المدونة

  • أرواح – لانج لييف

    حين تقع روحان في الحب

    فما من رغبة إلا القرب

    والحضور المستشعر من يد تُمسك

    أو صوت يُسمع

    أو بسمة تُرى.

    ليس للأرواح تقاويم

    أو ساعات

    ولا تدرك مفهوم الزمن أو المسافة

    إنها – فقط – تعرف الحق في أن نكون معًا.

    هذا هو سبب افتقادك أحدهم بشدة

    عندما لا يكون حاضرًا

    حتى وإن كان في الغرفة المجاورة

    روحك لا تشعر إلا بغيابه

    لا تعرف أنه انفصال مؤقت.

    هل لي أن أسألك؟

    – أجل

    لماذا كلما قلنا “تصبح على خير” بدت وكأنها “وداعًا”؟

    .

    – ترجمة: ضي رحمي

  • سبعة أرواح مهشمة – نور العنزي

    سبعة أرواح مهشمة – نور العنزي

    أنا شاهدُ العيان على كل شيء حولي
    أرى الفظاعات بعينٍ نزقة
    كالأعمى،
    أنظرُ دائماً نحو السماوات
    المطليةِ بالدخان
    أنقادُ رغماً لحلبةِ مصاصي السعادة
    وأعودُ لتقضي عليَّ الظلمات العملاقة
    أنقادُ إلى المراوغات المدمرة
    التي ماتنفك تنهلُ من دمي
    تلاحقني الوساوس من جهاتي الأربع
    ويتملكني اليأس من المبارزة

    أنا صندوق الهدايا
    الذي يخبئُ المجهول دائماً
    وبقلبِهِ انعكاسُ الإبتسامة
    أنا الضربةُ الموجعةُ التي لايوجعها أحد
    أنا التناقضات المتشاجرة تحت سقفٍ خَرِب
    أنا تناغمُ الموسيقى الذي يفضي إلى العبوس
    أنا التي يستذكرها الحزانى في أعياد الميلاد
    أنا الضياع الذي ينسكبُ ليدورَ في ناعورٍ مشروخ ..

  • اختبار صافرات الإنذار – كامالا داس

    اختبار صافرات الإنذار – كامالا داس

    الليل مثل قوادة في رداءٍ داكن

    أتى به إلىّ، تواقًا، غائمًا كظل

    يتحدث بكلمات الحب في لغة رقيقة أجهلها..

    مع الغربان حل الصباح

    أطرافي لا زالت دافئة من الحب

    لكنني ثانية وحيدة..

    على عتبة بابي رأيت وجهًا مجدورًا،

    بابتسامة ودودة، وآلة تصوير قديمة.

    قال: سنذهب في جولة بين البحيرات.

    غسلت وجهي بالماء والصابون

    مشطت شعري اثنتي عشرة مرّة

    لففت جسدي بستة أمتار من الفوال المطبوع.

    ترى،

    أيزال يفضح ليلة الحب التي قضيتها؟

    قال: تبدين شاحبة

    لا، لست شاحبة، الحقيقة لست شاحبة،

    إنه أحمر الشفاة.

    في الشارع، سمعنا صافرات الإنذار،

    توقفت عن الكلام

    لأبعد نواحها بصوت ضحكته المكسورة.

    قال: إنهم يختبرون صافرات الإنذار اليوم، أنا سعيد.

    أنا سعيد

    سعيد لمجرد أنني معكِ

    لكن، أنتِ تحبين شخصًا آخر

    ربما رجل وسيم

    رجل وسيم وشاب

    قلت لنفسي، ليس شابًا، وليس وسيمًا، مجرد

    مغرور قاس.

    قلت: إنه حب من طرف واحد.

    قال: كيف أساعدك؟

    ابتسمت، ابتسامة مبتورة، رسمتها كوردة

    على فمي.

    بالقرب من البحيرة، فتاة حامل تغسل

    نهدها الداكن في حزن،

    فوق مدفع قديم غربان تحوم حول

    سحلية ميتة،

    الشمس البيضاء تملأ المكان..

    قال: أريد صورة لك وأنت مستلقية بجوار

    أسلحة 1934 الصدئة، ممكن؟

    بالتأكيد، سأجلس واستعد، فقط قل لي متى أبتسم.

    أغلقت عيني

    وداخل الجفون لم يعد هناك ليل

    ولا حب

    ولا راحة

    فقط شمس بيضاء حارقة..

    لماذا يأتيني الحب بالألم دائمًا

    مرة

    بعد مرة

    بعد مرة؟

    – ترجمة: ضي رحمي.

  • مئة وثمانون درجة –  فريدريكو موراماركو

    مئة وثمانون درجة – فريدريكو موراماركو

    هل فكرت في احتمالية

    أن يكون كل ما تؤمن به خطأ

    خطأ تام

    وليس قليلًا أو إلى حد ما،

    لا شيء مثلما هو حقًا عليه؟

    لو أنك فعلت

    فأنت تعرف قدر هشاشة الأشباح

    التي نبقيها في رؤوسنا

    تلك الأفكار التافهة التي يموت الناس ويقتلون لأجلها

    يخونون الأحباب لأجلها

    يتخلون عن صداقات العمر لأجلها.

    لو أنك لم تفعل

    فأنت على الأرجح لن تفهم هذه القصيدة

    أو لن تعتبرها قصيدة بالأساس

    وإنما نوع من الهراء الغامض

    أخذ الكثير من وقتك

    لذا، عليك أن تنهي القراءة، الآن.

    لكن لو وصلت إلى هذا السطر

    ربما تكون، ربما فحسب، منفتحًا على احتمال كهذا

    أن تكون مخطئ تمامًا

    بشأن كل ما تهتم لأجله.

    يا له من عالم مختلف حينها:

    كل من كان عدوًا لك صديقك

    كل شيء كرهته، تحبه الآن

    وكل ما أحببت ينزلق من بين أصابعك كالرمال.

    .

