المدونة
هايکو استرالي- الشاعر سیمون هانسن
(1)تموّج في البحيرةالقمرُيُلملم نفسه.(2)جزُّ الحشيش،ابنتنا تنحرفحول الإقحوانات.(3)كنيسة خراب،سجادة من العشبسقف من النجوم.(4)أملأ الكأسالقمر يرتفعالى الحافة.(5)مغیب الشمس،الفانوس الورقي الأبیضبرتقالي قلیلًا.ترجمة: توفيق النصّاري

أوكتافيو باث – قبرُ شاعر

By the Deathbed (Fever)
Edvard Munchالكتاب
الكأس
البرعم الأخضر القاتم
الأسطوانة
الموسيقى سريرُ الجميلة النائمة
الأشياء الغارقة في أسمائها
نقولها بالعيون
في مكان لا أعرف أين
نعلّقها
مصباحٌ قلمٌ صورة
هذا ما أراه
أعلّقه
مثل معبد حيّ
أزرعه
مثل شجرة
إله
أتوّجُه
باسم
خالد
تاج أشواك هازل
لغة
البرعم ووردته الوشيكة
شمس – جنس – شمس
وردة بلا ظلّ
الكلمة
تتفتّح
هناك بلا مكان
بعدٌ ظاهر
شفافية تحمل أشياء
ساقطة
من النظرة
المصوّبة
في انعكاس
معلّقة
كدّس العوالم
لحظات
عناقيد مشتعلة
غابات نجوم سائرة
مقاطع لفظيّة تائهة
موج
كلّ أزمان الزمن
كان
جزءاً من ثانيةٍ
مصباحٌ قلمٌ صورةٌ
في هنا لا أعرف أين
اسم
يبدأ
أقبضه أزرعه أقوله
مثل غابة تفكّر
أجسّدهُ
نسباً يبدأُ
في اسم
آدم
مثل معبد حيّ
اسم بلا ظلّ
مصلوب
مثل إله
في هذه الهُنا التي بلا مكان
لغة
أنتهي في بدايتها
في هذا الذي أقولُ
أنتهي
كان
ظلال اسم آنيّ
أبداً، لن أعرف منتهاي.ترجمة: اسكندر حبش

ياسين عاشور – المالينخولي السَّعيد (4) – رجل لا يدري ويدري أنَّه لا يدري
“العجزُ عن دَرْك الإدراك إدراكٌ”، هي كلمة حقّ أُريد بها باطل، جاءت على لسان أحد الأسلاف كي يُبرهن على حدود الإدراك الإنسانيِّ وبالتَّالي كي يُلجِمَ النَّاس عن الخوض في الإلهيات، لقد كانت مقالات أهل اللاَّهوت في البرهنة على عجز العقل – ومازالت – إحدى المقالات المُثبّتة لأرضيَّة تقبُّل العوام لكلِّ ما يُملى عليهم من تعاليم وعقائد، فكُلَّما ضاقت حدود المعرفة، اتَّسعت مساحة اليقين، وبما أنّكَ عاجزٌ عن المعرفة، عليكَ أن تُؤمن دونَ أن تسألَ، هكذَا يجري استعمال مقالة حدود الإدراك استعمالًا أبولوجيًّا لحراسة العقائد وتثبيتها في ضمائر المؤمنين، وهو في الأصل تثبيتٌ لنسقٍ لا يلزمُ حدود الفضاء الدِّينيِّ وحده بل يتجاوزه ليخترق الثّقافيَّ والاجتماعيَّ و السّياسيَّ.
أمَّا صاحِبُنا المالينخولي السَّعيد، فهو يفهم قضيَّة حدود المعرفة غير الفهم الَّذي يرتضيه أهلُ اللّاَهوت ومن تَبِعهم من المؤمنين، بل يقلبُ غاياتهِم قلبًا، إذا طلبوا اليقين والثّبات، طلبَ صاحِبُنا القلقَ الدّائم والارتياب اللَّامُتناهي، خاصَّةً تجاه تلك “الأسئلة الكُبرى” الَّتي تُحيّر الدّنيا وتشغل النَّاس: بدءًا بالآلهة والسِّحر والرّوح مرورًا بالتّاريخ والعقل والنَّفس والأخلاق والعدالة والسَّعادة، وصولًا إلى الجيوبوليتيكا والاستراتيجيا والمُؤامرات الَّتي تُحاكُ والسّياسات الكُبرى الَّتي تُرسمُ بعيدًا …
بعيدًا يقفُ صاحِبُنَا مدهوشًا أمامَ هذا الكمِّ الهائل من الأسئلة، …، ليُسلّمَ – من بعد ما أرهقهُ التأمَّلُ – بأنَّهُ لا يستطيعُ أن يحيط علمًا بكلِّ هذه المسائل، لأنَّ أُمورًا كثيرةً تحولُ بينهُ وبينها، أخصُّها غموضُ هذه المسائل وقِصرُ الحياةِ. هكذَا صرَّحَ الحكيم بروتاغوراس بالموقف ذاته تجاه مسألة وجود الآلهة.
