أضع القصيدة في جيبي
وأتنقّل برشاقة على أسلاك الكهرباء،
أغني همساً
أغانٍ فرنسية لا أعرف معناها،
أنصت لصدى صوت الملائكة
قادماً من جدران الكون،
مسمارٌ ضخم على الجدار
يحمل صورةً واسعة لضحايا هذا العالم،
وجهي كان ضمن الصورة؛
نجومٌ مدلاة من السقف
لم أستطع قطفها
نبشتُ ذاكرتي
وأخرجتُ منها أقماراً كثيرة
وشمساً كانت تسبب لي حمى دائمة،
أعزوها أحياناً لغيابك،
عدتُ لشرفتي
مددت موجةً فوقي وغفوت،
لا بحر بالقرب
لكني في كلّ صباح ألمح البحارة
بقبعاتهم البيضاء
يغنون ويغيبون بين أمواج الزحمة
لم أشهد عودتهم يوماً،
يقولون إن بحر دمشق يبتلع الجميع!
ألمح الصيادين يرمون صنانيرهم
يحاولون اصطياد الشمس،
أضحك عليهم
فالشمس غرقت منذ زمن،
إلى الآن أرى كوابيسَ
أنا الشاهدة الوحيدة على غرق الشمس،
بكيتها ليلةً طويلة؛
النوارس تزدحم حولي
تنتشلني من كوب الماء الذي في يدك
كلما شاهدت صورتك ….أغرق
وأبحث عن الشمس
الأسماك تسبح في ظلك الآتي من بعيد
.
.
نسمةٌ قوية تبتلع كلّ التفاصيل،
ترمي ظلك،
تكسر كأس الماء،
تقطّع أسلاك الكهرباء،
وتتركني عالقة فوق سريري
بصنارتين وكبكوبة صوف
أحاول أن اصنع مدينةً جديدة
تتسع لكل سكان الصورة.
ترى ماذا بعد أن يغلق المفاتيحيّ باب دكانه، وتغرق المفاتيح في الليل..
ماذا تقول المفاتيح الجديدة الخائفة، والتي بعدُ لم تكبّلها البيوت؟
***
عجوزٌ أمام الكاتدرائية.
عجوز بجهاز تسجيل قديمٍ وضخم في ساحة سانت بول.
عجوزٌ يضرب البلاطات بعصاه
يحمل مسجلته كدلوٍ ويرش الساحة بموسيقى الستينات.
الحَمامُ في الساحة لم يطر ذلك الصباح.
بدا ثابتاً على الأرض كقدامى المحاربين.
بدا غير عابيءٍ ببقايا الخبز وغير خائفٍ من ملاحقات الأطفال.
كان الأعمى السكران يسقي الأرض بموسيقاه.
وفي عيون الحَمام قامَ بستان ورد.
***
الرسام الذي فقد ذاكرته في حادث سير، لا يتذكر نفسه ولا اسمه إلا حين ينهي لوحة على الأسفلت.كان يرسم لوحةً يعلم أنه لن يستطيع حملها ولا بيعها لكنه يستمر بالرسم على الأرض.حين يصفق الناس للمرأة الجميلة التي تخرج أخيراً من أنامله، يلتمع اسمه كبرق. وحين يبلل المطر اللوحة، وتختفي المرأة، يتذكر اسمهُ لوهلةٍ، حين يسيل اسمهُ على الأسفلت.
***
على مشارف فمك الطفل
يستوقفني العالم.
ذاك العالم السهل الذي يخرج من فمك ، حين تنطقين بسلاسةٍ ودون لكنةٍ أصعبَ الكلمات: world
على مشارف فمكِ أفهم أن العالم يكتمل بسرعةٍ
وبسرعةٍ يتلاشى في الهواء
وأن موهبة (العالَم)
تولدُ مع المرء.
***
المكتبة بعد وفاتنا مكانٌ صالحٌ للمشي.
أناسٌ لم يكونوا على البال تزدحم بهم مكتباتنا بعد الموت.
على رؤوس أناملهم في الليل يجيئون.
كل نفسٍ تزور بعد الموت كي تكتب سطراً لم تصله في الحياة .
وكل امرأةٍ تطرقُ بابنا بعد الوفاة تكتب توقيعاً أو لعنة.
ثمة امرأة واحدة فقط تزور ولا تكتب. تقضي اليوم كله في تنظيف الكتب من الأحبار. ثم بهدوءٍ خلفها تغلق الباب.
لقد عثرت على تعريف الجميل – الجميل عندي – إنه شيءٌ ما متأجج وحزين، شيء ما غير محدد، يفسح المجال للتخمين. وسأعمد إذا شئتم إلى تطبيق أفكاري على شكل ملموس، وليكن على سبيل المثال الشيء الأكثر جدارة بالإهتمام في المجتمع، وجه امرأة. إنّ الوجه الفاتن والجميل، أعني وجه المرأة، يجعلنا نحلم بالنشوة والحزن في الوقت نفسه، ولكن دون تمييز. إنه يحتمل فكرة الحنين والإنهاك وحتى الإكتفاء، وفي الوقت نفسه، الفكرة المضادة، أعني حيوية متأججة ورغبة في الحياة، مع مرارة منحسرة وكأنها قادمة من الحرمان أو اليأس. الغموض والندم أيضاً هما من مميزات الجميل.
الوجه الذكوري الجميل لا يحتاج إلا في نظر المرأة ربما – كما يتصورها الرجل بالطبع – إلى فكرة الشهوانيّة، هذه التي تغدو في وجه المرأة استفزازا فاتنا يزداد جاذبية كلما ازداد الوجه كآبة. لكن هذه الوجه سيحتوي أيضا على شيء ما متوهج وحزين – حاجات روحية، طموحات مكبوتة في العتمة، فكرة قدرة هادرة وغير مستعملة، وأحيانا فكرة لا مبالاة انتقامية، ( إذ يجب أن لا ننسى نموذج الداندِي المثالي في هذه الموضوع ) – كما أنه قد يحتوي في أحيان أخرى على الغموض، وهو واحد من أهم شروط الجمال. ولأضيف أخيرا ( كي تعرفوا إلى أي حد أشعر بأني حديث في مسألة الجماليات )، قلت لأضف إلى شروط الجمال، التعاسة. وأنا لا أزعم أن الفرح لا يجتمع مع الجمال، لكني أعتقد أن الفرح حِليةٌ من أكثر حلِي الجمال سُوقية. بينما الكآبة هي اذا صح القول قرينة الجمال الرفيعة، إلى الحدّ الذي لا أتصور معه ( هل أصبح دماغي مرآة مسحورة؟ ) نموذجا للجمال لا تسكنه التعاسة. وانطلاقا من هذه الأفكار – سيقول البعض: انطلاقا من هذه العُقد – يصعب عليّ أن لا أختم بأن أكثر نماذج الجمال الذكوري كمالا، هو إبليس، على طريقة ميلتون.
صعدت إلى غرفتي بمجرد أن سنحت لي الفرصة. كنت في حاجةٍ إلى أن أنعزل لأفكر في الأمر. ظللت حائرا لمدةٍ طويلة، وأنا جالس على السرير أنظر إلى شجرة التين دون أن أراها. فكرت: “يتيمًا، سأصبح يتيمًا” إحساسٌ غريب، إحساس بالحسرة والضياع (ليسأمراًسهلاًأنتبقىبلاأمفيالثانيةعشرمنعمرك)، وإحساس أيضًا بأنني أنتقل إلى حالة جديدة. لا يوجد أي يتيم بين أصدقائي. سأغدو أنا أول يتيم. حتى أختي ستغدو يتيمة، ولكنها صغيرة جدًا ولن تحس بذلك كثيرًا. ظللت هناك أبكي لمدة، ولكني لست متأكدًا أن بكائي بسبب موت أمي المنتظر أم بسبب يتمي الوشيك.
حينئذ سمعت صوتًا يقول: ” ما بك؟ لماذا تبكي؟ ” وأحسست أن شخصًا ما يتجسس عليّ ويعتدي على خصوصيتي. رأيت فتاة في أعلى التينة تنظر إلي. فتاة لا أعرفها. سألتها من هي فقالت لي أن اسمها ريتا وأنها ابنة خالة نوربيرتو. كانت تكبرني بعامٍ أو عامين. أخذت تتحرك عبر الأغصان ببطءٍ، حتى وصلت إلى نافذتي ثم نزلت داخل غرفتي. استطعت أن أرى من خلال دموعي أنها جميلة إلى حدٍ كبير، وأن نظرتها حلوة وأن ساعة يدها – والتي هي أيضًا إسورة – تشير إلى الثالثة وعشر دقائق.
وضعت يدها على كتفي وعادت تسألني ” ما بك؟ ” فقلت ” ماما ستموت “، مبدياً غمّاً أشد من الذي كنت أحس به. فقالت ريتا مدلية برأيها: “كلنا سنموت”. “ولكن ماما ستموت قريبًا” وأضفت: “وهذا سرٌ لا يعرفه أحد. لا يجب أن تقوليه لنوربيرتو، لأنك إذا فعلت ستعرف الحارة كلها، ابتداء من القسيس”. “اطمئن. لن أقول شيئًا. تصور أنه ليس لدي حتى قسيس أعترف له”. وهذا الكلام جعلني أثق بها.
