المدونة

  • بهاء إيعالي – سوريا

    Ivan Milev
    Our mothers are always dressed in black
    Ivan Milev

    للسماءِ أصواتٌ
    للأرضِ أصواتٌ أيضاً
    والشجرةُ، الخفيفةُ أكثرَ من هذه الأصواتِ، تخبركَ عنِ الذين ناموا تحتَها ولم يستفيقوا
    فلا تقتربي منّي في هذه اللحظةِ
    بثوبِك الليلكيَّ الذي أحاولُ ألا يقذّرَه الدخانُ
    ولا تعانِقي جسدِي
    المنفى الذي اخترتِه فيما كنتُ أحاول النومَ؛
    هذا النوم الذي يلتقِطهُ الصبيةُ في فراشِ الموتى
    هو النومُ المعلَّق كيفما أرادَ أن ينظرَ
    والمتروكُ حيثُما علِّق لأنّ أبي لم يشَأ أن يصطحبَه معهُ إلى السريرِ
    حيثُ الأرضُ الثقيلةُ تحضنُ أجساداً خفيفةً
    وحيثُ تتركُ أكياسَ التبغِ وأوراقَ السجائرِ-علّ أحداً استفاقَ.

    الثقوبُ بينَ وجهي ووجهِك يا صديقتي: رصاصٌ، هواءٌ ثقيلٌ، حجارةٌ، أمطارٌ متعفنةٌ… كلها تحدث ثقوباً في هذه الأرضِ
    الناظرونَ لهذه الثقوبِ كائناتٌ تخافُ من وجهِ سوريا
    وأطفال اعتقدوا أنّها صالحة لتثبيتِ الحشائشِ التي سرقوها منَ الحديقةِ
    أما الباقونَ
    من بسبب نومهِم بكى الإلهُ على هذه الثقوبِ الكثيرةِ
    محضُ حراسٍ لهذهِ الأرضِ، غير أنّهم جبناءُ فلم يلتقطوا المتساقطاتِ.

    وجهُك الآن يا صديقتي ينقّبُ عن ساعةٍ
    يستريحُ بها الكونُ من الدخانِ
    الآنَ-أو كانَ…… لا فرق
    لا زالَ وجهُك ينقِّب عنها
    فيما الأرضُ تقول لورداتِها ألا يستيقظنَ
    وهيَ تركضُ نحو وجهِكِ صارخةً: أسرعي، يكادُ “سوريا” أن يغفو؛
    ما النومُ إن أتانا؟
    إنه لا زال معلّقاً أيتها الأرض: القتلى، الشهداءُ، الخونةُ، الأطفالُ، الشيوخُ، الفتياتُ الجميلاتُ، العاهراتُ، أصحابُ الباراتِ، بائعو العرقسوسِ، أئمةُ المساجدِ، شماسو الكنائسِ، تجارُ الأسواقِ القديمةِ، العمالُ المياومونَ، العقلاء، الحمقى، الشعراء، الأطباء، اللصوص، رجال الشرطة، الجنودُ…..
    جميعُ هولاءِ يشهدون أنّه لا زالَ معلقاً ولا يريدُ أن ينزلَ
    وأنا، وأنتِ، كأحد هؤلاءِ
    علينا أن نشهدَ أيضاً على ذلك
    وداخلَنا إيمانٌ لا يقولُ إنّنا مستسلمونَ
    بل يقفُ أمامَه وهو يئنُّ صارخاً: يا لارتفاع قدمَيّ.

    هل عليّ أن أفصح كيف نامت العاصفةُ على وجهِك؟
    وجهُكِ متجعّدٌ
    ممتلئٌ بالدماءِ. كل هذا أعرفُه
    فقط لأنّ الدمَ الذي يملأُ وجهَك لطالما انشقَّت الأرضُ بسببِه
    فقط لأنّهم يدركون أنّ الرصاصةَ التي تعوي فوق رأسِك لم تستطِع حتى خدشَك
    فقط لأنّ الأرضَ أيضاً لم يستطِعِ انشقاقُها أن يبتلعَ وجهَك
    فقط لأنّك ترينَ الوردةَ كما أراها
    أيّتها الوردةُ
    يا جثّةً تحملُها قصبةٌ خضراءُ لنبتسمَ
    كأنّما نحن حمقى أو دونَ ذلكَ بقليلٍ
    وكأن الأرضَ لم تقل لنا إنَّ الورودَ هي آخرُ وجوهِ الموتى
    أيّتها الوردةُ
    يا دماً يفرحُ لرؤيتهِ الحمقى
    إبقي نائمةً كي يستريحَ من خرجتِ من جثثهم.

    أرتطمُ خفيفاً بحائطٍ قديمٍ لم يعد فيه مكانٌ لزراعةِ الرصاصِ
    بينما كان الهواءُ يحاولُ أن يدفعَ الموتَ دونَ انتظامٍ
    هذا الهواءُ الذي جعلني عديماً كصورةٍ فوتوغرافيّةٍ نسيَها العجوزُ فوق السريرِ لألفِ عامٍ
    حين أسقطُ ما في داخلِي من وحشةٍ
    المرتدية لقميصِ شهيدٍ سلقَه دخانُ الحربِ
    يسقطُ الهواءُ معي
    ويسقط الموتُ الذي لطالما ارتفعَ عن وجهِك
    الذي يرقّعُ نفسَه المتهالكةَ بمكياجٍ محلّيِّ الصنعِ؛
    في سقوطي، اللاإراديِّ
    يخرجُ وجهُ سوريا وهو يكفكفُ دموعَه
    حابساً ملء عينيهِ صراخاً لا يريدُ أن يصلَ أسماعَ ال “كو كلوكس كلان ”
    هو يصرخُ بي وحدي: سر حيث تجدُ السماءَ باستقامتِها
    فأرى السماءَ باستقامتِها واعوجاجِها وانكسارِها وانعكاسِها وهدوئِها واضطرابِها وصحوِها وتلبدِها، ووجهِها الذي يكسو جلديَ بسائلٍ شفافٍ يقالُ إنه المطر
    هو دمُها الذي تحاولُ ألا تريهُ لوجوهِنا
    بل هو العدمُ نفسُه في عيونِ الحمقى
    العدمُ الذي ينامُ فوق الترابِ الذي تلتحفُهُ الأرضُ كغطاءٍ قديمٍ غيرِ مرقّعٍ
    هنا أجلسُ بين الموتى قليلاً
    لربّما أرتفعُ بعضَ الشيءِ نحو هذه السماءِ وتسقطُني عدماً.

    في “سوريا” يولد “سوريا”
    في “سوريا” يموت “سوريا”
    فلتحاولي ألا تنامي
    كي تري ما يفعلُه الدمُ للمارّةِ الكثرِ فوقَ ذاك الرصيفِ المتكسّرِ
    كي تهدئي قبل أن يخرجَ الحمقى مجدداً نحو أحلامِهِم الميتةِ كجرذونٍ شتويٍ
    كي تتفرّجي عليهم
    وهم يحاولونَ رميَ قمصانِهم على وجهِك ظنّاً منهُم أن الضبابَ سيختفي عن عينيكِ
    الهواءُ؟ فوق “سوريا” وتحت “سوريا”
    الدمُ؟ على “سوريا” وحول “سوريا”
    الحياةُ؟ وراء “سوريا” وأمام “سوريا”
    الموتُ؟ بين “سوريا” و”سوريا” أيضاً
    كل الأشياءِ “سوريا”
    ووجهُ “سوريا” يقظٌ بينَ كافةِ وجوهِ الآلهةِ
    هكذا تحاولينَ ألا تنامي، كيلا يستيقظَ الدمُ وروداً حمراءَ؛
    كقفازِ الأطباءِ ينخلعُ الموتُ عن وجهِكِ
    كلذّةِ صورةٍ قديمةٍ تدخلينَ إلى وجهِي لتستريحي
    وأنا
    قفزةً تلو قفزةٍ
    بوجهِي نفسِه-وجهُك كنحاسةٍ معتّقةٍ في غرفةِ صديقيَ العجوزِ
    بصراخيَ الأخرسِ الذي لا أريدُ للموتى أن يسمعوهُ
    أجمعُ ريقي في كأسٍ لأغسلَ به الغبارَ العالقَ في الطريقِ
    أضعُ آخرَ أشجارِكِ رأساً لي لأفكّرَ كيفَ يقدرُ العصفورُ على النومِ
    ريثَما تنتهي حكايةُ النومِ الطويلِ-الموتِ الطويلِ
    حينَها سأرسمُ وجهَينا
    رصاصةً رصاصةً
    في “سوريا” يموت “سوريا”
    في “سوريا” يولد “سوريا”….

  • إدريس محمد جماع – دنياي أنت وفرحتي

    إدريس محمد جماع – دنياي أنت وفرحتي

    دنياي أنت وفرحتي
    ومنى الفؤاد إذا تمنى
    أنت السماء بدت لنا
    واستعصمت بالبعد عنا
    هلا رحمت متيمًا
    عصفت به الأشواق وهْنا
    وهفت به الذكرى فطا
    ف مع الدجى مغْنى فمغنى
    آنست فيك قداسة
    ولمست إشراقًا وفنّـا
    ونظرت في عينيكِ
    آفاقًا وأسرارًا ومعنى
    هـزته مـنك مـحاسن
    غنّى بها لـمّـا تـغنَّى
    يا شعلةً طافتْ خو
    اطرنا حَوَالَيْها وطــفنــا
    وسمعت سحريًا يذوب
    صداه في الأسماع لحنا
    نلت السعادة في الهوى
    ورشفتها دنًّا فدنّا
    كلّمْ عهـودًا فى الصـبا
    اسألْ عهـودًا كيف كـُنا
    كـمْ باللقا سمـحتْ لنا
    كـمْ بالطهارةِ ظللـتنا
    ذهـبَ الصـبا بعُهودِهِ
    ليتَ الطِـفُوْلةَ عـاودتنا

  • طالب شحادة-كل الطرق تؤدي إلى روما/الطاحون؟ فلْيُعَدِ التفكير من جديد

    طالب شحادة-كل الطرق تؤدي إلى روما/الطاحون؟ فلْيُعَدِ التفكير من جديد

    Andrey Bogoslowsky
    Andrey Bogoslowsky
    -هناك طرق لم نمش فيها رغم كل شيء
    طرق مشى فيها غيرنا مثلاً
    أدت بنا نحن بشكل ما إلى الحرب.
    -في الصحراء كل الطرقات هي روما، ولا روما أبداً.
    -في البوصلة تغفو الجهات والشمال طريق الشمس
    -أجرّبت أن تمشي دون هدف
    أسمعت يوما بٱبتكار الطرقات ؟؟
    -على كل حال، كل الطرقات تؤدي إلى كل مكان، يقول السكران.(بمعنى: أدخل الحانة لأجدني في اليوم التالي مستيقظاً على الشاطئ)
    يضيف بعد جرعه: كل الطرق تؤدي إلى الحانة ثم إلى الطابق العلوي فيها.
    -كلّ الطرقات تؤدي إلى قدمي. أقول أنا واقفا.
    -كل الطرق من الدائرة تؤدي إلى المنتصف
    أفهم هذا
    حين أبدأ المشي من قدميك ويديك ورأسك وأصل إلى سرتك أو … نعم هناك ..
    -أن ينتظرك أحدهم هو أن يجمع الطرقات ويربطها في وقوفه كحمالة المفاتيح.
    (بالمناسبة، ما زلت محتفظاً بكيس خطواتكِ التي جمعتها خلفك)
    – الذين لا يقدرون على المشي، يشبهون المطر، أعني يسقطون فحسب.
    -أكنتَ طريقا لأحدهم في يوم ما ؟
    ربما،
    لكنني أعلم أن كل الطرق لم تؤد إلي.
    -كلّ الطرق اللعينة تؤدي دائما إلى روما ولا تؤدي إلي.
  • إخلاص الصاعدى – العري في الفن: فضيلةٌ أم خطيئة ؟

    إخلاص الصاعدى – العري في الفن: فضيلةٌ أم خطيئة ؟


    تحفل اللوحات الفنية بالأجساد العارية بداية من حضارات ما قبل التاريخ، وصولا إلى الفن المعاصر. بيد أن العري كان ملمحا مهما من ملامح لوحات و منحوتات حضارة اليونان لتصوير الميثولوجيا ثم ازدهر كثيرا في عصر النهضة. لا يقتصر استخدام الجسد العاري على الفن بلوحاته و منحوتاته بل يمتد إلى التصوير الفني و الإعلام و حتى الاحتجاج مؤخرا. سأتناول هنا جانب الفن فقط و لعله يوفر مدخلا بسيطا لفهم مضامين العري في البقية.
    هناك بطبيعة الحال رأيٌ يحتفل بالعري و رأي آخر يضيق به. فهل ننظر إذن إلى الفن العاري باعتباره خطيئة أم فضيلة؟

    لنتناول ما يدعمه أولا -باعتباره الأبعد عن ثقافتنا- ملخّصا في نقاط:

    قد ينظر إلى الثياب ككونها أحد العناصر الدخيلة على علاقة الإنسان ببيئته. يقول عالم الأنثروبولوجيا Ian Gilligan بشأن الملابس:

    الملابس هي الشيء الذي يفصلنا عن الطبيعة؛ حرفياً و رمزياً. إنها تؤثر على الطريقة التي ندرك بها أنفسنا و بيئتنا. الملابس حائلٌ بيننا و بين العالم، بيننا و بين نفسنا الفيزيائية، و لها بالتالي انعكاسات على الكيفية التي نرى بها أنفسنا بالمقارنة مع الأشياء الأخرى حولنا ، و الكيفية التي تتفاعل بها أجسادنا مع العالم. لقد لفّــقنا بيئة مصطنعة بالكامل، و هي بشكل ما كالكساء الخارجي. جوانب عديدة من حضارتنا تعزلنا عن العالم الخارجي الطبيعي.

    التعري قد يكون شكلا من أشكال التعبير عن الحرية و رفض القيود السلطوية؛ في ذلك يقول الفنان Fred Hatt:

    بالنسبة للأصوليين المتعصبين من كافة الثقافات و الذين يخافون الحرية الفردية، فإن صورة الجسد العاري تهديد للنظام ! لأنها تذكر الناس بالمتعة الحيوانية الخالصة. الجسد الحر يرعب السلطويين. إذا اختبر الناس الحرية على مستوى الجسد، فقد لا يعود بالإمكان السيطرة عليهم. لذا، ينبغي أن يفرض الاحتشام بصرامة.

    الفن العاري قد يكون وسيلة للثورة على الفصل الحاد بين الروح و الجسد و الذي يميل إلى جانب الروح بشكل غير عادل. إنها وسيلة للقول بأن هذا التباين ليس حقيقا بالدرجة التي يبدو عليها، يوضح Fred Hatt:

    نحن نصوّر العقل أو الروح كـ سماوي، ملائكي، و نقي، بينما نصور الجسد المادي كشيء يربطنا بالموت، بالرغبات المُـتلِفة، و بالمعاناة. بالتالي: صورة الفن العاري تذكّرنا بأننا أجسادُنا.. أن الجنسانية و الغريزة و الوفاة طبيعتنا الفعلية.. أن جمال الطبيعة الحيوانية فينا لا يمكن فصله عن جمال روحانيتنا.

    الجسد و الطبيعة و ما هو حي على الأرض.. تم اختزالهم إلى مجرد أشياء.. أشياء وجدت لِـتُستغل و تروّض بلا رحمة في سبيل ترقية الروح المفترض بأنها طاهرة. لقد عانت الأرض كثيرا بسبب هذا الفصل داخل الإنسان، و لكن نحن بدورنا كمخلوقات من هذه الأرض لم نهرب من هذا الألم أيضا.

    قد يكون العري وسيلة لضبط المقاييس المقلوبة، أي لإظهار ما هو حقيقي .. ما هو جميلٌ فعلا. في معنىً شبيهٍ يقول مايكل آنجلو :

    أيّ روحٍ فارغة و عمياء لدرجة أنها لا تدرك حقيقة أن القدم أنبلُ من الحذاء، و أن الجلد أجمل من الحلل التي تغطيه؟

    ما ذكر إلى الآن هو بعض ما يمكن أن يمثله الفن العاري بالنسبة للمتأمل، فمالذي يمكن أن يمثله بالنسبة للفنان نفسه؟ عند الفنان؛ رسم الجسد العاري معقد و بعث الحياة فيه أعقد ، و هذا يمثل تحديا لذيذا. يقول الفنان Jacob Collins:

    لقد أردت أن أصب كل طاقتي في أعظم تحد يمكن أن يواجهه رسام. لا شيء أصعب من أن ترسم قواما ببساطة و وضوح، بجمال و قوة. أن ترسم الإنسان داخل الشخص من خلال جسده الخارجي هو الهدف الأصعب و الأسمى. أن ترسم بمهارة خبراء الماضي و تشعر بأنك لا زلت منتعشا رغم ذلك.. أن ترسم قوالبا تشريحية تنبض بالحياة.. أن ترسم رأسا و كأنه مثقل بالأفكار يعني أن تقفز إلى عالم عظماء رسامي العصور الماضية.

    بالإضافة إلى ذلك، فالعري يعبر عن انفعالات الجسد:

    الجسد العاري يعطي الفنان مساحة أكبر ليعبر عن مشاعر مثل التوتر، الغضب، القوة، و اليأس و للتعبير عن الحركة أيضا: العضلات المتقلصة، الأوردة الممتلئة، الجذع الملتوي، الساق المليئة بالأوتار.. تعطي كلها إحساسا بالحركة.

    أما بالنسبة للرأي المخالف؛ فإن نصيبا كبيرا من المعارضة كان بسبب عري المرأة تحديدا. لماذا؟ بعض أقدم اللوحات اليونانية أتت لتصور الأساطير بصريا، فتُظهر الآلهة المذكرة و المؤنثة عارية، و تُسبغ على عريها معاني الطهارة و السمو و البهاء. لما تغيرت مواضيع اللوحة و اتجهت لتصوير مظاهر الحياة، ظهر جليا أنها تميل لتصوير الرجال كمحاربين أشداء أو شهداء. أصبح هناك تمايز كبير بين الدور الفاعل الذي يصور فيه الرجل و بين الدور السلبي الخاضع الذي تصور فيه المرأة، إذ غالبا ما تكون مسترخية، متكئة أو مستلقية.

    في السبعينات؛ نشر الكاتب و الناقد الفني John Berger نقده لعري الإناث في الفن في برنامج تلفزيوني و نصوص، ألخص فيما يلي بعض نقاطه للتعرف على وجهة النظر المعارضة:

    ترافق المرأة صورتها لنفسها دائما، إلا عندما تكون وحدها – و ربما حينها أيضا- . لقد عُلـِّــمت بأن تفحص و تتقصى شكلها باستمرار. لوحات الفن العاري أيضا تصوّر المرأة كـ “منظر” لِـيُطالع، و نادرا ما تمثل اللوحة شخصيةً أو صفة. إذن؛ على العارية أن تكون غرضا ليعاينها و يقيمها و يحكم عليها مشاهد ذكر.

    عريّــها هنا ليس تعبيرا عن مشاعرها الداخلية، و إنما “علامة” على خضوعها للطلب. العري هنا ليس احتفالا بالحب الجنسي الحيوي بين اثنين، و الذي تكون المرأة فاعلةً فيه كما الرجل، و تمتص فيه أفعال أحدهما الآخر. بل على العكس؛ فإن الشخص الآخر الذي يهم هنا هو الغريب المتفرج الذي يطالع الأنثى العارية. – غالبا ما يُلاحظ في هذه اللوحات (النظرة إلى الرجل) ؛ أي أن اهتمام الأنثى منصب على المشاهد و ليس منسجما مع مشهد اللوحة- . تظهر المرأة غالبا بليدة و خاملة، و كأنها هنا لِتُشبع غريزةً و ليس لتحظى بواحدة لنفسها… إن الجنس ليس داخل المشهد بل أمامه!

    لقد أصبح العري نوعا من الأزياء الموحدة الغير قابلة للخلع و التي تقول: أنا مستعدة الآن للإرضاء الجنسي. تبعا لذلك، لا يمكن أن نطابق بين العري و بين الحرية باعتبارهما شيئا واحدا.

    يقال: أن تكون عاريا هو أن تكون حاسرا ، و هو أن تكون بلا ملابس ، و هو نوع من الفن.

    أنا أضعها بالصورة التالية: أن تكون عاريا هو أن تكون ذاتك. أن تكون حاسرا/ مكشوفا هو أن تُرى عاريا من قبل الآخرين و لا يُتعرَّف على ذاتك بالرغم من ذلك.

    أن تكون عاريا يعني أن تكون بلا تنكّــر أو تخــفٍّ. أن تكون معروضا يعني أن يصبح سطح جلدك قناعا لا يمكن التخلص منه.

