المدونة

  • تلال كالفيلة البيضاء – إرنست همنغواي – ترجمة: موسى الحالول

    تلال كالفيلة البيضاء – إرنست همنغواي – ترجمة: موسى الحالول

    كانت التلال الواقعة على الجهة الأخرى من وادي إيبرو بيضاء طويلة. أما في هذه الجهة فلم يكن هناك ظل ولا أشجار، وكانت المحطة بين خطين من السكك الحديد في الشمس. بلصق المحطة كان ظل المبنى دافئاً، وكانت هناك ستارة مصنوعة من خرز الخيزران مسدلة على الباب المؤدي إلى البار لمنع الذباب
    من الدخول. جلس الأمريكي والفتاة التي معه إلى مائدة في الظل خارج المبنى. كان الطقس حاراً والقطار السريع الآتي من برشلونة سيصل خلال أربعين دقيقة. كان القطار يتوقف عند هذه المحطة لمدة دقيقتين ثم يواصل سيره إلى مدريد.
    «ماذا سنشرب؟» سألت الفتاة بعد أن خلعت قبعتها ووضعتها على المائدة.

    «إن الطقس حار جداً،» قال الرجل.
    «لنشرب الشراب.»
    «كأسان من الشراب،» وجه الرجل كلامه عبر الستارة.
    «كبيرتان؟» سألت امرأة تقف في المدخل.

    «نعم، كبيرتان.»
    جاءت المرأة بكأسين من الشراب وواقيتين من اللباد. وضعت الواقيتين وكأسي الشراب على المائدة ونظرت إلى الرجل والفتاة.
    كانت نظرات الفتاة تسرح في التلال. كانت التلال بيضاء في الشمس وكانت الأرض الريفية داكنة جافة.
    «تبدو كأنها فيلة بيضاء،» قالت الفتاة.

    «لم أر فيلا أبيض قط،» قال الرجل وهو يكرع شرابه (1)
    «ومن أين لك أن تراها؟»
    ِ«قد أراها،» قال الرجل. «إن قولك هذا لا يبرهن شيئاً.»

    نظرت الفتاة إلى ستارة الخرز. «لقد رسموا عليها شيئاً. هل تعرف ماذا يقول الرسم؟» سألته.
    «أنيس دل تورو. إنه مشروب.»
    «هل يمكننا أن نجربه؟»
    نادى على النادلة عبر الستارة، فجاءت.
    «أربعة ريالات» (2)

    «نريد كأسين من أنيس دل تورو.»

    «بالماء؟.»
    «هل تريدينه بالماء؟»
    «لا أعرف،» قالت الفتاة. «هل هو طيب مع الماء؟.»
    «لا بأس به.»
    «هل تريده بالماء؟» سألت النادلة.
    «نعم، بالماء.»

    «يشبه طعمه طعم السوس،» قالت الفتاة وهي تضع الكأس من يدها.
    «هكذا هي الحال مع كل شيء.»

    «نعم،» قالت الفتاة. «كل شيء له طعم السوس، ولا سيما الأشياء التي ننتظرها طويلا، كمشروب الأڤسنتين» (3)
    «كفى، كفى.»!
    «أنت الذي بدأ،» قالت الفتاة. «لقد كنت أتسلى وأستمتع بوقتي.»

    «حسن، لنحاول أن نستمتع بوقتنا.»

    «لا بأس. لقد كنت أحاول. لقد قلت إن الجبال تبدو كأنها فِيَلة بيضاء. أليس هذا قولاً ذكياً؟.»
    «إنه كذلك.»
    «أردت أن أجرب هذا المشروب الجديد. أليس هذا كل ما نفعله؟ ننظر إلى الأشياء ونجرب المشروبات الجديدة؟.»
    «أعتقد ذلك»
    سرحت الفتاة بنظراتها نحو التلال.
    «إنها تلال رائعة،» قالت الفتاة. «إنها في الحقيقة لا تبدو كالفيلة البيضاء. كنت أقصد فقط لون قشرتها كما يبدو من بين الأشجار.»
    «هل نتناول مشروباً آخر؟.»
    «لا بأس.»
    هبت الريح الدافئة، فارتطمت ستارة الخرز بالمائدة.
    «الشراب لذيذ وبارد،» قال الرجل.
    «إنها رائعة،» قالت الفتاة.
    «إنها في الحقيقة عملية بسيطة جداً، يا جيغ،» قال الرجل.
    «إنها في الحقيقة ليست عملية على الإطلاق.»
    نظرت الفتاة إلى الأرض التي تقف عليها أرجل الطاولة.
    «أعرف أنك لا تمانعين، يا جيغ. إنها لا شيء في الحقيقة. إنها تسمح بدخول الهواء فقط.»
    ًلم تقل الفتاة شيئا.

    «سأذهب معك وسأبقى معك دائماً. كل ما هنالك هو أنهم يسمحون بدخول الهواء، وبعدها تسير الأمور بشكل طبيعي تماماً.»
    «وماذا سنفعل بعدئذ؟.»
    «سنكون على ما يرام بعدها. تماماً كما كنا من قبل.»
    «ما الذي يجعلك تعتقد ذلك؟»
    «هذا هو الشيء الوحيد الذي يكدر عيشنا. إنه السبب الوحيد لشقائنا.»

    نظرت الفتاة إلى ستارة الخرز، ثم مدت يدها وأمسكت بخيطين من الخرز.
    «وأنت تظن أننا بعدها سنكون سعيدين وعلى خير ما يرام.»
    «أنا أعلم أننا سنكون كذلك. لا داعي للخوف. أعرف كثيرا من الناس الذين فعلوها من قبلنا.»
    «وكذلك أعرف أنا،» قالت الفتاة. «وبعدها كانوا جميعا سعداء.»

    «على أي حال،» قال الرجل، «لا لزام عليك إن كنت غير راغبة في ذلك. لا أريدك أن تفعلي هذا إن لم تكوني راغبة فيه. لكنني أعلم أنها بمنتهى البساطة.»
    «وهل هذا حقاً ما تريده أنت؟.»
    «أعتقد أنها أفضل شيء نفعله. لكنني لا أريدك أن تفعلي إن لم تكوني حقاً راغبة.»
    «وإن فعلت، هل ستكون سعيداً، وتعود الأمور إلى سابق عهدها وتحبني؟.»
    «أنا أحبك الآن. وأنت تعلمين أنني أحبك.»

    ُ«أجل، أعلم. لكنني إن فعلت، فهل ستمانع إن قلت إن الأشياء تشبه الفَيلة البيضاء؟.»
    «بل سأحب مثل هذا القول. أنا أحبه الآن، لكن المشكلة هي أنني لا أستطيع التفكير في مثل هذه الأمور الآن. أنت تعرفينني عندما أصير نهباً للقلق.»
    «وإن فعلتها، ألن يعاودك القلق أبداً؟.»
    «لن أقلق بشأن ذلك لأنني أعلم أنها عملية في منتهى البساطة.»
    «إذن، سأفعل. سأفعل لأنني لا أبالي بنفسي.»
    «ماذا تقصدين؟.»
    «لا أبالي بنفسي.»
    «ولكنني أبالي بك.»
    «أوه، طبعاً. لكنني لا أبالي بنفسي. وسأفعلها وستكون الأمور بعدها على خير ما يرام.»
    «لا أريدك أن تفعلي إن كان هذا هو شعورك.»
    نهضت الفتاة وسارت إلى نهاية المحطة. وعلى الطرف الآخر كانت حقول الحبوب والأشجار تمتد على ضفاف نهر إيبرو.

    وخلف النهر في البعيد كانت هناك جبال. عبر ظل سحابة حقل الحبوب وشاهدت الفتاة النهر من بين الأشجار، وقالت:
    «وبعدها يمكننا أن نملك كل هذا. ويمكننا أن نملك كل شيء وكل يوم نجعل الأمر أكثر استحالة.»
    «ماذا قلت؟.»
    «قلت يمكننا أن نملك كل شيء.»
    «بإمكاننا أن نملك كل شيء.»
    «لا، لا يمكننا.»
    «بإمكاننا أن نملك الدنيا بأكملها.»
    «بإمكاننا أن نسافر إلى أي مكان نشاء.»
    «لا، لا يمكننا. لم يعد هذا بوسعنا.»
    «بل هو كذلك.»
    «لا، ليس كذلك. متى أخذوا منك شيئاً، فلا تستطيع أن تسترده.»
    «لكنهم لم يأخذوه.»
    «سننتظر ونرى.»
    «هيا، عودي إلى الظل،» قال لها. «يجب ألا تشعري على هذا النحو.»
    «لا أشعر لا على هذا النحو ولا ذاك. كل ما هنالك هو أنني أعرف كيف هي الأمور.»
    «لا أريدك أن تفعلي شيئاً لا تريدينه.»…
    «وليس في هذا ما يضيرني،» قالت له. «أعرف ذلك. هل لنا بكأس أخرى من الشراب؟.»
    «لا بأس. ولكن عليك أن تدركي.»…
    «إني أُدرك،» قالت الفتاة. «هلا توقفنا عن الحديث؟.»
    جلسا إلى المائدة وراحت نظرات الفتاة تسرح في التلال الواقعة على الطرف القاحل للوادي، ونظر الرجل إليها وإلى المائدة، وقال:
    «عليك أن تدركي أنني لا أريدك أن تفعلي شيئاً لا تريدينه. إنني على استعداد تام لتقبل الأمر إن كان هذا الأمر يهمك.»

    «وأنت، ألا يهمك هذا الأمر؟ بإمكاننا أن نتعايش معه.»
    «بالطبع، يهمني الأمر، ولكني لا أريد أحداً غيرك. لا أريد أحداً غيرك. كما إنني أعلم أن المسألة في منتهى البساطة.»
    «نعم، أنت تعلم أن المسألة في منتهى البساطة.»
    «لا بأس أن تقولي ذلك، لكن هذه هي الحقيقة التي أعلمها.»

    «هلا أسديت لي معروفاً الآن؟.»
    «أنا رهن إشارتك لأي شيء.»
    «أرجوك، أرجوك، أرجوك، أرجوك، أرجوك، أرجوك، أرجوك، هلا توقفت عن الحديث؟.»
    لم ينبس ببنت شفة، بل نظر إلى الحقائب بلصق جدار المحطة. وكانت تحمل قسائم من كل الفنادق التي أقاموا فيها.
    «لكني لا أريدك أن تفعلي. لست أهتم للأمر كثيراً.»
    «سأصرخ،» قالت الفتاة.
    جاءت النادلة من بين الستائر تحمل كأسين من الشراب ووضعتهما على واقيتَيْ اللباد المبللتين، وقالت:

    «سيصل القطار خلال خمس دقائق.»

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (1) لعبارة «فيل أبيض» معنى مجازي في الإنجليزية، وهو أن يكون لدى المرء ملك يحتاج إلى رعاية ونفقة كبيرة ولا يعطي سوى مردود ضعيف. لذلك يرى بعض النقاد أن شخصيتي القصة تتجادلان حول عملية إجهاض بسبب حمل غير مرغوب فيه (المترجم).

    (2) الريال الإسباني هو ربع پيزيتا (المترجم).

    (3) الأڤسنتين: عشبة تستخدم في صناعة الأدوية الهاضمة والمدرة، كما تدخل أيضا في صناعة مشروب ثقيل باسمها (المترجم).

    قصة: إرنست هيمنجواي

    ترجمة: موسى الحالول

  • قصائد  الشاعر الهندوراسي فابريكو ايسترادا

    قصائد الشاعر الهندوراسي فابريكو ايسترادا

    تسونامي

    هناك قبور تسقط في البحر

    اليوم تحديداً أتذكّر جميع أمواتي، أتخيّلهم معاً.

    في باص ذاهب في رحلة إلى البحر، معي طعامٌ مُعَدّ وقلقُ الأمواج.

    المحيط الهادئ سيبتلع جزر المارشال،

    في يوم ما يتوجّب على سكّان هذه الجزر أن

    يرحلوا في قواربهم بنفس الطريقة التي غادرتُ بها طفولتي آخذاً معي أشيائي.

    باص يأخذني ويعيدني دائماً إلى نفس حطام- السفينة،

    إلى نفس الحافّة حيث أركض إلى الداخل مع أموات تعيدهم الأمواج إليّ.

    ■■■

    حلم الابن

    كان يا ما كان في قديم الزمان:

    عاش ملايين المرّات مع الشمس

    انحنى ببطء مثل سنبلة قصفها الناس المتنزّهون أثناء مرورهم.

    الكلمة مسجونة داخل البذرة الأكثر عقماً ومزروعة في خطوط الأحلام المحروثة.

    كان يا ما كان في قديم الزمان:

    كانت البراءة تفور من الجميع ومن اللحظات الساخنة

    مثل بركة أسماك

    لا تستطيع التمييز بين وجوهها

    حيث يتشظّى الضوء وتومض العيون.

    كان يا ما كان في قديم الزمان:

    طفلٌ التقى مع ابنه

    يلعبان، يتناوبان أحدهما يركض والآخر يحاول إمساكه.

    ■■■

    تيِّموس*

    “أعطني المزيد من الوقت والحياة” روبرتو مونزون.

    أعطني المزيد من الوقت والكلمات،

    الريح تُطفئني حين تشعلني

    وجذر غريب عميق مشتعل

    يغوص في الأعماق دون أن يريني ناره.

    أعطني المزيد من الوقت والكلمات،

    الصمت والصدأ

    لا يستطيعان مقاومة مضائك:

    سينبت اللبلاب من جديد

    انتَظِرْ

    البداية والسِحْر

    انتظر.

    وحيد جداً

    لا تجبرني على أن آخذ القلم وأن أغْرزَه ببطء في حنجرتي.

    (تيِّموس: أحد مكوّنات النفس عند أفلاطون، ومنه تنبع الفضيلة والطموح لتأكيد الذات، وجعل مكوّنات مدينته الفاضلة، الرغبة والعقل والتّيموس. المترجم)

    ■■■

    بحر مراهق

    (إلى بيتو، من الطفولة)

    البحر هو الشيء الوحيد الذي لم يكن لدينا

    لكن من المعروف أنه يمكن أن نجعل

    الغائب والمفقود حقيقياً يملؤنا ويهدينا البسمة.

    عندما كنا نفتقد أمواجه كنا نصعد جبل موموتمبو بحثاً عن الخليج

    النظرات نوارس هائلة تستمر في الرحلة حتى تنطفئ الشمس، ثم تسقط محترقة في الماء.

    ثم يتوجّب أن نعود في المساء إلى القرية وأرجلنا تطقطق من الخوف.

    جبل أوديسيوس*

    يهتز من فكرة أنه من مكان ما بين هذه الغابات خرجنا نركض من أسفل البحر.

    (أوديسيوس: ملك إيثاكا، صاحب فكرة حصان طروادة، رفض العودة مع الجيش الذي دمر طروادة وشق طريقه في البحر وتاه فيه عشر سنوات قبل أن يعود إلى وطنه وزوجته. المترجم)

    ■■■

    ألبوم

    آنتيباتريو قتل ابنَه آرس

    آرس كان ابن آنتيباتريو

    أنتيباتريو ابن فيليمون

    فيليمون ابن آركاديو

    آركاديو جد آنتيباتريو.

    نزف آرس ومات

    آرس ابن آنتيباتريو

    آركاديو الجدّ الأكبر لآرس مرّة قتل أَيْلاً وشرب دمه.

    كان لفيليمون ولد وحيد هو آنتيباتريو

    آنتيباتريو حين كان يراه عائداً فيختبئ

    كان يعود فيليمون والد آنتيباتريو

    فيليمون الابن السابع لأركاديو.

    آركاديو مرّة قتل أَيْلاً

    الغزال كان ابن آركاديو الذي يخرج معه للصيد.

    الجميع يقولون إن بولفيمو كان يشبه الغزال، لأن بوليفيمو كان يركض ولا يستطيع أحد إمساكه.

    بوليفيمو كان ابن آركاديا

    بوليفيميو كان أخ جدّ آنتيباتريو.

    بوليفيمو تدخّل لحلّ المشكلة بين أبيه

    آركاديا وأمّه تيرنسيا

    أركاديا كان يريد أن يضرب زوجته تيرنسيا

    وتيرنسيا كانت تبكي

    قال لها بوليفيمو ألّا تمكّن آركاديو منها؛ ولذلك لم يغفر له.

    آرس حلم بأنه كان يصطاد مع كهل يشبه والده

    آرس حفيد حفيد حفيد آركاديو

    آركاديو والد فيليمون

    فيليمون والد آنتيباتريو

    آنتيباتريو والد غزال دمه حار ويرغي.

    ■■■

    Leteo (نهر النسيان)*

    دائماً هناك مطر على بعض النوافذ

    عواصف الحنين والشوق سوف تمر وتختفي كما يختفي الميت داخل الكفن.