جلست بجانبي على السرير وقالت: ” لا تخجل من البكاء فهو مفيد. لأنه يخلص الجسم من التوكسينات. لذلك نعيش نحن النساء أكثر من الرجال. لأننا نبكي أكثر “. كلامها المليء بالحكمة أصابني بالذهول. ولكني توصلت إلى استنتاجاتي: أبي لا يبكي إلا نادرًا وأمي تبكي كثيرًا، ومع ذلك، ورغم التوكسينات التي تخلصت منها، فإنها ستموت قبل أبي. ولم أقل شيئًا عن هذا الاستنتاجات لريتا، فقط لكيلا أحبطها. حينئذ مررت هي يدها ( الناعمة ذات الأصابع الدقيقة الباردة بعض الشيء ) على وجنتي التي ما تزال مبللة بالدموع، وباليد نفسها شدتني قليلًا حتى ألصقت رأسي بصدرها. أحسست بالمواساة والراحة.
واعتراني شعور غريب بالطمأنينة (غير ثابت، بل نشيط). تلك اليد التي طمأنتني داعبت صدغي وشفتي وذقني. أحسست أنني في الجنة وأن أحزاني قد تلاشت أو تكاد أن تتلاشى، ولكني أدركت إدراكا غامضا أن كآبتي، برغم كل شيءٍ، استثمارٌ جيد، ولذلك استمررت في إبداء حزني.
عندئذٍ قامت ريتا بشيء كان فعلًا نقطة النهاية لطفولتي: قبلتني. على وجنتي، عند زاوية الشفتين، وأطالت قليلا تلك القبلة. فأصبح لدي انطباع بأن ذاك كان أول مسودة لسعادتي. ثم قالت: ” كلاوديو، أنت تعجبني. نوربيرتو يقول عنك كلامًا طيبًا. أنت أحسن صديق لديه “. ” حتى أنتِ ستكونين صديقتي”. ” طبعا، أنا الآن صديقتك. ولكني سأسافر غدًا، للأسف. ” آه، الجحيم بعد الفردوس. ” إلى أين ستسافرين؟ “. ” إلى قرطبة، في الأرجنتين، أنا أعيش هناك “. ” وهل سترجعين إلى هنا؟ “. ” لا أظن “. عندئذ قبلتها أنا أيضا في خدها، قرب الشفتين، فابتسمت. كم هي طيبة جدًا. أظن أن القبلة أعجبتها. أحسست باضطراب كان جديدًا علي، بنشوة شبه بطولية. لم يكن لأسباب بينة، هيجانًا جنسيًا، لنقل إنه كان انفعالًا ما قبل جنسي. انفعالًا، على كل حال، أقوى من الذي سببته لي أنطونيا في زمنٍ ماضٍ. ووقفت ريتا واقتربت من النافذة، وبحركات سريعة بين أغصان التينة عادت إلى فناء نوربيرتو. لوحت لي من الأسفل. واكتفيت أنا بالنظر إليها، بكثيرٍ من الأسى.
شكرا يارب
لأنك جعلتني ضعيفاً،
مجنوناً
طفولياً..
شكراً على هذه السجون..
التي تتركني حراً
شكراً على الألم الذي بدأ معي
ولم يتوقف
شكراً على كل هشاشتي البالغة المرونة
مثل قوسك
..يا سيد الحب
(……)
في هذا الجسد
الذي تغرب فيه الحياة
أعيش أنا ..
بطن لدنة ورأس أصلع
أسنان قليلة
وأنا في الداخل
مثل سجين
أنا في الداخل وأنا عاشق
وأنا عجوز..
أفك ألغاز أوجاعي بالشعر
والنتيجة مؤلمة بشكل خاص
أصوات تعلن : ها هي كروبك قادمة
أصوات متصدعة: ها هي أيامك قد مضت
الشعر هو الرفيق الوحيد
فاعتد على سكاكينه ..
فلا شيء سواه
-1-
افقت على صوت نسوة يطبخن المراثي، على نشيد يدفعني إلى التحليق في متاهة غامضة، كنت كضوء يتسلل بين شقوق الجدران، أرى اللامرئي في الأشياء وأتحسس نبض قلبها العاري، كان الزمن يحوم حولي كئيباً وبارداً، لكنني لم أشعر بشيء، ولم أر شيئاً أبداً، حتى جسدي الممدد أمامي على السرير.
-2-
هناك في السماء البعيدة بقايا من كوكب مسروق: طين متيبس وراية مكسورة وناقوس قديم… ترى أي صفحة في كتاب الخديعة كنا، ومن أي خطأ كبير جئنا؟
-3-
شهوة البرق في الأعالي وهو يلامس الجبال، حفيف الأشجار وتراقص الظلال، بحار السحب الهابطة، مقابر الدخان، سيمفونية الريح، سحر النار وصلاة الرعد في محراب الأرض، كل هذا يثـــير بي لذة وحشية … صرخة مكبوتة تشبه صرخة أسلافنا من أعماق الكهوف.
– 4 –
إذا كان….
للحجر ذاكرة
وللظلام موسيقى
وللوردة قلب من دموع
فقط إسأل نفسك: كم الساعة في العالم الآن؟
-5-
من الضوء الشاحب في سقف غرفتي، أرى صورة معلقة على الجدار لشخص أعرفه ولا أتذكره، تبسم كثيرا في المرايا حتى استطال وجهه وتساقطت جميع أسنانه.
– 6-
ربما ســــنصبح ذات يوم أسرى هذياننا المحمـــــوم وأحلامنا الســـرية، لكن في اللحظات الأخــــيرة مـــن أعمارنا ســتستيقظ فينا الحياة الحقيقية وتحملنا معها كتيار جارف.
-7-
المجنون نصف نبي.. والشاعر نصف مجنون.. والأعمى نصف بصير، ربما على الحقيقة أن تبقى هكذا عارية وتائهة بين الأنصاف.
– 8 –
لا شيء بعد المدار اللولبي سوى غبار العتمة والصقيع. ومضة.. ثم سراب.. ثم انطفاء أبدي.
– 9 –
من قلب الجنة ثمة شيطان يتربص بنا، وفي قلب كل فضيلة ثمة شرور تنخر عظام الأرض
– 10-
من ثقب في باب الفردوس، رأيت الممالك السبع، وأنهار اللازورد، رأيت البياض جارحا ومعتما جدا، رأيت اللغة بلا ذاكرة تطفو فوق عرش الماء، رأيت الشيء واللاشيء….
من ثقب في باب الفردوس كل الطرق كانت تؤدي إلى العدم.
-11-
حتماً سينتصر الزمن على الإنسان، وفي خريف العمر ستتقاذفنا الأسئلة الموجعة
هل حقاً كنا محض أكذوبة كبرى؟ في خريف العمر سنجلس إلى طاولة من الخمر والذكريات والأوهام، سنثرثر كثيراً، ونضحك كثيراً، لكن قبيل النوم سنبكي سراً مع أنفسنا، سنبكي كالأطفال على كل الأشياء الضائعة، الأشياء الحقيقية التي هربت منا عندما قررنا أن نصبح أشياء كبيرة في هذا العالم.
-12-
ماذا سيحدث لو توحدت جميع التناقضات؟
تأمل عميقاً في صمتك، تأمل في عاصفة الضباب من حولك
انتظر أمسك، ولا تندم على غدك
وابدأ الرحلة من نهايتها.
هناك حزنٌ يعيش في عظامي أطول مني وأنا أمشي مفرودة القامة أطول من صفصافة الحديقة الأمامية لا أحد يعرف بما يهمهم لكن صوته يشبه الصلوات كثيرًا يشبه كثيرًا التكفير عن الذنب.
مازلت أتألم ومازلت أكذب بشأنه لا توجد طريقة لطيفة أقول بها إنني أنسى أحيانًا كيف أتنفس لذا أتجاهل الأمر فحسب وأسأل عما لدينا على العشاء.
مازلت أتعلم كيف أقوم بأبسط الأشياء كأن آكل عندما أجوع أو أن أغادر فراشي كل يوم مازلت أتعلم كيف ألف لساني من حول الكلمات التي تشبه الحقيقة مازلت أقع في النوم والأمل يختنق بين أصابعي مازلت أخطو فوق هشيم الزجاج معتقدة أنها قوة.
كان يوم أحد جميلاً. السماء قبة من شعاع الشمس ولا غيوم. وعلى بلاط الساحة، ارتعشتْ أوراق أشجار بنسمة لطيفة. كل شيء بدا متألقاً وإن بإنارة خافتة: سقف كشك الآيس كريم، صنبور نافورة ماء الشرب، عينا قط شارد، وحتى قاعدة برج الساعة المغطاة بذرق الحمام.
