بوجهك – أحمد قطليش

    اخرج وخذ الباب بوجهك – أحمد قطليش

    تقولُ العائلةُ للغاضبِ:

    اخرج..

    اخرج وخذ الباب بوجهك!


    أخذَ البابَ بوجههِ ولم يعد،

    أخذه بقفلٍ دون مفاتيح،

    وبقبضةٍ مخلوعة.

    لم يفتح وجهَهُ لأحد

    فكانوا يكتبونَ عليه

    ما يكتبُهُ التلاميذُ في حمّامات المدارس،

    ما يكتبُهُ السُّكارى على أبوابِ الحانات.

    حجزَه عن الكلام، وعن أسئلةِ قاعاتِ الانتظار واللقاءات الأولى.
    حجزَه عن البرد،

    لكنه كان يحترقُ في الشمس.

    لم يبالِ، كان يمجُّ نارَ الحريقِ كسيجارةٍ،

    يُراكمُ الدخانَ ولا يستطيعُ زفيره.

    كانَ على رئتِهِ أن تختنق.

    لكنه، قُبيلَ أن يوصِدَ عليها؛

    كانَ جوفُه قد امتلأ بصراخِ العائلة،

    وظلَّ الصوتُ في الداخلِ

    يسلي وحشته.

    لم يأبه أحدٌ قبلًا بوجهه القبيح.

    الآن، إذا ما أحبَّ امرأةً

    فالبابُ حليفُهُ،

    والنساءُ يحببنَ الأبوابَ ويخفنَ فتحها.

    أن يحبَّ امرأةً، وأن تُحبَّهُ امرأةٌ

    وبينهما بابٌ موصدُ.

    هذا كفايتُه من الآخرين.

    قريبًا سيموت، بعدَ أن يجوّفَ الدخانُ جذعَهُ،

    ويصيرُ صلصالاً.

    ولأنَّ هناك بابًا بوجهه،

    سيصيرُ بيتًا،

    بيتًا موصدًا يحفظُ صوتَ العائلة.

    ــــــــــــــــــــــ

    نص وصوت: أحمد قطليش، شاعر وكاتب سوري مقيم في ألمانيا، مؤسس مشروع تكلام للأدب المسموع.

    هندسة صوتية: محمود أبو غلوة

  • رسالة مبتورة الأرجل – رغد عبد اللطيف

    رسالة مبتورة الأرجل – رغد عبد اللطيف

    رسالةٌ مبتورَةُ الأرجُلِ

    لن تصلَ إليك، 

    حتى وإن أشرَقَت شَمسُها مِثلَ الغَد 

    أعلَمُ أنَّ مشقةَ المُضي كارِثية، 

    وطريقَ التجاوِزِ دُسَّت بهِ أشواكُ الحنين 

    أنا ونفسي المُتْعَبَةُ، بخطواتٍ خائبة، 

    وأقدامٍ عارية، طريقٌ صاخبٌ رُغمَ هدوئِه،

    نقفُ على أولِ يومٍ، بينما أنتَ تقفُ على خطِّ النهاية، 

    متأهبًا للرحيلِ، آخذًا معكَ آخرَ نسخةٍ سعيدةٍ لنا.

    لا، لن أفتقِدَكَ أبدًا.

    لا شيءَ سوى قلبٍ مُلتاعٍ 

     وقراري المحسوم الذي غيّر كُلَّ شيء 

    حتى ملامحَ المكان، 

    ولحنَ تهويدةِ الحُبِّ الذي عاشَ فيه!

    كان كمشهدٍ شنيعٍ

    وأنا كنتُ الطفلَ التائه

     يبحَثُ عن منفى من وحشةِ المكان 

    ويهرع ليختبئ داخل السراديب المهجورة 

    وياليتها كانت أقلُّ وحشة مما كان عليه الشَّارِع

    لا يقتلني سوى فَزعي / أو ربما أملي. 

    *

    «صامِت»

    ‏كأنهُ فراغ،

    ‏أو صقيعٌ مجهولُ المصدر 

    ‏ينافي ظِل الظروف ويعيشُ بروحه ‏البارِدة،

    أينما حلّت وارتحَلت واختلطَت بألوان الحياة 

    ‏لا لون يتلبَّسُها سوى الأسود،

    وكان يُشبهُ سرابيّة الظِّل في حضور العتمة، 

    ‏كالكلمات الباهِتة، ‏كوُجوهٌ صفراء 

    ‏كجسدٌ أصابَهُ الخَوَر 

    ‏كلوحة رسَّام يحاكي الموت

    ‏كمعزوفة صمَّاء في ألحانها أوجُه الأسى، 

    ‏يشبه كلَّ شيءٍ باهِت 

    ‏ريثما تراهُ تُراهِن على مَوتِه قبل الغَدِ

    ‏ولكن، ثمََة ضوءٌ طفيف يُبقيه على قيد الحياة

    ‏كان ذلك هو الأمَلُ.

    لصوتي الارتداد الحنونُ نفسهُ

    أنادي باسمه مرارًا وتكرارًا 

    فإذا بصوت عذبٌ رخيمٌ يردّ على نداءاتي كل مرة،

    يربِّتُ بيديه السَّرابيتان على كتفيّ ويُلقي بأوجاعي على الهاوية،

    كان كالظِّل يتبَعُني ‏و كالنَّورِ يسطَعُ بي،

    ‏وظَلّ صوتي يُنادي ويُنادي، حتى أَلِفت أُذُنايَ رنين السِّين وسكون النِّون. 

    «أحدهم اجتاح أرضي»

    أرى على وجنة تلك الأرض احمرار، وخجلٌ في ملامِح حقولها المخضرَّة، فاستَدْللتُ من مُخافتة الاشجار آنذاك أنكَ عبرتَ من هُنا، و سقطت منك سهوًا خطوةٌ صغيرة خبَّأتها منابِت الزَّهر في باطِنها، لكي تستَرِق منها بضعُ أخبار عنك

    ‏علّ الخطوات تنطقُ يومًا، بآمالٍ وإن كانت زائفة.

    « مشهَد »

    أسترِقُ من ضفافِ النوافذ أحاديثَ الحوائط 

    و آخر أخبار دقائقُ السّاعة 

    و إيقاعات المُوسيقى التي يكررها المذياعُ كلّ صباح 

    وخطواتُ الرَّيح عبر رقصات السَّتائر،

    أتأمل هذا المنزل 

    أترُك خلسة نظرة بريئة 

    علّها تجدُ جوابٌ صغير عن حال الأسرة السَّاكنة هُناك 

    أو مشهدٌ دافئ ، تحتفظُ فيه خلف أبواب الذاكرِة

    ترسُم خيالاتي صورةٌ زائفةٌ لي وأنا معهم 

    خلف هذا الاطار الاسود وهذه اللوحة العتيقة 

     تتواجد تلك النسخة السعيدة،

     التي بقيت معلّقة آنذاك ولم تعبُر خطّ العُمر معي.

    ـــــــــــــــــــــــ

    *مختارات من رغد عبداللطيف

  • ماه من – آمنة عبد الغني

    ماه من – آمنة عبد الغني

    *ماه من: قمري، باللغة الفارسية

    تبدو الذاكرة كائناً شبحياً نقاوم بها ثقل الأيام ومتاعبها، تارةً تظهر كشاشة سينما داخلية كالمخلص الذي يرمم جروحنا، وتارة تصف لنا روشتة أقراص تضع فيها ضحكات من نحب وهمساتهم نتناولها سراً عندما نصاب بوعكة، وتارة تُلبسنا جناح طير تحمل معها أجمل اللحظات لنرتفع عن متاعبنا. 

    أمتهن حرفة بناء الذكريات بمهارة وإتقان مع جميع أحبائي، بما في ذلك الأماكن والطبيعة التي أعتبرها كائنات حسية تألفني وأألفها، وأعزي تلك المهارة لقدرتي على التنقل معهم بخفة من حاسة لأخرى.

    وفقاً للأبحاث التي أجراها مايك ويكينج، 62% من الذكريات المؤثرة التي تم استرجاعها كانت متعددة الحواس، فكلما زادت قدرتنا على استخدام حواسنا بشكل متعدد، زادت فرصتنا في الاحتفاظ بالذاكرة واستدعاؤها في المستقبل. لذلك عند رغبتي في تثبيت لحظة معينة في ذهني كجزء من مخزن الذكريات، أكون منتبهة للمداخل الحسية المحيطة بي، هل هناك رائحة مميزة في الجو؟ أغنية معينة تلتقط انتباهي؟ ملمس يثير إحساساً معيناً؟ طعمًا يجعل اللحظة لا تنسى؟ أحيك نسيجًا من الروائح واللمس والتذوق وأراكمه مرة تلو الأخرى، حتى أبني قصراً من الذكريات التي لا تُنتسى. 

    وقد وضعت ذلك الصوت الصباحي الدافئ في قارورة أحملها معي أينما أذهب، خيطت معها آلامي وأفراحي وأحلامي. تُناسبها صفة الحارس: فهي حارسة المفاتيح، حارسة الخاتم، حارسة الكنز، حارسة النذر… أحكي عن فيروز حارسة ذكرياتي والناطقة الأبدية باسم القمر. وما هي حكاية القمر الذي يبدو ملازماً لفيروز في معظم أرشيف أغانيها؟ فمنزلها هناك خلف القمر، والقمر عندها بالدار، تروي لنا حكاية الليل والقمر العشقان، ومن يوم ما حبت صار القمر أكبر، وصار تنادي حبيبها سيدُ الهوى قمري، ولونت سماها معه وزرعت الهوى معه، اللي تشرح الهوى على مطلعو ، ومعها يرقص القمر ويلعب عالشجر، ومن غزلها يُكسى القمر، وهي التي بكفيها مع حبيبها ضو القمر، وهي التي تخاف لتنام وينزل القمر ويلاقيها غافية، وصار حلمها بس ان القمر ياخدها بعينيه ويهرب

    حظيت الميثولوجيا القمرية بأهمية أكبر مقارنة بالميثولوجيا الشمسية

    في رحاب الأساطير القديمة، نرى أن الميثولوجيا القمرية كانت تحظى بأهمية أكبر مقارنة بالميثولوجيا الشمسية. ويعزى ذلك جزئياً إلى الأثر العميق الذي كان يتركه مشهد السماء في الليل بنجومه المتلألئة وقمره الساطع على نفس الإنسان القديم. وبالرغم من أهمية الشمس كمصدر رئيسي للطاقة والحياة، إلا أن القمر كان يثير استفسارات وتساؤلات أعمق في نفوس البشر، وذلك بفضل حركته الشهرية التي كانت تتناغم بشكل لافت الحركة الطبيعية الداخلية لجسد الأنثى. لذلك صنف القمر في أساطير العهد القديم على أنه أنثوي الطابع. وارتفعت أهمية القمر عندما ارتبطت أهمية القمر في وعي الإنسان منذ القدم بالتغيرات الموسمية على الأرض وخصوبتها. فكان القمر بمثابة العنصر المحرك الذي يعيد الحياة إلى الأرض بعد فترات السبات. وهذا ما عكسته الأساطير السومرية، فتم تجسيد مراحل القمر من البدر إلى المحاق من خلال قصة هبوط آلهة الخصوبة “إنانا” وفقدانها جزءاً من زينتها أمام عبورها كل بوابة من بوابات العالم السفلي حتى تصبح عارية تماماً، حيث يعتبر وجودها في الأسفل رمزاً لغياب الحياة والخصوبة في فصل الشتاء. في حين تعود حية ومجددة في الربيع مع عودة النباتات إلى الحياة عندما تجد محبوبها “ديموزي” إله الخضرة، وهنا يبدأ ظهور القمر مجدداً أول الشهر، كخيط رفيع يتزايد حتى يكتمل بدراً. 