    سوف يمر السيرك ومعه الإمبراطور بثيابه المرقّعة الملوّنة والراقصة التي أحببناها بين التوازن على الحبال ورمي السهام تصعدُ درجها وتهرب من ثقب في خيمة الزمن.

    هناك شخص ما سيكون

    الميت الذي يحمل أمواتاً

    الذي يشرب نخب الحنين أمام بطاقات البريد.

    الذي سيكون النوتة الذهبية للشتاء في الصناديق المعدنية لفرقة السيرك والأبواق.

    (إشارة إلى نهر كيتس في الأسطورة الإغريقية، حيث ترحل أرواح الأموات في قوارب مع “آخْرُون” قابض الأرواح، ليعبر بها إلى عالم الأموات، ويجب على الأرواح أن تشرب من هذا النهر لتنسى حياتها الدنيوية. المترجم)

    ■■■

    طبقات

    في داخلي

    تُدفَنُ الكائنات المنقرضة

    الشائعات والوشوشات الخطيرة حول الذي سينتهي قريباً

    المشاهد الطبيعية المُسْتَهلكة في عيوني

    الصوت الهشّ المسافر

    إيماءات الأسماك

    في طبقات الحبر المتحجّر.

    بين الجمال والدهشة كم هي قصيرة

    مواسم الرومانسية

    مجرّد أُحْفورة.

    مجرّد فقاعات نجمة تنفجر في الليل وينهار الغموض والسحر الذي حُفِرَ بخشونة

    مثل منجم في الروح.

    ■■■

    فاصل

    رأيتُ كلّ إشارة

    في كل وردة معدودة في اللحم

    في الصباحات

    في غريزة البقاء على قيد الحياة

    في خطوات القطيع على الجسور الصدئة المهتزّة

    في العميان والرائين العرّافين

    في الإثارة والذعر في أيدي الحزانى

    القابضة على عملاتهم المعدنية.

    كل شيء

    كل شيء كان نتيجة القصيدة

    وليس نتيجة الحياة

    الحياة كانت وقفة في القصيدة الصاخبة

    الحياة حركة بطيئة تقود مباشرة بلا انحراف نحو قصيدة أخرى، ترتفع ثم تغوص

    أثناء هذا الظهور المتكرّر تترك

    ريحها ليسكن الشمس والحدس الأكيد

    وأنفاسها لتقوية الحدس بمحاولة الظهور مرّة أخرى في فعالية ثانية.

    ■■■

    رأيت الخبّازين

    بانتظار وصول كتائب العدم واللاشيء

    نُنظّف الأسلحة

    نشدِّد الحراسة

    وخلال الاستراحة

    نقتل بعضنا بأسلحتنا.

    في كل ساحة فارغة

    كنتُ دائماً السائح الأخير الواقف على قدميه المشدوه قبالة تمثالك.

    رأيت الخبّازين يدسّون قطع الزجاج في الطحين ويعجنونها ويرقّونها.

    عندما يكون البحر فضِّيّاً مثل برّاد اللحّام، تعبر أرغفة النبي أيوب الكبيرة أرخبيل الساحل

    وجميعنا نتلو مزاميره.

    عندما يلتحم البحر بلوحة السماء الثابتة

    تبدأ الشرارات الحلوة تثقب السماء

    بقايا خبز أيوب اليابس مصنوع من طحين النجوم التي نقرتها اللقالق.

    في هذه الساعة

    أحد ما يُقسِّم الخبز

    طفلي جائع

    يمدُّ يديه بنفس طريقة دفعه قواربه الورقية بعد المطر.

    فابريكو ايسترادا

    شاعر وفوتوغرافي هندوراسي من مواليد عام 1974. من مجموعاته الشعرية: “سداسيات المطر” (1998)،

    “قصائد ضد الخوف” (2001)،

    “ومضات” (2004)،

    “قصائد أمواج قصيرة” (2009)،

    “أسماك البيرانا البيضاء” (2011)،

    “جنوب الظهيرة” (2013/ الصورة)،

    “عودة إلى المنزل” (2015)،

    “الثورة 33 لرودريغز”

    (2018). وعدة كتب مختارات من أعماله، آخرها: “وليم بليك يموت في باريس بسبب الباباراتزي” (2018).

    ** ترجمة عن الإسبانية: فخري رطروط

  • هلدرلين – أغنية هيبريون عن القدر ترجمة السعيد عبدالغني

    هلدرلين – أغنية هيبريون عن القدر ترجمة السعيد عبدالغني

    الأرواح المقدسة ، تمشى عاليا
    فى الضوء ، على الأرض الناعمة .
    النسائم الروحانية المشعة
    التى تلمسك بلطف
    كأصابع إمرأة ،
    تلعب الموسيقى على آلات مقدسة .
    كالأطفال النائمة ، هم الآلهه
    يتنفسوا بدون اي خطة
    الروح تزدهر باستمرار بهم ،
    محفوظة باعتناء شديد
    كما فى برعم صغير ،
    وعيونهم المقدسة
    تنظر طويلا
    فى الوضوح الأبدي .
    لم نُعطى مكانا لنسترح فيه .
    المعذبون ينحدروا
    ويسقطوا تماما
    من ساعة إلى ساعة ،
    كما يلقى الماء من جرف لجرف ،
    من سنة لسنة
    نزولا إلى المجهول .

  • فلسفة العود الأبدي في فيلم “سولاريس” للمخرج الروسي آندريه تاركوفسكي – أوس حسن

    فلسفة العود الأبدي في فيلم “سولاريس” للمخرج الروسي آندريه تاركوفسكي – أوس حسن

    يعتبر المخرج الروسي آندريه تاركوفسكي شاعر السينما والصورة بامتياز،وتتسم أفلامه برمزية عالية وكثافة في المعنى ،إضافة لاعتماده على اللقطة الطويلة في أفلامه والمشاهد الصامتة الباعثة على التأمل والتفكير ، تتميز أفلام تاركوفسكي أيضا بعدم اعتمادها على الحبكة الدرامية التقليدية وتفردها بعنصري الإيقاع والزمن إضافة لوجود فكرة عليا نابعة من تمازج مذاهب فلسفية تؤكد على إشكالية الهم الإنساني العميق وصراعه في هذا الوجود المتناقض والمرعب.

    سولاريس ..1972 فيلم مقتبس من رواية للكاتب البولندي ستناسيلاف ليم

    تدور أحداث الفيلم حول عالم النفس كريس كلفن الذي يكلف بمهمة إرساله إلى محطة فضائية تدور حول كوكب تم اكتشافه حديثا يدعى سولاريس،يظهر الكوكب وكأن له سطحا سائلا ويتخذ أشكالا وهيئات بشرية مختلفة،يرسل كيلفن للتحقيق في أسباب وفاة الطبيب “جيربيان”، الذي مات منتحرا ومخلفا ً رسالة يشرح فيها هذه الأحداث والظواهر الغريبة على سطح هذا الكوكب.يتفاجأ كيلفن بالتصرفات والسلوكيات الغريبة لأفراد طاقم الفضاء وهذياناتهم وما يرافقها من أحداث غامضة وعبثية،ويصاب بحالة من الاضطراب النفسي تجعله فريسة للهذيان والهستيريا،فيشك بوجوده ككيان مادي وحسي،عندما يرى زوجته هاري المتوفاة قبل سبع سنوات ويعيش معها اليوميات والتفاصيل الدقيقة مع أفراد طاقم الفضاء، لنتبين فيما بعد أن سولاريس هي رحلة إلى أقصى المناطق عمقا في الذاكرة البشرية،أو مكان لامتناهي في كون يعيد تكوين نفسه،فهو قادر على استخضار أي كائن حي عن طريق الهواجس والذكريات والرغبات المكبوتة وفيه تجسيد رمزي لفكرة المثالية التي ترى أن العالم موجود في أفكارنا وتصوراتنا فقط ،وهناك حضور وتأكيد على الحرية المرتبطة بالإدراك العميق لجوهر الذات،وعلى صراع التناقضات كالخير والشر ..السعادة والبؤس ..العلم والأخلاق ..الحقيقة والوهم..القلق الوجودي النابع من العدم المطلق ..والبحث عن مسار حتمي لخلود النفس البشرية .
    استخدم آندريه تاركوفسكي في السيناريو لغة نابعة من اللاوعي يمكن أن يتكلم بها النائم في حلمه،إضافة إلى براعة استخدامه للكاميرا وزواياها في التركيز على الأشياء الدقيقة من خلال المشاهد الطويلة والخطاب البصري المؤثر وهي بحد ذاتها رموز عميقة يراها أي شخص في أحلامه . بعد كل هذا المشاهد والأحداث النفسية الأليمة التي يمر بها كيلفن أثناء فترة إقامته في المحطة الفضائية “سولاريس”،يعود مرة أخرى إلى الأرض هناك حيث الكوخ والشجيرات الملتفة حوله وأناشيد الطيور وسكون البحيرة المطلق؛يرى أن والده في البيت وما زال في انتظاره ( الطبيعة وعناصرها تعاود الظهور مجددا كما في المشهد الأول من الفيلم).

    كلما زاد تركيزنا في أحداث فيلم سولاريس ولغته الغريبة؛سنشعر أننا مسافرين عبر الزمن وسنلتقي بأنفسنا في أمكنة وأزمنة مختلفة،ستتراءى لنا أيضاً فكرة العود الأبدي بدلالاتها ورموزها الساحرة،والتي تطرق إليها الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في كتابه”هكذا تكلم زاردشت”،ولهذه الفكرة جذور قديمة في الأساطير الهندية المقدسة حول الأبدية والخلود وإمكانية التقاء الماضي بالمستقبل في نقطة مركزية هي الآن.

  • قصائد مختارة للشاعرة السويدية كارين بوي_ترجمة: يوسف سامي يوسف

    1 – تقاطع الدروب
    الشموع التي رأيتها تحترق ، أجل ، الشموع
    المقدسة على ذرى الجبال الأبدية،
    حيث سار أناس في ضوء صوفي مرتجف،
    يتوهجون بالقداسة وبالشمس وبالقطرات الهاطلة،
    يتوهجون بالنوم في عوالم لا وجود فيها للزمان.
    واويلتاه، قدمي ثقيلة جداً في تلك الممرات العالية المسببة للدوار،
    لي الويل، أنا المصنوعة من الطين والتي فكرها فولاذ وحجر!
    لن يكون لي مكان أبداً بين أولئك الصامتين المقدسين الحالمين،
    ولن تتوج رأسي هالة الرؤيا بتاتاً.
    أنت من سوف أبحث عنه، يا إلهي،
    في البسيط والرمادي والمحتقر،
    أنت من سوف أبحث عنه في العالم،
    في الأزمة وفي الكفاح اليومي.
    السكون الذهبي الذي تتمتع به السماء
    وهو يتطلع إليه فؤادي
    هل هو أفضل من جهدك
    ومن قتالك المشتعل المقدس؟
    رباه، إن غبطتك لك.
    أنت أعطيت وأنت أخذت
    وأنت تخبئ نفسك.
    إعط ما تشاء ـ لا السلام،
    ولكن قتالك وروحك التي سوف تنجزها.
    رباه، ها أنا ذا أتبعك
    على حقل معركة العالم
    مثل سيف أو قوس.
    أعطني عرشاً، إن رغبت،
    أو صليباً، إذا شئت.

    2 – الأحسن

    لا نستطيع أن نتخلى عن أفضل ما نملك.
    ولا نقدر على أن نكبته أيضاً.
    كما لا يتيسر لنا أن نقوله.
    ما من أحد يملك أن يجعله قدراً
    ذلك الشيء الأحسن الراخم في ذهنك.
    إنه يشع هنالك عميقاً في داخلك،
    يشع من أجلك ومن أجل الله.
    إنه مجد ثروتنا التي لا يملك أحد آخر أن يحوزها.
    إنه عذاب فقرنا الذي
    لا يستطيع أحد آخر أن يحصل عليه.

    3 – رغبة رسام

    أود أن أرسم كسرة صغيرة
    من المياومة الشديدة الرثاثة،
    التالفة والرمادية،
    ولكنها تتوهج بتلك النار التي جعلت
    العالم كله يقفز من يد الخلاق العظيم.
    أو أن أبين كيف أن ما نزدري
    قدسي وعميق وكساء للروح.
    أود أن أرسم ملعقة خشبية
    بطريقة من شأنها أن تجعل الناس يرون فيها إلماعاً يومئ إلى الله.

    4- توقع الربيع
    ألم أمش ههنا ثملاً بأريج الورود
    ـ ومع ذلك فما من ورود ظهرت ـ‍
    ألم يرتجف كل شيء وهو ملفع
    بلعاب الشمس السماوي؟
    والضوء المنـعكس يهمس وعوداً سرية.
    من البعيد وصلتني ريح في الفترة الأخيرة.
    الضوء مثل أنفاس مستعادة،
    مفعم بأريج توقع يرتجف بحياء.
    ومنذ ذلك الحين أحسست بأعجوبة.
    لست أعرف شيئاً ـ أسير كما لو أنني
    في أرض نائية،
    أسير كما لو أنني في حلم، حلم بالورود.
    كل شيء مثلما كان من قبل ـ
    ومع ذلك، فإنه ما من شيء إلا وقد تغير.
    ثمة سر غريب ينتشر على جميع الأشياء.

    5 – بواسطة وسائل الإعلام
    ذات مرة طلبت فرحاً بلا حدود،
    وذات مرة طلبت أسى لا متناهياً كالفضاء،
    وإني لأتساءل عما إذا كان الاحتشام ينمو مع الزمن.
    جميل، جميل هو الفرح وجميل هو الحزن أيضاً.
    ولكن الأجمل هو أن تقف على أرض معركة الألم،
    بذهن ساكن، وأن ترى الشمس وهي تشع.
    6 – شيء واحد
    أحن إلى شيء واحد: الجدّية العميقة
    – وهي التي برهنت على أنها نحس للكثيرين ـ
    ولكنني أحن إلى شئ واحد آخر،
    شئ ما منح إلا للأقوياء وحدهم،
    إنه صمت القلب.

    7 – تعلم الصمت
    كل ليلة على الأرض طافحة بالألم.
    أيها الفؤاد تعلم كيف تصمت.
    النفوس القوية ، كالدروع القوية،
    تعكس الضوء من موطن النجوم.
    من شأن عويلك أن يجعلك أضعف.
    أيها الفؤاد تعلم كيف تصمت.
    فالصمت وحده يشفي، الصمت يقوّي،
    وهو طاهر على نحو غير ممسوس، ومخلص ببراءة.
    8 – ما من مكان
    إنني مريضة بالسم. إنني مريضة بعطش
    لم تخلق له الطبيعة أي شراب.
    من كل حقل تتواثب الجداول والينابيع.
    فأنحني إلى الأسفل وأشرب من شرايين الأرض سرها المقدس.
    والسماوات دافقة بالأنهار المقدسة.
    أتمطى وأشعر بأن شفتي رطبتان بنشوات بيضاء.
    ولكن ما من مكان، ما من مكان . . .
    إنني مريضة بالسم، إنني مريضة بعطش
    لم تخلق له الطبيعة أي شراب.

    9 – أنشودة

    يسقط صوتك وخطواتك بطراوة الندى على يومي المشغول.
    وحيثما جلست ثمة ربيع في الهواء المحيط بي من دفئك الحي.
    إنك تزهر في بالي وتزهر في دمي،
    وإني لأعجب فقط لأن يدي السعيدتين
    لا يستحيلان إلى زهور كبيرة.
    والآن، فإن فراغ المياومة يتغلق حولنا معاً،
    مثل ضباب طري لطيف.
    هل تخاف من الغرق في الكآبة الرمادية؟
    لا تخف: ففي أعمق أعماق الحياة اليومية، في قلب الحياة كلها،
    يشتعل عيد سري عميق
    بشعلات تهمهم على نحو هادئ.

    10- المتجول في الصحراء

    ألا إنك لتزن بموازين زائفة
    وتقيس بمعايير مزورة،
    ليس أمام القاضي الذي يحكم على المجرمين،
    بل أمام الله، سبحانه، فاطر الحياة.
    بلؤلؤة صغيرة نشتري ألف تمرة،
    أما أنا، أو تلك التي جاعت في الصحراء،
    فمتعبة من حزامي المصنوع من اللآلئ،
    وهو الذي لا يقدم أية تغذية.
    وأنا، أو تلك التي هزلت في الرمل،
    لن أسترد فخامة مقبض خنجري
    المزخرف بالجواهر التي لا تطفئ عطشاً.
    ثم إنني في مدينة المآذن هذه،
    بعيداً عن الصحراء،
    سوف لا أنحني أمام تلك الأبواب المتكبرة،
    تلك البوابات الذهبية،
    ولكن أمام الآبار المنخفضة النائية
    عن الدرب،
    إلى حيث يقود الرعاة المغبرون قطعانهم
    عندما يجلبون الحليب في المساء.