عائلات وسياح ذرعوا الساحة، مستمتعين بعطلة نهاية الأسبوع. وسُمع صرير مصدره رجل راح في زاوية ما يجدلُ بالونات بهيئة حيوانات. وتحلَّق حوله أطفال أخذوا يراقبونه بافتتان. وعلى مقربة، جلست امرأة على مقعد تحوك. وفي مكان ما، قرع زمور سيارة. فانفجر سرب حمائم في الهواء، دابّاً الفزع في طفل شرع يبكي. فهرعت الأم ضامة الطفل بين ذراعيها. كنتَ لتطيل النظر إلى هذا المشهد كل اليوم – الأصيل المغمور بالضوء والسكينة – والأرجح أنك لم تكن لتلاحظ أن تفصيلاً ما في غير موضعه أو أنه مفقود. ما إن اندفعتُ عبر الباب الدوار للمخبز وتقدمت إلى الداخل، حتى كُتِمَ ضجيج الساحة، واستُبدل برائحة الفانيلا المحلاة. كان المتجر فارغاً. «عفواً»، ناديتُ متحيّرة. لم ألق إجابة. فجلست على مقعد في الزاوية وانتظرت. كانت تلك أول مرة لي في المخبز الصغير، الأنيق، النظيف والمتواضع. الكعك، الفطائر والشوكولاته منسقة بعناية داخل خزانة زجاجية، فيما علب البسكويت تراصفت على رفوف من الجهتين. وعلى منضدة البيع خلف كرسي المحاسب، ظهرت أسطوانة من ورق اللفّ بمربعات من البرتقالي الجذاب والأزرق الفاتح. كل شيء بدا شهياً. لكني أعرف، وقبل وطئي المحل ماذا سأبتاع: كعكتا فراولة. هذا كل شيء. دق جرس ساعة البرج أربع مرات. ومجدداً، انتفض سرب حمائم في السماء محلقاً فوق الساحة، ليهبط مقابل محل الزهور. وقد خرجت بائعة الزهور بوجه متجهم ومسّاحة لطردها، وانبعثت طفرة من الريش الرمادي في الهواء. لم تكن ثمة إشارة على وجود أحد في المحل. وبعد انتظار، فكرت أن أُحجم عن الأمر وأغادر. لكني انتقلت حديثاً إلى هذه المدينة ولا أعرف أي مخبز آخر جيد. لعل إبقاءهم الزبائن منتظرين هكذا مؤشر على ثقة بالنفس وليس فظاظة. فالضوء في خزانة العرض مبهج ورقيق، والحلويات جميلة، كما أن المقعد مريح للغاية – أعجبت بالمكان دون الخدمة. دلفتْ من الباب الدوار امرأة قصيرة، بدينة. ونفذ صخب الساحة معها ثم خفتَ. «هل من أحد هنا؟»، نادت، مضيفة «أين عساها ذهبتْ؟» مائلة نحوي متبسِّمة. «لا بد أنها تقوم بتوصيلة. وبالتأكيد ستكون هنا قريباً». جلست بجانبي وحييّتُها بانحناءة صغيرة. «بإمكاني الوقوف خلف منضدة البيع وخدمتك بنفسي»، قالت المرأة. «أعرف تماماً سير العمل هنا. فأنا أبيعهم التوابل». «لطفٌ كبير منك، لكنني غير مستعجلة»، قلتُ. انتظرنا معاً. سَوَّتْ شالها، دقَّتْ بالأرض بوز حذائها، وتململت بقلق ممسكة جزدانها الجلدي الأسود – يبدو أنها هنا لتحصّل حسابها. ولاحظت أنها تحاول إيجاد موضوع للمحادثة. «الكعك هنا لذيذ»، قالت أخيراً. «يستعملون توابلنا، فيعرف المرء أن لا خداع فيها». «هذا مطمئن»، قلت. «المكان دوماً مشغول. من الغريب أنه فارغ اليوم. غالباً ما يكون هناك طابور إلى الخارج». عبر أناسٌ بواجهة العرض – أزواج شباب، شيوخ، سياح، شرطي دورية – لكن لا أحد بدا مهتماً. استدارت المرأة لتنظر إلى الساحة، ممررة أصابعها في شعرها الأبيض المتماوج. كيفما تحركت في مقعدها، فاحت منها رائحة غريبة، عبق أعشاب طبية وفواكه مختمرة ممزوجة بفينيل مئزرها. ذكّرني ذلك بطفولتي، ورائحة البيت الزجاجي في الحديقة حيث اعتاد والدي زراعة الأوركيدا. كان ممنوعاً علي فتح الباب، لكني مرة، وبدون إذن، فعلتها. عبق الأروكيدا لم يكن منفراً إطلاقاً، لكن هذا الاحتكاك جعلني كامرأة عجوز. «فرحتُ لوجود كعك الفراولة»، قلت مشيرة إلى الخزانة. «إنها حقيقية. لا مواد هلامية، ولا فواكه مكوّمة على سطحها أو تلك التماثيل للتزويق. فراولة وكريمة فقط». «أنت محقة»، قالت. «وعلى ضمانتي. أفضل ما في المحل. وقاعدتها مجهّزة بأفضل الڤانيلا». «سأبتاعها لابني. فاليوم عيد ميلاده». «حقاً؟ أتمنى له عيداً سعيداً. كم عمره؟». «ست سنوات. سيبقى دوماً في السادسة. فهو ميت». توفي قبل اثني عشر عاماً. اختنق داخل براد مهجور في أرض خلاء. حين رأيته، لم يتبادر إلى ذهني أنه ميت. ظننته خجلاً من النظر مباشرة في عيني بسبب غيابه عن البيت ثلاثة أيام. بالقرب منه، وقفت امرأة عجوز لم أرها قبلاً، بدت منذهلة، وأدركتُ أنها من عثر عليه. شعرها أشعث، ووجهها شاحب وشفتاها ارتجفتا. بدت أكثر موتاً من ابني. «أنا لستُ غاضبة»، قلت له. «قمْ ودعني أعانقك. ابتعتُ كعكة بالفراولة لمناسبة عيد ميلادك. لنعد إلى البيت». لكنه لم يحرك ساكناً. كان قد طوى نفسه بأسلوب حاذق ليلائم الفسحة بين الرفوف وعلبة البيض. ساقاه مثنيتان بحذر ووجهه مدسوس بين ركبتيه. عموده الفقري انحسر ملتوياً في حيّز معتم، ضيّق لم أستطع تبيّنه. وعبر الضوء من الباب المفتوح إلى جلد عنقه الناعم للغاية، والمغطى بزغب خفيف – أعرف كل جزء فيه تمام المعرفة. «لا. لا يمكن»، قلت للعجوز. «إنه نائم وحسب. لم يأكل شيئاً، ولا بد أنه مرهق. فلنحمله إلى البيت ولنحاول ألا نوقظه. يجب أن ينام، القسط الذي يريد. سيستيقظ لاحقاً. أنا متأكدة». لكن المرأة لم تجب. رد فعل المرأة في المخبز على قصتي لم يكن كأي شيء عهدته سابقاً. لم تبدُ على محياها علامة على تعاطف أو استغراب أو حتى حرج. كنت سأعرف لو تظاهرتْ بأي رباطة جأش. خسارتي لابني علمتني قراءة الناس، وكنت لأجزم مباشرة بأن هذه المرأة غير متكلفة. لا هي أبدت ندماً لطرحها سؤالاً عليّ ولا وبَّختني لاعترافي الحميمي لغريب. «حسناً»، قالت «من الجيد اختيارك هذا المخبز. لا حلويات أفضل في أي مكان، سيكون ابنك مبتهجاً. وستحصلين مجاناً على علبة كاملة من شموع عيد الميلاد. إنها محببة – حمراء، زرقاء، زهرية، صفراء، بعضها بأشكال زهور أو فراشات، حيوانات أو أي شيء تريدين». ابتسمتْ بفتور، بطريقة تلاءمت بامتياز مع سكون المخبز. وجدت نفسي أتساءل ما إذا فهمت أن ابني متوفى. أو ربما لديها دراية عظيمة بقصص الموت. احتفظتُ بالكعكة التي كان يفترض بنا تناولها وقتاً طويلاً، حتى أدركت أن ابني حقاً لن يعود. أمضيت أياماً أراقبها تنتُن. تحوّلت الكريمة أولاً إلى اللون البني وانفصل عنها الدسم مبقِّعاً ورق السيلوفان الذي لفّها. ثم يبست الفراولة، متغضنة كرؤوس أطفال مشوهين. وتصلَّبَ بدن الكعكة الاسفنجي وتفتت. في النهاية ظهرتْ طبقة من العفونة. «بإمكان العفونة أن تكون فعلاً جميلة»، قلتُ لزوجي. تكاثرت البقع، لتغطي الكعكة في لطخات لونية دقيقة. «تخلصي منها»، قال. يمكنني القول إنه كان غاضباً. لكن لم أقبل تحدّثه بقسوة عن كعكة عيد ميلاد ابننا، فرميتها في وجهه. العفونة والفتات كست شعره وخديه، وانتشرت رائحة فظيعة في الغرفة. أشبه بالتنفس داخل الموت. كعكات الفراولة كانت على الرف العلوي لخزانة العرض، المكان الأبرز في المخبز. كل واحدة تعلوها ثلاث حبات فراولة. محفوظة بشكل ممتاز، لا أثر لعفونة. «سأذهب الآن»، قالت المرأة العجوز. نهضت وملَّستْ مئزرها، وألقت نظرة من النافذة نحو الساحة، كأنها تتأكد وللمرة الأخيرة من عودة فتاة المخبز. «سأنتظر قليلاً»، قلت. «فلتفعلي ذلك»، قالت محاولة الوصول إلى يدي ولمسها بلطافة. يدها عظمية ومجعدة – وقد جعلها العمل خشنة – وثمة وسخ تحت أظافرها. رغم ذلك، كانت دافئة ومريحة، ربما كشموع عيد الميلاد التي ذكرتها. «سأتأكد من بعض الأماكن في الجوار، وإذا وجدتُ الفتاة، سأخبرها أن تأتي على الفور». «شكراً»، قلت. «لا داعي… وداعاً». مثبتةً محفظتها تحت ذراعها، استدارت لتغادر. لاحظتُ وهي تعبر الباب الدوار أن ربطتيّ مئزرها غير معقودتين من الخلف. حاولت لفت انتباهها، لكني تأخرت. فقد اختفت وسط الحشد في الساحة، ومرة أخرى، وجدتني وحدي. كان طفلاً ذكياً. أمكنه قرءاة كتاب الصور من البداية إلى النهاية دون خطأ واحد. بصوت مختلف لكل شخصية – الخنزير، الأمير، الروبوت والعجوز. كان أعسر. جبينه عريض وفي شحمة أذنه شامة. وفيما أحضّر العشاء، يطرح أسئلة لا أجد إجابة لها. من اخترع الحروف الصينية؟ لم يكبر الناس؟ ما الهواء؟ وأين نذهب حين نموت؟ بعد رحيله، بدأت أجمع قصاصات صحفية حول أطفال قضوا في ظروف مأسوية. أذهب كل يوم إلى المكتبة وأجمع مقالات الصحف والمجلات، وأنسخها. طفلة في الحادية عشرة اغتُصِبتْ ودُفِنت في الغابة. طفل في التاسعة خطفه منحرف ووجد في شاحنة نبيذ وكاحلاه مبتوران. طفل في العاشرة أثناء رحلة إلى معمل حديد زلق عن المنصة ليذوب مباشرة في المسبك. أقرأ المقالات بصوت عال كأنها قصائد. كيف لم ألاحظ الأمر؟ نهضت قليلاً عن مقعدي ونظرت عبر الكاونتر. كان الباب خلف صندوق البيع نصف مفتوح. وأمكنني النظر إلى المطبخ. امرأة شابة وقفت في الداخل معرضة عن وجهها. أوشكتُ على مناداتها، لكنني أحجمت. كانت تتحدث على الهاتف، وتبكي. لم أسمع شيئاً، لكني رأيت كتفيها ترتعشان. كان شعرها مضموماً كيفما اتفق تحت قلنسوتها البيضاء. رغم بقع الكريمة والشوكولاتة، بدا مئزرها مرتباً ومكوياً. وفي تصويرها شيء من فتاة صغيرة. عدت إلى مقعدي ناظرة إلى الساحة. بائع البالونات لا يزال يصنع حيوانات للأطفال. الحمائم محتشدة هنا وهناك، وامرأة المقعد تحوك. لا شيء تبدَّل، عدا ظل برج الساعة الذي نحل واستطال. كان المطبخ، ككل المخبز، منظّماً. الطاسات، الخلاطات، أكياس الحلوى، المغربلات – كل ما لزم العمل لذلك اليوم، في مكانه. المناشف نظيفة وجافة، والأرضية بلا بقع. ووسط المطبخ النظيف، بدت الفتاة، حزينة كأنها في بيتها. لم أسمع شيئاً، لا كلمة، لا صوت. شعرها اهتز قليلاً بنشيجها. كانت تنظر إلى المنضدة، وجسمها متكئ على الفرن. يدها اليمنى أمسكت بمنديل. لم أرَ التعبير على وجهها، لكن بؤسها كان واضحاً من إطباق فكَّيها، امتقاع عنقها وعصبيتها في الإمساك بالهاتف. لم يهمني سبب بكائها. ربما لا سبب على الإطلاق. فالنقاء وسم دموعها. لن يفتح الباب مهما دفعْتَه، مهما طرقتَ. صرخات لم يسمَعها أحد. الظلام، الجوع، الألم. الاختناق ببطء. وحدث أنني حاولت ذات يوم اختبار ما عاناه. أطفأتُ أولاً البراد وأفرغته: سلطة البطاطا من الليلة الفائتة، لحم، بيض، ملفوف، خيار، سبانخ ذابلة، لبن، تنكات بيرة- رميتها جانباً. هُرِق الكاتشاب، تحطم البيض، ذاب الآيس كريم. لكن البراد أصبح فارغاً، سحبتُ نفساً عميقاً، كورت نفسي، ووجدتني داخله. تلاشى الضوء حين أُغلِقَ الباب. لم أقدر على معرفة عيني مفتوحتين أو مغمضتين. لا فرق. جدران البراد لا تزال باردة. من أين يجيء الموت؟ «ماذا تحسبين نفسك فاعلة؟»، قال زوجي وهو يشقُّ الباب لفتحه. «أنا ذاهبة إليه». محاولةً إفلات يده وإغلاق الباب مجدداً. «كفى»، قال ساحباً إياي من البراد. صفعني. ثم تخلّى عني. لا أحد في الساحة كان ليخمّن أن شابة تبكي في مطبخ في مؤخرة المخبز. كنتُ الشاهدة الوحيدة. شعاع الشمس المتدفق عبر النافذة شرع يتضاءل مع بدء الشمس بالأفول خلف سقف إيوان المدينة. ورجل البالونات ذات الشعبية كان يعرض الآن لبضع أطفال. وتجمَّعَ أناس حول برج الساعة لأخذ صور لعرض الرجل الآلي عند الخامسة. أستطيع أن أنادي الفتاة، أبتاع ما أريد وأغادر. لكني لم أفعل. في مئزرها المنشّى الكبير قليلاً، بدت ضئيلة وواهنة. ولاحظت تعرّقاً على عنقها، وأطراف أكمامها المجعدة وأصابعها الطويلة، وتخيلت شكلها وهي تعمل. صورتها تتناول الكعك الاسفنجي الساخن من الفرن، تزينها بالكريمة، وتضع الفراولة حبة حبة بعناية متناهية. كنت على يقين بأنها تحضِّر ألذَّ كعك في العالم. بعد وفاة ابني بسنوات عديدة، وأثناء إقامتي بمفردي، تلقيت اتصالاً هاتفياً. كان صوت شاب، لكن غير مألوف. بدا عصبياً قليلاً، لكنه تحدث بتهذيب وهو يلفظ اسم ابني. «ماذا؟»، شهقت، مشلولة للحظة. «أهو في البيت؟»، سأل. «لا. ليس هنا»، استطعتُ القول. «حسناً. وددتُ مكالمته حول تجمُّع لتلاميذ قسم المتوسط. أتعلمين متى يعود؟» أخبرته أنه ليس في البيت. يعيش بعيداً، ويذهب الى المدرسة. «أووه، خبر سيئ»، قال. «كنت أتوق لرؤيته». خاب أمله حقاً. «أكنتما صديقين؟» «أجل. في نادي المسرح. كان الرئيس وأنا نائبه». «نادي المسرح؟» «فزنا بالجائزة الأولى وتأهلنا. تذكرين، «إنسان من نار». لعب دور فان غوغ. وكنت ثيو، أخاه. كان دوماً طليعياً. رجل الفتيات. وأنا صاحبه. لا على المسرح وحسب، أيضاً في الحياة. دائماً تحت الأضواء». لم أنزعج أن الحديث عن شخص آخر كلياً. ولم أصحح له. فابني يقرأ كتاب الصور بمهارة تامة ولا بد أن يُعطى دوراً رئيسياً في مسرحية يوماً ما. «أما زال يمثّل؟». «نعم» «هذا ما ظننته. أيمكنك إخباره بأنني اتصلت؟» «بالطبع». حين انتهت المكالمة، أبقيت السماعة على أذني أصغي إلى الطنين. لم يتصل مجدداً. بدأ برج الساعة يقرع. وحلق سرب حمام في السماء. عند الجرس الخامس، انفتح باب تحت الساعة وخرجت التماثيل – جنود، دجاجة وهيكل عظمي. وبسبب قِدم الساعة، كانت التماثيل باهتة وحركتها بطيئة وبشعة. دوَّرتْ الدجاجة رأسها كأنها ستزعق ورقص الهيكل العظمي. ثم ظهر من الباب ملاك خابطاً جناحيها الذهبيين. أطبقت الفتاة في المطبخ سماعة الهاتف. فحبستُ أنفاسي. نظرتْ إلى الهاتف للحظة، وتنهَّدَتْ بعمق مجفِّفةً دموعها بمنديل. كنتُ الآن أكرر لنفسي ما سأقوله حالما تخرج إلى الضوء الخافت في المحل: «كعكتا فراولة من فضلك».
تزعجني أمي أكثر من أي شخص آخر. أكثر حتى من زوجي. لا تترك فرصة تمر إلا و تعيرني بميولاتي الغريبة. تقول عن ميولاتي أنها صبيانية و شاذة. لا أريد أن أدخل معها في جدال عقيم حول ما أحب و ما لا أحب. أعرف أن نقاشا معها حول هذا الموضوع لن يكون مآله أحسن من مآل نقاش بين شخص لاديني و آخر ديني. لذلك حين تشرع في تشغيل اسطوانتها التي تحكي عن ضرورة أن أكون امرأة مسئولة و أن أتخلى عن البقاء أمام الحاسوب و قراءة الكتب أضع قطنا في أذني. أتركها تتكلم إلى أن تتعب وتدخل إلى غرفتها وتغلق عليها الباب.