    – ترجمة: ضي رحمي

  • خطوة_ليلى عبدالله

    كل شيء رهن الخطوة الاولى، ان تمكنتْ من تجاوز البوابة و حارسيها الضخمين ستتمكن بكل تأكيد من الوصول الى المصعد، فقط بضع خطوات.
    وقفت في الجهة المقابلة لنزل تراقب حركة الحارسين، عليها أولا دراسة الموقع جيدا قبل أن تتجاوز البوابة البلورية.
    حارسان ضخمان بمنكبين عريضين و كرش كبير، الشبه كبير بينهما، الاختلاف الوحيد ان احدهما اصلع و الثاني لا يزال يحتفظ بشعره. اقتربت منها احدى بائعات مواد التجميل، وقفت تحدثها عن ماركة جديدة بمواد طبيعية تزيد البشرة اشراقة و نظارة.
    ظلت تتصنع الاصغاء بينما كان جل تركيزها على حركة الحارسين، لاحظت عدم انتباههما عند دخول و خروج بعض الأشخاص. استجمعت كل قوتها، أخذت نفسا عميقا و انطلقت نحو البوابة، كانت ضخامة الحارسين تزداد كلما اقتربت حتى اصبحا يسدان باب المدخل، تحاشت النظر اليهما و عبرت البوابة بثقة لم تعلم من اين اتت بها.
    كانت يدها ترتعش و هي تضغط على زر المصعد ليفتح، خيل اليها ان كل من في بهو الفندق قد لاحظ ارتباكها. أخيرا فتح باب المصعد، دلفت اليه و التصقت باحدى زواياه ثم ضغطت على الرقم احدى عشر.
    شدت حقيبتها الجلدية اليها بقوة و اغمضت عينيها، أحست بأنها ترتفع هي ايضا مع حركة المصعد الى الاعلى، انعدمت الجاذبية، و اصبحت تطفو و تنقلب بحركة دائرية كالتي يقوم بها رواد الفضاء داخل السفينة الفضائية. ضغطت بقدميها بقوة على الارضية محاولة سحب جسدها خارج هذه المنطقة التي تنعدم فيها الجاذبية، لم تجرأ على فتح عينيها الا عندما اعلن جرس المصعد على الوصول و فتح الباب . الطابق الحادي عشر، الغرفة مائة و واحد أخر الرواق على اليسار. طرقت الباب مرة واحدة، فتح لها، دخلت و احتضنته.

  • نصائحُ متأخرةٌ لابنِ زُريق – أجود مجبل

    لكَ وردةٌ تَهمي

    وموتٌ فاتنُ
    وخُطاكَ في طُرُقِ الغيابِ مآذنُ

    كَمْ مِن عصافيرٍ بلا مأوى هُنا
    كانت على شجرٍ لَديكَ تُراهِنُ

    غصناً فغصناً
    ظلَّ ينمو حُلْمُها
    حتى أطاحَ بها النهارُ الآسنُ

    مِن ألفِ طاغيةٍ وطاغيةٍ مضَوا
    وهواؤكَ المقروضُ
    رَثٌّ واهنُ

    كُلُّ القياماتِ التي أنجزْتَها
    بقيَتْ لها للآنَ فيكَ
    مَداخنُ

    أتعِبْتَ يا رجُلاً تَفَرَّطَ صِبْيَةً ؟
    ما صدّقوكَ وأنتَ فيهِم كاهنُ

    أهْدرْتَ أعواماً
    تُعَلِّمُ عُمْرَهُم قمحاً نبيلاً
    والحصادُ ضغائنُ

    لا تصطحِبْ ظِلاً يدُلُّ عليكَ
    لا تفرحْ بسنبلةٍ سقاها خائنُ

    لا تدخُلِ البيتَ الذي فيهِ أبو سفيانَ
    مهما قيلَ : بيتٌ آمِنُ

    إحملْ عَصاكَ
    لكيْ تَهُشَّ بها على غَنَمِ السنينِ
    فذي الدروبُ عَرائنُ

    لَوِّحْ بطينِكَ كي تَراكَ سفينةٌ
    بعدَ القصيدةِ لن تجيءَ سفائنُ

    وَزِّعْ صيامَكَ للرصاصِ إذا افترى
    واترُكْ هِلالَ العيدِ
    فهو مُداهِنُ

    هذا جوادُكَ ظامئاً
    يغتالُه شجنُ البوادي والسوادُ الكامنُ

    فلأيِّ مَرثاةٍ تسيرُ مُشَمِّراً ؟
    وإلامَ يا ابنَ زُريقَ وحدَكَ ظاعنُ ؟

    خُذْها حبيبتَكَ الصغيرةَ
    لا تَدَعْها وحدَها
    فالذكرياتُ مَدافنُ

    خُذْ شَعرَها المسفوحَ ،
    قدْ تحتاجُه
    إنْ أنكرَتْكَ ربيعةٌ وهَوازنُ

    خُذْ صوتَها
    ليزورَ غُربتَكَ اليمامُ
    ويحتفي بكَ ريشُه المُتطامِنُ

    قدْ لا تعودُ مِن القصيدةِ فاحترِسْ
    فالدمعُ لا يكفي
    وحزنُكَ طاحنُ

    الليلُ في بغدادَ بعدَكَ
    يَنحَني فيه الغِناءُ
    وتستريبُ أماكنُ

    لا تأتِ بيتَكَ يا غريبُ ، سيقتلونكَ
    والوجوهُ الضاحكاتُ كمائنُ

    لا تأتِ ،
    آلافُ اللصوصِ على الطريقِ
    وفيكَ من شغَفِ الوصولِ خزائنُ

    بِيعَتْ حبيبتُكَ التي تبكي عليكَ
    وشوقُها فوق انتظارِكَ هاتنُ

    لا تسألِ النخاسَ عن عُنوانِها
    إنَّ الجَواريَ ما لَهُنَّ مَواطنُ

    فمَدائنٌ تقتادُهُنَّ بلا وداعاتٍ
    وتَنسى حزنَهُنَّ مَدائنُ

    بغدادُ أنتَ
    وفيكَ منها أكؤسٌ فَرَغَتْ
    ونخلٌ بالخسائرِ طاعنُ

    ستموتُ مِن عطشٍ
    وسبعةُ أنهُرٍ لمْ تَسقِ عُمرَكَ
    والخليفةُ ثامنُ

  • عشر رسائل حب – كليمنتين فون راديكس

    شلبية إبراهيم

    الأولى

    الفرق بين الحب وممارسة الجنس أنني نسيت كيف هو الشعور بالأول. أملك جسدًا مثل باب مفتوح، أملك جسدًا مثل يد مبسوطة، لذا من السهل جدًا الإمساك بي. جِد لي فتىً بقلب واعد أكثر من حلوى السكر في يوم حار، سأعلمه كيف يجعلني تافهة بلا قيمة، منتظرة طوال الوقت، في كل لحظة، أن يفككني، ضلعًا ضلعًا، ليرى كيف أعمل، وكيف أنزف.

    .

    الثانية

    تلك هي الحقيقة المُرة: “قبلة الأشواك” كما أسميتَ آخر قبلاتنا، لا زالت هنا، حتى بعد مرور آخرين كثيرين.

    .

    الثالثة

    عزيزي، يأتي الحب – أحيانًا – كنار في غابة. عندما يحدث ذلك، كن أكثر شجاعة مني. ارحل. خذ فقط ما يمكنك حمله. لا دموع، ولا إعادة نظر. يدك مثل القداحة، سيقتلك مستصغر الشرر.

    اركب سيارتك. خذ ماء وخرائط. تجنب محطات الوقود. لا تنظر إلى اللهب المتراقص في المرآة. اذهب لمدن جديدة، اصعد الأسطح وراقص ببطء ذكرياتك الأكثر برودة. غط جدران منزلك الجديد بورق حائط من كل رسالة حب أقسمت أنك لن ترسلها أبدًا.

    اعثر على غريب بأطراف حادة وفخذين غير متناسقين، دس بحكاياتك في جلده وانس أنك لم تعرف اسمه أبدًا. فقط، عدني أنك لن تفكر في الجمر أو الدخان، حتى والرماد في شعرك والسخام في رئتيك.

