المدونة

  • السعيد عبد الغني – مائة شذرة شعرية فلسفية

    السعيد عبد الغني – مائة شذرة شعرية فلسفية


    1.
    العقل سجان المخيلة ، عندما تتسع وتأخذ صاحبها إلى أماكن غريبة فى ذاته أو الوجود أو المجهول ينفر العقل ويريد السيطرة لأنها أن تماهت بشدة لن يستطيع إيقافها بعد أن تنشب جذورها فى ما تذهب إليه.
    2.
    عندما تخرج روحى من جسدى لن يكون هناك قيامة ، القيامة هى الولادة ، كيف أعرفك يا أبد وأنت سجن روحى وكيف اعرفك يا عمر وانت سجن جسدى ، انا مسجون فى الزمن ، فى انسلاخه من نفسه ، هو بعد لجسدى، ليس لى ، الأبعاد سجون حرة ..
    3.
    عرش الله استوى على كلمات خائفة، كلمات فى غيابات الصدفة ، خلقها هو فى مخيلته وما برحت أن تشكله وما زالت أن تجعله قدرا لكل شىء ، قدرا يغلق أبوابه على اللاعلية .
    4.
    وصولك إلى أبعاد ذاتك هذا أمر صعب جدا ، لأن ادراك الحدود يصيب الإنسان بالجنون والعجز النفسي عن الاستمرار فى الحياة ، وليس الأمر فى الموت أيضا، الأمر فى أنه يريد مجهول يبحث فيه عن نفسه ، مجهول مختلف غير ذاته بأبعادها ، غير وجوده بابعاده، هذا الحلم الملىء بالأسئلة الشريفة ..
    5.
    دائما ما ياتينى خيال أن السماء تنزل منها احبال، كل الفلاسفة والشعراء .. الخ ، يطلعوا عليها ونيتشه يضرب الأنبياء بقدمه ليقعوا على الارض ، فى منطقة متقاربة على حبال متجاورة ابن عربي وساد والنفري ونيتشه وبودلير وانطون ارتو. .
    6.
    لا يمكن إيجاد الله الا فى صورة تخييلية أو حلول ، وهذه الصورة التخييلية ممكن تكون قطعة موسيقى أو قصيدة ، كأن كل المخيلات مرتبطة بوتد علوي ينسدل من السماء .
    7.
    المجدلينا مسدت جسد المسيح بعد الصلب
    لا لكى يشعر المسيح بذلك ويستريح
    بل لتجد الله به فى اي جزء منه .
    8.
    دم المسيح
    ودم الحلاج
    ودم هيباتيا
    ..
    قرابين لله الميت .
    9.
    من وظائف الشعر والسينما والأدب المحافظة على اليوتوبيا فى الداخل الطفولي الذى لا يتخلى عنه الا من يدخل فى التشىء والمادية التى تحكم العالم .
    10.
    الموت على حفوف ثغور الكلمات المؤلهه كل لحظة يتجلى فيها الشعر لى ، يتجلى أحيانا بدموع تستحيل كائنات غريبة توصف داخلي المغرق فى الافول، لم يكن علي أن أكتب الشعر الا عندما اكون مجنونا ، فى لحظات الهذيان التى تتكدس فيها المشاعر المعقدة التى لا تفسير لها سوى فتوق الجروح الوجودية .
    11.
    كل الكلمات التى اقرأها تتحول فى رأسى إلى مشهدية بصوت وصورة وحركة حتى المجرد الشديد، والمحض الخالص من المشاعر والافكار البدائية، الغضب مثلا كائنات سوداء تمسك الروح وهى مخاط ابيض ولكن متماسك تضربه بشواكيش من دم متجلط ..
    12.
    كل يوم أحلم انى انتحر بطريقة مختلفة مرة بالشنق ومرة بقطع الشريان ومرة غرقا ، وكل المرات يكون الأمر سرياليا غريبا ، لا أكون أشعر باللاجدوى ولا شىء ، مرة كنت أكتب قصيدة وأردت أن أهديها للوركا فى يده فصرخت فى مكان مغلق فقالت الجدران لوركا مات ، فشنقت نفسي وفى يدى الورقة وللاطمئنان كتبت القصيدة على جسدى حتى ان أحرق الملاك الورقة ..
    13.
    هل الموت استعارة لروحنة الجسد فى كينونة أخرى ممتزجة مع جوهر المجهول المتمثل فى الله او اي مسمى آخر؟ ، أظن أن هذا هو جوهر كل شىء ، التوق إلى الذات اللامعرفة لأن التعريف يجب وجودها لأنه يحدد أبعادها.
    14.
    المجهول فى آخر الوجود ، باب يفتح أمامك، غرفة مظلمة، اول شىء عندما تدخله هو أن تتأكد من وجودك به وهل انت اينية وهل هو اينية أم لا ، يكون هناك معلوم وواسع جدا وبه شهوة له ولكن المجهول يشبه غواية الشعر
    عندما تغمض عيونك والمكان مظلم تدخل إلى اللانهائي، عندما تغمض عيونك والمكان منار تدخل إلى النهائي .
    15.
    الدمعة عبارة مدعوكة الأبعاد
    موجزة الحقيقة
    شبقية النهاية .
    16.
    لا أستطيع أن أرفض الله ولا أستطيع أن أقبله ، لا أستطيع أن أجده ولا أستطيع أن أضيعه ، لهذا كل حياتى وهذا صعب نفسيا جدا أدفع ثمن عدم انتحارى الى الان ، رغم ان الانتحار يخبىء الله أو العدم ، الله شيق بجحيمه وخلاقيته والعدم شيق براحته وكسله ..
    17.