أستمر في فعل ما أراه مريحا لي. هي تفهم الأمر على انه تجاهل مقصود مني لها. هناك فرق بين أن تقوم بما يريحك وبين أن تتجاهل الآخرين. الفعل الأول ليس بالضرورة موجها ضد الفعل الثاني كما أن الفعل الثاني ليس نتيجة للفعل الأول. أمي قررت أن تسكن معنا. أقنعت زوجي بذلك. لم يكن الأمر صعبا بحكم أن أمي لها رصيد مالي محترم في البنك. بيني وبين أمي قلق مشترك. قلقها يجد منبعه في فشلها في الحفاظ على أبي بجانبها. جلوسي أمام الحاسوب يحرك كل الشجن و العفة والعفن في ماضيها مع أبي. هي تعتقد أن فقدانها لأبي سببه سمنتها المفرطة وعينا أبي الزائغتين. لا أدري كيف تقتفي أمي أثر الخيط الرابط بين سمنتها و حاسوبي و فقدان زوج بعينين زائغتين. في اعتقادي كان المال الذي ورثه أمي من أبيها حاسما في قرار تخليها عن أبي. لم تسمح لأبي أن يتصرف في أي مليم من مالها. خوفها المرضي من غدر الرجل دفعها إلى أن تحرمنا من المال و من الأب.
قلقي ينزل إلى عمق أعماقي. في ذلك القاع البعيد لقلقي أشعر باللا قرب من أمي. أنظر إليها و أرى في عينيها خوفا عميقا من أن أفشل فيما لم تنجح هي فيه. تصير حياتك جحيما لا يطاق حين تدرك أن الآخرين يودون منك أن تنجح لأجلهم. لأجل أن يستمروا عبرك. أنا لا أريد أن تستمر حياة أمي أو أي كان في حياتي. الدم الذي امتصه عرق لعين منها لن يحدد شكل عيشي. لن أسمح له بفعل ذلك. يكفي أنني ورثت منها علامات سمنتي.
متمددة في فراشي الوردي الناعم أقنعت زوجي بسكن أمي معنا كي تساعدني على تربية البنت والاهتمام بالمنزل. حرص زوجي أن يخصص مبلغا معتبرا لذلك الفراش. في بداية زواجنا اقتنى لباسا ليليا أحمر من قطعتين. تبان أحمر شفاف جهة فرجي وروبا قصيرا. عندما مده إلي في عيدي ميلاد زواجنا الأول خالجني شعور غريب. طلب مني أن ألبسه لأرى، حسب زعمه، إن كان يناسبني مقاسه. ترددت إلا أن الوميض المشتعل في عينيه قطع ترددي. كان المقاس جيدا. أردت أن أزيله إلا أن زوجي جرني من يدي وسار بي نحو السرير. و من دون أن ينتظر رد فعلي شرع في تقبيلي في وجهي و عنقي بينما أصابع كفه اليمنى تنزل نحو بيتي الأبيض. كنت شبه جامدة و لكن النار التي في الجسد لم تمهل جمودي. انطلق جسدي في الاستجابة إلى أن انتشى.
عندما أريد أن أصل إلى هدف رسمته أستعمل جزءا من جسدي لتحقيق ذلك. اليوم لبست ذلك اللباس الليلي الأحمر و وتمددت على الفراش الوردي الناعم. أدرك الآن أن الرجل حين يهديك لباسا ليليا أحمر فإنه يعكس عليك استيهاماته الشبقية. هو لا يهديك لباسا بل يهدي لنفسه حالات نفسية لتسريع و إثارة شهوته. لتحقيق متعته واستيهاماته الجنسية لم يتورع زوجي المتدين عن تكلفه بنفسه لشراء لباس ليلي أحمر فاضح. لا أصدق أنه اشتراه لي. لقد اشتراه لنفسه. لصورة حورية في دماغه. حين حاصرته بالسؤال ذات جماع أفصح لي أنه اقتناه من عند صديق بمثابة الأخ له. ارتديته اليوم ووضعت أحمر شفاه خفيف على شفتي. تعرى أمامي الزوج.
تقول بطلة شنغهاي حبيبي أن أجمل ما في الرجل لحظة تعريه وأقبح ما فيه لحظة ارتدائه لملابسه. عندما يتعرى زوجي يتوقف الدم في شراييني. يصير جسدي باردا لا تنفع معه أصابعه الغليظة و لا لسانه الماص لحلمتي في إشاعة الدفء فيه. حين ينزل بيده اليمنى تباني إلى ركبتي أنظر إلى ظهره فتبدو لي هناك بقعة صغيرة سوداء كبقعة نفط. أتركه يعتقد بأنني أنتشي مثله باللحظة. يرفع عينيه وينظر إلي بينما الأصبع الكبير لقدمه اليمنى التي تشبه رأس سلحفاة برية يدفع تباني خارج قدمي. يعلق التبان في كاحلي كما لو أنه يرفض بدوره أن يستجيب للاندفاع الشهوي المحموم لزوجي. . ثم يضع أصابعه الخمس على فرجي كما لو انه سيأكل من صحفة كسكس. يتحسس بسبابته رطوبة بظري. عندما يضع سبابته هناك يخيل إلي انه في صلاته وقد وصل إلى مرحلة التحية. دون انتظار نزول اللزوجة إلى مدخلي الأسفل يلجني فأحس بسكين حافية تقطع أحشائي. أتألم و أترك دماغي يطير إلى الأعلى. أستحضر صورة وكلمات ورقم هاتف صديقي فيشرع جسدي في الارتخاء. تتحول مطرقة زوجي إلى القضيب الأحمر لصديقي. يسري الماء اللزج في فرجي فيندفع القضيب الأحمر المطرقة إلى جوفي. أترك صوتي ولساني محايدان حتى في أكثر اللحظات شبقية. لا أريد لزوجي أن يمتص لساني و لا أن يسمع تأوهاتي. ثمة حذر يسكنني من الداخل. أخشى أن يذهب بي الشبق إلى حد ذكر اسم صديقي الكاتب.
ستسكن أمي معنا. و سيكون علي إذن أن أتقبل وجودها معي في البيت، نظراتها المتسائلة و الخائفة من أن أفقد بدوري زوجي، شره زوجي إلى فرجي الذي يتبلل عند سماعي لصوت صديقي على الهاتف أو رؤية صورته على صفحة الفيسبوك.
وجودي قرب البنت لوقت طويل يذكرني بالوجود الخانق لزوجي. في المدة الأخيرة بدأت أميل إلى العزلة. إذا لم أجد عزلة داخل المنزل أخرج إلى مكتبة آل سعود. آخذ كتابا و أفتحه. أبقى هناك إلى أن يحين وقت الغلق. قد أقرأ و قد أكتب قليلا. توفر المكتبة شروط الراحة و الهدوء اللازمين لفعل القراءة والكتابة غير أني لا أرتاح إلى اسمها. يذكرني الاسم بعباءة زوجي . بسمنة أمي . برائحة البنزين و الكبت و القمع والشره الجنسي والبطني للرجل الشرقي. أتجاوز مسألة الاسم وأقنع نفسي بأن الغاية تبرر الوسيلة.. هناك شيء آخر أريده وأسعى إلى تحقيقه. أريد أن أكمل دراستي العليا. علي أن أتحمل كل شيء من أجل شهادة أعرف أنها قد لا تنفعني كثيرا. أنا أبحث لنفسي عن سبب معقول للبقاء خارج المنزل. أحاول أن لا أكون عبثية في بحثي ليس لأني أخشى أن يرتفع منسوب الذكورة لدى زوجي فيقرر بسرعة تطليقي بل لأني أريد أن أقترب أكثر من صديقي.
أدمنت الخروج. أصبح الأحد والسبت يومان كصخرة على صدري. اليومان اللذان يريدني زوجي وأمي و بنتي أن أخصصهما لهما صارا عدوين لي. لو طلب مني أن أتمنى شيئا لما ترددت في طلب حذف يومي السبت و الأحد من الأسبوع. بدءا من يوم الجمعة ينبغي علي إطفاء هاتفي. أخشى أن يتصل بي صديقي و أنا في المنزل. أمي ألفت الأمر و صارت تتواطأ معي و القلق يعصر قلبها. حين تختلي بي تسمعني كل كلمات قاموسها الأخلاقي:
– هل نسيت أنك متزوجة؟ هل نسيت أن لك زوجا ينبغي أن تصوني بيته؟ هل ستبقي هكذا طائشة إلى الأبد؟ لا تعتقدي أن صديقك هذا أحسن من زوجك. كلهم يتشابهون.
لا أجيبها. اترك لسانها يتحرك في فمها كمضخة صدئة. أعرف أنني إن أجبتها سأكون كمن يضع ملحا إضافيا على جرح طري. ذات نقاش بيننا حول الزواج والمنزل والأسرة قلت لها بكل الحياد الذي لا يمكن توقع حدوثه بين أم وابنتها أن عليها أن تحتفظ بنصائحها لنفسها. و بسخرية لاذعة رميت في وجهها الذي شحب في الحال:
– لو كان الخوخ يداوي لكان داوى نفسه.