    سيلين، إلهة القمر في الأساطير الإغريقية (التمثال في الأصل يبين إلهة القمر الرومانية لونا، والتي تعد الإلهة المقابلة لسيليني)

    نحن كائنات تسعى دائماً للبحث عن المعنى في كل شيء من حولنا، وقد ابتكرنا الأساطير لتكون عوالم موازية وظلالاً باهتة للحقائق الأرضية، لتساعدنا على التعامل مع المآزق البشرية وتعيننا على العيش بعمق وكثافة. القمر في أغاني فيروز ليس مجرد جرم سماوي، بل هو يتجلى كرمز للأنثى في رحلتها العاطفية، المتبدلة في تحولاتها، والهشة في ارتباطها العميق بمن تحب، فتتبدل أحوالها وأطوارها مع الحبيب بين الضياء والعتمة، تبدو بدونه هلالاً رقيقاً شاحباً ولا تخضر الأرض بدونه، ومعه تكتمل بدراً تنير السماء وتخضر الأرض بهما. وينعكس التناغم في مشاعر الأخذ والعطاء في لعبة الضياء والعتمة في التربيعين الأول والثاني من أطوار القمر، حيث تارة يغلب الضياء على العتمة، فتعطي أكثر مما تأخذ، وتارة أخرى يحدث العكس. 

    هذه تدوينة للتذكير بأن حياتنا ليست فقط الأيام التي مضت، بل الأيام التي ستظل في ذاكرتنا إلى الأبد، الجزء الأهم في الذكريات ليس فقط تذكرها، بل صنعها، لأنها الدليل على أننا عشنا حياة ذات معنى. لذلك، اسعَ لصنع أجمل اللحظات وللاحتفاظ بها لأطول مدة ممكنة، قم بسردها كقصة، لتحيا وتظل خالدة في عقلك وروحك للأبد. 

    ذات يوم، سوف تومض حياتك أمام عينيك، فتأكد أنها تستحق المشاهدة.

    كتابة: آمنة عبد الغني

  • جوتّام – آلاء حسانين

    جوتّام – آلاء حسانين

    ما سأكتبُهُ الآنَ،

    لا يُمكن أن تَعُدَّه بأيِّ حالٍ،

    قصيدةَ حب.

    يَدي في يدِك،

    ألتهمُ بعينيّ جسدَك العاري

    نائمًا  بوداعة..

    أذني على قلبك:

    لمرةٍ أخيرةٍ سأسمع نبضه.

    تتقلبُ

    فأعدُّ بابتذالٍ شاماتِ ظهرك

    أضحكُ،

    فتأخذني بين ذراعيك..

    أبكي،

    فتقبّل برقةٍ صدريَ النافر،

    وتقولُ – محاولًا إضحاكي –

    نكاتًا عن الثروة البزّية،

    وعن العدالةِ في توزيعها بيننا.

    ما الذي بيننا؟

    رجل وامرأةٌ وبينهما شيءٌ

    لا يَعُدَّانِه شيئًا.

    أولَ مرةٍ، التقينا عند مدخل العالم.

    مستندًا على سيارتك الحمراء

    سألتُك: سفينتك الفضائية؟

    وضحكتَ بخجلٍ

    وأنت تخلطُ مخدراتك في قلب المقهى.

    قدمتُكَ لأصدقائي المندهشين:

    “جرّاح.. بيداوي قلوب.”

    ثم قال صديقي نكتة ساذجة

    عن القلوبِ المعطوبة

    عن قلبِه وقلبي وقلبِك..

    ثلاثتنا، تخيلناك في السرير.

    في المرةِ الثانية

    التقينا عند منبع العالم.

    وقفتُ في الخلفِ أنظر إلى الموج يلطخُ قدميك

    رميتُ أيضًا نكتةً ساذجةً عن الانتحار

    وعن وقتِكَ الذي لم ينفد بعد..

    لكنكَ قلتَ – أنت المنحازُ إلى الحياةِ دومًا –

    “تظنينني مثلكِ؟”

    أنا التي أنحازُ كثيرًا إلى الموت.

    نظرتُ إلى الماء،

    ولمحتُ جسدك طافيًا

    ثم نظرتُ إليك

    ولم تكن أنت الجالس بجانبي..

    في المرةِ الثالثة،

    التقينا في منزل جيرد وسام

    ذهبا إلى  البابِ لحمل كراتين البيرة إلى الداخل

    ونظرتُ إلى هرمٍ صنعاه من الزجاجات الفارغة

    وإلى فتاتين تقبلان بعضهما في الكنبة المقابلة..

    أحاطني سام بذراعه وتأملناك

    تعودُ من سمائك شيئًا فشيئًا

    تهبطُ من مركبتك وتتجولُ حولنا

    تُسقطُ الثلجَ في كأس الويسكي

    وتغني جوتّام مع لارا فابيان..

    تنسحبُ إلى المطبخ لتبلل وجهك

    مُحاذرًا أن تُرى سكرانًا،

    أو عاشقًا.

    في المرةِ الرابعة التقينا في معهدِ جُوتة.

    وقفتَ تحت شجرة تنظرُ إليّ قادمةً من بعيد

    ولم أميزك من الليل،

    ولا من الظلالِ التي تتداخل فيك

    مثل تلك المرةِ أمام الماء

    شعرتُ، بإمكان الرياح أن تمر عبرك.

    كنتُ قد تركتُ أمي توًا،

    وبدأتُ بالتيه.

    قلت لك: قبل سنوات تمنيتُ أن أتشرد

    أن أضيعَ ولا تَعثرَ أمي عليّ.

    وها أنا أذهبُ لأخطرِ الأمكنةِ

    حيث لا فائدةَ أن أصرخ: يا أمي.

    تحدثنا عن الذهاب بعيدًا

    وعن اللغةِ الألمانية اللعينةِ التي تتعلمُها

    وأنتَ تؤدي خدمتك العسكرية في الجيش

    أنتَ أيضًا تلاحقُ شيئًا،

    تهربُ من شيءٍ

    لم/ لن تخبرني أبدًا عنه.

    لم تقل أبدًا: تعالي

    ولم أقل: ابق

    مرةً واحدةً سألتني ساخرًا:

    أين تتخيلين نفسك بعد عامين؟

    قلتُ وأنا أضيفُ السكر إلى الشاي:

    “باريس أو لندن”

    مثلَ الجميع أرغبُ بالمغادرة.

    لكنك نظرتَ إلى الشوارعِ حولنا،

    إلى تجمهرِ الناسِ الذين يشاهدون مباراةً للأهلي والترجي

    إلى القهوجي وهو يصيح،

    والمارةِ وهم يتشاجرون

    إلى قططِ الشوارعِ تتسلقُ الأقدام

    ثم قلتَ وعيناك تنهمران بالبكاء:

    أما أنا فيؤسِفُني أن أُضطرَ للمغادرة.

    قهوة الحرية – عمر الفيومي – مصر

     شربنا في الحرية،

    وفي بار التونسي الذي تحبه كثيرًا،

    في سيارتك، وفي منزلي،

    وموسيقاك الكلاسيكية تتبعنا في كل مكان..

    حتى وأنت تُجري عملياتِ ترقيع البكارة

    لفتياتٍ سيزوجهنَّ أهلُهُنَّ

    فتياتٍ اغتُصِبنَ أو عبثنَ مع آخرين

    فتياتٍ من عائلاتٍ محافظة يحملنَ اسمي..

    انتظرتُ في الصالة

    وأنت ترقِّعُ بكارةَ فتاةٍ على سريري

    مُلاءاتي البيضاء تلطخت بالميكروكروم

    احتضنتُها طويلًا بعدما انتهتْ من لفِّ الحجاب،

    قلتَ لي وهي تنزل الدرج:

    عُرسها بعد أسبوعين، يجب أن تنزف في أول ليلة أو ستُقتل حتمًا..

    ثم قبلتُك على الفراش ذاته

    فكرتُ بسفرك الذي يقترب

    بطيفك الذي سيحلُّ مكانك

    وقلتُ: اترك لي شيئًا منك.

    في آخرِ يوم من العام ألفين وثمانية عشر

    احتفلَ أصدقائي في منازلَ عدة

    أصدقائي الكُثر، الأمريكان والفرنساوية والطليان الذين تعرفهم،

    أرادوني جميعًا في حفلاتهم

    لكنّي تجولت تلك الليلة في الشوارع

    وتفرغتُ للبكاء.

    نظرت إلى السماء التي تحلُّق فيها الآن

    فكرتُ بألمانيا الباردة

    ألمانيا الغريبةِ، الكئيبةِ، البعيدة

    يدي على بطني:

    شيءٌ منكَ يحيا الآن في داخلي.

    بعد أشهرٍ صادقتَ فتاة تشبهني

    لم أبال كثيرًا بالجنس بينكما

    بيدك تُمررها على صدرها

    بالعناقِ الصلب الذي تحتاجه

    حين كان جسدُكَ يُوشِكُ أن ينفصلَ عن جسدي.

    لكني تساءلتُ عن الضحكِ والكلام

    إن ضحكتَ معها أكثر

    أو حكيتَ لها أكثر

    إن قربتَها من غرفِ طفولتك المغلقة

    إن نادتكَ مثلي باسمٍ مستعار

    فلم ترغب أن أناديكَ بذات الاسم

    الذي يناديك به والدك.

    عرفتُ مصادفةً عن أبيكَ الضابطِ بالجيش

    الذي أسقطكَ في هذا الصمت..

    ومراتٍ قليلة حكيتَ لي عن شواطئك المفضلة

    وشوارعِ القاهرةِ التي تحب

    وابتعدت كثيرًا عنها..

    صوت: أبرار سعيد

    منذ أيام التقيتك أخيرًا

    وذراعُكَ على وشكِ أن تنفلت.

    حكيت لي عن مرضاك في مشفاك الألماني

    عن اللاجئ السوري الذي وصل من حلب مشيًا على قدميه

    عن قلبه المتعب وإقناعك له بأن يتعلم القراءة ليدون قصته

    وعن المتبرع اليهودي الذي منحه قلبه

    عن افتقادك للبحر وغابات ألمانيا المخيفة و كنيسة نوتردام

    التي صورتها قبل احتراقها بأسبوعين

    عن رحلتك لجبال الألب

    واشتياقك حينها لأكل الفول من على عربةٍ في طلعت حرب

    عن القاهرةِ التي تعذبك وتفكرُ فيها كل حين

    عن بكائك في حاناتِ أوروبا وأنت تقول للندماء الذين لا يتحدثون العربية:

    “أنا مصر وحشتني.”

    منذ يومين التقيتك،

    وفي قلب مزاحنا أخبرتُك بأني أحبك

    وأني قبل عامين

    أجهضتُ طفلًا لك..

    بمحارمَ بيضاء مسحتُ دمَه عن البلاطِ،

    وعن فرجي،

    بالرقةِ التي مسحتَ بها ماءك عنه

    بالرقةِ ذاتها،

    قتلتُ طفلًا بحاجبين كثيفين..

    وكتبتُ قصيدةً طويلةً

    عن طفلٍ يُشبهك

    طفلٍ ميتٍ

    يخرجُ كلَّ ليلةٍ من بُقعةِ دم

    ويتجولُ في الرواق.

    مريم بودربالة – تونس

    قلتُ أحبكَ

    وبَدَتْ كلمةً بسيطةً للغاية

    أبسطَ من يَدِكَ وهي تمرُّ بحنانٍ فوق رأسي

    أبسطَ من نظراتك الشاردة

    من تيهك المتعمَّدِ في البُلدان

    من الغرباءِ الذين تذهبُ معهم

    ثم يلقونكَ في روسيا

    بين أناسٍ يشربون الويسكي من الزجاجة.

    قلتُ أحبك

    ولم أعرفْ إن صرنا الآن حبيبين أو صديقين

    أو شيئًا بين هذا وذاك

    أو شخصين وحيدين للغاية

    وبينهما طفل ميت.

    قلتُ أحبكَ،

    وبدت أقلَّ أهميةً

    من الليلِ الذي يخيمُ على حياتك وحياتي

    من روحك الشريدة التي لا تبقى في مكانها

    من خوفك الذي يشبه خوفي

    من أن تظلَّ في المكان ذاته

    من حزنك الذي يشبه حزني

    من الصمتِ بيننا

    والليلِ بيننا

    والأرضِ التي علقنا فيها

    بين الموتِ والحياة،

    بين النزعة إلى الاستقرار

    والرغبة في التشرد

    قلتُ أحبك،

    ليسَ لأني أبحثُ عن الشِّعر

    أو عن الأملِ في آخر نبيذٍ في الزجاجة

    وبدتْ مثلَ كلمةٍ بلا وزن

    تقولُها كثيرًا

    عشيقاتي

    وعشيقاتُك

    لكنكَ قلت:

    حينَ أتوهُ في ألمانيا،

    أتذكرُ وجهَكِ،

    فأتمكنُ أخيرًا من العودةِ إلى المنزل.