  • ماهر نصر – مائة جلدة

    ماهر نصر – مائة جلدة


    مائة جلدة
    رأسُه معلُقٌ بين شجرتين ،
    شجرةِ الأمس ِ ،
    وشجرةِ الأمسِ القادم .
    شجرةٌ خَلْفه شدّته من قميصٍ مُرَقّعٍ ،
    لا يسترُ مائة َ جَلْدَةٍ ،
    كان قد رسمها فوق قلبه .
    وهي تُكَتّفُ بأغصانها ساقيْن نحيلين ،
    كَعُودين من حطب .
    الشجرةٌ الأخرى
    عاريةٌ تماما ً،
    -كَامرأةٍ ناهدٍ،
    الأوراقُ تَسْقطُ من صدرها،
    كَغيْمَةٍ من غبارٍ تطارد عينيه.
    ناهد تقيسُ فتنتها،
    كأنها تقيس أقدامها على الرمادِ ،
    بعينيها تقطفُ ثمرته –
    ولا تشعلُ مصابيحَ كفّه
    فمن يدلّه على نسخ ٍفقَدَها لجسده ؟
    ومتى يجدُ لرأسه طبعته الأولى ؟

  • ”ريجيس دوبريه”… عندما يكون السجن حرية ونافذة خفية على العالم_أوس حسن

    ربما نسأل أنفسنا أحيانا ما هي الأشياء الحقيقية في هذه الحياة؟ الأشياء التي تستحق أن نعيش من أجلها ولأجلها، أن نمارس كينونتنا بحرية تامة بعيدا عن مرايا الآخرين.
    في خضم هذه التحولات الكبرى والسريعة التي يعيشها العالم في زمن تسليع الحياة والإنسان وتحويله إلى آلة مبرمجة، لا بد لنا أن نجد فسحة جمالية نعود بها إلى ذواتنا، وربما لا نجد هذه الفسحة إلا في الأوقات العصيبة والمصيرية التي تمر بنا أو تهدد وجودنا كالعزلة القسرية أو المرض أو السجن، عندها يصبح الإمساك باللحظة الراهنة المعاشة إبداعا وتجليا روحيا خاليا من الأوهام التي يخلقها العقل الذي يشوه كثيرا من إدراكنا الحسي، وعلاقتنا مع العالم الخارجي. فـ«ميرسول» بطل رواية «الغريب» لالبير كامو لم يعش حياته الحقيقية كما ينبغي، ولم يفهم ذاته فهما عميقا إلا في الأيام الأخيرة في سجنه، فكان يستمتع بأبسط الأشياء في زنزانته ويتماهى معها، كخيوط الشمس التي تتسلل كل صباح من نافذته، ومراقبة النجوم والأضواء اللامعة في السماء. هذا التماهي مع العدم ونكران الذات هو الذي منحه تلك السعادة الغامضة والسحرية، التي جعلته يرفض استئناف المحكمة مرة أخرى.
    كما نجد هذا واضحا ومتحققا في روايات دستويفسكي، خصوصا تلك التي كانت تسلط الضوء على العالم الداخلي للنفس البشرية واضطراباتها، فدستويفسكي نتيحة معاناته الدائمة مع مرض الصرع واقترابه من لحظة الموت في سبيريا جعلته مشرحا سايكولوجيا للنفس البشرية، فكانـــــت رهافة دســـــتويفسكي تزداد مع إحساسه بعذابات الناس وآلامهم، كما أن عدم كمال هذا العالم دفع بدستويفسكي للولوج إلى جوهر الخير والشر عند الإنسان، من خلال تأمله للرغبات والدوافع المكبوتة ورسم شخصيات مشحونة بجو من صراع التناقضات والثنائيات وما يرافق هذا الصراع من أقدار ومصائر.

    «مذكرات بورجوازي صغير بين نارين وأربعة جدران»
    قد يتساءل القارئ هنا ما الفائدة من العودة لقراءة كتاب من الأدب الماركسي في زمن موت الإيديولوجيات ونهاية التاريخ وصدام الحضارات؟ هل علمنا الأدب الماركسي أن نفكر بطريقة صحيحة وسوية فعلا؟ هذا ما سيجيبنا عليه ريجيس دوبريه الكاتب والمناضل والفرنسي الذي اعتقلته القوات البوليفية بعد مقتل تشي غيفارا، وحكمت عليه بالسجن لمدة عشرين عاما، ولكن انقلابا حدث عام 1970 خفف عن دوبريه قيود الزنزانة فسمح له بأن يقرأ ويكتب. فكان كتاب «مذكرات بورجوازي صغير بين نارين وأربعة جدران» هو ثمرة أفكاره وتأملاته في السجن.
    «سيكون المرء قويا بالوهم في العشرين من عمره، وقويا بزوال الوهم في الأربعين»
    «يجب على المرء أن ينسى أن الزمن هو المقياس الوحيد للقيمة».
    هكذا تكلم دوبريه في سجنه وهو يواجه مصيرا مجهولا، فهذه المقاطع وغيرها من مذكراته في زنزانة كاميري في بوليفيا؛ ليست فقط تحطيما للأوهام الماركسية والإيديولوجية وإنما إضاءة على العزلة التي يعيشها الإنسان بين أربعة جدران. يمكننا القول إن الكتاب مرآة سايكولوجية فيها من الدموع والألم والندم الشيء الكثير، وفيها أيضا لحظات متوهجة بالأمل والتفاؤل بعالم جديد، فهي تارة تقترب من اللغة الشعرية في التوصيف والتجريد، وتارة تخاطب المثقفين والفنانين والشعراء بصدق واضح وحلم برؤية غد أجمل. فبدلا من أن يكون السجن حافزا لليأس والإحباط والانتحار، أصبح عند دوبريه نافذة خفية لرؤية العالم وجماله، من خلال مخاطبة نفسه والآخر، فقد تناولت هذه المذكرات مواضيع عديدة في الأدب والفن والسينما وعلم النفس، وهو الداعي إلى تحرير الفنون والآداب من السلطة ورقابتها، وخلق واقع موازٍ للواقع يحاكي الهم الإنساني على هذه الأرض. لذا لم تخل مذكراته من عين الناقد المتفحص والمثقف العميق، فهو يجري تشريحا دقيقا لروايات كبار الكتاب العالميين ويستنطق أفكارهم كدستويفسكي والبير كامو وستاندال ومارسيل بروست وغيرهم، بل يخلع الأقنعة الملونة عن بعض الأدباء ويكشف زيفهم أمام التحدي المصيري الكبير الذي يواجهه الإنسان.
    إن فكرة النضال عند دوبريه تختلف بعض الشيء عن الكلاسيكيات الماركسية واللينينية، نستطيع أن تبين تأثره بأفكار وفلسفات أخرى كالعدمية وبعض الرؤى النيتشوية «رغم أنه أدان الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه بشدة واعتبره أحد الرواد الإيديولوجيين للفاشية). يرى صاحب كتاب «ثورة في الثورة» ومنظر علم الميدولوجيا أن الإنسان جزء من الطبيعة، وهو محكوم بالعدم، فالكفاح والتضحية من أجل أن يحيا البشر بسعادة؛ رسالة تستحق العيش من أجلها، وهنا يكمن مفهوم البطل عنده لكن بلا ضجيج ولا عناوين ضخمة ولا ألقاب. وفي مواضع عديدة يدعو الإنسان إلى نكران الذات وتمزيق الأقنعة الاجتماعية الزائفة التي تفرضها الهوية والعقائد والموروثات، لكن هذه الطوباوية الحالمة التي يتسم بها دوبريه لا تنفصل كثيرا عن يوتوبيا ماركس وأنجلز في تحقيق الفردوس الموعود على هذه الأرض، بل يمكننا القول إنها رسائل وأفكار متممة لها، لكنها متلائمة مع متطلبات العصر ورؤاه الجديدة.
    هذه التجليات المضيئة للروح الصوفية عند دوبريه تظهر في العزلة بقوة ووضوح شديدين، ففي جوانب كثيرة نراه يتكلم بحكمة العارف الزاهد عن أمور شتى في الحياة، كالحب والجنس والسياسة والدين. هذا الإرث من مذكرات السجن يجب أن يحظى بمزيد من الاهتمام والدراسة؛ لأنه جزء من دراما الحياة ومن تراث الأدب الفلسفي الذي سيبقى خالدا في الفكر الإنساني. عن السعادة واللحظات الحقيقية يتكلم دوبريه: «إن ما يسمى حقيقيا بالنسبة لفرد، هو هذه الحقبة من حياته المتطابقة مع الفكرة التي كونها عن الحياة، حين يحس حياته ترتفع وتتساوى ذات لحظة مع جوهره الحميمي. إن لحظة السعادة أو الحقيقة هي اللحظة الفارقة التي نستطيع أن نمارس ملكاتنا الحيوية التي نضحي من أجلها بحياتنا المادية».
    إن استعادة براءتنا المفقودة تكمن أحيانا في ارتهاننا لزمن لم يعد موجودا، فعالم البساطة والنقاء انهار أمام توحش الرأسمالية، والأسئلة الأخلاقية الكبرى التي تعصف بعصرنا، عصر العولمة والثورة المعلوماتية.
    قراءتنا لرسائل ومذكرات المثقفين الأممين في السجون وتحت سطوة الجلاد؛ تمكننا من الإمساك بالمعنى وبالحياة التي تتسلل هاربة منا في كل لحظة، فالوعي الكامل بالحضور واليقظة الداخلية يواجهان شتى صنوف التعذيب والعبودية، ويقهران الموت والخوف المترسب في أعماق وعينا. بهذه الأسطر يختتم ريجيس دوبريه مذكراته ورسالته في الحرية التي ستبقى محفورة في قلب العصور وعلى مر الأجيال القادمة:»إن العالم هو كوكبة من الخلايا الصغيرة مقفل عليها مع سجين خلف الباب الذي يموت في الليل والصمت، كوكبة من الحيوات المطفأة التي تحتاج إلى إنعاش. وهناك دائما في مكان ما من المعجم، في أعماق قلبك، كلمة ترقد بانتظار أن تطلق سراح سجين، انتفض وأيقظها».

  • هستيريا الجسد والرغبة المحرمة في ( الرواية الملعونة)_كه يلان محمد

    تُعدُ المُعضلات النفسية من الثيمات الأساسية التي عالجتها الأعمال الأدبية والسينمائية وحاول الدارسون في المجال النفسي الإستفادة من الآثار الأدبية في تنظيراتهم وإضاءة البقع المُظلمة في التكوين البشري لذا من الطبيعى أن تُسمى بعض الإكتشافات على مستوى التحليل النفسي بعناوين الأعمال الأدبية كما هو الحال بالنسبة لعقدة أوديب لدى فرويد أو عقدة ألكترا لدى كارل يونغ وهي حالة مُعاكسة لكراهية الإبن للأب ومحاولة إزاحته ليلعب في مكانه كل أدواره إذ يكون الإهتمام في ألكترا لمحاولات البنت لقيام بدور أمها وكلما زادت إعجاباً بالأب تعاظم نفورها من الأُم في حين تحوم أطياف أودبية في كثير من المؤلفات الروائية والمسرحيات ويمكن هنا الإشارة إلى (هامليت) أو رواية (البحار الذي لفظه البحر) للياباني يوكيو مشيما كما أن شخصية (كامل) في السراب لنجيب محفوظ تحمل جانباً أودبياً ولكن مقاربة ما أطلق عليه عقدة ألكترا لم تكن بهذه الدرجة من الإهتمام لعلَّ الشخصية الروائية الوحيدة التي تحضر عندما يدور الحديثُ عن الحب المحرم لاسيما حب البنت لوالدها أو زوج الأم هي بطلة نابوكوف لوليتا وقد يكون السبب وراء عدم الإلتفات إلى هذا الموضوع أو تلميح إليه في مشهد خاطف كما تراه في بعض الروايات العربية هو حساسيته ومبالغة بعض النُقاد في إسقاط الحدث الروائي على حياة الكاتب وإختزال مُهِمَتِهم في إلتقاط ما يربط به بين المُنجز الأدبي وصاحبه.إذ يجوز تفسير تأخير نشر رواية (الرواية الملعونة) للكاتبة السورية أمل جراح من هذه الزاوية.

    قيد الكتمان

    ألفت أمل جراح روايتها الوحيدة سنة 1967حسب ماتُشيرُ إلى ذلك الكاتبة زينب عساف غير أنَّها ظلت قيد الكتمان إلى أن عُثرت عليها بين أوراقها إذ فاز هذا العمل الروائي بجائزة مجلة الحسناء دون أن يشفع لها هذا التكريم بأن تظهر في العلن إلى أن ترحل صاحبتها في 2004. إن كان يبدو ظاهريا أنه ليس من صالح الرواية أن تتأخر كل هذه المدة لكن للأمر وجهاً إيجابياً إذ يولد تشوقاً لدي المتلقي لمعرفة ماتضمهُ الرواية التي لم تُنشرْ قبل رحيل مؤلفتها.الأمر الذي يُضاعفُ من عنصر الأثارة في الموضوع.ويتصاعدُ التوتر الدرامي مع مُتابعة الوقائع والأحداث والإنصات إلى هسيس الرغبات المكتومة لدى بطلة الرواية حنان التي يوكل إليها سردُ المادة من خلال ضمير المُتكلم وترتيبها وفقاً لوحدات منجمة دون وجود العناوين الفرعية كما تمكنت الكاتبة من زج بالمتلقي في دائرة الإفتراضات حول ماتشعرُ به شخصية الأب عزت فالأخير رجلُ أرمل أظهر تفوقاً كبيراً في مهنته المحاماة يعيشُ مع إبنته الوحيدة بعدما يُباغتُ مرض مميت زوجتهُ وتودي بها،ولاتفوضُ أمل جراح بطلتها بإستبطان شخصية عزت إنما تقدمُ على لسانها صفاته الخارجية التي تكسبهُ قدراً كبيراً من الوسامة والجاذبية وذلك ما أهله لظفر بقلب طالبة سحرت الشباب في الجامعة عندما كان يدرسُ في المرحلة الأخيرة في كلية الحقوق.تفتح الرواية بعبارات وجمل تعبرُ عن حالة تعلق حنان بإبيها كما ترتبطُ إزدياد هذه الرغبة بما يتغيرُ في الجسد ويكرسُ خصوصيته الجنوسية إذ تضعك الساردة في مُناخ البيت الذي صار خالياً إلا من الإثنين بعد تزوج أخويها وسفرهما إلى خارج دمشق وذلك ماتصبوُ إليه حنان أن لايشاركَ أحد حياتها مع عزت وتُحاول تعتيم على كل مايُذكرُه بزوجته الراحلة لذا تحرص على مُغادرة أم حسن للبيت كما أعادت ترتيب الكتب والأشياء كأنَّ بذلك أرادت رسم خريطة جديدة للمنزل لاتحملُ لمسات الأم والغرض من كل هذا هو بغرض إسدال الستار على زمن معبق بأنفاس الأم.تعتمدُ الكاتبةُ على تقنية إسترسال في المونولوج والحوار لتبيان المستوى النفسي لدي الشخصيتين لاسيما ممايعتمل في أعماق البطلة من حالة الإصطراع الداخلي إذ يتضح من الحوار المُتبادل بين الأب وإبنته الجامعية وجود مخاوف لدى الأول ممايسميه الذئاب المُفترسة للبراءة.كما تستشفُ قلقه من فوز أحد الشبان بحنان ويبقى وحيداً بالمُقابل تتوارد الكلمات والعبارات تنمُ عن حالة إعجاب الإبنة بإبيها إذ تعتقدُ بأنَّ لا أحد يشبهه لا الزميل الذي يتودد إليها ولا أستاذ الأدب العربي ولا محاضر الإجتماعيات ولاينتهي الأمر بإبداء الإعجاب إنما يتمركزُ السرد المطبوع بالذاتية حولَ حالة فوران الجسد الراغب في الإنصهار داخل ماهو محرمُ عليه وما الحرام برأي البطلة إلا الشقاءُ بينما الحلال هو أن يكون الإنسان سعيداً.لذا فهي تتمسك بحبها دون الإعلان عنها تفادياً لوصمة الشاذة والمجنونة.

    إلغاء الأم
    لايكتمل إنتصار حنان على إمها وإلغائها تماما إلا بعد إقصاء صورتها وإبدالها بأخرى تجمعها بالأب ومن ثُمَّ تكشفُ حركة السرد عن مزاحمة الإبنة لإمها ومحاولاتها لكسب شخصية الأب منذ الطفولة كما ترمي من خلال تصرفاتها وكتابة الشعر وقراءتها إبلاغ رجلها المثالي بأنها منذورة له ولاتتخذُ غيرَهُ حبيباً ومع مضي الأحداث يشتدُ الصراع النفسي لدى حنان خصوصاً بعدما يصبحها الأب لمشاهدة فيلم (رجل وإمرأة) وهو إمتداد لثيمة الرواية والإسراف فـي شـرب النبيـذ تعلـوُ أصوات الرغبة ونـداءات الجسد أكثـر وتصبحُ الألفـاظ المعبرة عن تلـك الحالـة محملةً بدلالات إيروتيكية صارخة،وشأنَّ مُعظم الأعمال التي تتناول موضوعة الحب بموازاة الغيرة والموت فإنَّ (أمل جرّاح) نجحت في إثـراء نصهـا عبـر الإيمـاء إلى مايرافق الإبنة مـن الخـوف في فقدان الأب والغيـرة من صديقتهـا هيفاء التى تتوددُ إليه ويحـومُ الموتُ في تلافيف السرد مع إكتشاف ماتعانيه البطلة من مرض القلب الذي يهدد حياتها الغضة مايستدعي إجراء عملية جراحيـة لها خـارج البلـد يُذكـر أن الكاتبة برعت فـي رصـد هـذه المشاهـد المُفعمـة بالترقـب والتوسـل إلـى القـدر وإظهـار القلـق والمخـاوف التـي رزحت بالأب وهـو يــرى إبنتـه علـى عتبة المجهول وذلك يبعد العمل من روطة أُحادية الثيمة والتنميط ويشرعُ أفـق النص لتأويـلات متعـددة وكمـا أشرنـا أعلاه لايلتقطُ القاريء مايوحي بخروج مشاعـر عزت عن طبيعتها الأبوية سوى ما تتوهمه حنان.مايجدر بالذكر أن الشاعرة أمل جراح وفقت في تنظيم روايتهـا الوحيـدة وفقـاً لبرنامـج سـردي متماسك يخدمهُ التنويع في التقنيات من الإسترجاع، والحـوار ،والمونولـوج.