    11- تعدد الإنسان

    جميل هو الجسد القوي
    الذي يشطر موجة عاتية،
    وجميل، جميل هو نوم الطفل
    بعد التوتر الذي يصنعه اللعب.
    جميل هو يوم العمل
    ـ والخبز اليابس، مكسوراً ومباركاً ـ
    وجميلة هي الساعة التي تنسى في النبيذ
    كلاً من الماضي والمستقبل.
    لقد ولدنا من أمهات سماويات وأرضيات
    ومن قوى لا نهاية لها على المدى المنظور،
    ومن إرادات ليلية وإرادات نورانية،
    وبأسماء لم يعرفها أحد.
    ليت أن واحدة من الكثيرات
    لا تهيمن علينا،
    حتى وإن كانت من عرق السماء،
    وتشعشع فيها الفخامة.
    في سريرتنا. يعيش التعدد
    وهو يتلمس دربه صوب الوحدة
    وقد ولدنا كي نكون زجاجته
    المشتعلة الحاشدة المهيمنة.
    عظيم هو كفاح الإنسان
    وعظيمة هي تلك الأهداف
    التي يضعها نصب عينيه ـ
    ولكن الأعظم منها هو الإنسان نفسه
    بجذوره الضاربة في الليل الكوني.
    إذن، هات ذلك الذي قد يستفيق غداً،
    فنحن ندرّع غرفة سرية،
    ولا نفتقر إلى أية شعلة
    على مذبح إله مجهول.

    12- أنت

    عذب هو صوتك مثل وشوشة الينابيع،
    ووجودك طازج على نحو حرّيف مثل فواكه
    الخريف المعطرة.
    وبصفاء يستقر في عينيك
    المرح المقشعر لأواخر أيلول.
    ألا إنك لنافورة،
    شعاعها متألق بشكل مشمس جميل في
    توازنه، وفي قوسه ذي الشكل الكامل.
    إنها نافورة جميلة بقوتها
    وهي تحوز القوة التي تمكنها من أن
    تحب الحدود والأبعاد النبيلة.
    تحية للعبك الهادئ، ولصحتك الربيعية.
    وتحية لنبل روحك العذب الشبيه بالذهب،
    والمنساب في نقاء ملامحك،
    وفي التناغم الغنائي لأعضاء جسدك.

    13 – عزاء النجمة

    الليلة الماضية، سألت نجمة
    ترخم بعيداً حيث لا يعيش أحد:
    «من تنيرين، أيتها النجمة الغريبة؟
    إنك تتحركين وأنت كبيرة ناصعة».
    راحت شفقتي تصمت،
    عندما نظرت النجمة بحملقة كوكبية،
    «إني أضيء ليلاً أزلياً،
    إني أضيء فضاءً بلا حياة.
    وإن ضوئي زهرة تذبل
    في خريف الفضاءات المتأخر الخشن.
    ذلك هو عزائي كله.
    ذلك الضوء هو عزائي الكافي».

    14 – حالة التنقل
    اليوم المشبع ليس الأول بتاتاً
    وأحسن الأيام يوم العطش
    أجل، ثمة هدف ومعنى في طريقنا ـ
    ولكن الطريق التي تصنع للفاعل قيمة.
    أحسن الأهداف استراحة تستمر طوال الليل،
    استراحة تضيئها النار، ويكثر فيها الخبز المكسور.
    في الأماكن التي ينام فيها المرء مرة واحدة،
    النوم لا خوف عليه، والأحلام مترعة بالأغاني
    اخترق المخيم، اخترق المخيم! فالنهار الجديد
    يبدي نوره.
    ومغامرتنا العظيمة لانهاية لها على المدى المنظور.

  • شذرات من كتاب (ناموس الزمن) لكارلو روڤيللي – ترجمة: عبدالله حمدان الناصر

    شذرات من كتاب (ناموس الزمن) لكارلو روڤيللي – ترجمة: عبدالله حمدان الناصر

    لو كانت هناك حياة بلا زمن لنهض الزمن الذي نعرفه من رحم شيء ما.

    يمر الوقت في الجبل أسرع منه على البحر.

    الساعة الموضوعة على الأرض تجري بشكل أبطأ من الساعة نفسها فوق طاولة.

    الأشياء قرب الأرض تأخذ وقتاً طويلاً كي تحدث: النبتة لا تورق، والفكرة لا تنضج. على العكس من ذلك، يشيخ بسرعة من يعيش في السماء.

    ليس ثمة زمن واحد حقيقي. هناك دائماً فيلقٌ من الأزمنة المتغيرة بالنسبة إلى بعضها البعض.

    أجسادنا مليئة بالساعات. لكن الساعات لا تخبرنا عن الزمن (الحقيقي) بل عن الزمن (الملائم) لحدوث شيء ما.

    كل شيء يحدث وفق زمنه وإيقاعه الخاص، لا وفق الزمن الحقيقي.

    نحن لا نصف نشوء العالم داخل الزمن. يمكننا فقط وصف حدوث الأشياء داخل زمنها المحليّ.

    العالم ليس كتيبة عسكرية تأتمر لقائد واحد. العالم شبكة من الأحداث التي تؤثر على بعضها البعض.

    للزمن إيقاع مختلف في كل مكان. الزمن ليس نسيجاً واحداً. لقد فقد الزمن منذ نشوء الحياة طبقته الأولى: الوحدة.

    الزمن ليس رقصة واحدة. أشياء هذا العالم تمتزج في رقصات وإيقاعات بلا حدود.

    لو تخيلنا العالم محمولاً على كتفي إله الرقص الهندوسي شيڤا، فلا بد من وجود عشرة آلاف شيڤا راقص في هذا العالم، يرقصون في الآن ذاته، بشكل يشبه تلك الأجساد الراقصة المتشابكة في لوحة ماتيس. هذا هو الزمن.

    كان اينشتاين يعزّي نفسه في فقد صديقٍ حين كتب: المؤمنون بالفيزياء يدركون أن محاولة التفريق بين الماضي والحاضر والمستقبل مجرد وهم عنيد ومستديم.

    الزمن ليس خطاً بين جهتين. الزمن سهمٌ بأطراف تختلف في الحدة والشكل.

    إن ما يهم حقاً هو شكل سهم الزمن لا سرعة عبوره.

    لولا الشِعر والشك لانهارت الفيزياء.

    سر الزمن لا يكمن في الأرقام التي تصفه بل في انثياله الخالد الذي نشعر به في العروق والشغاف، في القلق من الآتي، وفي غموض الذكريات.

    الغموض الذي يحيط بالزمن سببه الإنسان لا الكون.

    نشأنا على فكرة وجود فرق بين الماضي والمستقبل، بين السبب والأثر، بين الذاكرة والأمل، بين النوايا والندم. لكن القوانين التي تصف ميكانيزمات العالم تؤكد عدم وجود هذا الفرق.

    تخبرنا الفيزياء أن كل الأشياء تتنقل في رحلات ترددية بين ماضيها ومستقبلها. الأجسام الساقطة مثلاً يمكنها الارتداد إلى الأعلى بعد السقوط. وحدها الحرارة لا تستطيع العودة إلى الماضي، فهي تذهب في اتجاه واحد فقط من جسم حار إلى آخر بارد وليس العكس.

    ثمة رابط وثيق بين الحرارة والزمن. ففي معادلات العالم الأساسية، لا يظهر سهم الزمن إلا حين توجد حرارة، ولا يظهر اختلافٌ بين الماضي والمستقبل إلا والحرارة مرتبطة بذلك الفرق بشكل ما.

    الفرق بين الماضي والمستقبل لا يوجد إلا في نظرنا المشوش للعالم. لو كنا نملك وصفاً مجهرياً للعالم لما كان من المنطقي أن يختلف الماضي عن المستقبل.

    أمن المحتمل إذاً أن تكون نظرتي السطحية لمرور الزمن عائدةً إلى عدم قدرتي على الإحاطة بكل التفاصيل الدقيقة للكون؟!

    أيمكن في حال تمكنا من رؤية الرقصة الحقيقية لملايين الجزيئات، أن يكون الماضي هو نفسه المستقبل؟!

    ربما كانت معرفتي أو جهلي بالماضي هي أيضاً ما أعرفه أو ما أجهله عن المستقبل.

    ما يحدث لملعقة باردة في كأس شاي ساخن لا يعتمد في جوهر الأمر على رؤيتنا الوصفية المشوشة لما يحدث. ما يحدث للملعقة يحدث بشكل معزول عن تصورنا المحدود. طريقتنا في وصف ما يحدث هي السبب في وجود فرق بين الماضي والمستقبل.

    لو امتلكنا الوعي الدقيق بالتفاصيل المجهرية لحالة العالم لتوقف الزمن عن الجريان.

    الفرق بين الماضي والمستقبل لا يكمن في قوانين الحركة وليس مستقراً في النحو العميق للطبيعة. إن الفرق منشئوه تلك الفوضى الطبيعية التي تخلق بشكل تدريجي أوضاعاً أقل نسقية وخصوصية.

    يبدو مقياس العشوائية والفوضى مرتفعاً فيما نسميه (المستقبل)، بينما ولسبب غامض، تبدو جزيئات ما نسميه (الماضي) منتظمة بشكل أكبر.

    (الآن) وهم شخصي. حين تكون مع امرأة وتنظر إلى حركة يدها تعتقد أنك تنظر (الآن) إلى يدها. والواقع إن حركة يدها حدثت في زمن ماض، وأن شعاع يدها احتاج إلى شيء من الوقت كي يصل إلى عينيك.

    حين تهاتفُ امرأةً على كوكب آخر، تظنُ أنك تستمتع إلى صوتها (الآن)، والحقيقة أن ما تستمع إليه (الآن) هو صوتها قبل سنوات.

    اللحظة التي نسميها (الآن) شيء غير موجود. التفكير بوجود (آن) وحيد يشبه محاولة وضع نوتة موسيقية فوق ميزان!

    السؤال عن (زمن حاضر) محدد للكل في هذا الكون سؤال يفتقد للمعنى. شيء يشبه سؤال طير مغرد عن راتبه الشهري!

    (حاضرنا) فقاعة محلية تحيط بنا وليست شيئاً يمتد ليغطي الكون.

    العالم يتكون من أحداث لا من أشياء. كل حدث له ماضٍ ومستقبل، بالإضافة إلى جزء كوني يقع خارج أقماع الماضي والمستقبل.

    حين ارتدى الإنسان الساعة تسرب الزمن من أيدي الملائكة إلى أيدي الرياضيين.

    الأشياء أحداثٌ تتحدث بصوتٍ مملٍ ورتيب.

    غياب الزمن لا يعني جمود الأشياء. إنه يعني أن ذلك الحدوث اللانهائي الذي يُبلي قماش العالم ليس مرتباً وفق خط زمني.

    العالم أعقد من أن يقبع حتى في أربعة أبعاد. العالم شبكة فوضوية وغير منتهية من أحداث متناهية الصغر.

    نحن في الواقع لا نصف العالم. نحن نَصفُ حدوثه.

    يشبه الكون نابولي أكثر من سنغافورة. أحداث العالم لا تصطف في طابور إنجليزي بل تتدافع بفوضوية كالطليان.

    الزمن لا يوجد إلا مندغماً بالمكان. نحن موجودون في قمع كوني هائل اسمه الزمان-المكان.

    العالم كميّ. وحتى الهلام المسمى (الزمكان) وصفٌ على وجه التقريب. ففي النحو البسيط للكون لا وجود لا للزمان ولا المكان. ما يوجد هو عمليات تحول مستمرة لكميات فيزيائية.

    لقد جردت الفيزياء الحديثة الزمن من وحدته وبوصلته وحاضره واستمراره. لكن كل الأشياء التي خسرها الزمن لا تلغي أن العالم هو التغير وأن الكون شبكة من الأحداث.

    النحو لم يعد كافياً لوصف الكون. المدرسة النحوية المثلى للتفكير في العالم ليست في الوجود بل في الوجود المتغير باستمرار.

    المعادلة الأكثر قرباً من جوهر العالم لا تتضمن عنصر (الزمن) بقدر ما ترسم علاقة أحداث العالم ببعضها البعض.

    إذا كان (الزمن) يعني (الحدوث) فإن كل موجود هو زمن، وهذا هو الشيء الوحيد الذي يتبقى من مفهوم الزمن.

    إذا كان الكون مكوناً من أشياء، فما هو جوهر الأشياء؟! هل هو الذرة التي اكتشفنا أنها مكونة من جسيمات أصغر؟ أم تلك الجسيمات التي اكتشفنا فيما بعد أنها ليست سوى اهتزازات عابرة لمجال كمي؟!
    أهي تلك المجالات الكمية التي تبين مؤخراً أنها ليست سوى شفرات للغة نتحدث بها عن التفاعلات والأحداث؟! نحن إذاً لا نملك الحديث عن عالم فيزيائي مصنوع من أشياء وكيانات. إنه ببساطة أمرٌ غير ممكن.

    الطريقة المثلى لفهم العالم تكمن في التفكير فيه كمجموعة من الحدوثات التي لا تدوم بل تخضع لتحولات مستمرة.

    الأشياء تتشبث بالزمن، بينما الأحداث عابرة. الحصاة مثلاً شيء بينما القبلة حدث. وفي حين أن من الممكن أن نسأل عن مكان وجود الحصاة في الغد، فإن من غير المنطقي أن نسأل عن مكان القبلة بعد نهار من حدوثها. هذا العالم مصنوعٌ من شبكة معقدة من القُبل لا الحصى.

    الحرب ليست شيئاً. إنها سلسلة من الأحداث. العاصفة ليست شيئاً. إنها مجموعة من الحدوثات. السحابة فوق الجبل ليست شيئاً. إنها تكثفٌ لهواء رطب تدفع به الريح فوق الجبل. العائلة ليست شيئاً. إنها مجموعة من العلاقات والحدوثات والمشاعر. والإنسان؟ بالطبع لا يختلف كثيراً عن سحابة عابرة فوق جبل.

    لسنا بحاجة إلى الزمن كي نصف الكون. ما نحتاجه حقاً هو كمياتٌ يمكن ملاحظتها وقياسها كعلامات مثل: طول الطريق، ارتفاع شجرة، حرارة الجبين، ضغطة يد على كتف، وألم الفقد.

    الزمن وليد هذه النظرة المشوشة الذي نرى بها الحياة. الزمن هو جهلنا العميق بالكون. الزمن هو الجهل.

    يشبه الكون جبلاً يتحول بالحركة البطيئة إلى فتات.

    لطالما دوّخ أرواحنا هذا الغموض الذي يلف الزمن. وبسبب هذا الألم والقلق الذي سببه لنا معنى الزمن أنكرنا أحياناً وجوده واخترعنا كلمة شاذة اسمها (الأبد)، متخيلين أنفسنا في ذلك العالم مكللين بآلهة وأرواح لا يطالها الموت.

    نحن مجرد قصص وروايات. الواقع تشكله الذاكرة، والذاكرة نتيجة غير مباشرة لفوضى العالم التي تترك خلفها آثارًا وحكايات.

    تمتد يد الفيزياء لتمسح الغبش الذي يحجب عنا رؤية الوجه الموضوعي للزمن. لكننا لا نلصق هذا الغبش بالبعد العاطفي للزمن، بل يبدو البعد العاطفي للزمن (بالنسبة لنا) هو ذاته الزمن.

    المكان -الذاكرة ممزوجاً بالتوقعات، هو مصدر فهمنا للزمن والذات. مزيجٌ هو مصدر هويتنا، وهو أيضاً مصدر الوجع.

    نتوق إلى اللا زمن. نقاوم مرور الوقت. نعاني من الزمن. إن الزمن هو الألم.

    ليس (البحث عن الزمن المفقود) سوى تسكع فوضوي طويل في المشابك العصبية لدماغ مارسيل بروست تسببت به رائحة كعكة المادلين. وإثر تلك الرائحة رأى بروست في طيات دماغه عوالم طفولة لا محدودة وحشوداً قديمة من النظرات والأسماء والروائح والألوان والتأملات والتفاصيل استغرق تدوينها أربعة آلاف صفحة. إن الزمن هناك (في الداخل) كما تشير لذلك لحظة (المادلين).

    الأغنية هي وعينا بالزمن. حين نستمع للكمان في (قدّاس) بيتهوفن نشعر أن صوت الكمان هو مصدر الزمن. إن الزمن هو الأغنية، وهو كذلك انتهاء الأغنية.

    أنا لست كتلة اللحم العابرة المستندة على الصوفا وهي تكتب عن الزمن. أنا الأفكار التي أكتب. أنا ملاطفات أمي وهدوء أبي وأسفار المراهقة وطبقات الكتب المترسبة في رأسي. أنا لحظات الحب والقنوط والوجوه المنقوشة في ذاكرتي. أنا الذي كتب قبل لحظة كلمة (ذاكرة). وفوق ذلك، أنا الشخص الذي أعد لنفسه قدحاً من الشاي قبل قليل. ولو اختفى كل هذا فهل سيكون لي (وجود)؟!

