المدونة

  • لانغستون هيوز – سيّدتي وفاتورة الهاتف

    Carolina Morning
    Edward Hopper

    تقولون  إنّي وافقت

    على المكالمات ذات المسافات البعيدة؟

    يا إلهي.. مركزيّة الهاتف

    الّتي كانت آنذاك !

     

    أنا الآن مجنونة وأشعر بالقرف

    من ذلك  الزّنجيّ

    على أيّة حال، أنا لن أدفع

    الرسوم المترتّبة عن ذلك.

     

    تقولولون يجب أن أدفعها –

    وإلاّ ستسحبون هاتفي؟

    الأفضل أن تتركوا هاتفي جانبا.

     

    لم أطلب منه

    أن يهاتفني

    ” روسكو ” يعرف جيّدا كيف يرتق الأمور

    المكالمات البعيدة

    أنا لست حرّة.

     

    ليتني أمسك به

    “لاود”، يشفق !

    أن يهاتفني

    من “كانساس سيتي”

     

    فقط ليقول لي  إنّه يحبّني!

    وأنا أعرف أنّ ذلك صحيح.

    لماذا لم يخبرني أحدهم

    لست أدري؟

     

    على سبيل المثال،

    ماذا باستطاعة

    الفتيات الأخريات أن يفعلنه،

    ولا تستطيع فعله ” ألبرتا   ك  جنسون —

    وماذا أيضا؟

     

    ما هذا، يا مركزية الهاتف؟

    تقولون

    أنّّ  شؤوني الخاصّة

    لا تعنيكم في شيء؟

     

    طيّب، وهل يهمّني،

    حتّى أقل من فاتورتكم للهاتف!

    امممم.. نعم!

    تقولون إنّ أعطيت موافقتي؟

    حسنا، تلك الموافقة يمكنك الاحتفاظ بها—

    لكن أكيد أنّني لن أدفع لكم!

     

    ترجمة: محمد الصالح الغريسي

  • ماري اليزابيث فري – لا تقف على قبري وتنتحب

    Man and Woman II
    Edvard Munch
    لا تقف على قبري وتنتحب
    فأنا لست هناك، أنا لست نائم.
    أنا آلاف الرياح التى تهب.
    أنا الماس الذي يتألق على الجليد.
    أنا شعاع الشمس على الحبوب الناضجة.
    أنا مطر الخريف الأنيق.
    عندما تستيقظ فى سكون الصباح،
    أنا صوت حركة اندفاع الطيور الهادئة فى حلقة دائرية.
    أنا النجوم التي تبزغ فى الليل.
    لا تقف على قبري وتنتحب
    فأنا لست هناك، أنا لا أموت.
    ترجمة: السعيد عبد الغني
  • حريق – ورسَن شِري

    حريق – ورسَن شِري

    1

    صباحَ غادرتَ مُرغَمًا

    جلستْ هي على العتبة،

    حاشرةً فستانها بين فخذيها،

    وعلبة مارلبورو تسطع

    قربَ قدمها العارية، تصبغ أظافرها

    إلى أن يثبتَ بريقُ الطلاء.

    اتّصلت أمُّها-

    ماذا تقصدين أنّه ضربك؟

    أبوك يضربني كلّ الوقت

    ولم أغادره قطّ.

    يدفع الفواتير

    ويعود للبيت في الليل،

    ماذا تريدين أكثر؟

    في تلك الليلة باتت تقشّر بأسنانها طلاءَ الأظافر

    حتى تغطّى السرير الذي تشاركتُماه سبع سنين باللمعةِ

    والدم.

    2

    في طريقكَ إلى الفندق، تستعيد ذكرى الجنازةِ

    التي حضرتَها صغيرًا،

    جنازةِ زوجين احترقا

    حتى الموت في غرفتهما.

    كانت الزوجة قد حظيت بزيارةٍ

    من عشيقةِ زوجها،

    شابّة جميلة استعرضت في المطبخ

    جسدَها العاري،

    رافعةً فستانها عن نهدين

    مرقّطين بانتفاخاتٍ صغيرة،

    وظهرٍ مُجرّحٍ ومنهوك، ثمّ ارتدت ملابسها

    وخرجت من الباب الأمامي.

    الزوجةُ، مرتقبةً عودة زوجها،

    نضحت نفسها بسائلٍ سريع الاشتعال. وعند وصوله

    قفزت عليه، لافّةً ساقيها

    حول جذعه. الزوج، مأخوذًا بإلحاحها المفاجئ،

    حملها إلى غرفة النوم، هناك حيث

    على سريرهما أضجعته، باعدت بين ساقيه، وألقت بصدرها

    على وجهه ثمّ أشعلت عود ثقاب.

    3

    يحيّيكَ شابٌّ في المصعد.

    يبتسم كأنّ قطعًا نقديّةً تختبئ في خدّيه.

    تنظر أنت إلى حذائه عندما يقول

    غرف هذا الفندق خانقة الحرارة
    أقسم أنّني البارحةَ على السرير

    ظننتُ أنّ جسدي يحترق.

    • ترجمة: سلمان الجربوع

  • ثلج – ورسَن شِري

    ثلج – ورسَن شِري

    ثلج

    كان أبي سكّيرًا. تزوّج أمّي

    في الشهر الذي عاد فيه من روسيا

    والويسكي يجري في دمائه.

    ليلةَ العرس، همس

    في أذنها كلامًا عن الطائرات النفّاثة والثلج.

    قال الكلمة الأخيرة بالروسيّة؛

    اغرورقت عينا أمي بالدموع ونشرت راحتي يديها

    على عرض كتفيه مثل جناحي

    طائرة. في ما بعد، لاهثًا، أرخى رأسه

    على فخذها ولمسها،

    عائدًا منها بإصبعين يأتلقان،

    لقد أراها من جسدها

    ما أقربُ شيءٍ للون الثلج.

    طيور

    استخدمت صوفيا دمَ حمامةٍ في ليلة الدّخلة.

    أخبرتني، صبيحة اليوم التالي، على الهاتف

    كيف كانت ابتسامة زوجها حين رأى الشراشف

    أنّه لملمها تحت أنفه،

    أغمض عينيه وانزلق بلسانه على اللطخة.

    قلّدتْ درجةَ صوته، كيف همس

    اسمَها- صوفيا،

    نقيًّا، عفيفًا، لم يُمَسّ.

    كانت قهقهاتُنا تغطّي على تشويش الخطّ.

    بعد أن أثنى عليها، ابتسمتْ، مسحتْ على رأسه،

    وتخيّلتْ أمّها في البيت، متباهيةً

    بهذه الشراشف في عرض البلدة وطولها،

    ملوّحةً بها على الشرفات، جذعٌ يملؤه الكبرياء،

    ذراعاها جناحان سمينان مربوطان بجسمها،

    تجهلان ماهيّة التحليق.

    جَمال

    أختي الكبيرة تغسل ما بين ساقيّ بالصابون، شعرها

    صلاةٌ من التموّجات. يومَ كانت في عمري، سرقتْ

    زوجَ جارتنا، ووسمتْ اسمَه على جلدها.

    لأسابيع كانت تفوح منها رائحةُ عطرٍ رخيص وسمكةٍ تحتضر.

    إنّها الرابعة فجرًا وهي تغمز لي، منحنيةً على المغسلة،

    نهداها الصغيران متجرّحان من أثر المصّ.

    تبتسم، وتتفل علكتها قبل أن تقول

    الأولاد حرام، إيّاكِ أن تنسي ذلك

    أسمعها في بعض الليالي تصرخ ملء غرفتها.

    نشغّل سورة البقرة لتخليصها ممّا هي فيه.

    إنّ لأيّ شيءٍ يخرج من فمها وقعَ مضاجعة.

    لذا حرّمت أمُّنا عليها نُطقَ لفظ الجلالة.

    المطبخ

    نصفُ ببَايا وملءُ راحةِ يدٍ من زيت السمسم؛

    ………مؤخّرًا، عقل زوجك بات في مكانٍ آخر.

    تمرٌ بالعسل وحليب ماعز؛

    ………تريدين أن تهدّئي من انتفاخ البطن المصاحب للملح.

    جوزة هند وسَمْنة؛

    ………عند الفرنِ يقبّل عنقك من الخلف.

    زعفران وإكليل جبل؛

    ………لستِ تسألينه عن اسمها.

    ورقُ عنب وزيتون؛

    ………تتركينه يحملك من الخصر.

    قرفة وتمر هندي؛

    ………يضعك على طاولة المطبخ.

    لوز منقوع في ماء ورد؛

    ………زوجك جائع.

    مانجو حلوة وليمون بالسكر،

    ………لقد نسي كيف مذاقُك.

    عجينة متخمّرة وكمّون؛

    ………لكنها لا تستطيع أن تجعله يأكل، مثلما تفعلين.

  • إرنست همنغواي – نهاية شيء – قصة قصيرة

    إرنست همنغواي – نهاية شيء – قصة قصيرة

    نهاية شيء 1925

    في سالف الأيام كانت هورتنز باي عبارة عن منشرة للأخشاب. لم يكن أي من ساكني البلدة بمنأى عن سماع أصوات المناشير الكبيرة في المنشرة قرب البحيرة. ثم جاءت سنة لم تعد هناك زنود للنشر. كانت المراكب الشراعية تدخل الخليج و ُتحمّل بأكداس الخشب المقطوعة المكدسة في الساحة. حُمِلَتْ جميع أكداس الخشب بعيدا. فكك العاملون في المنشرة الآلات القابلة للنقل من مبنى المنشرة الكبير وحملوها
    على متن أحد المراكب الشراعية. أبحر المركب من الخليج في عرض البحيرة يحمل المنشارين الكبيرين والعربة السيارة التي تُلَقّم الزنود للمناشير الدائرة الدوارة وكل المراديس والدواليب والسيور والحديد التي كومها العاملون فوق حمولة خشبية يبلغ ارتفاعها ارتفاع بَدن السفينة.

    كان عنبرها المفتوح مغطى بقماش القنب ومحزوما حزما محكما، وانتفخت أشرعة المركب الذي أبحر في عرض البحيرة، يحمل معه كل ما جعل من المنشرة منشرة ومن هورتنز بلدة.

    ظلت بيوت العمال البسيطة ذات الطابق الواحد، والمطعم، والمخزن العائد للشركة، ومكاتب المنشرة، والمنشرة ذاتها، ظلت مهجورة وسط مساحات ممتدة من نشارة الخشب التي كانت تغطي المرج المستنقعي بجانب شط الخليج.

    عندما حط نك ومارجري بقاربهما على الشاطئ بعد عشر سنين لم يجدا من المنشرة سوى حجارة الأساس الكلسية البيضاء المكسرة البارزة من خلال أخلاف الأشجار المستنقعية (1) 

    كانا يطوفان بمحاذاة حرف ضفة القناة عندما انحدر القاع فجأة من مياه رملية ضحلة إلى اثنتي عشرة قدما من الماء الداكن. كانا يتجهان نحو اللسان البري لنصب صنارات الليل لاصطياد سمكات السلمون القزحية.

    «تلك أطلالنا القديمة، يا نك،» قالت مارجري.

    نظر نك الذي كان يجدف القارب إلى الحجر الأبيض بين الأشجار الخضراء، وقال:
    «أجل، هذه هي.»