    .

    الرابعة

    إنها الحادية عشر ظهرًا، أجلس في مطعم، شربت ثلاث زجاجات بيرة بالفعل. صدقني، رغم صدمتي، إلا أنني لا أزال حية.. أحيانًا. شربت على ذكراك لمدة ليومين. مؤخرًا، أتخيلك كوحش بري يأكل بقدميه. أنت حر على أية حال، إلا إنني – في محاولة تجنب لومك – لا أجيد سوى تتبع أثر مخلبك.

    والحقيقة: من الصعب أن تقع في حب من يحب شخصًا آخر.. لا أعرف كيف أحول ذلك إلى شعرٍ.

    .

    الخامسة

    أنا في الخامسة عشر وهو حبيبي الأول.في الثامنة عشر ويداه في حجم الدفاتر السميكة. يقول إن لديه الكثير ليعلمني إياه. إنه غارق في حزنه، والغرقى يعتقدون – في كثير من الأحيان – أن التشبث بآخر قد ينقذ حياتهم، لكن هذا يجعلكما تغرقان أسرع.

    أنا في السابعة عشر وهي حبيبتي الأولى. الشيء الوحيد الذي نفعله أكثر من الشجار، ممارسة الجنس. أخبرها عن يد حبيبي، فتحاول أن تمد أصابعها لتحاكيها، أقول: توقفي، أحبك كما أنت.

    أنا في التاسعة عشر في أول غرفة من بين غرف كثيرة قذرة، بكتب متناثرة في كل مكان، ومرتبة في أحد الأركان. تلك الغرف كانت دائمًا لفتية بوجوه غير حليقة وقلوب رقيقة.

    فتية شديدو الرخص، لكنني لا أعرف هذا بعد، لأنني، الليلة، مع أولهم. يناولني البيرة، ويقول إنه يعتقد إني ذكية، ثم يأمرني بخلع ملابسي.

    أنا في العشرين أحب شخصًا يكذب كثيرًا. القسوة كانت عقوبة الكذب، وعقوبة القسوة كانت التخلي.

    أنا في العشرين وهذه ليست ممارسة للجنس، لم أرغب، قلت توقف، لكن هذا لم يغير من الأمر شيئًا.

    أنا في العشرين، أبكي لأن صديقي “آرون” يريد أن يقبلني، وأعرف أنه لو فعل سيبقى طعم الخيانة طويلًا في فمي.

    .

    السادسة

    طرق احتفاظي بك:

    رغم معرفتي كيف يكون الأمر عندما تحب شخصًا قلبه مثل نصل سكين حاد، أتيتُ بالمشحذ.

    طلبت منك أن تنحني، لتصبح ضئيلًا بما يكفي لأضمك في قبضتي، أردت أن أطمئن أنك لن تبتعد أبدًا.

    كنت أعرف أن هناك شخصًا آخر، لكنني أخذت أفتش جيوبك لأثبت خطأي.

    قذفتُ بزجاجة نبيذ عبر المطبخ مثل كرة، ووقف كلانا محدقًا في الزجاج المحطم كدليل على أن خيار الناس يرتكوبون أفعالًا شنيعة.

    قلتُ: “أحبكَ” حين عنيت شيئًا أكثر دقة، كان علي أن أقول: “أرجوك لا تتركني، أنا أخاف النوم وحدي.”

    .

    السابعة

    ظننت أن هجرك سيكون سهلًا، أخرجُ من الباب فحسب، لكنني عجزت عن فعل هذا وساقيّ – دائمًا – ملتفتان حول خصرك. شفتاي تريداك كما تريد رئتي الهواء، هذا ما ولدتا لتقومان به.

    هكذا أجلس في العمل وأفكر فيك وأنت تقطع الخضروات في مطبخي. شعرك في بالوعة حمامي. أصابعك تداعب عمودي الفقري صباحًا بينما نستمع لصوت قطرات الماء المزعج. لا أعرف لماذا علقت كثيرًا من الأمل على من لن يسميني بيته، لكن طريقتك في الحديث عن الشعر مثل ماركسي يتحدث عن الثورة دفعتني للاستمرار في المحاولة.

    في الصباحات، في حوض استحمامي، في الموسيقى، أبحث عن أسباب لحبي لك.. وعن دليل لحبك لي.

    .

    الثامنة

    هاك ما أعرفه: شربتَ قهوتك سادة وكلانا كان خائفًا من الآخر. مرّة، قبلت عنقي أمام الأصدقاء وهذا أخجلني كثيرا. مرّة، قبلت بطني، فأخذتُ في البكاء. أعرف تمامًا طريقتك الرقيقة في لمس الأشياء، وأرغب في تقيبل أنفك، لكنني أبقي فمي لنفسي. ترقوتاك حفرتان عميقتان بما يكفي لأخفي يداي فيهما، أنت أجمل شيء رأيته منذ شهور.

    كنت سيئة مع آخر شخص أحببته، لذا عاقبت قلبي (تركته ينكسر وينزف ثم بفظاظة جمعته ثانية)، من الصعب كتابة أشعارٍ، والشيء الوحيد الذي أعرفه هو كيف أضاجعك، أحاول باستمرار، أفكر في أيام بعينها، أقول وداعًا.. تسألني لماذا لم أكتب شيئًا صادقًا، ها أنا أكتب لك الآن.

    .

    التاسعة

    أخبرتني أن الصباح أنسب وقت لنحطم قلوبنا. ها أنا أدخن سجائرك مستعيدة رائحتك. أتساءل إذا كنت لا تزال تغني أغاني البيتلز بينما تعد قهوتك. قلتَ إن أمك كانت تغنيها لك عندما تعجز عن النوم، قبل تسعة عشر عامًا من لقائنا، وعشرين قبل أن تأخذ ملابسك من دولابنا بينما كنتُ في عملي. بالمناسبة، أنا أكرهك لتركك الصور على الثلاجة، كان خلعها مثل تقشير جرح أندمل حديثًا، مثل حروق الشمس. قضيت ليال كثيرة أنحت من الوسائد جسدك، لكن، أقسم لك: لا شيء يعادل النوم وذراعك ملتفة حولي وأنفاسك في أذني.

    لكن، يبقى مريحًا معرفة أننا ننام تحت القمر نفسه، حتى وإن كان أكبر عمرًا حين يدركني، أحب تخيل أنه يراك أثناء نومك، ويود أن يخبرني بأنك على ما يرام.

    .

    العاشرة

    أعرف أن كلانا لا يتأثر بالشعر أو المشاعر النزقة، لكن عليّ أن أخبرك أن حتى طريقتك في شرب القهوة تعصف بي.

    .

    – ترجمة: ضي رحمي.