    ـــــــــــــــــــــ
    *آلاء حسانين، من مجموعة: الحب الذي يضاعف الوحدة، عن دار وزيز


  • توحشتك – ريهام عزيز الدين

    توحشتك – ريهام عزيز الدين

    -أنصفتني؟

    -كنتُ عادلًا.

    -ما العدل؟

    -أن يستوي الميزان، أن أكون مُنصفًا.

    -ما الإنصاف؟

    -الاستقامة.

    -ما الاستقامة؟

    -الوفاء بالعهد.

    -ما العهد؟

    -المعرفة.

    أن نلتقي كما عهدتيني.

    -ما اللقاء؟

    -أن أرى عينيكِ.

    -ما الفراق؟

    -أن يُوَدع كفكِ راحةَ يدي.

    -ما الفراق؟

    -أن ينقطع العهد بيننا.

    -ما الفراق؟

    -أن أمت واقفًا.

    -ما الانفصال؟

    -أن ينفك المسمار من خشبته.

    -ما التفكك؟

    -أن يتبعثر الكل إلى أجزاء،

    يتناثر الصلب فيصير أهون من نفخ الريح،

    تسقط الورقة من الشجرة الورافة.

    -ما التساقط؟

    -أن تَهلَك، مُستنزفًا حيلتك.

    -ما الحيلة؟

    -مراوغة العجز.

    -ما العجز؟

    -الخوف.

    -ما الخوف؟

    -الاستباحة.

    -ما الاستباحة؟

    -الهوان.

    -ما الهوان؟

    -ألا نصير معًا.

    -أنصفتني؟

    -توحشتك.

    -ما الوحشة؟

    -ألايحدث كل هذا.

    -انتهينا؟

    -لاأعلم.

    -انتهينا؟

    -توحشتك.

    -انتهينا؟

    -لا أعلم.

    -انتهينا؟

    -ما قد حدث.

    -انتهينا؟

    -توحشتك.

    ______

    نص: ريهام عزيز الدين

  • هواجس في طقوس الوطن – عبد الله الصيخان

    هواجس في طقوس الوطن – عبد الله الصيخان

    قد جئتُ معتذرًا ما في فمي خبرُ

    رجلاي أتعبها الترحالُ والسفرُ

    ملَّت يداي تباريح الأسى ووعت

    عيناي قاتِلَها ما خانَها بَصَرُ

    إن جئتُ يا وطني هل فيك متّسعُ

    كي نستريح ويهمي فوقنا مطرُ

    وهل لصدرك أن يحنو فيمنحني

    وسادةً، حلمًا في قيظهِ شَجَرُ

    يا نازلًا في دمي انهض وخذْ بيدي

    صحوي والتمَّ في عينيّ يا سهرُ

    واجمع شتات فمي واغزل مواجعَهُ

    قصيدةً في يدٍ أسرى بها وترُ

    وافضح طفولتيَ الملقاة فوق يدٍ

    تهتزُّ ما ناشها خوفٌ ولا كِبَرُ

    وصُبّ لي عطشَ الصحراء في بدني

    واسكبْ رمال الغضى جوعاً فأنحدرُ

    * * *

    قهوةٌ مُرَّةٌ وصهيلُ جيادٍ مسومةٍ، والمحاميس في ظاهر الخيمة العربية

    راكةٌ في الرمال وفي البالِ، كيف المطاريشُ إن ذهبوا للرواح مطي السفر ؟

    وكيف هي الأرضُ قَبْلَ المطر ؟

    وكيف الليالي، أمُوحشةٌ في الشعيب إذا ما تيمّم عودُ الغضى واحترى أن يمّر به الوسمُ صبحيةً والنشامى يعودون في الليلِ مثقلةٌ بالرفاق البعيدين أعينهم،

    ثم كيف السرى إذ يطول بمَدْلجِها؛ أرضهُ أنسُهُ في التوحُّدِ، لا أحدٌ غير رمل الجزيرةِ، لا نجمةُ يستدلّ بها في السّرى غير قلب المحبِّ، وهذا الحصى شَرِهٌ ما طوته القوافلُ من زمنٍ ثم كيف النوى إذ يطول بنا.

    قــم بنــــا

    أيَها الوطن المتعالي بهامات أجدادنا

    أيَها المستبدّ بنا لهفةً وهوىً

    أيَها المتحفّز في دمنا

    والمتوزّع في كل ذرّاتنا

    أعطنا بصراً كي نراك، وأوردةً كي تمر بنا فيه نلقي مساءً جميلاً، قرنفلةً في عرى ثوبك الأبيض المتسربل ضوءًا لنمشي أيا أيّها الوطن المتعالي إذا ما ارتدانا الظلامُ إليك.

    خذ يدينا إذًا

    صُفْنا.. وأقم يا إمامَ الرمال صلاةَ التراويح فينا، مقدّسة أن تظلّ لنا شامخاً كالنخيل الذي

    لا يموت..

    واضحاً كالطفولة، كالشمس ثم اعْطنا جذوةً حيَةً في الفؤاد الخليّ لكي يصطفيك

    وطني واقفٌ ويدي مُشْرَعَهْ

    ابنك البدويُّ أتى يستزيد هواجس أيّامه المُسْرِعَهْ

    مرسَلٌ من سنيّ الفراغات

    كيما أفتّش عن لغة ضائعهْ

    بكيتُ على باب مكة، فتشتُ أركانها الأربعهْ

    في فمي معزفٌ كسرته الليالي ومَحَت ترانيمَه الزوبعهْ

    * * *

    إنني واقفٌ خلف ظهرك مفتتحًا وجعي باعتذار المحّبين حين يطول النوى

    خاشعًا من محيّاك، يا وطنًا نتعالى به، غيمنا إذ يجف بنا الورد، سلوتنا في مساء التغرُّب، في الصبح وردتنا ورغيف الفقير،

    وأنت البسيطُ البسيطُ فقل للعصافير 

    إن الفضاء مديحُ اتساعٍ لعينيك كي لا تطيرَ،، 

    فكن وطني ممعنًا في الهدوء لكي تعتلي ذروتك

    وكُنْ في المساء حنينًا عليها لكي تَمْنَح السرَّ لك

    سماءُ لنا، وسماواتُ لك

    وأنت فضاءُ البياض إذا ما استفاضَ على القلب شكْ

    وأنت الشهادةُ فيمن هلكْ

    سماءُ لنـا..

    وسماواتُ أولها أنت، آخرُها أنت، 

    وأنت لنا الضوء إذ يستدير الحَلَك

    وطــنٌ..

    تعبت رملةٌ في (النفود) فقلتُ لك القلبُ مُتّكأٌ والغمام فَلَك

    فاستديري به ثم حُطِّي على جبهتي

    أنا واقفٌ لمجيئك

    أعرفُ

    بعد الغمام تغنّي السماءُ لنا أغنيهْ

    تصبّ لنا الماءَ في عطش الكأسِ

    وقتئذٍ

    مطرٌ أشعلك

    مطر أشعلك.

  • البيت – وارسان شاير – ترجمة: ضي رحمي

    البيت – وارسان شاير – ترجمة: ضي رحمي

    I

    تقولُ أمي هناك غرفٌ مغلقةٌ داخلَ جميع النساء:

    مطبخُ الشهوةِ، حجرةُ نومِ الحزن، حمامُ اللامبالاة.

    الرجالُ يأتون أحيانًا – بالمفاتيح،

    وأحيانًا بالمطارق.

    II

    قلتُ توقَّفْ، قلتُ لا، لكنه لم يمتثل.

    III 

    ربما لديها خطةٌ، ربما تعودُ به إلى بيتها، ليستيقظَ بعد ساعاتٍ في بانيو مليءٍ بالثلج،

    بفمٍ جافٍ، ليتابع إجراءاتِ نظافتِهِ الجديدة.

    IV 

    أشرتُ لجسدي وقلتُ، أوه هذا الشيءٌ القديمُ؟ لا، لقد ولجته توًا.

    V

    سألتُ أمي: ستأكلين هذا؟ مشيرةً إلى والدي الذي كانَ يرقدُ على مائدةِ غرفةِ الطعام،

    وفمه محشوٌ بالتفاحِ الأحمر.

    VI

    كلما نما جسدي، كلما زادت الغرفُ المغلقة، وكلما زادَ عددُ الرجالِ حاملي المفاتيح. لم يدفع أنورُ بالمفتاحِ جيدًا، لازلتُ أفكر بما كان يمكنُ أن يفتَحَه لو أفلح. 

    لثلاثِ سنواتٍ وقفَ باسلُ مترددًا عندَ الباب. أما جوني صاحبُ العيونِ الزرقاء، فأتى بحقيبةِ أدواتٍ سبقَ وأن استخدمها مع نساءٍ أخريات: دبوسُ شعرٍ، قنينةُ مُبَيِّضٍ، مِطوَاة، وعبوةُ فازلين. 

    يوسفُ ذكر َاسمَ الله وهو يديرُ المفتاح، لكن، لم يجبْهُ أحد. البعضُ تَوسَّلَ، البعضُ تَسَلَّقَ جانبَ جسدي بحثًا عن نافذة، والبعضُ قالوا إنِّهم في الطريقِ، ولم يأتوا.

    VII

    قالوا: أرنا على جسدِ الدميةِ مواضعَ اللمس.

    قلتُ: لستُ دميةً، أنا بيت.

    قالوا: أرنا في البيت. 

    هكذا: أصبعين في جرِّة المربى.

    هكذا: مرفقٌ في حوضِ الاستحمام.

    هكذا: يدٌ في الدُّرجِ.

    VIII

    لابد أن أخبرك عن حبي الأول الذي اكتشفَ، منذ تسعٍ سنواتٍ، بابًا مسحورًا أسفل نهدي الأيسر، ما إن فَتَحَهُ حتى انزلقَ داخلي، ومنذُ ذلك الحين لم يَرَهُ أحد. بينَ وقتٍ وآخر، أشعرُ بمن يتسَلَّقُ فخذي، عليه أن يكشفَ عن نفسِهِ، رُبَّما كنتُ لأسمحَ له بالخروج. 

    آمُلُ ألا يكونَ قد اصطدمَ بالآخرين، الصبيةِ المفقودين من المدنِ الصغيرة، مع أمَّهاتِهم الطَّيبات، الذين ارتكبوا أمورًا سيئةً وضاعوا في متاهةِ شعري. أطعِمُهم جيدًا، شريحةً من الخبز، وإذا كانوا محظوظينَ قطعةً من الفاكهة. فيما عدا جوني صاحبُ العيون الزرقاء، مَنْ فتحَ قُفلي وزحفَ داخلًا. ولدٌ سخيف، مغلولٌ في قبوِ مخاوفي.. أعزفُ الموسيقى لأغرِقَه.

    IX 

    قرعٌ قرعٌ

    -من بالباب؟

    -لا أحد.

    X

    في الحفلاتِ أشيرُ إلى جسدي وأقولُ: هنا يموتُ الحبُّ. مرحبًا بك، تفضَّل بالدخول، اعتبِرهُ بيتَكَ. 

    الجميعُ يضحكون، يَظُنُّونَ أنني أمزح.

    _وارسان شاير – ترجمة: ضي رحمي

  • أزهار اللحظة، حلم الشاعر بقلوب ملؤها الشعر – كو أون

    أزهار اللحظة، حلم الشاعر بقلوب ملؤها الشعر – كو أون

    مقدمة ديوان: ألف حياة وحياة، للشاعر الكوري كو أون.

    ترجمة: تشوى جين يونج – تحرير ومراجعة أشرف أبو اليزيد

    لستُ أدري ما السبب، غيرَ أنَّ الليلةَ ساكنةٌ، هامدةٌ تمامًا.

    سكونٌ محيطٌ وكأني أكادُ أسمعُ رمالاً تذروها الريحُ تُغنـِّي على مدارجِ جبل “مينجشا” الزلقة في “دون هوانج”، بعيدًا علـى طريقِ الحرير، تخترقُ كلَّ تلك المسافات.

    آلافُ الأميالِ الصامتة!