    «أتذكر عندما كانت منشرة؟» سألته مارجري.
    «أجل أذكر،» قال نك.
    «تبدو أشبه بقلعة،» قالت مارجري.
    لم يقل نك شيئا. جدفا مبتعدين عن مرأى المنشرة، يسيران بمحاذاة الشاطئ. ثم انحرف نك بشكل متصالب مع الخليج قائلا:
    «إنها لا تعض على الطعم.»
    «لا،» قالت مارجري. كان بصرها مركزا على الصنارة طوال تطوافها، حتى وهي تتكلم. كانت تحب الصيد. كانت تحب الصيد مع نك. على مقربة من القارب شقت سطح ُ الماء سمكة سلمون كبيرة. جذب نك أحد المجدافين بقوة كي يستدير القارب بحيث يسمح بمرور الطعم إلى حيث كانت سمكة السلمون تَطعم.

    عندما برز ظهر السمكة من الماء تقافزت سمكات المنوة (2) الصغيرة باهتياج شديد، متناثرة على سطح الماء حتى كأنه رش بحفنة من خردق. شقت سمكة سلمون أخرى سطح الماء وكانت تَطعم على
    الجانب الآخر للقارب.
    «إنها تَطعُم،» قالت مارجري.
    ِ«لكنها لا تعض على الطعم،» قال نك.
    أدار القارب كي يبتعد عن السمكتين الطاعمتين، ثم اتجه به نحو اللسان البري. لم تشد مارجري بكرة الصنارة حتى لامس القارب الشاطئ.

    سحبا القارب إلى الشاطئ ثم انتشل نك دلوا مملوءا بسمك الفرخ. كانت الأسماك تسبح في ماء الدلو. تناول ثلاثا منها، فقطع رؤوسها ثم سلخها بينما كانت يدا مارجري تطاردان الأسماك في الدلو إلى أن أمسكت بواحدة، فقطعت رأسها، ثم سلختها. نظر نك إلى سمكتها وقال:
    «لا تنزعي زعنفة البطن. إنها طعم لا بأس به، لكن الأفضل عدم نزع زعنفة البطن.»

    شك صنارة بكل واحدة من سمكات الفرخ المسلوخة عند ذيلها. كانت كل عصا مزودة بصنارتين متصلتين بدليل (3) عندئذ اتجهت مارجري بالقارب نحو ضفة القناة، بينما كانت تمسك الخيط بين أسنانها وتنظر إلى نك الذي بقي على الشاطئ ممسكا بالعصا تاركا الخيط يَكُر على البكرة.

    «لا بأس هنا،» نادى عليها.
    «هل ألقيه هنا؟» سألته مارجري بعد أن أمسكت الخيط بيدها.
    ُ«نعم، ألقيه.» قذفت مارجري الخيط من فوق القارب وراقبت الطعمين وهما ينزلان في الماء.
    عادت إلى الشاطئ بقاربها لتأخذ الخيط الثاني بالطريقة نفسها. ثبت نك العصا بوضع قطعة خشب ثقيلة فوق عجيزتها ثم رفعها من الأسفل بقطعة خشب صغيرة. ثم كر الخيط المرتخي على البكرة بحيث أصبح مشدودا إلى حيث كان الطعم يستقر على القاع الرملي للقناة، ثم وضع المزلاج على البكرة.

    عندما تبتلع سمكة َ سلمون الطعم في القاع، فإنها ستهرب به ساحبة الخيط من البكرة باندفاع يجعل البكرة تصدر طنينا بسبب المزلاج.
    جدفت مارجري باتجاه اللسان البري قليلا لكي لا تحرك الخيط. شدت المجدافين بقوة فصعد القارب إلى الشاطئ تتبعه بعض المويجات. قفزت مارجري من القارب فسحبه نك فوق الشاطئ.
    «ما الأمر، يا نك؟» سألت مارجري.
    «لا أعرف،» قال نك وهو يجمع حطبا كي يشعل نارا.

    أشعلا نارا من خشب الطوف. ذهبت مارجري إلى القارب وأحضرت بطانية. حملت نسمات المساء الدخان باتجاه اللسان البري، لذلك مدت مارجري البطانية بين النار والبحيرة.

    جلست مارجري على البطانية تنتظر نك وظهرها إلى النار. جاء ثم جلس بجانبها على البطانية. كانت الأخلاف النامية على اللسان البري تنتصب من ورائهما، ومن أمامهما يصب جدول هورتنز في الخليج. لم يكن الظلام قد حل بعد. كان ضوء النار ينتشر حتى الماء. وكانت البكرتان تلتمعان في وهج النار. فتحت مارجري سلة العشاء.
    «لا أشعر برغبة في الأكل،» قال نك.
    «هيا كل، يا نك.»
    «حسن.»
    أكلا بصمت وراقبا العصويْن ووهج النار ينعكس على سطح الماء.
    «ستكون الليلة مقمرة،» قال نك. نظر عبر الخليج إلى التلال التي بدأت معالمها تزداد حدة على صفحة السماء. كان يعرف أن القمر آت من وراء التلال.
    «أعرف ذلك،» قالت مارجري بسعادة.

    «أنت تعرفين كل شيء،» قال نك.
    «أرجوك نك أن تكف عن هذا! أرجوك، أرجوك ألا تكون هكذا»!
    «لا أستطيع. أنت فعلا تعرفين. تعرفين كل شيء. وهنا تكمن المشكلة. وأنت تعلمين أنك تعرفين.»
    لم تقل مارجري شيئا.
    «لقد علمتك كل شيء. أنت تعلمين أنك تعرفين. قولي لي: ما الذي لا تعرفينه؟»
    «أوه، اخرس»! قالت مارجري. «ها قد طلع القمر.»

    جلسا على البطانية يرقبان القمر يرتفع من دون أن يتلامسا.
    «ما لَك ُ وهذا الكلام السخيف، ما الأمر؟» سألت مارجري.
    «لا أعرف.»
    «بالطبع تعرف.»
    «لا، لا أعرف.»
    «هيا، قل ما يجيش في صدرك.»
    نظر نك إلى القمر وهو يرتفع من وراء التلال.
    «لم يعد في الأمر متعة.»
    كان يخشى أن ينظر إليها. ثم نظر إليها. كانت تجلس مديرة ظهرها نحوه. نظر إلى ظهرها. «لم يعد في الأمر متعة على الإطلاق.»
    لم تقل شيئا. تابع، «أشعر بأن كل شيء في داخلي قد ولى إلى الجحيم. لا أعرف يا مارج. لا أعرف ماذا أقول.»
    ظل ينظر إلى ظهرها.
    «أليس في الحب أي متعة؟» سألت مارجري.
    «لا،» قال نك. انتصبت مارجري واقفة. ظل نك جالسا وهو يمسك رأسه بين يديه.
    «سآخذ القارب،» نادت عليه مارجري: «يمكنك أن تسير عائدا إلى اللسان البري.»
    «حسن،» قال نك. «سأدفع لك القارب في الماء.»
    «لا داعي لذلك،» قالت له. ركبت قاربها في الماء وضوء القمر
    منعكس عليه. عاد نك واستلقى بجانب النار وهو يلف وجهه 
    بالبطانية. كان يستطيع أن يسمع صوت مجاديفها وهي تضرب الماء.
    ظل مستلقيا هناك مدة طويلة. ظل مستلقيا عندما سمع بل يدخل فسحة الغابة ويشق طريقه عبر الأشجار. شعر به وهو يقترب من النار. لم يلمسه بل بدوره.
    «هل ذهبت بسلام؟» سأله بل.
    «نعم،» قال نك، كاذبا، ووجهه ملتف بالبطانية.
    «هل تشاجرتما؟»
    «لا، لم نتشاجر»
    «كيف تشعر؟»
    «أوه، ابتعد عني يا بل! ابتعد عني قليلا»
    انتقى بل شطيرة من سلة العشاء ثم راح يلقي نظرة إلى الصنارات.

    (1) الأخلاف هي ما ينمو من الأشجار بعد قطعها (المترجم).

    (2) المنُُوة: سمك أوربي صغير (المترجم).

    (3) الدليل: شيء يقود الأسماك إلى الصنارة (المترجم).

    إرنست همينغوي

  • تعليم أمّي كيف تضع مولودًا -ورسَن شِري

    أمّاه، احْلُلي من لساني أو زوّقيني بحمولةٍ أخفّ”

    – أودري لورد

    أخذتُ من أمّي فمَها ومن أبي عينيه؛ على وجهي

    ما زالا يعيشان معًا

    *********************

    ما قالته لكِ أمّك بعد أن غادر أبوك

    لم أتوسّل إليه ليبقى

    لأنّني كنت أضرع إلى الله

    ألّا يغادر.

    *********************

    قبلة أمّكِ الأولى.

    أوّلُ صبيٍّ قبّل أمَّكِ اغتصب النساء في ما بعد

    وقتَ اندلعت الحرب. تتذكّر أنّها سمعت هذا

    من خالك، ثمّ ذهبت إلى غرفتك وألقت بنفسها

    على الأرض. كنتِ حينها في المدرسة.

    كانت أمّك في السادسة عشرة إذ قبّلها أوّل مرّة.

    حبستْ نفَسَها وقتًا طويلًا حتى غُشي عليها.

    وحين استعادت الوعي وجدت أنّ فستانها كان رطبًا ولاصقًا

    ببطنها، وأنصافُ أقمار معضوضةٌ على فخذيها.

    في ذلك المساء نفسه ذهبتْ لزيارة صديقةٍ، فتاةٍ

    كانت تخمّر النبيذ بشكل غير قانوني في غرفتها.

    عندما اعترفت أمّك: لم يسبق وأن مسّني أحد

    بمثل تلك الطريقة من قبل، ضحكت الصديقة، بفمٍ عنبيّ الحُمرة،

    ثمّ غمست يدَها بين ساقي أمّك.

    في الأسبوع الفائت، رأته يقود الباص رقم 18،

    خدّه تلّةٌ منتفخة، وكرمةٌ من الندوب تعرّش

    على امتداد فمه. لقد كنتِ معها، تضمّين إلى صدرك

    كيسًا من التمر، وسمعتِها وهي تطلق آهةً حرّى

    عندما رأت كم كنتِ تشبهينه.

    **********************

    أشياء أضعناها في الصيف.

    صيفَ تعود بنات عمتي من نيروبي،

    نتحلّق عند السنديانة في حديقة عمّتي.

    تظهر عليهنّ علامات النضوج. حَلْمتا أمل تنتصبان فاسحتين لنفسيهما مكانًا خلال

    نقوش قميصها، مناراتان تناديان الرجال لأداء فروض العبادة.

    عندما رحلن، كنت في الثانية عشرة متوهّجةً

    من حرارة الانتظار. تعانقنا عند بوابة المغادرة،

    شاردات بصدور عصافير تخشخش مثل الخشب، متصابيات،

    عرائس صغيرة بتنانير طويلة تنتظر أن تنمو

    في جوعنا.

    تستخدم أمّي نبرتها الهادئة على الهاتف:

    هل جميعهن بخير؟ هل تلتئم جراحهنّ كما يجب؟

    لا تريد لأبي أن يسمع.

    جويرية، في عمري، تنحني عليّ وتهمس

    لقد جاءتني الدورة. حين أقترب منها

    ينغمر فمي في شعرها- كيف هو إحساس أوّل دورة؟

    تلتفت على أخواتها وتمتدّ منها

    ضحكةٌ مستغربة كأنها آهة.

    إحداهنّ تُلصق ركبتيّ ببعضهما.

    اجلسي مثل بنت. بإصبعي أغطّي الثقب في بنطالي القصير،

    والخجل يدفئ جلدي.