  • فراشَة في كتاب – محمد حربي

    فراشَة في كتاب – محمد حربي

    إهداء إلى محمد عيد إبراهيم

    1

    يأْخُذُ الصبيُّ طينَةً بارِدَةً من النهرِ

    يَخْفِقُها قليلاً بِأَنامِلِهِ ويُشَكِّلُها بَشَراً

    ثُمَّ ينْفُخُ في الطينِ فيَصيرُ نَماذِجَ

    ويعودُ إلى النهرِ يُلْقى ما صَنَعَتْ يَداهُ

    ويُعيدُ الطينَ إلى سيرَتِهِ الأُولَى

    ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَه والوطن

    والعسس المختبئون في خواصِر القصائد

    مشغولون بإحصاء النّحيب والجُثث الملوّنة

    2

    يَجْمَعُ الطفلُ حِفْنَةً من الرملِ

    ويَبْني بيتاً ويُسَمِّيهِ قصراً

    ثم يأتي بِجَرَّةِ ماءٍ يُسْقِطُه على القصرِ

    ويُسَمِّيهِ مطراً ثم يُزيحُ البيتَ والمطرَ

    ويسمي ما يَبْقى وَطَناً

    ويَخنق خارطةً حتى لا تصرخ

    وتخيف فراشات تعشقُ القراءةَ

    3

    يجْمَعُ الطفلُ الفراشاتِ ويُحَنِّطُها لِيَصيرَ رَبَّاً

    يمْنَحُ الموْتَ لِلكائناتِ في أوْراقِ الكُتُبِ

    فتأبى الكتب

    وتعانق ظلّ الموتى ، تمنحهم الخلود

    بين السطور الباهتة

    وهو في صرخة الخلق ذاهلٌ عما جرى

    فقد انتشى وطار مُغمض العينين إلى حافّة النور

    ثم عاد حافياً بحِفنة من رُطَب

    ونبوءةٍ لا تُفصح عن سرّها للعابرين

    فراشة تتهجى ظل الحروف عندما تنام الكتب

    4

    يجْمَعُ الطفلُ حُروفاً

    يَنْفُخُ في طينَهَا حتى تَحْتَرِقَ تماماً

    فتَصيرَ قصيدةً

    وتنتشي الطرق برذاذِ مطرٍ

    نسيَتْهُ الحرائق على كَتِف شجرةٍ وحيدةٍ

    فتجتمع العناصرُ والفصولُ في يديْه العاريَتين

    وهو يضع الصّوف تحت خاصرة ذاكرةٍ

    يقيها بردَ أطرافِ الكلام في شتاءٍ بليد

    والفراشات في دفئها تعيد صوغ الحكايات

    كل ما تلمسه من سواد يصير نوراً

    وهي تحترق

    5

    تخرجُ الفراشاتُ من تابوتِ الكتابِ

    تتْرُكُ أثَراً في الوَرَقِ وفي حكايات عشاق

    ترجّلوا عن قصائدهم

    ليصيروا فلاّحين

    وعمّال مناجم عند بحرٍ ضريرٍ

    لا يقدرُ على متابعة السّهَرِ مع نجومٍ

    تتلَصّص على القصائد

    والفراشات مشغولةٌ بالقفز فوق نارٍ

    تستَعيدُ حَريقَها مرّتين

    تتركُ ظِلّها رهيناً عند ذاكرةٍ عجوز

    تحرسُ باباً لا يُفْضي إلى شيء

    سوى تناسل موجةٍ إثرَ موجةٍ

    فيَنْسى الطفلُ حُلْمَهُ

    ويعودُ شاعِراً

    يلقم النار ورقاً أخضر وينتظرُ الإجابة

    في جناح فراشة تفر من كتاب!

  • الذين لا ننتظرهم – أمل بنود

    الذين لا ننتظرهم – أمل بنود

    الذين لا ننتظرهم

    هم القادمون دومًا

    الممشطون ضفائر المسافات

    العاقدون أطراف البقاء

    الطريق الصائب الذي نتوه عنه في كل مرة

    هم الآبد الذي يشبهنا، ولا يشبهنا.

    الذين لا ننتظرهم

    العائدون كلما فقد القمر نصف ملامحه

    هم الذين لا يكتفون بالأنصاف:

    نصف المسافة الطويلة

    نصف الكوب الفارغ

    نصف الاعتراف

    نصف الطير

    الجزء المتيبس من الشجر

    فيعودون مرة أخرى

    كلما التأم وجه القمر.

    الذين لا ننتظرهم

    بيوت الله لقلوبنا الشريدة

    متصابية الوعد

    ضعيفة الإيمان

    الحجيجُ لغير مقامها.

    الذين لا ننتظرهم

    المثقوبون فينا حتى العظم

    نايٌ بنا، ونايٌ لنا.

    الذين لا ننتظرهم

    كانوا هم المأوى

    هم الملهى

    ودار الكتب

    وساعة اليد الجلدية حيادية اللون

    ومسند الكرسي في أخر الممر الطويل

    والجدار المنسي الذي يخنقه ظهر الخزانة ولا يشكو !

    كانوا ليلة العزاء الأولى لكل عودةٍ لطيمة

    هم رايات تنازلنا عن الانتصار.

    الذين لم ننتظرهم؛

    عندما عدنا وجدناهم بالانتظار.

  • اتحاد – علي حورية

    اتحاد – علي حورية

    يؤلمني الجرح الذي خلّفتْه حسكة في فم سمكة أفلتت الآن من صياد على جزيرة قرب الاكوادور

    يُبكيني جندبٌ عالق تحت غصن جُمّيزة في أدغال زيمبابوي

    ترهق كاهلي حبة أرز مبلولة تجرُّها نملة يافعة في حقل قرابة شنغهاي

    تندلع في حنجرتي صرخة ماموث كهلٍ منذ العصر الجليدي قبل أن يموت غائرًا في جليد سيبيريا

    أنا نزعة الأمل التي تنبت في قلب ذاك المُسنّ والدود الشّره الذي ينتظر جثته

    أنا ذلك الزاهد الخارج للتو من دار العبادة والشهوة التي تتأجج في دمه الحار

    أنا الخَضار الذي يلمع في أول الغصن واليباس الذي يعتلي آخره

    أنا الفرائس كلها والفكوك المطبقة الجائعة

    أنا الأسواط والظهور العارية قبالة الشمس

    أنا السكاكين التي تقطر دما والرقاب المحزوزة

    أنا الدموع الذي تنحدر من عيون الثكالى والبنادق التي تتأهب خلف التلال القريبة

    أنا تلك الأفواه التي تتضور عطشا والأثداء المتهدلة التي تختبئ جيدًا

    أنا البراءة التي تأتلق في وجوه الأطفال العائدين من العيد والطائرات النفاثة التي تلقي القنابل وتلفظ الحمم

    أنا الخارج من كل رحم

    والداخل في كل قبر

    أنا الموغل في كل غور

    والحالّ في كل جسد

    أيها الناس

    أنا معكم أينما كنتم

    إنني قريب جدًا

    قريب بفداحة

    أنا هنا فيكم

    أنا في الداخل والخارج

    قريبا من النفَس الساخن

    من النبض الخافق

    عميقًا في اللحم المكنوز

    محاذيًا للجلد المتكشِّف

    أنا هنا خلف الرؤوس الغافلة

    تحت الأجفان الواسنة

    ها أنا ذا أتحسس أجسادكم العارية

    مساماتكم الفاغرة

    وأعرف ما لا تعرفون

    ها أنا ذا أتدفق في كل قلب

    أنمو في كل عظم

    وأقبع في كل خلية

    أيها الناس

    إنني أقرب مما تتصورون.