    هل يكونُ ذلك صوتُ فراغٍ ينادي على فـراغ، أم صـدى أسماءٍ تستدعي أسماءً؟

    هذا الصوتُ الساكنُ لشخصٍ ما، يشقُّ الطريقَ الـذي يقبـعُ وراءَ الخيرِ والشر، صوتٌ بلا صوت، كما لو كان ينادي علـى النيرفانا. صوتُ الدائرةِ المفرغة، لما وراءَ البهيِّ والقبيح، لمـا وراءَ الطيبِ والشرس، بل هو صوت يتجاوزُ كلَّ ما يشبِهُ ذلك، ربما كي يصلَ إلى الحالةِ التي قد يختفي فيها ذلك الصوت.

    ها أنذا أتجرَّأُ لأحرِّكَ هذا السكون.

    ربما كان سؤالُ العالمِ الأول: “ما القصيدة؟” ولعل ذلك كـان وراءَ – أنه خلال العصورِ المتوالية، وعندَ لحظـاتٍ حرجـةٍ – لايزالُ هذا السؤال: “ما القصيدة؟” يطرحُ نفسَه دون كللٍ أو ملل.

    منذ ستينَ ألفِ سنةٍ مضت، كانت شعوبُ “الناندرثال” تحرِقُ موتاها، وتُزَيِّنُ نعوشَهُم بغصونٍ خضراءَ، وسـنابلَ أرجوانيـةٍ وأقحوانٍ ذهبيٍ مُتوَّج، وعراقيبَ مقدسةٍ، وسواها، ثم يضـعونَ الجسدَ فوقها. هذا ما اكتُشِفَ في كهوفٍ بالعراق. وكـان جسـدُ صبيٍ من العصرِ الحجريِّ، قبلَ عشرين ألفِ عام، قد اكتُشِفَ

    في كهفٍ بكوريا، بمقاطعةِ تشونجي هونج، وعلى حاجبيهِ أقحوانٌ مُتحجِّرٌ. 

    الأمرُ نفسُه في مصر، حين عثروا على أكاليل زهـورٍ على رأسِ الفرعون الصبي توت عنخ آمون، الذي مـاتَ قبـلَ ثلاثةِ آلافٍ وثلاثمائةٍ سنة خلت.

    أنا على اقتناعٍ تام، بأنَّ طقسَ تقديمِ هذه الزهور هُـوَ لُـبُّ الشعر. فالشعريةُ، ونظرياتُ الشعرِ التي نشـأتْ فـي الشـرقِ والغربِ، منذ العصور الكلاسيكية، تتشابهُ فـى كونِهـا مـرَّت بتطوراتٍ جمةٍ. ومنذُ الأزل، كانَ الناسُ يتلونَ صلواتِهم، بقلوبٍ مِلؤُها الشعرُ، على موتاهم، لكي يبعثوا في العالم الآخرِ، عالمـًا من الأزهار، حيث تمثِّلُ تلكَ الجنان، الأسى الطالعَ بين الحضور والغياب.

    وكما انحازَ الشعرُ للإنسانيةِ على مدى عشراتِ الآلاف من السنين، فقد أصبحَ، بمرورِ الزمن، أصدقَ ما يُعبِّرُ عن كنه ذلك الزمن. إن بيتًا واحدًا من الشعر، بل ربما كلمةً واحدةً منهُ، قـد تبُعثُ في عشرةِ آلافِ زهرة!

    الشعرُ، دونَ شكٍّ، عهدٌ نقطَعُه على أنفسنِا للمستقبل. لـذا يُعلِنُ عن لُبِّ خلوده كما لو كان حلمًا. وبعـددِ البشـر، تتعـددُ الأحلام.

    اكتشفتُ أننى مفتونٌ باقتفاءِ آثار الخطى الروحانية، تلك التي تركَها الشعراءُ السابقون عليَّ. أحلامُ هؤلاءِ الشـعراء لا تـزالُ تضيء. نبوءاتُ بعضِ الشعراء تبدأُ في أحلامهم.

    يُقالُ إن شاعرًا استعارَ من حُلمِه خمسَ ريشاتٍ للكتابة، كلٌّ منها ذاتُ لونٍ مختلف، وكتبَ بها قصائدَه. ثُمَّ إنَّهُ، أعادَ الريشاتِ لأصحابها خلالَ الحلم، فلم يأتِهِ إلهامُها أبدًا! وحينَ وجدَ نفسَهُ بلا قصيدةٍ، لم يجد مُبرِّرًا لاستمرارِ حياته، فرحلَ عن عالمنا.

    شاعرٌ آخر بدأ – بالمثل – بالأحلام.  في أحدِ أحلامِه وجـدَ نفسَهُ يتقيأُ عنقاءَ لها ذيلانِ؛ طارتْ وحلَّقتْ عاليًا، وفـي اليـوم التالي وما بعدَه، انهمرت القصائدُ المجنَّحةُ من تلقاءِ نفسها. بينما شاعرٌ آخر، بدأ، أيضًا، حياتَه عبرَ الأحلام. ذاتَ مرةٍ، تفتَّحَ

    في حُلمِه بُرعمُ زهرةِ “الفاوانيا” على طَرَفِ غُصنٍ، غيرَ أنَّهُ بينَ الرؤيا واليقظة، كتبَ عشرةَ آلافِ قصيدةٍ تجعلُ كـلَّ الأرواحِ – في السماءِ وتحتها – تبكي. لم يكن الأمـرُ متعلقـًا بالقصـائد فحسب، لأنَّهُ احتسى أيضًا عشرةَ آلافِ كأسٍ من الخمر، أثنـاءَ كتابَتِهِ تلكَ القصائد. في حياتِه كانَ هو العَالَـم، وفي مماتِهِ تَجسَّدتِ الأكوانُ فيه.

    ثُمَّ إنَّ شاعرًا آخرَ بدأَ كذلك بحلم، كان يمضي على طريـقٍ بَرِّيةٍ، زَلقةٍ، وصخرية، إلى حيثُ ينبتُ العشبُ في الأعالي. كانَ هناكَ راعٍ قد وصلَ إلى قمَّةِ الجبلِ مع قطيعِ أغنامه. وحين نظرَ إلى العالمِ من عَلٍ، غلبَهُ سلطانُ النوم، فجاءتهُ في الحلـمِ تِسـعُ حورياتٍ، فاستيقظَ، فإذا به في الواقعِ حولَه الحورياتُ التسـعة.

    وفي صوتٍ رائقٍ، كَـمَا لو كانَ صوتَ حجرٍ كريمٍ يـرنُّ فـي الهواءِ الشفيف، قالت إحداهنَّ: “منذُ الآن، ستكونُ شاعرًا، ستكونُ شاعراً يُغنِّي الحقيقةَ كُلَّها للعالم.”

    حينئذٍ، بدأ الراعي الأمِّي، الذي كان يجهلُ معنى القصـيدة، حياتَهُ كشاعر. واندفعت من بين شفتيهِ نافورةٌ لا تتوقـفُ مـن القصائد. وعلى الرغمِ من تدوين تلك القصائد، فإنها لـَمْ تـَكـُنْ مُصطَنَعةً، بل وهبت ذاتهَا حياتَها.

    أتكونُ كلُّ هذه الأحلام، لكلِّ أولئك الشعراء، ملكًا لي، فأكونُ حَلُمتُ بها أيضًا، في هذا العالمِ، وسواه؟

    إن عددًا من قصائدي – دونَ شكٍّ – كانت الأحلامُ أجنَّتَهَا.

    في الليلةِ الماضيةِ، نهضتْ قصيدةٌ في أحلامي – هي من بناتِ أفكاري، بالقدرِ الذي قد تكونُ قصيدةَ سواي. هذا الشخصُ المجهولُ ربما يكونُ كذلكَ هو أنا في حيواتٍ سابقةٍ. وربما يكونُ شخصًا سأصبِحُهُ في عالمٍ آت.

    هاهي القصيدة:

    “قدِّمي حياتَكِ كُلَّها قربانًا للظُّلمَةِ،

    أيَّـتُـها الرقطاءُ،

    أيَّـتُـها الموجاتُ المتسارعةُ،

    الساحقةُ الماحقةُ النافذةُ،

    الضاربةُ منحدراتِ الصخرِ في الظلام.

    سيولدُ الضوءُ، وسيأتي الفجرُ.”

    حينَ تذكرتُ القصيدةَ بعد استيقاظي، وجـدتُها اسـتثنائية.

    بعضُ قصائدِ الأحلام طويلة، وتتلاشى تمامًا لحظةَ الاستيقاظ، لكنهَّا على الأغلب تكونُ مثلَ تلك القصيدة، هي قصيدةٌ ليسـت طويلة. 

    جذورُ قصائدي الموجَزَةِ تنبتُ في حُلُمي.

    تخيَّل أنَّ شاعرًا يكتبُ قصائدَهُ وهو على ظهرِ حمار.. إنَّـهُ حين يسعلُ، فإنَّ بُصاقَهُ سيكونُ قصيدة. بعضُ الشعراء يقولـون إنَّهم يشربونَ الشعر. أحدُهم قالَ مرةً: إنَّهُ يتنفسُ الشعر.

    توقفتْ في طريقِها سحابةٌ تجرُّها الريح.

    في ليلةٍ مقمرةٍ، كانَ العالمُ على اتساعِ مئاتِ الأميـالِ مـن حولنا بيتـًا. في ليلةٍ مقمرةٍ كتلك، قد تُنشِدُ قصيدةً، ثم تعزفُ على الناي، فيتوقفُ القمرُ في مدارِهِ السماويِّ، ويسكنُ هنيهاتٍ ممتدةٍ، يُنصِتُ إلى قصائدِ الأرض.

    أيكونُ ما حدثَ شأنـًا سماويـًا؟ كيفَ يكونُ ذلك شأنُ السماءِ والشمسِ والقمرِ والنجومِ فحسب؟ اعتادت القصائدُ أن تُضَفِّرَ العوارضَ الخشبيةَ فى البيوت الكورية، وأن تتردَّدَ أصداؤها بعيدةً وعالية. 

    في البَدءِكانَ الشعرُ في السماء، ثـم هـبطَ إلــى الأرض. وكذلك الشاعرُ، الذي حطَّ من، أو نُفِيَ عن السماءِ، ليلاقيَ قدَرَهُ الأرضي.

    لا يحدثُ هذا – بالطبعِ – دونَ صراعٍ داخليٍ أليم، حـــينَ تواجِهُنَا أسئلةٌ من قَبِيلِ: ماذا يعني الشعرُ في مواجهةِ العُدوانِ والقهرِ والفقر؟ وماذا يعني الشعرُ في عالمٍ مِلؤُهُ الجشعُ والجهلُ والمرض؟” حتَّى مع مواجهةِ تحدِّي السؤال، ما إذا كانت كِـتابةُ الشِّعرِ ممكنةٌ بعد التطهيرِ العرقي، حين يفقدُ الشعرُ جَلاَله. لقد بدأتُ كتابةَ أولى قصائدي كما لو كانت فسائلَ عُشبٍ، تنمو من بين الأنقاضِ التي خَلَّفتَها الحربُ الكورية، التي خَلَّفت ورَاءَها زُهاءَ أربعةِ ملايين فقيد.

    لقد مزجَ الراهبُ البوذيُّ الكوريُّ القديم “وونهـــو” الحقيقةَ التي تعتمدُ على الكلماتِ، والحقيقةَ الصامتة. هنا تبدأُ إمكانيــةُ دخولِ الشعرِ إلى المفازاتِ الغامضةِ التي تتجاوزُ حدودَ الـحَـكي.

    وفي علاجِ الوَسَاطةِ الروحانية للبوذي شيون، ثَـمَّةَ إنكارٌ تامٌّ للكلماتِ والكتاباتِ على الرّغمِ من ذلك، وبعدَ إصابةِ المرمى، تتفتحُ أزهارُ الكلامِ من براعمها تمامًا.

    لقد كتبتُ قصائدَ مُطَوَّلاتٍ للغاية، وسطَّرتُ عدةَ ملاحـم، لكنَّ قصائدَ: “أزهارُ اللحظة” هذه تأتي على النقيضِ منها:

    سِر في طَرِيقِكَ،

    أنتَ الأوَّلُ، والآتي بعدَ الأوَّلِ.

    فامضِ، وامضِ..