  • هيغل والمسألة الفنيّة ـــ د.نايف بَلّوز

    هيغل والمسألة الفنيّة ـــ د.نايف بَلّوز

    في منتصف عام 1970 انعقد في برلين مؤتمر هيغل العالمي الثامن بمناسبة مرور مئتي عام على ميلاده. وقد دلت المناقشات التي دارت في لجنة العمل المختصة بمعالجة موضوع “اللغة والوعي” عند هيغل على أن مسائل علم الجمال ونظرية الفن لديه لا تزال تتمتع بأهمية راهنة وفائقة. لقد أشار أحد الباحثين إلى أن مختلف الآراء الجمالية والفنية المعاصرة يمكن أن تتحدد بموقفها من علم الجمال الهيغلي. والواقع أن علم الجمال ونظرية الفن الهيغليين ـ وهما شيء واحد ـ يمثلان في تاريخ الفكر الإنساني أضخم عرض فلسفي منظم ومتماسك وشامل لمسائل النشاط الجمالي والفني ولمظاهره المختلفة ولتاريخه المتعدد الحلقات. إن علم الجمال الهيغلي لا يلخص كل التجربة الجمالية التي تتالت عبر تعاقب الحضارات والمجتمعات فحسب بل يتجاوز ذلك إلى صياغة قوانين نظرية شاملة تفسر حركة النشاط الجمالي الفني وماضيها ومستقبلها وبالتالي إلى صياغة منطق الوعي الجمالي.‏
    وإذا نظرنا أخيراً إلى واقعنا الفني والأدبي وإلى محاولات استيعاب هذا الواقع أو جوانب منه نظرياً لوجدنا مبرراً واقعياً للتوقف عند تفكير هيغل الفني والجمالي وعند رحابة هذا التفكير وعمقه وشموخه المنطقي وعند نفاذه إلى الحركة المستترة وراء الركود الخادع والتمايز الظاهري المجرد. وسأحاول في ما يلي عرض المسألة الفنية عند هيغل آخذاً بعين الاعتبار المناقشات التي دارت في مؤتمر برلين حول علم الجمال الهيغلي.‏
    1ـ مقدمة فلسفية:‏
    * كان كنط قد فصل في فلسفته النقدية بين العلم والحقيقة، بين الفكر والوجود فقضى بفصله هذا على إمكانية قيام علم الميتافيزياء وأكد على نسبية المعرفة التي غدت عنده متعلقة ببنية معينة للتفكير. أما هيغل فقد كان شديد الطموح نظرياً ومؤمناً إلى أبعد حد بقدرة العقل وبمطالبه. وقد رد على كنط بقوله إن امتحان قدرتنا على المعرفة لا يتم إلا بالمعرفة. إن أول ما وقع عليه نظر هيغل هو حركة الفكر التي أصبحت لديه بمثابة أساس العالم.‏
    إن كنط قد قصر بنظر هيغل عن رؤية الصلة الصحيحة بين الذات والموضوع وانسحب تقصيره هذا على فهمه الثنائي لكل جوانب الواقع (الفصل بين شكل المعرفة القبلي ومحتواها التجريبي، الفصل بين العقل النظري ـ العلم ـ والعقل العملي ـ الأخلاق ـ وبين صورة الحكم الجمالي ومضمونه) فجاء هيغل يقيم وحدة الفكر والوجود والعلاقة الجدلية بين الذات والموضوع وينفذ إلى التفاعل بين “الثنائيات الكنطية” منوهاً بأهمية التاريخ في فهمها. لم يوافق هيغل كنط على بحث المعرفة البشرية بمعزل عن تاريخ المعرفة وتحققاتها العملية. وأقام المعرفة على أساس موضوعي فحواه الدلالات الكلية في الأشياء، إلا أن الفرق بين الذاتي والموضوعي لا يوجد عنده إلا في إطار وحدة الفكر والوجود، إلا في الفكر. فهيغل قد اكتشف في تحليله للموضوع مماثلته لحركة الفكر وذهب إلى أن بين الفكر وموضوعه وحدة مردها إلى أن الفكر إذ يفكر في ذاته إنما يجعل من ذاته موضوعاً للفكر فينقسم إلى ذاتي وموضوعي. لقد نظر هيغل إلى الفكر لا كصفة إنسانية فحسب بل كبنية وأساس عميق للعالم الموضوعي. إن الفكر والعقل هو نبع الوجود وأساس عميق للعالم الموضوعي. إن الفكر والعقل هو نبع الوجود والأساس المطلق لكل موجود وهو محتوى العالم وماهيته. وهو يقيم في صميم العالم لا خارجه ويجد تعبيراً عنه في تنوع ظواهر الطبيعة والمجتمع والإنسان، فمحتوى الفكر (أو المعرفة العقلية) ليس انعكاساً لموضوع خارجي ولا يدخل إلى الفكر من الخارج بل إنه توليد ذاتي للفكر ومسار تفتح الفكر نفسه. وعلى ذلك فليست المعرفة سوى معرفة ذاتية سوى وعي محتوى الفكر.‏
    وهيغل مثله مثل المثاليين الموضوعيين يوحد بين المفهوم الذهني وماهية الأشياء. إن المفهوم هو الشكل الأساسي للفكر والصورة المنطقية للكلي. وحقيقة الأشياء تقوم في مفهومها فحقيقة أي فرد من الناس قائمة في الإنسان كمفهوم كلي. إن المفهوم قائم في الأشياء كماهية لها فليست البذرة هي التي تسفر عن شجرة بل المفهوم أو الحقيقة العقلية المنطوية في الحركة من البذرة إلى الشجرة. إن للمفهوم أو الكلي حقيقة أكثر من الجزئي. الكلي هو مقر الحقيقة وهو موجود وجوداً موضوعياً وهو حاضر دائماً. إن الإنسان كنوع، كمدلول كلي أعمق وجوداً من يوسف وسلمى. فالحقيقة وهي كلية تفيض على المعطى الجزئي وتتخطاه إلى الإمكانيات والآفاق التي يحتويها الكلي. وليس المفهوم صورة منطقية ذهنية فحسب بل مبدأ الحياة والوجود والتطور أيضاً وأساس وجود الجزئيات وهو الذي ينشئ الظاهرات والترابطات والاطراد القانوني. فالمفهوم ليس الكلي العام فحسب بل الكلي في ترابطه مع الجزئي الخاص ومع ما يميز الظاهرة عن غيرها. إن المفهوم هو كلي وعيني ولا يتحقق إلا في الجزئي. وحركة المفاهيم هي حركة الاغتناء بالمحتوى وتاريخ الاعتناء بالمحتوى، إنها عملية الوجود.‏
    * وأهمية هيغل تكمن في أنه ينظر إلى الطبيعة والتاريخ الإنساني والثقافة وكل أشياء العالم لا كجوهر تتعلق به لواحق عرضية بل كنمو داخلي، كعملية متحركة وتطور تاريخي أي كذات تتفتح عما يغايرها ثم تعود فتلم فروعها وحالاتها المتباعدة المتغايرة في وحدة ذاتية عليا. وهيغل يثبت من خلال متابعة وقائع العالم والتاريخ فكرة المعقولية في الوجود والضرورة في التطور والحرية كأساس لحركة التاريخ. إن هيغل لم يستطع أن يثبت الترابط الداخلي في الحركة والتطور وأن يكشف عن قوانينها ومقولاتها الجدلية إلا بالأخذ بالمثالية أي بالوحدة الفكرية بين الفكر والوجود. ولكن هنا تتضح لحظة أساسية في فلسفته: إن الفكر ليس شيئاً ثابتاً بل عملية معرفية موضوعية متطورة وصاعدة بدون انقطاع. ومن هنا جدلية هيغل التي تعتمد على وحدة تطور المعرفة والعالم. إن هيغل ينتقد التصور الميتافيزيائي القديم حول الهوية المجردة ويضع محلها الهوية الجدلية. وهو يبين بهذا الصدد أن الزهرة لو كانت زهرة فقط لبقيت زهرة إلى الأبد. فثمة اختلاف في قلب الهوية. أما أساس الصلة بين الهوية والاختلاف فهو التناقض. فالتناقض هو المصدر الداخلي للحركة ومبدأ الحركة الذاتية والتطور. ويرتبط التناقض بمبدأ النفي ونفي النفي وسائر قوانين التغير والتطور. إن النفي يشكل طابع العقل الجدلي والنفي هو إيجاب بقدر ما هو سلب. إن التناقضات ليست مطلقة بل نسبية، فالنفي لا يحيل الشيء إلى عدم، لا يقضي على الزهرة تماماً بل ينفي المضمون الجزئي الخاص ويبقي على حركة المفهوم الكلي، على حركة الشيء الكلية التي تتجاوز وجوده المعطى (بتحويل الزهرة إلى ثمرة مثلاً). وعبر التناقضات يغتني الواقع بالمحتوى ويتم تواصل الحركة الواقعي فالحقيقة تنطوي على تناقضات الواقع وتنوعه، إنها عينية وليس ثمة حقيقة مجردة مثل آ هي آ أو الحجر حجر.‏
    * إن وحدة الفكر والوجود تتجلى في أن قوانين الفكر وهي موضوع المنطق هي في الوقت ذاته قوانين الوجود، فالمنطق يغدو النظرية التي تتناول ماهية كل الأشياء لا القوالب الفكرية الفارغة.‏
    إن قوانين الفكر والطبيعة والمجتمع واحدة. ويبحث هيغل في منطقه جملة المفاهيم العامة التي تنشأ وتتكون في عملية تطور المعرفة الإنسانية ويقوم بعرض حركتها ابتداء من مفهوم الوجود المجرد إلى مفهوم الوجود العيني وذلك في عملية منطقية تاريخية تنقلب فيها المفاهيم العامة التي احتواها وتؤلف فيها التناقضات الداخلية، وضمنها عملية النفي، القوة الدافعة للتطور. إن مفاهيم الوجود والعدم والصيرورة والكيف والكم والقياس والماهية والهوية والاختلاف والتناقض والضرورة والصدفة والإمكانية والواقع إلخ.. ترتبط بعضها ببعض ارتباطاً منطقياً جدلياً وهي تعبر عن درجات مختلفة في تطور المعرفة وتفتح الواقع. إن هيغل قد نظر إلى اللحظات الأساسية في عملية المعرفة كمقولات منطقية واعتبر التوسط بين هذه المقولات بمثابة الحركة العقلية التي تفسر الواقع وتطوره. وهذا الفهم يكشف عن حس هيغل التاريخي الهائل. إن حركة المفاهيم هي محتوى الفكر (المعرفة) وهي متضمنة في الفكر. وإذا كان الفكر يحوي في ذاته قوانين الواقع فهو يمثل ماهية العالم. إن هيغل يحيل عملية التفكير إلى الواقع الموضوعي أو أنه يرفع عملية المعرفة إلى المطلق، وهذا هو جوهر مثاليته الموضوعية، أما الفكر الإنساني فهو شكل تجلي الفكر المطلق. إلا أن توحيد هيغل بين الواقع الموضوعي والعقل ينطوي على رفض لتصور الفكرة المطلقة كعقل خالص بالمعنى التقليدي أو كنموذج داخلي لحقيقة خارجية. إن الفكرة المطلقة ليست عقل العالم فحسب بل الوحدة بين عقل العالم وتنوع الظاهرات فيه. فمفهوم الفكرة المطلقة يدل من جهة على جملة العلاقات المنطقية الكلية ويحتوي من جهة أخرى على مضمون واقعي تاريخي ويرمز من جهة ثالثة إلى تصور مجرد للإله.‏
    2ـ تاريخ الفكرة ومحل الفن في المنظومة الفلسفية:‏
    إن الفكرة المطلقة تنفي ذاتها في الطبيعة، ثم تعود من هذا الوجود المغاير إلى ذاتها في التاريخ الإنساني، في الروح، حيث يتم نفي النفي. والحركة الذاتية للروح هي الطريقة الجدلية المتمثلة قبل كل شيء في وضع القضية وطباقها وتركيبها. يقول هيغل بصدد اللحظة الأولى “لقد رجعنا إلى مفهوم الفكرة التي بدأنا بها. لكن هذه العودة إلى البداية هي خطوة إلى الأمام. إن ما بدأنا به كان الوجود، الوجود المجرد، والآن لدينا الفكرة كوجود، هذه الفكرة الموجودة، هي الطبيعة”. إن طريق التطور هذا هو الانتقال من المجرد إلى العيني من الفكرة المنطقية إلى الطبيعة. ولكن أي نمط من الوجود يمكننا أن ننسبه إلى الفكرة قبل تجسدها في الطبيعة؟ ليس ثمة إجابة واضحة حول هذه النقطة. إن الفكرة المطلقة تتجلى في الطبيعة: أولاً في الميكانيك (زمان، مكان، مادة، حركة، ثقالة، جاذبية) ثم في الفيزياء (أجسام، ضوء، حرارة، كيمياء) ثم في العضوية (جيولوجيا، نبات، حيوان) وتعود الفكرة المطلقة إلى ذاتها في الروح مغتنية بكل التطور السابق. لقد نفت الفكرة المطلقة ذاتها في الطبيعة ثم نفت نفيها في وعي الإنسانية الذاتي.‏
    فالفكر ليس مبدأ الوجود وأساسه فحسب كما ذكرنا سابقاً بل نتيجته وغايته وأعلى درجات تطوره. والدرجة العليا للفكر المطلق هي ما يسميه هيغل الروح المطلق.‏
    إن الفكر يتطور ويقتني في مسار توضيح ماهيته والعرف على ذاته كروح مطلق، وفلسفة الروح هي فلسفة تطور الوعي الاجتماعي والفردي، فلسفة تاريخ الإنسانية، هذا التاريخ الواقعي الذي يمثل في الحقيقة عملية تعرف ذاتي.‏
    لقد انتقل هيغل في تحليله الفلسفي من المنطق والفكرة في وجودها لذاتها إلى فلسفة الطبيعة أو الفكرة في وجودها المغاير كطبيعة حيث تطمح الفكرة إلى استعادة وحدتها، فإلى فلسفة الروح أو الفكرة في وجودها بذاتها ولذاتها، أي في عودتها إلى ذاتها في الروح. أما الروح فإذا نظر إليه كواقع أو كعالم ناجم عنه كان الروح الموضوعي. إن الروح يكون في البداية مندمجاً مع الطبيعة ثم يخطو من الوعي الحسي إلى الإدراك فالفهم فالوعي الذاتي فالعقل. وإذ يتناول هيغل علاقة الوعي بالموضوع يؤكد أن الموضوع قابل للمعرفة لأن ماهيته ذات صفة فكرية منطقية فهي من طبيعة الوعي. وهكذا يستوعب الوعي في الموضوع ماهيته الخصوصية ويرتفع إلى الوعي الذاتي.‏
    ينتقل هيغل في فلسفة الروح من نظرية الروح الذاتي (أنتروبولوجيا، فينومنولوجيا، بسيكولوجيا) إلى نظرية الروح الموضوعي (حق، أخلاق، دولة) ثم إلى نظرية الروح المطلق وهي أعلى درجة في معرفة الفكرة المطلقة لذاتها. إن الروح المطلق هو الذكرى التي تسترجع وتستعيد كل حركة الروح. وبهذا المعنى يكون موضوع الروح هو الماضي. إن أشكال الروح الثلاثة تمثل ماهية الوعي الإنساني ومختلف العلاقات الإنسانية.‏
    وماهية الروح هي الحرية. فالروح إذ تتفتح بضرورتها الداخلية تحقق حريتها. والروح المطلق يشتمل على الفن والدين والفلسفة. فالفن هو إذن مرحلة في تطور الفكرة المطلقة وبالأخص في تطور الروح المطلق، إنه فكرة يتحقق فيها الوعي الذاتي للفكرة المطلقة فالفن ليس مجرد شكل خاص لمعرفة العالم الموضوعي بل تطور ذاتي للمفهوم. ومضمون الفن والدين والفلسفة بالأساس واحد إلا أن شكل انكشاف أو حضور المضمون مختلف. ففي الفن تتعرف الفكرة المطلقة على ذاتها في قالب الرؤية الحسية وفي هذا القالب تتحرر الفكرة من التناهي. وفي الدين تتعرف الفكرة على ذاتها كتصور خيالي، أما في الفلسفة، المرحلة الأرقى، فتعي الفكرة ذاتها في صيغة المفهوم، وهذه الأشكال الثلاثة لا تتعايش فحسب بل إنها بالدرجة الأولى تتعاقب تاريخياً، أي أن الوعي الإنساني الاجتماعي يتطور تطوراً غير متواز، وفي الوعي الفلسفي يبدو أن الواقع قد أتم عملية تكونه وأنجز مهمته وفضّ كل مضامينه.‏
    3ـ الفن والمطلق والمعرفة:‏
    إن الفن والدين والفلسفة تمثل مراحل في تطور الروح المطلق، والفن هو أول شكل للتجلي الذاتي أو للتعرف الذاتي في الروح المطلق وهو أقل الأشكال كمالاً، إنه الألق الحسي للروح أو حضوره الحسي. والدين هو تعبير رمزي عنه. أما الفلسفة فهي مرحلة أرقى يصل فيها الروح المطلق إلى الوعي الذاتي التام. لقد تعين الفن على هذا النحو كتعبير حسي عن الروح، يلعب دور الوسيط بين الواقع الحسي والفكر الخالص، بين الطبيعة المتناهية وحرية الفكر اللامتناهية، والفن كما يقول هيغل شيء من الماضي وإذا كان النشاط الفكري على العموم يستهدف التوحيد الواعي للذاتي والموضوعي، فالفن كشكل لهذا النشاط يتوخى جعل التلاؤم مع الواقع واعياً.‏
    إن الفن يصل الجانب الخارجي والمحسوس والزائل بالفكر الخالص وبكلمة أوضح إنه علاقة بين الطبيعة والإنسان. ولكن هذا الوصل بالذات هو خطوة في طريق تحرير الروح من محتوى التناهي وصورته. الفن يمثل الوجود بوصفه جمالاً وهو كتعبير عن الروح يستمد قيمته وهدفه من أنه يرفع إلى مستوى الوعي لأعمق مصالح الإنسان وأشمل حقائق الروح. ومن هنا اهتمام هيغل بالمحتوى في الفن. إن الفن من عالم الروح وليس مسامرة أو تزجية لأوقات الفراغ. وانطلاقاً من هذا الفهم ينتقد هيغل النزعة الشكلية عند كنط وأتباعه، هذه النزعة التي تتوقف أمام جمال الشكل بذاته أو روعة الخيال واللعب الفني، ويؤكد بقوة أن المحتوى هو العنصر الحاسم في الفن كما في سائر الفعاليات الإنسانية وهكذا يتضح أن للفن قيمة معرفية فهو شكل من أشكال المعرفة. والبحث عن محتوى الفن يجعلنا نتجاوز دائرة الفن الخالصة إلى مجال الحقيقة. إن الحاجة إلى التعبير الفني تتفق مع طموح الإنسان إلى وعي العالم الداخلي والخارجي كموضوع يكتشف فيه ذاته، أو أناه الخاصة. يقول هيغل إن الفن يطمح إلى تصوير المجال الفكري والإلهي فهو مشغول بالحقيقة، بالروح، وبما هو إلهي. فالفن من هذه الناحية، ناحية المحتوى، لا يتميز عن الدين والفلسفة، أما إذا نظرنا إلى الشكل والأسلوب الذي يبلغ فيه المطلق مرتبة الوعي الذاتي فإننا بذلك نضع أساس التمييز بين الفن والدين والفلسفة. إن الفن يقوم بتصوير المطلق تصويراً حسياً ومن هنا يتبين لنا أن موضوع الفن ليس الروح الحق، ببساطة، ليس الروح كروح، أو الروح في ذاته ولذاته، بل العرض الحسي للمطلق.‏
    إن تحليل هيغل للتجلي الحسي للروح هو الذي يعطي علم جماله أهميته وقيمته الراهنة، لكن ما هو هذا المطلق المحسوس؟ ما هو هذا العنصر الإلهي؟ ثم ما هي هذه الوحدة بين الحس المتناهي والكلي المطلق اللامتناهي التي تجد تعبيراً عنها في الفن؟ إن العنصر الإلهي الذي يمثل محتوى الفن ليس سوى “أعمق مصالح الإنسان”، وعند هيغل أن أشمل حقائق الروح ليس أمراً غريباً عن المسائل الاجتماعية والسياسية والتاريخية والأخلاقية إلخ.. التي تحدد حياة الإنسان، إنها جملة علاقات الإنسان الموضوعية في هذا العالم. وماهية الجميل (أو توليده في الفن) تتجلى حين تتخذ وحدة الحسي والمطلق مظهراً فردياً. وهذه العلاقة بين الحسي والمطلق هي نفسها علاقة الشكل بالمضمون، فالصياغة الحسية هي الشكل أما المضمون فهو الروح، العنصر الإلهي، أعمق مصالح الإنسان وحملة علاقاته الموضوعية في هذا العالم. ومما له أهمية كبيرة أن هيغل يتوقف عند اللحظة الحسية مؤكداً أنها أقرب ما تكون من أسلوب تجلي الطبيعة. لقد بيَّن هيغل أن الفن شكل للمعرفة أو أن ثمة قيمة معرفية للفن، أما كيف يعرف الفن؟ ما هو أسلوبه؟ فهذا ما برز وتحدد في الصياغة الحسية الفردية. والسؤال الذي يطرح الآن هو التالي: إذا كان المحتوى الأساسي للفن والدين والفلسفة واحداً أفلا يوجد بالإضافة إلى ذلك موضوع خاص بالفن؟ ألا يوجد محتوى فني متميز؟ وبكلمة أخرى: ماذا يعرف الفن؟ هنا يتجاوز هيغل مقاصده الفلسفية الشاملة فيشير إلى أن ثمة دائرة معينة ودرجة معينة للحقيقة تستجيب للنشاط الفني وتتجسد في الأثر الفني، فهناك إذن تمايز نسبي بين موضوع المعرفة وموضوع العرض الفني فإذا كان الإلهي العام المطلق هو الموضوع الحقيقي للفن وهو في الوقت ذاته موضوع المعرفة فإن موضوع العرض الفني هو الغنى الكلي لأشكال الطبيعة وصورها. فثمة إذن محتوى فني خاص، ثمة خصائص مضمونية للفن. ويمكن أيضاً أن ننظر إلى المحتوى الفني الخاص من ناحية دور الفن الانفعالي والثقافي. يقول هيغل إن الفن يكتشف سيطرة القوى العامة في التاريخ، وبهذا الصدد يميز بين محتوى نظري فكري ومحتوى انفعالي فهو يبين في فلسفة التاريخ أن القوانين لا تؤلف سوى سدى العملية التاريخية، أما العواطف والانفعالات الإنسانية فهي التي تؤلف لحمتها. إن علم التاريخ يتناول بالبحث القوانين أما الفن فمجاله الانفعالات والعواطف، فالفن معرفة وبحث وتقص. لكنه بحث وتقص في ديالكتيك النفس الإنسانية. وهكذا يتبين أن وراء التصوير الحسي للمطلق مدلولات ملموسة تاريخية واجتماعية واقعية. إن للفن قيمة معرفية كالفلسفة إلا أننا رأينا أن موضوع العرض الفني هو الغنى الكلي لأشكال الطبيعة وصورها. ولا شك أن وحدة الطبيعة والإنسان، وهي أساس القيمة الفنية، لا تتطابق تماماً مع موضوع المعرفة. والعرض الفني لا يقتصر على الغنى الكلي لصور الطبيعة، بل يتناول أيضاً القوى السائدة في التاريخ، وهو يتناولها من حيث هي قوانين بل من حيث هي عواطف إنسانية فاعلة. ولأن الفن غني بالمحتوى فهو قادر على التأثير أيضاً على العملية التاريخية وذلك بتغييره للإنسان. إن الفن هو العامل الأهم في صنع الثقافة إذ أن الإنسان يطمح بتأثير الفن إلى أن يعيش كفنان وإلى أن يصوغ مادة حياته صياغة فنية جمالية، إن الفن يساعد ولا شك في أبعاد مظاهر القسوة والهمجية والفظاظة من حياة الإنسان وفي إحلال الرقة والنقاوة واللطف محلها. فالفن يمتلك بهذا المعنى قيمة ثقافية كبرى. وقد قال أحد الباحثين معلقاً على هذه النقطة أنه إذا كان العلم يجعل الإنسان اختصاصياً فإن الفن يجعله إنساناً. إن هذه الأفكار الهيغلية حول الموضوع الخاص للعرض الفني تتعارض كلياً مع النزعات الشكلية والتجريدية ومع مظاهر الانحطاط في الفن المعاصر.‏
    4ـ تفسير الفعالية الجمالية:‏
    لقد تحدثنا في ما تقدم عن النشاط الفني وكأنه معادل للنشاط الجمالي وللجميل عموماً والواقع أن هيغل قد أولى الفن فعلاً أهمية كبيرة جداً. صحيح أن هيغل قد حلل أيضاً الجميل في الطبيعة وفي النشاط العملي والعلاقات الإنسانية إلا أنه كاد في منظومته الفلسفية يوحد بين الفني والجمالي. إن هيغل قد قام بتفسير ظاهرة الجمالي وبتحليل النشاط الجمالي والفن وتحليل طبيعة الجمالي وطبيعة الفن، وقد انطلق في ذلك من أن الإنسان ليس يوجد مثل الأشياء الطبيعية بل يوجد لذاته أيضاً، يوجد كروح. والوجود لذاته هو معرفة الإنسان لذاته، ومع أن هيغل يعطي المجال النظري الأهمية الأولى في معرفة الإنسان لذاته، إلا أنه قد أكد أيضاً على أهمية العمل في الوعي الذاتي وفي فهم طبيعة الجمالي. ففي المجال النظري تتم معرفة الإنسان ذاته من أجل ذاته ووعي كل حياته الداخلية بما فيها اللحظة العاطفية. وتهدف هذه العلاقة النظرية إلى معرفة الأشياء في كليتها ومعرفة ماهيتها الداخلية وقوانين وجودها وتطورها. وتجد هذه العلاقة تعبيراً عنها في العلم. أما في المجال العملي فيقوم الإنسان بالتأثير في أشياء العالم وبتغيير هذا العالم والعلاقة العملية نفعية يتم فيها استهلاك الشيء إذا كان فيه نفع أو فائدة. وتلعب الرغبة الدور الأساسي في تدمير الشيء من أجل الانتفاع به، أما العلاقة الجمالية أو الفن فإن الإنسان فيها يبدع ذاته في أشياء العالم الخارجي، إنها شكل من أشكال إنتاج الإنسان لذاته، حيث يؤنس الإنسان العالم ويطمح من خلال ذلك إلى جعل العالم الداخلي والخارجي موضوعاً يتعرف فيه على ذاته المبدعة الفعالة. فالجمال عند هيغل ليس أثراً طبيعياً بل صنع إنساني يرتبط بالعمل وبفعالية الإنسان. والعلاقة الجمالية تقوم على إدراك الأشياء في حريتها وفي فرديتها الحسية وفي كليتها العضوية وأصالتها غير القابلة للنسخ والتكرار. إن الجميل هو موضوع إدراك حسي مباشر. ومن هذه الناحية تختلف العلاقة الجمالية عن العلاقة النظرية وهي تختلف كذلك عن العلاقة العملية لأنها لا تتلف لشيء ولا تستهلكه بل تجعل منه غاية في ذاته وتدعه يتمتع بوجود مستقل وحر. إن العلاقة الجمالية هي رؤية الأشياء من حيث هي أثر للإبداع الإنساني، رؤيتها في استقلالها وحريتها كتعبير عن الإنسان وفعاليته. وهذه العلاقة ليست واسطة بل غاية في ذاتها، إن علاقة الإنسان الجمالية هي علاقة الإنسان بذاته. ويضرب هيغل مثلاً لذلك بالصبي الذي يرمي الحجر في الماء فتنداح فيه الدوائر فيأخذه العجب والدهشة من فعله. يقول هيغل: “إن الإنسان يفعل ذلك كذات حرة كيما ينتزع من العالم غرابته القاسية وكيما يتمتع بواقع خارجي لذاته في قالب الأشياء”. والفعالية الجمالية التي لا تنفصل عن الفعالية العملية ترسم أفق التقدم العقلي والنمو الداخلي للمحتوى العقلي أي أفق الحرية. وتواجه هيغل هنا مسألة التوفيق بين اعتبار الفعالية الجمالية غاية بذاتها، وبين كون الفن تعبيراً عن الروح ومرحلة عابرة في تطوره. إن هيغل يفهم المسألة الجمالية من خلال وعي الفكرة لذاتها إلا أنه بقوله بالغائية الداخلية للفن أضفى على العلاقة الجمالية، وعلى العلاقة بين الطبيعة والفكر دلالة ذاتية لا ترجع إلى مبدأ يتجاوزها.‏
    5ـ المراحل التاريخية لتطور الفن:‏
    قسم هيغل على أساس مذهبه الفلسفي الذي يعتبر الفن لحظة معينة في تطور الروح، قسم تطور الإنسانية الفني والجمالي إلى ثلاث مراحل أساسية:‏
    1ـ المرحلة الرمزية وهي مرحلة الفن الشرقي الذي يظهر فيه عدم التوافق بين الفكرة وصورتها المادية الخارجية. إن العمارة التي يتغلب فيها الشكل المادي الخارجي على الفكرة هي النوع الذي يهيمن في هذه المرحلة، فالفكرة هنا مجردة غير متوافقة مع قالبها المادي ومثقلة به.‏
    2ـ المرحلة الكلاسيكية وهي مرحلة الفن اليوناني الذي يتحقق فيه الانسجام والتطابق بين الفكرة وشكلها الطبيعي المادي أو التوافق بين الشكل والمضمون، إن الفكرة تجد هنا تعبيراً منسجماً عنها. والنحت هو الشكل الفني السائد في هذه المرحلة. فالفكر الحر يتجسد في الجسد الإنساني وتقوم بينه وبين الجسد مواءمة وتناسب وانسجام. وتتصف هذه المرحلة بأن علاقة الإنسان بمحيطه تكون فيها شفافه مباشرة لا يداخلها أي إكراه أو اختلال.‏
    3ـ المرحلة الرومانسية: وهي مرحلة الفن الوسيط والحديث هنا لا يبقى التطابق بين الفكرة وشكلها المادي قائماً بل يأخذ عدم التوافق بينهما بالظهور. إلا أن عدم التوافق بينهما يتطور في هذه المرحلة لمصلحة الفكرة والروح بعكس المرحلة الرمزية حيث كانت المادة تضغط على الفكرة وترهقها. إن هذه المرحلة تكشف عن حرية الروح وانتصارها على المادة والطبيعة، إذ ليس الشكل المادي فيها سوى إشارة أو إيماءة للروح. وموضوع الفن الرومانسي هو الحياة الداخلية المطلقة. وأنواعها الفنية هي الرسم والموسيقى والشعر. ففي الرسم لا يحتاج المضمون الفكري إلى الحجم المادي للجسم، وفي الموسيقى يستغني المضمون كلياً عن المكان ذي الأبعاد ويتم فيها عبر تواصل الزمن التعبير عن المجال الانفعالي للحياة الداخلية. أما في الشعر فالحامل المادي هو الكلمة فحسب وفيه يطلق الفنان العنان للخيال الذي يمثل الحياة الروحية والعاطفة والمشاعر الإنسانية. والشعر هو حلقة الانتقال والوصل بين الفن والدين حيث تعبر الفكرة عن نفسها في قالب التصور الخيالي.‏
    ولا شك أن التحليل التاريخي للمقولات الجمالية هو الذي أكسب علم الجمال الهيغلي الأهمية القصوى في الفكر الجمالي الحديث. إن الأشكال الفنية ليست سوى علاقات مختلفة للفكرة بالقالب الخارجي، وهذا الاختلاف في علاقة الفكرة بالقالب الخارجي، وهذا الاختلاف في علاقة الفكرة بالقالب مشروط بدرجة التطور الاجتماعي والتاريخي. ورغم ما في هذا التقسيم الهيغلي من تعسف فن رأيه بأن تطور الفن لا يرجع إلى الشكل والعبقرية الفردية بل إلى تطور المضمون صحيح تماماً. فهيمنة نوع فني أو خصائص فنية معينة تجد تفسيرها في مجمل العلاقات الإنسانية وفي درجة تطورها أو تطور الروح. إن هيغل يبين أن لكل مرحلة من المراحل الثلاث خصوصية لا تتكرر ولها عالمها الداخلي الخاص بها. والشكل الكلاسيكي هو من الناحية الفنية أعلى تطور للحياة الخاصة للموضوع. وهكذا يظهر التعارض بين المثل الأعلى المطلق (غاية الروح) والمثل الأعلى الفني. إن هذا الترتيب المرحلي التاريخي يجمع بين فكرة التقدم المستمر وفكرة عودة الأشياء إلى أصولها ومع ذلك فإن الصفة التاريخية لعلم الجمال الهيغلي تظل أحد أهم منجزاته وحقائقه الكبيرة.‏
    6 ـ المثلى الأعلى والواقعية:‏