  • مختارات – صلاح فائق

    مختارات – صلاح فائق

    كل يوم، أثناء توجهي إلى جبل قريب

    أعدّ شبابيك هذه البلدة، أجدها ناقصة واحداً

    أو أكثر مما كانت أمس.

    عند عودتي أحصيها أيضاً، فألحظها زادت شباكين .

    لأني لا افهم هذا، أحوّلُ إهتمامي الى مقطعٍ جديدٍ

    يعرضُ فيه حوتٌ نقلي الى ضفة اخرى

    اشعرُ بالسرور لكرمه , لكن ماذا افعل هناك

    بعد أن عرفتُ ذهابه، فيما بعد، إلى بلد بعيد ؟

    *

    في شبابي لم أكتبْ إلّا في مقهى

    حملتُ هذه العادة معي إلى المنافي

    أنا محروم منها في بلدتي هذه، لذا اتخذتُ

    زورقاً مهجوراً، عند الساحلِ، مقهاي لسنوات

    كنت اذهبُ اليه بعد كل ظهيرة .

    اليوم، من بعيد، شاهدتُ زبائن هناك :

    سياح أجانب، أغنياء، يلوحونَ لي أن لا أقترب .

    عدتُ خائباً إلى غرفتي ،

    بدأتُ أفكرُ بالبحثِ عن زورقٍ آخر

    أو سفينة نصفها غارقٌ منذ أعوام

    *

    أنبشُ في أعالي ذاكرتي

    أعثرُ على رجلٍ يحملُ قرنفلة، يلوّحُ بها كأنهُ عاشقٌ:

    أغطي وجهي بقميصي كي لا يراني

    تشردتُ بسبب حبي للأزهار وكانت معي تتكلمُ .

    ألآن تتبدى روحي في أحجارٍ وحصى

    لا يصغي إليّ أي كوكب

    أهذي أمام البحرِ ، حولي حيواناتٌ أليفةٌ وضارية

    ومن بعيدٍ أرى معلمينَ يهربونَ من بلدة

    *

    لي إلمامٌ في أمورٍ كثيرة:

    ألتقطُ صوراً لرهبانٍ يقفزون من قطارٍ سريع

    بعد سماعهم إنذاراً كاذباً

    حول حريقٍ في إحدى العربات،

    أسرقَ شموعَ مشرحةٍ

    أترك موتاها بلا ضياء

    هكذا أتخلص من غنائهم ليلاً،

    أمشي تحت رذاذ مطر

    ثم أنتبهُ الى حصانٍ يتبعني

    أخشى ردّهُ، فالبحرُ هنا وقد يذهبُ اليه وينتحر ـ

    هذا ماحدث ذات مرة وكنتُ السببَ،

    أيضاً أعرفُ دفعَ عربات أطفالٍ إلى شارعٍ مزدحم،

    إذا وجدتها مكتظّة بعجائز ينامون فيها

    *

  • ‏زخَّة هايكو – مريم لحلو

    ‏زخَّة هايكو – مريم لحلو

    ‏1

    ‏شاطئ مهجور –

    ‏عجوز تدفن ساقيها

    ‏في الرّمال


    ‏2

    ‏حاجز العبور –

    ‏أنا والجمركية الشقراء نحمل

    ‏نفس الاسم


    ‏3

    ‏عقبة –

    ‏”العني الشيطان”

    ‏يخاطب الشيخ دراجته


    ‏4

    ‏صحراء –

    ‏شطر البحر البعيد تيمم الطيور

    ‏وجهها


    ‏5

    ‏إبريق الشاي –

    ‏بعدد الرشفات أضحك من انعكاس

    ‏وجهي على صفحته


    ‏6

    ‏شاطئ مهجور –

    ‏ريح شتنبر تكنس آثار خطى

    ‏العابرين


    ‏7

    ‏عشّ اللقالق –

    ‏مبتسماً يمرّر زوجي يمناه

    ‏على صلعته


    ‏8

    ‏مانكانات –

    ‏أبدي وقوفهن

    ‏على واجهة المحل


    ‏9

    ‏وردة الرمال –

    ‏بين المصطافين

    ‏تزهو بزرقتها


    ‏10

    ‏مشفى المجانين –

    ‏الشمس البيضاء على العشب الأخضر

    ‏محتجزة طول النهار


    ‏11

    ‏برق –

    ‏السماء تأخذ

    ‏سيلفي


    ‏12

    ‏الرضيع على الظهر

    ‏كان حَملاً

    ‏صار حِملاً


    ‏13

    ‏فتاة تعدو

    ‏حصان يعدو

    ‏لامع ذيل الحصان تحت الشمس


    ‏14

    ‏بعد ذوبان الثلج

    ‏من جديد تظهر

    ‏مزبلة المدينة


    ‏15

    ‏بداية الخريف

    ‏هرم التبن والمنزل الطيني

    ‏من نفس اللون


    ‏16

    ‏خيوط سدى

    ‏خيوط عرض أخرى

    ‏لرسم النساجة


    ‏17

    ‏سكتة قلبية –

    ‏على ساعتي القديمة

    ‏أضع أذني


    ‏18

    ‏الغيمة على الشجرة –

    ‏يا لحظها!

    ‏صار لها جذر على الأرض.