    في السيارة، تخترقني نظرات أمّي

    عبر المرآة الخلفيّة، جلد البنطال يلتصق

    بفخذيّ. أفتح ساقيّ مثل بابٍ بلا صرير،

    وأتحدّاها أن تتطلّع في عينيّ وتمنحني

    ما لم أفقده من قبل: اسمًا

    **********************

    فم ميمون

    أضاعت ميمون لكنتَها، شكرًا لكليّة المجتمع المحليّة. تهاتفني معظمَ المساءات نناقش في مكالمات خارجيّة منافع ومساوئ تسخين الشيرة في الميكرويف لإزالة شعر الجسم. صوتها الجديد مهذّب. بدأتْ تستمرئ الرقص أمام الغرباء. جارها من الدومينيكان يتحدّث إليها بالإسبانيّة كلّما تصادفا في الممرّات. أدري أنّها تبتسم له، وعلى أسنانها الأماميّة تصبّغات من أثر الفلورايد الممزوج بالماء في بلدها. إنّها تخوض تجارب جديدة. نفهم ذلك. وصلتنا صورٌ لها واقفةً عند جسر، شعر الطفلة الذي كرهته طيلة حياتها ينسدل الآن لامعًا مثلما تسيل الوديان. عندما هاتفتها الأسبوعَ الفائت أجابني جهاز الردّ الآلي. تخيّلتها محمولةً من الخصر، ترتدي جوارب (كيلون) شفّافة، وتتعلّم كيف تتبادل القُبل بلسانها الجديد.

    **********************

    ورسَن شِري أو (شاير) كما تعرف في الإنجليزيّة (1988- ) شاعرة شابّة ولدت في كينيا لأبوين صوماليين هاجرا بها في عامها الأول إلى بريطانيا حيث ترعرعت وقضت شطرًا من شبابها، تقيم حاليّا في لوس آنجلوس. هذا العجين الأسمر الغريب حاضرٌ بكامل اشتغالات الحنين وأسئلة الانتماء والتفتّح الأوليّ على هويّة الجسد  في منشورها المكتوب باللغة الإنجليزية: “تعليم أمي كيف تضع مولودًا” – إضمامة شعريّة صدرت في كتيّب صغير عام 2011.

  • حشرات عالقة في قصيدة سامة – فخري رطروط

    حشرات عالقة في قصيدة سامة – فخري رطروط

    عطشى وخلف سياجك واحات.

    مهمته أن يتدفق وحسب

    النبع لا يسأل أين سيصل الماء

    تلك مهمة النهر أن يجد طريقه.

    الجهل الخفيف علامة صحة.

    آلاف السنين وهذا الشاطئ لا يعرف سرّ المد والجزر ولا يفهم رسائلهما

    البشر شواطئ أيضا.

    يدخنني الملل، ثم يسحقني تحت حذائه

    مستخسراً وضعي في منفضدة جميلة.

    العبد أيضاً بطريقة أو بأخرى يمتلك سيده.

    أنا أيضاً أرسم على جدار غرفتي

    حيوانات برية وصيادين وبرابرة

    استبدلنا الكهوف بالقصور

    مع ذلك الخارج يثير ذعرنا

    فيه وحوش وبرابرة وصيادون وآكلو أكباد.

    أخترعُ أبواباً وأخرج منها وأحكم إقفالها

    أخترع نوافذ وتشرق الشمس منها

    أخترع الشوارع والحذاء وقدمي

    أخترع البحر وأبحر فيه

    أخترع امرأة وأضاجعها

    أخترع قصصا وأصدقها

    أخترع قبراً وأموت فيه

    أخترع جنة وأدخلها.

    القمر،أكثر كائن يستخدم الأقنعة.

    ظلي مسلّح بندقية نصف أوتوماتيكية

    رأيت ذلك حين دخلت الولايات المتحدة كمسافر ترانزيت.

    رجل وجد نفسه وجهاً لوجه مع جدار الإعدام، استأذن كتيبة النار بأن يكتب كلمة

    على الجدار.

    كتب: فقاعة.

    العادة السرية أبلغ تعريف لهذه التي تسمى الحياة.

    الباص العمومي الذي أستقله في الصباح

    مكتوب على بابه:” بنيتم القصور ونسيتم القبور”

    اهترأ الباب ولم تهترئ العبارة.

    أنزل من الباص باحثاً عن أقرب مقبرة.

    حلمت بأني شجرة، فجأة تهاجمني نملة معها منشار.

    لا أؤمن بربيع خارج عينيكِ الحشيشيتين.

    نظراتها تشبه دخان سيجارة ماريغوانا.

    الحب، الموت، النوم

    ثلاثة طرق إلهية للنسيان.

    في السوق الكل يشكو الركود

    وحدهم باعة التوابيت مسترخون

    يثقون بذراع عزرائيل الطويلة وبأن الناس تحب إكرام الميت.

    قصة قصيرة

    البذلة الوحيدة التي لبسها في حياته

    التي ألبسوه إياها قبل وضعه في التابوت.

    مارسا الحب السريع في أحد النُّزُل

    كلاهما لم ينتبه لاسم المكان:

    رغوة الحب.

    أنا مريض بالحنين

    يكفي أن يمر في السماء طائر

    لأسمع صوت ألف طلقة تخرج من بين أشجار الروح.

    يكفي أن تمرين

    فتشتمّ رائحتك الفخاخ المنصوبة في أصقاعي، فتطبق على الفراغ.

    يكفي أن أقرأ قصيدة جميلة

    كي تشهر الكلمات الميتة سيوفها

    لتبدأ بطعني في سقف الحلق.

    يكفي أن أسمع رنين جرس

    لتنهض ألف ألف جهة مشردة على بوصلة الجسد.

    يكفي أن أرى زرقة البحر

    لتخرج من نوافذ الروح عشرات الأيدي الملوحة بأشرعة مطوية.

    يكفي أن أرى سحابة

    لتبكي صفوف الأشجار الجافة داخلي.

    يكفي أن تتسلق نبتة نافذتي

    لتشرئبّ أعناق جراد ميت في حجرات القلب.

    يكفي أن أتذكر بأني حي

    لتبدأ المناديل بالنواح.

    يكفي أن أرى عينيك لينهض حول قبري

    حشائش خضراء.

    وضع الفراعنة في معابدهم مباصق للآلهة.

  • الهمزة على كرسيّ الديكتاتور – فخري رطروط

    الهمزة على كرسيّ الديكتاتور – فخري رطروط

    الفاعل يتغوط المفعول به

    المضاف يفترس المضاف إليه

    المبتدأ يشتكي من رائحة الخبر الكريهة الفعل المبني للمجهول في قبضة الشرطة

    معسكرات اعتقال للكلمات الممنوعة من الصرف؛ قد تتطور وتتحول إلى متمردين،

    الشدةمولود لقيط من علاقة حرفين عابرين

    السكون بنادول للحروف المصابة بالصداع

    البدل شيزوفرينيا كلمات تخرج من بار

    حروف جر منهكة تتضور جوعا وتأكل السياط ظهورها

    حروف النصب سعيدة في المبغى

    إنَّ تولول فقد أضاعت أخواتها في عرس فعل ناقص

    حروف الجزم تدير سجنا صحراويا

    التنوين علامة ذعر

    جمع التكسير ينكح المفرد

    جثة خروف الصفة تتدلى من علامة الاستفهام

    فعل متعدٍ سعيد بين مفعولين يتصرفان كضرتين،

    جمع المؤنث لم يعد سالما تم اغتصابها في مقر المخابرات

    قبيلة الأسماء الخمسة تحارب قبيلة الأفعال الخمسة

    حروب طاحنة لزحزحة الهمزة عن كرسيها بعد أن كانت مهملة في آخر السطر.

  • مقتطفات من كتاب الحلم والواقع / نيكولاس بيرديائيف

    مقتطفات من كتاب الحلم والواقع / نيكولاس بيرديائيف

    إن فكرة الله هي أعظَم فكرة إنسانية، وفكرة الإنسان هي أعظَم فكرة إلهية.

     

     

    وإذا كان الحق – وأعتقِد أنه لكذلك بعمق – أن روح الإنسان الحقيقية، روحه الخلاَّقَة، وعمله المبدِع، يتفوَّقان على ميولِه الطبيعية والوراثية، فإن أخلاقَه وصفاتِه النفسية الجسدية تتأثر بها تأثرًا بالغًا.

    كان يبدو لي دائمًا أن النقود الضرورية للعيش مرسَلَةٌ “من أعلى” وذلك حتى أستطيع أن أكرِّس نفسي جملة وتفصيلاً لعملي الخلاَّق.

    غير أن افتراقي عن الطلَبَة، وعن جو الفرقة كله، كان يضرب بجذوره إلى أعمق من ذلك، إذ استيقظَ في نفسي منذ الأعوام المبكرة من حياتي اهتمام بالمشكلات الفلسفية، وأحسَستُ، ولمَّا أزل صبيًا، برسالتي الفلسفية.

    وكان شقيقي وسيطًا بارعًا، وكان يتلاعَب أحيانًا بهذه القدرة فينطق شعرًا، أو يتحدَّث بلغة غير مفهومة، وكان يدَّعي أنه على اتصال بأحد الكهنة الهندوسيين. وفي نوبة غير مفهومة، كان يدَّعي أنها صادِرة عن هندوسي، قال فيها “إن أخاك (أي أنا) سيكون شهيرًا في أوروبا المنحدِرَة إلى الشيخوخة”.

    فأنا أدرك نفسي باعتباري نقطة يتقاطع عندها عالمان، فبينما أعرف “هذا العالَم” – عالَم حياتي الفعلية – باعتبارِه عالمًا كاذبًا غير حقيقي خاليًا من الأولية والنهائية، يوجد “عالَم آخَر” أكثر صدقًا وحقيقية تنتسِب إليه ذاتي العميقة.

    وقد خضتُ معارك مع العالَم لا بوصفي إنسانًا يريد أو يستطيع أن يغزو هذا العالَم، ويخضعَه لنفسِه، بل باعتباري شخصًا يريد أن يحرر نفسَه من هذا العالَم، ويرفض تسلُّط هذا العالَم على حياة الناس.

    والخيال بالنسبة لي أيضًا ميزةٌ من مزايا الإنسان، وهو يمنعني من قبول الواقِع أيًا كان أو الرضا به. انسحَبتُ داخِلَ نفسي رافِضًا أن أكون أسيرًا لأية لحظة من لحظات الحياة. وإنه ليبدو لي أن كل لحظة ناقصة مشوَّهَة لا سبيل إلى الرضا عنها.

    وثورتي هي على أي شيء يحمل طابَعَ التكالب والتنافس والطموح إلى المركز الاجتماعي والصراع من أجل القوة، فتراني أحاول عدم الإصغاء إلى هذه الأمور إذا عُرِضَت علي، وأشعر بالارتياع عندما ينتهي أمرها، وذلك حتى أستطيع العودة إلى الأشياء التي تهمني حقيقةً. والآن أصبح مما لا يقبَل الشك أن الحب الجنسي والصِّراع في سبيل القوة هما اللذان يؤلِّفان ما يُعرَف بالحياة. ولقد كان يبدو لي دائمًا في الواقِع أنه لا مكان لي في “الحياة”، إذ كان يتردَّد صداها في نفسي، وكأنني منها على مسافَة بعيدة، دون أن تمسَّني إلا نادرًا… ولكنني في نهاية الأمر ظللت خارج الحياة، وعلى مستوى مختلِف كل الاختلاف. كنتُ متشعِّبًا بدافع أخروي لا يُقهَر، ولا يمكن إرضاؤه بأي عالَم موجود.

    ومن المحتمل أن أعظم آثامي هو عدم قدرتي، ورفضي الاحتمال وطأة ما هو مبتذَل… ذلك المبتذَل الذي يؤلِّف نسيج الحياة ذاتِه، وكذلك عدم قدرتي على رؤية النور خلال الظلام المتكاثِف الذي يحيط بما هو مبتذَل.