    نحن كائنات بطيئة. ولن يكون بمقدورنا بسبب هذا البطء استشعار الأزمان المتعددة المعقدة في ساعات الكون. لذا فإننا نعود في نهاية الأمر إلى التشبث بزمن واحد تصنعه خبرتنا الشخصية: زمن للولادة، وزمن للموت.

    خوف الحيوانات من الموت لحظيٌ وعابر. أما خوفنا العظيم من الموت فهو خطأ بيولوجي تطوريّ تسبب في منحنا فصوصاً أمامية متضخمة وقدرة مبالغاً فيها على قراءة الغد، مما جعلنا نرى الموت بشكل مستديم.

    نحن محكومون مبدئياً بالعطش للحياة. بالفضول. بقلق المكانة. بالجوع والحاجة إلى الإطراء والحب. لكن امتيازنا العقلي، لسوء الحظ، جعلنا ندرك أن ما نتعقبه ونظنه آثار طرائد وظباء ليس سوى سراب!

    تضخم أدمغتنا عبر الزمن قادنا للوصول إلى القمر واكتشاف ثقوب الكون السوداء ومعرفة أننا أبناء عمومة مع الخنافس. لكن العقل البشري لا زال يعاني من عدم قدرته على شرح نفسه لنفسه بوضوح.

    لقد فشلنا بسبب (النحو) في رؤية الحياة.

    أتوقف ولا أفعل شيئاً. لا شيء يحدث. لا أفكر بشيء. أصغي فقط إلى انسياب الوقت. هذا هو الزمن: مألوف وحميم.

    نحن الزمن. نحن هذه الفُرجة المفتوحة بخطى الذاكرة بين نهاياتنا العصبية. نحن الذاكرة. نحن الحنين. نشتاق طيلة الوقت إلى مستقبل لن يجيء.

    *كارلو روڤيلي كاتب إيطالي يعمل أستاذاً للفيزياء النظرية في مركز أبحاث الجاذبية الكمية بمرسيليا في فرنسا، ويعد أحد أهم علماء الفيزياء المعاصرين المهتمين بمفاهيم الزمن والمكان. تتميز كتاباته في الفيزياء بالشعرية وربط الفيزياء بالشعر والفنون. ترجم كتابه الأول (سبعة دروس في الفيزياء) إلى 41 لغة. صدر كتابه (ناموس الزمن) مترجماً للإنجليزية في عام 2018

    **المترجم: عبدالله حمدان الناصر.
    – شاعر ومترجم سعودي. دكتوراه الفلسفة من جامعة مانشستر بالمملكة المتحدة. صدر له مجموعة (جثث في ثياب الخروج) عن دار الفارابي-2012 ، وصدر له كتاب مترجم بعنوان (ملك الفجوات- شذرات فيرناندو بيسوا).

  • محمد محمد الشهاوي – قراءة فى بردية الأسرار


    من أنت يا طيفًا يجيء إليّ
    عبر جوانح الظُّلَم
    متسلقًا أسوار صمتى..
    يستلُّنى من غِمد صومعتي
    ويُركبنى بُراق الرحلة الكبرى؟
    من أنت يا طمْث الحضور ونطفة التكوين؟
    ها أنت تفتح فى دمائى قمقم التبيين
    ها أنت تطعمنى الإباء
    وكعكة الإصرار
    وتبثّنى بردية الأسرار
    ها أنت تطلق فى شراييني
    خيل الجموح عوالك اللّجُم
    من أنت يا طيفا يجيء إليّ
    عبر جوانح الظلم
    أوقفتنى فى أول الصف
    وملأتنى بالنور
    من بعد ما ضمَّختنى بالورد والكافور
    وأخذت من كَمّى لكيفي
    أوقفتنى فى العروة الوثقى
    وجعلتَ لى جبل المدى مَرْقَى
    أوقفتنى فى ساحة الإفضاء
    وأريتنى السر المخبأ
    أسريت بي
    حتى رأيت المنتهى والمنشأ
    وفتحت لى سِفْر الرموز ومعجم الدهشة
    وهمست فى أذنى: انطلق
    واصدع
    ونبّئ
    نبئ بما يُفضى إليك فأنت..
    مَن ليراعه بشئوننا نُفضي
    واصعد جبال البوح حين تعود للأرض
    إن قيل:
    مسكين
    فإن المجد لا يُشرى
    أو قيل:
    مجنون
    فنحن بحال من نختاره أدرى
    طوبى لعبد ينشر الخيرا
    ويموت مصلوبًا على حبل من الرفض
    طوبى لمن لم تثنه (حمّالة الحطب)
    وإذا تصدى للغواية
    يغتلى لهبًا يصب النار فى كفَّيْ (أبى لهب)
    طوبى لمن لم يعرف الراحه
    طوبى لمن لم يلقِ – رغم الغبن – ألواحه
    طوبى لمن لم يحن هام الحرف والقلم
    من أنت يا طيفًا يجيء إليَّ..
    عبر جوانح الظلم؟
    أوقفتنى والليل والأحلام والجمرا
    ومنحتنا صك الولاية بعد ما..
    أوصيتنا عشرا:
    لا تقربوا شجر الخيانة
    لا تخذلوا سيف الأمانة
    لا تركبوا للغىّ فُلكا
    لا تجعلوا للخوف سلطانا..
    عليكم -يا أحبائي- وملكا
    لا تقطعوا الأيام نوما
    لا تذعنوا لمشيئة الأهواء يوما
    لا تكتموا رأيًا وأنتم ألسُن الأمَّه
    لا تحسبوا الإغضاء حكمه
    لا تحجموا رغبًا ولا رهبا
    لا تهربوا إمَّا سواكم آثر الهربا

  • شتاءات تالفة  _ أحمد المالكي

    شتاءات تالفة _ أحمد المالكي

    غيمة أخرى
    تحاول أن
    تروض عطشي المتجعد
    ومن دون نهر
    جاء البلل على شكل بياض
    كامل اللذة

    غيمة أخرى
    بجوار الزرقة تحاول أن
    تتوغل في سكوني المدمر
    لن افشي بساتين الظمأ
    إلا بعد نشرة الهطول
    وقليل من الرشفة المعلقة

    غيمة أخرى
    تبدأ رحلة بياضها
    في سماء سمرتي ومن دون عزلة
    الكلمات المبللة ذاتها

    غيمة أخرى
    تأخذ شكل الكمانات
    وتمطر الرغبة بصوت المحار
    وسنفونية من شهوة البحر
    على بعد التماع الرمل

    غيمة أخرى
    ومن نافذة الجسد الحي
    تشع على العشب الميت
    ومثل اي تدلي يجيء
    من صوب ورق العنب الأبيض
    يترك الليقظة تتسكع
    مثل خرافات العناقيد العازفة

    غيمة أخرى
    تعلن عن زوال الفراغ
    بعد الهطول بشهوة …جثة

    غيمة أخرى
    خارج ليل المزهريات
    تحاول أن تذرع المسافة
    بين الماء والإناء
    ومن دون غبار الأسماء
    تأتي صفة الديمومة
    لتنام. …تنام …هادئة
    خارج الانفلات والذبول.

  • «ترك» – باميلا بينتر – ترجمة: راضي النماصي

    «ترك» – باميلا بينتر – ترجمة: راضي النماصي

    أقف على حافة غراند كانيون الجنوبية ريثما أصور جدرانًا صخرية جميلة متموجة تنتهي إلى أعماق مفزعة. لكن الآن وقت تسجيل الخروج تقريبًا في فندقي، وأريد أخذ حمامٍ بالمغطس واستخدام كل منظفاتهم، وهذه عادة كان يستهجنها زوجي السابق. حين يقترب زوجان شابان ويسألاني عما إذا كان بودي التقاط صورة لهما، أريد أن أقول بأنني.. لست مصورة المنتزه؛ وهذا الأمر يحدث معي في كل مكان – مرة في حديقة بوسطن قرب ضفاف نهر شارل. دائمًا عاشقان. – مع مثل هذين الزوجين ببنطاليهما القصيرين المليئين بالجيوب وحذائيهما المتينين من “كلاركس”. أترك كاميرتي الـ”نيكون” تتدلى من الشريط المزين بالخرز حول عنقي، وآخذ هاتفهما الذكي الباهظ متبعةً تعليماتهما. قال لي زوجي السابق مرة “لطالما كنتِ مستمعة جيدة، لكن عليكِ أن تتركي بعض الأشياء تمر في بعض الأحيان”. أصفّ الزوجين بخط مستقيم أمام الحافة الشمالية النائية وهي تتبدى على هيأة جدار برونزي مشع. أشير إليهم نحو اليمين قليلًا. ومثل توأمين ملتصقين بالردف، يتحركان ظانين أنني قد أكون مصوّرة جيدة. ثم أشير إليهما للخطو أمامي من أجل صورة أخرى. وبشكل غير متوقع، يجرجران خطاهما ثلاث خطوات إلى الخلف، ويختفيان مع أصوات خربشة وصرخات ضئيلة، ثم لا صوت إطلاقًا. أجول دائرةً ركضًا من أجل طلب المساعدة لكن ما من أحد على مد النظر. على اليدين والركبتين، أطل من وراء الحافة، لكنها تخفي الأرض بعيدًا في الأسفل. وكأنني أطمئن نفسي بأنهما كانا هنا ذات لحظة، أنظر إلى صورهما. ففي قصتين، هناك شابان متفائلان بابتسامات ضيقة العيون تحت شمس الصباح، ثم غبش. أقول لنفسي اهدئي. أضع الهاتف على مقعد خشبي من أجل أن يعثر عليه أحد. إنه الدليل الوحيد على أن ثلاثتنا كنّا هنا.

  • ميلينا بوسكيتس: مُقاومة الزمن_ كه يلان محمد

    يبدأُ الإدراك لدور الزمن وتأثيره على الرؤية وأفق التفكير عندما يخرجُ الإنسان من وهم المطلق، ويقتنعُ بفعلِ احتكاكه مع الظواهر الوجودية بمحدودية زمنهِ، وحتمية فنائه. أصبح السؤال عن الزمن ومقاومته ركناً أساسياً في الأطروحات الفلسفية بقدر ما شغلَ الأعمال الأدبية التي تكتسبُ الهموم الوجودية دوراً محورياً في سياقها. وبالطبع، فإنَّ أسلوب الأدب في مقاربةِ تلك المسائل مُغاير عن الآليات الشائعة في حقول معرفية أخرى. إنَّ الصراع مع الزمن حين يتحولُ إلى ثيمة روائية، يجبُ أن يتَخذُ شكلاً ملائماً لحيثيات التشكيلة السردية، إضافة إلى ضرورة وضوح الدافع وراء وجود الفكرة الأساسية التي ينهضُ عليها العملُ الروائي. أمر تبنتهُ الروائية الكتالونية ميلينا بوسكيتس (1972) في «هذا أيضاً سوف يمضي» (2015 ــ انتقلت أخيراً إلى العربية عن «دار مسكيلياني»، تونس ـ ترجمة نهى ابو عرقوب)

    تنطلقُ الرواية بصيغة مونولوجية تسحبُ الستار عن المحتوى النفسي لشخصية البطلة بلانكا التي تستغربُ بلوغها سنّ الأربعين وهي توقعت وضعية وجودها في مراحل عمرية متباينة كأنَّ تكون في الثلاثين تعيشُ حب حياتها مُحاطةً بالأبناء، أو محتفية بعيد ميلادها الستين وسط أحفادها. لكن حلقة الأربعين كانتْ غائبة في لوحة الخيال. ومع مضي السردِ يُفهم بأَنَّ هذه المناجاة تأتي مُتزامنةً مع موت الأُمِ وحضور الابنة في تشييعها وهي لا تدري كيف وصلت إلى القرية، وتستنكرُ شكل ملبسها البائس. وبهذا يتضحُ أنَّ الموت هو ما يستدعي التفكير في الزمن، مع التلميح إلى أنَّ المرأة التي غيبها المرضُ لم تكُنْ عادية. إلى جانب الموت وما يعنيه من نهاية، ينفتحُ هذا العمل على الحب والمرح والعلاقات الإنسانية المُتنوعة.
    لا تَكفُ الابنة عن مُخاطبة الأُم بعد غيابها. وأحياناً لا تُصدقُ بأنها توارت عن الأنظار إلى الأبد. تستذكرها وتعيدُ تركيب المواقف التي رافقت فيها الأمَ. يترددُ كلامها في المخيلة. تحتفظُ بكتبها وصندوق مُقتنياتها وبسترتها، ما يعني أنَّ رحيل الأم في حياة بلانكا أحدث فراغاً كبيراً. وما يُضاعف هذا الشعور أكثر أنَّ الأب أيضاً قد اختفى أثره في الحياة بعد إصابته بمرض السرطان بينما كانت هي طفلة صغيرةً. فوق هذا، تُعلن الراوية عدم قدرتها على قراءة الكتب لأنَّ طيف الأم ساكنٌ في طيات صفحاتها. كل ذلك يوحي بأنَّ بلانكا تماهت مع شخصية الأم المؤثرة التي بمجرد أن ترى ابنتها، تنفذُ إلى ما تعيشهُ من تحولات. إذ عرفت بأن صديقها أوسكار يرتادُ شقتها ومن ثُمَّ عندما تكون حاملاً، لا يخفى الأمر على الأُم. مُقابل هذه التجارب الصعبة، فإنَّ الحُب والعلاقات الحميمية هو وجه آخر لحياة بلانكا. فضلاً عن زواجها مرتين، هي تُقيمُ علاقة مع سانتي المتزوج الذي جابت برفقته برشلونة. وكلما استوحش مرض أمها، انغمست أكثر في علاقات حميمية. تتصفُ شخصية بلانكا بالمرحِ وحبُ الحياة وعدم التقيد بالتقاليد، وما أكسبها هذه الصفات هو النشوءُ متأثرة بسلوك الأمِ اليسارية. لذا تُفضلُ أن تمضي أياماً مُفعمة بالحيوية مع صوفيا وإليسا وبقية الأصدقاء، وتضربُ موعداً مع زوجيها السابقين مقترحةً على أوسكار بدء مرحلة جديدة. بعكس بلانكا، تبدوُ إليسا شخصية مُتمسكة بالتنظير وتسمعُ على لسانها تحليلات سياسية ونفسية. لكن ذلك لا يمنعها من الغيرة على صديقتها المُنفتحة خصوصاً عندما تجدها تتبادل القبل مع حبيبها داميان، ما يثير حساسيتها مبديةً رفضها لهذا التصرف. وإثر ذلك، تنقطع العلاقة بين الصديقتين. أما عن صوفيا، فهي تريدُ أن تلفت الاهتمام بالإشارة إلى موقعها الوظيفي. ومع أنَّ الرفاق يتقاسمون المكان، لكن طبائعهم وتطلعاتهم متباينة. يعيشُ كل واحد من هؤلاء في عالمه وتنفردُ بلانكا من بين الجميع بالتعبير عن شخصيتها المُتفاعلة والتكتم على ما تضجُ به أعماقها من حنين وشوق إلى الأمِ، وأنَّ كل الحب الذي يمنحها الأصدقاءُ وولداها لا يعوضُ غياب المرأة التي علمتها الكثير.
    تنفتح الرواية على الحب والمرح والعلاقات الإنسانية المُتنوعة
    تتسعُ الحلقة السردية لشخصيات أخرى منها الغريب الوسيم الذي تتواصل معه بلانكا في أحد المقاهي ويتعرف إلى سبب حضوره في يوم الجنازة، فكان والد مارتي صديقاً لأُمها وطاب للأخيرة الاستماع إلى صوته الجميل. عدا ذلك، تشاركُ ناتشو في حفل الرقص، إذ تلتقي بالأخير فيما هي تتجولُ في الشارع. هنا تومئ الراوية إلى ما يحملُ دلالة زمنية عندما تقولُ إن العالم ينقسمُ إلى أولئك الذين يجلسون على مقاعد الشوارع، ومن لا يجلسون على تلك المقاعد. ملمحُ آخر من الرواية هو عنصر الفكاهة والمرح الذي ينمُ عن رؤية البطلة من خلال الجمل والمواقف المحبوكة بالنص الروائي. تتعايشُ بلانكا مع ذكرى الأمُ وتقودها الخطى دون تخطيط مسبق إلى المقبرة. تبدأ بدق بابها منادية تلك المرأة التي لم يمرُ على رحليها إلا ثلاثون يوماً. من مكانها، تتخيل الأم مصحوبة بكلابها الثلاثة. قبل أن تصعدَ على متن القارب، تلتفت قائلةً لابنتها: هذا سوف يمضي. تمررُ الكاتبة حكمة صينية في نهاية الرواية توحي بأنَّ «الألم والحزن يمضيان كما البهجة والسعادة». يذكر هنا أنّ المؤلفة شرعت بكتابة هذا النص عقب رحيل أمها، ما يذكرنا بموقف إيزابيل الليندي التي كتبت أولاً بعد موت ابنتها عسى أن يكون في الكتابة استشفاءٌ من حسرة الموت.