    ‏19

    ‏سفر –

    ‏عند محطة الأداء

    ‏يتوقف المطر


    ‏20

    ‏السخام على الجدار

    ‏ما تظنه الفلاحة نقشاً

    ‏كان رسالة عاطفية


    ‏21

    ‏الشمس الغاربة

    ‏تكاد تُغرق الزورق

    ‏البعيد


    ‏22

    ‏أحجار الوادي

    ‏ويدكَ

    ‏جسري إلى هناك


    ‏23

    ‏معتوه

    ‏تمثال عار

    ‏يعرقل السير


    ‏24

    ‏لاروكاريا –

    ‏كوني وحيدة

    ‏تكونين أجمل


    ‏25

    ‏شعاع –

    ‏رمح يكاد يفتك

    ‏بزهرة


    ‏26

    ‏ليلة باردة –

    ‏إلى باب السماء

    ‏تسابقني نجمة


    ‏27

    ‏نهار قائظ

    ‏الشمس في الزقاق وحيدة

    ‏تغزل الظلال


    *نصوص: مريم الحلو

  • تهبطين المدائن حالمة بالضواحي التي يشرق الحب فيها – جيلاني طريبيشان

    تهبطين المدائن حالمة بالضواحي التي يشرق الحب فيها – جيلاني طريبيشان

    تهبطين المدن
    تحملين حقيبة جلد، وتذكرة سفر
    وتغنين في آخر الليل في البار
    واهمة أن بعض الأغاني تعيد الذي مر بالقلب
    أو تشعل الذكريات القديمة؟
    غير أني رأيتك في أول الصيف واقفة، كنت تبكيه
    كنت وحدي أمارس طقس العبادة فيك
    كنت وحدي حزينا، أتفيأ وجهك الملكي، وأمشي على النار
    كان صمت المغني يراقبني، كان وجه الوطن . .
    راية رفرفت في المدى المستحيل . .
    ليت بعض الرفاق يجيئون، يا وجهها العبقري الجميل
    تهبطين المدن، تشعلين المطارات راحلة في هوى الغاضبين
    تتمشي حافية، يا رصيف الأماني ازدهر!
    قال لي صاحبي أي وجه يرافقنا؟ هذه ليلتي وجه راقصة وهوى يستعر
    دحرجت يدها، سحبت خصلات الشعر، فهوى مفرق الرأس مطرًا ينهمر . .
    – فبكت داخلي ذكريات السجون، العذاب، الضياع، شجون السفر . .
    سحبت يدها
    سيدي أنت موعود بالقتل!
    كيف ؟
    – قلبك الآن في داخلي يحتضر . . .
    ضمّنا الباص في آخر الليل، جمعتنا المقاهي التي يولد الفجر على بابها
    سيدي عامل الحقل هل لديك دقائق معدودة..
    آه . . آه إنها تنتحب
    أخرج الدركي بطاقته: قال: قف!
    قلت: هذه ليلتي وجه راقصة وهوىً يستعر
    تهبطين السجون . . تنزعين ملابسك الغجرية , وتنامين عارية، نهدك الأن تفاحة نضجت فوق نار الوطن
    يا ليالي العذاب، يا ليالي الضياع
    يا حزنها العبقري الجميل!
    ازدهر
    ازدهر.

  • قصائد للشاعر الليبي عمر الكدي

    قصائد للشاعر الليبي عمر الكدي

    (1)

    أيتها الحرب أيتها المجنونة

    تبدأين بالوعيد وتنتهين بالندم

    لكنك سرعان ما تنسين

    وتنتظرين شرارة الحقد والغضب

    أيتها الحرب أيتها المسعورة

    منذ أن قتل قابيلُ هابيل

    جئنا جميعا من صلب قاتل

    قتله قبل أن توجد في الدنيا مقابر

    حتى أنه تعلم الدفن من غراب

    (2)

    اعتزلت الخيول الحروبَ

    ولم تعد حوافرها تغبر في المعارك

    ولم يعد صهيلها يعلو على صليل السيوف

    ولم يعد يلمع في أحداقها بريق الدروع والخوذات

    صارت تجر العربات في الشوارع الفقيرة المزدحمة

    أو تتبختر في اسطبلات الأثرياء

    لم يعد يراهنون عليها في المعارك

    وإنما في ميادين السباق

    استراح الحمام الزاجل من الطيران بين الجبهات

    منذ أن صار حبيسًا في الأقفاص

    استراحت السيوف في أغمادها

    وأصبحت تظهر لامعة في الاستعراضات

    وفي مراسم استقبال الملوك والرؤساء

    لكن البنادق والمدافع صنعت بلا أغماد

    (3)

    أيتها الحربُ أيتها الشعثاء

    في وجودك نشتاق للسلام

    وفي غيابك نسعى إليك دون كلل

    الاستبداد والحروب والغباء تشعل الحروب

    وثمة حروب أشعلتها كلمةُ حمقاء

    من أشعل حرب داعس والغبراء؟

    سوى فرسين ورهان

    ومن أشعل حرب البسوس؟

    سوى ناقتها العجفاء

    هل كان باي الجزائر سيحرق منشته لو عرف النتيجة؟

    والحرب جوعى مثل نار تستزيد من الحطب

    والحرب عطشى مثل صحراء من الملح

    والحرب تبدأ بشرار ثم تضطرم

    والحرب تذكي الثارات القديمة

    وتعيدها نارًا من عدم

    والحرب شرار تائه

    يبحث عن كومة قش

    والحرب تبدأ بصرخة

    وتنتهي بالألم

    (4)

    لا تضع الحرب أوزارها بنفسها

    مثلما لا تنطفيء النارُ في الغابات

    تضع أوزارها حين تهطل أمطار السلام

    ولا رياح تهب من البحر

    ولا سحاب في السماء

    في زمن الحروب لا معنى للربيع

    ولا معنى للشتاء

    صيف بلا ثمار وبحر بلا سمك

    ربيع بلا زهور وغروب بلا شفق

    أفق بلا رجاء ونفق يفضي إلى نفق

    في زمن الحروب لا يسمع هديلُ الحمام

    تغير الطيور المهاجرة طريقها

    ولا يعود في الربيع القطا والحجل

    يحترق القمح والشعير في الحقول

    ويدير عباد الشمس ظهره للشمس

    تنكس الزهور رؤوسها

    وقبل أن تمطر تضرب الأرض صواعق الغضب

    تختفي ملاعب الأطفال في الحدائق

    وتتكاثر وتعشب المقابر

    حتى الصحراء تخفي سرابها من شدة اليأس

    (5)

    في زمن الحروب تتكاثر المليشيات مثل الطحالب

    مليشيات مع الشريعة وأخرى مع الدستور

    مليشيات شوارع ومليشيات قبائل

    مليشيات يقودها جنرالات

    وأخرى يقودها أصحاب سوابق

    مليشيات تحتل المطارات

    وأخرى تحتل مقرات الوزارات

    مليشيات تحارب الخمر والمخدارات وأخرى تروجها

    مليشيات رجالها ملتحون وأخرى حليقون

    جميعها أطلقت على نفسها أسماء الشهداء

    وشنقت أمنياتهم أمنية أمنية

    جميعها لها سجون وتحلب ما تبقى من الدولة

    جميعها تمارس النهب والسطو والخطف

    وجميعها تدعي أنها تمثل الثورة

    في النهار يمارسون ورعاً صارما

    وفي الليل عندما يسكرون يطلقون النار في الهواء

    (6)

    ستقفون في طوابير الخبز والوقود والمصارف

    ستتعلمون العيش دون كهرباء

    وستتعودون على هدير المولدات في المنازل

    سيختفي حليب الأطفال والأدوية

    وستغلق المستشفيات أبوابها

    وتصبح المدارس ملجأ للنازحين

    وسيلعب الأطفال في الشوارع بالأسلحة

    سيمتطون الدبابات المحطمة

    وسيميزون بسهولة بين أنواع القذائف

    ستصلون على الميتين أكثر مما تصلون للخالق

    ولن تصلوا على الجبهات إلا صلاة الخوف

    ستذهبون إلى الانتخابات وستنتخبون أسوأكم

    فاسدون ومرتشون.. قبليون وجهويون

    لا يخافون إلا من قادة الكتائب

    ستصبحون شعبا من النازحين

    تعيشون انتظارا مملاً ويائساً قانطاً

    سيأتي الإرهابيون من كل صوب وحدب

    وتصبحون غرباء في بلادكم

    (7)