    حيثُ ستبدو خطواتُكَ السريعةُ في المرآةِ،

    أنتَ لسانٌ صغيرٌ لنرجسِ الربيعِ 

    في قلبِ عاصفةٍ ثلجية.

  • يأتي الحب – ريهام عزيز الدين

    يأتي الحب – ريهام عزيز الدين

    يأتي الحب، 

    تتحقق النبوءة، تشعر بدغدغة نسمة رقيقة في ليلة صيفية شديدة الحرارة، 

    نسمة تجد طريقها بين ثنايا الفستان القطني الملتصق على جسدها بفعل الرطوبة العالية وبين جلدها الذي يتنفسُ للمرة الأولى منذ أزمنة.

    يأتي الحب، 

    تشعرُ أن ثمة وجودٌ يتشكلّ، وجودٌ قد يكون له نفس الوجه، غير أنها كلما مرّت على مرآة أطالت النظر لوجهها، ثمة ابتسامة ترتسم، وثمة غلالة رقيقة تكسوها وكأنها تأريخ للحدث. 

    يأتي الحب، 

    يتفتتُ العالم الذي خَبِرَته من قبل، فضاءٌ مُمتلىء بصورٍ ليست لها، وأعينٌ مُجوفة تنظر إليها بلامعنى وأفواهٌ تسردُ كُلَّ ما يُمكن تعبئته في الهواء من صخبٍ وتشويش. يتفتتُ العالم بأسره مثل ذرات رمال زارتها موجةُ مياهٍ بلون زُرقة السماء، فلثمتها لثمًا فأتبع الوجود الفناء دون أدنى مقاومة.

    يأتي الحب، 

    ويأتي معه ذلك الشعور بأنّ العالم أصبح أكثر اتساعًا، وأنّ ثمّة لون يُمكنُه أن يُعيد تأريخ الخليقة، 

    وأنّ الآن، والآن فقط يبدأ كل شىء، يولد كل شىء، 

    هلمّ أيها الفرح، أقبل نحونا.

    يأتي الحب، 

    وتنهار الأيدولوجيات التي تتمترس حول أفكارٍ خائفة بين يدىّ ساعاتي يحرص ألايُفلت الترس الصغير منه وإلا ضاع منه الإيقاع للأبد.

    يأتي الحب،

     تُولدُ تلك الرغبة المستمرة في الهرب، الهرب من الأماكن التي لايكون الحُب مدعوًا بها، الهرب من الحديث الذي لايتحدث عنه، الهرب من الأوجه التي تتفرسها بمليّة بحثًا عن انعكاسه في مُقلة عينيها، الهرب حين تراه، والهرب حين تجده، والهرب حين تمتلأ المسافةُ بينهما بكل شىءٍ عدا الحب.

    يأتي الحب، 

    تأتي معه الدموع المالحة، حين تراه يعبُر بين الجموع على بواباتِ الوصُول للسفر، ذلك الوجه ذاته إقبالًا وإدبارًا، تنسال الدمُوع المالحة متأرجحة بين الفرح لطلّته، وبين الأسى من كل تلك الوحشة التي سيخلِفُها المقعد الفارغ حول المائدة.

    يأتي الحب، 

    تترنح اللغة، تعجز أن تملأ الشقوق التي وجدت طريقها في الجدار بينهما، لايُمكن حشر الكلمة التي قيلت من قبل في الشق ذاته، لاتبدو أن هناك ثمة كلمة كافية لترمم ما حدث، سيظل الشق في الجدار يشي بتلك اللحظة التي لن تنمحي من ذاكرتهما، لحظة أن سدد أحدهما مِعوله نحو الآخر، لحظة أن رأى أحدهما أن آَخَرَه قادرٌ على أن يُلحق به أقسى هزائمه، وأن يمنحه الألم صافيًا كسهمٍ انطلق وبات متأخرًا إرجاعه إلى جُعبته.

    يأتي الحب، 

    يُولد الصمت ممتدًا كأذرع عنكبوتٍ وجد طريقه للبيت، ينسجُ خيطًا وراء الآخر، يسكنُ في أخر كُلّ خيطٍ خوفٍ قديم أن ينظر أحدهما في عين الآخر فلايعرفه، أو تبتلع أحدهما ذاكرة التيه، يبحثُ عن صُورة الحب القديم فلايستبين الطريق.

    يأتي الحب،

    تأتي معه الرغبة في فقدان النطق والتمنطق، تشي به الأعين الُمتلهفة على أن تحط على كتفيه بين الجموع، تفوح منه رائحة الاحتراق عند الغياب، تئن منه أقدامٍ لازالت تسير في كُلّ تلك الدروب التي قطعاها معًا، تُرتب الأبجدية وفق حروف اسميهما فتارةً تضيق  وتارةً تتسع، تارةً تحجب وتارةً أخرى تكشف، تفقد الكلمات خدرها اللئيم القديم، كأنها مُضغت من قبل وأن الفم لايستسيغ الكَلِم الذي سقط من الشجرة، بل وينفر الجسد أن ينثني ليلتقطه.

    يأتي الحب، 

    ويأتي معه الإيمان، ثمة أمل سيزورهما كُلّ صباح، أملٌ يكفي أن تمضي الحياة يومًا آخر، فقط يومًا آخر بكل تلك الخفة واليُسر والسَكِينَة.

    يأتي الحب،

    تأتي معه الإمكانية، إمكانية الإيمان، إمكانية الإرادة، إمكانية الحدوث، إمكانية التحقق، إمكانية أن تُصبح الحياة مُمكنة لمرة واحدة وطويلة وممتدة.

    يأتي الحب، 

    تبدو الضوضاء التي لازمتهما لسنواتٍ، بعيدة، تقف بعيدًا وتودعهما بأعينِ أُم تمنح وليدها للغياب بلاخوف.

    يأتي الحب،

    يمحو كل الجيوب التي أثقلتها القسوة من حياةٍ سابقة.

    يأتي الحب، 

    تأتي معه الرغبة في تعلّم المغفرة كل يومٍ من جديد، مرّة تلو الأخرى، مغفرة لاتُشبه تلك المرصوصة رصًا في الكتب المقدسة مغفرة لاتأتي من السماء، بل تولد من طين الحياة، تعلن عن نفسها حين تتولد تلك الرغبة في صفع ذات الوجه مرة واحدة وتقبيله مرات كثيرة. مغفرة، يتسارعُ الإثنان للبحث عنها لئلا ينفلتُ الخيطُ من أيديهما. يجدها ربما الأقدر على التشبّه بالإله لبعض الوقت، أو من ينتصر الحب بداخله دونما تردد.

    يأتي الحب،

    تأتي معه الرغبة في العراك، والمصالحة بعد العراك حين ينظر أحدهما للآخر مؤنبًا كيف تفوه بتلك الكلمة، وكيف جرؤ على أن يُغمض عينيه دون أن يطمئن أنها بجانبه وأىُّ هوانٍ ذاقه حين أفلتَ أحدهما يده.

    يأتي الحب،

    تتوقف عقارب الساعة عن الدوران في مسارها المعتاد، ينفك المسمار الصغير الذي ظنّا أنه يُحكم ضَبطَ كُلَ شىء، ينطلقُ العقربين كعصفورينِ فُتح  لهما باب القفص الزجاجي للتوّ، ولن يصدهما شى ءعن التحليق عاليًا، فوق كل ما كان وما سيكون، وما هوكائن.

    يأتي الحب، 

    تأتي معه الرغبة في الاقتراب والاحتراق والفناء وإعادة الخلق كلّ يومٍ من جديد.

    ياتي الحب،

    تنسلُّ طمأنينةُ أنَّ الظهر لم يعد عاريًا للعالم يصوب سهامه نحو أحدهما بلاهوادة، ثمة أيدٍ ستصد عن أحدهما الخديعة والمهانة والقسوة، بل وستضمد جراحه إن لزم الأمر بقبلاتٍ شافيّة.

    يأتي الحب،

    ينحني أمامه كُلّ ما كُتب في الكتب، وسيق عبر شاشات السينما، ورآه اثنان يجلسان في الصالة المعتمة كقصةٍ تحدث لآخرين، يرونه قريبًا، قريبًا جدًا، قريبًا لدرجة ما أن يلتفت أحدهما للآخر، يصمت كُلّ شىء، وحدها القُبلة ترشدهما نحو الطريق لخارطة الآخر في البيت الجديد. 

    يأتي الحب، تنتظر طرقاته على الباب في تمام الساعة الرابعة من مساء كل يوم مُحملًا بالأسى من قسوة العالم، تضع عنه ثِقل قلبه، تُضمد جراحٍ أنفق ماء  قلبه كيلاتُرى، تملؤه يقينًا أنهما معًا، وأن ما ينبُتُ بينهما غابة باللون الذهبي، سيهربُ إليها يومًا ما كل مُتعبي الأرض ومثقلي الأحمال. 

    يأتي الحب،

    تأتي الرغبة في أن تغرس أصابعها في عجينٍ يختمر من زاوية دافئة بالبيت، وأصابع تحطُ بخفة نورسٍ على وجه بيانو باللون الأخضر، وتلك التي تمرر بشبقٍ فوق صندوقٍ من خشبٍ عتيق فيستحيل نهرًا لا يضل الطريق.

    يأتى الحب، 

    كلاهما مُتعبٌ من الحياة، استقبلاه كمن يطفو على وجه الماء فاردًا ذراعيه، لايخشى أن تحمله صفحة الماء وتهمس له الريح أنه يُمكنه الآن، والآن فقط أن يُفلت قبضة يده لبعض الوقت، ويستريح.

    يأتي الحب،

    تنبت  حديقة كلما مرً أحدهم بها سمع صوتً يخبر “خلّيني ببالك- دايمًا- ببالك”.

    يأتي الحب،

    بسيطًا متدفقًا،، وحصريًا مثل “صباح” حين تغنجت

    “وأتمنى أأقابله ولوصدفة، ويشوف تسريحتي وفستاني”

    أن أريد أن يراني هو، 

    في اللحظة التي أريده أن يراني فيها

    وأن يكون هو وحده من يراني، 

    ولا أحد آخر.

    يأتي الحب فتيًا لم يهزمه الزمن، 

    يأتي الحب منتصرًا كفارسٍ يضع عنه درعه الحديدي، 

    يأتي الحب كشعاع شمس يجلو ظلمة الليل، 

    يأتي الحب،

    أنهما معًا، 

    وأن الأبد الآن، وكفى.

  • حياةٌ مترامية – كريم عبد السلام

    حياةٌ مترامية – كريم عبد السلام

    البوابةُ الحديديةُ التي ظلَّت طويلًا لا لونَ لها،

    تُطلى بالأخضرِ الزاهي

    العاملُ يصفِّرُ أغنيةً، ويجولُ بالفرشاةِ بين ثنايا الحديد،

    فتكتسبُ الزخارفُ التي على شكلِ نباتاتٍ حياةً حقيقية.

    إنَّهُ البنَّاءُ يعملُ طابَقًا فوق المدفن،

    صنعَ سُلَّمًا بالداخل، والآنَ أتى دورُ الحجرات

    الحجرُ فوقَ الآخرِ في استقامةٍ يندهشُ لها 

    الأبُ، الذي يُراقبُ اليدَ وهي تعمل.

    البنَّاءُ يُصفِّرُ أغنيةً،

    بينما الأختُ التي تجلبُ الماءَ على رأسها 

    من حنفيةِ الزاوية،

    تهتزُّ في مشيتها،

    فيغمرُ الماءُ ثدييها وعنقها.

    الأمُّ جلست على حجرٍ جوارَ شجرةِ الخروع،

    تعملُ شايًا للعُمَّالِ، وتستقبلُ الجارات.

    مع الغروب سيأتي العريسُ من العمل بلحيةٍ نابتةٍ،

    فيما العُمَّالُ يجمعون أدواتهم، 

    ويجلسونَ في حلقةٍ يحتسون الشاي.

    *

    المدفنُ يتحولُ إلى بيتٍ من طابَقين،

    الشُّبَّاكُ سيكونُ في الوسط، وسيُطلى بالأخضرِ

    الزاهي كالبوابة.