    ……………………………..
    جريدة الأخبار / (ملحق كلمات)

  • رصد تحولات الزمن والإنسان في رواية “قلعة طاهر”_مهند الخيكاني

    صدرتْ هذه الرواية عن دار نينوى ، 2017 ، للناقد والروائي حسن السلمان ، بعدد صفحات لا يتجاوز 168ص . وكما أشار الكاتب على ظهر غلافها الخلفي ، إنها تعد وثيقة أنثروبولوجية ، حيث تسلط الضوء على الثقافة المعنوية لتلك الحقبة حقبة الاقطاعية ، ممثلةً بالتقاليد والأعراف والحكايا والمفاهيم السائدة في ذلك الوقت مدعومة بحوارات باللهجة العامية لتلك الحقبة ، مع تشخيص دقيق لتفاصيل الثقافة المادية أيضا ، ممثلةً بأسماء الثياب المستخدمة في ذلك الوقت ، وأواني الطبخ والأكل والشرب ووسائل النقل والنذور وغيرها ، وحتى نكون أكثر دقة ، تعتبر مادة الرواية مادة اثنولوجية ، تستند على تطبيقات اثنوغرافية والتي تعد فرعًا من فروع الأنثربولوجية .
    الرواية مكتوبة بطريقة رشيقة جدا وخفيفة العبارة ، لا يستغرق الكاتب فيها بالوصف ، ولا يشعر القارئ بنقص أو فراغ في موضع معين ، تبدو وكأنها محسوبة حسابًا دقيقًا ، لكنها رغم ذلك لا تُشعرك بتلك الحدة ، على الرغم من الافاضة في بعض المواضع عند الضرورة .
    أكثر ما شدني في هذه الرواية كطريقة كتابة ، أنها مكتوبة بعد دراسة وتأني ومتابعة وتدوين ملاحظات من خلال اطلاع الكاتب على تجارب روائية أخرى ، ومن ثم كتابته لهذه الرواية . هناك حذر جميل تشعر به أثناء القراءة ، حذر يميل الى الانطلاق والاندفاع ، لكنه لا ينسى مؤاخذاته التي يعرفها مسبقا والتي سقط فيها كتابٌ آخرون قرأنا لهم سابقًا ، خاصة ذلك الاسراف في اشباع مشهد أو موقف معين تمر به احدى الشخصيات ، فلا يوجد هناك جمل زائدة وعبارات فضفاضة ، تجعل القارئ يتيه عن خط سير الأحداث .
    تكون الروايات أكثر امتاعًا عندما تطلعك على عالم غريب لا تعرف عنه الكثير ، من مناخه وبيئته وأرضه وطبيعة نباتاته ، إلى أسماء المدن والأحياء وغيرها من التفاصيل ، وربما هذا أحد أسباب لجوء الكثير من الروائيين الى الاشتغال في حقب زمنية ماضية غير مكشوفة تمامًا ، حيث توجد عوالم كامنة تحتاج الى التنقيب ، وأيضا لإمكانية جعلها ذات قيمة معرفية تضيف الى القارئ ، وترفع من مستوى الأداء الجمالي وتوسّع حدوده ، ونلاحظ أن الكاتب اهتم بهذا التفصيل الذي يجعل الرواية اضافة معرفية ، من خلال طريقته الواضحة في احصاء وعدِّ مفردات البيئة .
    رواية « قلعة طاهر « في أغلبها تقوم من وجهة نظر العائلة الاقطاعية ، وقد حافظ الكاتب على نزاهته وعدم تدخله ، في تشويه أو تعظيم شخصيات هذه العائلة ، واكتفى بعرضها فقط ، إلا إن هذا العرض الذي امتد على طول صفحات الرواية ، كان يختص بحياة أفراد العائلة والمقربين منها وما يدور فيها ، وقد يشعر القارئ بشيء من التعاطف مع هذه العائلة ، كعادة القراء والجماهير عندما تضعهم أمام قصص حزينة ومؤلمة ، تتضمن الكثير من الانهيارات والتصدعات .
    وكثيرًا ماشاهدنا في عينات من أفلام أجنبية ومسلسلات ، كيف يحاول المحامون أو المحترفون في الجريمة قلب الرأي العام الى صالحهم من خلال التأثير العاطفي ، لكن ذلك لا يغير من كونهم مذنبين أولا ، وثانيا عندما يُقبل الكاتب على وصف حالة عاطفية خاصة الى درجة التأثير على القارئ وأحيانا اثارة عطفه ، تضع المتلقي أمام اختبار حقيقي لحدة تفكيره وادراكه ، مهما كانت المهيمنات العاطفية ، ذلك غير أنها تشير الى حيادية الكاتب في وصف مأساة هذه العائلة الاقطاعية ، بمعزل عن الرؤية الشائعة عن الاقطاع وظلمه، عندما يصوّر انهيار تلك الأبّهة والعظمة ، وصولا إلى حالات الذل والهوان ، وانكسار الشخصيات وحزنها المرير ، هذا كله يدور في اطار من الموضوعية والشفافية في نقل وتصوير وجهة نظر شخصيات هذه العائلة التي ترى في الأمر فجيعة .
    ومن ثم يجيء الوضع السياسي الذي أفادت منه هذه العائلة أيام الملكية ، ومن ثم أنقلب ضدها بعد سقوط الملكية وأدى الى زوالهم.
    لم يركز الكاتب كثيرًا على ثورة الفلاحين ، ولا على وصف حياتهم بعمق ، وأكتفى بأن أشار بلمحات سريعة وخفيفة ، خاصة عندما تخرج الشيخانية وهي والدة الشيخ طاهر الى القرية ، نجد هناك ما يصف الأطفال المتسخين ، والأرض الطينية ، والدعوات الكثيرة للشيخانية ، حتى تدخل بيوتهم ويتشرفون بوجودها … والخ
    وربما يكون سبب ذلك ، قناعة الكاتب بأن التلميح في عدة مواضع سيكون كافيًا لنقل الصورة ، وربما لأنه يرى في القارئ المحلي خاصةً والقارئ العربي عامةً ، قارئًا مطلعًا على معاناة الفلاح ولديه تصورات عن هذه الحياة ، ولا تحتاج الى الافاضة والتعمق ، لكنها بلاشك ستشكل عائقًا في حالة تعرضها للترجمة مثلاً ، حيث تختلف نوعية القارئ ومرجعياته باختلاف مكان الولادة والاقامة ، مع وجود فارق واختلاف بين الفلاح داخل الوطن العربي ، وفلاح ينتمي الى دولة غربية مثلا .
    أخيراً :
    نحتاج أن نقرأ النصوص الأدبية من وجهة نظر كاتبها ، وقناعاته ، وليس ضروريا دائما أن نحاكم النصوص ونملي عليها القناعات الشائعة والمتعارف عليها ، خاصة عندما تكون هذه الأفكار والتصورات الشائعة عن طرق الكتابة ، ضمن نطاق معرفة الكاتب نفسه ، أي أنه لم يقع في السهو والنسيان أو قلة الاطلاع ، وهذه اشارة الى أنه يرغب ب سحب القارئ الى منطقة تفكيره وطريقة كتابته ، وقناعاته المختلفة.

  • إرنست همنغواي – في بلاد أخرى (قصة قصيرة)

    إرنست همنغواي – في بلاد أخرى (قصة قصيرة)

    في بلاد أخرى (1927)

    ترجمة: موسى الحالول

    في الخريف ظلت الحرب قائمة كما كانت، لكننا لم نعد نذهب إليها. كان الخريف في ميلانو بارداً وكان الظلام يحل باكراً. كانت المصابيح الكهربائية تُنار، وكان النظر في نوافذ المحلات على الشارع أمراً ممتعاً. كانت واجهة المحلات تزدحم بالصيد البري، وكان الثلج يتسلل إلى فراء الثعالب، وكانت الريح تداعب أذيالها. كانت الغزلان تتدلى متخشبة، وثقيلة، وجوفاء، وكانت الطيور الصغيرة تتطاير في الريح وكانت الريح تُقَلَّب ريشاتها. كان خريفاً بارداً، وكانت الريح تنحدر من الجبال. كنا نجتمع كلنا في المستشفى عصر كل يوم، وكانت هناك طرق مختلفة للمجيء عبر المدينة إلى المستشفى ساعة الغسق.
    اثنتان من هذه الطرق كانتا بمحاذاة القناة، لكنهما طريقان طويلتان. لكنه لا مناص أبداً من عبور أحد الجسور على إحدى القنوات لدخول المستشفى. وعلى المرء أن يختار واحداً من بين ثلاثة جسور. على واحد من هذه كانت امرأة تبيع الكستناء المحمصة. كان الدفء يلفحك وأنت تقف أمام النار المنطلقة من موقدها الفحمي، وبعدها يلازمك هذا الدفء من خلال حبات الكستناء في جيبك. كان المستشفى قديماً جداً وجميلاً جداً، وكنت تدخل من بوابة، فتعبر باحة لتخرج من بوابة على الطرف الآخر. كانت الجنائز عادة ما تنطلق من الباحة. كانت تقوم خلف المستشفى مقصورات جديدة مبنية من القرميد، 
    وكنا نجتمع هناك عصر كل يوم، وكنا جميعاً في غاية اللباقة ومهتمين بما يجري حولنا، وكنا نجلس في تلك الآلات التي غيرت مجرى الأمور كثيرا.
    جاءني الطبيب وأنا أجلس في آلتي وقال، «ما هي هوايتك المفضلة قبل الحرب؟ هل كنت تمارس رياضة ما؟»
    قلت له، «نعم، كرة القدم.»
    «جيد،» قال. «وستستطيع أن تلعب كرة القدم مرة أخرى، وخيراً من أي وقت مضى.»
    لم أكن قادراً على ثني ركبتي، وكانت ساقي بلا ربلة وتتدلى بشكل مستقيم من ركبتي إلى كاحلي، وكان المفروض أن تقوم الآلة بثني الركبة وتحريكها كما في ركوب دراجة ذات ثلاث عجلات. لكنها لم تنثن بعد، بل كانت الآلة تترنح عندما نصل إلى نقطة الثني.

    قال الطبيب، «كل هذا سيزول. أنت شاب محظوظ. وستلعب كرة القدم مرة أخرى مثل الأبطال.»
    في الآلة التي تلي آلتي كان يقبع ضابط برتبة رائد، وكانت له يد صغيرة كأنها يد طفل. غمز لي بعينه عندما فحص الطبيب يده التي كانت معلقة بين حزامين جلديين كانا ينطان ويضربان أصابعه المتخشبة، وقال، «وهل سأتمكن أنا أيضاً من لعب كرة القدم، سيدي النقيب الطبيب؟» لقد كان مبارزاً عظيماً جداً، بل
    أعظم مبارز بالسيف في إيطاليا قبل الحرب.
    ذهب الطبيب إلى مكتبه في غرفة خلفية وأحضر صورة تظهر يداً كانت قد ذبلت فأصبحت بحجم يد الرائد تقريباً، وبعد أن أُ ْخضعت لدورة علاج بالآلة صارت أكبر قليلا من يد 
    الرائد. أمسك الرائد الصورة بيده السليمة وتأملها ملياً، ثم ُ سأل، «جرح؟.»
    «بل حادث في مصنع،» قال الطبيب.
    «رائع جداً، رائع جداً،» قال الرائد وأعاد الصورة إلى الطبيب.
    «عندك ثقة؟»
    «لا،» قال الرائد.
    كان ثلاثة شباب في مثل سني تقريباً يأتون يومياً. كانوا جميعاً من ميلانو، كان واحد منهم يريد أن يصبح محامياً، والثاني رساماً، والثالث جندياً، وكنا أحياناً، بعد انتهاء جلسات العلاج الآلي، نترافق معا إلى مقهى «الكهف» الذي كان بجانب الصالة. كنا نختصر الطريق بالمرور من الحي الشيوعي لأننا كنا أربعة. كان الناس يكرهوننا لأننا كنا ضباطاً، وكنا نسمع أحدهم ينادي من مقهى «يسقط الضباط»! ونحن نمر. كان شاب خامس يرافقنا أحياناً، وكان يضع على وجهه منديلا حريرياً أسود لأن أنفه قد جِدعت وكان وجهه بحاجة إلى ترميم. كان قد ذهب إلى الجبهة من الأكاديمية العسكرية، وجرح خلال ساعة من وصوله إلى خط الجبهة لأول مرة. رمموا وجهه، ولكنه كان سليل أسرة عريقة جداً، فلم يستطيعوا أن يعيدوا الأنف إلى ما كانت عليه تماماً. ذهب إلى أمريكا الجنوبية وعمل في أحد المصارف. لكن هذا كان منذ وقت طويل، ولم يكن أي منا يعلم كيف ستؤول الأمور بعد ذلك. كل ما كنا نعلمه أن الحرب ستظل قائمة، لكننا ما عدنا نذهب إليها.

    لقد نلنا جميعاً ذات الأوسمة، ما عدا الشاب صاحب الضمادة الحريرية السوداء على وجهه، حيث لم يطل مكثه في الجبهة ليستحق وساماً. كان الشاب الطويل ذو الوجه الشاحب جداً والطامح إلى سلك المحاماة ملازماً في سلاح المغاوير وحاز ثلاثة أوسمة من النوع الذي لم ننل منه سوى واحد. لقد عايش الموت زمناً طويلا، فأصبح منزوياً إلى حد ما. لقد كنا جميعاً منزوين إلى حد ما، ولم يكن هناك ما يجمع بيننا سوى لقائنا عصر كل يوم في المستشفى. بيد أننا كنا نشعر، ونحن نسير إلى مقهى «الكهف» عبر حارة «الزعران،» أو في الظلام، حيث الأنوار والأغاني تنطلق من المقاهي، أو عندما نضطر أحيانا إلى المشي في الشارع لأن حشوداً من الرجال والنساء وقفت لنا على الرصيف فلا نستطيع أن نشق طريقنا إلا بشق الأنفس، كنا نشعر أن شيئاً ما قد حدث، فربطنا برابطة لا يدرك كنهها هؤلاء الكارهون لنا.
    أما نحن فقد فهمنا «الكهف» حيث الترف، والدفء، والاعتدال في الإضاءة الساطعة، والضوضاء، والدخان الكثيف في بعض الأحيان، والفتيات اللواتي يطوفن بالطاولات على الدوام، والصحف المصورة المعلقة على مشبك في الجدار. كانت الفتيات في «الكهف» يتفجرن وطنية، ولقد وجدت أن أكثر الناس وطنية في إيطاليا هن فتيات المقاهي، وأعتقد أنهن ما زلن كذلك.
    كان الشبان في البداية لبقين جداً فيما يتعلق بأوسمتي، وكانوا يسألونني عما فعلته كي أستحقها. أخرجت لهم الأوراق، التي كانت مكتوبة بلغة جميلة جداً وتزدحم بعبارات «الأخوة» 
    و«الإيثار» بيد أنها، إذا ما حذفت النعوت، كانت في الحقيقة تقول إنني نلتها لأنني أمريكي. تغيرت نظرتهم بعد ذلك تجاهي، رغم أنني بقيت صديقاً لهم رغم الغرباء. بقيت صديقاً، لكنني في الحقيقة لم أكن واحداً منهم بعد أن قرأوا الإشادة ببطولاتي، حيث إن الأمر كان مختلفاً معهم، وقد قاموا بأمور مختلفة جداً عما قمت به لكي ينالوا أوسمتهم صحيح أنني جُرحت، لكننا جميعاً نعلم أن الجرح في الواقع ليس سوى حادث عَرضي.
    لم أخجل أبداً من شرائطي، بل كنت أحياناً أتخيل بعد انتهاء ساعة الكوكتيل أنني فعلت كل ما فعلوه لكي ينالوا أوسمتهم، لكنني عندما أعود ليلا إلى البيت عبر الشوارع المقفرة والمحلات المغلقة والريح الباردة تلفحني، وأنا ألازم السير تحت المصابيح، كنت أعلم في قرارة نفسي أنه ما كان في إمكاني قط أن أفعل
    مثل هذه الأشياء، وأنني كنت شديد الخشية من الموت، وكنت في أغلب الأحيان أستلقي في فراشي ليلا وحدي ومخاوف الموت تتناهبني وأتساءل عما ستؤول إليه حالي إن عدت إلى الجبهة مرة أخرى.
    كان الثلاثة أصحاب الأوسمة كالصقور الجارحة، ولم أكن صقراً، مع أنني قد أكون صقراً لأولئك الذين لم يعرفوا الصيد قط. كان الثلاثة أدرى بحالي، فافترقنا. لكنني بقيت صديقا للشاب الذي أصيب في يومه الأول في الجبهة، لأنه ليس في وسعه الآن أن يعرف إلام كانت ستؤول أموره، وبالتالي فإنهم سينبذونه أيضاً، كما أنني أحببته لأنني ظننت أنه لن ينقلب صقرا.