    لا تذهب إلى الحرب منتقما

    فالانتقام داء وليس دواء

    تذكر أن الحرب نوع من الحوار

    لا تطلق النار أولاً

    ولابأس من طلقات في الهواء

    هدفك أن يستسلم الخصم

    بأقل قدر من الدماء

    وعندما يستسلم عامله باحترام

    وتذكر أنه ليس غازيا

    وإنما شريكك في الوطن

    فاوضه بهدؤ وقدم التنازلات

    أفرج عن أسراه

    قبل أن يفرج عن أسراك

    اجعله يتحرر من أوهامه

    وأن يرى ما لم يكن يراه

    هكذا تصبح الحربُ طريقاً إلى السلام

    اقتسم معه كل شيء

    الماء والهواء والكلأ

    الأتراح والأفراح والفداء

    تذكر أن من يبدأ الحرب يهزم

    ومن يتمهل ينتصر

    وأفضلكم من يتجنبها ليسعى إلى السلام

    (8)

    يسقط الطاغية فيظهر آلاف الطغاة

    يسعون نحو كرسي شاغر فوق هرم من الجماجم

    يتسلقون الجثث والشعارات

    هاربون من السجون وعائدون من أفغانستان

    جلادون سابقون وسقط متاع

    أعراب وانكشاريون يعتقدون أن البلاد لهم غنيمة

    تقاسموا العاصمة وتمددوا في الصحراء

    تناسخوا الطاغية واحتفضوا بجيناته الفاسدة

    متخصصون في إطلاق القذائف العمياء

    نهارهم سلب ونهب

    وليلهم سكر وعربدة

    سلفيون جهاديون بسراويل قصيرة ولحى شعثاء

    لم يتركوا ضريحاً إلا هدموه

    مفتيهم لا يمل من التحريض على القتال

    إذا أبصر يبصر بعين واحدة

    وببصيرة عمياء

    يصدر الفتوى وضدها

    ويريد أن يجلب نجد إلى تاجوراء

    (9)

    أيها المعلمُ ويا أيها الطالبُ

    أيها المزارعُ ويا أيها السائقُ

    أيها الحرفيُ ويا أيها المحاسبُ

    وأنت أيها الموظفُ

    لم تعد يداك طليقتين

    مذ حملت هذه البندقية

    ستحتضنها حتى عندما تنام

    ستحمي أصحاب الشركات

    ورجال الأعمال والأثرياء

    سيدفع لك الأوغادُ والأحزابُ

    وأثرياء الحروب وتجارها

    وستتغير الولاءات دون أن تدري

    سيصبح الأعداء حلفاء

    والأصدقاء أعداء

    ستشعر من حين إلى حين بالتعب

    وتشتاق إلى حياتك السابقة

    إلا أن الادمان على القتل ليس له دواء

    حتى وإن كنت ثائرا

    ستنتهي مجرد بندقية للايجار

    أو بطلقة طائشة تبخر كل هذه الأوهام

    وأنت تسقط مضرجا ستشعر بالندم

    قبل أن تلفظ آخر نفس ..

  • نبوءة النرد – مفتاح البركي

    نبوءة النرد – مفتاح البركي

    على شهقة الليل

    عُرسٌ لنردٍ أعمى

    و بما يشبه الخجل

    تلهو بنا السكينة

    على فوهة التوجس

    و بلا ريب

    للفاكهة شهوة النار

    و للأشجار عواءٌ

    ينزُ من يباس التوق

    و لا شيء في عتمةِ

    هذا الليل

    ينبيء إلا بخراب الحب

    حين أبصرتُ الوشمة

    في ظهر الكف

    تُخيطُ الليل

    فالوشمة يا أماهُ ميراثي

    و النرد القاني

    دماً يتدحرجُ على عتباتِ أزماني

    فسبحانك يا صمت الغناء

    و سبحاني

    حين نبتت على شفتي قرنفلة

    و لم أصمت ..

    لعلي صرتُ بها

    نبياً من ورد

    أو وتراً يعزفه النسيم

    على أعلى ربوةٍ من غناء

    فها أنا أسقطُ درويشاً

    مُبتلاً بكِ

    حتى أخمص وجد الوجع

    في أحضانِ ليلٍ هارٍ

    ينسجُ أكفانه على مهل ..

    أعطيكِ هبة النرد

    حين لا حول له إلا بكِ

    و لا حول لي

    إلا أن أتبدد فيكِ

    و تميدَ بي رجفة العناق

    حتى آخر الغرق

    لبحرٍ يربي موجته

    في راحتي

    بيدكِ أطفأتِ

    مصابيح الغناء الطرية

    و أبتلعتِ ثمرة الضياء

    و في ليليَ المُبلل بالأرق

    و نشوةِ العتمة

    أحتميتُ بنجمةٍ يتيمةٍ شريدة

    و تركتُ أغنيتي

    و شمةٌ على خد السماء

    و مثل هلالٍ يتيم

    مازلتُ بالضوء أكتبُ ملحمتي

    و أغني

    هبيني طوق نجاة

    يا أمرأة من حبرٍ

    و نبيذٍ و دم ،

    أنسكبي في أحداقي

    ربيعاً يقرأُ غيبي و لايهرم

    هبيني مُدناً في الحلم تأويني

    حين يأسرني الغياب ،

    بعيداً عنكِ كان غناءُ النجمةِ أجرد

    ذابلٌ ضوئها

    تُريدُ نصيباً من دمي !

    لم يلتفت إليكِ سواي

    ها أنا أجرُ مراكب الشوق العتيد

    وأعوي

    أقطفُ لكِ نجمة الفجر الأثيل

    و أمنحُكِ أجمل قصيدة

    تحرسين رائحة الأرضِ به

    ا يا من في أعذب الحُلم

    أغوتني أغانيها

    فضيعني الصباح .

  • مختارات لسالم العوكلي

    مختارات لسالم العوكلي


    1

    للجنوب موسيقى تهاجر كالطيور

    وأغنية عارية تمخر عباب المحيط

    صوب أضواء المسارح الفارهة

    2

    على الرصيف المكتظ بأكياس النايلون الفارغة

    تتراكم مستحضرات تفتيح اللون

    فيهاجر السواد في مكانه

    3

    في الشمال خاصرات رشيقة كالمجاز

    تهتز مع طبول الأدغال البعيدة

    وعلى الشواطئ الطويلة،

    تحت الشمس الخفيفة العائدة من أجازتها الشتوية،

    تتسوق الأجساد العارية سمرة كالغسق.

    .

    4

    في الجنوب تشرب مشاتل الزهور المطر الاستوائي

    وصوت الآذان ..