    أحيا فى عزلة لكى لا أدمر أحدا ، كفى تدميرى لذاتى ، ولكى أتألم وحدى بدلا أن أتألم مع الاخرين وهذه الآلام بالنسبة لى هى حقائق يمكن معرفتها بعد التفكير الشديد ومعرفة الذات ..
    18.
    أن تكون شاعرا يعنى أن تكون مجتونا ، مجنونا بتفاصيل خروج اليرقة ، بموت الأشياء ، بضوء الشمس ، بمساحات الماء الشاسعة ، أن لا يكون بينك وبين كل شىء أي فاصل ..
    19.
    الكتابة بالنسبة لى لا تريحنى ، أنا فقط أخرج جزء من شعورى فى سجن اللغة ، أحاول أن أرممه بالحروف ، بل الكتابة تقيد الشعور باللغة ولا يمكن التعبير عن الشعور ذاته إلا بالتجريد والتجريد يعنى اعدام اللغة نفسها ، الكتابة شىء عبثيى فوضوى ، أضاجع فيها اللغة وأضاجع الفوضى الانطولوجية فى اللفظ .
    20.
    هناك جرح بى لا أستطيع أن أتأمله ولا أن أتألم منه ، هذا الجرح هو الله .
    21.
    حلولى بالله أو أيا كان يسمى ( المجهول ، الطاقة ، المطلق .. إلخ ) هو انتصار على المكانية والمسافة بينى وبينه ، لأنى هكذا أكون كل شىء فلا يوجد مسافة بينى وبين أي شىء ، هذا هو الحلول الحق ، فى هذه اللحظة تتناهى كل السلطات والقيود علي وعليه ..
    22.
    الرحيل دوما من كل شىء وأول هذه الأشياء هى الذات ، الرحيل بلا عودة ولا حنين ولا خوف من الألم النفسي ، بسبب الاغتراب الكامل عن هذا الوجود بكل شىء به ، هذا الوجود البكائي المآتمي الثقيل على الأنفس الشاسعة الشاعرية التى تموت بين جنبات حزنها أو مفردة تكتبها أو عالم خيالي ينهار عنوة .
    23.
    اتركنى
    أيها العالم
    لمخيلتى
    أعلم انى مجنون .
    24.
    تتكشف بواطن الناس والاشياء للشاعر الحقيقي لأنه ينفذ إلى الوجود ويتخطى ذاته ويتخطى كل شىء بعد التعدى على كل ابعاد الذهن والمخيلة والجسد والوجدان ، عندها تكون هناك لحظة صادقة بعيدة يتخطاها لما بعد الزمن ..
    25.
    لا أشعر الان بأي شىء على الاطلاق ، اختفت الروح وفى هذه اللحظات تكون هناك إباحة لفعل كل شىء ، لقتل نفسى أو قتل أي أحد أو فعل أى جريمة بدون الشعور بالذنب او الخوف منها ..
    26.
    لم يعد هذا العالم يستحق أي شىء ، سقطت كل القيم والمعانى والجدوات والمشاعر والأفكار والالهه ولم يعد سوى الخراب المنتشر فى الناس والأمكنة.
    27.
    العزلة هى أن التقى بنفسي أكثر من مرة فى الثانية ، اتلقاها كما هى ، العزلة هى التأمل فى النفس بتجريد شديد عن كل شىء وخصوصا الأنا.
    28.
    الوصول الى تيهك ومعرفته وفهمه هذا أهم ما يمكن ان تفعله فى حياتك ، عندها ستتولد الأفكار والمشاعر بسهولة فى أداة تعبيرك أو فى داخلك .
    29.
    الرغبة فى الكتابة تشبه الرغبة فى الموت ، تشهيه للروح، لانها لا رغبة لا تشبع كالتامل، ثمة شىء بى لا يذهب بالكتابة منذ الصغر هكذا وأظن أنه لن يذهب بالموت ، شىء يلفظنى، يستنزف وجودى بالزمن بشراهة ويدعك عدمي.
    30.
    الحزن مزهرية
    ماؤها من الدموع
    واشجارها الكلمات .
    31.
    هناك ذروة قاتمة فى كتابة الشعر ، ينتهى عندها الوجود ، ويكتمل فى سطوعه ، ويتضاعف فى وهبى القوة لقول الصمت فى خلال شرائح ، كل الكتابة تحريف لصمت ، صمت يطوف حول ابعادى.
    32.
    الإنسان يحطم طوال الوقت ، بالكتابة مثلا انا احطم الشعور واتخلص ضغط القريحة، التى هى مربوطة بكل شىء بى، هى حرة وانا مقيد ، شعورى حر وانا مقيد بالذهن، بالمنطقة ، طوال الوقت احطم العوالم الخيالية التى فى رأسى على حافة أي شىء واقعي ، تذهب فى لحظة هى ولكنى أتذكرها طوال الوقت ، الأمر أن الإنسان يخلق ما يسعده، عندى الأمر مختلف ، اخلق عوالم مفزعة ولا اسيطر على الخلق ، اتركه ينساب كالحلم. .
    33.
    الإنسان كائن وحيد ، ستجلس مع اهلك وأصدقائك وبعد ذلك ستكون وحيدا فى النهاية ولو للحظة ، ستتخم بكل شىء أدركته، لهذا الإنسان أخترع التعبير من كتابة ورسم .. الخ ، حتى القراءة تعبير، تعبير أحدا آخر عن جزء مما بداخلك ، الأمر ليس قتل الوحدة بل معرفة متى تنهض بك ومتى تستوى ومتى تحضنك ومتى تنبذك. .
    34.
    الشعر بالنسبة لى حالة ، ليس موهبة ولا صنعة ، يعنى ممكن يكون أحدا لا يكتب ويكون شاعرا، الحالة هذه هى دمج المخيلة فى الواقعي وشد الوجود كله فى الداخل وإخراج علاقات جديدة ربما تكون سريالية وبها شهوات ، المخيلة تستطيع أن تعطينى مشاعر جديدة غير المشاعر الأساسية وأفكار جديدة ، الوجدان يخضع لها ،اغلب ما لدى مشاعر اهدتنى اياه مخيلتى ، من التأمل والقراءة والكتابة .. الخ ، اريد ان اخبرك الناس فى الشارع انهم يحملون الوهه فى مخيلتهم الذين لا يعرفونها من كمية وضاعة التشيء وهذا العالم ومن يعرفها لا يستخدمها ومن يستخدمها يستخدمها فى الجنس فقط ..
    35.
    الموسيقى مشقة الروح ، تراتيلها ، احتكاكاتها مع الوجد العميق ، فى منازلة دائما مع المجهول الذى يترائى ككتلة واحدة بى ولا استطيع فكه أو معرفته ولكنى أفهمه، عندما اسمع فاغنر مثلا ، أشعر انى جدار تأخذ منه الموسيقى ما تشتهيه وأشعر ان المجهول جدار وأن لى أكثر من يد تمتد فى ثقوب الجدار وتلمس ما لا يوصف.
    36.
    نفس المنتحر تغنى، تغنى للاسافل والاعالى، تتلامس مع الفناء الذى هو خلافة الوجود هذا ، تشعر بانس رهيب مع الماء ان كان المنتحر غرقا ..
    37.
    صارت تأتينى نوبات هلع فعلا عندما يزداد شكى أنى موجود ، نوبات أضحك فيها جدا .
    38.
    أنت وحيد
    وحيد فى داخلك
    ووحيد فى خارجك
    ووحيد فى لغتك .
    39.
    أصيد الشياطين بالابجدية
    أرمى لهم قصائد ساكنة
    فيأتون على كتفي لاحقا .
    40.
    الحلاج كان يقول لله قبل أن يصلب
    ” احضنى يا إلهى لكى لا أتألم ”
    والله ظل صامت .
    41.
    لطخة الروح
    على جدران العدم
    تظهر قبل أن أدخله .
    42.
    أكباد الوجد
    هزات تفتق الله .
    43.
    الفوضى المنطوية فى اللغة
    تندلق على مكحل المجدلينا .
    43.
    منذ خلقت الأيادى المقيدة فى حلمى الله
    سقانى مشهدية الفناء
    لاحدود العدم تزحف على كل الوجودات .
    44.
    المشكلة فى المجتمعات الجاهلة الدينية كمجتمعنا ان الدين هو من يخلق المشاعر ، لا الفن ولا الشعر ولا الأدب .. الخ ، لهذا صعب ان تخرج من مشاعرك الطفولية التى انتسبت إليك على مدار الوقت وكمية الوضاعة فى انك تقرأ لكى تشعر بانسانيتك، لا تشعر بها بمجرد وجودك هنا ، انا لست هكذا ، كنت دائما أقف ضد الله في وفى العائلة، كنت أشعر بحنين كبير وحرية فى التمرد واثبات الذى هو من المفروض ان يكون موجودا عند الناس كلها وهو الإنسانية.
    45.
    لا أستشهد بالحدود فى الشعر لأنه خروج عن الذات وخروج عن الاتحاد معها إلى الهيام الخرافي اللامنطقي فى حضرة الباطن الذى يخبرنى دوما بأنى عاجز عن الوجود كلية به بسبب حدود العقل والوجدان ، لا يدرك الباطن ولا يدركنى الا عندما اتحطم على ايابه الي ، وراء الرؤية ، وراء فقده.
    46.
    العزلة تجب الانتماء لاي شىء حتى لها ،تجب الانتماء للعائلة والوجود والاصدقاء والحبيبة لأنها بلاحدود ، تحاول أن تجعل من يشعروا بها لامحدودين، غير معلقين بسقف أو محاطين بجدران.
    47.
    لحظة الاورجازم التأملي وهي اورجازم الروح ولحظة الاورجازم الانتحاري وهى اورجازم الغياب ولحظة الاورجازم الجنسي وهى اورجازم الجسد ، متشابهين جدا ، فيهم يكون الإنسان حرا من الروح وحرا من الغياب وحرا من الجسد ، ويكون الإدراك بها شبه كلي بالكينونة، لحظة انتفاء حقيقية واحتفاء بالنفي فى كل شىء ..
    48.
    الانتحار بالنسبة لى هوس للمجهول داخلي ، وبه بعض الإنسانية لأن استمرار حياتى ستجعلنى لا إنسانيا أكثر ، هذا فى البداية فقط بعد ذلك ممكن يتغير الأمر، انا غير مبالى بأشياء عند الآخرين هى كل شىء ، زهدت فى المدرك والمعلوم والمباشر والمقيد وذهبت للتأمل والتجريد، ولكن بعد بعض الوقت ساسأل ان جدوى التجريد والتامل ، التأمل يكشف الحقيقية التجريدية لكل شىء وهذا مدمر بسبب البعد الواقعي لى الذى لا أستطيع ان انفيه .
    49.
    الكآبة تزود الشعور للانجذاب إلى الإبداع، والكتابة كذلك ، لأن الإبداع يقوم على وعي أعلى تعبيرى يتواصل مع الكئيب والوعي الأعلى ذلك يسميه العامة المرض النفسي، الوعي الأعلى الذى أتحدث عنه هو أنه فى نفس الخالق يكون الوجود غير الوجود فى نفس العامي والكآبة تخلخل الوجود وتعطيه علاقات جديدة يسميها الناس غريبة .
    50.
    لا اعرف الطوباوية الأدبية عن الحب ، قام عليه كل شىء وكل عمل ادبي وحتى الشعر ، عندما تكون فى عزلة تبحث عنه أو فى كآبة وهذا لمن هم بوعي أقل ، لأنه لا يمكن الاستقلال نفسيا بالنسبة لهم ، والحب له أسماء أخرى هو المجهول والله .. الخ ، يختلف بين الناس ، لأنه تواصل بين مجهولين فى شخصين ، وهذه الطوباية بالنسبة لى تنعدم فى كونى أستطيع الاستقلال نفسيا ، هذا يشوه لأن الحياة فى عزلة حقيقية بعيدة عن الحب يجعل النفس قاسية ولكن هناك من تخلص منه كالماركى دو ساد وجانتر بروس ، الأمر فى الحب هو الطاقة التى تخرج من مكامن الداخل اللانهائية بدون علية، ولكن هذا ليس الحب ، فالإنسان لا ينتهى من مشاعر الحب ابدا ولكنه شعور واحد فى النهاية ، العزلة الحقيقية تقوم على الغضب والكراهية والتطرف أما من هم غالبية المنعزلين سواء أناس أو رهبان . . الخ ، يجدوا نفسهم فى الحب وهو الحقيقية ليس الحب بل المجهول ولكنه وجد الإرث الشعورى والطوباوي كله الا قليل جدا يقوم على رمي كل شىء إلى ما يطلق عليه الحب ، وأنا اضحك لذلك كونهم لا يستطيعوا تفسيره حتى وغالبا يكون عنصريا ، مثلا حب المرأة لابنها وعدم حبها لطفل آخر مثلما تحب ابنها وهكذا فى علاقات الحب الأخرى مرتبطة بأشياء تافهة،فما يجذب فى البداية يكون تافه ، وما يجب العلاقة المحدودية للشخصين، لانه ان عرف مجتمع آخر سيحب ( يقولوا ذلك ) أحدا آخر ، العزلة مرتبطة بالتطرف لانها الخلو من الاخر ، علاقات بين الذات والشخوص فقط ، والكآبة تسيطر على الشعور كله ، لا يشعر الإنسان بأي شىء آخر، هذه الكآبة حقيقة والكآبة لا تدمر الحب فقط بل كل المشاعر ولكن هناك مشاعر مرتبطة بها ، لا اقصد الكابة المتداولة لان حبيبها تركها او انها تريد ان يحبها احدا ، وفى النهاية يحيا الماركى دو ساد ، اه لو ادركوك ساد ، اه ، لاختفوا.
    51.
    الشهرة لا تعطى قيمة للعمل الأدبي أو الفنى ، بل على العكس ، الشعوب مكونة من عامة وخاصة ، والعامة بالطبيعة أكثر ووعيهم أقل لهذا ما يُشهر بينهم هو ما يتوافق مع وعيهم ، والأمر ليس نرجسية التفرقة بين العامة والخاصة ، بل هو واقع موجود ، ولا أقصد بالخاصة المثقفين .
    52.
    الدموع التى تسقط عنوة عن عيونى ، لازلت أخذل براءتهم وأجرهم إلى إنكار شعورى نفسه ، هم لهب منتشى ، وشهب لامنتمية للفوضى ، ومزار كلماتى ( نعاج العدم ) .
    53.
    مدد يا عدم
    أفق جثة الله
    وطف حول وجدى
    لكى ادركك.
    54.
    حلمت ان القبلة بينى وبين الله لا تكتمل
    دائما اتلاشى انا
    او يتلاشى هو
    ويرسم على شفتينا دما .
    55.
    فى لاوعي الشعر آلام الوجود كله ، لدغات الرهافة المتناغمة فى أطلال الذات التى لا تقرأ من اي شىء ، ذات كلية ، شراعها طفولة محدبة. .
    56 .
    وجه الشيطان فى مخيلتى هو مهبل فى الوجه ، المهبل باب لوجه الله ، ولكنه يخرج نورا لا يستطيع أن يراه الا من لديه شجاعة التطرف .
    57.
    الموسيقى خائرة الكونية ، ترتوى عندما يسمعها أحد ، تمشى فى داخلى كبساط يلم كل المشاعر من مكامنها وتذهب بهم إلى القريحة، الموسيقى مخيفة فى السيطرة على الشعر ، ذرفها مجهول يتساقط بالدفء ..
    58.
    لم اصرع ولا مرة شبحا يحيا بى فى خزانة اللغة وينفى وجودى به ، غضبه الذى يمشى فى أروقة الوعي وينظر الى بؤس الارتفاع عن كل شىء ويطيل تخوم الكتابة والكآبة .
    59.
    أحيانا أجد زرقة مختبئة فى ذكريات الله عن الايادى المقيدة التى خلقته
    زرقة مهزومة تمزق نفسها طوال الوقت .
    60.
    العيون المسعورة للشيطان من خروجه من عرش الله ، بها وجد رهيب لن يفقه آدم، دموع منفية فى بوتقتان وشفتان ترتجف ليس من عقاب الله له ، بل ترتجف من العشق الذى لا يستطيع أن يتخلص منه ، العشق الذى ليس لديه حدود ، هو جرب ان يكره الله ولم يعرف والله لم يجرب ان يفهمه انه لا يريد سواه والخواطر التى التى تأتى له برغبة قتل كل الملائكة والكائنات ليبقى وحيدا مع الله ، وحدهم ، فقط ينظر له ويمسح روحه من الدمع .
    61.
    التجاعيد التى رأيتها على جسد الشيطان فى الحلم البارحة ، كأنها كلمات محفورة بقلم من نار ، بعضها حفرها الله وبعضها حفرها هو ، ما حفره الله ” لا قيامة أيها الملعون بدونك ” وما حفره هو ” لا أيها الرب المجيد، لم أفعل أي خطيئة سوى انى كنت ذاتى” .
    62.
    طوال حياتى وحيدا
    فى عزلة وحيدة أيضا
    عزلة الولادة .
    63.
    لا احد يهتم بى سوى الكلمات السوداء
    التى تخرج من أديم الشعر وحيدة وخصبة
    ترياق هى يربط الصمت مع نده
    ولا يبتغى لفظ ماأشعر به .
    64.
    ما يدرك من الموت
    يدرك بالشعر فقط .
    65.
    كان الآيل الكئيب
    الذى لا يأتى ابدا ليأخذ الطعام من يدي
    كان أنا فى هذا العالم
    لا يأخذ الطعام من الله .
    66.
    الزمن بين الورقة والقلم
    هو زمن ضائع يبكى على قريحتى .
    67.
    أن لا يكون بينى وبين الموت أي حجاب
    هذا ملهم بالنسبة لى
    ان يضع بيضه فى سلة روحى
    وان يسمح للضجيج بأن يرغب فى اللغة
    فهو لا يعاقبنى على اهتراء حياتى
    بل يعزز ما اطويه من أمل به .
    68.
    الجسد يهين الروح لأنه يستر شساعتها ولامحدوديتها والروح بالنسبة لى هى المجهول الذى لا يمكن أن يتجسد فى مادة ولا يمكن أن نعيها بوعي أساسه بعض الخلايا البيولوجية ، الروح تعطينا جزءا منها لكى نعى بعض من كنهها ، لا تسمح بطريقة أـخرى لأنها محجوبة ومنطوية ، محجوبة مما لا تعرف .
    69.
    الانقشاع التأملي الذى يحدث لى فى الكتابة ، انقشاع التناهى عن المدرك ، والوحدة بين قبائل اللامرئي الذى أشعر بتوابعه كصرخات أنطولوجية لا يدركها إلا الحالم فى كل المشاعر حيث يكون الحلم تجريدى الابعاد والصورية .
    70.
    الوحي فعل خيالي يدرك ذاته ويدرك انفعالاته بدرجة ولو وجيزة حتى ، تجربة نفسية عظيمة ولكنها دائما تؤدلج إلى واقع ، تتأثر بمحرمات المستجلب للوحي وكبته ورغباته .. الخ ..
    71.
    الفراغ الحقيقي لا يعرفنا بل يؤولنا لأن المعرفة تضع قيود عينية كطريقة عمل العلم، اما الشعر ينكر التعريف والمعرفة الكلية لأي شىء ، انت حتى لا تعرف داخلك ، وهو فى الحقيقة ليس داخلية ، هذه الياء التى تستخدمها كذبة وتافهه من أيضا الموروث الثقافى والدينى والعلمى والفلسفة، وقدرتك على التحكم وأن تظن ذلك فقط هراء .
    72.
    المطلق ينفتح بالمخيلة فقط، لأنه غير محدود ولا يمكن إدراك لامحدود بمحدود ، وهى خرافة الحدود ، فقط إرث بيولوجي وثقافى ودينى، لأنهم يلقنوك بحدود كل شىء بك ، الأمر ليس فقط فى الدين أنه يضع حدودا ، العلم أيضا.
    73.
    تراجيديا القيومية فى بحث الله عن المطلق خارجه وداخله بدون العثور عليه الا فى تخييل يمكن الله من وجوده فى وجوده بدون اي شرطية من التيه فى ما لا يعرفه وما يعرفه .
    74.
    من أقسم بوجودى كان شيطانا
    تلعثم
    ورجى الله ان يخلقنى .
    75.
    الله ضائع وسط الفراشات العاجزة فى راحة يدى
    أشده
    فيبتسم
    ويقول ” أريدك هنا فى وصفى لنفسي” .
    76.
    اللغة بواحة
    حقها علي غزو اعشاش العصافير فى الجداريات
    وحقها لى أن تحممنى فى حوض الدم .
    77.
    عندما يزداد وعيك ستقل مشاعر الحب تجاه الاشياء والاشخاص والذات وستدرك الزيف الذى يملئك أولا والزيف الذى يمتلىء مجتمعك ، فى البداية ستتأثر جدا بذلك وبعده ستصيبك لامبالاة وتبدأ فى السخرية منهم ومنك ، ولكن من أهم مميزات ازدياد الوعي هو أنك ستتقدم إنسانيا وشعوريا جدا .
    78.
    العزلة تجىء بنفاءس النفس وشواخص الله ، أنظر عصمتها من التدمر فى حوادث الحياة ، وتجاوزها للحدود والارث الثقافي بين الناس ، من يعتزل يصل إلى نفس منطقة الاستقبال التى نبدأ منها كلنا التأمل.
    79.
    عندما تكون وحيدا
    يكون كل شىء وحيدا
    ريم الروح يطفو فى الجسد
    ويبتسم السفك .
    80.
    فى العزلة نرجسية محتومة ، نرجسية الجدران التى تتكسر والخوف الذى يتلعثم والدرب الذى يأفل والروح التى تستعمل الجسد فى طقوسها ، هذا الصوت الدافىء الذى يزف المعانى إلى الداخل ، هذه الطاقة الغاضبة على كل شىء ، تفرد سطوة على الموجود وتنزع إلى البقاء فى أمكنة الشعر ، أمكنة الحلول فى الاشياء والكائنات الميثيولوجية ..
    81.
    أنام بين الدمى
    التى لا تحلم مثلى بالله كل يوم .
    82.
    فى الشهيق
    أسمع صوت فئران صغيرة تتصارع
    وفى الزفير
    أسمع صوت غراب يحتضر .
    83.
    إن احصيت القيود الوجودية المجردة على عقلى ووجدانى ومخيلتى وجسدى لن أحيا للحظة ، بالإضافة إلى القيود المجتمعية والعائلية، الأمر صعب جدا ، فى لحظات التسامى تأتى القيود إلي وتظهر عنوة وأشعر بها كلها ..
    84.
    لم يكن انتحارى سوى رغبة فى الحياة ، ربما حياة أخرى يتاح لى بها أن أكون نفسى بدون أكاذيب أو زيف أو تفاهه ، العالم هذا ثقيل جدا علي ولا يسمح لى بالحلم وأشعر أنى آثم ولاانساني لمجرد الوجود فيه والوجود بى .
    85.
    الاقتراب من الموت بالنسبة لى شغف أحيانا يسيطر علي جدا ، بحيث يكون كل شىء موت يتمدد فى كينونتى ، هذا الصراخ فى أذني الذى يمشى فى جسدى ويجمع عليه المشاعر الموجودة بى كلها ويهبط فى العدم ، يأخذ جزء من كينونتى وهكذا مع ذهنى ومخيلتى .
    86.
    هذه النشوة الغريبة التى تأتى لى بعد قطع أي شريان فى جسدى ، فى كل قطرة دم يهبط حلم يسب الحياة ، وإله ميت متحرر من الوصف ، تخف الاينية من وعيي تدريجيا وأبصر ظلاما بدون دروب ، كأنه جسد جدار عظيم يحاوطنى من كل الجهات .
    87.
    سيكبر موتى ويتسع
    يصادق روحى
    المنعزلة فى الشعر
    والبعيدة فى تلاشيها
    يفتح التصاوير عن الماوراء.
    88.
    خشيت على قصيدتى
    من مجاز فيها
    أسمع هتافه
    فتظلم النبوة فى الآه.
    89.
    لم أكن أحلم
    عندما جئت إلى الوجود
    كان فقط يحملنى مني العبث
    لإدراج المجهول
    ويطير
    ليلقى كلماتى على سماوات الردى .
    90.
    لا أحد ينتظرنى
    على بوابة الشعور
    فقد خرجت كلماتى تائهة
    تقرأ ضمائر السجان
    وتورث الجرح
    مشهدية.
    91.
    لا أحد يهتم بالأسئلة الوجودية بل يعتبرها العامة ترف فكري ، هم يريدوا أن يضاجعوا النساء ويحصلون على الأموال. . الخ ، لأنهم بدون وعي حقيقي بالوجود ، يحيون ولكنهم غير موجودين .
    92.
    أمى ولدتنى بين قرنفلات معمدة بمني الله
    لا شىء يوجعها
    سوى أنى حزين ..
    93.
    جئت إلى الوجود بعد أن رحل العدم مني
    وسأعود إليه بعد أن يرحل الوجود مني .
    94 .
    تجربة التخلي عن الله ، هى تجربة مجهولة الجذور النفسية ولكنها تضاعف للغضب الذى لديه أسباب كثيرة وكل هذه الأسباب أسئلة مدموجة التأويلات ولا يوجد أي ذريعة وجودية لإهمالها .
    95.
    كل الكينونات العظيمة وحيدة وبلا وطن لأن الوطن يدنس الانتماء ، ومن هذه الكينونات، الاستعارة ، المجرد ، المحض ، اللانهائي، الله .
    96.
    العثور على الله فى اللغة ، بين المجاز والمجاز ، كأن الله هو تحقيق للمخيلة بكل أبعادها فحتى سيطرة المجتمع والبيئة التى أعطت ذلك الرمز للاطفال ، ليس هو سبب الإيمان الوحيد ، الطفل هو المؤمن الحقيقى والذى يحتفظ بطفولته معه ، لأن مخيلة الطفل غالبا تكون أوسع من كل شىء وبها طاقة لم تمس بعد من الأسئلة الوجودية .
    97.
    لا أدري هل أنا دمية متحركة تسلب الموت الحياة أم بهلول يحدث قرميد الجنون ؟ .
    98.
    هناك أنفس أخرى داخلى مدفونة تعلق على كل ما أفعله ، أنفس غريبة وهلامية وهيولية، لا أعرف كنهها ولكنى أحافظ عليها من الحياة والظهور على كينونتى .
    99.
    الحياة داخل الرأس ممتعة ولكن المشكلة في تقبلها من عدمه وإعطاء الخيالي نفس الوجود الواقعي ،
    أريد أن أصف كل شىء أشعر به ،كل شىء اعيه، كل شىء أدركه ولكنى أحس بضيق اللغة الشديد والفقر إلى ترجمة المشاعر فى وجدانى والأفكار فى عقلى والخيالات فى مخيلتى ولكنى أجد الأدب يعبر عن هذه الأشياء لهذا أقترب منه بشدة لكى أعرف وأحلل عرشى .
    100 .
    ستنبذنى إن عرفتنى لأنى سأدمر خوفك بسرعة وسعادتك التافهة بكل شىء بك ، لا أحيا فى الزمن ولا المكان ولا الوجود ، فقط فى صفرية الزمن وسلبه واللاهنا المكدوم .