    لم يكن الرائد، المبارز العظيم سابقاً، يؤمن بالاستبسال، وقد أمضى جل وقته ونحن في الآلات يُصَوب حديثي من الناحية النحوية. كان قد أثنى على حديثي المُتَمكن بالإيطالية، وكنا نتحدث معا بيسر شديد. وفي يوم من الأيام قلت إن الإيطالية تبدو بالنسبة إلي لغة سهلة تجعلني لا أهتم بها كثيراً، فكل شيء فيها سهل قوله. «نعم،» قال الرائد. «لماذا، إذن لا تدرس النحو الإيطالي؟» وهكذا بدأنا دراسة النحو الإيطالي، فإذا بالإيطالية لغة عسيرة جعلتني أخشى الحديث إليه بها قبل أن أتمكن من قواعد النحو.
    كان الرائد يتردد على المستشفى بانتظام شديد. ولا أظن أنه فوت يوماً واحداً، مع أنني على يقين أنه لم يكن يؤمن بجدوى الآلات. في وقت من الأوقات لم يكن أحد منا يؤمن بجدوى الآلات، وفي يوم من الأيام قال الرائد إن الأمر برمته هراءٌ بهراء. كانت الآلات حينها جديدة، وكان علينا نحن أن نثبت جدواها. قال إنها فكرة غبية، ونظرية مثل كل النظريات. لم أتعلم القواعد، فقال عني إنني عار على البشرية وغبي لا يطاق،
    أما عن نفسه فقال إنه كان أحمق حين تورط في هذا الأمر. كان رجلا صغير الحجم، وكان يجلس بشكل مستقيم في كرسيه، واضعاً يده اليمنى في الآلة، وينظر أمامه إلى الجدار بينما الحزامان المحيطان بأصابع يده ينتفضان صعوداً وهبوطاً.
    «ماذا ستفعل عندما تنتهي الحرب، هذا إن انتهت؟» سألني، ثم أردف قائلاً: «تحدث بشكل نحوي صحيح.»!
    «سأعود إلى أمريكا.»

    «هل أنت متزوج؟.»
    «لا، ولكني آمل أن أتزوج.»
    «وهذا دليل ُ آخر على حمقك،» قال لي. بدا غاضباً جداً

    «على الرجل ألا يتزوج.»
    «لماذا، يا سيدي الرائد؟.»
    «لا تقل لي، سيدي الرائد.»
    «لماذا على الرجل ألا يتزوج؟»
    «لا يمكنه أن يتزوج. لا يمكنه أن يتزوج،» قال بغضب شديد.
    «إن كان يريد أن يخسر كل شيء، فعليه ألا يضع نفسه في مثل هذا الموضع. عليه ألا يجعل نفسه عرضة للخسارة. عليه أن يجد أشياء لا يمكنه أن يخسرها.»
    تحدث بغضب ومرارة شديدين، وكان ينظر أمامه وهو يتحدث.
    «ولماذا يخسرها بالضرورة؟.»
    «سيخسرها،» قال الرائد. كان ينظر إلى الجدار. ثم نظر إلى الآلة أمامه وانتزع يده الصغيرة من بين الحزامين، وخبطها بشدة على فخذه. «سيخسرها،» قال بصوت أشبه بالصراخ.
    «لا تجادلني»! ثم نادى على المسؤول عن تشغيل الآلات. «تعال وأطفئ هذه الآلة اللعينة.»
    توجه إلى الغرفة الأخرى من أجل العلاج الضوئي والتدليك. ثم سمعته يطلب إلى الطبيب أن يستخدم هاتفه وأغلق الباب.
    عندما عاد إلى الغرفة، كنت أجلس في آلة أخرى. كان يرتدي مئزره وقبعته، واتجه مباشرة نحو آلتي، ووضع ذراعه على كتفي.

    «أنا آسف جداً ّ ،» قال وهو يربت على كتفي بيده السليمة.

    «لم أقصد أن أسيء الأدب، لكن زوجتي ماتت لتوها. أرجو أن تسامحني.»
    «أوه،»… قلت وأنا أشعر بالغثيان من أجله. «بل أنا الذي يأسف جداً.»
    ظل واقفاً وهو يعض على شفته السفلى. «إنه أمر في غاية الصعوبة،» قال. «لا أستطيع أن أتقبل الأمر.»
    راح يسدد نظراته التي تجاوزتني إلى النافذة التي خلفي.
    ثم راح يبكي. «لا أستطيع أبداً أن أتقبل الأمر،» قال وهو يَغص
    بدموعه. هكذا تخطى الآلات وخرج من الباب باكياً، مرفوع الرأس، يحدق في الفراغ، ماشياً بخط مستقيم على شاكلة الجنود، يعض على شفتيه، والدموع تنهمر على خديه.
    قال لي الطبيب إن زوجة الرائد، التي كانت في ميعة الصبا ولم يتزوجها إلا بعدما أُخرج من ساحة القتال خروجاً لا عودة عنه، قد توفيت بداء ذات الرئة. لم يَطل مرضها إلا بضعة أيام. لم يتوقع أحد أنها ستموت. توقف الرائد عن المجيء إلى المستشفى لمدة ثلاثة أيام. بعد ذلك جاء في ميعاده، وهو يرتدي شريطاً أسود على ردن لباسه العسكري. عندما عاد، وجد صوراً كبيرة مؤطرة معلقة على الجدارتُ ظهر شتى أنواع الجروح قبل علاجها بالآلات وبعده.
    ٍ أمام الآلة التي يستخدمها الرائد كانت هناك ثلاث صور لأيد َكيَدِهِ، فتم ترميمها تماماً. لا أعرف من أين حصل عليها الطبيب. ما كنت أعرفه دوماً هو أننا أول من استخدم هذه الآلات. لم يأبه الرائد كثيراً للصور، لأنه كان يسدد نظراته خارج النافذة.

  • الحياة – ميسون كمال

    الحياة – ميسون كمال

    خلفَ المكانِ نسير
    مترعين بأوتارنا
    كؤوس تغوِّرُ مرايا
    وحقولٌ ترسمُ النظرة
    لأفلاذها..

    على شفيرِ الماء
    نُعلنُ الغرقَ في ثنايانا
    وقودًا للصمتِ..
    شجرةُ الضوءِ تحرثُ وقعها
    ورقٌ في طيفه يدورُ
    وأيادٍ ترفُلُ بالرقصِ المنيعِ
    دومًا سنبقى
    يلوذُ بنا صخبُ الجهات
    ويرمقُ نومَنا المعجون بالضحك
    ستعبر القوافل شظايانا
    ويحملنا موتنا إلى حتفه
    عروشًا للظلالِ النائية.

    ميسون كمال: شاعرة لبنانية، صدر لها ديوان ” مطر الأعماق” في بيروت عام ٢٠٠٩.

  • الكراهية التي تحرق كل شيء – فايا يونس

    الكراهية التي تحرق كل شيء – فايا يونس

    ‏سأكتبُ عن الكراهية،
    ‏التي تحملها لي أمي
    ‏في كل يوم،
    ‏فقط لأنها تمنّت كثيرًا
    ‏ألا أكون أنثى.
    ‏عن الكراهية التي كنت أشعر بها
    ‏تتجه نحوي في كل عين تراني.
    ‏عن ذلك الكلب الذي أردت إطعامه،
    ‏فنبح في وجهي،
    ‏عن الباب الذي طرقته مرارًا
    ‏ولم يفتح،
    ‏عن دعواتي الكثيرة
    ‏التي أرسلتها للسماء،
    ‏ولم تستجب.
    ‏عن ذلك الحلم
    ‏الذي ركضت إليه
    ‏طويلاً طويلاً..
    ‏ولم أصل.

    ‏سأكتب عن الكراهية،
    ‏التي تنتشر مثل ألسنة النار
    ‏لتحرق كل شيء،
    ‏عن أصدقائي
    ‏الذين ظننتهم أصدقائي،
    ‏عن كاتبي المفضل،
    ‏الذي يكره نصوصي،
    ‏عن الشخص الذي أحببته ولم يفعل،
    ‏عن رفض أي دواء
    ‏في التخفيف من آلامي،
    ‏عن الكتابة التي لا تهبني نفسها
    ‏إلا ركيكة.
    ‏ولكنني رغم كل هذه الكراهية
    ‏التي تحاصرني،
    ‏أنامُ مطمئنة،
    ‏لأنني أعرف تماماً
    ‏أن لا أحد يمكنه
    ‏أن يكرهني..
    ‏أكثر مما أفعل.

  • شذرات: سيوران

    شذرات: سيوران

    أنا أستقيل من الإنسانية. لم أعد أريد أن أكون، و لم أعد قادرا على أن أكون إنسانا. ماذا سأفعل؟ أخدم الأنظمة الاجتماعية و السياسية؟ أسود حياة امرأة؟ أتصيد نقاط الضعف في النظم الفلسفية، أناضل من أجل القيم الأخلاقية والجمالية؟ كل ذلك هراء. أنبذ إنسانيتي، حتى و إن كنت سأجد نفسي وحيدًا. و لكن أنا وحيد على كل حال في هذا العالم الذي لم أعد أنتظر منه أي شيء.

    .

    مهما يكن مؤلماً عذابي، مهما تكن شاسعة وحدتي، المسافة التي تفصلني عن العالم لا تفعل شيئاً سوى أن تجعله متاحاً أكثر. بالإضافة إلى أنني لا أستطيع أن أعثر فيه لا على معنى موضوعي أو غيبي، الوجود على تعدد أشكاله لم يكف أبداً عن أن يكون مصدراً لكل من الحُزن والسرور. أحياناً جمال زهرة يكون كافٍ ليبرر في عيني مبدأ غائية الكون,بينما في الأشياء أخرى أصغر غيمة تعكر صفو السماء، تشعل من جديد تشاؤمي القاتم. هؤلاء الذين يتعمقون بإفراط يكتشفون المعاني الرمزية في أتفه مظاهر الطبيعة.

    .

    هل يعقل أنني أحمل بداخلي كل الذي رأيته في حياتي؟ إنه لأمر مُروع حين نفكر في أنَ كل تلك المناظر,الكتب,الأهوال والإشراقات قد كدست في عقل واحد. أشعر كما لو أنها نُقلت إلي كوقائع وأنها تثقل كاهلي. أحياناً أشعر بأني تخطيتها وأفضل أن أنساها كلها. الإستبطان يقود إلى إنهيار داخلي لأن العالم يخترقك ويسحقك بثقله الطاغي,فهل من المستغرب أذن أن يلجئ البعض إلى أي شيء-من الابتذال إلى الفن-في محاولتهم للنسيان؟

    .

    كنتُ في السابعة عشر، وآمنتُ بالفلسفة. وكل ما كان لا يمتُ إليها بصلةٍ بدا لي إما خطيئةً أو حِطة: الشعراء؟ مشعوذون لا يصلحون سوى لإبهار امرأة ساذجة؛ الأفعال؟ حماقاتٌ بدافع من الهذيان؛ الحبّ، الموت؟ أعذارٌ منحطةٌ للتملصِ من شرفِ المفاهيم. روائحٌ كريهة لكونٍ لا تليقُ به روائحُ العقل . . . المحسوس؟ يا له من قذارة! البهجة والمعاناة، يا لهما من عار! وحدهُ التجريدُ بدا نابضًا بالحياة: وضعتُ نفسي في خدمةِ مآثر مُتعالية لئلا تجعلني مواضيع أكثر نبلا أنحرف عن مبادئي وأستسلمَ لانحطاطِ القلب. قلتُ لنفسي مرارًا وتكرارًا: وحدها دار الدعارة متوافقة مع الميتافيزيقا، واتجهت – هربًا من الشعر- إلى عيون الخادمات، إلى غنج العاهرات.

    .

    نحن جميعًا وقوف في نقطة العطالة، وقد تساوينا في السقوط في تلك السذاجة التي يتشكل فيها الهذيان حول المستقبل. مع طول المدّة تصبح الحباة خانقة بدون يوتوبيا، على الأقل بالنسبة إلى الجموع، ولا بدّ للعالم من هذيان جديد كي لا يتحجر. تلك هي البداهة الوحيدة التي نخرج بها من تحليل الحاضر. في انتظار ذلك نظلّ نحن هنا في وضع لا يخلو من غرابة. تخيل مجتمعًا مزدحمًا بالشكوك، حيث لا أحد يؤمن تمامًا بأي شيء باستثناء بعض التائهين، وحيث يدّعي الجميع وقد خلوا من أي معتقد أو يقين، الانتساب إلى الحرية، دون أن يحترم أي منهم شكل الحكم الذي يدافع عنها ويجسدها. إنها مُثُلٌ دون مضمون، أو لنقل كي نستعمل عبارة لا تقل خلطًا، أساطير دون ماهية. أنت تشعر بالخيبة أمام وعود ما كان لها أن تُنجز، أما نحن فنشعر بالخيبة لغياب الوعود أصلا.
    .
    .
    .
    لا نجد في المفهوم ولا في النشوة أية فعالية. عندما تلقينا في الموسيقى صميم الوجود، نعود سريعا إلى السطح: تتبعثر بقايا الوهم وتقر معرفتنا ببطلانها. الأشياء التي نلمسها والأشياء التي نرصدها مشكوك فيها بنفس مقدار الشك بحواسنا وبمنطقنا، نحن متأكدون فقط من كوننا الكلامي الخاص، الخاضع لإرادتنا—الغير فعلي. الوجود صامت والعقل ثرثار. هذا ما يسمى “فهما”.
    .
    .
    .
    محرك جميع أعمالنا يمكن في تلك الحاجة لإجلال نفوسنا باعتبارها مركز الكون ومحركه، نهاية التاريخ. ردود أفعالنا وطريقة استجابتنا لكبريائنا، تحول الكوكب إلى جزء لا يتجزأ من جسدنا ومن وعينا بما نحن عليه. لو كان لدينا الوعي الصحيح بمكانتنا في العالم، لو وعيناها دون فصلها عن مجمل الحياة ككل؛ فإن انكشافَ حضورنا التافه كفيلٌ بسحقنا. لكن أن نعيش يعني أن نعمي عيوننا على أبعاد وجودنا. فلو أن جميع أفعالنا من التنفس إلى تأسيس الإمبراطوريات أو النُظم الميتافيزقية، لو أنها لم تنطلق من وهم عظمتنا وأهميتنا، ومن باب أولى، من غريزة النبوءة، من كان ليتقدم برؤية شاملة مستمدة من بطلانه، من كان ليتقدم ليكون مؤثراً، وليجعل من نفسه مُخلصاً؟

    .

    .

    .

    الشيطان نفسه يتضائل أمام إنسان يملك حقيقة، حقيقته الخاصة. نحن غير منصفين تجاه نيرون وطيباريوس : لم يكونوا هم من اخترع مفهوم الهرطقة، لقد كانوا مجرد حالمين منحطين تسلوا بالمذابح. المجرمون الحقيقيون هم الذين أسسوا الأرثدوكسية على المستويين الديني و السياسي، إنهم الرجال الذين بزغ نجمهم بين المؤمنين والمنشقين.

    .

    .

    .

    هناك نوعان من العقل: النهاري والليلي. لا يتشابهان في النوعية ولا في الأخلاقية. تراقب نفسك في وضح النهار وتجود بما لديك ليلاً. النجعاعة أو العواقب الفظة تهم قليلاً الرجل الذي يُسائل نفسه عندما يكون الآخرون فريسة للنوم، وعليه فهو يتأمل بناء على الحظ السيئ لكونه قد ولد، دون مبالاة بأي أذى يمكن أن يسببه للآخرين أو لنفسه. بعد منتصف الليل يبدأ سُكر الحقائق المدمرة.

    .

    .

    .

    خطيئة الطبيعة الكبرى هي في أنها لم تحصر نفسها في مملكة واحدة: جنباً إلى جنب مع الخضراوات وكل ما يبدو تائهاً في غير محله. كان على الشمس أن تستاء منذ ظهور أول حشرة، وأن تقضي علي كل شيء في آن واحد مع مجيء الشامبانزي.

    .

    .

    .

    أسأل نفسي لماذا يعاني بعض البشر فقط! لماذا هناك قلة مختارة من بين جموع البشر لتعاني وتعلق على رف المعاناة! تقترح بعض الأديان أن الله يختبرنا من خلال المعاناة، أو أننا نُكَفر من خلالها عن شرورنا ولا إيماننا! إذا كان مثل هذا التفسير يرضى الإنسان المتدين، فأنه غير كافٍ بالنسبة لأي شخص يلاحظ ظلم وتعسفية المعاناة، وأن الأبرياء هم أكثر من يعانون، ليس هناك أي تبرير مقبول للمعاناة!