    لترحل صوب حفلات الزفاف

    في الكنائس العتيقة كنبيذ منسي

    5

    وحده الموظف القابع في مكتب الجوازات

    مازال يضع ختمه على حافة العطر المسافر

    وحده الجمركي متثائبا يراجع فواتير الزهور

    وحده الجدار الكبير

    يتآكل أمام الموج كفكرة قديمة

    يعصف بها التأويل

    ووحدي هنا

    بمشيئة الريموت كونترول

    أتصفح العالم ككتاب مدرسي.

    6

    (موعد)

    (ريموت كونترول)

    (جراحات تجميل)

    (هجرة شرعية)

    كلها عناوين مقترحة لهذه القصيدة

    كلها لا تفي بشهوة الشعر

    حين يصيبه دوار اللغة

    فيختلط في بوصلته الشمال بالجنوب.

  • أيها النجّار اصنع لي باباً ضيِّقاً – الكيلاني عون

    أيها النجّار اصنع لي باباً ضيِّقاً – الكيلاني عون

    أيها النجار

    اصنعْ لي باباً

    باباً ضيِّقاً كحنجرةِ العصفور

    أخرجُ منه بصعوبة

    لا أريده ناعماً كخدِّ الطفولةِ

    اتركه قاسياً بمسامير تمدّ سيقانها

    خارجَ النوم

    دعني أخوض التجربة

    فيتمزَّق قميصي وأنا أخرج منه

    وتنهش ذئابُ الندوب صدري

    ويشرب الهواءُ بعضَ دمائي الملوَّنة بالأصدقاء

    وأمشي مثل ولدٍ سيقابل نفسه لأوَّل مرَّة

    مثل جريحٍ يتأوّه كلَّما سحبَ مسماراً

    من دمعته

    وسهماً من مخاوفه

    فيراني القناصُ ويومئ لي

    كواحدٍ من ضحاياه السابقين

    كواحدٍ من رسائل جنَّتهِ المغلقة

    ***

    أيها النجَّار

    اصنعْ لي باباً

    ضيِّقاً كعيدِ مدينتي

    لا أستطيع الدخول منه إلى غرفتي

    بوزني وهو يزداد كلَّما عدتُ

    بكلِّ هذه الأشجار

    التي تعتبرني بيتها

    وكل هذه الأصوات التي تتعرَّف بداخلي

    على بعضها

    وبكل القطارات التي سارت على جثَّتي

    وكل الظلام وأنا أرسم عليه

    رياحاً بيضاء كالفرس الأخيرة

    في بلاد الكتب المأخوذة بانتصار الغريق

    ***

    أيها النجَّار

    اصنعْ لي باباً ضيِّقاً

    ضيِّقاً وحسب

    أجلس إليه، أُحدِّثه فيكبر

    وأدخل بحشد هزائمي

    وأتركه مفتوحاً للآتين بأعذارهم.


    *نص: الكيلاني عون

  • أمل دنقل – شئ في قلبي يحترقُ

    أمل دنقل – شئ في قلبي يحترقُ

    شيء في قلبي يحترقُ
    إذ يمضي الوقت … فنفترقُ
    و نمدّ الأيدي
    يجمعنا حبّ
    و تفرّقها .. طرقُ

    ***

    ولأنت جواري ضاجعه
    و أنا بجوارك ، مرتفق
    و حديثك يغزله مرح
    و الوجه .. حديث متّسق

    ترخين جفونا
    أغرقها سحر
    فطفا فيها الغرق

    و شبابك حان جبليّ
    أرز ، و غدير ينبثق

    و نبيذ ذهبيّ و حدي
    مصطبح منه و مغتبق

    و تغوص بقلبي نشوته
    تدفعني فيك .. فتلتصق

    و أمدّ يدين معربدتين
    فثوبك في كفّي ..
    مزّق

    و ذراعك يلتفّ
    و نهر من أقصى الغابة يندفق
    و أضمّك

    شفة في شفة
    فيغيب الكون ، و ينطبق

    ***

    و تموت النار
    فنرقبها
    بجفون حار بها الأرق

    خجلى !
    و شفاهك ذائبه
    و ثمارك نشوى تندلق

    ونعود نثرثر
    كبحيرات هادئة
    غطاها الورق

    ويمرُّ الوقت فلا ندري
    ويُقيم محافلَه الشفقُ

    وتدقّ السّاعةُ معلنة
    فيهبّ بنا صحو قلقُ

    ويحين وداعٌ
    وقتيّ
    وأراه كحلمٍ ينسحقُ

    يرتدّ الصمتُ لموضعه
    ويعودُ إلى الأذن الحلقُ

    ونمدُّ الأيدي راغمةً
    نتشاكى العُتْبَ
    وتنزلقُ

    وأحسّ بشيءٍ في صدري
    شيء كالفرحةِ
    يحترقُ!

  • وحده النهر يفهمني – عزة رجب سمهود

    وحده النهر يفهمني – عزة رجب سمهود

    النهر الذي وهبني كتفيه

    لأسند برأسي عليهما

    كان وحيدًا مثلي

    كشجرة حافية في الخلاء.

    يفتح عينيه لبياض اللوز

    و يغزو بضحكاته الموجة

    التي تعرت ْ له..

    فيما مضى كنت حبيبة لنورس

    يجب أن أقول عنه حبيبي

    أتذكر السلو..

    الذي رقصناه للنهر تلك الليلة

    كان بطعم البوظة الشتوية

    قال لي: لو رقصنا زوربا …

    وجعلنا ألمنا سواء

    مثل مشمشة مجففة

    لكنا نورسين يضمان حزن

    المدينة بين جناحيهما..

    لكنه نسى أنَّ قدمه مبتورة

    مثل مقطع سعيد في رواية سوداوية

    نسي أنَّ البلاد التي نقيم فيها

    تحشو القطن في أفواهنا..

    تخاطبنا بلهجات الرصاص

    و تجعل صباحاتنا

    كصافرة قطار قديمة ومتآكلة ..

    النهر الذي وهبني كتفيه لأبكي عليهما

    يعلم أنني بريئة من تهمة الدخان

    الذي يأكل البياض من قلب المنارة

    ويترك في روحي صرخة باسم

    من غادرني..

    للملح والماء..

    باسم من جعل فرحي طائراً مهاجرًا

    في كل سماء..

    باسم كافكا وهو يكتب كوابيسه

    باسم آنا أخماتوفا وسجائرها النافقة

    باسم بورخيس و أفكاره المتطرفة..

    باسم القبلات التي يرميها النهر

    في جوف البحر ويمضي.

  • أندرو موشن – إلى من يهمه الأمر

    Night Shadows
    Edward Hopper

    هذه القصيدة التي عن المثلجات

    لا علاقة لها بالحكومة

    بأعمال الشغب، بأية مؤامرة سياسية

    إنها قصيدة عن المثلجات، أترون؟

    عن كيفية دخولك إلى محل أثناء تجوالك

    لتطلب: واحدة بالفراولة. واحدة بالفواكه المشكلة.

    ماذا قلت لكم؟ لا أحد سيموت.

    لا ألسنة لاعقة ستذوب كالشمع.

    هذه قصيدة عن المثلجات. لا تبكوا.