  • محمد الغريب – عودا يتجدد


    ويكوينا الظلام في سكوتك
    مثل طائر لا يجد عشه مرحا
    أتمم بكائي بين يديك
    وآثم الدهر يحل في ظلالك
    أرسل لي بشرة بحضورك
    ووردة زهرا تطعم شوقا
    لما رحلت كان أثم عنوانه مغيب
    وكانت الوجوه فرحه بفراقك وكان قلبي ذابلا مفترقا
    مشيت الناس علي وجوهنا
    وكان الضيق يدفعنا لفراقا لا يغتفر
    رضيت بحالي وذوقت ظلاما بلا روح
    اعيش شجرا بلا زهر وليلا سخيا بالبكا
    كان الفاعل لا يغفر له سعيدا يلهو
    وانا بين يديه لعبة بلا امل لا اذهب اتجاها
    أظل حفيف القلب والروح جرداء
    كلما دوقت في غيابك خمرا سكرت لأجلك
    وكان السهر ملهم لعويل يتجدد
    كانت الصحاب لا تري قلبي ولا حتي نفسي
    أصغي لإلما بلا رحمة مثل عصفورا وحيدا في مناجاة
    اسير وحيدا بين شوقا ولوعة وظلك
    وفي كل صباح أرسل ورودا لك مثل طفل ينتظرا
    وعندما ظهر نورك من بعيد
    ارتسم لي املا ودفعا بشمسا وقمرا
    ارتديت الوجود والهمس لديك يهجو
    والليل يفتح ذراعيه نحونا
    ليس دليلا له وانما فرحا للعودة
    يا ليته عودة جديدا إنما بالعهد يتجددا
    و يصغي لنا الكون اهتماما
    والكلمات والمعني تسجد اجلالا لتجدد اللقا