لقد أفضى التَّأمُّلُ بالمالينخولي السَّعيد في موضع سابق إلى أنَّ الإدراك الإنسانيَّ قائمٌ على تمثّلِ العالم تمثّلًا محكومًا بإكراهات متعدِّدة تؤُولُ به إلى التَّوهُّم، لأنَّ العالمَ كما هوُ قائمٌ في ذاته بمعزلٍ عن الوعي به، والوعيُ به لا يكون إلّا وعيًا واهمًا مُحاطًا بالتَّخيّل والرَّغبة والحُلمِ والأهواء، وهو وعيٌ فردانيٌّ غارقٌ في الخصوصيَّة إذ لا يمكنُ أن يتطابقَ وعيُ أحدهم بوعيِ آخر. لذلكَ فإنَّ صاحبنَا يتحدَّثُ عن الإنسانِ بألف التَّعريف ولامها قاصدًا نفسه، ولا يقصد الإنسان بإطلاقيَّته المنفلتة عن الضّبط. إنَّ الإنسان الفرد هو مقياسُ الأشياء جميعها، و قد سبق للحكيم بروتاغوراس أنْ صرَّحَ بأنَّ “الأشياءَ هي بالنِّسبة إليَّ على ما تبدُو لي، وهي بالنّسبة إليكَ على ما تبدو لكَ، وأنتَ إنسانٌ وأنا إنسانٌ”، كما أنَّ كلَّ قضيّة في العالمِ تحتملُ مجموعةً من الأحكامِ الَّتي تتعادلُ قوَّتها سلبًا و إيجابًا بالعودة إلى حصافة النَّاظر فيها وقوّة الحجج الَّتي يحشدها لها.
تَبدُو معرفة الإنسانِ بنفسه وبالعالم المُحيط به، معرفةً محدودةً لا يسعهُ الإحاطةُ بها كُلًّا جامعًا، بل إنَّ نصيبه منها لا يتجاوزُ نُتفًا وشذراتٍ وتخمينات ممزَّقة، فكيف يتدبَّر المالينخولي السَّعيد نفسه في مواجهة العالم والحالُ أنَّهُ محدود المعارفِ؟ وكيفَ يُواجهُ تلك الأسئلة الكُبرى الَّتي لا محيد عن مُواجهتها، بل إنَّ بعضها حاضرٌ بقوَّة في أشدِّ تفاصيل حياته حميميَّة؟
إنَّ تلكَ الفترة الفاصلة بين لحظتيْ الولادة والموت، لا تزيد في نظر صاحبنَا عن كونها مُزحة ثقيلة الظلِّ لا ينبغي التّعَامل معها بجديَّة مفرطة، لذلكَ فإنَّ تدبير الأسئلة ينبغي أن يكون على نحوٍ جزئيٍّ، كُلٌّ بحسب ما يقتضيه حالُهُ ومِزاجُهُ ووضعُهُ ورَاهِنُهُ، وليس على المرء أن يتنطّع في إيجاد الأجوبة النّهائيَّة أو أنْ يتكلَّفَ تشييد الأنساق الَّتي تدَّعي الإحاطة بكلِّ ما هو كائنٌ وما ينبغي أن يكون. بل إنَّ بعض القضايا تستدعي لامبالاةً ساخرةً، فعدمُ الاكتراثِ في حدّ ذاته إجابةٌ شافية عن كثيرٍ من المُزحِ الثّقيلة الَّتي يعتَبُرها أهلُ النَّسقِ قضايَا لا تستقيمُ الحياةُ إلاَّ باستكناه جوهرها، وما همُّ صاحبنَا إنْ استقامت الحياةُ أو لمْ تستقمْ؟
اللاَّأدريَّة موقفٌ وجوديٌّ نبيلٌ جدًّا، موقفٌ حصيفٌ اتَّخذهُ المالينخولي السّعيد في غمرة قلقه، فوجد فيه خلاصهُ الخُلُقيَّ من كلِّ أوزار العالم وآلامه وتناقضاته، ونال من خلاله سكينةً تُردُّ إلى تلك التَّعطيليَّة المُطلقة، حيثُ يُخيِّمُ صمتٌ رهيبٌ، وتوقّفٌ تامٌّ عن الحُكم، ويأسٌ مُغتبطٌ من المعرفة البشريَّة.
أن نقُول في نبرة سقراطيَّة واثقة “كُلُّ ما أعرفهُ هو أنِّي لا أعرفُ شيئًا”، أنْ نَزهدَ في المَعْنى، أنْ نقتصدَ في الغاياتِ، أنْ نعِي بلاأدريّتِنَا، أن نتوقَّفَ عن الحُكْمِ، أن نُعطِّلَ الأسئلة البعيدة، تلك هي الفضائل الوجوديَّة الَّتي يرمي إليها المالينخولي السَّعيد، والَّتي تُؤدِّي به إلى ضربٍ من الشّكوكيَّة المُطمئنة. وكيف يكُونُ الشَّكُ مُطمئنًّا؟ ذلكَ هو البرزخُ الَّذي يقفُ في رحابهِ صاحبُنَا، تلك هي المُعادلة الَّتي تحكمُ سيرته الوجوديَّة، أوَ لمْ نسأل منذ البداية: كيفَ تكُونُ المالينخوليا -وهي مزاجٌ سوداويٌّ حادٌّ- كيف تَكونُ سعيدةً؟
المصدر: الأوان

نص – لانا المجالي
هل رسموني هنا
كي أُزيِّنَ الجِدارَ في غُرفةِ المَعيشة؟
وتَسيلُ مِنّي ملامحي؛
ضاحِكة
عابِسة
غاضِبة
مُستَبشِرة
حَزينة
عاشِقة
ملامحي الغجريَّة الحارَّة في الغرفةِ الباردة
في مِنفضة السجائر فوق الطاولة
على قماش الستائر
في ثَقبِ الباب
ملامحي الملوَّنة بالباستيل
فوق الأريكة البيضاء؛
تلكَ التي لَم تمدّْ كفَّها لنبوءات العرّافات
لم تُلقِ بفُتات الخبز للعصافير من الشبابيك
لم تَفتح أزرار قمصانها العلويَّة للندى
لم يَنْحَل خَصرُها مِن الرقص
في الليالي التي اكتمل فيها القمر
لم تَشْهَق لرؤيتك
لم تَعشَقكَ
الأريكة البيضاء الحياديَّة؛
تلكَ التي لَمْ تتوقَّف عَن طِلاء أظافرِ قدميها
بالأحْمَر
عِندما أعلنوا موتي في نشرةِ أخبار الثامنة.