    إن المفهوم الجمالي الرئيس عند هيغل هو المثل الأعلى. والمثل الأعلى هو أقصى تفتح للضرورة الداخلية في الشيء. إنه الواقعي إذ يفصح عن ماهيته وعن الإمكانيات التي ينطوي مفهومه عليها وبكلمة أخرى الواقع المتجانس مع ماهيته. وتطور الفن وأشكاله تابع لتطور هذا المثل الأعلى بل إن هيغل يعتبر الأشكال الفنية مراحل لتطور المثل الأعلى، ويسمي مراحل تطور المثل الأعلى أشكالاً فنية. وإذا كانت الأشكال الفنية مراحل لتطور المثل الأعلى، ويسمي مراحل تطور المثل الأعلى أشكالاً فنية. وإذا كانت الأشكال والأنواع الفنية تعبر عن المثل الأعلى في تطوره فإن هذه الأشكال ترجع إلى أساس مشترك. إن المثل الأعلى الجمالي ليس تابعاً لأنماط الأسلوب الذاتية بل يستند إلى معيار موضوعي يحدده تطور المحتوى العام للمراحل التاريخية. فالقيمة الفنية مستمدة من قيمة المحتوى كمعنى تاريخي وكقوة واقعية. إن المعنى التاريخي للمحتوى يعبر في منظومة هيغل الفلسفية عن تطور الفكرة، إلا أن هيغل نفسه قد نظر إليه أو سمح لنفسه أن ينظر إليه كتعبير متميز عن تناقضات حياة الإنسان الاجتماعية وعلاقاتها دون أن تستتبع ذلك عملية إرجاع صوفية لأقصى غايات الروح. وهنا تتجلى نزعة هيغل الواقعية في الفن كما يتجلى فهم هيغل التاريخي لعلم الجمال. إن هيغل يؤكد أن المثل الأعلى الجمالي أعني الواقع المتطابق مع ماهيته لا يجد حقيقته وسره في ما يتجاوز الفن، في تطور أرقى للروح بل إنه في حقيقته وسره في ما يتجاوز الفن، في تطور أرقى للروح بل إنه في حقيقته تعبير عن إشراقة شكل الحياة الأفضل. هذه الإشراقة التي تتألق لا خارج هذا العالم بل في هذا العالم بالذات وفي قلب الواقعي التاريخي. وهذا المثل الأعلى الجمالي يبرز حين يكون غنى الحياة أقرب ما يكون إلى التحقق. ومن الواضح أن المثل الأعلى الجمالي لا يتفق مع مسار الروح إلى أرقى درجات وعيها لذاتها. إن المثل الأعلى الجمالي ليس على موعد مع الفلسفة في آخر تطورها، بل إنه قد تحقق في الحضارة اليونانية أعني في لحظة مضت. لقد كان هيغل يعتبر النظام الديمقراطي اليوناني مثلاً أعلى للحياة ولقد دعا إلى إقامة حضارة جديدة على أساس المثل الكلاسيكية اليونانية حيث يتحقق الانسجام بين حرية الفرد ونشاطه الشخصي الذاتي من جهة وبين الوجود الاجتماعي ومتطلباته من جهة أخرى. إن هيغل قد أشار إلى أساس هذا الانسجام في حياة اليونانيين وفنهم فقال: “إن اليونانيين قد عاشوا وفقاً لواقعهم المباشر في الوسط السعيد بين الحرية الواعية لذاتها وبين الجوهر الأخلاقي.. كان الفرد في الحياة اليونانية مستقلاً وحراً في ذاته غير أنه لم يقطع صلته بالمصالح العامة القائمة للدولة الواقعية… ولم تظهر استقلالية العنصر السياسي إزاء أخلاقية ذاتية مختلفة عنه. إن الإحساس الجميل ومعنى وروح هذا الانسجام الرائع قد مهرا بطابعهما كل المنتجات التي وعت بها الحرية اليونانية ذاتها وأدركت ماهيتها”.‏
    إن هيغل قد أدرك أن الانسجام الجمالي في الحياة والفن اليونانيين شيء مفقود ولا يمكن أن يستعاد إذ أن الروح تنهمك في ملاحقة أهداف أخرى أرقى كما يقول لوكاتش، وما يلفت النظر هنا هو أن هيغل لم يفصل ملاحقة الأهداف الأرقى عن الصفة غير الإنسانية للمجتمع الرأسمالي وسحقه لأي انسجام إنساني لدى الأفراد. وهيغل يخفف فيما بعد من هذه العلاقة الوثيقة بين المثل الأعلى الجمالي والفن والحياة اليونانيين فيشير إلى أن الفن وهو تعبير عن غنى الحياة الواقعية قد وجد في كل عصر إمكانية معينة لإقامة وحدة الطبيعة والفكر الإنساني. وتتجلى هذه الوحدة في خصوصية تطور الشكل وفي الاستخدام الخاص للطاقة الذاتية للإنسان الخلاق وفي المواد الحسية الجديدة للنشاط الفني إلخ… إن خصوصية الظاهرة الفنية لا تقضي على القيمة التاريخية الموضوعية للفن بل تؤكد فقط نسبية القيمة الفنية في إطار مجرى التطور التاريخي العام. وليست أشكال تجلي الجمال الفني أشكالاً أسلوبية ذاتية تعبر عن أساليب للرؤية بل تجد مكانها في سلسلة التطور التاريخي والمنطقي على السواء. إنها كلها مرتبطة بتطور المحتوى العام. والشكل الفني ليس صدفة طارئة بل تحدده قيمة المضمون ومغزاه التاريخي كقوة واقعية تتقدم وتعبر عن نفسها في تيار الأشكال الفنية. والمثل الأعلى الجمالي هو نفسه المثل الأعلى الفني. لقد التفت هيغل إلى الجمال في الطبيعة إلا أنه اعتبر الجمالي كما رأينا إبداعاً إنسانياً ووحد بين علم الجمال وفلسفة الفن. وخلال تحليله للمثل الأعلى الفني صاغ بعض المبادئ الأساسية للطريقة الواقعية. إن الواقعية تتخطى سطح الحياة لتنفذ إلى حركتها العميقة وتياراتها الداخلية الأساسية والفنان الواقعي إذ يكتشف ماهية الحدث يستطيع أن يرسم شخصيات وملامح ذات أهمية استباقية. إنه إذ يتوغل في أعماق الواقع يواجهه أفق المستقبل. وفي تحليل هيغل للشعر كنوع فني حديث ينوه بأن على الشعر أن يبرز الشيء الأساسي الجوهري الزاخر بالحياة. عليه أن يبرز طبيعة الشيء الخاصة وما تنطوي عليه من طاقة وزخم. إن على الفنان أن يبرز ما ينبغي أن يكون، أن ينفذ إلى المفهوم كما يقول هيغل ولا يكتفي بالموجود الناجز فقط. وقد كان هيغل يوضح أن الكلي يعبر عن نفسه مباشرة في أفراد معينين ومن خلال عواطفهم الذاتية وسجاياهم الطبيعية. فالكلي والفردي متحدان وهكذا يتمركز محتوى العالم في فرديات الأبطال. وهنا نصل إلى مبدأ وحدة العام والخاص هذه الوحدة التي تتجلى في الجوهري النموذجي (الحاضر أبداً). وخلق النموذجي هو مطلب أساسي في الشخصية الأدبية لدى الواقعيين إذ به تتخذ ميول العصر العامة قالباً فردياً شخصياً. وهيغل يقول من جهة ثانية أن على الفن أن يصور تناقضات العصر والنزاعات الأساسية التي تعج فيه. ويتم تصوير هذه النزاعات والصراع الإنساني الاجتماعي، عند هيغل وكذلك في الطريقة الواقعية عن طريق الأعمال والأحداث الإنسانية لأنها هي التي تنم عن أهداف الإنسان ومقاصده. ويجب أن تتصف الشخصية الأدبية موضوع العرض الفني بالعمق والتماسك والغنى أي يجب أن يتوفر فيها حسب مطلب هيغل، من جهة، الثبات والوضوح والانسجام ومن جهة ثانية الغنى والخصوبة والتنوع. إن الطريقة الواقعية تجد في هذه الأفكار الهيغلية عرضاً قوياً وتبنياً صريحاً لها. ولقد بيَّن هيغل أن مهمة الفنان هي عرض القوى والطاقات الجوهرية للعصر من خلال أحداث ومطامح بعض الأفراد وكذلك من خلال عواطفهم وأهوائهم. والطريقة الواقعية تمثل بالنسبة لهيغل مثلاً أعلى فنياً. وقد قال أحد الباحثين أن هيغل واقعي بالفطرة والولادة إذ ليس عند هيغل مثل أعلى مجرد يحوم فوق مشاكل الإنسان الحقيقية. إن الفن هو من جهة تعبير حسي عن المطلق ومن جهة ثانية تعبير عن غنى الحياة الواقعية وعن الوحدة بين الطبيعة والفكر الإنساني، وفي كلتا الحالتين يرتدي المحتوى الفني الأهمية الأولى الحاسمة ويحقق التقدم على الشكل الفني وفي كلتا الحالتين يكتسب الفن قيمة معرفية لأنه شكل من أشكال معرفة الحقيقة. وقد أشرنا إلى أن محتوى المعرفة الفنية هو قوة واقعية ذات اتجاه ومعنى تاريخيين. والنفوذ إلى هذا المحتوى هو أهم خصائص الطريقة الواقعية. ولهذا ينتمي هيغل إلى المؤسسين النظريين للواقعية. إن الواقعية المعاصرة تجد في العودة إلى هيغل سنداً لها في صراعها مع النزعات الشكلية والتجريدية في الفن الحديث. والواقع أن جمالية هيغل التي تستوعبها الواقعية المعاصرة بما فيها الواقعية الاشتراكية تجد اليوم نقداً واعتراضات من جهات عديدة تنكر قول هيغل بوجود قيمة معرفية معينة للفن. فالفلسفة الوضعية تعلن أنه لا يمكن التثبت إلا من بعض الوقائع والظواهر والمعطيات، ولا نستطيع النفاذ إلى ماهيتها ومعناها العام. والفلسفة الحدسية اللاعقلية (شبونهور حتى الوجودية) تنتقد هيغل لأنه جعل الفن شكلاً من أشكال المعرفة فقط ولم يرفع المعرفة الفنية وبالأصح الحدس الفني إلى بديل للفكر النظري ولم يقم بالإعلاء من شأن الفن إعلاء يؤذن بإفلاس العقل والتفكير المنطقي ويكرس هذا الإفلاس. ففي الفلسفة اللاعقلية ينبغي أن يعارض الفن العلم وأن يتحول إلى المجال الوحيد للمعرفة الأصلية ولبلوغ المطلق. فالفنان يقدم عبر إشراقة داخلية صوفية مضمون الواقع الحقيقي العميق. ولهذا كان التفكير العقلي المنطقي ضاراً بالفنان ومبعداً إياه عن مصادر إلهامه. ويمكننا أن نعتبر محاولات روجيه غارودي في تأويل الفن المعاصر تعزيزاً واستمراراً للتيارات المعارضة للهيغلية. فغارودي يذهب بعيداً جداً في تأكيد أهمية الشكل وحقوق الفنان وحريته المطلقة في الخلق الفني دون مراعاة لحقيقة الحياة ولقوى المضمون الواقعية ومغزاه التاريخي. إن الفن عنده لا يعيد توليد الواقع ولا يترجمه فنياً ولا يكتشف حركة موضوعية تتفتح فيه عن آفاق المستقبل، والفن ليس انعكاساً لمضمون واقعي، بل عمل مبدع يكشف لا عن الحقيقة الموضوعية للحياة بل عن نشاط الفنان الخلاق الذاتي الذي ينشئ واقعاً فنياً أغنى وأروع من الحياة ويصنع مشاريع حيوات فنية أخرى. وبكلمة وجيزة فإن الفن ليس ـ كما يقول هيغل ـ معرفة للعالم وللروح بل تعبير ذاتي عن الفنان. وعلى هذا الأساس تنتفي لدى غارودي تلك المظاهر التي يعتبرها هيغل انحطاطاً فنياً في ظل التقسيم الرأسمالي المتطور للعمل. بل إن غارودي يرى في ما يراه هيغل انحطاطاً شكلياً وابتعاداً عن تيار الحياة العميق، يرى فيه خلق الفنان الذاتي والمثل الأعلى المعاصر للفن.‏
    7 ـ الفن والمضمون التاريخي والاجتماعي:‏
    لقد رأينا أن الفن هو التصوير الحسي للروح، للفكرة المطلقة. فالفكرة هنا متحققة في الواقع ومندمجة معه في وحدة مباشرة. ومضمون الروح يغتني من رحلة التاريخ الإنساني المعقدة. ولا شك أن الحل المثالي لعملية التطور الموضوعية قد وجد تعبيراً عنه في الفكرة. لكن هذا لم يلغ أبداً الحقائق الواقعية للحياة الإنسانية بل إن هيغل برغم تصوره المثالي والغائي قد نظر بعينين صافيتين ومفتوحتين إلى العلاقات الواقعية الموضوعية. وهيغل يشير إلى أن الروح يتصل بأعمق مصالح الإنسان. وهو يقيم الصلة بين العنصر الجمالي وتطور المجتمع ككل يطور ذاته بذاته. إن الفن ليس سوى جانب في عملية التطور التاريخية الشاملة هذه العملية التي تمثل الروح أصدق تمثيل بل إن هذه العملية هي ما يمكن ببساطة أن نفهمه من مجال الروح عند هيغل. أن الفنان هو ابن عصره والمجتمع شرط أساسي في ازدهار الفن أو انحطاطه. لقد طالب هيغل بالربط بين الفن وأعم مسائل النظرة إلى العالم ومصالح العصر والشعوب والأخلاق. ولقد قال إن الشعوب قد أودعت في الفن أسمى معانيها. فالتاريخ الاجتماعي هو الذي يحدد ملامح الفن. وقد لا نوافق هيغل دائماً على قوله أن ثمة عصراً يلائم ازدهار الفن وعصراً لا يلائمه، إلا أن الحقيقة التي أكدها هيغل من خلال ذلك هي أن انهيار الفن هو في آخر تحليل ثمرة انهيار المجتمع. وهذه الحقيقة تبقى صحيحة بالرغم من أن بعض عباقرة الفن قد ظهروا في عصور تفكك اجتماعي. إن أهمية هذه النظرة الهيغلية تكمن في أنها لا تفصل تطور الفن عن تطور المجتمع وتمثل بالتالي رداً على آراء شائعة الآن تجادل في أمر وجود صلة قوية بين الفن والتطور التاريخي، وإن كان من الخطأ أيضاً عدم الانتباه إلى الاستقلالية النسبية للتطور الفني. ولا نوافق هيغل على رأيه بأن لكل شعب دوراً خاصاً في العملية التاريخية. إلا أن وجود علاقة بين التطور الفني وبعض الخصائص والمميزات القومية أمر صحيح. وهذا الأمر ينسحب على كل جوانب الحياة الثقافية ومجال الحضارة الروحية. إننا نستطيع أن نفهم عقلية شعب على نحو جيد بالتعرف على فنه الذي تجد فيه هذه العقلية أو هذه النفسية تعبيرها الواضح. ولهذا يصح أيضاً أن نتحدث عن الإطار أو الشكل القومي للثقافة. ولعل من أكبر الجوانب السلبية في تطور الفن ابتعاده عن عقلية الشعب وتقاليده وأصوله ومنجزاته ومناخه الروحي. إن الفن جزء لا يتجزأ من العملية التاريخية الاجتماعية في كليتها العينية الملموسة. وعلى ضوء ذلك لا يكون الفن كتعبير عن الروح تعبيراً عما يتجاوز هذه العملية التاريخية الاجتماعية. إن علم الجمال الهيغلي قد ارتبط بفكرة التحول الاجتماعي القادر على تجديد العالم وذلك بمنحه الإنسانية مرة ثانية الأمل بالشباب والحيوية والطاقة الحاشدة لكل القوى الاجتماعية الإيجابية. إن رؤية الصلة بين الأنواع الفنية والمراحل التاريخية واعتبار تبدل الأنواع والأساليب عملية منطقية ترتكز إلى مبدأ أساسي وهو خضوع تطور الأشكال الفنية للمحتوى الموضوعي وللتطور التاريخي للمجتمع، إن كل هذه الأفكار الجمالية العميقة يعود الفضل في اكتشافها وعرضها إلى هيغل. وهيغل يرى فوق ذلك في تناقضات العصر ومختلف أوضاع العالم في عصور معينة أساس النزاعات والشخصيات الفنية. وعلى هذا الأساس يستنتج أن المجتمع البرجوازي معاد للفن والجمال.‏
    8 ـ عداء البرجوازية للجمال والفن:‏
    لم يفصل هيغل النشاط الجمالي عن الممارسة العملية بل أكد كما رأينا على أهمية العمل في فهم الجمالي كما أدرك أبعاداً أساسية من العلاقة بين النشاط الفني وخصائص المجتمع الرأسمالي. وقد استنتج عن طريق المقارنة بين النشاط الفني والإنتاج المادي أن العالم البرجوازي معاد للجمال والإبداع الفني، وتحدث عن افتقار هذا العالم إلى الشاعرية، عن نثر عالم البرجوازية. إن العالم البرجوازي هو عالم العمل المستعبد حيث تتعزز تبعية الإنساني للإنتاج وفقدانه للحرية وحيث يقضي تقسيم العمل والمكننة على تفتح شخصيته وروح المبادرة لديه. ففي عالم تقسيم العمل ينصرف الفرد إلى تنفيذ حركات قليلة لا تمثل سوى جزء يسير جداً من عملية العمل الواسعة فتضمن إمكانيته ومواهبه ويصبح نشاطه ملحقاً بأهداف غريبة عنه. إن استلاب الإنسان الكلي في المجتمع الحديث يحطم أساس التطور الحر للشخصية وللخلق الفني الأصيل وللجمال والشعر. أما الكمال الذاتي والانسجام اللذان عرفتهما الحضارة اليونانية فقد ذهبا إلى غير رجعة. والفن يجنح في العالم البرجوازي أكثر فأكثر إلى الانحطاط وهذا الأمر لا يقتصر على اجترار الكلاسيكية اجتراراً أكاديمياً فارغاً ومتكلفاً بل يتعداه إلى النزعة الذاتية والشكلية حيث يعمد المرء إلى عرض الواقع في فرديته وجزئيته العرضية وحيث يصبح وصف الحياة اليومية السطحية هدفاً للفن. ومن الواضح أن مثل هذا الفن يشيح بنظره عن المشاكل الكبرى للعصر والحياة.‏
    وفي هذا العالم البرجوازي القائم على التقسيم المتزايد للعمل والمعادي للفن يتفكك الاتحاد بين الناس وتنفصم عرى الوحدة التي كانت قائمة بين الإنسان والطبيعية. والناس كأفراد يتثبتون من عدم انسجامهم مع المجتمع إذ أن المجتمع قد تحول إلى قوى غريبة متناقضة مع مصالحهم الحقيقية. لقد فقد العمل المنتج طابعه الشخصي الحر وكذلك تتصف علاقات الإنسان الحقوقية والسياسية بالتجريد والتوسط وانعدام الحرية، ذلك أن الصلة المباشرة بالمجتمع قد انقطعت والفرد قد أصبح كياناً مجرداً حقوقياً. وإذا كانت العلاقات الإنسانية كلها قد أصبحت لا شخصية فالمادة الحياتية التي تلائم الفن تضمحل وتحل محلها أمائر الإنهاك والقسم والسطحية والعقم. وهذه كلها تشير إلى انعدام الشاعرية وانعدام العذوبة في العالم، وإلى تحطيم الإنسان أمام نثر الحياة البرجوازية، وهذا التحطيم الذي يعاني منه الإنسان يرتبط عند هيغل بسيطرة الملكية الخاصة. ومع ذلك فإن هيغل لا يرى في طريق الحرية والتحرر في إزالة الملكية الخاصة بل في الاستغراق الذاتي، في حرية الذات الداخلية، في انتصار الروح على الطبيعية. والواقع أن الفن إذ يجعل من الحياة الداخلية الخاصة المستقلة موضوعة يقطع صلته بالشيء الحسي الموضوعي ويقضي بذلك على ذاته كفن. وهذا ينسجم تماماً مع تصور هيغل الفلسفي للفن كمرحلة في تطور الروح المطلق. إن هيغل يتحدث عن معاداة البرجوازية للفن وعن القضاء على الفن كشكل من أشكال المعرفة مفسراً من جهة سيطرة النزعة الذاتية والاستغراق الذاتي بعلاقات العصر الراهنة المتناقضة ومفسحاً من جهة أخرى المجال لتحرر الروح المطلق من العالم الحسي، ولحلول الفلسفة محل الفن كتعبير أرقى يصل فيه الروح المطلق إلى الوعي الذاتي التام. ولكن هنا بالذات في إحلال الفلسفة محل الفن يظهر التناقض الشديد بين التحليل التاريخي الجدلي وبين الصفة المثالية والتصوفية ـ الغائية لمنظومته الفلسفية. إن هيغل يتخلى عن التحليل التاريخي إذ يجعل من تناقضات المجتمع الرأسمالي ومن عدائه للجمال وللفن شرطاً لتقدم الروح أو كما يقول أحد الكتاب مأساة للروح الخالدة. وهكذا لا تعود جدلية التناقضات الاجتماعية قوى محركة في طريق تجاوز الملكية الخاصة وقوة تاريخية في إطار تاريخي بل يتحول نثر العالم البرجوازي إلى حقيقة مطلقة مستقلة عن التاريخ والعلاقات الواقعية.‏
    لقد قابل هيغل انحطاط الفن الحالي بازدهار فن الحالة البطولية في الديمقراطية اليونانية القديمة حيث تحقق المثل الأعلى الجمالي. أنذاك كانت علاقة الفرد بمحيطه ووسطه مباشرة شفافة. وكان العمل ذا طابع شخصي تشيع فيه رنة الفرح. آنذاك لم يكن تقسيم العمل قد ذهب بعداً بعيداً. فالناس الأحرار أو الأبطال أنفسهم هم الذين يصنعون بأيديهم أدواتهم ووسائل حياتهم وتسليتهم. إن خصائص أسلوب الإنتاج عند الأقدمين يتفق مع الطابع الشخصي للإنتاج ومع الحرية السياسية اليونانية ولقد كانت حياة اليونانيين تتصف بانسجام الفرد مع الأفراد الآخرين وبتكامل نشاط الفرد الحر مع المجتمع والدولة. وكانت هذه العوامل كلها وراء ازدهار الفن قديماً. ولم تكن الملحمة النوع الأدبي الذي ساد آنذاك فحسب بل إن الحياة نفسها كانت أيضاً ذات أبعاد بطولية ملحمية. لقد كان ذلك العصر عصر نشاط وفعالية ذاتية قوية للشعوب الحرة، وهنا يتأكد لصورة خاصة المثل الأعلى الجمالي القائم على الوحدة المنسجمة بين الإنسان والطبيعة ويتأكد أن تجاوز هذه الوحدة يتم على صعيدين الأول هو حركة تناقضات المجتمع والثاني هو حركة الروح. ولذلك يبدو أن تجاوز الوحدة مع الطبيعة كاستغراق ذاتي وتحرر روحي يتفق مع الروح المحافظة ومع التكيف مع عالم الملكية الخاصة والرأسمالية، أن الفن يقضي على ذاته.‏
    وهذه الواقعية التاريخية تتصف في الوقت ذاته بالسلبية والإيجابية. إنها سلبية لأنها تشير إلى عبودية الإنسان لعلاقات الإنتاج الرأسمالي ولنثر الحياة البرجوازية وهي إيجابية لأنها تشير إلى تحرر روحي وإلى أعلى درجة في الوعي الذاتي. وأمام هذا التناقض الحي يبقى هيغل يقظ الفكر ومفتوح العينين. وينبغي هنا أن نضيف أن فكرة هيغل عن عداء الواقع البرجوازي للفن والجمال لا تتفق مع التفسير الحديث الذي يربط انسداد أفق الفن بانهيار كل الثقافة الإنسانية والحضارة البشرية. إن هذا التفسير يعكس إلى حد بعيد انحطاط ثقافة البرجوازية المتأخرة. وسنرى أن هيغل لم يعتبر الافتقار إلى الشاعرية والنثر في الصلات البرجوازية حقيقة قائمة فوق الزمن. إن فكرة هيغل عن نثر الحياة البرجوازية وعدائها للفن والجمال قد استبقت آفاق تطور الفن في القرن التاسع عشر. إلا أن هيغل قد أضاف من جهة أخرى أن الفن سينبعث في أشكال جديدة ولا سيما في الرواية، ملحمة العصر البرجوازي.‏
    9 ـ خلاصة وخاتمة:‏
    لقد اعتبر هيغل الفن وبالتالي الفعالية الجمالية مرحلة دنيا في المعرفة النظرية التي تبلغ في الفلسفة، حيث يكون المطلق لدى ذاته، أرقة درجاتها. إن الفن هو التصوير الحسي للمطلق أو للروح؟ وهذا التمييز بين الفن والفلسفة يصدر ـ طبعاً ـ عن اعتبارات فلسفية.‏
    ولنطرح الآن السؤال الذي طالما لمسناه في العرض السابق: هل يلتقي الفن مع الدين والفلسفة في المحتوى على هذا السؤال أن أشمل حقائق الروح لا تنفصل عن جملة علاقات الإنسان الموضوعية في هذا العالم وبالدرجة الأولى السياسية الموضوعية والاجتماعية والحقوقية والأخلاقية. إن الفنان هو ابن عصره ومجتمعه لأن الفن جانب في عملية التطور التاريخية، أما موضوع الفن أو محتواه فإنه رغم التقائه مع المحتوى المعرفي للدين والفلسفة يتجاوز العلائم المشتركة معهما. لقد بيَّن هيغل أن ثمة درجة معينة للحقيقة للوجود الإنساني نستجيب للنشاط الفني وأن ثمة تمايزاً نسبياً بين موضوع المعرفة وموضوع العرض الفني، فإلى جانب موضوع المعرفة ينصرف الفن إلى عرض الغنى الكلي لأشكال الطبيعية وصورها: فثمة إذن محتوى فني خاص متميز. وهيغل يقول أن الفن يكشف سيطرة القوى العامة في التاريخ وأن العواطف والانفعالات هي لحمية العملية التاريخية. ومن هنا يمكننا التمييز بين محتوى فكري معرفي ومحتوى انفعالي للفن. ومجال الفن الخاص هو الانفعالات والعواطف التي تعبر عن القوى السائدة في التاريخ. وفي مجالات عديدة لا يعتبر هيغل الفن حلقة دنيا للمعرفة إزاء العلم كحلقة عليا، بل يعتبر الفن والعلم وظيفتين مختلفتين نوعياً في المعرفة ووظيفتين ضروريتين لا تنوب الواحدة منهما عن الأخرى. ولقد رأينا في ما سبق أن الجمالي مرتبط بالعمل، إنه صنع إنساني وحصيلة فعالية الإنسان الواقعية وهو رؤية الأشياء كأثر للإبداع الإنساني كتعبير عن الإنسان. ومن خصائص الوعي الجمالي أو بالأحرى النشاط الفني أنه لا يستهلك الشيء بل يجعل الطاقة الإنسانية تتموضع في استقلال وحرية كغاية في ذاتها. وهنا تطرح مسألة التوفيق بين الفن كغاية في ذاته وبين الفن كلحظة عبور لتجلي الروح. فكيف يمكن على ضوء ما تقدم أن تكون حقيقة الفن في الدين والفلسفة؟ إن محاولة الإجابة على هذا السؤال تضعنا أمام التناقض الجدلي الذي يتغلغل في تحليلات هيغل وآرائه الجمالية، أن القيمة الفنية المعرفية مستمدة عند هيغل من قيمة المحتوى كمعنى تاريخي وكقوة واقعية أي أنها مستمدة من علاقات الإنسان الاجتماعية وتناقضاتها ولكن حركة هذه العلاقات وهذه القوة الواقعية التاريخية تخط أيضاً مسار الروح الذي سيتجاوز الفن في النهاية. لكن بصرف النظر عن هذه الناحية فإن تحليل هيغل الجمالي يتسم بنزعة واقعية وفهم تاريخي. إن المثل الأعلى الجمالي عنده هو إشراقة شكل الحياة الأفضل في هذا العالم في الواقع التاريخي حيث يكون غنى الحياة أقرب ما يكون إلى التحقق والتفتح. ولقد تحقق هذا المثل الأعلى في الحضارة اليونانية إلا أن غنى الحياة الواقعية يجد في كل عصر إمكانية معينة إقامة وحدة الطبيعة والفكر الإنساني. ولقد صاغ هيغل بعض مبادئ الطريقة الواقعية وأكد أن مهمة الفنان هي عرض القوى والطاقات الجوهرية للعصر من خلال أحداث ومطامح بعض الأفراد ومن خلال عواطفهم وأهوائهم.‏
    كل هذه النتائج التي توصل إليها هيغل في تحليله تؤكد على كون الفن تعبيراً عن غنى الحياة الواقعية وعن الوحدة بين الإنسان والطبيعية وهي نتائج لا تتعارض مع كون الفن تعبيراً عن الروح المطلق. إلا أن هيغل في تحليله لبعض الخصائص الفنية وفي أحكامه الملموسة المحددة قد توقف عند وحدة الطبيعة والإنسان دون أن يعير اهتماماً لكون الفن حلقة دنيا في تطور الروح المطلق. ولابد من أجل فهم جمالية هيغل من الإقرار بوجود هذا التناقض الحي الذي يمكن عرضه كما يلي:‏
    1ـ إن هيغل يجعل الفن في منظومته الفلسفية تعبيراً عن الروح ويضيف إلى ذلك أن تطور الروح الحالي وتساميه يفضي إلى زوال الفن. فنثر الحياة البرجوازية يجد حقيقته في تطور الروح اللاحق، في الفلسفة.‏
    2ـ يضع هيغل في تحليلاته التفصيلية وخاصة في كتابه علم الجمال نصب عينيه حقيقة كون الفن تعبيراً عن وحدة الطبيعية والإنسان. وفي هذه النظرية يغدو نثر الحياة البرجوازية تحطيماً للانسجام والجمال وافتقاراً للانسجام اليوناني الذي لن يعود.‏
    وهيغل مع تأكيده أن الفن مرحلة في تطور الروح وأن الفن سيزول مفسحاً المجال لتسام أرقى للروح، لم يذهب إلى النهاية مع رأيه القائل باضمحلال الفن فهو حين عرض للرواية التي تمثل ملحمة عصر البرجوازية والتي تطمح أن تكون لها أبعاد ملحمية تراجع جزئياً عن القول باضمحلال الفن. وكذلك تراجع حين أخذ يؤكد على أهمية التعارض بين نثر العلاقات البرجوازية وشاعرية القلب الإنساني وأهمية النزاع بين نظام الأشياء المتحجر المعادي للجمال والشخصية الثائرة على هذا النظام. إن هذه النزاعات هي موضوع صالح لفن معاصر وإنساني تتجلى فيه عظمة الإنسان وغنى العلاقات الإنسانية وشاعرية المطامح الإنسانية. أن هيغل يحدد بوضوح معالم الرومانسية ولم يوضح كيف سيكون انبعاث الفن على أساس جديد إلا أنه تحدث عن مرحلة جديد للفن الرومانسي أو عن مرحلة جديدة تتجاوز الفن الرومانسي وهي مرحلة الفن الحر. إن الفن الحر غير محدود في محتواه وهو يجعل الإنساني محور اهتمامه. فالمضمون المطلق لفن العصر الحاضر هو العنصر الإنساني وجملة العلاقات الإنسانية. والرواية، لأنها تتناول الإنسان كإنسان في حياته الخاصة وتعني بتصوير ووصف الحياة الإنسانية، تحتل مكاناً هاماً في الفن الحر. إن تطور الفن الحر الإنساني يتناقض مع غائية هيغل المثالية التي تفضي إلى القول الجازم باضمحلال الفن.‏
    والواقع أن الفن في كتاب “علم الجمال” لهيغل كان أكثر من لحظة عبور إلى مرحلة أرقى لتجلي الروح. ويعتبر أحد علماء الجمال المعاصرين كتاب علم الجمال، هو أسهل كتب هيغل وأمتعها، ثقباً هوائياً في منظومته الفلسفية. فهيغل في علم الجمال أكثر واقعية وإنسانية وأقرب إلى الأرض والواقع والطبيعة منه في منظومته الفلسفية. إن الفن الذي يوحد بين الطبيعة المتناهية والفكر اللامتناهي أو يتوسط بين الواقع الحسي والفكر الخالص، إن هذه اللحظة المتوسطة تكتسب في علم جماله أهمية خاصة بذاتها، وبقدر ما تصبح هذه اللحظة المتوسطة موضع اهتمام تبتعد النتائج الفلسفية عن التدخل في التحليل الملموس وننسى إلى حين أن الفن حلقة في تطور الروح. أن هيغل يتوجه هنا بتحليله إلى الواقع وإلى الجمال الطبيعي وإلى غنى الحياة الإنسانية. وفي هذا التحليل يغدو الفن بالدرجة الأولى تعبيراً عن الجانب الحسي الطبيعي النابض بالحياة والتوثب. إن علم الجمال يمثل بالنسبة للتجريد المنطقي الخالص عودة إلى الأشكال الحسية للعالم العيني الملموس، للطبيعة والإنسان، هذه الأشكال التي تعرض رمزياً في صيغة تطور المقولات، إنها عودة إلى أمنا الأرض حيث تقوم وحدة عليا بين الإنسان والطبيعة. إن الفكرة المطلقة تقود كما يقول هيغل إلى ذاتها في مجرى التاريخ المليء بالتناقضات، عبر تطور الإنسانية. والطبيعية. إن الفكرة المطلقة تعود كما يقول هيغل إلى ذاتها وحدة الروح والطبيعة أو يقوم فيها التطابق بين الطبيعة والتاريخ وبين التطور العام للأشكال المجردة للحضارات الإنسانية والنشاط الذاتي العيني للفرد. وفي هذه اللحظات يتحقق انسجام الإرادة الإنسانية مع اللعب الحر للطاقات البشرية وانسجام الضرورة مع الحرية. إن مهمة فلسفة هيغل تتلخص في الوصل بين الفكرة المطلقة المجردة والروح المطلق. وهيغل يكشف في معالجته للحلقة المتوسطة بين الفكرة والروح، وهي الطبيعة والحياة الإنسانية، يكشف عن إحساس واقعي حاد واهتمام كبير وحار بالحياة. وما يهم هيغل هنا ليس الصفة المثالية المجردة لأشكال الفكر العامة بل صورة الحياة المليئة بالمعزى أو الصورة التي تتحقق وفقها الحياة الواقعية والعالم الحقيقي. ففي فلسفة الفن يجري الانتقال من منطق الفكرة إلى منطق الحياة في أعلى مستوياتها حيث تقوم الوحدة العضوية بين الطبيعة والروح.‏
    لقد أخضع هيغل في فلسفته الفن والخلق الفني للمعرفة النظرية والعلم، إلا أنه لم يقض بذلك على مجرى الحياة الحر والمشاعر المباشرة. إن الجميل في الطبيعية هو ما يذكر بالإنسان وما يحدثنا عن الحياة. وإذ ينظر هيغل إلى الجميل كتعبير عن الحياة يضعف ـ دون أن يزيل ـ اللحظة التأملية المجردة التي تتغلغل في نظامه الفلسفي حيث يكمن الجمال في اكتمال تفتح الفكرة. إن علم الجمال هو منطق الأشكال الراقية لتجلي الحياة وهيغل يؤكد هنا على اللاتناهي الفعلي والخصوبة اللامتناهية للطبيعة. فالطبيعة ليست كما في منظومته متناهية بل تنطوي على غنى لا متناه. إن الجميل الذي كان في المنظومة تعبيراً مرحلياً عن التفتح العام للفكرة يغدو في التطور الفعلي مليئاً بالواقعية والغنى المشخص للواقع الطبيعي والتاريخي. وهذا الفهم الواقعي والتاريخي للغنى المشخص في الواقع الطبيعي والتاريخي هو الذي يمنح علم جمال هيغل أهميته الراهنة وقيمته الباقية.‏