  • (صديقي المتمرد واللحظة الهاربة ) _أوس حسن

    راقب أفكارك قبل أن تتحول إلى أحاسيس، راقب أحاسيسك قبل أن تتحول إلى أفعال، راقب أفعالك قبل أن تتحول إلى كارثة تلتهم حياتك.
    عش اللحظة يا صديقي بكل ما أوتيت من قلب إنساني. وما هي اللحظة؟
    اللحظة:..هي أن تمسك بأحلامك الهاربة وتمسح غبار النسيان عن أشيائك القديمة.
    * * *
    لا أخفيكم سرا ً أن صديقي المتمرد الذي أنجبته شوارع بغداد وأزقة الصعلكة، كان في فترة من الفترات تلميذا نجيبا ً للشيوعية والفكر الماركسي، وكان متأدلجا ً بامتياز، لكنه تمرد على الشيوعية وتبنى أفكارا ً ومدارس أخرى كالعبثية والعدمية والوجودية ، ومن ثم تمرد عليها أيضا ً وتمرد على نفسه وعلى جميع المثقفين، حتى لم يعد يرى من الثقافة إلا الجمال فقط، ولم تعد له هوايات محببة غير التعرف على النساء الجميلات، وخوض المغامرات غير محسوبة الجوانب معهن.
    حدثني هذا الصديق ذات يوم قائلا ونحن نمشي في شارع طويل يعج بالمارة وضجيج العابرين:..الم تر يا صديقي أن الزواج في زماننا هذا أصبح تجارة ودعارة؟
    أنت تدفع مهرا ً معينا ً من الذهب والمال لتشتري المرأة وتستعبدها في بيتك كجارية تقوم على خدمتك، وتمارس معها الجنس أنى تشاء.إنه انتقال نسبي من عبودية إلى عبودية أخرى
    من عبودية القبيلة والعشيرة إلى عبودية الزوج الواحد الأحد مقابل حفنة من الذهب، فلا صوت يعلو على صوتك ولا قرار يعلو على قرارك، أنت الخالق والمشرع، بيدك حياتها وموتها وإنسانيتها المستباحة في كل لحظة، كل هذا يقع تحت مسميات عدة..الدين.. الأعراف .. الله. هم لا يسرقون منك انسانيتك ووجودك وإلهك فحسب، بل يسرقون منك حتى موتك وفناءك، فتلك المرأة المسكينة المستعبدة لا تستطيع أن تموت في حياتها ولا أن تحيا في موتها كما تشاء . آآآه يا صديقي لم يكن الوجود لنا يوما ً، ونحن نحيا كالغرباء المجانين في هذه الحياة القذرة.
    وهناك نوع آخرٌ من النساء اللواتي يطلقن على أنفسهن المتحررات، تلك النساء تبحث عن الرجل “الجنتلمان” صاحب المنصب والمال والشهرة ولا يرضين بأقل من هذا الطموح، وفي هذه الحالة لا يهمهن العمر أو الشكل أو الأخلاق ، فالرجل بالنسبة لهن كتلة مادية ، أو كيان مادي خالي من الروح والأحاسيس. أنهن عاهرات القلوب والضمير يا صديقي، عاهرات بالفطرة الغريزية، لأنهن نتاج عملية وجودية معقدة، كان من المفترض أن يُلقى بهن في مزابل الكون، لكن أنسانية الرب لم تكن تقبل بذلك، أنسانية الرب أقوى من الوجود كله، بل أقوى من الحقيقة المطلقة كلها، فالرب أوجد هذا الكون بالحب.

    بدأ الشارع يخلو من الضجيج والمارة، هناك شيء غامض داعب روحي، كموسيقى قادمة من مكان بعيد، أصابتني رعشة تشبه رعشة الحنين، اشتقت لمعانقة ذكرى قادمة لم تولد بعد، هناك صلوات ٌ في قلبي ترتل سحرها الخفي، ..الكون كله يجتمع في قلبي الآن، لا شيء يبدو جميلا ً إلا مايراه القلب جميلا ً، قد يكون القلب أحيانا ً حكمة التائهين، ربيع المنسيين خلف الفصول المظلمة، وقد نموت مرارا ً ولا نعرف أن الحقيقة تكمن في القلب قبل كل شيء. أخرجت سيكارة من العلبة أشعلتها بهدوء وانطفأت ُ مرة أخرى في ثورة صديقي ..وهو يستطرد في جنونه قائلا:..
    وهناك النساء اللواتي يطلق عليهن المجتمع لفظة العاهرات أو بائعات الهوى هذا ما يطلقه السواد الأعظم على تلك النساء المعذبات في الأرض، أنا سأخالف كل ما اتفقت عليه البشرية في تاريخها، سأحطم كل الموروثات وأمشي عكس الدهماء، لاقول لك أن العاهرات هن أشرف من في الوجود يا صديقي..! …نعم أشرف من في الوجود

    هل تدري أن العاهرة تملك من أسرار التاريخ والحروب والسياسة، مالم يملكه أي مؤرخ محتال أو سياسي كاذب، هل تدري أن العاهرة أكثر قربا ً إلى الله من أي رجل دين زائف يسرق من الله رحمته، هل تدري أن العاهرة تملك من السحر والغموض والولوج إلى ما وراء الأشياء، مالم يملكه أي شاعرأو فيلسوف شاب رأسه وهو يبحث عن الحقيقة، هل تدري أن للعاهرة إنسانية يبكي لها الرب، هل تدري أن العاهرة تحمل من الدموع والآلام مالم يحمله قديس على وجه الأرض، هل لمست إنسانية العاهرة يوما ً يا صديقي..!؟
    لا يلمس إنسانية العاهرة إلا الأنبياء،آآآه أيتها المجدلية لم يكن الزمان زمانك، ولن يكون لك زمانٌ أبدا ً.
    بئسا ً للأوغاد فإنهم يقتلون الله في كل مرة ويجهزون على ما تبقى من قلبي الجريح.
    خيم الصمت لبرهة ساد فيها التأمل العميق والولوج المعتم نحو النفس
    عندها رمقني صديقي بنظرة ثاقبة مليئة بالتساؤلات والشكوك فقال لي:..لم أنت صامت؟
    قلت له:..إني أفكر في اللحظة، قوة اللحظة، جمال اللحظة
    فابتسم بصمته الجميل المعهود وقال لي:. وما هي اللحظة يا صديقي؟
    سرحت نظري في الأفق البعيد وأنا أراقب آخر طيرٍ هم بالرحيل، وكأن تلك الغيمة المهاجرة شرَّعت نوافذ أحلامها لتعانقنا وتعلن عن آخر إسطورة منسية، وقلت له:..أنا أنا وأنت أنت، لم نكن يوما ً مرايا للآخرين، نحن المنفيون من الريح إلى الريح، لا زمان لنا ولا مكان، لا أرض لنا ولا سماء، نحن المنسيون حتما ً ..الغرباء يوما ً..والأحرار دوما ً، ثم أطلقت ضحكة عميقة من قلبي، واستغرقنا في الضحك طويلا ً، ونحن نمشي في زقاق مجهول، حتى تلاشت ظلالنا رويدا ً..رويدا ً، كشمس ذلك النهار العجيب وهي تنكسر تدريجيا ً خلف الغيوم الحمراء..

  • نهاية حتمية _ثلاث قصائد لشيماء المقدادي

    نهاية حتمية _ثلاث قصائد لشيماء المقدادي

    ( وجبة )

    أنْ تَكونَ طَعامَ المَساءِ
    على مائِدَةِ النِسْيانِ
    بِشَمْعَةٍ باهِتَةِ الأشتِعالِ
    وثَوْباً يَكْشِفُ ساقَ عِشْقِكَ لِنَميمَةِ الريح
    ذاكَ خَطؤك ..
    أنْ تَكونَ أصيصاً نُسِيَ على شُرْفَةِ الوَقتِ
    ومَضَتْ عنهُ الحَبيباتُ ،
    واحِدَةٌ تَجُرُّ الأُخْرى
    ليَتْرُكْنَكَ في جُبِّ الهِجْرانِ
    دونَ مَؤونَةٍ
    ذاكَ جُرْمُكَ ..
    أنْ تكونَ الدُخانَ الذي يَرْسُمُ فوضاهُ
    بعدَ إحْراقِ قَلبَهُ
    بِشَفَتَيْنِ تَسْحَبانِ نَفَساً من رِئَتَيْهِ
    وتُخَلّفانُهُ طَيْفاً
    يَتَسَكّعُ في أَزِقّةِ الأُمْنِياتِ الضَيّقَةِ
    ذاكَ ذَنْبُكَ ..
    أن تكونَ البَحرَ الذي سَرَقَتْ عابِرَةُ قَلبٍ
    زُرْقَتَهُ
    وأَغْرَتْ أسْماكَهُ ونباتاتِهِ ومَحارَهُ
    باللّحاقِ بها
    لِيَكونَ هَديرُ مَوْجِكَ أخْرَسَ ،
    ذاكَ إثْمُكَ ..
    أنتَ مَنْ خَضَعَ راضِياً بِثَقْبِ قَلبِهِ
    كَعودِ قَصَبٍ ،
    كُلّما شَهَقَتْ رِئَتاهُ ، أنيناً .. تَشَهّدَ .