    السقفُ من الخرسانة، وماسورةُ المياه تمتدُّ من الزاويةِ

    تحت الأرض، وترتفعُ إلى إلى الطابَقِ الثاني،

    وستأتي العروسُ، طالبةُ الثانوي، النحيفةُ السمراءُ

    سعيدةً وخائفة، وسطَ الزغاريدِ وماكينةِ الكهرباءِ 

    التي تضيءُ ثلاثة صفوفٍ من اللمباتِ الملونة،

    وأغنياتٌ تحكي عن رجالٍ أقوياءَ يذبحونَ قططًا 

    أمام زوجاتهم.

    وزوجاتٌ ماكراتٌ يتظاهرنَ بالخوفِ من رجالهنَّ،

    ثم يحتضنَّهم بقوةٍ، ويفاجِئنَهم بقبلاتٍ وآهات.

    البوابةُ خضراء، وجرسُ كهربائيٌ يصلُ إلى الطابَقِ

    الثاني، له شقشقةُ العصافيرِ، والموتى في الطابقِ الأولِ

    قد أُخذوا بالمكيدة،

    محجوبونَ، لمزيدٍ من القمع، بستارةٍ زاهيةٍ 

    تفصلهم عن الأختِ والأمِّ والأب.

    *

    مساراتُ الصوتِ في الهواء،

    تلكَ التي احتلَّتها الأرواحُ وملأتها بلغاتِها الكثيفةِ اللزجة؛

    ضربَها الزلزال.

    ما لم يُخطِّط له المحتلُّون،

    ما أظهرهم مساكين بحق:

    أن يسقطَ الأحياءُ مع المطر.

    الآن،

    الأرواحُ تستندُ بعزيمتها المشحوذةِ

    خلفَ الصخورِ واللغاتِ التي 

    وُسِّدت بها مساراتُ الهواء،

    محاوِلةً ضبط تقهقرها،

    بينما الأحياءُ يتصايحونَ في مواضع الهمس،

    ويحسبون كُلَّ سنتيمترٍ جديد يحتلُّونه.

    الأرواحُ تنظرُ للأحياءِ مندهشةً من جرأتهم،

    بينما الأحياءُ يتجاهلونها متقدِّمينَ 

    إلى نقطةِ اللقاءِ العادل،

    لا يخجلون من خطواتِهم على العظام.

    *نص: كريم عبد السلام – من ديوان: فتاةٌ وصبيٌّ في المدافن – دار الجديد

  • عينان فاتحتان مثل موج الأبيض المتوسط – حصة مسلم حمرور

    عينان فاتحتان مثل موج الأبيض المتوسط – حصة مسلم حمرور

    تمتدُّ من شقوق الطوب الأحمر،

    لوزياتٌ تتهيأُ للقطف الجميل

    عرفتُ شيئًا حقيقًيا

    ———-

    وتطلُّ من حيث لا يرَ أحدهم شيئًا

    الأصوات الثخينة

    بعمقها المتكررِ

    في أرجاءِ الفراغ

    وهي تأخذ طريقها المعبد

    نحو مآذنَ مدينةٍ تطفو

    بزيوت أجسادٍ تشمُّ الحياة من حربها الأخيرة.

    يقال بأنه مسكٌ باردٌ ينهضُ من الأنقاض..

    أو زيتونٌ أخضرُ ينبتُ في محاجرهم..

    وهناك من يزعم بأن خدود الصغار تطير دراقًا..

    والأمهات يصبحن قصائد عن البيوت الآمنة..

    والمسعفون أنبياء على أكفهم يصير الماء..

    حتى القطط

    تقف على أرجلها وتدور في رقصةٍ تتعافى.

     يقول:

    أحب حبيبتي..

    لها عينانِ فاتحتان مثل موج الأبيض المتوسط.

    بأصابعها الشفافة

    تُكرس ساعاتها في تمشيط أشعة الشمسِ..

    وقراءة يوميات كافكا.

    تتقن رسم مخططات الشوارع والحدائق الفسيحة..

    مثلما تتقن إعداد الرُّمانية

    كما لا يعدها أحد.

    قالت لي ذات مساء:

    ” أثق في ساحل مدينتنا..

    كل نبوءة رميتها في جوفه قد تحققت..

    وأنت نبوءتي الخاصة، حتى الغد البعيد.”

    بالأصابع نفسها

    ضمت أصابعي هذا الصباح

    باردة جدًا

    مسموعة

    مثل أول كلمة تخرج من فم طفل يحبو..

    تمتدُّ من شقوق الطوب الأحمر

    لوزيات تتهيأ للقطف الجميل.

    أعرف أن للموت هناك

    صورًا فوتوغرافية تعلق على حائطٍ

     يجده الرب وحده.

    ولكني لا أعرفُ

    كيف للأجساد النائمةِ

    أن تتسابقَ في انتصابها

    كلما اخترقَ لحمَها

    شظيةٌ من دمِ الطفولة؟

  • التي أمتدُّ في ظلها شجرة باسمكِ – أحمد العسم

    التي أمتدُّ في ظلها شجرة باسمكِ – أحمد العسم

    (1

    أنـتظر تسرّب الـقليل مـن فكرة انزوائكِ. أخرجُ، أطـمئن على وقوفكِ المُستمر، أمام المسجـد أحـضر، لأرى الأيام تقف بكِ مثمرةً، التي أمتدُّ في ظلّها شجرة باسمكِ.

    (2

    بفكرةٍ صـالـحة أضـعـكِ هـناك قريبة مـن دفئي المفتوح، ومـن حـرارة أنفاسي الصَّاخبة التي على أشـدّهـا، في الشمال، أُغري الـمَاء بنظرتكِ للجريان في (المناه)*.

    (3

    كأنَّه جاء بلا نهايات في زمنكِ الأسطوريّ، الذي دحرج جبلاً، استقرَّ في حضن شارع. زمـنكِ الـلاطـم لخـد الاقتراب، الماثل كجسـدٍ مـن شـمع، ككتلةٍ بعد الذوبان، جاء بعد النار، يتأرجح في الأزمنة.

    (4

    ليس لي إلا الدوام على الثلاثاء، والسير كأعمى إلى الفيافي والدخول في الـذكـرى، مستعيناً بضحكتكِ لـدرء الـسواد، وصـلابة عـودي، أضـع الصباحات الباسمة في جذعكِ، وأذهب كي أعود مُفعماً بالحنين.

    (5

    يقفز الأطـفـال مـن الـكـرسي الطويل، القريب منكِ، والآخرون على المراجيح، يتطايرون مسرورين، هذهِ أنتِ الخضراء المُمتدَّة في البركة تحدثهم غصونكِ عن الله، والحب، والتضحية، بينما تُشيرين بإصبعكِ، من مكان جلوسهِ، المُنهك القادم مازال منزوياً في أعماقكِ.

    (6

    يبقيني الليل في هـذيانكِ الـزمنيّ. الطبيعة رئـتكِ في الحب. روحـكِ مستحيلة، اخضرارها للداخل على جسدكِ، كربِّ العصور، حيث يدفع المُحيطين من حولكِ، العميق فيكِ هدوءهم.

    (7

    قبل أن تأتي، كنتُ ألمس طباعكِ في السنوات العشر من عمر ظهوركِ، خبأني ترددكِ، الجميع وَجدني مُتراكماً في صدركِ، ومتوارياً في زاوية! كنتُ أستفيق فيكِ بمعرفة اللاوعي، وأضيع في حجَّة الخوف.

    (8)

    آنستُ ذلك، ودخلتُ الـرضـا وغرستكِ، كـي أُلـزم المُصلين بالـدعـاء الشجرة التي باسمكِ يغمرهـا الـمطر، الأدعية، الأمنيات، ليميزكِ الله وتكوني أجمل شجرة في حديقة (الفريج)**.

    (9

    في عناقٍ مُلتصق مع الفراغات – الأرق – بانقلابٍ مُشترك، مع حرارة الدمع، يقسم وسادتنا. النائم على مسمار الأيام، مُدمى رأسه بفقدكِ، الأكثر حضوراً في النفسِ.

    (10

    تعرفتُ إلـى مـوسيقاكِ وهـي مُـتجهة إلى الصحـراء، بمشاعـر غيمة مُخلصة في المشهد. صباحات الطيور المختبئة من الليل، نهرني صوتكِ عن الطيران فبقيت مشاعري تُمطر الروح، في الصحراء.

    (11

    أنتِ الهاربة والعائدة إلى الأمكنة ذاتها باستمرارٍ تجمعين الـمـواسـم، وتحصدين القدر الأكبر من الحب، ومن دعاء المُصلين عند الفجر، عند الظهيرة. وفي المساء، تبقى الطيور مُسترخية على أغصانكِ.

    (12

    شجرة إخلاص***
    مُؤمَّنٌ عليها في النخل، سَرَّني لسان المُغادرين، ودعاؤهم لكي تصبح أماً
    لكلِّ (عذوق النخل).

    (13

    من فرطِ ما بيني وبينكِ، تتسع رغبات الأزلي المُصاب بكِ.
    يوقد ناره على المقربين،
    أن يهشموا الأعصاب الباردة التي سعت في اتساعنا،
    من فرط الأشياء التي تركناها صرتُ الجذورَ.

    (14

    يأتون كالندرة
    متذكرين
    جفاف شفاههم
    واختفاء السحر
    عن أحاديثهم
    الأصدقاء خارج السور
    لأن الحارس
    أقفلَ الحديقة
    في الثامنة مساءً

    (15

    هذا وقد أبلت بلاءً حسناً، في المواجهة. الشجرة أظنها
    آمنة من الريح

    _____________________________________________________

    *المناه : كلمة بالعامية تعني قناة لجريان الماء
    ** الفريج: الحارة
    ***شجرة إخلاص: شجرة رطب


    *نص: أحمد العسم
    *من ديوان: لم يقصص رؤياه

  • شهوة الملائكة – زكي الصدير

    شهوة الملائكة – زكي الصدير

    من بينِ كلّ كتلِ اللحم المتقاطرةِ دماً بينَ أصابعي لم أختر سِوى جَسَدي، وكأنَّه الأمل الوحيد الذي أذهب إليه قصداً أو سهواً كلما أصابني عطلٌ بسيطٌ في الذاكرة، عطلٌ بسيطٌ يَمنحني البدء من جَديد، عطلٌ بسيطٌ جداً يُعيدني لأكتشفني من خلاله! عطلٌ بسيطٌ للغاية يتفرغُ معي بشكلٍ كاملٍ لتشكيل قوالبي، وإعادة رسمي في أرض أحبها وتخونني! إنَّه جسدي الذي لا أراه إلَّا من خلال شهواتي ورَغائبي ونَزَواتي، لا أراه إلَّا من خلال صلواتي وأدعيتي وابتهالاتي، لا أراه إلَّا حين أشعر بتخمةٍ فيه، أو خفَّة منه، لا أراه إلَّا عندما يغامرُ معي ليكتشفني في أرضي، أو أقوم أنا باكتشافهِ في أرضهِ! إنَّه يحرثني بمعاول الُّلغةِ تحتَ تُرابي، يفتحُ شريانَ العقلِ بأسئلتهِ من جهة، ويراكم مسودات العاطفة بحسراتها من جهة أخرى، فلا أستبين منهُ سوى المسافة الواقعة بينه وبين روحي المسكينة التي سكنتْ فيه رغماً عنها أو باختيارها، لا فرق! فنحنُ لا نختار لأرواحنا أجسادها الـ تهبها المتعة، والـ تمنحها السكينة واللعنة معاً! هي وحدها ملائكتنا التي تشتهي ولا تجد!

    *نص: زكي الصدير
    *من ديوان: شهوة الملائكة

  • طاولة ممدودة بامتداد الصحراء (مختارات) – محمد الحارثي

    طاولة ممدودة بامتداد الصحراء (مختارات) – محمد الحارثي

    طاولة ممدودة بامتداد الصحراء


    الأسفار التي جمعناها في قمر الرأس
    بالخطى الذهبية لريم الروح
    بمخلب المُغامرة الفائضة طيوره
    على السماء الأثرية
    (مرعى ملكوت القطيع، وصولجان الفراغ).
    الأسفار التي خبأناها:
    مدينةً مدينة
    وامرأةً امرأة
    حديقةً وارفَة البياض
    وموسيقا وردية النوم
    ..التي رفَـونا بحارها ذات سهرة
    بمطرقة الحزن
    وسندان النشوة
    وذات سهرة
    بالألوهة الندية لأرصفة الرغبة
    بالحنين الغافي على إفـريز الشفاه
    بالسفن العميقة في مجرى الكلام
    جميعها تندلق الآن
    نبيذاً واسعاً
    نبيذاً بلا اسم
    على ذات الطاولة التي مددناها
    ونحن نضحك باتساع الصحراء.
    كأنما الخطى،
    ذاتها الخطى المسـكوكة على نخلة الألِـف
    سنواتٍ من الدِّنان
    التي عَتّـقنا فيها الأعمار
    وانتظرنا طويلاً
    هزيمة المكان الأول.