  • ياسين عاشور – المالينخولي السّعيد (2) – الوُجُودُ لَعِباً: تأمّلاتُ كائنٍ عابثٍ

    ياسين عاشور – المالينخولي السّعيد (2) – الوُجُودُ لَعِباً: تأمّلاتُ كائنٍ عابثٍ

    مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ – الدّهريون العرب

    بعدَ أن أضنتهُ التّجربة الوجوديّة وصار العبثُ بالنسبة إليه مذهبًا راسخًا، ارتأى المالينخولي السّعيد أن يضطلعَ بتدوين تأمّلات تكون بمثابة تأصيلٍ لكيانه. و قد تخيّر الكتابة على نحوٍ شذري/مقطعي بما يتلاءم مع مزاعمه و مصادراته، دون أن يتورّط في التشقيق المنطقي أو البناء النّسقي،  فخارطته الوجوديّة تتشظّى و تتشقّق في انتظار السّقوط الأخير، و كذا نصّهُ.

    ورد في لسان العرب أنّه يقال لكل من عَمِلَ عملاً لا يُجْدي عليه نَفْعاً: إِنما أَنتَ لاعِبٌ. يكُونُ الإله بناءً على هذا المعنى اللّغوي لجذر ( ل.ع.ب) أوّل كائنٍ لاعبٍ، باعتباره مُنشِئًا لوجودٍ لا يجدي عليه نفعًا و لا ضرًّا. تفطّن “أبيقور” إلى هذه اللّطيفة حينما أقرّ بأنّ الآلهة كائنات كاملة و مغتبطة و منزّهة عن كلّ ما عداها و مكتفيّة بذاتها ! و إذَا كانت حقًا كذلك، تكونُ آلهة لاعبة/عابثة بإيجادها للموجودات. لكن إذا أردنَا قَلْب المعادلة، و جعلْنَا المخْلوقَ مكانَ الخالقِ، لانْفكَّ اللُّغز و تنزّه الإله عن نقيصة اللّعب : لقدْ اخترعَ الإنسانُ الآلهة لحاجةٍ في نفسهِ، و بذلك ارتكب أوّلَ حماقةٍ فاصلةٍ في تاريخه : حماقةُ المعْنى/الغاية.