    ( هي والليلُ )

    وأنا أتَوارى خلفَ عمودِ نورٍ مائلٍ ..
    أهربُ من أعيُنِهِما تراقبُ خَوْفي ..
    كطفلةٍ أطفأوا ساعَةَ نَوْمِها قناديلَ خيالِها .
    أراهما يتَعَرَّيان من جِلدِهِما
    يُسقِطانِ عنهما كلماتِ القَصيدَةِ
    حرفاً حرفا
    يُبَعثِرانِها على حافّةِ الطريقِ المُقْفَلِ ..
    ويلوكانِ قطعَةَ لحْمٍ تتبادلُها شفتاهُما
    كقطعةِ لُبانٍ قديمةٍ .
    أمدُّ إحدى ساقيّ لأهربَ من بينِ
    مخالبِ قسوَتِها ..
    وأنيابِ بشاعتِهِ ..
    فأراني مُعَلَّقةً بين أسنانِهِما ..
    يلوكان أحلامي متى شاءا
    وكيف شاءا .
    أُسنِدُ لعَمودِ النورِ المائلِ وَجَعي
    وهو يمنحُ جَسَدَها للعابرين
    والسُكارى
    والمجانينَ
    والعارفين اللهَ زيفا
    والمقيمين الليلَ لهواً ..
    يعبثون بها تحت سِتارِ العتمَةِ ..
    تتحسَّسُها القِطَطُ والكلابُ
    وبطونُ المساكين ..
    يبحثون في كفّيْها عن بقايا خبزٍ
    لا يلعنَهُم فيهِنَّ حَجَرٌ .
    هو الليلُ يَرحلُ ويُخَلّفُها عارِيَةً
    تَسْتُرُ جَسَدَها تحتَ أقدامِ المارة ..
    وتَتَزَينُ لنهارٍ جديدٍ
    كما يليقُ بمدينةٍ عريقة .

    ( نهايةٌ حتمية )

    كانوا ثلاثةً
    أُخوةٌ هبَطوا من رَحمِ اليُتْمِ
    إلى خرابِ النفوس
    إلى مخيّماتِ اللجوء .
    كبيرُهُمُ يَسرقُ رغيفاً
    وأوسَطُهُم يسرقُ دِثاراً
    وصغيرُهُم ..
    ذاكَ الذي وقَعَ عندَ قَدَمَيْ الأنسانيّةِ
    في رِئَةِ الموْتِ
    كانَ يسرُقُ ابتسامَةَ الشمسِ
    ويلصِقُها بِوَجْهِ البَرْدِ .
    باتوا اثنين ..
    أحدُهُما يَسْرُقُ رغيفاً
    والآخرُ يسرُقُ أمَلاً من الشمسِ
    ينْثُرُهُ على شفاهِ الثلوج
    قبلَ أنْ يقَعَ بين فكَّيْ ذئبٍ
    يصرُخُ .. تكبير .
    باتَ وحيداً ..
    لمْ يَعُدْ يَسرُقُ رغيفاً أو دثاراً
    أو يَقرُبُ لمُمْتلكاتِ الشمس
    لكنّهُ باتَ يبتسِمُ للظلام
    ويرقُصُ للوِحْدَةِ والجوعِ ..
    ويَتَوَحَّش .

  • صدى أبكم_أمل البابلي

    صدى أبكم_أمل البابلي

    صوته الذي تخشب على باب السماء
    ماعاد يسمعه الآن
    وما عاد يزعج به الزبانية
    او يكشف به الغيوم الممزوجة بلون الفحم
    صوته حين يحترق كشمعة ناحلة شاحبة
    قرب سرير الأماني
    تذيب نفسها كي تنطق الأشعار متسارعة
    من شفاهه على هيئة جداول من الحب
    صوته حلم متكرر ينقش في مخيلتي
    الف ليلة وليلة …
    ثم يترنح في هواء المذابح
    زاخر بشوق
    يشع في ظلمة عيني
    ليهمس صوته : صديقي وحده في
    العراءّ
    والليل ساكنٌ تتسلل منه رعشة الأحلام
    في عتمة الوحدة .

  • محمد شحادة-عامٌ من الويسكي يشبهكَ جداً

    محمد شحادة-عامٌ من الويسكي يشبهكَ جداً

    إبتدأ من شفتيك
    الكون من يمينها
    والسماء من يسارها
    هكذا تبتسم للجميع
    ومشوها كالماء
    وأكبر إنجازاتك
    أنك لم تنجز شيئاً
    فلا تذهب الى الطريق
    اذهب إلى تؤدي
    إلى الجحيم
    إلى أي مكان
    إفتح سحاب بنطالك
    تحسس لون الهواء
    واخلع سروالك الداخلي
    وتبول حيث وصلت
    حياتك مشاهد ميتة
    في إحدى حانات أنحائك
    وموسيقى ساكسفون
    تشبه
    صوت السكين
    التي احتالت على أذن فان غوغ
    حياتك
    عام من الويسكي
    يشبهك جداً
    وجداً فارغ
    حياتك
    غرفة للإيجار رقمها 1995
    يتناكحون بداخلها
    الذباب، الضجر، العاهرات، وقلبك..
    كلهم كاذبون
    بائع القهوة الذي نكحته
    ظنا منه أنك نصبته ب 5000 ليرة
    ولو بقيت قليلاً كنت لأنجبت منه 50 ألفا
    حبيبتك التي تأخرت عليها
    فأهديتها باقة ورد عند الصباح
    لأنك تقضي حياتك بالنوم
    محاصر بالنعاس
    سائق التاكسي الذي صعدت معه صباحا
    أيضا كاذب يراك 3000 الاف ليرة
    سيارة الإسعاف
    أيضا كذلك
    حين أصبت بنوبة قلبية
    قالت أنك ستموت
    لكنهم لسوء حظك
    أوصلوك الى الطوارئ
    ولسوء حظك أن المشفى لم يطلب المال
    يا لأولاد العاهرة
    كلهم يبحثون عن سبب
    ليبرروا كذبهم
    منذ الصباح تحاولُ أن تجدَ بيتاً
    وسطَ كل هذا الخراءِ الدائري
    تحملقُ بنكتةٍ قفزت من الضحكِ
    في بطنِ السواد
    تُحملق بالمارة على صدرِ الشبابيكِ
    وهم يعبرونَ آخر السكوتِ
    وأول المزاريب
    تُحاول تسلقَ الهواء
    وخنقك على غفلةٍ منكَ
    تُحاولُ تحنيطَ المياهِ
    بعد ذبحها كي لا تعودَ إلى شكلكَ
    تُحاول ألا تحاول
    ومنذ المساءِ لا تحاولُ أن تجدَ شيء
    غيرك..

  • بكاء ينمو داخلي كشجرة لبلاب – سارة عابدين

    بكاء ينمو داخلي كشجرة لبلاب – سارة عابدين

    Judith and Holopherne
    Gustav Klimt

    صباح الخير، هل تراني من تلك الفرجة الضيقة من بين العمارات القبيحة المرتفعة؟ لماذا تحجب عني سماءك، القط الأعرج الصغير لم يستطع أن يتفادى السيارة المسرعة فحظي بميتة سريعة دون ألم،عندما حملت كرسي السفرة الخشبي الثقيل لأصل به الى البلكونة وأحاول مد رقبتي لأرى سماءك من بين العمارات، هل تظن أنني بذلت كل هذا الجهد لأجلس على الكرسي وأبكي؟، كنت أستطيع البكاء في الحمام أو على سريري أو حتى وأنا منهمكة في غسل الأطباق، لماذا لا تنثر سماءك حولي وتهبط بها قليلاً حتى أراها وأراك. أنا لا أجدك حولي ولا أجد أمامي سوى مطبخ الجيران الذي يصل إليه نظري عبر حجرة معيشتهم الممتلئة بضوضاء التلفزيون الصباحية.

    هلا نثرت سماءك حولي مثل دمى قطنية كبيرة على شكل أمي وزوجي وبناتي، دُمى قطنية لا تطلب مني أن أتوقف عن البكاء وأن أذهب للصلاة أو أتذكر نعمك علي، أنا أذكر كل شيء لكني لا أستطيع التوقف؛ البكاء ينمو داخلي كشجرة لبلاب متسلقة تنضح أوراقها بالدموع لتخفي عني الجدران الجديدة الملونة والستائر التي تشبه تماما تلك التي أعجبتني في الصورة.

    الطفلة ذات الشعر المموج التي كانت تخشى الولد الشرير فتعطيه شطائرها حتى لا يتركها على باب الحضانة ليأكلها الأسد، تكتب الآن مقالات تبث فيها نصائح للأمهات لحماية أطفالهن من الأشرار، مقالات ربما تسجل معدلات الأعلى قراءة لكنها لا تصل أبداً للقراء المقصودين بالكتابة.

    مقالات على مواقع افتراضية لم تدون على الأوراق أبداً حتى أنني لا أستطيع جمعها لأصنع منها طائرة ورقية أعلق فيها رسائلي اليك أو أصنع منها صواريخ أسددها في مؤخرات الأشرار والجارات الثرثارات والأسد الذي سيأكلني، بالمناسبة القط الصغير الأعرج الذي أخبرتك عنه بداية الرسالة لم يمت ها هو مازال يقفز ويشرب من برك المياه الصغيرة وأنا مازلت أحاول مد رقبتي لرؤية السماء ورؤيتك.

  • بعث – الوصيف خالد

    بعث – الوصيف خالد

    [1]

    سنة وشهر وخمسة أيام. أجلس هنا منذ يأنس الناس ببيوتهم وساكنيها، وحتى الصباح. فرد أمن. تتنافس العلل بجسدي ولو هاجم المكان أحدهم لن أقاوم. على الأقل أجد ثمن الدواء. الفضل للعم محمد. لم يتوسط أحد لتعيينه في شبابه. توسطت له عاهته. في زمنه كانوا يسافرون إلى ليبيا، فمن يقبل بمصاحبة أجساد ينتظر ابتلاعها التراب.

    يسهر بينهم وينام، ما لم يغلَق الباب. يحول دون انغلاقه بحجرٍ يحرص عليه كحرص رئة غارق غلبه البحر على الهواء. أساعده مع كل وارد جديد ثم أنسحب رعبًا وهو مني الضحوك. لم يضحك الليلة. تمتم باسم الميت مرتين. حسين عبد العليم مخلوف. دقق بالكشف وتسمر قليلًا أمام الوجه، قبل إتمام التوقيعات. منذ أتى الزائر الجديد طال صمته، وزاد عرجه. انفرد به. أزاح الحجر وأغلق دونهما الباب.

    [2]

    وحدك معه. ممددٌ أمامك، ضعيف تافه. لو تركته خارج البراد لتحلل كلحم فاسد عفن. وحيد دون صحبته. لن يجمع لك الآن تابعيه ولن يحاصروك في ركنٍ ويغلقون الباب فيبدأ الضرب. تملك أنت الباب وتملك حق الضرب. فقد وجهه حمرته، وذبلت عضلات تفاخر بها في الزمن القديم. لكن فخذه سليمة وساقه مستقيمة. لم ينتقم الله منه بعدُ.

    (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ). الله يناديك، رسالة عبر المذياع أن الانتقام حق. نعم، «حياة» وهو ميت. لكن الله يحييه، وسيعذبه في قبره قبل بعثه إلى جهنم. سيشعر جسده هذا بالألم عمَّا قليل. آلمه الآن. دع عنك خوفك من انتهاك حرمة الموت. لا حرمة لمن انتهك حرمة الحياة. أنت هنا بسببه وها قد أُعيد إليك. لولاه لتزوجتك نادية ولفرحت بابن منها وأحفاد. لولاه لما جالست الأموات.