هل رَسموني هنا؛
على الجدار
في غرفة المعيشة
كي أنتحِبَ بكاءً
عَلى مَوتي؟نص لرفيقة المرواني
لأَنّني ربّما أَبدُو بَعيدة
و جَافّة
لكِنّني أُعيدُ في كلّ يوم ترميمَ السّدّ
الذّي شيّدتهُ الأيّام بَينِي وبَيْنِي
كَيلاَ أَغرقَ فِي مَائِي
***
لأَنّني ربما أَبدُو ضئيلَة
وخَائفة
لكنّني أُرهبُ الحيَاة
كُلّما انعكَسَ ظلّي في شظايا مرآتِي المَكسُورة
أُصبح حشدًا كثيرا
من الأفواه والعُيون
كلّ ما فيّ قاس
وجَارح
***
لأنّني ربّما أبدُو وَحيدَة
بلا أعداء
بلا أصدقَاء
لكنّني أجيدُ صياغة الكذب على هيئة حُبّ جارف
بحجم وسَادة
تستطيع حمل رأسِي المُتعب..
على مهل – ناصر قواسمي
على مهلٍ أسير
مبتعدًا عن قلبي وظلي
أشد الريح من كتفٍ كي تستدير
وأطير نحو سماءٍ من الغمام
ليس يجدي كلامي
ونحاس القلب يأخذ اللون الأحمر
شكل الزعتر
وكأنني عصفورٌ بريشٍ ناعمٍ قد تعثر
فسقط في العجز المذل
على مهلي
أخدش فكرةً في صحن الرأس دون قصدٍ
وأنكش الماء بمعولي
كي يفضي إلى جهةٍ أكثر يسرًا
وأكثر هشاشةً
من بابٍ صفقته الريح فنادى على الغياب والورد
وشاخ على طرف سهل
على مهلي
لأنها أمي
وزعت قلبي على الحقول المشاع والجهات
وفتقت ذاتي عن ذاتي
لأنها أمي
طحنت عظامي قمحًا سائغاً لطيورٍ غريبةٍ
وقشرت البلاد من مماتي
هل من سماءٍ أصفى من وجه أمي؟!
أمي التي مذ وردت الحياة فمن وريدها النبي
وأمي التي قمطتني صغيرًا بكم ثوبها
وأبيض شاشها
وأمي التي روحي أرض خطوها إذ تسير
وأمي التي قلبي إذ تخيط ثوبًا جديدًا
فحريرها وقماشها
وزعت قلبي على السنونوات التائهات
السنونوات العائدات من الحرب
يحملن حكايًا عن صغارٍ
تبولوا على أنفسهم قبل الممات
وعن حماماتٍ كن يصطدمن بالجدران فزعًا
ووردٌ أجهش بالبكاء
وراح يتهاوى قرب جثة ظلي
على مهلي
سكبت فمي على الأوراق لم أنتبه لسوء فمي
وحزت بياضًا ليس يجدي
فكنت سوادًا
لم أدر ما الذي غير لون دمي
وحيدٌ في متاهةٍ أخرى
لم أزل منذ خمسين أقرب المسافة لا تقترب
ما بين حجم قدمي ونعلي
على مهلٍ
أقيس خوذات الجند الباقيات في الساح
لم تنسحب
وأرضع من عشب الأرض
حليب جزمات الفدائيين كيما أبتعد
أو بلادي تقترب
خمس الرغيف الخبز الباقي
بكف ولدٍ مبتورةٍ
ومنفصلةٍ عن الجسد الهناك قد تسجى
كأنها قلبي
على رأس رمحٍ قد تسجى
وفمي لا صوت ولا صدى
فمي اغترابٌ
مذ قفز الحفاة عن السور لم يقفز معهم
فبقيت وحدي دون أهلي
على مهلٍ
أبحث عن دمي في الساحة يبحث عني
ويدي لم تزل تجرب
تقليص المسافة المرعبة بين حجم قدمي
واتساع نعلي
على مهلي
أعد قلبي لبلادي
وأقول في سر الوجود للوجود
هذا دمي على الجدران ينحدر
والعرب قد نظروا
يا بلادي هذا دمي وحدي فأضيئي بدمي واكتملي
على مهلٍ
على مهل

مصيدة الفراغ – أبرار سعيد
وضعوني في حصن محكم من الجدران
وضعوني في غرفٍ بنوافذ موصدة
وأبواب لا تؤدي إلا إلى
أبواب أخرى
أذكر أنهم قالوا أنني الوردة
الوردة التي تتلقف القسوة واللين برحابة الغبار الذي يصب في جيوبها البلاستيكية
وردة من البلاستيك الأليف البعيد عن ترهات الشعور
لكنني أجرب أن أكون كائنًا آخر أكثر ضآلة وكره
لا أفعل ما يستحق الذكر
أتجول في الفسحة المتنفسة للممرات التي تذكرني بقصبة
تختنق بصدام الهواء
أجرب أن أهرب في الزوايا العديدة
مثل فأر
يتبع الرائحة
ويزّج بقوائمه في المصيدة…
كتابة – صلاح فائق
أنا متحفٌ ، لا أحد غيري يعرفُ أين
أنا زائره الوحيد .
*
في جيبي مجموعتي الشعرية الأولى منذ سنوات
لا أقرأ منها أو فيها ولا أتحمل أن يراها أيُّ شخص
*
أسمعُ شخيري جيداً وأنا نائم
*
أمتطي كلبي كل صباح لأشتري حليباً وبيضاً لي
مع سمكة ميتة له. أرى انزعاج بعض جيراني في وجوههم
لكنهم لا يقولون شيئاً .