    إذا كانَ العبثُ نقيصةً بالنسبة إلى الإله، فهو شرفُ الإنسانُ و أعلى تجلّيات وعيِه بذاته/حجمه/منزلته. لقد كانت فتوحات مُبينة تلك الكشوفات المعرفيّة التي خلخلت مسلّمات النوع الإنساني و قضقضت نرجسيّته كوسمولوجيًا و بيولوجيًا و سيكولوجيًا… لقد انبجست من تلك الثورات سرديّةُ الارتياب. و شرع الإنسانُ في إزالة السّحر/الوهم عن نفسه و عن العالم. لكنّهُ أعاد بناء أوهامه في سياقات علمويّة/وضعانيّة/حداثويّة أفضت به إلى الكارثة. و ماذا بعدَ الكارثة ؟ إنّها تباشيرُ فجرٍ جديد !… لقد عمّ الاستياء و الضّجر و الامتعاض و تفشّى اليأس و انتشرت اللّامبالاة و صارت الأرض حوضًا من حياض الجحيم يتقيّأ فيه غريبُ الأزمنة الحديثة… لقدْ وُلِدَ “اللّامنتمي” رسميًا !
    وُلد اللّامنتمي بصفة رسميّة إبّان النّصف الأوّل من القرن العشرين، أي إبّان الكوارث الكونيّة المقنّنة و المُوَقّعة. و افتتح بولادته عصر العبث غير الخجول/ العبث الصّارخ، عصر إسدال السّتار عن كلّ التوهّمات الإنسانيّة، عصر تكشّف القُبح سافرًا مُتبرّجًا دون رياء. إنّ اللّامنتمي عينه الإنسان الأخير، دشّن بولادته بداية النّهاية، إنّهُ صوتٌ صارخٌ في البريّة الإنسانيّة، حيثُ الوحشةُ و اصطكاك الأسنان. إنّ عصر اللّامنتمي عينه عصر تجلّي الرّوح الكلّي الحقيقي و انكشافه – لقد خسر هيغل الرّهان -، عصر ظهور الذئب نازعًا عنه ثياب الحمل الطّيب الأخلاقي، لا مطمع بعد في أساطير الخلاص والمخلّصين، ولا إيمان بعد في غائيّة التّاريخ و نبل مقصده، و لا اعتقاد بعد في العناية الإلهيّة.

    يقوم الإدراك الإنساني على الفنطاسيا أو التّوهّم، فهو تمثّلي في كنهه. و بالعودة إلى مصنّف شوبنهاور “العالم إرادةً و تمثّلًا” – يُعتبر من روافد المالينخولي السّعيد الكلاسيكيّة – ، نعثر على هذه الفكرة بوضوح : فالإنسان“لا يعرف شمسًا و لا أرضًا، و إنّما يعرف فقط عينًا ترى شمسًا و يدًا تحسّ أرضًا، و أنّ العالم الذي يحيط به إنّما يكون قائمًا هناك بوصفه تمثّلًا فحسب”. تنتفي وفق هذا التقرير أسطورة تطابق المقول بالمعقول بالمحسوس. فالإنسانُ كائنٌ واهمٌ بالضّرورة، لا يرى إلّا ما تسمح له حواسه الخادعة برؤيته و لا يتمثّل إلّا ما يمليه عليه ذهنه المحكوم بإكراهات البيولوجيا ( قد يتسبّب الفصام مثلا -و هو مرض عضوي يصيب الدّماغ – في هلاوس سمعيّة لا وجود لها في العالم الحقيقي ) . يكون التّمثّل إذنْ لعبةً موغلة في الفردانيّة، شكل من العبث بالوجود و تشكيله و قولبته كالطّين الأملس.

    يقول المالينخولي السّعيد في إحدى يوميات خيبته : “ماذا أفعل في هذا العالمِ ؟
    أستيقظ كلّ يوم على وقع هذا السّؤال المُربكِ. تُعاوِدُني الرّهانات الكانطيّة بخصوص المنزلة و الواجب و الرّجاء و المعرفة.
    ماذا يمكنني أن أعرف ؟
    يكفي أنّي عرفتُ الخيبةَ تتكرّرُ في التّاريخ و في أنحاء الرّوح.
    ماذا يجب عليَّ أن أفعلَ ؟
    أنا سليل المنهزمين النّاعقين المبشّرين بخراب العالمِ و بطلانه. من سليمان الحكيم مرورًا بالمعرّي وصولًا إلى إيميل سيوران، أنا تلك البومة الوديعةُ، نذيرُ الشُّؤمٍ علامةُ الحكمةِ.
    ما الذي يجوز لي أن آمل ؟
    كلُّ تقنيات الرّجاء استنفذت إمكاناتها، أكتفي بترديد تلك الحكمة البوذيّة المحفورة على شاهد قبر نيكوس كازانتازاكيس، ”لا آمُل في شيء، لا أخشى شيئًا، أنا حرٌّ “. ما الإنسان ؟ الإنسانُ كائنٌ مسخٌ، يبدعُ أصفادًا إذا أطلّ الصبحُ ثمّ يحاول الفكاك منها سرًّا إذا وقبَ الغاسقُ، يبذلُ الجهد الجهيد موسمَ الحصاد ثمّ يحرقُ السّنابل ليشرعَ في الحربِ على الفُتاتِ، ضبعٌ يقتات على جيفة بني جنسهِ، ذئبٌ لأخيه، حفّارٌ للقبور الباذخة، طمِعٌ في حياةٍ فوقَ الحياةِ، حقودٌ حسودٌ ميّالٌ إلى الشرِّ نزّاعٌ إلى الأذيّة…
    تلكَ طريقتي في تَصْريفِ النّكدِ اليوميِّ، و كلُّ ما أبوحُ بهِ تنويعٌ على هذا القولِ الجللِ : باطِلُ الأَبَاطِيلِ،الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ. ( سليمان الحكيم – سفر الجامعة )”

    المصدر: الأوان
  • جدلية (التراجيديا والفلسفة) لـ والتر كاوفمان _وفيق غريزي

    جدلية (التراجيديا والفلسفة) لـ والتر كاوفمان _وفيق غريزي

    التراجيديا كلمة غير واضحة الاشتقاق، تطبق بصورة واسعة النطاق على الاعمال الدرامية وغيرها من الاعمال في اطار توسيع نطاق الاستخدام التي تتحرك فيها الاحداث باتجاه خاتمة مشؤومة او تتضمن كارثة. وقد كان كتاب (الشعر) وهو اول محاولة لتحديد خصائص التراجيديا وأثرها في المشاهد. وأثّر بعمق في المفهوم الكلاسيكي الجديد للتراجيديا في بريطانيا وفرنسا. وقدم شكسبير وكتّاب آخرون للدراما في المرحلة الاليزابيتية مفاهيم تراجيدية جديدة مستمدة في احد جوانبها من سينيكا. وواصل هذا الجنس الغني الازدهار في المرحلة اليعقوبية وأعقبت ذلك مرحلة كئيبة اساساً. ولم يتم إحياء التراجيديا بصورة جادة. باستثناء حالات محددة الا في القرن العشرين الماضي، حينما جلبت اعمال: إبسن، سترايندبرغ، أونيل، ميللر، وليامز، وبيكيت جدية وواقعاً وأهمية جديدة الى الساحة المسرحية. الباحث والتر كاوفمان تناول هذا الموضوع في كتابه الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وترجمة كامل يوسف حسين، تحت عنوان (التراجيديا والفلسفة). فالمشروع الذي ينجزه المؤلف هو في حقيقة امره، خطوة متقدمة في نقده للفلسفة التقليدية. تتجاوز ما أنجزه في كتابه (نقد الدين والفلسفة) وتضيف اليه، وصولاً الى فهم اعمق للوضع الانساني. يخاطب هذا الكتاب أولئك الذين يهتمون بالتراجيديا، بما يكفي لدفعهم للاهتمام بكتاب (فن الشعر) لأرسطو، وكتاب (ميلاد التراجيديا) لنيتشه وكذلك آراء افلاطون وهيغل. افلاطون يشير المؤلف الى ان ولادة الفلسفة الغربية كانت في مطلع القرن السادس قبل الميلاد، وولدت التراجيديا بعد ذلك بأقل من قرن من الزمان، ويشير هذان التاريخان على نحو مغرق في التضليل الى ان الفلسفة هي الاكبر سناً. لكن الفلسفة في القرن السادس قبل الميلاد مختلفة تماماً عن فلسفة القرن الرابع قبل الميلاد، وفيلسوفا هذا القرن الاخير اللذان تناولا التراجيديا مطولاً اي افلاطون وارسطو كتبا طروحاتهما بعد ان مضى الشعراء التراجيديون العظام. كما ان الفيلسوفين العظيمين لم يظهرا فحسب بعد اعظم كتاب التراجيديا، وإنما بلورا التراجيديا الضرب الذي ابدعاه من الفلسفة، في جانب من جوانبه. فقد واصل افلاطون بمعنى من المعاني التطور الذي انطلق من أسخيلوس الى سوفوكليس ويوربيديس. حيث يقف أسخيلوس في منتصف الطريق بين هوميروس وافلاطون، ويتوسط يوربيديس الطريق بين أسخيلوس وأفلاطون.

    ولقد كان أفلاطون يكتب عن الشعراء كما لو كان نبياً، اما ارسطو فيكتب عنهم باعتباره قاضياً. قدم بارمنيدس الذي كان يصغر هيرقليطس بثلاثين عاماً مذهبه الجديد في صورة قصيدة وتابعه زينون الإيلي في جنوب ايطاليا، طوّر حججاً لامعة لا تفارق الذهن تأييداً لآراء استاذه، ومع فقد السفسطائيين وسقراط، وطور في وقت لاحق من القرن الخامس ق.م. أصبح هذا الاهتمام بالمجادلة وطيد الاركان.
    ويرى المؤلف انه اذا كان سقراط على حق فيما يتعلق بجهل الانسان الحتمي، فان افلاطون وارسطو كانا شأن من استهدفهم سقراط بسخريته، يظنان انهما يعرفان ما لا يعرفانه في الحقيقة، من هنا يفتقران للحكمة. ويؤكد ان افلاطون ينتقد الشعر التقليدي، اولا لمضمونه، ثم لشكله، وتنقسم اعتراضاته على المضمون الى قسمين: فالشعراء اساؤوا تقديم ما هو إلهي ثم ان لهم تأثيراً ضاراً على الاخلاقيات. ويقول افلاطون: (ان ما هو إلهي مسؤول عن الخير وحده لا عن الشر، وانه لا يتغير قط، ولا يكذب او يخدع، ومن المحتمل ان يقف المتلقي الى جانب افلاطون فيما يتعلق بهذه النقاط جميعها، حتى وان كان قد خسر إيمانه بأي معتقدات دينية قوية، الامر الذي يوضح ان افلاطون كان على حق فيما يتعلق بأهمية ما يتعلمه الناس في الطفولة المبكرة.
    هذا، ويمضي افلاطون ليختم كتابه (الجمهورية) بأسطورة. فبعد انهاء جداله في مواجهة الشعراء، يعاود الظهور في دور الشاعر. اكثر من هذا فان المحاورة بأسرها هي نوع من القصائد، بالمعنى الاوسع نطاقاً للكلمة، وهو المعنى المألوف في اللغتين اليونانية والالمانية، والشعراء الذين يكتبون نقداً ادبياً يدافعون عادة عن قضيتهم، وليس افلاطون استثناء في هذا الصدد، ونحن نسيء مطالعته اذا افترضنا ان الشعر الوحيد الذي يسمح به في نهاية الامر هو شعر بندار، ويختم حديثه بالقول: (ان علينا ان نهذب شعر هوميروس، بحذف ما يتضارب منه مع الفضيلة وان نحظر التراجيديا، ونمط شعر بندار انما يسمح به لانه ينتمي الى نوعية اوسع نطاقاً) وظيفتها الاولى خدمة ادب افلاطون نفسه، وهذا يغدو واضحاً بما فيه الكفاية بمجرد بحثنا لبداية وخاتمة (الجمهورية).
    لو ان ايا من الشعراء الجادين، الذين ينظمون التراجيديا جاء الينا وقال: (آه، يا للغرباء، هل لنا ان نمضي الى مدينتكم وبلادكم، ام ان ذلك لن يسمح به لنا، وهل نجلب معنا شعرنا? اعتقد ردنا سيكون: يا خير الغرباء، اننا ايضاً شعراء تراجيديون بقدر ما في وسعنا، وتراجيديتنا هي الافضل والانبل. انتم شعراء، ونحن شعراء، متنافسون وخصوم في أنبل دراما، القانون وحده يتمّها كما نأمل. فلا تفترضوا اذن اننا سنسمح لكم في لحظة ان تقيموا خشبة مسرحكم في الساحة العامة، حسب قول افلاطون، فالتراجيديا محاكاة للحياة، ولكن من الواضح انه ليست كل محاكاة للحياة يمكن ان تكون تراجيديا.
    القاضي العارف أرسطو
    يؤكد المؤلف انه لم يقدر لكتاب ان يؤثر في كل من التفكير حول التراجيديا، وفي التراجيديا ذاتها، مثلما قدّر للفصول الخمسة عشر الاولى من كتاب (فن الشعر) لأرسطو، التي يصل طول كل منها في المتوسط الى صفحة كاملة. ومع ذلك فان (فن الشعر) مفارق للفلسفة على نحو متزايد بطريقتين بالغتي الاختلاف. ورغم ذلك فما من شك في ان الطريقة الاولى التي يفارق بها الفلسفة تساعد في تبرير تأثيره، الذي لا نظير له، على الشعراء والنقاد.
    ان التراجيديا لدى ارسطو هي محاكاة فعل نبيل تام، له طول معلوم، بلغة مزودة بألوان من التزيين تختلف وفقاً لاختلاف الاجزاء، وهذه المحاكاة تتم بواسطة اشخاص يفعلون، لا بواسطة الحكاية، تثير الرحمة والخوف، فتؤدي الى التطهير من هذه الاختلافات، ويقول ارسطو عن التراجيديا أنها (نمت شيئاً فشيئاً) بإنماء العناصر الخاصة بها، وبعد ان مرت بعدة اطوار تثبت واستقرت بعد ان بلغت كمال طبيعتها الخاصة. ان التراجيديا لا تحاكي الناس بل تحاكي الفعل والحياة. والفارق بين التراجيديا والكوميديا ليس في الجوهر فارقاً في الموضوع، وانما هو يعتمد على منظورنا، فالحدث الواحد الذي يضم اناساً بعينهم يمكن ان يقدم باعتباره تراجيديا او كوميديا. اي ان اي مفهوم واقعي للدراما التراجيدية ينبغي ان يبدأ من حقيقة وقوع كارثة، فالاعمال التراجيدية تنتهي بصورة سيئة. ويرى المؤلف ان ارسطو بعد ان قام بتعريف التراجيديا يمضي الى تمييز ستة اجزاء تتركب منها هي: العقدة والاخلاق والفكر والمنظر المسرحي والنشيد، ولا شيء غير ذلك، ولكن ثمة تساؤلاً مهماً وهو لماذا يعتبر ارسطو العقدة العنصر الاهم بين العناصر الستة? ولماذا يخصص معظم مناقشته لها? يتعين علينا لكي نفهم ذلك ان ندرك ما يقصده بالعقدة. العقدة هي محاكاة الفعل، لانه يعني بالعقدة تركيب الافعال المنجزة. وعقب ذلك يقول ارسطو: (وأهم هذه الاجزاء تركيب الافعال، لان المأساة لا تحاكي الناس بل تحاكي الفعل).
    ما بعد افلاطون وارسطو
    حينما ناقش افلاطون الشعر قام اساساً بتناول مضمونه، أما ارسطو فحينما ناقشه عالج شكله. ومن شأن استخدام منهج اصطفائي ان يفضي الى معالجة الجانبين معاً، ولكن هناك ابعاداً اخرى لا تقل اهمية عن اي منهما، وحسب اعتقاد المؤلف فإن افلاطون لا ينظر اطلاقاً الى عمل واحد باعتباره كلاً واحداً، وهو يكتب مراراً وتكراراً عن شعراء التراجيديا وعن هوميروس، لكنه لا يناقش تراجيديا واحدة. هو يقتطف نتفاً ضئيلة يعترض عليها، ويلجأ الى التعميم. بمزيد من الجرأة، فيحدثنا بأن الشعر، شأن التصوير. يقدم لنا شيئاً زائفاً. لكنه لا يتوقف لكي يتساءل عن الكيفية التي قد تعمل بها الفقرات التي يقتطفها حينما تكون في سياقها، وهو اقل تساؤلاً عما تدور حول (الالياذة) او تراجيديا لسوفوكليس او ما الذي كان يوربيديس واسخيلوس يرميان اليه.
    التراجيديا حسب رأي المؤلف هي ابتداء شكل ادبي جرى تطويره في أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد، وكل الاستخدامات الاخرى لكلمة (ترجيديا) و (تراجيدي) مستمدة من هذا المفهوم القائل بأن الاحداث المنتمية الى نوعية معينة احداث تراجيدية. وان الاعمال الادبية تستحق اسم (تراجيديا) بالاشتقاق فحسب، هو مفهوم مناقض للحقيقة. ان الفعل في الكوميديا او التراجيديا ليس كالفعل الحقيقي، الذي قد يثير بالصدفة ردود افعال عديدة، والاعمال التراجيدية والكوميدية تقدم افعالاً رمزية، الامر الذي يعني القول بأنها تتضمن إيهاماً يعايش إيهاماً، وانها تراجع الى حد كبير بما يتفق والاعراف التي تختلف من عصر الى عصر، وان القصة تختار بحسب تأثيرها الذي يقصد به على سبيل المثال ان يكون تأثيراً تراجيدياً وكوميدياً او تراجوكوميديا.
    وبعد ان يحدثنا المؤلف عن ميلاد التراجيديا مع هوميروس وموتها مع اسخيلوس، يحدثنا عن سوفوكليس.
    شاعر اليأس والبطولة
    يؤكد المؤلف ان شأن الموسيقي موزار، لم يواجه سوفوكليس احداً يجد في الحط من قيمته، فقد احبه معاصروه، ومحضوه الاعجاب، ومنحوه الجوائز لمسرحياته كافة، وانتخبوه لمنصب رفيع، وحرصوا على الاشادة بشخصيته. وكانت مسرحيته (أوديب ملكاً) التراجيديا النموذجية بالنسبة الى أرسطو. وهكذا كان لها تأثير فريد على النقاد اللاحقين فحسب، وانما كذلك على التراجيديا التي جاءت في اعقابها. وطوال ما يزيد على واحد وعشرين قرناً لم يقدر لأية نظرية اخرى في التراجيديا ان تحرز ما يقارب مثل هذا القدر من الاهتمام. وقد اجتذبت نظرية هيغل هذا القدر بالفعل، وقد وجد المثال المطلق للتراجيديا لا في أوديب ملكاً، وانما في أنتيغونا لسوفوكليس. ولم يصف نيتشه فحسب سوفوكليس بأنه (أكثر الاثينيين جاذبية، وأخذاً بمجامع القلوب) وانما قال كذلك: (يتمثل اللغز الاعظم في تاريخ فن الشعر فيما يلي: اخذاً في الاعتبار بكل ما كان الشعراء القدامى يجدون فيه عظمتهم، فان الانسان يمكن ان يكون بربرياً، مليئاً بالعيوب ومشوّها من قمة رأسه حتى أخمص قدمه، ومع ذلك يظل اعظم الشعراء. كذلك كان الحال مع شكسبير الذي اذا ما قورن بسوفوكليس فانه يبدو شبيهاً بمنجم حافل بزخم لا يقاس من الذهب والرصاص والحصى، بينما ليس سوفوكليس ذهباً فحسب، بل هو ذهب في اصفى اشكاله، الامر الذي يجعل المرء يوشك على نسيان قيمته كمعدن. لكن الكم في أسمى تطوراته يحظى بقيمة الكيف. وقد تحرك ذلك لصالح شكسبير. وفي معرض الدفاع عن يوربيدس، يعتقد المؤلف انه لم يقدر الشاعر من الطبقة الاولى ان يتعرض للتقليل من قيمته على نحو ما حدث ليوربيدس. وقد كان من سوء طالعه ان تسع عشرة من مسرحياته قد بقيت حتى وصلت الى ايدينا بالمقارنة بسبع مسرحيات لكل من اسخيلوس وسوفوكليس.
    يقول المؤلف في هذا الشأن: (تمثل التراجيديات الباقية للشاعرين الاكبر سناً مختارات مما اعتبر افضل مسرحياتهما. وهناك من الاسباب ما يدعو الى الافتراض بأن معظم مسرحياتهما المفقودة لم تكن افضل من (الضارعات) او (سبعة ضد طيبة) او (أياس) كانت في مستواها. فدعنا نفترض ان اسخيلوس وسوفوكليس قد مثلت كل منهما اثنتا عشرة مسرحية اخرى مماثلة. بينما لم يعرف يوربيدس الا من خلال (اليتس) و (ميديا) وهيبوليتوس) و (الطرواديات) و (أليكترا) و (أيون) و (الباخوسيات) وينبغي تحديد الطبقة التي ينتمي اليها يوربيدس بين الشعراء، شأن سلفيه وكبار الشعراء الآخرين. بحسب افضل اعماله، ويتعيّن كذلك ان نكون ممتنين له للنصيب الذي ساهم به في جعل افضل مسرحيات سوفوكليس في نطاق الإمكان.
    شكسبير والفلاسفة
    من بين الفلاسفة الستة الكبار الذين تناولوا التراجيديا مطوّلاً، ركز افلاطون وأرسطو ونيتشه إهتمامهم على التراجيديات الاغريقية، ورغم اهتمامه بهذه التراجيديا فإن نيتشه لم يغفل شكسبير. وقد اهتم هيوم وهيغل وشوبنهاور بصورة عادلة بالإغريق وشكسبير. وحتى الفلاسفة الالمان الثلاثة لم يتعرضوا للتراجيديات الالمانية الا بإشارات عابرة. وقد يكون اختيار هؤلاء الفلاسفة الستة في مواجهة إبسن وستراتندبرغ او مسرحيات القرن العشرين أمراً مثيراً للإهتمام. وحسب وجهة نظر المؤلف فانه لن يكون من الانصاف انتقادهم لعدم انصافهم لأعمال كتبت بعد موتهم. وبما ان احداً منهم لم يناقش مطولاً كورني او راسين او وضع ايا منهما في مرتبة شكسبير او الاغريق فانه يبدو من المناسب ان نركز على شكسبير.
    ان كتاب (التراجيديا والفلسفة)كتاب شيّق في موضوع شائك، واذا لم يخرج منه المؤلف الا بتعلم طريقة جديدة في طرح التساؤلات حول القضايا الاكثر اهمية في حياتنا الثقافية لكفاه هذا وكفانا.
    ……………………………………..
    * التراجيديا والفلسفة، تأليف والتر كاوفمان، ترجمة: كامل يوسف حسين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت، 414 صفحة – قطع كبير.