    لا تضيِّع الوقت أكثر.
    الفرصة تفلت.
    الرائحة بدأت في النفاذ.
    أنزل به عقاب الله.
    هنا، أسفل فخذه اليسرى.
    يطرقون الباب الآن.
    يحاصرونك لتحرم مجددًا من الحياة.
    أسرع.

  • أتغنى بوطني – لانجستون هوجهيز – ترجمة: وعد العتيبي

    أتغنى بوطني – لانجستون هوجهيز – ترجمة: وعد العتيبي

    أنا أيضاً أتغنى بالوطن
    أنا الأخُ المكتئب بين إخوتي
    كانوا يرسلوني للمطبخ لآكل لوحدي
    بينما كانوا مع بعضهم البعض
    لكنني كنت أضحك
    و كنت آكل بشكلٍ جيد
    و كبرتُ قوياً
    و كل هذا لأني كنت أتغنى باسم وطني
    غداً
    سوف أكون جالساً أمام الطاولة و حين يأتون
    لن يجرؤ أحدٌ أن يقول:
    “اذهب لتأكل في المطبخ”
    وسترى الطيور كم أنا جميل

    وستشعر بالخجل من نفسها أمامي

    حين أتغنى باسم وطني

    أنا أيضاً لوحدي

    وأتغنى بوطني.

  • عيون صدئة – أحمد شوقي بشير

    عيون صدئة – أحمد شوقي بشير

    أرى في الطفلِ عُكّازاً وكهلا
    وأٌبصرُ في عيونِ الضوءِ ظِلا
    وألمسُ داخلي حجراً تنامى
    وألمحُ زهرةً في الروح ذبلى
    أقول: “هلال هذا الليل بدرٌ
    تناقص بالبكا وغدا أقلا”
    أقول: “ظلام هذا الليل نورٌ”
    وأجزع كلما قمرٌ تدلّى
    لماذا كلما قالوا: “جمالٌ”
    صرختُ بملء هذا القبح: “كلا”؟
    كأني لا أرى حولي جمالاً
    كأن الكون كابوسٌ تجلّى
    كأني أبصر الأشياء حولي
    بعينٍ ترتدي الأحزان كُحلا
    أحلِّق في ضياعٍ دائريٍّ
    وأهبط كلما حلقتُ أعلى
    يحاصرني هواءٌ من فناءٍ
    وتسري في الوريد دماء قتلى
    كأني إذ وُلدت رأيتُ موتي
    فصرتُ الموتَ أجزاءً وكُلا
    وعشت العمر أقتنص المراثي
    وأفرحُ كلما فرحٌ تولّى
    أمزّق كل خارطةٍ لنورٍ
    وأعتنق الظلام لكي أضِلّا…

  • ألفونسو غاتو – مرثيّة ليليّة

    ألفونسو غاتو – مرثيّة ليليّة

    ربما ذكراي الوحيدة: فرحك
    في البيت، هناك، حيث المساء
    يحمل رائحة الأرض والنور
    الليلي الهادئ، إنه صوتك الحقيقي
    ذاك الصوت، وأنت شابة، كنت تتحدثين عن وجه
    الأطفال الضاحك. وقد مرّت
    في نظرتك ليالٍ صافية،
    إلى حفيف النجوم المكتنز، الواجهات
    تحجب البيوت البيضاء، نبع
    يرتج بمياه وحيدة يسمعها وحده
    وتنتشر المدينة على عتبة
    البحر البعيدة. هي الروح التي تحلّق.
    من دون أن نعرف، كنت تهبيننا إلى نشيد
    الإنسان الذي بدون عودة، الذي ـ دائما ـ
    يختفي في فراغ المكان، الموت
    الذي بدا رقيّة وهو يدهشنا، والنعاس
    إلى بعض الأصوات النادرة الضاجة، يلقي
    تحية الوداع.

    ترجمة: اسكندر حبش

  • حسن المقداد-عمراً واحداً

    حسن المقداد-عمراً واحداً

    في عالم الرؤيا مررت بشهرزاد
    وكان بي تعبٌ
    جلستُ جوارها
    فسرى إليَّ أقاحُ محضرها اللطيف..
    قالت:
    ترى لو كان عندك فرصةٌ أخرى لتولدَ
    ما ستطلب من إلهك؟

    قلت:

    -عمراً واحداً
    ومرافقين اثنين
    يحرس واحدٌ حلمي القديم
    وواحدٌ أنشودتي
    من سلطة التعب الوجودي المخيف..

    -تفّاحةً أخرى..
    لأكتشف الطّريق مجدداً
    وأغيّر المألوف:
    لون أصابعي..
    حزن الكمنجةِ..
    غربة الكلمات..
    أغطية السرير..
    رحيل أمّي..
    والدّخول إلى القصيدة
    والرّغيف..

    -صَدَفاً لأمسك من أحبُّ عن الرّحيل
    لأنني لا أستطيع الحزن بعد الآن..

    -صندوقاً أخبئُ ذكرياتي..

    -سرَّ تحنيط الفراعنة القدامى
    كي أخلّدها
    كإحساسٍ شفيف..

    -جسداً قويّاً..
    لا يطيّرهُ الهواء..
    ولا التّراجف قبل ميعاد القصيدةِ..
    لا تعاتبه العجائز حين يعبر قربهن
    ولا تَهامسُ حوله الفتيات
    جذّاب نعم.. لكنّه أيضاً نحيف!

    -وجهاً طفولياً كوجهي..

    -أيَّ قلبٍ غير قلبي!
    ربّما قلباً نسيّاً بارداً
    يرمي وراء السور أحزان الحياة..
    ولا يفكّرُ بالعبور من الشّوارع
    في ازدحامِ الشّاحنات..
    يمرُ من أمن الرّصيف إلى الرصيف..

    -عينين أكبرَ..
    كي أرى كلَّ المشاهدِ
    كلّها..
    حتّى صغارَ النّمل تجمعُ من شعير الصّيف
    حصّتها..
    لحصّتها التي ستجيء من بردِ الخريف..

    -صوتاً قليل الحزن..
    كي أسطيع أن أشدو على قرع الدّفوف..
    آذتنيَ النّايات..

    -تذكرةً لشخصٍ واحدٍ شهرين في إسبانيا..
    حتّى أرى أثر المورسكيِّ الأخير
    ومتحف الفن الحديث
    وقبر لوركا
    حيث أشعل شمعتين هناك
    ثمَّ بهِ أطوف..

    -وطناً يحبُ بنيه
    لا يغتالهم باسم الظّروف..

    -نصّاً خفيفاً كالخيال..

    -بيتاً صغيراً في الجبال..

    -شبّاكَ بيتٍ أزرقاً ويظلُّ مفتوحاً كفكرةِ شاعرٍ..

    -عصفورةً زرقاء..
    تسكنُ عندَ شبّاكي بلا قفصٍ
    تشاركني القراءة والتّأمل
    ثمَّ حين تجوع أطعمها الحروف..

    -قطّي الذي قتلوه..
    أقوى..
    أو أشدَّ تحرزاً من نار صيّادٍ يسلّي نفسه بالقتل!
    (تنشئةُ القبيلة تزرع القتلى
    وتحصد قاتليهم
    والقتيل هو الضعيف)

    -وقتاً لأقرأ كلَّ شيءٍ
    من سطور جرائدِ الماضي..
    إلى الكتبِ الكبيرةِ في الرفوف..

    -وقتاً لأكتسبَ اللغات..
    وأدركَ المعنى بصورتهِ الأصيلةِ
    كي أحدّدَ ما الثّقيل..
    وما الخفيف..

    -وقتاً لأفهمَ ما يضمُّ الكون في أرجائه..

    -وقتاً بطيئاً..
    ربّما وقتاً أليف..

    -وأريد
    أصحابي الذين تفرّقوا..
    صوري التي ضيّعتها..
    قلمي..
    قميصي التركواز..
    سواريَ الفضيَّ من أمّي..
    اسمراراً من أبي..

    -وأريدُ سيّدتي التي أحتاجها حتّى أكون
    فكلُّ عمرٍ آخرٍ من دونها عمرٌ سخيف..

    يا شهرزاد..
    أطلَّ صبحُ النّاس
    وانتهت الحكاية
    فاتركي لي قلبها والسّر وانصرفي إلى حلمُ الذين يمدّدون الليل..
    أتعبني الوجود
    ولن أضيف..

  • ماهر نصر – لم تكن حاملا

    ماهر نصر – لم تكن حاملا


    حَمْلٌ
    الليلُ الذي يَتمشّى في غابة صدرك،
    لم يكن ذئباً
    يهاجم الشاة التي تُدرُّ الحنين ُ .
    ولم يَدْخُل تحت إبْطك :
    كَشَعْرةٍ.
    أو فزَّاعةٍ تخمشُ كقطٍ حمامةً
    حَوَّمتْ حول سُرَّتك .
    أو كَامرأة حبلى
    لا تلدُ غيرَ أحلامٍ
    تفْطُمها عن حليبٍ
    لم يَنْبُع كنهرٍ من ريقك،
    وأسلافاً مجهولين
    يحصدون بالمناجل أصابعهم ،
    ويمشون بأربعة قوائم على رُخام وردتك.
    أعرف ُ
    لم تكن حاملاً،
    ولم يكن حملها كاذباً،
    فلماذا إذا مرّ قلبي
    أشارت إلى بطنها؟!

  • ياسين عاشور – المالينخولي السّعيد (7) – الظُّلمةُ باهرةٌ ولا حاجة إلى الشّموع

    ياسين عاشور – المالينخولي السّعيد (7) – الظُّلمةُ باهرةٌ ولا حاجة إلى الشّموع

    “أيّتها الآلهة والنبوات والزعامات والمذاهب والعقائد والتعاليم… أيّتها الأشياء والكائنات-كلّ الأشياء والكائنات… ما أقلّ جمالك وأردأ حظوظك لولا الأكاذيب التي تهبك كلّ جمالك وكلّ حظوظك…”

    –عبد الله القصيمي

    “إنّ الحياة أمرٌ بائسٌ جدًّا، ولهذا قرّرت أن أقضيها في التأمّل فيها.”