    .

    .

    .

    أبدأ بكتابة رسالة مراراً وتكراراً، ولا أصل إلى أي شيء: ماذا أقول وكيف أقوله؟ ولا أعود أذكر حتى لمن كنت أكتب. وحدها العاطفة الحميمة أو كسب النقود تجعلك تجد النبرة المُناسبة. لسوء الحظ الانفصال لامبال باللغة، مُتبلد مع الكلمات. حالما نفقد الاحتكاك بالكلمات؛ نفقد القدرة على التواصل مع الكائنات البشرية.

    .

    .

    .

    في تلك الأيام عندما جلست طوال شهر على دراجة هوائية أتنزه حول فرنسا، مُتعتي الكبرى كانت في أن أتوقف في منطقة مَقابر، ,في التمدد بين قبرين، والتدخين لأربع ساعات -في النهاية – أظن أن تلك الأيام كانت الفترة الأكثر نشاطاً في حياتي.

    .

    .

    .

    إذا كانت الحياة تحتل المركز الأول في سُلم الأكاذيب؛ فالحب يأتي بعدها مُباشرة. كذبة داخل كذبة هي التعبيرعن موقفنا الهجين. الحب محاط بأدوات غبطى وتعذيب تعود إلى ما نجده في أحدهم كبديل لأنفسنا، لكن يالها من خدعة تُحول عيوننا بعيداً عن العزلة! هل هناك أي خيبة أكثر إذلالاً للعقل؟ الحب مُسكن مؤقت للمعرفة. اليقظة والمعرفة تفتلان الحب. اللاواقعية لايمكنها أن تنصر إلى ما لانهاية، حتى بتقنيع المظاهر لأكبر كذبة تمجيداً. علاوة على ذلك من الذي لديه أوهام صلبة بما يكفي ليرى في الآخر ما لم يره عبثاً في نفسه؟ أيعقل أن نجد في تنور من الأحشاء ما لم نجده في الكون؟!

    .

    .

    .

    لا أستوعب لماذا علينا أن نقوم بأعمال في هذا العالم؟ لماذا علينا أن نحظى بأصدقاء وتطلعات وأحلام وآمال؟ ألا يكون من الأحسن أن ننسحب إلى زاوية بعيدة عنه، حيث يكف إزعاجه وتعقيداته عن الوصول إلينا؟ عندها يمكننا اعتزال الثقافة والطموح، سنخسر كل شيئ ونحظى بلا شيئ .ما الذي يمكن كسبه من هذا العالم؟ هناك أشخاص لا يكترثون بالتحصيل، فاقدو الأمل وتُعساء ووحديين. نحنُ قربيون جدأً من بعضنا بعضا! ولحد الآن لم ننفتح بالكامل على بعضنا، نَقرأ في أعماق أرواحنا، كم مصير من مصائرنا يمكن رؤيته
    ؟ نحن وحيدون في الحياة إلى حد أننا لا بد من أن نسأل أنفسنا – أليست وحدة الإحتضار هي رمز الوجود البشري؟! هل يمكن أن يكون هناك خلاصة في اللحظة الأخيرة؟ القابلية للعيش والموت ضمن المجتمع علامة على نَقيصة عظيمة، إنه لأفضل ألف مرة أن تموت وحيداً ومهجوراً في مكان ما حيث يمكنك الموت دون ميلودراما المواقف -لا يراك أحد-. أحتقر البشر الذين يتمالكون أنفسهم على فِراش الموت ويتصنعون أوضاعاً تترك إنطباعات. لا تكون الدموع حارقة إلا في خلوة العزلة، هؤلاء الذين يطلبون أن يحاطوا بالأصدقاء وهم يحتضرون، عاجزون عن عيش لحظاتهم الأخيرة مع أنفسهم، يريدون نِسيان الموت في لحظة الموت! يفتقرون إلى الشجاعة اللانهائية. لمَ لا يقفلون الباب ويقاسون تلك الأحاسيس المُغيظة بضفاء وخوف يتجاوز كل الحدود؟! نحن معزولون عن كل شيئ! لكن أليس كل الأشياء بعيدة عنا بالتساوي؟ الموت الطبيعي والأعمق هوالموت في العزلة، عندما يصبح حتى الضوء مبدئاً للموت. في لحظات كهذه نكون مفصولين عن الحياة،عن الحب،الأصدقاء، وحتى عن الموت! وستسأل نفسك هل هناك شيئ وراء لا شيئية العالم وخلف لاشيئك الخاص.

    .

    .

    .

    أشعر بأني سأنفجر بسبب كل ما تقدمه لي الحياة..من إحتمالات الموت…أشعر بأني أموت من الوحدة، من الحب،من اليأس، من البُغض، من كل ما يهبه لي هذا العالم. ومع تجربة كل يوم أتضخم كبالون يُنفخ بأكثر مما يحتمل، والتفاقم الأشد ترويعاً ينفجر في الفراغ. تنمو بالداخل، تتوسع بجنون حتى تختفي جميع الحدود، تبلغ حافة النور حيث النور مسروق بواسطة الليل، وعند هذه الكثافة وكما في إعصار وحشي تُرمى رأساً في اللاشيئ. تلد الحياة كل من الخصوية والخواء،الغزارة والكساد. ما نحن عندما نواجه إعصار داخلي يبتلعنا داخل العبث؟ أشعر بأن حياتي تُسحق بداخلي من الحِدة الزائدة، من اختلال التوازن المُبالغ فيه. إنها متل إنفجار لا يمكن احتوائه، والذي يلقي بك في الهواء مع كل الأشياء. على حافة الحياة لا تعود تِشعر بأنك سيد الحياة التي بداخلك، أن الذاتية وهم، وأن القوى المُتعذر ضَبتها تَغلي بداخلك . تتطور دون أي علاقة بالتحديد،أو مركز الشخصية، أوالإيقاع الفردي، على حافة الحياة كل شيئ مُناسبة للموت. يقتلك كل ما هو موجود وكل ما لم يوجد.كل تجربة في هذه الحالة هي قفزة في اللاشيئ، عندما تكون قد عِشت كل شيئ قدمته لك الحياة في نوبة من الحِدة الخارقة؛ تكون قد بلغت تلك المرحلة حيث لا تعود قادراً على اختبار أي شيئ؛ لأنه لم يتبق شيئ. وحتى إذا لم تكن قد استنفذت جميع إمكانيات هذه التجارب، يكفي أن تكون قد عشت واحدة جوهرية لأقصى حدودها، وعندما تَشعر بأنك تموت من الوحدة ، اليأس، وحتى الحب..كل ما كنت قد مررت به ينضم إلى موكب الحزن الذي لاينتهي.

    .

    .

    .

    الشعور بأنك لا تستطيع البقاء على قيد الحياة، يشبه إعصارًا ينشأ جراء الدخول في مستوى من النقاوة الداخلية. يشتعل لظى الحياة في فُرن مغلق حيث الحرارة لا يمكنها الهروب.هؤلاء الذين يعيشون في مستوى ظاهري أمنون من هذه الأخطار ، لكن هل لديهم شيئ لينقذوه في حين أنهم ليسوا واعيين بأي خطر؟ جيشان التجربة الباطنية يقودك إلى منطقة حيثُ الخطر مُطلق-لأنه وحدها الحياة الواعية بنفسها والتي تُثبت جذورها بالتجربة قادرة على إنكار نفسها. الحياة جد محدودة ومُتشظية كي تتحمل الضغط والتوتر الهائل.. ألم يَشعر جميع الصوفيين بأنهم سيموتون بعد حالات النشوة القوية؟ ما الذي يمكن أن ينتظره من هذا العالم هؤلاء الذين يدركون ويستشعرون أبعد من الحدود العادية؟ الطعام؟ الوحدة، اليأس، الموت؟!

    .

    .

    .

    من لا يفهمون التعبيرات ذات الطابع الكوني ، يرون -حسب تأويلاتهم السوقية- الغنائية ثانوية ووضيغة ونتاجا للاضرابات العقلية، هذه الطريقة أو الرؤية، تَفشل في ملاحظة شاعرية المصادر للذاتية، والتي تُظهر عمقا وغنا جوانيين. هناك أشخاص يصبحون شاعريين فقط في لحظات مصيرية من حياتهم، البعض فقط عبر مخاض الموت،عندما يظهر ماضيهم كله أمامهم فجأة ويضربهم كشلال. والبعض يصبحون شاعريين بعد تجارب مُحرجة وحاسمة، عندما يصل الاضطراب داخلهم إلى الذروة،هؤلاء الأشحاص الميالون طبيعياً إلى الذاتية أو اللاشخصية،الغرباء سواء بالنسبة لأنفسهم أو الواقع،عندما يخطفهم الحب يختبرون مشاعر تُحفز جميع مصادرهم الداخلية. حقيقة أن الجميع تقريبا يكتبون الشِعر عندما يعشقون، من شأنها اثبات أن مصادر التفكير -الأفهومي/التجريدي ضعيفة أمام التعبير عن اللا محدودية الداخلية، أن الميوعة وأدوات التعبير اللاعقلانية وحدها قادرة على أن تمنح الغنائية تجسيدا ملائما. تجربة المعاناة حالة مشابهة جدا؛ إذ لطلما كنت غافلا عن المطروح المخفي في داخلك والعالم ، كنت تعيش مُقتنعاً ومكتفياً بالأشياء الظاهرة، عندما فجأة تجد مشاعر المعاناة هذه والتي كانت ثانوية لديك حتى على الموت نفسه تتولى زمام ـمورك وتنقلك إلى منطقة من التعقيدات اللانهائية تؤدي بذاتيتك إلى اضطراب هائل. أن تكون شاعرياً من المعاناة يعني أن تُحقق الطهارة الداخلية، حيث تكف الجروح عن أن تكون جوهر وجودك فحسب، شاعرية المُعاناة هي أنشودة الدم واللحم والأعصاب. المعاناة الحقيقية تَكمن في المرض، تقريباً كل الأمراض لديها فضائل شاعرية، لكن فقط أولئك الذين يتجمدون في لا حساسية مُخزية يبقون سُجناء الألم، ويضيعون فرصة تعميق الشخصية التي يجلبها. لا يصبح المرء شاعرياً إلا بعدَ محنة عضوية شاملة. الشاعرية بالمصادفة تحمل في مصادرها عوامل سطحية تختفي باختفائها. ليس هناك شاعرية أصيلة دون بذرة جنون داخلي.

    .

    .

    .

    لماذا لا نستطيع البقاء مُغلقين داخل أنفسنا؟ لماذا نلهث خلف التعابير والقوالب، محاولين إفراغ نفوسنا من المضامين و “المعاني”، مُستميتين في محاولة تنظيم ما هو اصلاً شقي ومُساق بالفوضى!؛ ألا يكون ببساطة أكثر إبداعاً أن نستسلم لتدفقنا الداخلي بدون نية تجسيده؟ أن نتمرغ بشهوانية وحميمية في صراعنا واهتياجنا الداخلي! عندها سنستشعر بكثافة أغنى،وتفتح التجربة الروحية فينا ، سنتسجم كل الرؤى والتجارب وتشرق في خصوبة الفوران، يولد إحساس بالواقعية والبهجة الروحية كأنه إشراقة موجة في مقطع موسيقي. أن نمتلئ بأنفسنا بالكامل، ليس بدافع الكبرياء، وإنما للإثراء والخصوبة الداخلية. أن تتعذب بحس من لا محدوديتك الداخلية؛ يعني أن تعيش بحماسة مُفرطة، حتى تشعر بأنك ستموت من الحياة. شعور كهذا نادر جداً وغريب حد أننا لا نعيشه دون صراخ، أشعر بأني سأموت من الحياة، وأسأل نفسي هل من المنطقي أن أبحث عن توضيح؟! عندما يتذبذب ماضيك الروحي كله بداخلك مصحوبا بقلق كاسح، عندما يّبعث شعور بالحضور التام تجاربا مقبورة وتفقد إيقاعك الحيوي؛ عندها ومن على قمم الحياة يقبض عليك الموت، لكن دون الخوف الطبيعي المُصاحب له عادةً. إنه شعور مماثل لشعور العُشاق على قمم السعادة، حين يلح عليهم هاجس الموت بصورة عابرة لكن ملحة، أو حين يترصد هاجس الخيانة براعم حبهم.

    .

    .

    .

    مَلعون إلى الأبد ذلك النجم الذي ولدتُ في ظِله،لو أن لا سماء تأويه متروكاً ليسحق في الفضاء كغبار دون شرف…تاركاً تلك اللحظة الغادرة التي ألقت بي بين الكائنات، تُشطب من قوائم الزمن، إلى الأبد.

    .

    .

    .

    نبدأ مُعتقدين أننا نتقدم تِجاه النور،ثم ننتهي مُنهكين من البحث بلا هدف. نفقد طريقنا والأرض تصير أقل ثم أقل ثباتاً حتى لا تعود تسندنا،تَنشقُ تحت أقدامنا.نحن الذين عشقنا القمم ذات يوم وخيبت ظنوننا. ينتهي بنا الحال في مغازلة السقوط، نستعجل تلبية نداءه.

    .

    .

    .

    تعمق الحُب: أهناك إندفاع اكثر نبلا- مسرة أقل اشتباها، تزاحم إختلاجة الموسيقى وتنافسها في تفردها ودموع غبطتها وسموها.. إلا أن بهاءها المتصل بالجهاز البولي يجعلها مرتبطة بعملية القذف، بفردوس الغدد المستفرغ عبر الخروم. تحتاج إلى أقل من لحظة انتباه إلى هذا التلوث، ليعيد توجيهك (منتفضا) – إلى لوثة وظائف الأعضاء، أو إلى لحظة تعب، لتدرك أن الكثير من اللهفة والجهد أنتج ضربا من المُخاط!

    .

    .

    .

    أعتقدتُ أن العمل الوحيد الذي يمكن للمرء القيام به دون شعور بالخزي، هو أن يُنهي حياته، أنه لا يملك الحق في تَقليص نفسه في تعاقبية الأيام وعطالة الشقاء, لا خيار – استمريت في القول لنفسي، لكن هؤلاء الذين اقترفوا الانتحار، عاجزون في الحياة كما في الموت. أمقُت نفسي وفي هذا المقت أحلم بحياة أخرى .. بموت آخر. وبالنسبة لمساعي أن أكون حكيماُ وهو ما لم أكنه أبداً- أنا فقط إنسان مجنون مُحاط بالجنون!

    .

    .

    .

    عندما يفقد إنسان ملكة الامبالاة يصبح قاتلا مُحتملا.عندما يحول فكرته إلى إله تصبح العواقب لايمكن التنبؤ بها. المؤمن الحقيقي بالكاد يُفَرق عن المجنون، لكن جنونه قانوني-مشكور- سوف ينتهي به الأمر في مَصحة إذا كانت إنحرافاته مُدعمة بأيمان نقي، لكن الإله يدعمهم هؤلاء ويشرعهم. المتعصب غيرقابل للرشوة، إنه يقتل لفكرة ويعرض نفسه للقتل من جهة أخرى، إما طاغية أو شهيد- إنه وحش- لايوجد كائن بشري أكثر خطراً من هؤلاء الذين عانوا من أجل مُعتقد: أعظم المُضطهدين مُجندون ضِمن الشهد ءالذين لم تُقطع رؤوسهم بعد.