    ولابد من أنني أنتمي إلى طراز من الناس كان عدم الرضا بالواقِع، والحنين إلى ما هو أبدي هما الشاغِل الأسمى الحاسِم في حياتِهم. فلقد رددت طيلة حياتي كلمات زرادشت الخالِدَة: “أيتها الأبدية… إنني أعشقكِ”. ومن المُحال أن يعشِقَ المرء شيئًا غيرَ الأبدية. وكل حب هو حب لما هو أبدي… ولو لم تكن الأبدية موجودَة لما وُجِدَ شيء: واللحظة من لحظات الزمان تملك من القيمَة بمقدار ما يربطها بالأبدية، وبمقدار ما تسمح بمخرج من الزمان المغلَق – أي باعتبارها ذرةً من الأبدية لا من الزمان، على حد تعبير كيركيجارد.

    المادة تتعلق بالزمني، أما الروح فتسعى وراء الأبدية.

    ونشأ عن إدراكي للطابَع المنفصِل للعالَم عجزي عن اكتساب مكان وطيد فيه، ولعله يفسِّر أيضًا إعراضي عن أي مطامح في الحياة. ولقد كنتُ دائمًا عديم المبالاة بالنسبة للأشياء التي تخصُّني، وللثناء الذي يُغدقُه الآخَرون على عملي، إذ كان التقدير الإنساني يمس – في نظري دائمًا – المستوى السطحي أو القشرة الخارجية لأفكاري دون أن يصِل مطلقًا إلى جوهرها الحقيقي.

    حركة العلو الذاتي هي بالنسبة إليَّ مسألة ذات أهمية عظمى، فأنا دائمًا وحيثما توجهت أغراني المتعالي وجذَبَني إليه. ذلك “الآخَر” الذي يتجاوز الحدود والسدود جميعًا وينطوي في ذاتِه على سر الحياة.

    عندما أحسَستُ برسالتي كفيلسوف، صرتُ شاعرًا بنفسي بوصفي قد وهبتُ حياتي للبحث عن الحقيقة، وللكشف عن المعنى في الحياة.

    ثمة قلق في الجنس الذي لا يشير إلى الرغبة في إشباع الشهوة فحسب، بل يحمل طابع الطبيعة الساقِطَة للإنسان – ومن المحال إرواء ظمأ الجنس في ظروف هذه الحياة الساقِطَة. لأن هذا الظمأ يفضي إلى أوهام تجعل من الإنسان أداة لعملية بيولوجية لا إنسانية. إن “ديونيسيوس” – إله الموت والحياة – قد أنجب المأساة التي لا يمكن أن يتحرر منها الجنس… والجنس يعرض الإنسان مجروحًا، ساقطًا، عاجزًا عن بلوغ الاكتمال الحقيقي عن طريق الاتحاد، إنه يدعو الإنسان للخروج من نفسِه للاتحاد بالآخَر، ولكنه يعود مرة أخرى إلى ذاتِه، ويستمر قلق اشتياقه إلى الاتحاد دون أن تخف حدَّتَه. إن شهوة الإنسان إلى الاكتمال التي جُبِلَ عليها لا يمكن إشباعها. وعلى الأخص لا تستطيع الشهوة الجنسية إشباعها، بل إنها تعمِّق حقًا من جروح الانفصال. والجنس في طبيعة ذاتِه غير صحي، وغير نقي… فهو شاهِد على طبيعة الإنسان المنقسِمَة، والحب الحقيقي هو الذي يتغلَّب على الانفِصال، ويصِل إلى الاكتمال والطهارة.

    من الممكن أن يشير القلق إلى تجربة دينية، والقلق الديني يتضمن شوقًا إلى الخلود، والحياة الأبدية، وإلى استنفاد ما ينطوي عليه الوجود من تناهٍ. وكان يبدو لي أن الفن مشحون بالقلق أيضًا، وبالتالي يُعَدُّ دليلاً على الحنين المتعالي. وسحر الفن كامن في قدرته على اجتثاث جذور التناهي، وتحويل نظرة الإنسان إلى ما هو أبدي، وإلى أشكال الوجود النموذجية، وصوَرِه.

    أطلقَ عليَّ بعضُ الناس اسم فيلسوف الحرية… والحق أنني أعشق الحرية فوق كل شيء آخَر. ومنشأ الإنسان من الحرية ومرجعه إليها. الحرية هي المصدر الأولي للوجود وشرطِه، ولقد وضعتُ “الحرية” بدلاً من “الوجود” في أساس فلسفتي. ولا أعتقد أن فيلسوفًا آخَر قد فعل هذا بنفس الطريقة الأساسية المفصلة. إن سر العالَم يكمن في الحرية، وقد أراد الله الحرية، والحرية هي منشأ المأساة في العالَم. الحرية في البدء والمنتهى. وأستطيع أن أقول إنني عكفتُ طيلة حياتي على صياغة فلسفة من الحرية، وكان يحرِّكني اعتقاد أساسي ألا وهو أن الله حاضر حضورًا حقيقيًا، وفاعلاً في الحرية وحدها. ويجب أن نعترِف بأن الحرية هي التي تملك وحدَها صفةً مقدَّسةً. بينما ينبغي أن تُلغَى جميع الأشياء التي أضفى عليها الإنسان منذ فجر التاريخ طابعًا مقدَّسًا.

    ولكنني لا أستطيع أن أقول إنني “اكتسبتُ” الحرية أو تجربةَ الحرية، إذ كانت الحرية تبدو لي مبدئيًا، باعتبارها الشيء القبلي من الوجود. وفكرة الحرية تشير عندي إلى شيء أكثر أساسية من الكمال نفسه، مادامَت الحرية هي مفتاح الكمال، وفي غيابِها ينقلِب الكمال إلى قهر وعبودية، وبالتالي يناقض طبيعته ذاتها.

    الحرية أولاً وقبل كل شيء هي استقلالي، هي تحديدي من الداخِل، وهي مبادأتي الخلاَّقَة. وواقِعها لا يعتمِد على أي معيار، وممارستها ليسَت مجرد اختيار بين الخير والشر باعتبارهما شيئين يقِفان إزائي. الأحرى أن الحرية هي معياري الخاص، وأنها خلقي الخاص للخير والشر. والتحرر عندما يتم الاختيار، وعندما أكون قد شرعت في عملية الخلق.

    ينبغي على كل إنسان أن يكون متمردًا، أي أن يكفَّ عن احتمال العبودية في أية صورة من صورها.

    والواقِع أن المتشكِّك لا يبحَث عن أي شيء، ولا ينتقِل من مكانِه على الإطلاق. والشك المطلَق إذا كان مُمكِنًا (وهو لا يمكن أن يكون كذلك) هو حقًا وضع الثبات التام… والموت. والمتشكِّك يناقِض نزعتَه الشكية فعلاً في كل مرة يسأل سؤالاً أو يعبِّر عن شكِّه ونكرانه، وبمثل هذا التناقض لنزعتِه الشكِّية يستطيع أن يعيش وأن يفكر. والشك المتطرِّف هو والقطيعة الصارِمَة شيء واحد في نهاية التحليل، إذ أن كلاً منهما يتشابه في أنه يفضي إلى انعدام الحركة، وإنهاء كل حياة خلاَّقَة. ومن الخطأ أن نفكر في أن الشك يمكن أن يكون موقفًا عقليًا خالصًا. ويخدع الإنسان نفسه حين يزعَم أن شكَّه لا يرجع إلى أسباب عاطفية وإرادية. والشك الدائم الجامِد الصلب، أعني الشك الذي استحال بعد تجربة عابِرَة إلى عناد، “دليل على افتقار إلى الشخصية، وعلى عجز عن الاختيار الحر”. وعندما يُنكِر الناس من ناحية أخرى – مثلاً – وجود الله على أساس عَدَم اتفاق هذا الوجود مع وجود الشر والألَم في العالَم، فإن هذا اللون من الشك لا يدلُّ على وجهَةِ نظر عقلية غير متحيِّزَة، بل يدل على حالة من حالات العقل، على تجربة عاطفية تستحق عطفًا عظيمًا.

    أما الشك الدائم الملحّ والنزعة الشكية فيدلاَّن من وجهة أخرى على الفساد والانحلال. فإذا تغلَّب الشك تغلبًا نهائيًا، استحالَت الحياة إلى حلم شاحِب. والإيمان وحده، والفعل المتكامِل للإيمان لا الخضوع للقضايا القطعية هو الذي يمنَع تحوُّل العالَم كلّه إلى كابوس. وقد قاومت دائمًا ذوَبان صورة الإنسان، وانتهيت إلى معرفة أن الإنسان بهذه المقاوَمَة ذاتَها إما أن ينهَض، وإما أن يكبو وفقًا لإيمانه، أو كفره. ونزعة الشك هي في الحقيقة إضعاف للإنسان، وتحطيم له في نهاية الأمر.

    الحب هو أكثر تجارب الحياة مساسًا بالشخصية، وينبغي ألا يجرؤ المجتمع على التدخُّل فيه.

    … وما الحب إلا انتصار الشخصية على النوع والجنس اللذين يخلوان من التفرد والفردية. ولابد أن ينتصِر الحب الحقيقي على الجنس. وعندما يكون الحب قويًا فإنه يتصف بعمق يمكن أن يصِل إلى اللانهائية، أما الجنس فعلى العكس من ذلك يحمل في طياته وصمة التناهي، وهو يخفق إخفاقًا فاجعًا في الوصول إلى الاكتمال، ومقدر عليه أن يبقى مجالاً منعزلاً منفصلاً من الطبيعة الساقِطَة.

    وأنا أرى دافعين أوليين في حياة الإنسان الباطنة: البحث عن المعنى، والبحث عن الأبدي. وذات مرة بينما كنت على أعتاب المراهقة هزتني هذه الفكرة في أعماق نفسي، ألا وهي أنه حتى ولو لم يكن هناك مثل هذا الشيء الذي أسميه معنى الحياة، فإن مجرد البحث عن هذا المعنى كفيل بأن يجعل الحياة ذات دلالة ومعنى. كان ذلك بلا شك ضربًا من الانقلاب – ولعله أقوى من انقلاب، أو ربما كان الانقلاب الوحيد في حياتي. كان انقلابًا للبحث عن الحق، وهو بحث يقتضي هو نفسه الإيمان بوجود الحق.

    … وانتهيت إلى الاعتقاد بالواقع الأولي للروح على مستوى أعمق من مجال التفكير النظري، ويسمو عليه، لأن هذا المجال الأخير له طبيعة ثانوية غير أصيلة وينتمي إلى العالَم الخارجي “الرمزي” “المنعكِس”.

    … ووجهة النظر الروحية ترى أن الروح والحرية شيء واحِد.

    … وانتهيت إلى الشعور باستقلال الروح عن جميع الأشياء التي قد تجد فيها تعبيرًا عنها، وصرت أفهم معنى التضحية، وتسليم الذات من أجل حرية الروح التي لا يشوبها دنس.

    … وكان تفكيري الخاص يتجِه اتجاهًا متزايدًا نحو مشكلات الأخلاق، وسيطرَة فكرة “ما يجب أن يكون” على فكرة “ما هو كائن”. لابد أن نعلِّق أهمية حاسِمَة في مجال المعرِفَة على العنصر الوجداني، أيًا كانت صعوبة العثور على هذا العنصر في القضايا العقلية – وكذلك ينبغي أن نعلِّق هذه الأهمية على القبول أو الرفض العاطفيين لهذه الفكرة أو تلك، أو هذه الواقعة أو ذاك السلوك.

    … لا يسعني إلا الاعتقاد بأنه ينبغي على الأشخاص الذين يأملون في الوصول إلى الحقيقة أن يستغلوا مواهبهم في الاتصال بسر الوجود، بدلاً من تحليل حقيقة القضايا المنطقية والدفاع عنها.