  • إرنست همنغواي – على رصيف الميناء في إزمير (قصة قصيرة)

    إرنست همنغواي – على رصيف الميناء في إزمير (قصة قصيرة)

    على رصيف الميناء في إزمير (1) (1930)

    ترجمة: موسى الحالول

    قال إن الشيء الغريب هو أنهم كانوا يصرخون كل ليلة عند منتصف الليل. لا أعرف لماذا كانوا يصرخون في ذلك الوقت. لقد كنا في الميناء وكانوا جميعا على الرصيف، وعند منتصف الليل، راحوا يصرخون. لقد كنا نسلط عليهم الأضواء الكاشفة لنُسكتهم. وكنا ننجح دائما في ذلك. كنا نسلط أضواءنا الكاشفة مرتين أو ثلاثا، صعودا ونزولا، إلى أن يتوقفوا. في إحدى المرات كنت أنا الضابط القائد على رصيف الميناء، فجاءني ضابط تركي يكاد ينفجر من الغضب لأن أحد بحارتنا أهانه. فقلت له إننا سنرسل الجاني إلى السفينة حيث سينال عقابا قاسيا. وطلبت منه أن يدلني على من أهانه، فأشار إلى مساعد رامي المدفعية، وكان هذا شابا لا يؤذي أحدا. قال إنه أهانه عدة مرات وبشكل مريع، وكان يتحدث إلي من خلال مترجم. لم أستطع أن أتصور أن مساعد رامي المدفعية يعرف من التركية ما يؤهله إلى أن يوجه الإهانات بها. ناديته وقلت له: «هذا لمجرد أن تكون قد تحدثت مع أي من الضباط الأتراك.»
    «لم أتحدث إلى أي منهم، يا سيدي.»
    قلت له: «أنا متأكد من ذلك، لكن من الأفضل أن تذهب إلى السفينة وألا تأتي إلى الشاطئ ثانية فيما تبقى من اليوم.»
    ثم أخبرت التركي بأن الرجل قد أُرسل إلى السفينة لينال جزاءه العادل. بل جزاءه القاسي. فشعر بالزهو، وأصبحنا من أحسن الأصدقاء.
    قال إن أسوأ ما في الأمر هو أمهات الأطفال الموتى. إذ لا يمكنك أن تجعلهن يتخلّين عن أطفالهن الموتى. كن يحتفظن بأطفالهن الموتى لمدة ستة أيام ولا يتخلين عنهم. وليس في اليد حيلة. وفي النهاية عليك أن تنزعهم منهن انتزاعا. ثم هناك قصة تفوق العادة عن امرأة عجوز. وعندما حكيت هذه القصة لأحد الأطباء اتهمني بالكذب.

    كنا نُخلي رصيف الميناء منهن، ومن الموتى، وكانت هذه العجوز مستلقية على ما يشبه المحفة. قلن: «ألا تنظر إليها يا سيدي؟» فنظرت إليها، وفي تلك اللحظة ماتت وتخشبت. انكمشت ساقاها ثم انكمشت من عند خصرها وتَصلّبت. تصلبت كما لو كانت ميتة منذ ليلة أمس. كانت ميتة تماما ومتخشبة. حكيت هذه القصة لمساعد طبيب فقال: هذا مستحيل.
    كانوا جميعا على رصيف الميناء، ولم يكن الأمر كالزلزال إطلاقا أو ما شابه؛ لأنهم لم يكونوا يعلمون بوجود التركي. لم يكونوا يعلمون أبدا ماذا سيفعل التركي. هل تذكر عندما أمرونا بألا نأتي لإخلاء المزيد؟ لقد كنت خائفا عندما دخلنا ذلك الصباح. كان لديه عدد من المدافع وكان بإمكانه أن يقذف بنا إلى اليابسة. كنا سندخل ونسير بمحاذاة الرصيف، ونقذف 
    المراسي الأمامية والخلفية في الماء، ثم نقصف الحي التركي
    من البلدة. كانوا سيقذفون بنا إلى اليابسة وكنا سنحول البلدة إلى جحيم، هكذا ببساطة. لكنهم أطلقوا علينا بضع طلقات خُلَّبية عندما دخلنا. ترجل كمال وطرد القائد التركي، لأنه تجاوز صلاحياته أو شيئا من هذا القبيل. لقد تجاوز حدوده قليلا. كان الأمر سيتحول إلى كارثة.

    أنت تذكر الميناء. كانت كثير من الأشياء الجميلة تطفو فيه جيئة وذهابا. وكان هذا كل ما تبقى لي من الحياة، لذلك رحت أحلم بالأشياء. ومشكلتك ليست مع النساء اللواتي كن يلدن، بل مع أمهات الأطفال الموتى. كن ٍ يلدنهم بيسر وسهولة. والغريب أن قليلا منهم كانوا يموتون. كل ما عليك أن تفعله هو أن تغطيهن بشيء ما وتتركهن يتدبرن أمرهن. كن دوما ينتقين أشد الأماكن ظلمة في بطن السفينة ليلدن فيها. كن يتلقين كل شيء بصدر رحب حالما ينزلن من رصيف الميناء. كان اليونانيون أناسا رائعين أيضا. فعندما أُجلوا كسروا الأرجل الأمامية لدوابهم التي كانوا ينقلون عليها أمتعتهم ولم يستطيعوا أن يأخذوها معهم، فألقوها في المياه الضحلة. كل تلك البغال التي كسرت أرجلها الأمامية ألقي بعضها فوق بعض
    في المياه الضحلة. لقد كان كل هذا عملا رائعا. نعم، عملا رائعا جدا.

     

    (1) تقع إزمير في غربي تركيا، على بحر إيجة، وهي ثاني أكبر ميناء تركي. بعد انهيار الدولة العثمانية العام 1918 تنازعت اليونان وتركيا على هذه المنطقة إلا أن معاهدة لوزان (24يوليو 1923) أقرت بسيادة تركيا عليها، ما اضطر الجالية اليونانية فيها إلى الجلاء. والقصة هنا تحكي عن هذا الجلاء (المترجم).

  • انطفاءات عاجلة _ مهند الخيكَاني

    انطفاءات عاجلة _ مهند الخيكَاني

    ها أنتِ تنطفئين مثل
    مواقع التواصل الاجتماعي
    مثل تعليقات يتيمة
    لا تفهم في القيم والسخرية
    مثل امرأة ترتبط بنفسها
    كما ورد في الاخبار
    بعد ان تحطمت
    وصارت حياتها غبارا منسيا
    تحت الباب
    مثل قحاب مهذبات
    مثل مهذبات عاهرات
    مثل جُملٍ رخيصة غير قادرة
    على البلوغ
    فتدخن
    وتمارس العادة السرية
    أمام اللغة
    مثل كل ما يعنيه الأفراد
    بصيغة الجمع
    مثل أن تقول : العكس صحيح ايضا
    بينما
    تنسى أن العكس موجود
    في الضفة الأخرى
    مذيلا ب أيضا .. ايضا
    مثل كلاب برتبة k9
    تنبح عند الحاجة
    مثل مارلين مونرو
    ترتدي عباءة اسلامية
    تقضي حاجتها في الخيار والموز
    وتشعر بالتأنيب جراء ذلك
    مثل جارتنا التي تبحث عن زواج
    مطبوخ جيدا وعليه صلصة
    من النوع الحارق
    مثل نهود النساء المسنات وهن
    يشبهن الكروش عند الرجال
    مثل بضائع السيد فلان
    في رحم زوجته الثالثة
    الذي يعاني من النفاق
    مثل كل الابتذال المكتوب عن الملابس
    الداخلية
    المثيرة اكثر من صاحبتها
    مثل كل الذي يقرأ الآن هذه الجمل
    بغرض تقييمها والحكم عليها
    لا من اجل الاستمتاع
    او تلبية للشكوى
    مثل الأفكار القصيرة التي تُمط الى
    الكعبة
    ومع ذلك لا تبعث على الطواف
    مثل الافخاذ المستورة
    الافخاذ المتعرقة
    التي تذوب في بياضها وسمارها
    وسوادها
    وهي تتخير الفم المناسب
    مثل كل النقاد
    المرتبكين داخل ربطة العنق
    مثل كل النقد
    في بلاد تعيش على المثلوجيا
    وتتعشى على طاولات الانتظار
    مثل
    حبيبة تشتهيني 24 ساعة
    واتجاهلها نصف المدة او اكثر
    مثل
    اعلان ماله رباط
    يظهر في المسنجر فجأة
    بعد ان كان لصيقا بكل حياتنا
    مثل
    أدب مغرور ينام في الاستوديو
    مع صور السناب جات
    ولا يحظى بشعبية Dream girls
    مثل
    من تداعب نفسها بداعي
    الضجر
    فتنجب!
    مثل
    ذلك الطفل الذي يولد
    بداعي الضجر
    وينهي حياته في روايات
    ميلان كونديرا
    وكافكا
    مثل
    ميولي الشاذة الى الجلوس
    في الجوانب
    والاطراف
    حتى لا أكون مجبرا على سماع
    كل الأحاديث الغبية
    مثل الذين يتعاملون مع النصوص
    كعرسٍ أو مأتم ٍ
    وعليك أن تزورهم في الافراح !
    مثل أن أحبك ِ كمزحةٍ
    لكننا
    نضحك معًا في آخر الأمر

  • أيتها الطمأنينة المتعالية: استيقظي الآن – حصة العامري

    أيتها الطمأنينة المتعالية: استيقظي الآن – حصة العامري

    أيتها الطمأنينة المتعالية
    استيقظي الآن.
    أريد الخلاص.

    ولكن، من فوّهة حربٍ ليست لي
    انطلقتُ – بموتي -دفعة واحدة
    ولم أصل.

    كانت الأيام خافتة كظلال شواهد مقبرة.
    ضبابٌ هابط
    وخرخشة أقدام تدعك أوراق نبقٍ متساقطة
    نوايا باردة
    انتقام يلتهمُ اللحظات
    وأكثر من هَوَسٍ صامت.
    يتربص بي، هذا الذي يبدوني
    الذي في قرارة روحه الشاحبة
    يقبلُ انكساري الباهر على مدِّ الذاكرة.
    أدلهُ عليّ
    أمد يدي له
    لا شيء تخافه معي، لا أحد هنا حقًا
    سوى أقنعتي المتصلبة على بلاط أيامي
    ومرآة مُقعَّرة
    تخبئُ في حدة زواياها انعكاساتي الدائخة بالسؤال.
    تسابق لهاثك،
    محاولًا أن تختصر الأمر كلّه في هذا الزمن اللامتناهي.
    حيث كان هناك
    الخطأ الذي فاتني أن أتداركهُ.
    شعرتُ به يشدني من أقصى قعر البدايات
    يفصلني بضراوة عن جذوري الثخينة
    عن أمي وأبي وصداقاتي الوقتية وظروفي التي
    تكونتُ فيها بمرارةٍ عاطفية.

    أتخفف من ملامح الملل.
    أمرر أصابعي على تقصفات شعري المنتفش
    وعلى بدايات التحام فتحتي القرطين
    وتقف قليلًا، أصابعي
    عند النظرة الموحشة في عيني اليسرى.

    أنام عارية
    على سجادة أصفهانية تفوح منها نتانة الجوارب
    وبساتين السفرجل الفارسي.
    كوب الشاي يراوغ الثبات على بطني
    أختبر توازني بخيالاتٍ سارحة.
    سخونة الدفق الأحمر
    السرّة تتسع
    لأحلم بنافذةٍ إذا ما قفزت منها
    أقفز مني
    أصيرُ احتمالًا جميلًا لجارٍ يمر بيومٍ سيء.
    بينما هناك في أفكاري العادية،
    وفي أحلامي المكررة
    أربي فائض مخاوفي
    كسهامٍ سميَّة
    أطلقها على سذاجات البراءة.

    وعند نقطة اللاعودة
    أتذكر طويلًا
    المرة الوحيدة التي صدقتُ فيها
    أنني قد صدقت الأمر كلّه.
    بينما أن
    اليد التي تلوت بحساسيةٍ بالغة
    على يدي،
    كم مرة كادت أن تنجيني منّي
    لو أنها ظلت كذلك لمدة أطول؟
    تعادل كل هذا التحمل،
    كل هذا التربص
    كل هذه الفداحة
    كل هذا العمر
    هذه اليد البعيدة.

  • إرنست همنغواي – عجوز عند الجسر (قصة قصيرة)

    عجوز عند الجسر (1938)

    ترجمة: موسى الحالول

    جلس بجانب الطريق عجوز ذو نظارات لها إطار فولاذي ويرتدي ملابس معفرة جدا بالتراب. كان هناك جسر عائم يمتد فوق النهر وكانت العربات والشاحنات والرجال والنساء والأطفال يعبرونه.
    كانت العربات التي تجرها البغال تصعد الضفة الشاهقة من الجسر متثاقلة بينما كان الجنود يساعدون في دفع عجلاتها، أما الشاحنات فقد شقت طريقها صعودا، مبتعدة عن الضفة مسرعة، بينما كان الفلاحون يخوضون في الغبار الذي بلغ كعوبهم. لكن العجوز ظل جالسا بلا حراك. لقد بلغ منه التعب مبلغا أقعده عن متابعة المسير.
    لقد كانت مهمتي أن أعبر الجسر وأتفقد رأسه في الضفة الأخرى وأستطلع إلى أي نقطة تقدم العدو. لقد نفذت مهمتي وعدت فوق الجسر. لم يكن هناك كثير من العربات في هذا الوقت، وكان الراجلون قلة، لكن العجوز ظل ملازما مكانه.
    سألته، «من أين أنت؟.»
    فقال مبتسما، «من سان كارلوس.»
    كانت سان كارلوس مسقط رأسه، ولهذا ابتسم لأن ذكرها يمتعه.
    «لقد كنت أرعى الحيوانات،» قال شارحا.
    «أوه،» قلت وأنا لا أفهم تماما ما قاله.

    «نعم، لقد بقيت، كما ترى، لأرعى الحيوانات. كنت آخر من غادر بلدة سان كارلوس.»
    لم يكن مظهره يوحي بأنه راع أو صاحب قطيع، فنظرت إلى ملابسه السوداء المغبرة ووجهه الشاحب المعفر بالتراب ونظارته ذات الإطار الفولاذي، وسألته، «ما نوع الحيوانات التي كنت ترعاها؟.»
    فقال وهو يهز رأسه، «عدة أنواع. وكان علي أن أتركها.»
    كنت أراقب الجسر ومروج دلتا الإيبرو (1) 
    الذي يشبه الريف الأفريقي وأتساءل كم سيطول انتظارنا قبل أن نرى العدو، وأسترق السمع لعلي أسمع بوادر الضجيج التي تأذن ببدء ذلك الحدث المبهم الذي يسمى الالتحام. وظل العجوز ملازما مكانه.
    سألته، «أي نوع من الحيوانات كنت ترعى؟.»
    فقال «لقد كان مجموعها ثلاثة: عنزتان وقطة، بالإضافة إلى أربعة أزواج من الحمائم.»
    سألته «وكان عليك أن تتخلى عنها؟.»
    «نعم، بسبب المدفعية. قال لي الكابتن إنه يتعين علي أن أذهب بسبب المدفعية.»
    «وليس لديك أسرة؟» سألته وأنا أراقب الطرف البعيد للجسر حيث كانت آخر العربات تتدهده فوق منحدر الضفة.
    فأجاب، «لا. فقط الحيوانات التي ذكرتها. ستكون القطة بطبيعة الحال بخير. فالقطط تستطيع أن تعتني بنفسها، لكنني لا أعرف ماذا سيحل بالبقية.»
    سألته «إلى أي الأحزاب تنتمي؟.»
    فقال، «لا أنتمي إلى أي حزب. لقد بلغت من العمر ستة وسبعين عاما، ومشيت اثني عشر كيلومترا الآن، ولا أعتقد أنني أستطيع أن أذهب أبعد من هذا.»
    فقلت له «ليس هذا مكانا مناسبا للتوقف. إذا كان بإمكانك أن تمشي، فهناك شاحنات عند الطريق الذي يتفرع باتجاه تورتوزا» (2)

    قال «سأنتظر لحظة، بعدها سأذهب. أين تذهب الشاحنات؟»
    قلت له «باتجاه برشلونة.»
    فقال «لا أعرف أحدا في تلك الجهة، لكنني ممتن لك كثيرا. أقول لك مرة أخرى إني ممتن لك.»
    نظر إلي بخواء وتعب شديدين، فقال كأنه يريد أن يشرك غيره في همه، «ستكون القطة بخير بلا شك. ولا داعي للقلق بشأن القطة. لكن البقية. ماذا سيحل بالبقية برأيك؟.»
    «ربما ستنجو البقية من كل هذا على خير ما يرام.»
    «تعتقد ذلك؟»

    «لم لا؟» قلت وأنا أراقب الضفة البعيدة التي خلت الآن من العربات.

    «ولكن ما الذي ستفعله تحت نار المدفعية؟ لقد أجبرت على الرحيل بسبب المدفعية.»! سألته «هل تركت باب القفص مفتوحا للحمائم؟.»
    «نعم.»
    «إذن ستطير.»
    «أجل، ستطير بالتأكيد. لكن البقية. من الأفضل ألا أفكر في البقية.»
    قلت له أستحثه «إذا ارتحت فاذهب. انهض وحاول المسير الآن.»
    «شكرا،» قال وهو ينهض على قدميه، فتمايل يمينا وشمالا، ثم تهاوى على قفاه في التراب.
    «كنت أرعى الحيوانات،» قال من غير هدى، لكن ليس لي. «لم أكن أفعل سوى رعي الحيوانات.»
    لم يكن هناك ما يمكن عمله من أجله. كان الوقت أحد الفصح وكان الفاشيون يتقدمون نحو الإيبرو (3) 
    كان يوما رماديا مكفهرا منخفض الغيوم، ولهذا لم تحلق طائراتهم.
    لم يكن للعجوز من حسن الحظ سوى هذه الحقيقة وأن القطط تعرف كيف تدبر أمرها.

    (1) الإيبرو: نهر في الشمال الشرقي من إسبانيا (المترجم).

    (2) تورتوزا: مدينة في الشمال الشرقي من إسبانيا (المترجم).

    (3) الفاشيون هم غلاة القوميين الإسبان الذين تمردوا على النظام الجمهوري، والذين تزعم حكومتهم قائد أركان الجيش الجنرال فرانكو العام 1936بعد أن غزا إسبانيا من المغرب في أثناء الحرب الأهلية الإسبانية (1936 – 1939) .. (المترجم).

  • إرنست همنغواي – السيد إليوت وزوجته (قصة قصيرة)

    السيد إليوت وزوجته (1925)

    ترجمة: موسى الحالول

    بذل السيد إليوت وزوجته قصارى جهدهما لإنجاب طفل. لقد حاولا على قدر ما لدى السيدة إليوت من طاقة على الاحتمال. حاولا في بوسطن بعد زواجهما، وحاولا وهما يركبان الباخرة. لم يحاولا كثيرا في الباخرة لأن السيدة إليوت كانت مريضة جدا. وعندما تمرض فهي تمرض كما تمرض النساء الجنوبيات. أقصد النساء من الشطر الجنوبي من الولايات المتحدة. وككل النساء الجنوبيات انهارت السيدة إليوت سريعا بسبب دوار البحر والسفر ليلا والاستيقاظ باكرا.

    كان كثير من ركاب الباخرة يظنون أنها أم إليوت. أما الآخرون الذين كانوا يعرفون أنها زوجته، فكانوا يعتقدون أنها ستنجب طفلا. في الواقع كانت في الأربعين من عمرها. وتقدمت بها السنون فجأة عندما بدأت تسافر.
    كانت تبدو أصغر بكثير، في الحقيقة بدت كأنها لا عمر لها، حين تزوجها إليوت بعد عدة أسابيع من معاشرتها، وكان قد عرفها ردحا من الزمن في محل الشاي الذي تديره قبل أن يقبلها ذات مساء.