بلعت أمي لسانها و بسرعة أدارت وجهها عني ثم دلفت إلى غرفتها. من بهو المنزل كنت أسمع نحيبها. أكره أن يبكي أحد بالقرب مني. حين أسمع أحدا ينتحب أو يبكي يتحرك بداخلي إحساس إنساني يجعلني ضعيفة أكثر مما احتمل. اقتربت من باب غرفتها و دفعت رجلاي إلى داخل الغرفة. كنت قبيحة و ضعيفة وقاسية في نفس الوقت. لم ترفع أمي عينيها نحوي بينما كنت أدخل إلى الغرفة بل استمرت في نحيبها الآتي من أقاصي حنجرتها. وضعت رأسي على فخذيها و صمت. لم أقل شيئا و لم تنبس هي ببنت شفة. كنا كضحيتي زلزال مفاجئ. كان الصمت سفينة تقل كلينا على انفراد إلى وجهة عميقة و هادئة. كلانا إلى وجهته الخاصة. رويدا رويدا خفت نحيبها و وضعت كفها اليمنى على رأسي ثم بدأت تمرر أصابعها داخل شعري إلى أن نمت. في نومي حلمت بأصابع صديقي الجذابة تتخلل جذوع شعري و تسافر عبر تضاريس جسدي. ابتسمت في حلمي و أن أتذكره يصف كف بطل قصة القطة و هي تنتقل عبر تضاريس لحمية :
– و هل هذه تضاريس قطة، قلت له
– لا. إنها تضاريس قصة، أجاب.
لا أدري كيف نسيت ذات أحد هاتفي مشغلا. كنت ألفت أمر إغلاقه. تساءل زوجي مرة عن سبب إغلاقي المتكرر للهاتف كل نهاية أسبوع. قلت له إنني لا أريد صديقاتي أن يتصلن بي كي لا يثرن أعصابي. زم شفتيه وانطلق لصلاته في المسجد القريب من المنزل. حين أخذت الهاتف وفتحت علبة الرسائل وجدت رسالة من صديقي. كان واضحا أن زوجي قد قرأ الرسالة. صحيح أنها كانت رسالة عادية تطلب مني أن أبعث إلى صاحبها بملخص للندوة التي حضرتها بالكلية إلا أنها أشعلت كل نيران الغيرة والقلق المرضيين لديه. فتحت سجل المكالمات بهاتفي ماركة سامسونج ووجدت رقم صديقي. الظاهر أنه كتب الرسالة بعد أن اتصل بي ووجد هاتفي غير مشغل. حتى و أنا أقرأ رسائله الاسمس و نصوصه أو أتحدث إليه في الهاتف أو فقط أنظر إلى رقم هاتفه يتبلل فرجي و يمتلئ فمي بالماء.
أفكر في الوردة
الوردةُ وهي تموتُ بين يديّ الطبيعة
الوردةُ لا تحزن
لكنها تذوي وشذاها يملأ الحواس
كيف لي أن أصبح وردةً
فراشةً
قطناً سماوياً
يضمد جراحَ الأسرى
جراحَ المُهانين
آلامَ الجبلِ الرابضِ على مشارف الخليل
ذاك الجبلُ الذي مررتُ فوقه سنوات طويلة
وأنا أتعجبُ من انحنائه
للعابرين
وعدمَ اعتراضه على
وقاحة الغرباء
أولئك الذين جاؤوا بغبارٍ أسود
نتفوا أوراقَ الوردة
ورموا تلكَ الفراشات
بفحمٍ أسودَ
ملوثٍ بريش الحمام
ذاك الحمام الذي لم يطرْ فوقَ كتف الجبل
حطَّ بطيئاً باحثاً عن الحَبِّ
ولما رأى العنبَ معصوراً في كؤوس الغرباء
هَدَلَ قليلاً
وطار عن الشجر..
الشجر…
الوردة…
الفراشة
البلاد
وأنا أذوب بين يدي الخطيئة
كما تذوب
الحلوى بين يدي الذنوب
أيتها الحلوى
أيتها الوردة
يا عطر القطن الساقط من حقل السماء
آنَ للكمأ أن يرفعَ رأسَه قليلاً نحو الأزرق
آن للغريق أن يمسك تلابيب القمر
ويجرّه إلى شرفة البحر.
ولأني متعجلٌ نحو الوردة
مستغرقٌ في تفكيكِ أواصر علاقتها بالريح
متشككٌ في قدرة الماء على إحباط رغبتها في الشذى
أسلكُ طريقاً مغايراً للشوك
أفتح باباً موارباً للحياة
أمطُّ تاريخَ الاسفنج
وأغفو عندَ يَدِ المعنى.
عابرٌ سرابَ الكلمات
مأخوذٌ بجدية الفنار في تحرير الضوء
سابحٌ في فضاء الوردة
في نشيجها
في بكاء أوراقها
وغفلتها الأبدية
في يد الغواية تقتربُ من جسد الوردة
في ابتسامة الطبيبة
في رائحة ملابسها
في عشقها للوردة
أكتب للبياض
لقميص الحرية
يا حرية
أنا الوردة
متعددةُ الحَمَاوات
لكني حرةٌ في موتي البطيء
في بث حكمتي للقفار الجريحة.
إنها حربي وحدي
سوف أغسل الكلام
وأعبر الحاجز اللغوي،
سوف أستقيل من الوظيفة
الشفوية،
وأكتب إسمي في مخطوطة الفناء..
سوف أصفك أيتها الحرب
يا حربي.
من سماء القحط واللامبالاة
سوف ألقي على أطلس الدم
نظرة طائر،
كصقر يتنفس العواصف
لأن الأحمر الحار
يغمر الخارطة.
ولكن الرياح
هي التي أنجبتني..
ليست الحقيقة حرة
ولا الخطأ عبدًا
سوف أخرج من بيت الإبرة
لأحرر الأفق من شبابيكه
وأترك الرعد يثرثر
حتى يفيض الفرات
ويغرق الزقورة والآلهة.
هذا هو شعبي
ليس من العالم
ولكنه عابر فيه
ذاكرته مقبرة..
غريب عن سعادته..
لا يحلم
لأنه لا ينام
وإذا نام
ففي تابوت.
سوف أصفك أيتها الحرب
يا حربي..
سوف أكتبك..
سوف أرسمك..
سوف أحنطك..
سوف أترجمك، سوف أغري بك التجار، المغامرين..
العصابيين.. الأوديبيين.. السايكوباثيين
لكي تكتملي..
أريدك أن تخرجي من لغتي
كي أستطيع أن أكتب نصًا
خاليًا من الرعب.
تلك التي تنتشر بين المواسم، أتجف؟
تبذر حقلها كما لو أنها أمطرتْ تواً
كأن أفكر في الشعر وأنا أفتح حمالة الصدر
سريعاً لفحني هواءان أتشوق
و كأني التقطتُها أخيرًا
لكنها في يدي..
أحذو حذو الفلاح لأكتب
أتبسم: الحاسوب العاطل!
لكن الحبر لم يجف
على منحدر رمل البنائين دهشة تلمع
والحصى؟
-سأقتل بها شاعرًا هذا اليوم-
على أذرعهم دروب الماء،
في أكفهم ضجر حرق المعادن
سأشمهم أكثر مما فعلتْ غانية
على المنعطف الى الممشى
امرأة تجر سلالًا من غد إلى الرجال المنتظرين الأمس
على العين نظرة تغض عن المشاة الساهمين في الأرق
إلى الممشى
يقوم صديقي العجوز من بسطية الحلوى
يقبل رأسي و يشير إليّ كما لو أنني أسطع
يلفحني شوقان، أولهما لأمشي و الثاني لأمشي
أتمسك بندب الطبيعة المتضائلة، كم أنها طيبة و مثالية
كالحزن .. كالحزن
فأحس بزخم قلبي وفوات الأوان على التعثر
إلى الكراج
في الزحمة
تومئ راهبة برأسها وتمضي الى الطبابة
إلى بائعي السكائر التوأمين
بفأل واحد
تتقرب الأشجار من رأسي،
صرن أطول
يالهي
كم يساعدنا النسيان والعمل.
إلى الأصدقاء صاروا مدمنين
أتعابهم كما في حوض تضيق به سمكة
إلى حوض يكثر بالأسماك
تشغل عيون طفل شرس كما لو هر جائع
الحياة سيول المحبة الغامضة
هذه المحن المصطفاة
تتلهب كما صفت الروح
ليست روحي هذه التي تخرج كل يوم
تلتقط المعادن و الأشياء و لرحمة في كل ذلك
أن أعود للبيت و قبل ذلك
أشعر بالحب للا أحد
بل؛ لكل ذلك…
بعد هذا، حول الشارع
أدور مرتين
أقل رجلًا غريبًا تأخر إلى بيته
و في عينيه حين يذهب
الحديث هذا- نفسه-
يأخذه معه كله و كأنه قال لي وقلت له،
عن الحقول التي كما لو أنها مطرتْ توًا.