  • الزمن المرن – كارلو روفيلي

    الزمن المرن – كارلو روفيلي

    أتوقف ولا أفعل شيئا. لا شيء يحدث. أفكر في لا شيء. أنصت إلى مرور الزمن. هذا هو الزمن، مألوف وحميمي. مستولٍ علينا. تسارع الثواني والساعات والسنين يرمي بنا باتجاه الحياة ثم يجرُّنا جرًّا إلى اللاشيء … نسكن الزمن مثلما يسكن السمك الماء. كينونتنا كينونة في الزمن. موسيقاه الجليلة غذاء لنا، تفتح أمامنا العالم، تؤرِّقنا، وتفزعنا، وتهدهدنا. يتكشّف الكون عن المستقبل، مجرورا بفعل الزمن، ويوجد وفقا لنظام الزمن. فأي شيء يمكن أن يكون أكثر إطلاقا ووضوحا من هذا السريان؟
    الواقع في كثير من الحالات يكون شديد الاختلاف عما يبدو عليه. فالأرض تبدو مسطحة لكنها في الحقيقة كروية. تبدو الشمس وكأنها تدور في السماء في حين أن من يدورون في الحقيقة هم نحن. ولا الزمن أيضا في حقيقته هو ما يبدو عليه.
    لنبدأ بحقيقة بسيطة: الزمن يمر في الجبال أسرع مما يمر في مستوى سطح البحر. صحيح أن الفارق ضئيل لكن من الممكن قياسه بساعات دقيقة يمكن شراؤها اليوم ببضع آلاف من الجنيهات. يمكن التحقق من هذا الإبطاء بين المستويات على بعد مجرد سنتيمترات قليلة: فالساعة الموضوعة على الأرض تتحرك ببطء أقل قليلا من ساعة موضوعة على منضدة.
    ولا يقتصر الإبطاء على الساعات: فكلما انخفضنا، تباطأت جميع العمليات. صديقان يفترقان، فيعيش أحدهما في السهل ويذهب الآخر ليعيش في الجبال. يلتقيان من جديد بعد سنين: فمن أقام منهما في السهل عاش أقل، وكبر أقل، وصياح الديك في ساعته كان أقل. كان الوقت المتاح له أقل، نباتاته نمت أقل، أفكاره أتيح لها كي تتكشف وقت أقل … ببساطة، الوقت المتاح في المنخفضات أقل منه في المرتفعات.
    فهم أينشتين هذا الإبطاء في الوقت عند المستويات المنخفضة قبل قرن من امتلاكنا الساعات ذات الدقة اللازمة لقياسه. تخيلَ أن الشمس والأرض عدّلتا المكان والزمان المحيطين بكل منهما، تماما كما أن الجسم المغمور في الماء يزيح الماء من حوله. هذا التعديل في بنية الزمن يؤثر بدوره على حركة الأجسام، ويجعلها “تسقط” أحدها نحو الآخر.
    ما معنى هذا “التعديل” في بنية الزمن؟ معناه بدقة هو إبطاء الزمن الذي تكلمت عنه فيما قبل: الكتلة تبطئ الزمن حول نفسها. والأرض كتلة ضخمة ومن ثم فهي تبطئ الزمن المجاور لها. وهي تفعل ذلك في السهول أكثر مما تفعله في الجبال، لأن السهول أقرب إليها. ولذلك فإن الصديق المقيم في السهل يشيخ بمزيد من البطء.
    وإذا سقطت الأشياء، فالسبب في ذلك هو هذا الإبطاء في الزمن. وعنما يمر الزمن على وتيرة واحدة، في الفضاء القائم ما بين الكواكب، لا تسقط الأشياء. بل هي تطفو. أما هنا على سطح كوكبنا، في المقابل، فتميل حركة الأشياء بصورة طبيعيا إلى حيث يمر الزمن بمزيد من البطء، كما يحدث حينما نجري على الشط باتجاه البحر فتجعلنا مقاومة الماء لسيقاننا نسقط في الموج على رؤوسنا. فالأشياء تسقط إلى أسفل لأن الزمن في الأسفل بطيء بسبب الأرض.
    في معمل فيزياء، تجري ساعتان إحداهما على الأرض والأخرى على منضدة بسرعتين مختلفتين. فأيهما تخبر بالوقت؟ هذا سؤال عديم المعنى. فقد نسأل بالمثل أيهما الأكثر حقيقية: قيمة الاسترليني في الدولار أم قيمة الدولار في الاسترليني. ثمة زمنان يتغيران بالنسبة لأحدهما الآخر. ليس بينهما من هو أكثر حقيقية من الآخر. لكنهما ليسا زمنين فقط. فثمة جيش من الأزمنة، ثمة زمن لكل نقطة من المكان. والكمية الواحدة من “الزمن” تذوب في شبكة عنكبوتية من الأزمنة. فنحن لا نصف كيف يتطور العالم في الزمن، إنما نصف كيف تتطور الأشياء في الزمن المحلي، وكيف تتطور الأزمنة المحلية بالنسبة لبعضها بعضا.
    والأمر لا يستوجب أكثر من جرامات قليلة من عقار “إل إس دي” لتوسيع تجربتنا بالزمن حتى تبلغ نطاقا ملحميا سحريا. تسأل أليس “كم يبلغ الأبد؟” يرد الأرنب الأبيض “أحيانا ثانية واحدة”. من الأحلام ما يدوم ثانية يبدو فيها كل شيء متجمدا إلى الأبد. الزمن مرن في تجربتنا الشخصية. الساعات تطير كأنها دقائق، والدقائق بطيئة بطئا قاهرا كأنها قرون.
    قبل أن يقول لنا أينشتين إن ذلك غير صحيح، كيف بحق الشيطان ترسخ في عقولنا أن الزمن يمر في كل مكان بسرعة ثابتة؟ لم تكن تلك بالقطع هي تجربتنا المباشرة بمرور الزمن بالوتيرة نفسها، دائما، وفي كل مكان.
    فمن أين جاءنا ذلك؟ نحن منذ قرون نقسِّم الزمن إلى أيام. وكلمة time [أي الزمن] مشتقة من جذر “دي” أو “داي” الهندوأوروبي القديم، ومعناه يقسّم. منذ قرون نقسم الأيام إلى ساعات. غير أن الساعات على مدار هذه القرون كانت أطول في الصيف وأقصر في الشتاء بسبب الساعات الاثنتي عشرة التي تقسم الوقت بين الشروق والغروب: فكانت الساعة الأولى هي الفجر، والساعة الثانية عشرة هي الغروب، مهما يكن الفصل.
    الساعات الشمسية، والساعات الرملية والساعات المائية كانت موجودة بالفعل في العالم القديم، في منطقة البحر الأبيض المتوسط وفي الصين، لكنها لم تكن تلعب الدور القاسي الذي تلعبه الساعات اليوم في تنظيم حياتنا. فلم يحدث إلا في القرن الرابع عشر في أوربا أن بدأت حياة الناس في الانتظام بقوة الساعات الآلية. تقيم المدن والقرى كنائسها، وتضع على أبراجها الساعات لتضبط إيقاع الأنشطة الجماعية. ويبدأ بذلك عصر الزمن المنتظم بقوة الساعة. وتدريجيا ينسرب الزمن من أيدي الملائكة إلى أيدي علماء الرياضيات مثلما يتبين في كاتدرائية ستراسبورج حيث ثمة ساعتان شمسيتان يرفعهما على الترتيب ملاك (في حالة الساعة الشمسية التي ترجع إلى عام 1200) وعالم رياضيات (في حالة الساعة الشمسية التي وضعت سنة 1400).
    يفترض أن فائدة الساعات تكمن في حقيقة أنها تخبر بالوقت نفسه. ومع ذلك هذه الفكرة أيضا أحدث كثيرا مما قد نتخيل. فعلى مدار قرون، وطوال الوقت الذي كان السفر فيه يتم على صهوات الخيول، وعلى الأقدام، وفي العربات، لم يكن من سبب لضبط الساعات معا بين مكان وآخر. بل كان السبب وجيها لعدم القيام بذلك. فمنتصف النهار، هو بتعريفه، حينما تبلغ الشمس أقصى ارتفاع لها. كان لكل مدينة أو قرية ساعتها الشمسية التي تسجل لحظة بلوغ الشمس تلك النقطة الوسطى، بما يتيح للساعة المعلقة على برج الجرس أن تضبط معها بحيث يراها الجميع. ولكن الشمس لا تصل منتصف النهار في اللحظة نفسها في فينسيا أو في فلورنسا أو في تورين لأن الشمس تتحرك من الشرق إلى الغرب. فمنتصف النهار يأتي أولا في فينسيا، ثم يأتي متأخرا بقدر غير قليل في تورين، ولقرون ظلت الساعات في فينسيا متقدمة بنحو نصف ساعة عنها في تورين. فكان لكل قرية صغيرة “ساعة من الزمن” خاصة بها. فكانت سعة محطة قطارات باريس تؤخر ساعتها قليلا عن بقية المدينة في نوع من مراعاة المسافرين المتأخرين.
    في القرن التاسع عشر يصل التلغراف، وتنتشر القطارات وتزداد سرعتها، وتظهر مشكلة مزامنة الساعات بين مدينة وأخرى. فمن الخَرَق تنظيم جداول القطارات لو أن لكل محطة توقيتها المختلف.
    الولايات المتحدة هي صاحبة أول محاولة في معايرة الزمن. ففي البداية اقترحت تثبيت ساعة معينة من الزمن تكون مطلقة في العالم كله، فتعتبر مثلا الساعة الثانية عشرة هي لحظة منتصف النهار في لندن، فيكون منتصف النهار في الساعة 12:00 في لندن ويكون قرابة الساعة 18:00 في نيويورك. ولم يلق الاقتراح ترحابا كبيرا لارتباط الناس بالوقت المحلي. في عام 1833 تم التوصل إلى تسوية بالتوصل إلى فكرة تقسيم العالم إلى مناطق زمنية، فتتم معايرة الزمن بالتالي في منطقة محددة. وبهذه الطريقة يكون الاختلاف بين الـ 12 على الساعة ومنتصف النهار المحلي مقصورا على ما لا يزيد عن ثلاثين دقيقة. وتدريجيا لقي الاقتراح القبول من بقية العالم لتبدأ الساعات في التزامن في مختلف المدن.
    يصعب القول بأنها مصادفة فقط أن يكون الشاب ألبرت أينشتيتن ـ قبل حصوله على وظيفته الجامعية ـ قد عمل في مكتب براءات الاختراع السويسري، حيث تعامل على وجه التحديد مع براءات الاختراع المتعلقة بمزامنة الساعات بين محطات القطارات. فربما هناك تحديدا خطرت له فكرة أن مشكلة مزامنة الساعات في نهاية المطاف مشكلة لا حل لها.
    بعبارة أخرى، لم تمض إلا سنوات قليلة بين اتفاقنا على مزامنة الساعات وبين اللحظة التي اكتشف فيها أينشتين أن من المستحيل مزامنتها بدقة.

    مجتزأ من كتاب ” The Order of Time ” نشر في جارديان ونشرت ترجمته في جريدة عمان.

    ترجمة: أحمد شافعي.

  • بلا ندم  – أحمد الملا

    بلا ندم – أحمد الملا

    أخذتُهُ معي
    أينما رحلت
    أسرفتُ عليه
    ولم يبخل علي.

    رافقَني ولم نعرف إلى أين
    واقتسمْنا الطريق
    لم يميّز أيٌّ منّا ما يخصُّه.

    ماذا ألمَّ به
    يبطئُ الخَطْوَ عني
    ويسهو
    لو سألتُه واستمعتُ إليه،
    لو تريّثت
    أو ليتني شككتُ مبكّرا
    و تمرّنتُ على فقدِه.

    الوصفة التي خطَّها الطبيب، لم أجرؤ على صرفِها، وضعتُها إلى جانبِ قصائدَ خرِبة، حينها عرفتُ لماذا يصرُّ الأطباء على خطِّ ما لا يُقرأ، كما الشعراء عندما يفسُدُ الشعر في أيديهم ولا ينفع معه علاج.

    بنيّةِ القول عن مرضٍ تربّصَ طويلاً وانقضَّ علي؛ كتبتُ ونسيت. بالأمس مسَّني ما يشبهُ الشعرَ ورغبتَهُ في تقصّي الألم، لكنه أنشب نابه. نفثَ سمَّه وغاب. لن أبرأ بسحْقِ رأسِه، فتذكّرتُ ما نويت.

    أجزمُ أن جسدًا أرهقَهُ العمر؛ لن أشقَّ عليه أكثرَ مما فعلتُ به، سأوسّدُهُ ظلَّ شجرة، أغنّي له وأمسحُ على رأسِه، أضعُ زوّادتي بجانبِه
    وأتسلّل خفيفًا، من غيرِ لفتةٍ
    ولا ندم.


    *نص: أحمد الملا

  • اغتصاب دجاجة _مهند الخيكاني ( قصة قصيرة)

    حدث ما حدث ، كذا قتلى ، كذا جرحى ، أغلقت الفيس بوك ، اطفأتُ الضوء ، وقررت النوم .
    دق المنبّه دقاته مع النبض مع تدفق الدم من القلب وعبر الشرايين ، بشكل مرعب وغير مسبوق ، فتحت عينيّ بسبب ذلك ، وقد ظننت انه وقت الاستيقاظ والذهاب الى العمل .إلا اني صدمت بكوني تحولتُ الى ديك ..
    لن اطيل الشرح والتفصيل هنا ، كافكا اخبرنا الكثير عن ذلك التحول في روايته ” المسخ ” لكن قصتي مع الديك مختلفة .
    شاهدتُ الناس تروح وتجيء ، صوت قارئ القرآن يتسرب عبر مكبرات الصوت بكل الانحاء ، مخترقا شقوق الجدران المتعبة ، وصولا الى أعمق الأشياء وأبغضها داخل المنازل .
    النساء يصلن الى باب البيت حيث العزاء ، ويصرخن ” يبووي ” ، فاصل ثم ” يبوووي ” فاصل .. وهكذا .
    كنت أشعر بالفضول ، لكن غرائز الديك تثنيني عن الشعور بالطريقة المنطقية المعتادة لبشري ، وعلى الرغم من أنني ما زلت غير مستعد و غير معتاد على هذا التحول ، إلا أنني توزعت بشكل غريب بين ذاكرتي ، وبين ذاكرة الديك .
    هناك تنافسٌ صغيرٌ حدث في الحلبة الواقعة في رأس الديك ، بين وعيي ووعيه ، بين غرائزه القوية المستيقظة في الجسد ، وغرائزي الخفيفة ، وعلى الأكثر فإن الديك ينتصر .
    هو ما جعلني في الليلة الماضية استجيب لغريزتي الحيوانية كديك يحتاج الى أن يقضي الليل برفقة الدفئ ، كان صوتُ دجاجة الجيران يدعوني وهي تنقر الحائط ، وهو صوت تنظيفها لذلك المنقار على الجدار .
    طرتُ عبر الجدار الفاصل بين البيت الذي أسكن في حديقته ، وبين البيت المجاور ، جناحٌ يحلق ، قدمٌ على أحد البراميل ، قفزة اخرى ، يحلق الجناح مرة اخرى ، استطيع القول انني طرتُ في تلك اللحظة ، وهو قول يخصنا نحن الديكة ، على الرغم من اننا لا نطير ، لكننا ذوو كبرياء . ونرفض أن يقال لنا ، طيور معاقة مثلا.
    اكتشف صاحب الدار في تلك الساعة من الليل خلال الضجيج الذي أحدثته غرائزي ، أنني الديك الشقي وقد مارست مع دجاجتهم المصونة ، الجنس . نحن لا نسميه الجنس ، نسميه الغريزة فقط ، فليس لدينا علم اجتماع او فلسفة ، ولا نفكر كثيرًا بما سيحصل وكيف ستعيش الفراخ ومن يصرف عليها ، ويرعى مسؤوليات الأم وحاجاتها ، ثم مرحلة اختيار الاسم والهوية واجراءات لا تنتهي ، نحن نفعلها ونمضي .
    الأصوات تختلط في رأسي الآن ، وتقسمه الى نصفين ، هناك مجموعة من الرجال ، يحملون أعلامًا ويطلقون اهازيج مختلفة ، يرافقها صوت يربك الأرض ، وبين ما أتذكره انا عبر ذاكرة الديك ِ ، أن صاحب المنزل ، كان رجلا شريفًا جدًا ، ولا يمكن له أن يسمح ل ديك الجيران ، أن يعتدي على دجاجته المصونة ، رغم ان الدجاجة كانت سعيدة ولم تقل كلمة .
    اخرج صاحب المنزل المجاور ، كل اسلحته الخفيفة والثقيلة ، وتبادل معه صاحبُ المنزل الذي أسكن في حديقته اطلاق النار ، بعدما شعر بالتهديد .
    بينما كنت انا والدجاجة في أحد ممرات البيت ، تحيطنا الظلمة من كل جنب ، نمارس الغريزة .
    انتهى الامر بأن حدث ماحدث ، كذا قتلى ، كذا جرحى . في ذلك اليوم تحديدًا وبعد انتهاء المعركة ، ودّعت دجاجتي العزيزة ، جناح يحلق ،قدمٌ على احد البراميل ، قفزة أخرى، يحلق الجناح مرة اخرى . عدت الى البيت .
    ضوضاء من الأطفال تجتمع في الخارج ، يتضارب فيها الضحك والقلق ، هناك طرقٌ عنيفٌ للباب أيضا ، فتحت عينيّ مرة أخرى ، نهضتُ من فراشي بتثاقل مريع ، كان الجيران يبحثون عن ديكهم ، على مايبدو هناك من رآه يقفز الى باحة منزلنا ، فركتُ عينيَّ بقوة تصاحبها الدهشةُ لسماع ذلك ، الأمر الذي خلع الثقل عني ورفعني درجة من الاستيقاظ والانتباه .
    ضحكتُ وحمدتُ الله كثيرًا ، أننا لا نملك دجاجةً في المنزل ، أقصد لا نربي الدجاج ، فكل الدجاج الذي يدخل منزلنا يعيش في الثلاجة فقط .