*
مرّ يسوعُ من أمام بيتي قبل قليل، بدراجته الهوائية،
لوّح لي ولآخرين، لم يرد عليه أحد.
*
ذهبتُ إلى مشرحة المدينة، وجدتُ العاملين هناك يسكرون
وممرضة جميلة ترقص أمامهم: شاهدتُ موتى على عدة طاولات -ينتظرون مستائين- تشريحَهم .
*
ليس في ساعتي اليدوية أو تلك المعلقة في غرفتي،
أي زمن. فقط كميةٌ كبيرةٌ من الوقت .
*
كلُّ ليلةٍ أسيرُ في نومي، أذهبُ إلى المطبخ لأشرب ماءً،
انتبهتُ الليلة، بعد دقائق، شربي نبيذاً.أخرج من البيت إلى حديقة المنطقة لأستمع إلى غناء صعاليك ومهاجرين.
أعودُ بعد ساعةٍ إلى غرفتي وأكتشفُ أني نسيتُ
مفتاح الباب في البيت .
*
القبلة الأولى – كيم أدونيزيو – ترجمة ضي رحمي
رأيتها في عينيك؛
تلك النظرة الثملة، الخدرة
التي ألفتها على وجه ابنتي، بعد أن تفلت صدري،
فمها الخدل، عيناها الضبابيتان الغبشتان
وكأن الحليب يعبرهما في طريقه لاحتلال كامل رأسها
ما يثقل عنقها الأبيض الرقيق
فأضمها بقوة، مندهشة من سطوة الشبع التامة
التي في الوقت نفسه
لا تساوي أبدًا سطوة حاجتها للغذاء،
حركتها الجامحة، بكاؤها حتى تلتصق بي وتوثق ما بيننا، امتصاصها للحليب، سحبه خارج جسدي؛
لحظة متفردة، تبذل فيها نفسها
أكيدة من إلمامي بحاجتها وضعفها.
هذا ما رأيته، تلك الليلة
حين سحبت فمك من فمي
ملقيًا ظهرك على السور الشبكي أمام الكنيسة المحترقة:
رجل على هذا القدر الرقة والضعف
من الإثم إيذاؤه.
.
– ترجمة: ضي رحمي.

إنكار – وارسان شاير
حاولت أن أتغير
أغلقت فمي أكثر
أن أكون أرق.. أجمل
أقل انتباهًا
صُمت شهرًا بأكمله
ارتديت الأبيض
زهدت المرايا
والجنس
وتدريجيًا لم أنطق بكلمة
في ذلك الوقت أطلت شعري لما بعد كاحلي
افترشت حصيرة الأرض
ابتلعت سيفًا
حلقت في الهواء
هبطت إلى القبو
واعترفت بذنوبي
تعمّدت في النهر
وركعت على ركبتيّ وقلت، آمين
جلدتُ ظهري
طلبت القوة عند قدميك
ألقيت بنفسي في بركان
شربت دمًا ونبيذًا
جلست وحيدة منحنية الخصر أتوسل إلى الله
رسمت نفسي بعلامة الصليب وأظنني رأيت الشيطان
أنميت على قدميّ جلد غليظ
تحممت بمُبيض
عطلت طمثي بصفحات من الكتاب المقدس
لكن،
عميقًا بداخلي
لا تزال ترقد حاجتي لأن أعرف
هل تخونني؟
هل تخونني؟
.
– ترجمة: ضي رحمي.

قصيدة حب – روكي دالتون
الذِينَ وَسَّعُوا قَنَاةَ بَانَامَا
(وَتَمَّ نَعْتُهُمْ بِأنَّهُمْ أصْحَابُ «الأدْوَارِ الفِضِّيَّةِ» وَلَيْسَ «الذَّهَبِيَّةِ»)،
الذِينَ أصْلَحُوا أسْطُولَ المُحِيطِ الهَادِئِ
فِي قَوَاعِدِ كَالِيفُورْنْيَا،
الذِينَ تَعَفَّنُوا فِي سُجُونِ غْوَاتِيمَالا،
المِكْسيكِ وهِنْدُوراسِ ونِيكَاراغْوا
بِتُهْمَةِ أنَّهُمْ لُصُوصٌ ومُهَرِّبُونَ وأنَّهُمْ نَصَّابُونَ
وأنَّهُمْ جِيَاعٌ،
الَّذِينَ هُمْ دَوْماً مُشْتَبَهٌ بِهِمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
(«أسْتَأذِنُ فِي إحَالَتِكُمْ عَلى القَتِيلِ
لكَوْنِهِ يُعَانِقُ الزَّوَايَا مُثِيراً لِلشُّبُهَاتِ
معَ الخُطُورَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي يَفْتَرِضُهَا أنْ يَكُونَ سَلْفَادُورِيّاً»)،
الَّذِينَ مَلَأوا الحَانَاتِ والمَوَاخِيرَ
لِكُلِّ مَوَانِئِ وَعَوَاصِمِ المِنْطَقَةِ.