    لم تكن فلسفتي “علمية” قط بل كانت “تنبؤية” “أخروية” في طريقتها واتجاهها.

    الحقيقة هي الله الذي يتعالى على الأشياء جميعًا، ولكنه يكشف عن نفسِه للإنسان، وفي الإنسان، وبوصفِه إنسانًا.

    إن ما كان يثيرني هو إمكانية الثورة الروحية: قيام الروح والحرية والمعنى ضد ذلك العبء القاتِل… ضد العبودية وافتقار العالَم إلى المعنى.

    … لقد كنت معنيًا بثورة الشخص الإنساني، لا بثورة الشعب أو الجماهير.

    ولم تكن الثورات السياسية الخالِصَة منفِّرَة لي بسبب الأساليب التي تصطنعها لبلوغ مآربها فحسب، بل لميلِها المحتوم إلى خيانة الروح، وتزييف الواقِع، أي عكس الثورة الروحية. فثورة الروح هي الثورة الوحيدة التي يمكن أن تكون لها قوة خلاَّقَة حتى ولو لم تكن مهتمة في المقام الأول بالجماهير. إنها تهتم في المقام الأول بالإنسان.

    لا ينبغي أن ننظر إلى المجتمع أو إلى الدولة أو إلى الأمة، باعتبارها مقدسة، بل إلى الإنسان وحده.

    لابد أن يكون موضوع الثورة الحقيقية هو الإنسان، لا الجماهير أو السلطة السياسية، والثورة الشخصية هي وحدها التي يمكن أن تُسمّى “ثورة”. ومحاولَة الحصول على الحرية بإنكار حرية الذات أو حرية الآخَرين محاولة مآلها الفشل.

    وقد فهمت أن الروح معناها الحرية والثورة، بينما “المادة” معناها الضرورة، والرجعية… فالناس على أتم استعداد للتنازل عن الروح في سبيل الخبز.

    الحرية هي الروح، لا الجسد الذي يستعبِد الإنسان في أغلب الأحيان. ونحن نبلغ الحرية لا عن طريق الإنكار الزاهِد أو عن التمجيد الطبيعي للجسدية، ولكن عن طريق “الجوانية” حيث لا يكون أي جزء من طبيعة الإنسان خارجيًا بالنسبة إليه.

    … الجنس الذي لا يتكامَل ويسمو عن طريق الروح يكون شاهدًا دائمًا على خضوع الإنسان للنوع.

    أما عن الكتَّاب الزاهدين المتصوفين فقد هزَّني “إسحق السوري” وأثَّر في نفسي تأثيرًا شديدًا.

    أما العالَم فكان، بالنسبة لي، مصدرًا دائمًا للعذاب، وكنت أرى الإنسان محرومًا من الاعتراف به، مهانًا مدنسًا في هذا العالَم وبواسطتِه، وكنتُ أراه وقد نزلت به ضربة فاجعة، ومع ذلك مطلوب منه أن يُبدِع، وأن يكون قادرًا على الإبداع.

    والحق أن الروس لم يفطنوا من قبل بمثل هذه القوة إلى المجهول اللامحدود الذي يحيط بالحياة الإنسانية، وإلى السر والهوة المخيفَة التي يواجَه بها الإنسان. بيد أن هذا كان يوشِك في بعض الحالات أن يكون اتخاذًا لوضع معين، بحيث أصبحَت كلمات “السر” و”الهوة” مجرد كلمات تخفي خواء داخليًا آخِذًا في النماء.

    لم أكن أشعر بالراحَة قط عندما أتخذ موقفًا باطنيًا بحتًا إزاء الحياة، بل كنتُ أناضِل دائمًا لأصِل إلى ما هو عبر الحياة، ولكي أتعالى عليها باعتبارها مجرد حقيقة خارجية. وأيًا كان الأمر، فإن معرفة المتعالي هي في حد ذاتِها تجربة روحية باطنية.

    وحتى وأنا طفل، كان لدي فهم مبهم للحياة الدينية على أنها مملكة الوحي الروحي الداخلي الذي إن أحيل إلى الخارج، فقَدَ طابِعَه الأصيل، ولا يصنع الوحي التاريخي أكثر من أن يجعل من سر الحياة رمزًا، وأن يعكس الحالة الناقِصَة لوعي الإنسان وبيئتِه الاجتماعية. إن له وظيفة العلامة، وهو يدفَع الإنسان بعيدًا عن الدلالات الخارجية إلى الشيء المدلول عليه.

    كلما دخلت كنيسة قوطية استبدّ بي إحساس غريب بأنني أعيش مرة أخرى تجربة عانيتُها في وجود سابق، ولم يفارقني هذا الإحساس خلال حياتي كلها “بيد أني لم أستطع له تفسيرًا قط”.

    كان الدافع الديني الأصيل مرتبطًا عندي بإحساس أليم بالامتعاض والاختلاف عن العالَم بما فيه من شر وفساد، وفي ذلك إشارة أولى إلى اعتقادي التالي بأن وجود الشر ليس عَقَبَة تعترِض الإيمان بالله، وإنما الشر برهان على وجود الله، وتحدٍّ للعودة إلى من ينتصِر فيه الحب على البغض، والاتحاد على الانقسام، والحياة الأبدية على الموت.

    غير أن الله الروح، وهو يفعل داخل نظام الحرية، لا في نطاق الضرورة الموضوعية، ولا يمكن أن يُفهَم نشاطه بالمصطلَح الطبيعي. وهو ليس حاضرًا في الأشياء والحوادث الخارجية التي نلصِق بها أسماء إلهية، ونصور لها غرضًا إلهيًا، أو في قوة هذا العالَم أو قواه. بل في الحقيقة والجمال والحب والحرية والإبداع.

    أما إذا وجد الله، فالإنسان كائن مستقل استقلالاً روحيًا، وينبغي تحديد علاقته بالله على أنها حرية.

    إذا كان علم الأساطير يمثل محاولةً للتعبير عن حقائق الدين، وتوضيحها فإن التجربة الدينية نفسها تصدر عن اتصال حي مباشَر بالسر النهائي، وهذا هو مجال التصوف. وعندما استيقظَت اهتماماتي الدينية ألفيتُ نفسي منجذبًا بغريزتي إلى التصوف.

    … كما استرعَت انتباهي أيضًا الوحدة الكامنة وراء التجربة الصوفية بغض النظر عن الاختلافات الطائفية، وهي وحدة تغوص إلى الأعماق أو تعلو على مجال الدقة القطعية والتباين المذهبي.

    الحق لا يهبط علينا من عل، كما أنه لا يغشى العين كما يغشاها موضوع مرئي محسوس. الحق طريق وحياة أكثر من أن يكون حقيقة موضوعية تنهَض إزائي.

    هناك حقيقة مسيحية أبدية تعلو على الزمان والمكان، غير أن هذه الحقيقة ذاتها، كما تتكشف في التاريخ، وكما ترتبط بمرحلة معينة ومجموعة معينَة من الظروف، وقد أخذَت تقترِب من نهايتِها، وهذه النهاية تطبع في الوقت نفسِه حكمًا على التحقق التاريخي السابِق للحقيقة المسيحية، وعلامَة على التحققات المقبِلَة الأخرى.

    بيد أن فكري يضرب بجذوره عميقًا في فعل أصلي من أفعال الإيمان، وما من شيء أو إنسان يستطيع أن يزعزع هذا الإيمان، فهو عبر جميع العلاقات العقلية الخالِصَة، ولا أستطيع أن أعطي عنه تعبيرًا معادِلاً له. وإني لأرى نفسي مندمِجًا في أعماق الوجود الإنساني، واقِفًا في مواجَهَة سر العالَم الذي يفوق كل وصف وإزاء كل ما هو موجود. ومن هذا الموقِف، أشعر شعورًا حادًا محرقًا بأن العالَم لا يمكن أن يكون مكتفيًا بذاتِه، وأن ثمة معنى غامضًا متعاليًا مازال مختفيًا في أعماق أبعد غورًا من ذلك. وهذا المعنى هو الله، وقد عجز الناس عن العثور على اسم أسمى من ذلك، وإن كانوا قد أساؤوا إليه إلى الحد الذي كاد فيه ألا يكون منطوقًا. وليس من الممكن إنكار الله إلا من السطح فقط، ولا يمكن إنكاره حيث تغوص التجربة الإنسانية تحت سطح الوجود العادي التافِه المُبتذَل.

    لقد بحثت باستمرار خلال تطوري الديني كله عن الاتصال الروحي بالآخَرين، مُدرِكًا الأهمية الشديدة التي تتسم بها الصلات مع الرجال والنساء الآخَرين. والحق أن الاتصال الروحي بالآخَرين، منبَع خالص جدًا من منابِع المعرفة الدينية، ومن خصائص الحياة الدينية أن الإنسان المشارِك فيها، سيتغلَّب على عزلتِه، ويدخل في اتصال روحي مع غيره من الناس.

    وقد قصَّ عليَّ “أكيموشكا” ذات مرة حادثًا هامًا وقع له في حياتِه. كان راعيًا صغيرًا، وكان يرعى أغنامه ذات يوم عندما استولَت عليه فكرة مباغتة بأنه لا وجود لله. وحينذاك أظلمَت صفحة السماء، وغاص في الغياهب، فأحس بأنه إذا لم يكن الله موجودًا، فلا يمكن أن يوجد شيء على الإطلاق، ولن يكون هناك غير الظلام، والخواء المُطلَق. ولما أدرك أن الوجود نفسَه أخذ يتقلَّص في الفراغ، وأنه أُلقِيَ إلى أعماق العدَم، لمح بصيصًا مباغتًا من النور طفق ينمو وينمو مستوليًا على قلبه، وعقله، فأصبح في وعي بالله مرة أخرى، وتحوَّلَت الظلمة إلى نور يشمل كل شيء، واستردّت الأشياء جميعًا واقعَها الأصيل.

    وإني لأذكر حلمًا – ولعله أعظم حلم زارني على الإطلاق – يمثل شيئًا من رحلة الحج الروحي التي قمتُ بها. شاهدت في هذا الحلم ميدانًا واسِعًا، تكاد لا تحدُّه الحدود، وقد نصبت وسط هذا الميدان موائد خشبية مغطاة بأفخَم أنواع الطعام، وأُحيطَت هذه الموائد بأرائك خشبية مستطيلة، كأنما سيُعقَد به مجمع مسكوني، واقتربت من الموائد، وأردت أن أجلس على واحدة من تلك الأرائك حتى أشارك في شؤون المجمَع، وأتصِل بالآخَرين الذين أوشكوا على المناقشة، والذين تعرفت بينهم على كثير من أصدقائي الأرثوذكس، ولكن كنت حيثما حاولت الجلوس يخبرونني أنني أخطأت المكان، أو أنه لم يعد لي مجلس أستقر فيه، فأخذت أدور حول المكان ولمحت في نهاية الميدان صخرة خشبية جرداء. فذهبت إليها، وشرعت أتسلقها، بيد أن محاولاتي الأولى للقيام بهذا العمل أظهرتني على المصاعب الفظيعة التي تنتظرني في صعودي ومضيت في محاولتي رازحًا تحت الإجهاد والإرهاق، ورأيت يدي وقدمي غارقة في الدماء. ولما بلغت ارتفاعًا معينًا تلفتُّ حولي، ونظرت إلى جانبي وإلى أسفل، فلمحت طريقًا ملتويًا مجهدًا، أخذ يصعد فيه عدد من الناس. وواصلتُ كفاحي باذلاً جهودًا أليمة لارتقاء الصخرة، وفي نهاية الأمر بلغت القمة، وفجأة شاهدت أمامي المسيح مصلوبًا، وقد أُثخِنَ جانبُه بالجراح، وأخذَت الدماء تسيل منها، فارتميت عند قدميه، وقد هدّني الإعياء، كدتُ أفقد وعيي.