    -آرثر شوبنهاور

    للمالينخولي السّعيد هوايات يُروّح بها عن نفسه مُنتظرًا ساعة خلاصه الأبديّ، ساعة انعتاقه من هذا العالم المجذوم، فصاحبُنا كائنٌ خاملٌ لا يُنجزُ شيئًا يستحقّ الذكر أو التخليد في سجلّات الإنسانيّة الحافلة، فلا تراهُ يُعلنُ حربًا إلّا على الرّيح، ولا يعِدُ بالإصلاحِ ولا يفكّر في مستقبل الأجيال القادمة ولا يأملُ في غدٍ أفضل ولا يُدخّنُ غليونًا فائحًا بعبق العدالة الاجتماعيّة ولا يزيّنُ رقبته بوشاح مُطرّز بالشِعر الأمميّ ولا يُغطّي رأسه بقبّعة مُبطّنة بالأفكار الخطيرة ولا يهرف بكلام مُهمٍّ أبدًا… إنّ هواية صاحبنا المفضّلة وتسليّته الأثيرة هي التلصّص على العالم من خلال ثقوبٍ افتعلها في جدران جُحرهِ الوجوديّ، لا غرض لهُ في ذلك سوى الاستمتاع بمشاهدة النيران التي تشبُّ كلّ حينٍ في مسرح العالم المنخور بالسّوس…

    لا يُحبّذ المالينخولي السّعيد إشعال الشموع ولا يريد أن يحترق كي يُنير الطّريق، فهو لا يلعن الظّلام ولا يُعاديه، بل إنّ في نفس صاحبنا رغبة عارمةٌ في رؤية الظّلام مُخيّمًا في الأرجاء، ولكمْ يودّ أن يشهد ذلك اليوم الذي ستنطفئ فيه هذه النقطة الزّرقاء الباهتة –أمّنا الأرض- إلى الأبد، لتحلّ مكانها ظُلمةٌ باهرةٌ، وصمتٌ كونيٌّ جليلٌ يُمزّقهُ من حينٍ إلى آخر نجمٌ ثاقبٌ أو انفجار جرمٍ سماويّ. سوف يستمرّ الكون في الاشتغال بمنطقه الخاصّ غير عابئٍ بالسّخافات التي سطّرها الإنسان في سبيل فهمه وتأويله والسيطرة على قوانينه. لم يكتفِ الإنسان –ذلك الكائن الجُذاميّ، سوسة الأرض- بالنخر في هذا الكوكب المسكين، بل صار يبحث في إمكانات الحياة خارجه، علّه ينجح في تثبيت موطئ قدمٍ في كويكبٍ آخر كي ينتشر فيه كالورم الخبيث.

    يُمضي المالينخولي السّعيد أيّامه الطّوال مُختلسًا النّظر إلى المهازل الكُبرى التي تُرتكبُ في حظيرة البشر، حيثُ يتصارع الجميع وسيقانهم غارقةٌ في المياه الآسنة، غير عابئين بنُتونة الجوّ وفساد الهواء، يتصارعون إلى أن ينتهي أمرهم غارقين في الوحل، فتتكدّس جثثهم المتعفّنة ليعتليها ورثتُهم ويُشيّدُوا من جماجم آبائهم صروحًا أخرى يعتلونها كي يُواصلوا من بعدهم مسيرةَ الخرابِ. لم يتّعظ النوع الإنساني من تاريخه البغيض، ذلك التّاريخ الذي اعتبره الحكيم إيميل سيوران ” لا شيء سوى تكرار للكوارث بانتظار الكارثة النهائيّة”، إنّ نظرةً أبوكاليبتيكيّة ثاقبة مثل هذه تُلخّص تاريخ العالم وتُعرّيه من جميع التأويلات المثاليّة التي ينسجها جراحوا تجميل الطّبيعة الإنسانيّة الفاسدة وصانعُوا الأقنعة البلاستيكية الباسمة.

    ينظر المالينخولي السّعيد إلى المُتفائلين وصنّاع الأمل ضاحكًا مُتهكّمًا مُتعجّبًا من تلك القدرة الفريدة على تجاهل الفساد الأصلي المُستفحل في الطّبيعة الإنسانيّة،  مُستغربًا من إصرارهم على الإصلاح والترميم والترميق والتزويق .يجعلون من الحياة قيمةً عُليا تستحقّ النضال والتّعب والكفاح والمعاناة، لقد قال صاحبنا في مناسبة سابقةٍ أنّ “الضّرر هائلٌ وجبرهُ صار محجوبًا عن الأفق” وقد تنبّه كاتب سفر الجامعة -المنسوب إلى سليمان ملك بني إسرائيل- إلى هذه الحقيقة الوجوديّة منذ آلاف السّنين فقال:”رأيتُ كلّ الأعمال التي عُملت تحت الشمس فإذا الكلُّ باطلٌ وقبضُ الريح، الأعوج لا يمكن أن يُقوَّم والنقص لا يمكن أن يُجبر”(سفر الجامعة، الأصحاح الأوّل).

    ليست محاولات الإصلاح وازدهار سرديات الأمل سوى علامات انحطاط وقصور في استكناه الشرط الإنساني. إنّ أرقى ما يمكن أن يصل إليه عقلٌ بشريٌّ، هو ما وسمناه ب”إرادة الفناء”، تلك الإرادة التي تتحدّى “إرادة الحياة” المفروضة علينَا بيولوجيًا حتّى نُحافظ على بقاء النّوع، إنّ الثورة الوحيدة الممكنة في هذه الحالة هي الثورة على برمجتنا البيولوجيّة وتدمير خطط النظام الطّبيعي الأعمى والتخلّي عن أوهام الخلود الجيني ورفض تمرير المعاناة إلى جيل آخر، أمّا غير ذلك فهو ليس أكثر من مساهمة في استمرار تلك المهزلة /العاهة التي نُسمّيها “الحياة” .

    إنّ فكرة الفناء الإراديّ والقول بأفضليّة العدم على الوجود والإقرار بعبثيّة الحضور الإنساني في الكون والخلوص إلى فساد الطّبيعة الإنسانيّة، هي قواعد وجوديّة أصيلة في محاولة فهم الشرط الإنساني، وقد حكمت هذه المقولات تمثُّلات العديد من الأنفس المالينخوليّة طيلة تاريخ الفكر، تلك الأنفس التي قالت لا في وجه حياة لا طائل منها ودعت إلى وقف المهزلة عبر رفض التّكاثر البشري والدعوة إلى مقاطعة الإنجاب، حتّى يتسنّى لنوعنا الفناء بأناقة دون حروبٍ نوويّة أو معارك ملحميّة مثل التي يروّج لها المنتمون إلى السرديّة التوحيديّة الإبراهيميّة(هرمجدون /الملحمة الكبرى /أبوكاليبس سفر رؤيا يوحنّا اللّاهوتي).

  • عصام أبو زيد – أعتقدُ أنني أحبُّكَ كثيراً بعد العاشرةِ صباحاً

    From Winter in Aizu

    أعتقدُ أنني أحبُّكَ كثيرًا بعد العاشرةِ صباحًا
    أكونُ قد انتهيتُ من مطاردةِ الماعزِ
    وأدخلتُ كبيرَهم إلى الحظيرة
    وحلبتُ البقرةَ البيضاءَ وأطعمتُ الصقرَ المريض
    ولكن… لا يأخذنّك الخيالُ بعيدًا
    فتظنني أعيشُ وسط مزرعة
    أنا يا عزيزي أعيشُ في غرفةٍ من أسمنت
    في مدينةٍ يتوسطها جبلٌ شاهقٌ وجميل
    المدينةُ كلّها بشوارعها تدور حول الجبل
    ولهذا أنا مُصابةٌ دائمًا بالدوار
    وعندي حساسيةٌ لعينة
    الرئتان والبشرةُ والعيونُ كلُّها تعاني
    والمصيبةُ أنّهم يراقبون كلّ شيء؛
    يراقبوننا بالأقمار الصناعية
    ولهذا – كم أحبُّ هذهِ الكلمة: ولهذا –
    أتخيّلُ مزرعةً في جنوبِ بلادي
    وأقفُ تحتَ شجرةِ التينِ وأكتبُ لك:
    يا عزيزي البعيد… أنا فقدتُ شهيتي
    ولا أضحكُ إلا معك… أرجوك
    لا تغازلني مُجددًا
    أرجوك…
    أنا لاجئةٌ في هذهِ البلاد
    ولا أحدَ في محطةِ الأقمارِ الصناعيةِ
    يراقبُني، ولكنّهم قد يفكرون يومًا في ذلك
    وأخافُ أن يكتشفوا أنني زوجة الصقر المريض
    وتسللتُ إلى هنا… بحثًا عن دواءٍ
    لحبيبي.

  • محمد عيد إبراهيم – الملاكُ الأحمر

    محمد عيد إبراهيم – الملاكُ الأحمر

    Blue Lovers

    في صَحنِ حُجرَتهِ

    مالَت عليهِ، كأنها أمّهُ

    بحنانِ مَن

    تسحَب وليداً للحياةِ،

    وطَمأنَت كَفّيهِ: لن تكبُر!

    *

    راحَت تُبلّلهُ

    كبُوذيٍّ انتظرَتهُ في المعبَد

    سنينَ تبَتُّلٍ، واسترحَمَتهُ

    على صدرِها لينامَ:

    احفظْ حياتي، يا أبي.

    *

    ثم طافَت إلى فمهِ

    بخُصلَةِ شَعرِها، كالغُصنِ

    للأرضِ، بُرعمٌ وحَفيفٌ. أوهَمَت

    كالآمرِ المغلوبِ:

    عندي، تذوبُ الساعةُ.

    *

    أجفلَ، يرتجف

    تحتَ ثدييها، من نُحاسٍ

    حاصَرَتهُ بنفخةِ الحَيّ:

    الشهيدُ تفَكّكَ

    والحمامُ حبَا.

    *

    بِرِيقٍ مالحٍ

    سبحَت عليهِ، وشيءٌ غيرُ

    مرئيٍّ يُطربُ السَمعَ. بئرٌ

    وسَهمٌ إلى البئرِ:

    حُلمٌ واحدٌ وطويل.

    *

    بُخارٌ غالبٌ

    يكنسُ المِلحَ، وسنبلةٌ

    تستند. كملاكٍ في غابةٍ

    لمسَتهُ قِطّة:

    لا تبطِشْ، أنقلب!

    ………………..