*عنصرية
كلما نظر الرجل الأسود في المرآة
عاتب الله قائلاً:
ما دمتَ أجهدتَ نفسك وخلقتَني
فلماذا جعلتَني قاتماَ كالليل
بوجهٍ كالح
وأسنان بيضاء؟
كلما وقف الرجل الأصفر أمام المرآة
سأل الله بصوتٍ خافت:
لماذا خلقتَني أصفر
مثل زهرة دوّار الشمس
بعينين مستطيلتين؟
الرجل الأحمر يحدّق عابساً في المرآة
ويسأل الله بلا كثير عتب:
لماذا ولدتَني بحمرة الدم
ونسيتَني تحت الشمس؟
ينظر الرجل الأبيض في المرآة
بابتسامةٍ مبتورة
ثم يعاتب الله قائلاً:
لماذا خلقتَني يا الله؟
*انتظار
الغيوم قليلة هذا المساء، لكنني لن أبارح هذا الكرسي. الشمس برتقالة في آخر السماء، حمرتُها المعتكرة تتلاشى بهدوء. سأنتظر صديقي الذي سيأتي بعد قليل، فنشرب كأس نبيذ في هذا الهواء الطلق ونعدّ النجوم كما في كل ليلة لنعلم ما حال كوكبنا وهل يوافق الفلك، هذا الخريف، برجنا المشترك، القوس. ولدنا معا في تشرين الثاني، في ربعه الأخير، ما يعني بحسب كتب الأبراج أننا نحبّ الموسيقى ونهوى الجمال ونألف العيش بحرية وبساطة، وأنّ أنظارنا ترنو الى البعيد، الى الماوراء. سيأتي صديقي حتماً. قد يتأخر قليلاً، لكنه آتٍ لا محالة. إننا غالباً لا ندع هذا المنظر يفوتنا. نحتسي كأس نبيذ ثم نفتح كتاباً كلٌّ بحسب ذائقته ونقرأ. قد يخطر في بالنا أن نكتب أيضاً. كلٌّ منا يملك دفاتره وأوراقه، قد نكتب قصيدة أو مقطوعة نثرية أو شذرات أو قصة نعرف أن ليس في وسعنا ان ننهيها. إننا نعيش وفق مزاجنا، يضطرب حيناً من غير سبب ويتجلى حيناً من غير سبب أيضاً. سيأتي حتماً ولو أن وقتاً مرّ، ساعة ربما، ساعتين. سيأتي مهما تأخر. سينظر الى القمر الذي يكتمل بهدوئه الملكي ويدرك أن الليلة يجب ألاّ نطويها مثل صفحة بيضاء. فضة القمر تنتشر على السطيحة أمامنا، بين أشجار الحديقة المجاورة. لا خفافيش هذه الليلة. فقط نقيق ضفادع تقفز في الساقية الكبيرة معلنةً أن الطقس سيكون جميلاً غداً. خرير الماء هادئ. الهواء نديّ نداوة أول هذا الخريف. سيأتي لا محالة، مهما تأخر. هذه الليلة يمكنني وصفها بـ”ليلة القديس يوحنا”، وهذا عنوان قصيدة كتبها ستيفان مالارميه. ليلة الإشراقات روحاً وحواسّ. مَن يجلس هنا تحت ضوء القمر وسط هذا الهبوب اللامسموع، قد يُخيَّل إليه أن ما يراه لم يره من قبل. فضة القمر كأنما تختلج والسماء كأنها سقف ستهطل منه كائنات مجهولة. لا بد أن يأتي ليشاركني هذا المنظر الذي بدأتُ أتلاشى فيه، لا يمكنني وحدي احتمال هذا الدفق الساحر. لكنني شرعتُ أبصر أول خيوط الضوء تتراخى في السماء. لا أدري كم من ساعة مرّت. سيأتي حتماً لا يمكنه أن يفاجئه الفجر على الطريق. الفجر يشتد بياضاً وآخر قبسات الظلام تنسحب شبه مهزومة. حلّ الفجر. سيأتي. نهضتُ عن الكرسي أنا كائن الليل بعينين ناعستين يلوح في أعماقهما قليل اضطراب، وفي أوج الضوء نظرتُ فإذا بي أبصره. ها إنه أتى أخيراً. لم أبصره بوضوح لأن عينيَّ كانتا مغمضتين.
*متسوّلو الأبد
الغرباء نحن، الذين لا يملكون ما يلقون عليه أسمالهم، متسوّلو الأبد الذين لم يحظوا بنظرة تملأ قعر كأسهم. عندما يأخذ بنا التعب لا نجد حجراً نلقي عليه رؤوسنا. الجنة التي طُرد منها أسلافنا لم تعد تلمع في منتهى شوقنا. نحن الذين هزمهم ناسوت الأرض ولم يبقَ لديهم ما يروون به عطش عيونهم. إننا نرفع أيدينا مثل جنود مهزومين. لقد خذلتنا أحلام الخروج ولم يبق أمامنا إلا أن نستسلم ولكن لا لأحد ولا لإله. صخرتُنا انحدرت الى الأسفل وضجرْنا مثل سيزيف. تركناها ترقد في أعماقنا. لم يبق لنا دربٌ نمشيه، نحن المصابين بداء الميتافيزيق، ننظر الى ما لا نراه وفي ظنّنا أن ما لم يحدث سيحدث. لم يبق للإنتظار معنى في دخيلائنا. نحن المصلوبين مثل عصافير القدر، السماء أُغلِقت من فوقنا وليس وراءنا غيمة. نحن الذين حملنا جسد الإله الى الوادي لم نجد إكسيراً نمسح به جروحه. أيتها الأرض حان موعد هبوطك في أوقيانوس الخلاء. إننا حفظنا ظلالاً كثيرة قد تكون هي دليلنا في هذا السديم الذي لا نهاية له.
*المسرنمون
الخفّاش يحشرج قرب النافذة. بعد قليل يلفظ الليل آخر أنفاسه. وعندما يرسل الفجر أول خيوطه ينهض الحالمون من نومهم ليدركوا أنهم غفوا طويلاً وأن أياماً فاتتهم وعليهم ألاّ يناموا بعد الآن. لكنّ أناساً آخرين يسمّونهم الساهرين سيكتشفون أنهم سهروا طويلاً وأن أياماً كثيرة فاتتهم لم يناموا فيها بعدما جرّح الأرقُ عيونهم. أما نحن المسرنمين، كما نُسمّى، فلا نمضي الى نومنا لأننا نيام وليس علينا أن نسيقظ لأننا ساهرون. نحن المسرنمين ننام ونحن ساهرون، نسهر بينما يحلّ النعاس على أرواحنا.
*أبناء الشمس
الضوء المنبثق من وراء الجبال
أبيض كالعماء
شاحبٌ كوجه رجلٍ مات للحين
باردٌ كجثة في النار
الضوء المريض نغلق أمامه نوافذنا
لئلاّ يدخل غرفة نومنا
وينتشر كالجليد فوق أسرّتنا
هذا الضوء ليس ضوءنا
نحن أبناء الشمس
الذين يلوّح غبارها جلودهم
نحن أبناء الزرقة الممزوجة بالذهب
الأصفر الذهب
أبناء الشمس المستيقظة منذ الأزل
عندما ينهمر ثلج الأعالي
ننام مثل أهل الكهف
نغمض عيوننا لئلاّ تجرحها
حشرجةُ البياض
إننا نخاف ذئاب الخواء البارد
نحن رفاق هواء الصيف
أصدقاء النسائم التي تهبّ من البحر القديم
نجلس على الشواطئ
لنبصر أشرعة السفن
لنسمع أغاني القراصنة وصليل سيوفهم
نحن أبناء المتوسط
لا نجيد الحياة في الظلّ
إننا وُهِبنا لإله النار منذ أن فتحنا عيوننا
البروق لا تغادر سماء صيفنا
النجوم تتناثر على بيادرنا في أوج الظهيرة
ليلنا يقطنه قمر
لامعٌ كوجه قديس.
*العرّاف
ولدتُ بعينين زرقاوين
لكنّ السماء عندما أبصرتهُما
خشيتْ أن أسرق قلبها اللازورد
وأخطف قبّتها العالية
أمطرت السماء برقاً
أحرق عينيّ
ولكن بدل أن أُمسي أعمى
رحت أبصر
ما لا تراه العينان عادةً
أرمق النجوم وراء الغيوم
أشاهد أطيافاً على صفحة القمر
وإذا حدّقتُ في مرآة
ألمح وجهي قبل أن ولدتُ
الحجر اذا صادفه ناظراي
أُبصر ناره تخفق
الغابة اخترقُها برفّة جفن
الأسوار أجتازُها بومضة
في أحيان
لا أفتح عيني لأنظر
الضوء يشقّ طريقاً أمامي.
ولدتُ بعينين زرقاوين
لكنّ السماء غارت منهما
فأمطرتْهُما برقاً
جرح سماءهما
إنهما عينا عرّاف
يُسمّى سارق الإله.
*حبر أبيض
تطفئ الضوء وتجلس فلا يراك أحد ولا ترى أنت نفسك. تقف أمام المرآة فتلفاها بيضاء ثم يلوح من ورائها ما لا تقدر على تذكره. تغمض عينيك فتبصر سماء يحلّق في أرجائها سرب يمام. ترمي في النهر سمكة سقطت للتوّ بين يديك. تصفع الهواء فتقطر نقطة دم.