    بيد أنه لابد من وجود لحظة أحسست فيها بنفسي مسيحيًا، وإن لم أكن قادرًا على أن أحدد لها يومًا معينًا في حياتي. وإني لأذكر تجربة واحدة انتقلت إلي فيها معرفة عجيبة ونور غريب: حدث ذلك ذات صيف في الريف، ففي لحظة من لحظات القلق والضيق الشديد خرجت إلى الحديقة ساعة الغسَق، وكانَت سحب كثيفة تخيِّم على الرؤوس والظلال تهبط على الأرض عندما اشتعلَت روحي بغتة بنور محرق…!!

    بيد أن هناك تجربة دينية أخرى تعرف السر الإلهي الإنساني الغامِض لإله يتوقع من الإنسان تلبية جزئية خلاَّقَة لندائه. وهذا يضع على عاتق الإنسان عبئًا أعظَم إلى غير حد. ومسؤولية أكبر مما يمكن أن يواجهه أي تصور للقانون وتحقيقه. ونصل إلى ذروة الجسارة في إدراكنا بأنه لا تتوقف على الإنسان الحياة الإنسانية وحدها، بل والحياة الإلهية كذلك.

    الإبداع هو نفسه تبريره الخاص المستمد من وجود الإنسان نفسه إنه ما يؤلف علاقة الإنسان وتجاوبه مع الله.

    إن فكرة الله هي أعظَم فكرة إنسانية، وفكرة الإنسان هي أعظَم فكرة إلهية. والإنسان ينتظر مولد الله في نفسه، والله ينتظر مولد الإنسان في نفسه.

    وفي رأيي أن القدرة الخلاَّقَة ليسَت “إقحامًا” في المتناهي، وليسَت مسيطرة على الوسط، أو الإنتاج الخلاَّق نفسه، بل هي بالأحرى التجاء إلى اللامتناهي، وهي ليسَت نشاطًا يقوم بالإحالة الموضوعية في التناهي، وإنما نشاط يعلو على المتناهي متجهًا صوب اللامتناهي. والفعل الخلاَّق معناه الوجد أي النفاذ صعدًا نحو الأبدية.

    وأستطيع أن أذكر كيف استبدت بي فجأة، في يوم من أيام الصيف، قبل بزوغ الفجر، قوة عاصفة وكأنها تنتزعني انتزاعًا من قِبَل ذلك السر الغامض الذي أسلمتني إليه حالتي القانطة، وغمر النور كياني. وعلمت حينئذ أنه نداء واحد للإبداع، ومن الآن فصاعِدًا سوف أبدع من حرية روحي كما فعل الصانع العظيم الذي أحمل صورته بين جوانحي.

    وقد كان الشيء الذي أُلقِيَ على عاتقي في هذه التجربة باعتباري مسيحيًا هو تحقيق عمليتين تبدوان متنافرتين في الظاهِر، ولكنهما في الواقِع تكمل إحداهما الأخرى بمفارقة من مفارقات الحياة، وإحدى هاتين العمليتين فدائية، والأخرى خلاَّقة. وقد أدركت المغالَطَة الكامنة وراء دين فدائي بحت. ذلك أن الإنسان لا يتغلب على ضغط المؤثرات الخارجية عليه واستعبادها له إلا بالفعل الخلاق.

    ثمة رابطة حميمية بين الإبداع والتأمل، وإن يكن الميل الشائع إحلال التعارض بينهما. وينبغي ألا يُفهَم التأمل على أنه حالة سلبية مطلقة أو استقبالية، إذ يضمُّ التأمل عنصرًا إيجابيًا وخلاَّقًا متميزًا. وهكذا نرى أن التأمل الاستطيقي للجمال الطبيعي هو أكثر من حالة: إنه فعل، وانطلاق إلى عالَم آخَر. والجمال هو حقًا ذلك العالَم الآخَر الذي يكشف عن نفسه في عالمِنا، والإنسان في تأمله للجمال يخرج لتلبية نداء ذلك العالَم الآخَر.

    المصدر الوحيد للمساواة الاجتماعية الحقيقية توجَد في الاعتراف بكرامة الشخص الإنساني وقيمته.

    الشيء الوحيد الذي لستُ على استعداد لإنكاره في هذا الكتاب هو أنني كتبته نتيجةَ اهتمام شديد بالحرية ضد نزعة المساواة الروحية، والاجتماعية، وهي النزعة التي أطلقتها الثورة وحكم “الإنسان العادي” و”العقل الجمعي”. ودافعت عن تلك الحقيقة الواضحة ألا وهي أن المصدر الوحيد للمساواة الاجتماعية الحقيقية توجد في الاعتراف بكرامة الشخص الإنساني وقيمته.

    لقد عارضت الشيوعية لأنني أومن بالحرية. بالاستقلال النهائي للشخص الإنساني في مواجهة النظم الاجتماعية والسياسية كافة. وقد تكون الحرية ما برحَت مكبَّلَة في الواقع بآلاف القيود إلى حكم الضرورة. غير أن الشيوعية من حيث أنها تضع قانون ذلك الحكم بتصرُّف وتتصرَّف تبعًا لذلك، فإنها تعرض المبدأ الحي للحرية والشخصية للخطر.

    أما أنا فلا أشتهي شيئًا أكثر من تخطي العقبات التي تعوق تحرري من هذا العالَم إلى حرية عالَم آخَر.

    ومن أبرز الشخصيات التي ظفرتُ بصداقتِها في المنفى “الأم ماريا” التي قضَت نحبَها في حجرة غاز بأحد معسكرات الاعتقال الألمانية، ويبدو أن حياتها ونهايتها الفاجِعَة تعكس مصير عصر بأكمله، وقد كانَت تتجسَّد فيها سائر السِّمات المميِّزَة للقديسات الروسيات، وفوق هذه السمات جميعًا تضامن شامل مع آلام العالَم وعذاباته، واستعداد باسِل للتضحية بنفسها في سبيل أخوانِها في الإنسانية. ويُعدُّ مصرعُها الذي كان إنكارًا خالِصًا للذات من أجل امرأة يهودية لا تريد الانفصال عن طفلها. وهي على وشك الموت في حجرة غاز – تعد هذه الوفاة صفحة من أعظم الصفحات البطولية في سجلات الحرب الجهنمية.

    العالَم الذي أُحيلَ إحالةً موضوعية ليس هو العالَم الحقيقي الواقعي، بل مجرد حالة لهذا العالَم الحقيقي الذي انبثق ذلك العالَم الأخير للتغير. فالذات تنتج الموضوع، والذات وحدها هي الواقعية “الوجودية” والذات وحدها هي القادِرة على معرفة الواقِع.

    والعالَم يوجد حقيقةً في الذات التي لم تخضَع للإحالَة الموضوعية. الواقع الأصيل هو الفعل الخلاَّق، وهو الحرية، وحامِل الواقِع الأصيل هو الشخص، وهو الذات، والروح… والموضوعية معناها استبعاد الروح للأشياء الخارجية، وهي نتاج التفسخ، والانفصال والغربة والعداء. وتتوقف المعرفة – وهي نشاط تبذله الذات – على الاقتصار على الانفصال والغربة، وعلى مدى الاتصال الروحي وشدته وفي المعرفة الحقة يتعالى الإنسان على الموضوع، أو بالأحرى يملك الموضوع امتلاكًا خلاَّقًا، بل الحق أنه يخلق بنفسه. والواقع يثرى بالمعرفة.

    وللمسيحية الأخروية تأثير، بل ينبغي أن يكون لها تأثير الثورة على المسيحية التاريخية، لأن هذه المسيحية التاريخية قد كيَّفَت نفسَها مع العالَم، وأسمنت نفسها عليه… غير أن العالَم الأخروي ليس دعوة للهروب إلى جنة خاصة، بل هو نداء للتسامي، بهذا العالَم الشرير المنكوب.

    قد يكتسِب الإنسان الذي اجتاز تجربة العذاب، معرفة جديدة: والحق أن كل معرفة مؤلِمَة.

    ليسَت العناية الإلهية فاعلاً يمكن قياسه بالمصطلحات الطبيعية بل شيئًا نحياه في أعماق الروح الإنساني الحر.

    … غير أن صورة المسيح الصادِقَة تتعالى على الصورة التي تتضمنها الأناجيل، إذ تقدم هذه انكسارًا للصورة في مرآة التحديدات الإنسانية المعتمة.

    إني لأعتقِد أن أعظم ثورة أحدثتها المسيحية هي الكشف عن إنسانية الله.

    وما من أحد استطاع أن يعبِّر هذا التعبير اللاذع عن مأساة الكلمة المنطوقَة كما فعل “تيوتشف” حين يقول:

    كن صموتًا، واحجب نفسك، دع أحلامك

    وأشواقك تشرق وتغرب في حنايا قلبك،

    اطرح كنوزك جانبًا، حتى تتمكن نجوم الليل العميق

    من النفاذ في بهجة إلى روحك

    كيف يستطيع الفؤاد أن يجد التعبير عنه؟

    وكيف يستطيع إنسان أن يقرأ ما يجول بعقل غيره،

    أو أن يعرف شخص آخَر ما به تعيش؟

    الفكرة المنطوقة ليسَت غير أكذوبة،

    وإذا تحركت، عكَّرَت ماء الجدول

    فاغتذ على أحلامِك،

    ولا تحرك ساكنًا

    عش في نفسك، فهناك عالم بأكمله

    من الوجود يموج داخل روحك

    عالَم من الفكر، والأفكار المسحورة

    غير أن الضوضاء التي تنبعث من الخارج

    تصيبها بالصمم…

    ووهج النهار يصيبها بالعمى، فتنقطع

    أغانيها… أوه… أسكت، وأنصت!

    وقد كنت أعلم علم اليقين أن قوة عليا تراقب حياتي وترشدها كلما تهددها خطر عظيم.

    وتنبع كل من الواقعية الحقيقية، والمثالية الحقيقية من الاعتراف بالسر الكامن تحت هذا العالَم وعبرَه.

    إن كل فعل إبداعي حقيقي يدخل ملكوت الله.

    لا شيء يمكن أن ينقذ العالَم من حالَة الغربة في نهاية الأمر غير الله.

    قد يكون الموت انتصارًا للحب والتضحية بالذات، والإنسان يشقُّ عليه أن يواجِهَ سرَّ الموت، ولكنه يدرِك في نهاية الأمر أن الموت ينطوي على سر فريد هو الحب النابِع في الحياة الأبدية. ولابد من أن نفقد الحياة لكي نظفر بها ظَفَرًا كامِلاً، والحب والموت لا ينفصِلان، غير أن الحب أقوى من الموت ولهذا يستمر في الموت الاتصال الروحي بهؤلاء الذين نحبهم بل إنه يزداد توثقًا، وذلك لأنه اجتاز تضحية الحب العظمى التي هي الموت. الموت حادثة في الزمن، وعلاقة على صَوْلَةِ الزمان على الإنسان، بيد أنه حادثة تضعه وجهًا لوجه إزاء الأبدية حيث ينتصِر الحب والقرابة على الغربة والانفصال… ولماذا تحمل الوجوه الميتة لمحة من جمال غريب؟ أعتقد أن الأمر كذلك لأن الموت هو لحظة التنوير العظمى، ولأن الإنسان يتحرر في الموت من ملامحِه الفظَّة القبيحَة، ولأن الموت إيذانٌ بالتحول السامي.