  • علي الربيعي – إنهم يرجمون البحيرة

    علي الربيعي – إنهم يرجمون البحيرة

    Portrait of Grandmother Ana Sewing

    على سبيل العزاء
    سأفترض
    بأنه كان يكره الرماية
    فيما أَحبّ السباحة وركوب الخيل
    وبأنه كان حرًا
    كالبغل في البريّة
    أو كهر أبله لا يكترث لأمره أحد
    وبأنه كان يحلم على الدوام
    بأن يسبح في “لاغو ديغاردا ”
    على أطراف جبال الألب
    أو في بحيرة “وان” الباردة
    حيث هواء الأناضول النظيف
    يفتح وجهة رائعة نحو السماء
    ..
    سأفترض
    بأن عينيه
    تلمعان كالفضة
    حين تعثر للمرة الأولى بموسيقى الجاز
    وهي تنداح من إحدى العربات البطيئة الغامضة
    فيما أترابه مشغولون بالضحك الرحيم
    وهم يتدافعون نحو أبواب المدرسة
    في أيامها البكر
    ..
    سأفترض
    بأنه لم يكن يبول في الفراش
    أو على الغسيل
    المنشور على الأسلاك القصيرة
    الفاصلة بين القمامة وأكواخ التنك
    وبأنه لا ينام بحذائه طيلة الوقت
    ولا يرتاد الأماكن المقفرة البعيدة
    لتدخين لفائف التبغ الرديء
    ولعب الورق
    المزين بعارضات عاريات
    رفقة الجند والعاطلين
    ..
    سأفترض أيضًا
    بأنه كان مولعا بالرقص
    وبأن يغمض عينيه
    ليتتبع بفمه حبّات المطر
    الذي يتسرب من السقف قطرة قطرة
    ويشيّد في الخارج البرك
    حيث الأزقة المظلمة
    الغارقة في الوحل والتأوهات والحشيش
    ..
    سأفترض
    بأنه أخلص لقطاع طرق الصحراء
    أكثر مما أخلص للبحر
    وللزوارق الخشبية القديمة
    التي رآها ذات ظهيرة
    تئن معبأة بالخوف
    والحمقى والهراء الجميل
    وبالزنوج المتعبين
    الذي يزعجون الآلهة
    على الطرف المقابل من اليابسة
    ..
    سأفترض كذلك
    بأنه لم يغادر الأسوار
    قبل أن يُقرع الجرس
    وبأنه لم يرشق في طريق عودته
    العربات والمصابيح
    ..
    وفضلًا عن كونه وادع ولطيف
    فقد كان ينحني بوقار
    للمعلمة النحيلة
    التي ينهض من شفتيها الكرز
    ومن عينيها تبزغ الشمس والسكاكين
    حين تضبطه يتلصص من ثقوب الصفيح
    وتشده من أذنه
    ..
    تلك العاشقة المَهَبْ
    التي لا تملّ من النوم خفية
    مع الحمّالين والبحّارة القدامى
    ..
    سأفترض
    على سبيل العزاء كذلك
    بأنه في سكينة ليالي الخريف
    كان يستلقي سعيدًا
    على ظهره فوق أسطح بيوت الصفيح
    يتأمل انطفاء النجوم الزُرق
    ويديه المتشابكتين خلف رأسه
    يحلم بأن يذرع قطار بواجهات لامعة
    الباحة الفسيحة
    الملأى بالكلاب والقهقهات والسكارى
    وبأنه كان يحرس عن غير قصد
    فتيات الحي الرشيقات
    الشبيهات ببجعات “تشايكوفسكي”
    كسائس نبيل
    يردع الذئب عن الخيل
    ****
    عند عودته من الغابة
    إقتنى نظرة حادة
    والكثير من ربطات العنق المشجّرة
    ..
    ودون أثر في عينيه لزوارق أو نجوم
    أخمد ضحكات جارته
    التي طالما رآها في حلمه
    تهديه الطعام والمواويل
    تلك التي أهدرت وردها
    تنتظر بحارًا من موانيء الثلج والضباب
    يستقل ذات القطار
    ..
    وكجندي في ذروة المعركة
    افرغ كل جنون الذخيرة في أعناق الأحصنة
    واستراح
    يُردي البجعات
    ..
    ويرجم البحيرة.

  • تامر الهلالي – المتأنقة الحزينة

    تامر الهلالي – المتأنقة الحزينة

    A Window on the Street

    المتأنقة الحزينة
    بتأنق غيرعادي
    تضعين أحمر الشفاه
    إذن يا سيدتي أنت حزينة جدا
    من يتأنقون جدا
    يخبئون حزنا كالكهوف
    في أخاديد الروح
    و الجسد المنهك
    أو العطشان
    حد الجفاف المزلزل
    قد اساعدك
    على تخطي
    كل هذا الحزن لساعتين
    سآكل هذا الأحمر
    بحماس ثور
    أثير بعض الفوضى على شفتيك
    و في الحنين القلق في نهديك
    في قاعة السينما المجاورة لبيتك
    سأرتدي قميصا أسود
    و سروالا فضفاضا أسود أيضا
    سأتعمد أن أجوع نفسي ليوم كامل
    قبل هذه الوجبة من الحزن و العطش
    أنا ملك الرواء المؤقت
    أنا من يجيد الجوع
    قبل مضغ الشجن الجميل
    أنا أعرف تفاصيل لغة العطش
    أنا جائع جدا
    متى سنلتقي؟

  • عقل العويط-حياةٌ من جهة الموت

    Alfred Manessier
    Alfred Manessier

    كان عليَّ أن أذهبَ لأرى الحياةَ من جهة الموت
    أعني من جهة الحب
    كنتُ أوحشَ من فلاة فذهبتُ ورأيتُ.
    في العادة يكلّلني تاجُ اليقظة يضعني تحت التردد
    لكن الشمسَ ضربتْني
    صعقتْني دورةُ القمر
    تيّمني إلهُ الوحدة لم يوفّرني جنوح
    جرفني النوُّ أكلني البصر
    فحسرتُ جميعَ خوفي خلعتُ كلَّ ملْك
    أحببتُ الغفلة وارتميتُ في الجبّ.
    … “لا سماءَ أعلى من خيالي”
    تقولين أيتها الأوراق
    فاستجبتُكِ وانتميتُ
    لكنْ ما أرعبَ أني حيث تقيمين
    ما أصعبَ أني في الحياة
    كنتُ القتيلَ وهذا بعضُ ما يُراق منّي
    لا فرق عندي إنْ كنتِ تصدّقين
    يا حياةً من جهة الموت
    ولا أسهلَ الآن من أن أعودَ القهقرى
    لكنْ ما أقلَّ الخارجَ ما أقلَّني خارجاً
    ليس لي حيلةٌ لأتملّصَ ويقيناً لا أريد
    فأعطيني سلامَ أن أعطي
    لعنةَ ما لا أعرف.
    حين صعدتُ الى أعلى شجرة
    لم أزعم بقاءً في رحابِ القمم
    أنتهك أُنتهَك أتوقّع من يُخطىء وهو يرديني
    كي أدركَ كيف تقترب المواعيد
    كي أصلَ باكراً الى الوقت
    أو كي يتناساني الوقت
    فما أجملَ وما أطيبَ
    أضع يميني على الصفحات لأكتبَكِ
    بزواج الإلفة والرهبة ولكنْ ليس بالاعتياد
    بوحشية الغريزة وبما لي من حدس
    أوحّد ما تبدّد لا أوقف نزفاً
    مألوماً أفتح ينابيعَ لا أبلسم عشقاً.
    الحبُّ جميلٌ الوحدةُ جميلةٌ أيضاً
    في قفيرِ الجحيم تصنعين عسلكِ
    فاضفريه بنعمة أن يؤكلَ.
    أرنو إليكِ من عتمتي ومن تعبي
    فمدّي إليَّ لأخرجَ من عهدةٍ الى عهدة
    تحت سقفِ غيومكِ أنتظر
    لأسقي الوجهَ والفؤاد
    لا يقتلني الوقتُ لا يقتلني سواكِ
    يمهّدني بياضُكِ ويهيِّئني
    بالعدوان أتقدّم
    تحتَ الجمرِ تحتَ الكلمات
    فمن فرط ما أُعطيتُ وما أُعطيتُكِ
    إمنحيني عنفَ حنانِ العبور
    كي أستحقَّ
    لا ضجراً أناديكِ بل لاكتمالِ الفصول
    لكنّ جحيمكِ تُسقمني وجمري لم يعد يحتمل.
    لم أترك قسوةً إلاّ أنزلْتُها بظلّي
    جعلْتُني جلاّدي وقاتلي لأغدو لا ضحيةً بل قرباناً
    أودعتُ حياتي كي لا تكونَ على مقربة
    نزلْتُ بها الوادي السحيق كي تدملَ القاع
    قتلوني قتلتُ الجميعَ
    كي يعيشَ في معزلٍ عني
    أكلني ذئبُ الصمت تركني موحشاً تحت الأسرار
    لكني فعلتُ ما فعلتُ كي لا يُفسدَ النشيدُ العالي نبرةَ شقيقِهِ الخفيض
    أسكنْتُ لغتي عتمةَ النهر فعلْتُ هكذا بجسدي وأفكاري
    أهملتُ النثرَ ومديحَ الحياة كي لا أعلنَ معنايَ
    كنتُ كلّما هممتُ بكِ أيتها الأوراق
    عَرَتْني شهوةُ الخوف وغريزةُ الكسل
    الى أن محوتُ كلَّ شعرٍ يبتسم لي.
    تملكين بياضَكِ وليلَ خيالي
    فافعلي ما تشائين بحكمة النقائض
    إجمعيني بكثافة القتيل حين يرى
    أطلقي سراحَ الينبوع
    إصنعي من نقائضي ثمرةً للحياة المكتوبة
    ولا تنسَي أن حبركِ هو ما أتذكر من هجرات نفسي.
    ****

  • غريب – محمد مهدلي

    غريب – محمد مهدلي

    السماء غائمة.. درجة حرارة الجو معتدلة.. كأس الشاي الأحمر على المنضدة.. عقارب ساعة الحائط تسير برتابتها المعتادة.. الحمامة البيضاء تقف على شباك النافذة وتنظر إلى الغيوم بتشكيلاتها البديعة.. تجلس على كرسيك المتحرك وفي رأسك أفكار ما بعد الدوام، ويديك تقلب صفحات الجريدة.. كالغزالة الرشيقة تتنقل عيناك بين عناوين الأخبار، وسطور الجريدة.

    من جثمان طفل فلسطيني قتلته رصاصات الاحتلال.. ومباراة كرة قدم قاد فيها ليونيل ميسي فريقه برشلونة لانتصار تاريخي على ملعب السانتياغو برنابيو ضد الغريم ريال مدريد ضمن منافسات الدوري الإسباني لكرة القدم.. إلى زواج الشاب فلان من ابنة الشيخ الفلاني.. إلى أن يستقر بك الحال في إحدى قاعات عرض الأزياء في باريس والوقوف على أصغر تفاصيل سباقات الموضة العالمية الحديثة.
    فكرة ما تراودك الآن بعد إتمام قراءة الجريدة بدأت تلوح في أفق غرفتك.. تتشبث بها وتخرج مسرعاً إلى الشارع.. عاصفة مطرية قادمة.. السحاب المحمل بالمطر يمشي الهوينى إلى منطقة سكنك.. تتبدد الفكرة وتعود للمنزل خوفاً من المطر.
    الحمامة التي كانت على شباك نافذة غرفتك تطير بحثاً عن مكان آمن تحتمي فيه من المطر.. وأنت تعود لغرفتك من جديد.. تحتسي الشاي على كرسيك المتحرك وتنظر عبر النافذة إلى الغيوم السوداء والمطر المنهمر منها.. طيف قوس المطر البنفسجي من على الجبال البعيدة.. الريح الباردة تشتد سرعتها.. أشجار رصيف الشارع تتمايل.. وأوراق الشجر تطير لتعلق على شباك نافذة الغرفة.

    خيط من الذكرى العابرة ينسل من النافذة.. عن القرية القديمة قبل السفر.. عن الأغنام المشاكسة في الممر الخلفي لبيت جدك.. والقليل من رائحة الطين الممزوج بالماء في مزرعتكم الصغيرة.. والقليل من ألوان الطائر الدوري الأصفر.
    ينتهي ذلك المشهد التاريخي بسرعة.. وتعود بك الذاكرة لغرفتك بعد توقف المطر.. تتوجه مرة أخرى إلى سيارتك.. تركبها باتجاه اللا معلوم.. أنت في حالة تمزج ما بين نشوة الركض مثل الأطفال في كل اتجاه بعد المطر، وحقيقة الغريب التائه في شوارع المدينة المزدحمة.
    ازدحام السيارات.. المباني.. وحتى الوجوه المزدحمة في كل شبر من هذه المدينة.. الأفكار المتزاحمة تصارع للخروج.. كل شيء يقود للمجهول.