(«الكَهْفُ الأزْرَقُ» وَ«التُّبَّانُ» وَ«الهَابِي لانْدْ»)،
زَارِعُو الذُّرَةِ فِي أعْمَاقِ الغَابَةِ الأجْنَبِيَّةِ،
مُلُوكُ الصَّفْحَةِ الحَمْرَاءِ،
الَّذِينَ لا يَعْرِفُ أحَدٌ أبَداً إلَى أيِّ بَلَدٍ يَنْتَمُونَ،
أفْضَلُ الحِرَفِيِّينَ فِي العَالَمِ،
الذِينَ تَمَّ رَتْقُهُمْ بِرَصَاصَاتٍ حِينَ عُبُورِهِمْ لِلْحُدُودِ،
الذينَ مَاتُوا بِحُمَّى المُسْتَنْقَعَاتِ
أوْ بِلَسَعَاتِ العَقَارِبِ أو أفَاعِي اللِّحْيَةِ الصَّفْرَاءِ
فِي جَحِيمِ مَزَارِعِ المَوْزِ،
الذِينَ سَيَبْكُونَ سُكَارَى لأجْلِ النَّشِيدِ الوَطَنِيِّ
تَحْتَ رحْمَةِ إعْصَارِ المُحِيطِ الهَادِئِ أوْ ثَلْجِ الشَّمَالِ،
المَحْمِيُّونَ والشَّحَّاذُونَ والمُدْمِنُونَ على المَارِيجْوانَا،
والأغْبِياءُ أبْنَاءُ العَاهِرَةِ الكُبْرَى،
الذِينَ بِالكَادِ جِدّاً اسْتَطَاعُوا أنْ يَعُودُوا،
والذينَ كَانَ معَهُمْ حَظٌّ أكْثَرَ قَلِيلاً،
وغَيْرُ الحَامِلينَ لِلْوَثَائِقِ الشَّخْصِيَّةِ الأزَلِيِّونَ،
والفَاعِلُونَ لِكُلِّ شَيْءٍ، والبَائِعُونَ لِكُلِّ شَيْءٍ، والآكِلُونَ لِكُلِّ شَيْءٍ،
الأوَائِلُ فِي إشْهَارِ المُدْيَةِ،
والحَزَانَى الأشَدِّ حُزْناً فِي العَالَمِ،
مُوَاطِنِيَّ
وإخْوَتِي.
صُحْبَتُكِ
الشاعر السلفادوري Rouqe Dalton
الذي قتل على يد رفاقه بلا محاكمة.
ولد روكي دالتون بسان سلفادور سنة 1935، وتابع تعليمه الابتدائي والثانوي بمسقط رأسه، قبل أن يشد الرحال إلى سانتياغو حيث سيلتحق سنة 1953 بكلية الحقوق بجامعة الشيلي، وإن كان سيغادرها فيما بعد إلى سان سلفادور لإتمام دراساته الجامعية، فقد تلقى دراساته الجامعية في الشيلي والسلفادور والمكسيك. وفي سنة 1957 زار صحبة طلبة آخرين من السلفادور الاتحاد السوفياتي للمشاركة في المهرجان العالمي السادس للشباب والطلبة حيث تعرف هناك على العديد من المثقفين والسياسيين الذين سيكون لهم شأن كبير في مجال السياسة والأدب العالميين، مثل كارلوس فونسيكا السياسي النيكاراغوي الشهير، مؤسس الجبهة الساندينية للتحرير الوطني، والكاتب الغواتيمالي ميغيل أنخيل أستورياس الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1967، والشاعر الأرجنتيني خوان خيلمان والشاعر التركي ناظم حكمت، وكان آنذاك يعتبر من أهم الأصوات الشعرية في السلفادور، إذ كان قد بادر رفقة شاعر غواتيمالي منفي بالسلفادور إلى تأسيس حلقة أدبية جامعية ستضم شعراء أساسيين في المشهد الشعري السلفادوري مثل مانليو أرغيتا وخوسيه روبيرطو ثيا وروبيرطو أرميخو وتيرسو كاناليس وآخرين الذين أطلق على جيلهم الجيل الشعري الملتزم.
تعرض روكي دالتون للاعتقال والنفي، فعاش إقامات مطولة في المنفى بكل من غواتيمالا وكوبا وتشيكوسلوفاكيا والمكسيك. بعد سنوات المنفى عاد الشاعر إلى وطنه والتحق بالجيش الثوري للشعب، الجناح العسكري لحركة الثوار السلفادوريين الذي كان يخوض حرب عصابات ضد الديكتاتورية في السلفادور، وهناك سيتم إعدامه وبدون محاكمة من طرف رفاقه سنة 1975 عن عمر يناهز 39 سنة، بتهمة كونه عنصرا مدسوسا متعاونا مع المخابرات المركزية الأمريكية بناء على شكوك ثبت بأنها خاطئة، وسيتم رد الاعتبار له كأحد أهم الأدباء الثوار في بلده السلفادور وفي دول أمريكا اللاتينية قاطبة، إذ أصبح شاعر السلفادور الأول والأكثر شعبية بين الناس، كما غدا شعره يدرس للأطفال في المقررات الدراسية ويتغنى به البسطاء من أبناء شعبه في كل حين.
ترجمت قصائده إلى العديد من اللغات وأنجزت حوله العديد من الدراسات، وكان من قبل قد نال جائزة كاسا دي لاس .
ترجمة خالد الريسوني.

غسيل الثياب – كادامانيتا راماكريشنان
في ساعة الغبش
عند فجر يوم جديد
أهو الفجر أم ما زال الوقت ليلًا؟
أحجية تتمعج
داخل أغطية السرير
والسعال بين تلك الأغطية
وبقايا رائحة الليل
تطرد الخدر
عن عيون الصباح المعشية.
الأيدي المستريحة على مزلاج الباب
المغلق بإحكام
هل تفتح أم لا تفتح
تلك كانت مشكلتها.
بعد قليل، حملت على أكتافها
كومًا مليئًا بالثياب المتسخة
واتخذت طريقًا مباشرًا
إلى المخاضة عند البركة
لم يكن يرشح من إهابة الزيت
ولم يكن الزيت يسيل
من شعرها الذي يلعب به الهواء
ولم تكن هناك طبقة من الزيت
على حجر الغسيل.