    ترجمة: نبيل سلامة

  • ياسين عاشور – المالينخولي السّعيد (5) – اعتزالُ الفِتَنٍ

    ياسين عاشور – المالينخولي السّعيد (5) – اعتزالُ الفِتَنٍ

    “تُحدّثُونني عن أنباءِ السّياسةِ. لو عرفتُم كمْ أنا غير عابئٍ بها! لم ألمسْ صحيفةً مُنذُ أكثر من سنتين. كلّ هذه السجالات تبدو لي الآن متعذّرة على الفهم …” – آرثر رامبو 

    “أيّها المالينخولي السّعيد، توقّف عن حيادكَ الجبان، وجِدْ لكَ موقفًا من هذه الحرب القائمة بين قوى الظّلام وقوى النّور في عالمنَا، إنَّ عالمنا هو الأفضل بين العوالم الممكنة، وليس بالإمكان ما هو أبدع منه، فدعْ عنكَ جُبنكَ وسلبيّتكَ وخُضْ الحرب إلى جانب الحقِّ، إلى جانبنا نحنُ، وإلّا فإنّكَ محسوبٌ على أعداء الحقّ، أعدائنَا …”

    كثيرًا ما يسمع المالينخولي السّعيد مثل هذه الخطب الوعظيّة من أصحابه ومعارفه، محاولين استدراجه إلى اتّخاذ موقفٍ سياسويّ مباشرٍ أمام ما يحدث في العالم من أهوال، مُوهمين إيّاه أنّ الحقَّ في قبضة طرفٍ بعينه، وأنَّ الشرّ من اختصاص عدوّ ذلك الطّرف، وأنّ الحرب بينهما حربٌ بين حقّ و باطلٍ، وإذا لم تخترْ الحقَّ فإنّكَ حتْمًا من أهل الباطل.

    هكذا يتمُّ تصنيفُكَ والانتهاء منكَ بوضعك في أحد رفوف البؤس الإيديولوجيّ، فصمتُكَ يثير رعدتهم، إنّهم يهابُونَ غموضكَ وفرادتكَ ولا تقرّ لهم عينٌ إلّا بعد التَّأكّد من موقعكَ: إمّا معهم أو ضدّهمْ. لا يمكنكَ أن تقطُنَ خارج منطقتهم المانويّة، ومنطقهِمْ الثَّنائي القائم على تقسيم العالم تقسيمًا بدائيًّا لم يتجاوز ثنائيّات نحنُ وهُم والخير والشرّ والنّور والظَّلام والرَّحمن و الشَّيطان …

    إنّ كمّاشة “الإحراج الُّثنائي الزّائف” آلةٌ ذهنيّةٌ صدئة، بها يحاولونَ اقتلاع المالينخولي السّعيد من الموقعْ الَّذي تخيّرهُ لنفسه حتّى يتسنّى لهمْ رؤيته بوضوحٍ، فإذا كانَ ضدّهم يُحاربونَهُ، وإذا كان معهُم يجنّدونهُ كي يُحارب إلى جانبهم، لكنَهم لا ينالون مُرادهُم لأنّهُ عصيٌّ على التَّصنيف، إنّهُ كائنٌ مُوغلٌ في فردانيّته ولا يستطيع أن يكونَ حطبًا في محرقةٍ لا تعنيه، ولا جنديًا في حربٍ يُعلِنُها الأباطرة ويُسحقُّ فيها سِفلةُ النّاس ومُغرَّرُوهم.

    يُشدّدُ المالينخوليُّ السَّعيد على فردانيّته، فهي تُعدُّ من فضائله الَّتي يسلُكُ حياتَهُ وفقهَا، فصاحِبُنا منهمٌّ بذاته مُنشغلٌ بها، لا يطلب غير ملذّاته وسكينته، ذلك أنَّ حياته قصيرةٌ ولا تتّسعُ لأنْ يُهدرها في النّضال من أجل قيمٍ ومُثلٍ مُحالٌ إشاعتُها في عالمٍ تغلبُ عليهِ نزعاتُ العُنف والجشعِ، كيف يُمكنُ الاصطفاف خلفَ قائدٍ، أو زعيمٍ، أو سياسيٍّ يتبنّى مقولات مثل الأمّة والقوميّة والهويّة والدّين وصناعة المجد ويُتاجر بها في سوق المُثل العُليا والقيم الخالدة؟ لقد اُستغلّت هذه المقولات طيلة تاريخ النّوع الإنسانيّ من طرف أصحاب السّلطتين الزّمانيّة والرّوحيّة، وكُتبتْ الملاحم والأمجادُ بدماء الجماعات الَّتي وهبت نفسها فداءً لانتماءاتها، لكنَّ المالينخولي السّعيد يأبى أن يكونَ بيدقًا يخدمُ لحساب الشّاه على حسابِ سعادتهِ الفرديّة.

    لن ينتهي بُؤسُ الإنسانِ إلّا بانقضاء نوعه، ولنْ تخمُدَ نارُ المحرقة دون التَّوقّف عن إيقادها، ولنْ تنتهي “الفِتَنُ” إلّا باعتزالها، هذا ما استقرّ عندهُ رأيُ صاحبنا، لمْ يتراجع المالينخولي السّعيد عن مواقفه الَّتي سجّلها في مناسبات سابقةٍ: مُعاداةُ التّناسل واليأس من الإنسان وإرادة الفناء والاستقالة من الحياة العامّة واعتزال القضايا الكُبرى والتَّمسّك بملذّاته الفرديّة البسيطة، تلكَ هي فضائله الَّتي يُصرّفُ من خلالها حياتهُ العرضيّة.

    المصدر: الأوان
  • إرنست همنغواي – الطبيب وزوجته (قصة قصيرة)

    إرنست همنغواي – الطبيب وزوجته (قصة قصيرة)

    الطبيب وزوجته 1925

    ترجمة: موسى الحالول

    جاء دك بولتن من المخيم الهندي لتقطيع زنود الخشب لوالد ِنك. جلب معه ولده إدي وهنديا آخر يدعى بِلي تابشو. خرجوا من الغابة ودخلوا من البوابة الخلفية، وكان إدي يحمل منشاره الطويل. كان المنشار يرتفع وينخفض فوق كتفه، محدثا صوتا موسيقيا عندما يمشي. وكان بلي تابشو يحمل كّلابين كبيرين، بينما حمل دك ثلاث فؤوس تحت إبطه. التفت وأغلق البوابة بينما تابع الآخران طريقهما باتجاه شاطئ البحيرة حيث زنود الخشب مدفونة في الرمال. كانت الزنود قد فقدت من أطواف الأخشاب الكبيرة التي كانت السفينة ماجك تجرها عبر البحيرة إلى المنشرة. كانت قد جنحت إلى الشاطئ، وإن لم يجر شيء بشأنها فإن طاقم السفينة سيرتادون الشاطئ آجلا أو عاجلا بقارب تجديف، فيرون الزنود، ويدقون مسمارا حديديا له حلقة في نهاية كل زند، ويجرونها إلى وسط البحيرة كي يصنعوا منها طوفا جديدا.

    لكن تجار الأخشاب قد لا يأتون؛ لأن بضعة زنود لا تساوي الأجرة التي يدفعونها لجمعها. وإن لم يأت أحد من أجلها فإنها ستُترك حتى تتشبع بالماء وتهترئ على الشاطئ. هذا ما توقعه والد نك دائما، فاستأجر الهنود ليأتوا من المخيم ويقطعوا الزنود بمناشيرهم وينصفوها بوساطة إسفين ليصنعوا منها أكداس الحطب للموقد المفتوح.

    دار دك بولتن حول الكوخ ثم تجاوزه باتجاه البحيرة. كانت هناك أربعة زنود كبيرة من خشب الزان تكاد تكون مدفونة في الرمل. علّق إدي المنشار من أحد مقابضه في منفرج جذع شجرة. كان دك مُوَلَّداً وكان كثير من الفلاحين في محيط البحيرة يعتقدون أنه في الحقيقة رجل أبيض. كان كسولا جداً، لكنه يعمل بجد إذا بدأ.
    أخرج قرص تبغ مضغوط من جيبه، فأخذ قضمة منه، ثم تحدث بلغة الأوجبواي إلى إدي وبلي تابشو.

    غرزوا نهايات كّلاباتهم في واحد من الزنود وهزوه بغية خلخلته من تحت الرمل. التفت دك بولتن إلى والد نك وقال:
    «هذه الكمية التي تسرقها من الخشب كبيرة، يا حكيم» (1)

    ّ «إياك أن تتحدث بهذا الشكل، يا دك»، قال الطبيب. «إنه خشب جرفه التيار.»

    في هذه الأثناء كان إدي وبلي تابشو قد خلّصا الزند من الرمل الرطب ودحرجاه باتجاه الماء، فصاح فيهما دك بولتن،
    «غّطساه جيدا.»
    «لماذا تفعل ذلك؟» سأله الطبيب.
    «لغسله وتنظيفه من الرمل تحضيرا لنشره. أريد أن أعرف إلى من تعود ملكيته،» قال دك.

    كان الزند تغمره مياهُ البحيرة. اتكأ إدي وبلي تابشو على كّلابيهما وهما يتصببان عرقا تحت الشمس. جثا دك على ركبتيه في الرمل وراح ينظر إلى العلامة التي تخلّفها مطرقة القشر في الخشب في نهاية الزند.
    وقف وهو ينفض الرمل عن ركبتي بنطاله ثم قال:
    «تعود ملكيته إلى وايت ومكنولي.»
    شعر الطبيب بحرج شديد. ثم قال باختصار:
    «إذن، من الأفضل ألا تنشره، يا دك.»
    فقال دك، «لا تغضب يا حكيم، لا تغضب. أنا لا يهمني ممن تسرق. لا يهمني إطلاقا.»
    «إذا كنت تعتقد أن الزنود مسروقة، إذن فدعها وعد بأدواتك إلى المخيم،» قال الطبيب محمّر الوجه.
    «لا تطلق النار وأنت في وضعية الإصلاء، يا حكيم،»
    قال دك ثم بصق عصير التبغ على الزند. سال ثم تلاشى في الماء.
    «أنا وأنت نعلم أنها مسروقة، والأمر سيان عندي.»
    «حسن، إذا كنت تظن أنها مسروقة، فخذ ُ أدواتك واخرج.»
    «اسمع، يا حكيم»…
    «خذ أدواتك واخرج.»
    «اسمع، يا حكيم.»
    «إن ناديتني حكيما مرة أخرى، سأجعل أسنانك في حلقك بلكمة واحدة.»
    «لا، لن تفعلها يا حكيم.»
    ِنظر دك بولتن إلى الطبيب. كان دك رجلا ضخما وكان يعرف مدى ضخامته. وكان يحب المشاجرات. كان سعيدا.

    اتكأ إدي وبلي تابشو على كُلّابيهما ونظرا إلى الطبيب. قضم الطبيب شعر لحيته النابت على شفته السفلى ونظر إلى دك بولتن. ثم أشاح بناظره بعيدا، وصعد الرابية باتجاه الكوخ. كان غضبه باديا لهم من ظهره. راقبوه جميعا وهو يصعد الرابية ويدخل الكوخ.

    قال دك شيئا بلغة الأوجبواي. ضحك إدي لكن بلي تابشو بدا جادا. لم يكن يفهم الإنجليزية، لكن عرقه ظل يتصبب طوال الشجار. كان سمينا وكان شارباه يتألفان من بضع شعيرات كأنه رجل صيني. التقط الكّلابين، وحمل دك الفؤوس بينما أنزل إدي المنشار من الشجرة.

    انطلقوا وساروا متجاوزين الكوخ وخرجوا من البوابة الخلفية باتجاه الغابة. ترك دك البوابة مفتوحة. رجع بلي تابشو وأحكم إغلاقها. ثم مضوا في الغابة.