    كان هوبرت إليوت يتابع دراساته العليا في القانون في جامعة هارڤرد عندما تزوجها. كان شاعرا بوارد يناهز العشرة آلاف دولار في السنة. كان يكتب قصائد طويلة جدا بسرعة كبيرة جدا. كان في الخامسة والعشرين، ولم يعاشر امرأة قط قبل زواجه من السيدة إليوت. كان يريد أن يظل عفيفا لعله يستطيع أن يجلب لزوجته طهر الفكر والجسد الذي كان يؤمله منها.
    كان بينه وبين نفسه يسمي ذلك «العيش باستقامة.» لقد وقع في غرام كثير من الفتيات قبل أن يقبل السيدة إليوت، وكان دوما يخبرهن، إن ّ عاجلا أو آجلا، بأنه يحيا حياة عفيفة. وكن جميعهن تقريبا ينفرن منه. كان يصعقه ويُرعبه سلوك الفتيات اللواتي يخضن في الأوحال أثناء خطوبتهن لرجال يُردن التزوج بهم لكن بعد معرفتهم. لقد حاول ذات مرة أن يحذر فتاة يعرفها من رجل كان لديه ضده شبه دليل بأنه كان فاسقا داعرا في الجامعة، فكانت النتيجة وبالا عليه.
    كان اسم السيدة إليوت هو كورنيليا، لكنها علّمته أن يناديها باسم كالوتينا، وهو لقب عائلتها في الجنوب. بكت أمه عندما جلب كورنيليا معه إلى البيت بعد زواجهما، لكن أساريرها انفرجت عندما علمت أنهما سيعيشان خارج البلاد. عندما أخبر كورنيليا بأنه حافظ على عفته من أجلها، قالت له، «ما أحلاك وأغلاك، أيها الصبي،» وضمته إلى صدرها كما لم تضمه من قبل.

    وكانت كورنيليا عفيفة أيضا، وقالت، «قبلني قبلة أخرى مثل تلك.»
    قال هوبرت إنه تعلم طريقة التقبيل تلك من زميل سمعه مرة يروي قصة. لقد سرته تجربته أ ّيما سرور، فراحا يطوران هذه التجربة إلى أبعد الحدود. عندما يستغرقان في التقبيل أحيانا، كانت كورنيليا تطلب منه أن يعيد على مسامعها أنه حافظ على عفته من أجلها حقا. وكان هذا الإعلان يعيدها دائما إلى نقطة البداية.

    في البداية لم يكن في نية هوبرت أن يتزوج كورنيليا. لم يفكر فيها بتلك الطريقة. كانت صديقته العزيزة، وفي يوم من الأيام كانا يرقصان على أنغام الغراموفون في الغرفة الصغيرة الخلفية للمحل، فتطلّعت في عينيه وقبلها. لم يعد يتذكر متى قررا الزواج، لكنهما تزوجا.
    أمضيا ليلة زواجهما في أحد الفنادق في بوسطن. كلاهما خابت آماله، لكن كورنيليا استطاعت أن تنام أخيرا. أما هوبرت فلم يستطع النوم، فخرج عدة مرات ليقطع ممر الفندق جيئة وذهابا في بُرنسه الجديد الذي اشتراه خصيصا لرحلة زواجه. وبينما كان يتمشى، رأى أزواج الأحذية، الصغيرة والكبيرة، خارج غرف الفندق عند الأبواب، ما جعل قلبه يخفق، فهرع عائدا إلى غرفته، لكن كورنيليا كانت نائمة. لم يُرد أن يوقظها، وسرعان ما صارت الأمور على ما يرام، فنام هانئ البال.

    في اليوم التالي زارا أمه وفي اليوم الذي يليه أبحرا إلى أوروبا. كان بإمكانهما أن يحاولا إنجاب طفل، لكن كورنيليا لم يكن باستطاعتها أن تحاول كثيرا، على الرغم من أنهما كانا يريدان طفلا أكثر من أي شيء في الدنيا.

    نزلا في شيربورغ وجاءا إلى باريس. حاولا أن ينجبا طفلا في باريس. ثم قررا الذهاب إلى ديجون حيث توجد مدرسة صيفية، وكان عدد ممن عبروا الأطلسي معهم في الباخرة قد سبقوهم إلى هناك.

    لم يجدا ما يفعلانه في ديجون. لكن هوبرت كان يكتب عددا هائلا من القصائد، وكانت كورنيليا تتولى طباعتها له. وكانت جميعها قصائد طويلة جدا. كان لا يتساهل معها بشأن الأخطاء المطبعية إطلاقا، فكان يجعلها تعيد طباعة صفحة كاملة لو ارتكبت غلطة واحدة. كانت تبكي كثيرا، وحاولا عدة مرات أن ينجبا طفلا قبل أن يغادرا ديجون.

    جاءا إلى باريس وقد عاد معهم معظم أصدقائهم من الباخرة. لقد سئموا ديجون، فضلا عن أنهم يستطيعون أن يقولوا إنهم، بعد تركهم هارڤرد أو كولومبيا أو وبَش، درسوا في جامعة ديجون على الشاطئ الذهبي. كان كثير منهم يفضل أن يذهب إلى لانغدوك أو مونپلييه أو پيرپينان لو كانت فيها جامعات. لكنها كانت جميعها بعيدة جدا. أما ديجون فهي تبعد عن باريس أربع ساعات ونصف الساعة فقط، كما أن هناك مطعما في القطار.

    وهكذا تحلق الجميع حول مقهى القبة بضعة أيام، وتفادوا الذهاب إلى الروتوند على الجهة الأخرى من الشارع لأنها دائما تعج بالأجانب. ثم استأجر السيد إليوت وزوجته قصرا في تورين من خلال إعلان قرآه في جريدة «هيرالد» الصادرة في نيويورك. صار لإليوت عدد من الأصدقاء وجميعهم معجبون بشعره واستطاعت زوجته أن تقنعه بأن يستقدم صديقتها التي كانت معها في محل الشاي في بوسطن.

    ابتهجت السيدة إليوت كثيرا حين وصلت صديقتها وبكيا معا أكثر من مرة بكاء يُشفي. كانت هذه الصديقة تكبر كورنيليا بعدة سنوات وكانت تناديها «هني» وهي أيضا تتحدر من عائلة عريقة جدا.

    ذهب الثلاثة مع عدد من أصدقاء إليوت الذين يلقبونه «هوبي» إلى القصر في تورين. وجدوا أن تورين عبارة عن ريف منبسط جدا وشديد الحرارة تماما مثل كانزس.

    أصبح لدى إليوت الآن قصائد تكفي لكتاب تقريبا سينشره في بوسطن وقد أرسل مبلغا إلى الناشر الذي تعاقد معه. وسرعان ما راح الأصدقاء يعودون أدراجهم إلى باريس. لم تعد تورين كما بدت في البداية ولم يمض سوى وقت قصير حتى ذهب جميع الأصدقاء مع شاعرة شابة ثرية وغير متزوجة إلى منتجع بحري قرب تروڤيل. كان الجميع سعداء جدا.

    بقي إليوت في قصره في تورين لأنه استأجره طوال الصيف. حاول هو وزوجته أن ينجبا طفلا وكان ذلك على السرير الكبير القاسي في غرفة النوم الكبيرة الحارة. كانت السيدة إليوت تتعلم نظام اللمس في الطباعة، بيد أنها وجدت أن هذه الطريقة على الرغم مما فيها من سرعة فإنها تزيد عدد الأغلاط. أصبحت صديقتها الآن هي التي تطبع جميع المخطوطات. كانت بارعة ومتقنة لعملها وتستمتع فيما يبدو بما تقوم به.

    راح إليوت يتعاطى المشروب وكان يعيش بمفرده في غرفته الخاصة. كان يكتب كثيرا من الشعر طوال الليل، وكان الإرهاق باديا عليه في الصباح. وأصبحت الآن السيدة إليوت وصديقتها تنامان في السرير الكبير العائد إلى القرون الوسطى، وكانا يبكيان معا بكاء يُشفي. كانوا جميعا يجلسون مساء للعشاء في الحديقة تحت شجرة الدُلب وريح المساء تهب هبوبا حارا، وإليوت يتناول المشروب، بينما السيدة إليوت وصديقتها تتجاذبان أطراف الحديث، وكان الجميع سعداء على خير ما تكون السعادة.

  • كلمات الشاعر _بيثِنتِ أليْكْسَانْدرِ _ ترجمة: رفعت عطفة

    ماذا تنتظرُ بَعْدَ الكلماتِ الميتة،
    الكلماتِ التي مازالت تُلفظ أو تُقال؟
    أوراقاً طيّارة،
    مزيداً من الأوراق المبعثرة. من يدري؟
    كلمات خَرِبة، مثل صدى أو ضوء يموت هناك في ليل عظيم.

    كلُّ شيءٍ ليل عميق.
    الموتُ كلماتٌ قيلت
    في لحظاتِ المتعة أو الغضبِ، النشوةِ أو الهجران،
    حين تستيقظ الروحُ ويطلّ على العينين
    نورٌ أكثر من أيّ صوت خبير.
    خبير جاهز بكلماته على الصفحة المفتوحة،
    يتكئ إليها أو أنّها تدرك الهواء
    مع الصوت وترتاح. ليس بفضيلة قصوى،
    لكن بنظام صائب، إذا أرادت.
    فهي، الكلمات، تنصاع مطواعة لفضيلته
    وترتاحُ وديعةً، جليلةً،
    تُطلّ تحت الضوءِ على لسانٍ بشريٍّ يجهد بالتعبير عنها.
    واليد تُقلِّص حركتها للعثور عليها،
    لا بل: لتكشفها، مجديةً، بينما تبرق، توحي،
    حين لا تتبخر خيبةً،
    هكذا تبقى أحياناً، تنام،
    فضلةَ نهايةِ نارٍ لم تُلمس
    إذا ماتت لا تُنسى،
    وتخلّف ذاكرة واهنة، ها هي هناك.

    كلُّ شيءٍ ليلٌ عميق.
    الموتُ نسيانٌ للكلمات، النوابضِ، الزجاج، الغيوم
    ليهتم بنظامٍ خفيٍّ نهاراً،
    أكيدٍ ليلاً، في هوّة هائلة.
    هي ذي الأرض هناك، صارمةٌ
    لا تسمح بأي حبٍّ مركزه ناقص؛
    ولا بقبلة أخرى لا تكون لها،
    ولا بحب آخر غير الحب الذي ينتشر مخنوقاً.

    في الليالي العميقة
    تلقى الكلمات المهجورة أو الغافية تجاوباً.
    على الورق الطيار، من يعرفها أو ينساها؟
    من يدري؟ ربما رنت ذات مرة، في قلوب أخوية قليلة

  • دوران مغلق _أمل البابلي

    منذ الآن سيزول
    كل ذاك الوجع
    واصفرار عيني
    وبياض أظافري
    سيتحول الصراخ الى موسيقى
    فنبتهج بالجمال
    هناك في الممرات الضيقة
    والأرضيات المعقمة
    والأيادي التي تزرق التحدث
    برأسي كأنها تدّس الفرح في الملامح
    بتلك الجدران ..
    ستكون الحياة أكثر أشتياقاً
    كأنني ألتقط النجوم
    من سماء التشرد
    غير آبهة بصفارة الانذار
    وأجهزة العناية …
    فأمامي ساحة
    وأطفال
    وكبار سنّ
    سيارات
    شوارع تمتد بعيدا
    وباعة متجولون
    وانا أمام شاشة جهاز النبض أتطلع فيه
    ويأخذني التساؤل
    أي الزعماء ساروا ليلا
    ليروا تلك الوجوه الباهتة
    تلوك التراب جوعاً
    فينهمر دمعه مطرا إليهم …أرغفة خبز
    أو اي من رجالات الدين باتت أصواتهم
    تخترق طبلة أذني بالوعظ
    وينسون أن الحياة كرامة
    لقدأغلقوا باب الغرفة
    لتبدأ العملية وانا اراهم أمامي
    احدهم يتذمر والاخر
    يحمل المشرط
    وانا مازلت أبتسم هناك في مخيلتي
    فالحقيقة أنني أحببت الحياة
    دون أن أُفيق من غيبوبة وطني .

    (وقتك المستقطع )

    ثمة شيء صغير
    نبكي عليه
    نربط خيوطنا بمنطق الصفقات
    لنستعد للذهاب …
    صندوقنا الخشبي
    يعود لنا كل أربعة عقود
    لا بل كل اربع سنوات
    من حجم التأوه
    نموت رجالا ونسوة !
    ضعوه جانبا
    يوم الحساب
    ولنركب خطوات التلّ
    أنا لا أذكر الجسور العظيمة
    فالجسور الأخرى مبنية بفضاء محبرة زرقاء
    وطنين ذبابة تُخضع الأبراج للصراخ
    بعدما ينبلج النهار
    بفكرة الحصيلة
    أُغلقت الأبواب ،
    ليقول بعضهم:. أجزم أن الحياة:
    كُرسي متحرك

    دوران مغلق

    ‏من يُفسد الليلَ بالضياء ؟!
    من يصنع المعجزاتِ في عيون طفلة ؟!
    لا اعرف أيَّ شيء أخرَ …
    سوى ان أمدّ بصري على سطوح المنازل
    أو اضعَ قدميّ العاريتين على الشاطئ
    وأبتعدَ صوبَ السماء …
    أو أتركَهما للسير في شوارع الحيّ
    وأتوقفُ تحت المطر كالشجر.
    الشجر .. القابل للأشتعال بعود ثقابٍ
    من. روحي
    فظهيرة الصيف تُقلبُ أركانَ البيوتِ
    لترى دهشةَ الشمس فيها
    بين لحظة النور والظلام
    الفضاءاتُ تختنقُ
    والمعجزةُ في فمِّ المجانين
    تأكُل فتاتَ المرايا
    الخطوةُ الأولى تبعثُنا أحياءً
    والنساءُ هنا إناءٌ ظاميءٌ
    الأصابعُ وفنجانُ القهوةِ
    السيجارةُ الشيء الوحيد الذي يحترق بنا
    تلك اذن معادلةٌ خاطئة
    لا تقبلُ التكرارَ
    الشفاه لا تبادل أطرافَ الحديث بالحديث
    والكلُّ في إطارٍ واحدٍ يدور . . . . ….‏
    .
    .

  • موسيقى الضباب الليلي-للشاعر البولندي كازيمير تتماير-ترجمة: فهد حسين العبود

    موسيقى الضباب الليلي-للشاعر البولندي كازيمير تتماير-ترجمة: فهد حسين العبود

    صمتاً، صمتاً، دعونا لا نوقظ الماء النائم في الوادي
    لنرقص بنعومة مع الهواء في عمق الفضاءات…
    لنطف حول القمر كسلسلة
    فتغرق أجسادنا المنزلقة بأشعة قوس قزح
    ولنشرب خرير التيارات الغائصة في البحيرة
    وحفيف الصنوبر النسائمي، وهمس ثقوب الراتنج
    لنشرب عطر الأزهار الملونة العابقة،
    المتفتحة على منحدرات الجبال، لنلحق في العمق اللازوردي.
    صمتاً، صمتاً، دعونا لا نوقظ الماء النائم في الوادي
    لنرقص بنعومة مع الهواء في عمق الفضاءات…
    ها هي ذي نجمة تهوي، فلننطلق لالتقاطها،
    فلننطلق، فلننطلق كي نودعها قبل أن تسقط وتمضي
    لنداعب عصارة نبتة التِّفاف، ورضاب النحل اللزج
    وريش طائر البوم الناعم، ذاك الذي يشكل في الهواء دوائر
    لنلاحق الخفاش الذي يطير مثلنا بخفوت،
    ولننصب له شبكة ناعمة.
    لنرتمِ من قمة إلى قمة كالجسور المعلقة،
    على صخور تلك الجسور تُرسي أشعة النجوم نهاياتها
    وتستريح الريح للحظة عليها بصمت
    قبل أن تنتزعها وتطاردنا برقصاتها المرحة

  • قصيدة شاطىء مجهول للشاعر الصيني بي داو*_ ترجمة: فضيلة يزل

    قصيدة شاطىء مجهول للشاعر الصيني بي داو*_ ترجمة: فضيلة يزل

    1

    أنزلت الأشرعة
    غابة شتوية من الصواري
    ضمت مشاهد غريبة وأصوات طيور

    2
    أطلال فنار
    ما زال يحمل أشعة مبهرة من الماضي
    متكئ أنت على بقايا سلم
    تكرر عزف الإيقاع نفسه
    على السلالم الصدئة

    3
    في جلال علياء الظهيرة
    تبحث ظلالنا عن نزل مؤقت
    في كل أنحاء المكان
    صخور مالحة متلألئة،
    ومتوقدة بالذكريات

    4
    في المدى
    اتساع، وامتداد أبيض فسيح
    أفق أزرق
    يشبه ظهر مركب متحرك
    كم من الشباك ألقيت منه؟
    5
    وشاح
    كطائر أحمر
    يرفرف فوق بحر اليابان
    يندفع بشدة يشبه ناراً هائجة
    عنده هذه النهاية الرمادية للعالم
    وبنظرتك المحدقة الثابتة
    غياب العواصف يعني الصفاء
    ويعني أيضاً أن لا اتجاه ولا رياح
    لعل غيابها جواب على نداء ما
    تداعب أجنحته أوتاراً كأوتار قوس

    6
    الجزر
    موجة تلو موجة
    تنزلق فوق سجادة من ذهب
    ظلام يكابد الزبد
    حبل مفقود، مجذاف مكسور
    الصيادون يحنون ظهورهم العارية
    لإصلاح معبد حطمته العاصفة

    7
    يتعقب الأطفال هلالاً
    كنورس بحر يحلق على يمينك
    لكنه لا يضيء على جناحيك المنشورين.
    ……………………………………………..

    لقد عدَّه الكثيرون شاعر الصين المعاصر الأول، وعرف على أنه المرشح المحتمل لجائزة نوبل في الأدب، إذ أن بي داو الآن فنان رحالة وكاتب في المعهد القومي وأستاذ مشرف في مركز الدراسات الصينية. بالإضافة إلى أنه في بداية سبتمبر (1993) حاز على مقعد في جامعة ميشغان الشرقية للدراسات الإنسانية، وكان قداتهم في العام (1989) بالمساعدة في تصعيد الأحداث في ساحة تيانانمين( ) Tiananmen فعمدت الحكومة الصينية إلى إرساله إلى المنفى. ومنذ ذلك الحين وهو يجوب البلدان، وقد أقام في سبع دول منها السويد، الدنمارك، فرنسا والولايات المتحدة. قام بنشر عدد من المجلات التي تعنى بالشعر والقصص القصيرة. ترجمت خمسة من أعماله الأدبية إلى الإنكليزية ومنها: رسائل من مدينة الشمس (1983)، المُسَرْنَم في آب (1988)، الأمواج: مجموعة قصص (1990)، الصقيع الغابر (1991). أما أحدث أعماله: أشكال البعد، فقد طبعتها مؤخراً مطبعة نشر الاتجاهات الجديدة.
    قدم بي داو الكثير من القراءات الشعرية في مركز الدراسات الصينية، معهد الدراسات الإنسانية، مكتبة شامان دروم، جمعية ميشغان الصينية للفنون والعلوم والتكنولوجيا العقلية، فضلاً، عن أنه قدم دروساً ثانوية عن “الشعر الصيني والأدب غير المرئي في الخمسة والعشرين سنة الماضية” في قسم اللغات والحضارات الآسيوية في شتاء (1994).

  • أربع قصائد يابانيّة ـــ شعر: تاكيناكا ايكو[1] ـ ترجمة:.عدنان بغجاتي

    أربع قصائد يابانيّة ـــ شعر: تاكيناكا ايكو[1] ـ ترجمة:.عدنان بغجاتي

    قصّة
    الغيمة ترمي ظلها بهدوء
    فوق الشوارع المشجرة والبرك والحقول
    حاملة معها الفرح والحزن معاً.
    الغيمة تمضي بسكون،
    ثمَّ، على صوت ناي منفرد، تتوقف الغيمة
    تبحث عن العازف: لكن لم يكن هناك أحد.
    عندئذ راحت الغيمة تواصل رحلتها من جديد
    عبر قبة الليل، لا تعرف إلى أين..
    الحجر المفكر
    هناك حجر مثلث الزوايا أبيض حتى في الظلام
    جاثم في المركز من الساحة الحالكة السواد.
    ما أشبهه بمفكر (رودان)
    الغرانيت كالإنسان بذقنه وقبضته

    أنت تفكر
    بذلك النهار وذلك الرجل الذي جلس عليك
    بذلك النهار وذلك الطفل الذي تعثر بك
    بذلك النهار وذلك الأعمى الذي قرعك بعصاه
    الرجل الذي جلس عليك يئس من الحياة
    الطفل الذي تعثر بك أنّ من الجوع
    وعصا الأعمى تناثرت قطعا
    أشعل عود ثقاب غير راغب في مس النور
    وأقربه منك فأرى فيك
    الكوارتز، وسيليكات الألمنيوم، والميكا
    تشع وتطرف كأنما تريد الكلام.

    نجوم
    فوق اليابان نجوم
    نجوم لها رائحة النفط
    نجوم ترطن بلكنة أجنبية
    نجوم تقرقع كسيارات فورد العتيقة
    نجوم بلون الكوكاكولا
    نجوم لها أزيز براد
    نجوم رديئة رداءة الأطعمة المعلبة
    نجوم مطهرة بالقطن والصوف والملاقط
    ومعقمة بالفورمول
    نجوم تشحن بالطاقة المشعة
    وبينها، نجوم أسرع من أن تلمح
    ونجوم تدور في مدار عديد المراكز
    غائصة في قاع الكون.
    فوق اليابان نجوم
    في ليالي الشتاء ـ
    كل ليلة ـ
    تنتشر مثل سلسلة ثقيلة.
    اليابان السّياحية
    فوجي ياما ـ نبيع.
    مياجيما ـ نبيع.
    نيكو ـ نبيع.
    اليابان ـ نبيع أي مكان
    ناروتو، آزو[2] ـ
    نبيعها جميعاً

    أهلاً، تفضل، تعال، ألق نظرة
    أفرك يدي
    أرسم ابتسامة
    النقود، النقود ـ أهم من أي شيء
    نحن اليابانيين جميعنا نشتري السيارات
    نحن اليابانيين جميعنا نهوى الولاعات
    نحن اليابانيين جميعنا نمتاز بالعناية بالحدائق
    نحن اليابانيين جميعنا نغني البوب
    جميعنا ننحني
    جميعنا، جميعنا خانعون ، ودمثون. نعم!

    ________________________________________
    [1] ولد الشاعر سنة 1904، وهو من الشعراء اليابانيين المنادين بتعليم الأطفال عن طريق الأساليب الشعرية.
    [2] أمكنة سياحية.