    بين عصفورين


    بالزنبقة ذاتها بين عصفورين
    في حديقةٍ عامة
    نفتـتحُ هذا اليوم
    بكأس من الكلام وطاولةٍ من الوقت
    كأنَّما لننسى
    كأنَّما لنتذكر
    الأيامَ الخوالي
    الأيام المليئة
    كأنَّما
    لن تعود من مساء الماضي
    كأنَّما
    لن تُـقبل من صباح الغَـيب
    تلك الأيام
    بالزنبقة ذاتها
    بين عصفورين في حديقةٍ عامة.


    المقهى الطافي أمام بيت العجائب


    على الساحلِ المُسمى بالسَّـواحيلية: فَـرَضاني
    كان السلطانُ يرقبُ أبدان السفن التي تُضَمّخُ
    موانئ اليابسة بشذى القُرنفل.
    فبعد أن خانهُ الخِلان
    وهربت الأميرة
    أضحت تلك تسليتهُ الوحيدة
    في فـصِّ خاتم الجزيرة.
    على هذا الساحل
    (المُـتكـتِّم على ينابيع حكايته تلك)
    يتأرجحُ المقهى الطافي
    بندولاً قطباهُ الذكرى والنسيان
    الأسطورةُ ونسيمُـها المرفرف
    في الأشرعة المثلثة
    كما لو كانت ساعةُ الزمن
    راسيةً في مينائها البكر
    أو
    كما لو كانت مُبحِـرةً
    في غُـروب مرآة.
    عَـبرتْ قهوتَـهُ الحروبُ
    وتلـوّنت فوق سـاريته
    الأعـلام.
    بكـى واستبكى الموجةَ التي
    تحت قدميه.
    امتدحَ زجاجه المكسور
    وطاولاته التي طاولت
    أعناق السفن
    ثم
    استـأسدَ في عَـريشِ غابته
    ظافراً بإمبراطوريةٍ وخطايا.
    بيـدَ أن للذنوب غفّـارُها
    فالعاطلون عن كهرمان الحياة،
    قاطفو ثمرات جوز الهند
    والبحارة المزمنون يرتادونهُ
    في قيـلولاتِ الحيلة.
    وبين الفينةِ والأخرى
    شقراواتٌ بمعاطف سـفاري
    يبتسمن بين أفخاذهنّ
    لساحرٍ يعـتصرُ زجاجةَ ميرندا
    ويقرأ كفَّ اليابسـة في الأماسي
    ذات الشمس الحمراء، الأماسي التي
    لا تكـلُّ من تكرار شمسٍ حمراء
    وأطفالٍ على حافة الزرقة
    يـترنمـون بصوتٍ يكاد أن يكون
    واحداً:
    من يُـباهي بقفزة
    كهـذه؟
    “ترنـيمةٌ خِـلتُهـا مقهى طافٍ أمام
    بيتِ العـجـائب”
    قال غريقٌ في بحر الظلمات..
    لكنَّ بحاراً – أطـفأ سيجارتهُ المُـعشـوشبة
    ونَـشـرَ شراعهُ المثـلث –
    كانَ قد سبـقـهُ إليها.


    *نص: محمد الحارثي

  • إيروتيكية – أسامة الدناصوري

    إيروتيكية – أسامة الدناصوري

    نظّارتكِ السوداء
    وبنطلونك الجينز، الرَّمادي، الضيق، الرثّ، الثرثار
    وبلوزتك الكطّ القصيرة
    بلوزتك السخيَّة
    التي منحتني أشياء ثمينة


    أذكر لها استدارة كتفيكِ
    كتفيكِ الأملسين، المُحمَّصين
    وشعر إبطيكِ الأشقر المُحترق


    منحتني عنقكِ
    ياااه..كم أحبُّ عنقكِ
    وبالتحديد.. قفاكِ
    تلك الربوة الأرستقراطية الصغيرة
    التي تشرف من بعيد
    على صحراء ظهرك الشاسعة


    ولا أنسى أبداً أسفل ظهركِ
    ..بل أعلى كفلكِ
    حيث ينبت السرداب
    السرداب الضيّق المُظلم
    الذي يهبط بي في رحلةٍ مُدوّخة
    صوب كهف الأسرار

    منحتني أيضاً..
    لا..
    لن أنداح أبعد من ذلك
    لن أقع أنا هذه المرة أيضاً
    في الشرك الذي أنسجه لكِ

    خذيها

    خذي البلوزة

    خذي بطنكِ المُدوَّرة ذات الأعكان
    والثنيّات الوفيرة


    خذي جبهتكِ العريضة
    وشعركِ السائل المنحول
    وحاجبيكِ الخفيفين


    خذي فمكِ الشهواني الغليظ
    وابتسامتكِ البنيّة المُوحشة


    خذي ساقيكِ القصيرتين الملفوفتين
    حديقة الزغب المهملة
    التي تستشري فيها الحشائش البريَّة السوداء

    خذي صدركِ الضامر القوى
    بحلمتيه الوقحتين..كإصبعين


    خذي كل ما يخصّكِ ودعيني أغفو
    أتوسّل إليكِ
    لقد جمعتها لكِ في صرَّة كبيرة
    مدى يدكِ والتقطيها من على رفِّ أحلامي
    لا تخافي
    اقتربي قليلاً..أكثر

    اطمئني تمامًا..

    ها ها هاااااى



    ما جدوى صراخكِ الآن أيَّتها الحمقاء
    كان الأجدر بكِ أن تظلّي بعيدة كما كنتِ
    وأن تنتشيها مثلاً.. بخطَّافٍ طويل

    ألم يدر في خلدكِ
    أنَّ خيالي المحموم
    خيالي الشقي
    ربما يكون رابضاً يتربَّص في أحد الأركان؟!!
    هَم م م م م.


    *نص: أسامة الدناصوري
    *من ديوان: عين سارِحة وعين مُندهشة – دار ميريت

  • يوم مُكرَّس للمطر – سركون بولص

    يوم مُكرَّس للمطر – سركون بولص

    صليلُ أسلحةٍ

    نموتُ في ممالكَ من الطين

    وقعُ المفاتيح في زنزانة يحرسها البحر

    إنَّه المطر

    يجعلني أذكرُ كلَّ ما نسيتُ

    لأنسى بعض ما أُريد . . .

    هذا ما يفعلهُ المطر.


    لا تقتصدي في ذرْفهِ يا غيوم، بل اسكبيهِ

    بوفرةٍ وانسجيهِ خيمةً

    ضافيةَ الأبعاد تكفي

    لإيواء كلّ ضيوفي

    كلّ امرأة هجرتُها أو هجَرَتني

    كلّ مسخٍ أو مَلاكٍ، كلّ : نصرٍ وهزيمةٍ

    كلّ خديعةٍ ما زالت، كلّ سكّينها تصدأُ في ظهري.

    لا شيء يُغريني بالذَّهاب

    إلى أيّ مكانٍ، لا أحدٌ أذهبُ إليهِ

    لا أحد يأتي إليّ، لذا أُفضّلُ اليومَ أن أشربَ وحدي

    وأصغي بهدوءٍ إلى المطر.


    تكفيني هذه المُوسيقى

    التي تشربها الخليقة بكلِّ مساماتها

    كإسفنجة ظمأى،

    يكفيني

    صوتٌ ضائعٌ تَحمله إليَّ الريح

    تكفيني وَمضةُ برقٍ قد تكشف لي

    أي موكب يتهيأُ للمثول أمامي

    خلفَ هذا الستار الغريب الذي ينسجه المطر.



    *نص: سركون بولص
    *من ديوان: حامل الفانوس في ليل الذئاب

  • الممتَدُّ من الماء: (يومياتٌ قصيرة) – صالحة عبيد حسن

    الممتَدُّ من الماء: (يومياتٌ قصيرة) – صالحة عبيد حسن

    عنكَ أو عن البحر
    وكلاكما مُترادفان 

    تحبُّ البحر
    يُشعركَ النهر بالخديعةِ الكامنةِ
    أن هذه العذوبة
    لها أيضاً إمكانية أن تُغرِقكَ..
    وحبي للبحر مُختلفٌ..
    أكثرَ تخففاً من التفكير في النقائضِ
    لعلها القدرة على التلاعب في حوافِ العالم
    وتذويب الحدود
    يُشعركَ البحر بأنَّ هناك لا متناهٍ فقط
    وهذا هو سرُّ التكوين

    جَمَعتنا أنهارٌ كثيرةٌ
    وبحرٌ واحد.. تقولُ ساخراً في إشارةٍ للمُدن
    التي كنا فيها سوياً مؤخراً..
    وأعلم أنه ليس صحيحاً.. لكنني أتركُ لكَ
    اعتقاد أن بحرنا هذا هو الوحيد.. هو بحرُ
    تكويني وتكوينكَ على أي حال.. وهذا الساحل
    لجدي وجدك كان كل شيء.

    تجمعُنا أيضاً الملوحة والسُمرة المرتبِكة كطيفٍ مُبهَمٍ
    نتبادلُ أحياناً
    بشكلٍ عابرٍ ما مرَّره لنا أهلنا عن حكايةِ
    الغاصةِ والماء والموت.. لا يكون الأمرُ
    قصدياً، لكن هذا ما تحفظه الذاكرة الجمعية
    لأهل الساحل.. حتى وإن تبدى لِمَن يُراقب من بعيد
    أنها ذاكرة كانت طافيةً لخفتها
    فتلاشت.

    لا تندهش كثيراً ولا تنفعل كثيراً
    ويشعرني ذلك بالصحو..
    ويغيب عن ذهني في غالب الوقت
    كيف لكَ أن تعصف أيضاً.

    حلمي الأول بكَ
    كان أمام حطبة التوبة*
    حيث كُنتَ تدورُ في تجلٍ.
    الخشبةُ التي تُشعِرُني بالهلع
    لما تحمله من أطياف مصلوبةٍ
    تقول لي أن هذه الخشبة
    هي صلاة المدينة اليوم
    استغفارها
    لتخليها عن الماء
    وأسألكَ
    هل يُمكن أن تُصلب المدن؟

    نجلسُ لنقرأ على البحر أحياناً فأشير لكَ لحزني
    من تحول البحر لقطعة إكسسوارٍ في مدننا اليوم
    لم يعد السيد، لم يعد القدر الهائل
    تبتسم غالباً كما تفعل أمام مبالغاتي
    وتشير إلى أنها قصة حب..
    يتركُ العاشق لمعشوقه أن يتسامى
    يتركه يظن أنه سيد أقداره.. ويحيطه
    يترك للآخر أن يظن أنه وحده صانع مصيره
    وأن الآخر هو قطعة إكسسوار..
    لكنه اختار ذلك.. اختار المحبة.. وترك لها
    أن تُصنع بينهما على مهل.
    أشير بأن في ذلك شيئاً يشبهنا أنتَ وأنا
    صبركَ الرحيم
    الباب الذي تتركه موارباً
    والنافذة التي تحميني من الاختناق
    فتبتسم وتعود لصمتكَ أمام الاتساع
    الذي أدركُ في لحظتها كم يشبهكَ.


    *حطبة التوبة: جذع شجرة تاريخي يتموضع أمام حصن الشارقة في منطقة الشارقة القديمة، وقد كانت هذه الحطبة هي المكان الذي يربط عليه المتمردون من الغاصة أو أولئك الذين يخفقون في إتمام مهامهم على ظهر السفينة في رحلات الغوص؛ فيجلدون ويُحرمون من الأكل والشرب. 