    في الكوخ كان الطبيب يجلس على سريره في غرفته، فرأى كومة من المجلات الطبية على الأرض بجانب المكتب. كانت لا تزال ملفوفة، غير مفتوحة. لقد أغاظه الأمر.
    «ألن تعود إلى عملك يا عزيزي؟» سألت زوجة الطبيب من غرفتها التي كانت تستلقي فيها والستائر مسدلة.
    «لا»!
    «هل هناك من خطب؟.»
    «تشاجرت ِ مع دك بولتن.»
    «أوه، أرجو ألا تكون قد فقدت أعصابك، يا هنري،» قالت زوجته.
    «لا،» قال الطبيب.
    «تذكر أن من يَتَحكّم في هواه أعظم ممن يفتح مدينة،» قالت 
    زوجته. كانت من أتباع العلم النصراني (2)
    كان الكتاب المقدس ونسخة من كتاب «العلم والصحة» ومجلة «كوارترلي» الفصلية على مائدة بجانب سريرها في الغرفة المعتمة.

    لم يُجِب زوجها. هو الآن جالس على سريره، ينظف بندقيته. ملأ المخزن بالطلقات الصفراء الثقيلة ثم أفرغه، فتناثرت على السرير.
    «هنري،» نادت زوجته. ثم توقفت لحظة، «هنري»!
    «نعم،» قال الطبيب.
    «هل قلت شيئا يُغضب بولتن؟.»
    «لا.»
    «علام تشاجرتما، يا عزيزي؟.»
    «لا شيء يستحق الذكر.»
    «قل لي يا هنري. أرجوك ألا تخفي شيئا عني. علام تشاجرتما؟.»
    «حسن ِ، دك مدين لي بمبلغ كبير من المال لأنني أنقذت زوجته من التهاب في الرئة، وأعتقد أنه افتعل هذه المشاجرة لكيلا يسدد ما لي عليه بالعمل عندي.»

    صمتت زوجته. مسح الطبيب بندقيته بخرقة. ضغط على نابض المخزن كي يلقمه بالطلقات. جلس والبندقية
    على ركبتيه، وكان مولعا بها. ثم سمع صوت زوجته تناديه من غرفتها المعتمة.

    «عزيزي، لا أظن، لا أظن حقا أن مخلوقا يفعل شيئا من ذلك القبيل إطلاقا.»
    «لا تعتقدين؟» سألها الطبيب.
    «لا، لا أستطيع أن أصدق أن مخلوقا يفعل شيئا من ذلك القبيل عن قصد.»

    وقف الطبيب وركن البندقية في الزاوية خلف الخزانة.
    «هل أنت خارج، يا عزيزي؟» سألت الزوجة.
    «أعتقد أنني سأخرج لأتمشى،» قال الطبيب.
    ِ«إذا رأيت نك، يا عزيزي، هلا أخبرته أن أمه تريد أن تراه؟» قالت زوجته.

    خرج الطبيب إلى الشرفة، فانصفع الباب وراءه. سمع زوجته تشهق عندما انصفع الباب.
    «آسف،» قال قريبا من نافذتها ذات الستائر المُسدلة.
    «لا بأس، يا عزيزي،» قالت.

    سار في الهجير خارجا من البوابة، يشق طريقه عبر غابة الشوكران (3) كان الجو باردا في نهاية الغابة حتى في مثل هذا اليوم القائظ. وجد نك يجلس مستندا إلى شجرة، ويقرأ.
    «أمك تريدك أن تذهب إليها وتراها،» قال له الطبيب.
    «أريد أن أذهب معك،» قال نك.
    رمقه والده بنظرة وقال:
    «حسن، هيا بنا. أعطني الكتاب. سأضعه في جيبي.»

    قال نك، «بابا، أعرف أين توجد السناجب السوداء.»
    قال أبوه، «حسن ِ ، لنذهب إليها.»

    (1) استخدمت كلمة «حكيم» لكونها المرادف العامي لكلمة Docالمختصرة ]المترجم[.

    (2) هنا تستشهد الزوجة بالمثل السادس عشر من سفر الأمثال في العهد القديم، أما العلم
    النصراني فهو مذهب ديني يرى أن الموت والمرض والخطيئة يمكن التغلب عليها من خلال فهم
    الدين
    ]المترجم[.

    (3) الشوكران شجر دائم الخضرة من الفصيلة الصنوبرية، يستخرج منه شراب سام، ويُستعمل
    لحاؤه لأغراض الدباغة
    ]المترجم[.

  • أحمد مظهر غالي – رأيت فيما يرى النائم

    أحمد مظهر غالي – رأيت فيما يرى النائم


    أعاود البحث
    على أمل ،
    أجد أخيراً
    نيران
    كومة مشتعلة
    أنتفض
    أبكي ، أبتعد ،
    أصرخ في وجوه الجمع المحيط
    تلك التماثيل القائمة
    أحاول الإقتراب
    والنيران تتصاعد
    أود التغلُّب على رعبي
    إيقاف ملَّكَّة التوقُع
    أهاجم بلا رجعة وبلا تعقُل
    أكبر تمثال
    أنهال عليه بالضرب والصفع
    أشمت فيما آل إليه
    أبحث عن فتحة مؤخرته
    فأشم رائحة نتنة
    لم ينزف دماً
    بل ذهب في سبائك ،
    في لحظة
    إقتربَّت النار لتلتهم كل شيء
    أخيراً سمعت صوتاً ينادي
    شجعني على التقدم
    أقدمت بثقة نحو النيران
    لأفاجئ بكتبي وكتب أخرى
    محترقة
    بعد أن أمست رماداً
    هذا ما كنت طوال الحلم
    أحاول العثور عليه ،
    عدت على الفور
    وبيدي العاجزة صنعت من الرماد
    فأساً خشبيّاً
    وقطعت وكسرت وحطمت
    كل التماثيل
    وفصلت رأس التمثال الأكبر
    عن جسده
    ثم أعتليتُه
    منتظراً
    لعلها تُخمَّد النيران وتنتهي
    ومن أعلى كان أخيراً للتبول فائدة
    قد تُذكَّر ..!

  • مها دعاس – الغرباء ألم الصدفة


    الغرباء كالغبار
    لن تشعر بهم الا اذا تكاثروا في مكان ما
    وجب ازالتهم منه

    الغبار المنسي على حافة الوقت
    يتطاير لأقل مفاجأة
    كدمى متحركة سريعة العطب
    في ساحات لا يألفون رائحتها

    كل ما عليهم أن يتقنوا التمثيل
    وارتداء الأقنعة
    توزيع ابتساماتهم المجانية للكلاب المدللة

    لهم من الأمس ما يكفيهم
    ليعرفوا كيف سيمضي اليوم
    بنبوءة الرضوخ للضباب
    وتجذيف المرارة بالانتظار

    الوقت وَهم
    يمر بروح عنيدة تواصل الاستمرار على أجسادهم المتعبة
    بأقل حياة ممكنة وصورة
    لن تنجو من الغد

    بأعجوبة بين ذراتهم المتناثرة
    يكتنزون التلال في ذاكرتهم
    تتدفق البيوت المهجورة و النوافذ الحزينة

    من عادوا بلا مأوى
    من استيقظوا ليحرسوا الخيام
    يرسون في القلب كالملائكة بلا خطايا

    يعيدون للأمس تألقه
    ليصير اليوم أكثر سكينة
    الأمس النازف في ملامح المكسورين
    القيود الكثيرة تصير صورة وردية
    و أغنية من الزمن الجميل
    الجميل كهاجس الموت …

  • هلدرلين – للاقدار ترجمة السعيد عبدالغني


    أيها الأقوياء ،
    امنحونى صيفا واحدا فقط ،
    وخريفا واحدا فقط للاغانى الناضجة ،
    فقلبى مملوء بهذه الموسيقى الجميلة
    التى عن طيب خاطر وسماحة ستموت في .
    الروح تنكر إرثها الالهي فى الحياة ،
    ولن تجد الراحة أيضا فى العالم السفلي
    ولكن إن نجحت القصيدة
    التى ترتاح فى قلبى
    وهى مقدسى
    فأهلا بعالم الصمت الملىء بالظلال !
    أنا المضمون ،
    بالرغم من أن قيثارتي
    لن تصحبنى إلى الأسفل .
    على الأقل مرة
    سأكون حيث الالهه
    والباقى غير مهم .

  • أفروديت – موات اللانهائي جبريا فى كينونة مدنسة ( إلى السعيد عبدالغني )


    لم أرك إلا وحيداً
    بين ذواتٍ مشوهة لك
    يتفيؤون صورتك المنسدحة
    على جدار الخواء
    وجهك مفقودٌ في استدارة الفراغ
    وفي نزيف عينيك
    كنهر لم يألف المجرى

    وحيداً في مخيلتي
    تلحّن الصمت لتُطرِب جثة الله
    وتضع قلبك
    وردةً مسجاة
    فوق قبر التكوين

    تسائل الحزن عن أيدي الحزانى
    وتسائل الموت
    كيف اشرأب في روحك
    رغم أنه لم يسمعك تصرخ في العدم؟

    يتمادى يأسك كسيزيف
    لا طاقة في جسد الكون
    كي يزيح عن ظهرك
    صخرة اللاجدوى

    تترقب عودة الضفيرة الهاربة من حقلك
    لتلفها مقصلة تليق بحتفك المشتهى

    تعقد أعشاش العصافير في خاصرتك
    وتشيع العناكب إلى رموشك الرطبة
    وأنا ألاقي عينيك دائماً
    في قُبل الليلك

    واحد أنت
    رغم تعددك في الأمكنة
    تتجهز كل صباح
    لاغترابٍ جديد

  • سكينة شكر – تآكل الطريق إلي

    سكينة شكر – تآكل الطريق إلي

    لا سبيل لأن تعودي
    قد تآكل كل ما سلكتيه من طرق
    وسقفُكِ الأخضر مهترئ
    يتساقط على تماثيلكِ المجوّفة

    سيري إذاً
    بأذنٍ صماء عن جوقة الآلهة
    وعن معزوفة الإغواء
    فعمّا قليل يستوطنُ الهباء ذراتها المتبقية
    ليتفتح نداء الموت
    ويأتي في نشاز الصمت
    إلى المقطوعة المسروقة

    لا مفر من أن تلاقي أناكِ ثانيةً
    مخيضاً من سواد وبياض
    على المرايا المهشمة
    فاقرعي بالمرآة كأسكِ
    لتشربي
    نخب كل ما حلّ بكِ من خراب

    عُمِّدت أقدامكِ
    في كنائس الوحل
    ونُشبت أصابعكِ
    صاريات للسفن الراكدة في المنفى
    وها أنتِ هنا
    عند كل فجر
    تشرّعين في المدى شَعركِ
    تطعنين به الغمام
    لأنكِ صدّقتِ البحر حين قال
    “على الغمام أن يفنى كي أدرك كنه زرقتي”
    فأطبقي على ملح البحر
    عينيكِ
    للمرة الأخيرة
    و نامي…

  • سينماتوغراف لفيلم ” برسونا ” للمخرج إنجمار بيرجمان

    ÒPersonaÓ and ÒBeing John MalkovichÓ will screen as a double feature of psychological explorations on film to be presented by the Academy of Motion Picture Arts and Sciences on Friday, July 20, at 7 p.m. at the Samuel Goldwyn Theater in Beverly Hills. Ticketholders will also be able to take advantage of special evening hours for the ongoing exhibition “Movies on the Mind: Psychology and Film since Sigmund Freud,Ó an interactive multimedia exhibition that presents dozens of film clips, posters, photographs and staged environments examining psychology and film in the AcademyÕs Fourth Floor Gallery. Pictured here: Liv Ullmann in a scene from “Persona”, 1966.
    Margaret Herrick Library Core Collection