البركة الآسنة
المليئة بالطحالب والوحل
بالطحالب اللزجة.
تفتح الكومة المربوطة
وتلتقط الثياب المتسخة، واحدة واحدة
وتنقعها في الماء
ثم تضعها على الحجر قربها
وتضرب الضربة الأولى.. فالضربة الثانية..
الضربة الثانية.. فالضربة الأولى
تغسلها واحدة واحدة
الطريق التي تستيقظ على الصدى
والرجل الذي يمشي على الطريق الذي عليه رجع الصدى
والشمس التي تستيقظ على الصدى
واليوم الذي يبدأ حارقًا في الشمس
والثياب التي لم تنظف بعد تعلو وتهبط
والمرأة تضربها بقوة مسعورة
متعبة، منقطعة الأنفاس، كارهة للدنيا
تنظر إلى البقع المتسخة على القماش
تضرب بقوة أكبر على الحجر
بقوة أشد فأشد.
تحت ضربة الشمس
ومع ذلك تشطفها بالماء
وتعصرها بدون توقف
بينما عقلها يسرح في مكان آخر
وإذا بها تقفز
رأسًا إلى البركة
تنزل أعمق فأعمق
أعمق فأعمق فأعمق
بينما الثياب
منتثرة على الحجر..
إرنست همنغواي – قصة قصيرة جداً
قصة قصيرة جدا 1925
ترجمة: موسى الحالول
حملوه ذات مساء حار في پادوا (1) إلى الأسطح، فصار بإمكانه أن يشرف على قمة البلدة. كانت سمامات المداخن تحلق في السماء. بعد فترة بدأ الظلام يخيم، فراحت الأنوار الكاشفة تسطع. نزل الآخرون وأخذوا الزجاجات معهم. كان بإمكانه هو ولُوز أن يسمعا أصواتهم على الشرفة تحتهما. جلست لوز على السرير. كانت لوز تشعر بالبرودة والانتعاش في هذه الليلة الساخنة. بقيت لوز تناوب ليلا لثلاثة أشهر. وكانوا سعداء بذلك. كانت هي التي أعدته لطاولة العمليات عندما أجروا له العملية، وتمازحوا حول الفرق بين الصديق والحقنة الشرجية. تماسك قبل أن ينام بتأثير المخدر خشية أن يفشي أسرارا عندما ينفلت عقال العقل واللسان. وبعد أن صار يمشي على عكازين، راح يقيس حرارته بنفسه لكيلا تنهض لوز من سريرها. كان عدد المرضى قليلا، وكان الجميع يعرف. كانوا جميعا يحبون لوز.
عندما يعود سائرا بين الصالات كان يتخيل لوز في سريره. قبل أن يعود إلى الجبهة، دخلا الدومو وصليا. كان الدومو مظلما وهادئا، وكان هناك مصلون آخرون. كانا يريدان أن يتزوجا، لكن لم يكن لديهما الوقت الكافي لإعلان الزواج، ولم تكن عند أي منهما شهادة ميلاد. كانا يشعران كأنهما متزوجان، لكنهما كانا يريدان أن يعرف الجميع ذلك، كما كانا يريدان أن يقوما بذلك لكي لا يضيع الذي بينهما.
كتبت له لوز عدة رسائل لم يتسلمها إلا بعد الهدنة. وصلته خمس عشرة رسالة دفعة واحدة إلى الجبهة، ففرزها وفق تواريخها ثم قرأها جميعا. كانت كلها تحكي عن المستشفى، وعن مدى حبها له، وعن استحالة العيش من دونه، وعن لوعة الاشتياق إليه ليلا.
بعد الهدنة اتفقا على أن يعود إلى وطنه ليحصل على عمل ثم يتزوجان. أما لوز فلن تعود إلا بعد حصوله على عمل جيد فيأتي إلى نيويورك ليستقبلها. تفاهما على ألا يشرب، ولم يكن يرغب في رؤية أصدقائه أو سواهم في الولايات المتحدة. فقط يحصل على عمل ويتزوج.
تشاجرا في القطار من پادوا إلى ميلانو حول عدم استعدادها للعودة إلى وطنها فورا. ولم ينته الخصام بينهما حتى عندما تبادلا قبلات الوداع في محطة ميلانو، فشعر بالغثيان لأنهما توادعا بتلك الطريقة.
ذهب إلى أمريكا بالباخرة من جنوا، وعادت لوز إلى پوردنوني (2) لتفتتح مستشفى. كان الجو موحشا وماطرا. وكانت هناك كتيبة «آرديتي» (3) متمركزة في البلدة.كانت البلدة موحلة وماطرة في الشتاء وكان قائد الكتيبة يمارس معها الحب، ولم تكن تعرف الإيطاليين من قبل. وأخيرا بعثت برسالة إلى أمريكا تقول إن علاقتهما كانت علاقة مراهقين. اعتذرت وكانت تعلم أنه لن يتفهم ما جرى، لكنه قد يغفر لها ذات يوم، ويكون ممتنا لها، ثم توقعت بلا مبرر أنها ستتزوج في الربيع.
لا تزال تحبه كما أحبته من قبل، لكنها تدرك الآن أنه حب مراهقين. تمنت له التوفيق في عمله وأعربت عن ثقتها به. كانت تعلم أن ذلك في صالح الاثنين معا.
لم يتزوجها قائد الكتيبة في الربيع ولا في أي وقت آخر. ولم تتلق لوز جوابا على الرسالة التي أرسلتها إلى شيكاغو. وبعد ذلك أعدتْه موظفة مبيعات تعمل في متجر بمرض السيلان بينما كانا يستقلان سيارة أجرة في شارع لنكن پارك.(1) تقع مدينة پادوا (أو پادوڤا بالإيطالية) غرب مدينة البندقية في الشمال الشرقي من
إيطاليا (المترجم).(2) تقع مدينة پوردنوني شمال مدينة البندقية (المترجم).