تبصر الشمس تغيب خطأ عند الفجر والقمر يسقط في شباك العائدين من نومهم.
تبصر امرأة فتظنّها سراباً في صحراء القديسين.
كأنك طيف يفتح ورقة بيضاء ويكتب بحبر أبيض.
*نفس جبران
استيقظي يا نفسُ، قال جبران، جالساً في مقهى في أحد شوارع بوسطن. لكنّ النفس ظلّت هاجعة مثل شجرة لم يطلع عليها ضوء. شرب فنجاني قهوة، عسى النفس تستيقظ، لكنها عاندته. خشي جبران أن يحل الليل قبل أن تستيقظ هذه النفس، فهو سيكتب قصيدة عنه بأشباحه وأجراسه اللامرئية. ظلّت نفس جبران نائمة على غير عادة. لم يعد قادراً على احتساء مزيد من القهوة لئلاّ يقع في هوة اليقظة التي تحدث عنها صديقه بودا. هذه الليلة سيظل جبران سهراناً حتى أول الفجر. سيتأمل الليل بأسى فهو لن يكتب عنه قصيدته الموعودة ما دامت النفس نائمة.
*هذه ليست سماء
لا يحدث النعاس الاّ في جهة مجهولة من العين. التثاؤب خفقُ جناحين في عمق السريرة. أغمض فقط، كي تغفو تحت شعاع شمس، في ظلالها التي لا تُرى. أطرق باباً لا تعرف البيت الذي يفضي إليه. هناك يحلو الرقاد ولو بلا سرير. خط النعاس أعبره لتقع في خوائه، في اليقظة الفاقدة حواسها. أنت ستنام ما دامت نجمة تلتمع في أسفل ناظريك. لا يهمّ أن تحلّق، بل لعلّك تقع عن رابية كنت ظننتُ أنك ارتقيتها. هذا الخدر الذي يشيع ملء أطرافك سيفتح لك نافذة في سماء بلا كواكب. هذه ليست سماء، إنها أرض الأديم الأول.
………………………………………………..
وزجاجات النبيذ الفارغة والبيضات ذات الثقوب الصغيرة
حَسَنٌ، بإمكاني الآن أن أنجزَ انهياراً آخر مهماً
فلأنجزه، هذه المرَّة، إنجازاً مثالياً
أمَّا عن خمرنا والمسودات الجافة
والحب، التصرفات، البصاق، والطموحات العالية
بإمكاني أن أغليهم في قِدر
وأقدمه لك، يا مَن تتوق إلى انهياري التام.
غي ماي ـ من قصيدة “العهد”
وُلِد الشاعر غي مان عام 1967 في مقاطعة هيلونغ جيانغ، والتحق بقسم اللغة الصينية ـ جامعة بكين عام 1985، ووزع عام 1989 للعمل في مجلة “أدب الصين” التي كانت تصدر آنذاك، وبدأ محاولات كتابة الشعر حين التحق بالجامعة. ورغم أن تجربته الشعرية لم تدم إلَّا ست سنوات، إلَّا أنه ترك إنتاجاً شعرياً وضعه بين شعراءِ جيله المميزين، وفي مكانةٍ بارزةٍ في الشعر الصيني المعاصر.
وفي الرابع من سبتمبر عام 1991 انتحر غرقاً في نهر وان تشوان في ضواحي بكين الغربية، وكان عمره 24 عاماً، لينضم كذلك إلى الشعراء المنتحرين من جيله كالشاعر الصيني خاي زي.
كتب الشاعر شي تشوان عن رحيل أصدقائه بما فيهم خاي زي ولُوه يي خي وغي ماي قائلاً:
“كيف بإمكاننا التخلص من أثقال الروح؟ ورغم أننا لا نستطيع التحرر منها كلياً، كيف يمكننا أن ننعم بشيء من الطمأنينة ونحن نسير في دربنا، بدون أن نلتفت بين حين وآخر، متأملين بقلق، تلك الأرواح التي تتبعنا؟ ورغم أنني كتبتُ عن الراحلين الكثير من القصائد والمقالات لتخليد ذكراهم، لكنني لم أتمكن من محو ما تركوا في من كآبةٍ وحزنٍ بالكلمات.
إنَّ حفظ ذكرى ما أمرٌ أخلاقيٌّ ونابع من الضمير، لكن ليس بإمكاني إنكار أن الموت يخترقُ رأسي، ويخترقُ ظهري كقشعريرة باردة، يأتي في حلمي كتجلي الرعب. لقد حلمتُ من قبل أنني أسير في درب ضيق في وادي جبل تتناثر فيه أوراق شجر متساقطة، يفضى إلى منزل مهجور خالٍ من البشر، وكل شيء داخله أزرق اللون؛ جدران زُرق، أرضية زرقاء، كراسي وطاولة زرقاء، أكواب شاي زُرق، تبعث فيك إحساساً ما بالبرودة، ثم رُفِعت الستائر الزُرق فجأة! لم يكن ذلك شغبَ عفاريت، بل كان الصمت، الخواء، وجهَ الموت الحقيقي.”
الذين لا يرون ضوءَ الشمسِ بعد موتِهم
الَّذين لا يرون ضوءَ الشمسِ بعد موتِهم… أناسٌ غيرُ محظوظين
هم ملائكةٌ بأرديةٍ بيْض مقطوعةٌ رؤوسُها
تسيرُ بكآبةٍ رائحةً غاديةً في الدربِ الضيِّقِ الذي يُفضي إلى الدير
تُغنِّي بصوتٍ خفيضٍ… صوتٍ يصلُ إلى آذانِ الغربانِ الصغيرة
الساكنةِ أسفلِ إفريزِ الباغودا
والماعزُ الأسودُ الحالمُ بالروثِ في طريقِه
يمكنه أن يلمحَ أشجارِ الحورِ الكثيفة. أمَّا أنا
فأكون سوطاً شرساً
يجلدُ تلك التخيلاتِ الملعونةَ بالموت
هذا عَلَم… عتمةٌ تخفق
بعد الموت، من بإمكانه أن يرى الشمسَ مجدداً؟ والحياة
بديلٌ مهيب… انْتَظَرَ طويلاً
عيناه معبأتان بصوفٍ بُنِّي
باستطاعتِه أن يصيرَ نجوماً في سماءٍ ليلة
بعد موتِنا لن نستطيع رؤيةَ الشراراتِ المنبعثةِ من حِمم اللافا
بعد موتِنا لن يمكننا أن نحلمَ بهؤلاءِ الذين يحلمون بالشعر
وكأنَّ الأمرَ أشبه بزجاجةٍ سحريةٍ ذاتِ مدخلٍ مُحبَّبٍ إلى النفس
تدفعنا الهوامُ والبذورُ نصفَ المشقوقة
إلى الحُلمِ بالشِّعر… أمَّا في كلماتٍ القصائدِ الكئيبة
ثمةَ هناك الذين لا يرون ضوءَ الشمسِ بعدَ موتهم.
شخص
شخصٌ يحيا في لغتِه
شخصٌ يحيا في مياهِه
شخصٌ يحيا في ضوءِ النجومِ الساطع
شخصٌ يحيا في قلوبٍ طيبةٍ لأشخاصٍ آخرين
بَسَطتُ شباكَ الحكمةِ في الطريقِ لأحبائي
وبالطبع يمكنني الحصولَ على طعامٍ رخيص
لكن إذ أسكبُ اليودَ الحلوَ على كُمِّي
يتهادى من بعيدٍ بحرُ دموع.
إذ أُرافقُ صديقاً إلى الكنيسة
ثمةَ ثلاثُ حيواتٍ لم تختبرها بعد
ثمةَ ثلاثةُ طيورِ سنونو أمسكتُ بها في حجرتِك
ثمةَ ثلاثةُ معتقداتٍ حفرتُها في الشجرة
ثمةَ ثلاثةُ أنهارٍ لم يطأها إلَّا طرفُ قدمِك
ثمةَ ثلاثةُ مراسمَ تُعقَد قربك
ثمةَ ثلاثةُ أزمنةٍ تعبرها في حُلمِك
ثمةَ ثلاثةُ قناديلَ أخمدتها الريحُ في حُجرتِك
ثمةَ ثلاثُ نوافذَ تُفتَحُ وتُغلقُ في حياتِك
ثمةَ ثلاثُمائةِ خيطِ ضوءٍ، تُفضي إلى دربِ الرب
ثمةَ ثلاثةُ آلافِ حجرٍ، هي زهورٌ خفيةٌ عن أعين الناس
ثمةَ ثلاثونَ ألفَ سهمٍ، تشيرُ إلى وجهةِ الموت
ثمةَ ثلاثُمائةِ مليونَ سفينةٍ، غرقت واحدةٌ تلو الأخرى يومَ ولادتِك
ما يُسَمُّونَه الحبَّ ما هو إلَّا سعادة
وما يُسَمُّونَه الألمَ ما هو إلَّا خطأ
الحَدّ
أن أرى نفسي كتاباً، أمرٌ مستحيل
والتحليقُ مستحيل.
وأن أعيشَ داخلَ ثمرةِ جوزٍ، أمرٌ مستحيل.
وجيتارٌ ذو ثلاثةِ أوتارٍ، يُمَنِّي بسعادةٍ ناقصةٍ، أمرٌ مستحيل.