  • لا أدري ما الذي أضلني – ريناد الرشيدي

    لا أدري ما الذي أضلني – ريناد الرشيدي

    ذنوبُ الظلال

    كيف تموتُ فينا الأشياءُ التي تذوبُ في صمتنا، حين لا تجرفها الرياح إلى مُلتقى الظلال؟ حين لا تتصلُ بها ساعاتُ الظلام التي تقترفها ذنوبنا، وتتآكلُ في شرايينا العبارات؟ كيف لها أن تنسلخَ من هذا البزوغِ، من هذا الاستجماعِ اللغوي، والاستجابة؟ كيف لصلواتنا أن تنصفقَ فى وجوهنا ككل سياق علَّقنا به خوفنا؟ وكيف لي أنا، ألاَّ أنعكسَ في أطراف هذا البزوغ، وعلى الأقل، أتذكرُ كيف عانقتُ يأسَ حدادي وأسميتُهُ مُعجمًا؟ كيف لعينيكِ أن تُجسّد عجز كلماتك أنتِ، ومجدَ لغتي أنا؟ عليَّ أن أخاطبكِ بصمتي، ألا أحرمكِ جحيمَ العبارات، عليَّ أن أجدَ طريقةً لأعطي شكلًا لفوضى جرحك على ليل أهدابي. 

    كيف لكِ أن تُفقديني وجهي حيث تقودينني عميقًا نحو هاويةِ وجهك؟ كيف لي أنا أن أتبعها؟ كيف لي أن أطاوعَكِ في تشكيلِ جثتي؟

    ***

    تمزق الهوية في الشرايين

    تباعدت الطرق المشتبكة لليقين، وحوّلت أملي إلى سرابها الملتحم بفجواتها. تباعدت آمالي، وصرتُ أتلاشى أنا في معرفة هذا، يقولون ماذا تفعلُ عندما تفقد هويتك؟ ماهي حيلتك حينما تضل وجهتك، وتصبح كل الطرق رماد ما تبقى؟ وقالوا “عد إلى بداية الطريق، عد إلى ما عرفت، ما كنتَ تألف” ماذا لو كل ما عرفت يتخذ مساره بعيدًا عن إدراك منزلي؟ ماذا لو افترقت الألفةُ عن منزلي؟ ماذا لو كان الطريق ممتلئًا بجثث من عادوا؟ 

    قالوا تآلف مع الرماد، واجعله حليفًا على نيران جوفك. الهوية تتفرّق وتنفصل عمّا سبق، كلما حبستَ دربك فيما كان؛ كلما بقيتَ سجينًا للأنا التي شكّلتها العثرات، والتقيت بعظامها في الطريق. الأنا تنزف تحت إدراك الحاضر، وتُحتضن في إطلاقها له.

    ***

    الرمادي الذي يجتاحنا

    وأنا أختفي في ظلك، أختفي في احتماليةِ تلاشيك، أختفي في الوقت الفاصل بيننا، وإلاهيِّةِ اليدين المرتجفة. لا أحد يجدني، حين تضيعُ نظرتُك الباحثةُ عن شتائي، وحين أختفي في ظلك، هل ستخاطرُ بالاندماج لإغاثتي؟ هل سنكونُ أنا وأنتَ ليلاً واحدًا؟ لماذا لا يمكننا أن نكف عن النظر لما وراء هذه النيران ونحاول أن نقفز من عبرها ؟ لماذا نتحمل الاحتراق؟ تنظرُ إليَّ وتعبدُ في عينيَّ هذه النار، ولا تحتملُ ما يعقبُها، لا تحتملُ الرماد.

    إن كنتَ تخافُ أن تُمسيَ رمادًا؛ فلا تنظر إلى احتراقي. أحاولُ أن أعرفك خارج هذا الرماديِّ الذي يحتاجنا. أحاولُ أن أشرقَ في صباحاتك بعيدًا عن توسُّلِ لياليَّ، وإن بادر لنا بزوغ فجرها؛ هل ستقبلُ بنا في اضمحلال؟ هل سنكونُ أنا وأنتَ فجرًا واحدًا؟ 

    أحاول ألا أحدق طويلاً في هاوية وجهك، خشية أن تبتلعني، خشية أن أصبحها؛ إن حدقتُ طويلًا في الهاوية، يُصبح كلُّ ما تُبصر هو فراغُها الأبدي، كل ما تُبصرُ عن سمائك. هل سأصبح بعيدة عن سمائي إن قبلتُ في حالي بقاعك؟ في قعر مخاوفك؟

    ***

    سياق الانفصال

    ألتقي بك، العالمُ يلتفُّ ويدورُ على بعضه 

    أخاطبكَ دمًا، أخاطبك عظمًا، 

    أعطيك قصائدي وتستبدلُها بصمتك، ألمَسُ لحم القيامةِ، تعطيني عظام القبور

     وتتركني في وحشةِ التراب. 

    أحبك، أتخذُ منك معبدًا، هذا إعصار. 

    أتركُ قطعًا مني في الريح، أتركُ جثةً، 

    وكلُّ ما يتبقى مني هو هذا الأنينُ الفظيع

     لما يُسمَّى رغبةً. 

    لا أعطيكَ ما تبقى، أحبسكَ في هذا المعنى، 

    وأنساكَ في هذه القصيدةِ والسياق. 

    أتخلى عنك، هذا إعصار.

    أترككَ في تلك اللحظة، أجعلك مُخلَّدًا، أُجَمِّدُك

    وتتركني فيما يتبقى. 

    أفترقُ عنك،

    العالمُ يلتفُّ، ويدورُ على بعضي.

    *نصوص: ريناد الرشيدي، كاتبة من السعودية

  • إله الضجر – صالحة عبيد حسن

    إله الضجر – صالحة عبيد حسن

    تأخذُ الأشياءَ أحيانًا على عاتقها.

    أن تقولَ لك أكثرَ مما يَنبَغِي، وهي بذلك تُذكِّرُكَ بلعنَتِكَ، أنكَ في الرؤيةِ؛ محكومٌ بالقاع، وأنَّ الأسطحَ العاديةَ التي يُمجِّدُ خلالَها الآخرونَ عادِيَّتَهم، هي صلاتُكَ الناقصة. 

    بالمناسبة، لم تُعلِّمكَ أمُّكَ الصلاة، لم يفعل والدُك أيضًا، وكلما حاولتَ أن تخلقَ طقوسًا لأيِّ شيءٍ في المنزل؛ كان والدُكَ يثورُ غاضبًا، فيما تعاتبك أمُّك بصرامة: “نحنُ خارجَ منظومةِ الطوطم”..  

    ولم يكن يعنيك الأمرُ في حقيقةِ الأمر، فكرةُ الطوطمِ، والمنظومةِ.. كنتَ طفلاً يريدُ أن يرتاحَ في رتابةِ الأشياء. 

    يصرُّ والدُك على تعليمكَ الكتابةً مبكرًا

    العارفُ محميٌّ 

    العارفُ سيِّدٌ 

    ولا تهمك التراتبية، لا تريد أن تكون سيدًا، تريدُ أن تلعبَ، وفي اللعبِ كانت الفوضى.

    “أليست الفوضى هي سيدةُ الأشياء”؟

    هذا سؤالٌ يربك والدك، الذي يحدِّقُ نحوك مطولاً دون إجابة، بوجهٍ خالٍ إلا من ارتجافةٍ لشفتين توشكان على إجابة ممكنة، إلا أنهما لا تفعلان. 

    تعرفُ اسمَك الكامل، لكنَّكَ تتحرجُ منه. كان والدُك، يعرفُ أن لهذا الاسم امتيازُ الحياةِ خارج نظام الأشياء، وكان يُصرُّ على استخدامِه كُلَّما تعقدَ الموقف، لكنكَ لم تشعر بأيِّ رغبةٍ في فهمِ هذا الأمر. أن يكونَ جَدُّكَ الخامسُ، جسرَك اليومَ للعبورِ ناحيةَ كُلِّ ما هو ممكنٌ لكَ دون الآخرين.. يبدو الأمرُ مغريًا أليس كذلك؟ 

    لكنِّكَ تريدُ ما هو على الضِّفةِ الأخرى، المُهمَلة. 

    تحرصُ دائمًا على أن تسمعَ  صوتَ تنفُّسِكَ، تُصغي لشهيقِكَ وزفيرِكَ، ضَجِيجِكَ الخاص، الذي يَعزِلُكَ دائمًا عن ضجيجِ الآخرين..  لتَتَذكَّرَ أنك حَيٌ في داخلِ هذه الرتابة. 

    العارفُ سَيِّدٌ، 

    العارفُ مَحمِيٌّ.. 

    تَكتبُها بينكَ وبين نفسك، ثم تَدفِنُها في التربة، وتنتظرُ شَجرةَ المعرفةِ علَّها تقولُ ما هو أبعدُ من إبهامِ الأب.. الذي كَبُرَ، كَبُرتُما معًا، فتباعدتُمَا، هو نحو المزيدِ في الحياة، رغم أنَّ ما يحصلُ للآخرينَ في مثلِ سِنِّهِ هو العكسُ، وأنتَ نحو الأقل، إنَّ كلَّ شيءٍ يَعِدُكَ بالإفراط، وهو ما لا تَراهُ حسنًا من مَوضِعِكَ ذاك. 

    قرأتَ مرةً، عن حكايةٍ لرجلٍ كانت قُدرَتُهُ الخارقة، هي أن يعبرَ من خلالِ الجدران، إلى أن حدثَ خللٌ ما، فبقيَ عالقًا في جدارٍ واحدٍ إلى الأبد.

    لم تعرفْ إن كانت النهايةُ موجودةً بقصدِ إثارةِ الرعبِ، لكنَّها أخذتكَ بالحسد، لقد حسدتَ ذلكَ الرجل، وأردتَ نهايتَهُ، أردتَ ذلك الضجرَ الأزليَّ.. لم تأخذْكَ المباغَتَهُ يومًا كما حدثَ في تلكَ القصةِ، يومَها اكتشفتَ أنكَ لم تُردْ أن تموتَ أبدًا، لقد عرفتَ أنَّكَ تريدُ أن تبقى عالقًا للأبد، وحيدًا ومُهمَلًا وضَجِرًا. 

    كان سكانُ مدينتِكَ في العام 1968 .. قرابة اثنانِ وثلاثين ألفَ نسمة، وأنتَ الآن في 2025 .. لا يُهمِّكَ كم عدَدُهم، ولا يبدو أنَّ أحدًا يكترثُ، لكنَّكَ كنتَ مُصِرًّا على صناعةِ خارطةٍ ضخمةٍ من الأرقام، لمعرفةِ ترتيبكَ الدقيقِ بينهم، إنَّهُ حقُّكَ الطبيعيُّ في أن تكونَ جزءًا من شيءٍ ما.

    رقمُك اليوم هو: 

    438001

    تضحكُ، تتذكرُ أنَّ سكانَ مدينتِك، معروفونَ بتضخمِ الأنا قليلاً، تلكَ طبيعتُهم التي تجعلُك تعتقدُ أنكَ ستضاعفُ هذا العدد، ولكن، لا تعرفُ إن كانَ الأمرُ  ينطبقُ عليكَ.. أيضًا.

    تضحكُ

    تضحكُ

    تَبكِي

    تحاولُ أن تصرخَ كما يُفترض،

    لكنكَ تصمتُ لتتأكدَ من كونِكَ لا زلت تتنفس.. تحرصُ أن يعودَ تنفُّسُك إلى معدَّلِه الطبيعي.. المُمِلْ.  

    بعد لقائكما الرابع أو الخامس، 

    أخبرتْكَ بأن ثمةَ شيءٌ مضجرٌ فيك،

    وبقدر ما تَحرَّجتْ هي من الأمرِ وراجعته مليًا،

    بقدرِ ما شعرتَ أنتَ بالإطراء.. 

    هذا تضخمُ الأنا الخاصِّ بك 

    هناك شيءٌ فريدٌّ في المللِ اليوم، لعلَّكَ الوحيد، لعلَّك الإله.. ولربما، بهذه الطريقة الصعبةِ؛ عليكَ أن تكتشفَ الأمر.

    الصعوبةُ الكامنةُ في خوفِ الآخرين منكَ، وأنتَ تُعلنُ لهم الأمرَ اليوم.. 

    أنتَ خارج منظومةِ الطوطم؛

    لِأنَّكَ الطوطمُ الجَدِيدْ. 

    نص: صالحة عبيد حسن