(3) آرديتي» هو الاسم الذي كان يُطلق على قوات الاقتحام (المغاوير) في الجيش الإيطالي (المترجم).
إرنست همنغواي – قطة تحت المطر (قصة قصيرة)
قطة تحت المطر (1925)
ترجمة: موسى الحالول
كان في الفندق أمريكيان فقط. لم يكونا يعرفان أيا من الناس الذين كانا يصادفانهم على الدرج عندما يخرجان من غرفتهما أو يعودان إليها. كانت غرفتهما في الطابق الثاني وتطل على البحر. كانت تطل أيضا على الحديقة العامة والنصب الحربي.
كانت في الحديقة أشجار نخيل كبيرة ومقاعد خضراء. كانت الحديقة لا تخلو من رسام وأدواته عندما يكون الطقس جيدا. كان الفنانون يحبون أشجار النخيل وطريقة نموها، كما كانوا يحبون ألوان الفنادق البهيجة المطلة على الحدائق والبحر. كان الإيطاليون يقطعون مسافات ُ طويلة في سبيل الفرجة على النصب
الحربي. وكان النصب مصنوعا من البرونز وكان يلتمع في المطر.
كان المطر يهطل، وكانت قطرات المطر تنزلق على أشجار النخيل. تشكلت برك الماء على الدروب المرصوفة بالحصى. كان الموج يتكسر في خط طويل في المطر ثم يتراجع عن الشاطئ ليعود ثانية فيتكسر في خط طويل في المطر. خلت الساحة القريبة من النصب الحربي من السيارات. على الجهة الأخرى المقابلة للساحة وقف نادل بباب المقهى يتفرس في الساحة الخالية.
وقفت المرأة الأمريكية تتطلع من النافذة. كانت تقف تحت نافذتها مباشرة قطة منكمشة على نفسها تحت إحدى الطاولات الخضراء التي يَسح عليها ماء المطر. كانت القطة تحاول أن تتقلص كي تقي نفسها من المطر.«سأنزل لجلب تلك الهريرة،» قالت المرأة الأمريكية.
«سأنزل أنا،» عرض عليها زوجها من سريره.
«لا، سأجلبها أنا. الهريرة المسكينة تحاول أن تقي نفسها من
البلل تحت إحدى الطاولات.»
تابع الزوج قراءته، وهو يستلقي على وسادتين عند قدم السرير.
«لا تبتلّي،» قال لها.نزلت الزوجة الدرج فوقف صاحب الفندق وانحنى لها عندما مرت من أمام مكتبه. كان يجلس في الطرف البعيد للمكتب، وكان عجوزا وطويلا جدا.
«إنها ُتمطر،» قالت له بالإيطالية. كانت تحب صاحب الفندق.
«نعم، نعم، يا سيدتي. إنه طقس سيئ جدا.»
ظل واقفا خلف مكتبه في الطرف البعيد للغرفة المظلمة. أحبته الزوجة. أحبت جديته في تلقي الشكاوى. أحبت وقاره. أحبت اندفاعه لخدمتها. أحبت حبه لعمله. أحبت وجهه العجوز الرزين ويديه الكبيرتين.
فتحت الباب وأطلّت منه ونفسها جياشة بحبه. كان المطرٌ يهطل بغزارة أشد. كان رجل يرتدي إزارا مطاطيا يعبر الساحة الخالية نحو المقهى. لا بد أن القطة إلى يمين الباب. إذن، يمكنها أن تسير تحت الأفاريز. وبينما هي تقف في المدخل، إذ بالخادمة التي تعتني بغرفتهما تفتح مظلة وتقف وراءها.
«يجب ألا تبتلّي،» تحدثت بالإيطالية وهي تبتسم. طبعا، كان صاحب الفندق قد أرسلها.
سارت على الدرب المرصوف بالحصى، والخادمة تظللها بالمظلة، إلى أن وقفت تحت نافذة غرفتهما. وجدت الطاولة في مكانها، تبرق خضراء في المطر، لكنها لم تجد القطة. انتابتها خيبة أمل مفاجئة. تطلعت الخادمة إليها وسألتها بالإيطالية:«هل أضعت شيئا يا سيدتي؟»
«كانت قطة هنا،» قالت الفتاة الأمريكية.
«قطة؟»
«نعم، قطة.»
«قطة، قطة تحت المطر؟» سألت الخادمة وهي تضحك.
«نعم، قطة تحت الطاولة،» قالت. «أوه، كم كنت أريدها! كنت أريد هريرة.»
عندما كانت تتحدث بالإنجليزية كان وجه الخادمة ينقبض.
«تعالي يا سيدتي،» قالت الخادمة. «يجب أن نعود إلى الداخل، وإلا فستبتلّين.»
«أنت على حق،» قالت الفتاة الأمريكية. سارتا على الدرب المرصوف بالحصى عائدتين إلى الفندق. ظلت الخادمة خارج الباب لتغلق المظلة. حين مرت الفتاة الأمريكية من أمام المكتب انحنى مدير الفندق أيضا من وراء مقعده. شعرت الفتاة بشيء صغير جدا ينقبض داخلها. جعلها مدير الفندق تشعر بحجمها الصغير جدا وبأهميتها في آن معا. انتابها شعور آني بأنها ذات أهمية فائقة.
صعدت الدرجات وفتحت باب الغرفة. كان جورج يقرأ في السرير.«هل جلبت القطة؟» سألها وهو يضع الكتاب من يده.
«لقد اختفت.»
«تُرى، أين ذهبت؟» قال وهو يريح عينيه من القراءة.
جلست زوجته على السرير، وقالت:
«كم كنت أريدها! لا أعرف لماذا أردتها إلى هذا الحد. كنت أريد تلك الهريرة المسكينة. تُرى، أي ٍ حظ لهريرة مسكينة تحت المطر»!استأنف جورج قراءته.
راحت وجلست أمام مرآة طاولة الزينة وهي تنظر إلى نفسها في مرآة يدوية. تفحصت صورتها الجانبية، ثم دققت فيها جانبا، جانبا. بعدئذ تفحصت رأسها من الخلف ثم رقبتها.«ألا تعتقد أنه من الأفضل لو أطلْت شعري؟» سألت زوجها، بينما راحت تدقق في صورتها الجانبية مرة أخرى.
رفع جورج ناظريه ورأى رقبتها من الخلف، وكان شعرها مقصوصا على شاكلة الصبيان.«أنا أحبه كما هو.»
«لقد سئمتُه. لقد سئمت كوني أبدو كأنني صبي.»
غير جورج وضعيته في السرير، وكان يلاحقها بنظراته منذ أن بدأت تتحدث، وقال:
«إنك تبدين مليحة هكذا.»وضعت المرآة على طاولة الزينة واتجهت صوب النافذة، وراحت ترسل نظراتها نحو الخارج. كان الظلام يخيم.
«أريد أن أسحب شعري إلى الوراء وأن يكون مشدودا وسلسا، وأريد أن تكون لي عقصة كبيرة يمكنني أن أتلمسها خلف رأسي. وأريد هريرة تجلس في حضني وتهر ّ عندما أمسد لها شعرها.»
ما الذي قد يدفع المرء للإنتحار؟- فايا يونس
وأنا أقرأ عن الانتحار،
في كتاب “الحزن الخبيث”
تسائلت في داخلي:
ما الذي قد يدفع المرء للانتحار؟
وشعرت لوهلة،
أن لا شيء
يستحق أن ننهي حياتنا من أجله.
حياتنا أشبه بالنار،
وليس الموت سوى الماء.
لكنني تذكرت، كل أفكاري القديمة
بقتل نفسي.
باغتني نعاس شديد،
وصرت أتثاءب ملء فمي.
أغلقت الكتاب، وضغطت زر التكييف،
وخرجت من الغرفة، كي أفرش أسناني،
وأتبول، كعادتي قبل أنام.
عندما عدت،
كانت الغرفة باردة جدًا،
وأندسستُ تحت البطانية،
على سريري،
بعد أن أطفئت الأضواء.
حدقت في الظلام طويلاً،
حتى أستطعت الرؤية،
ولسوء الحظ،
رأيته بكامل عتمته،
يحمل في عينيه موتي.
يستلقي بجانبي كل يوم،
فالاكتئاب يخاف الوحدة،
وهذا ما يبرر إفرازي للكميات الهائة
من العرق،
فهو حار جدًا.
أحاول تجاهله،
لكن جروحي تستيقظ
عندما أريد أن أنام،
وهذا ما يجعل وسادتي تكبرُ
يوماً بعد يوم،
فأنا دائمًا ما أسقيها بدموعي.
أتقلب في سريري لساعات،
ثمة ما يحترق بداخلي،
يبدو أنه يعانقني الآن،
الساعات تمضي،
وأنا أحترق .. أحترق،
أتقلب في فراشي بقوة،
لا شيء يطفئ هذه النار،
سوى الماء.
مع كل وداع.. ستتعلم – بورخيس
بعد حين ستعرف الفرق الدقيق
بين الإمساك باليد وأسر الروح
ستعرف أن الحب لا يعني السند
أن الصحبة لا تعني الأمان
ستعرف أن القبلات ليست عقودًا
وأن الهدايا ليست وعودًا.
ستبدأ في تقبل هزائمك
برأس مرفوع وعين مفتوحة
ببهاء امرأة، لا حزن طفل
ستتعلم كيف تمهد طريقك يومًا بيوم
لأن أرض الغد غير مضمونة
وللخطط المستقبلية طريقتها في السقوط
في منتصف الرحلة.
بعد حين ستعرف
أن حتى نور الشمس يحرق
لو بالغت في الاقتراب
لذا تزرع حديقتك بنفسك، تزين روحك
بدلا من انتظار من يأتي لك بالزهور.
ستعرف أنك بالفعل قادر على التحمل
وأنك حقًا قوي
وأنك تستحق
ستتعلم وتتعلم
مع كل وداع.. ستتعلم.
– ترجمة: ضي رحمي.

من أجل الغرباء – دوريان لوكس
أيًا ما كان سبب الحزن، أو ثقله،
ملزمون نحن بحمله.
ننهض ونستجمع قوانا
القوى الغامضة
التي تقودنا بين الحشود،
ثم؛
يدلني شاب، بلفهة، على الطريق
بينما تُبقي سيدة على الباب الزجاجي مفتوحًا، منتظرة
في صبر عبور جسدي الخاوي.
هكذا طوال اليوم
كل لطف يحملني لآخر-
غريب يغني وحيدًا بينما أعبر الممر
أشجار تجود بورودها
طفل عاجز يرفع عينيه اللوزيتين ويبتسم
وكأنهم في انتظاري، عازمين على إبقائي بعيدة عن نفسي
عن الشيء الذي يناديني
كما ناداهم مرة حتمًا-
غواية القفز من فوق الحافة والسقوط
بخفة
بعيدًا عن العالمترجمة: ضي رحمي































