المدونة

  • ياسين عاشور – المالينخولي السَّعيد (4) – رجل لا يدري ويدري أنَّه لا يدري

    ياسين عاشور – المالينخولي السَّعيد (4) – رجل لا يدري ويدري أنَّه لا يدري

    “العجزُ عن دَرْك الإدراك إدراكٌ”، هي كلمة حقّ أُريد بها باطل، جاءت على لسان أحد الأسلاف كي يُبرهن على حدود الإدراك الإنسانيِّ وبالتَّالي كي يُلجِمَ النَّاس عن الخوض في الإلهيات، لقد كانت مقالات أهل اللاَّهوت في البرهنة على عجز العقل – ومازالت – إحدى المقالات المُثبّتة لأرضيَّة تقبُّل العوام لكلِّ ما يُملى عليهم من تعاليم وعقائد، فكُلَّما ضاقت حدود المعرفة، اتَّسعت مساحة اليقين، وبما أنّكَ عاجزٌ عن المعرفة، عليكَ أن تُؤمن دونَ أن تسألَ، هكذَا يجري استعمال مقالة حدود الإدراك استعمالًا أبولوجيًّا لحراسة العقائد وتثبيتها في ضمائر المؤمنين، وهو في الأصل تثبيتٌ لنسقٍ لا يلزمُ حدود الفضاء الدِّينيِّ وحده بل يتجاوزه ليخترق الثّقافيَّ والاجتماعيَّ و السّياسيَّ.

    أمَّا صاحِبُنا المالينخولي السَّعيد، فهو يفهم قضيَّة حدود المعرفة غير الفهم الَّذي يرتضيه أهلُ اللّاَهوت ومن تَبِعهم من المؤمنين، بل يقلبُ غاياتهِم قلبًا، إذا طلبوا اليقين والثّبات، طلبَ صاحِبُنا القلقَ الدّائم والارتياب اللَّامُتناهي، خاصَّةً تجاه تلك “الأسئلة الكُبرى” الَّتي تُحيّر الدّنيا وتشغل النَّاس: بدءًا بالآلهة والسِّحر والرّوح مرورًا بالتّاريخ والعقل والنَّفس والأخلاق والعدالة والسَّعادة، وصولًا إلى الجيوبوليتيكا والاستراتيجيا والمُؤامرات الَّتي تُحاكُ والسّياسات الكُبرى الَّتي تُرسمُ بعيدًا …

    بعيدًا يقفُ صاحِبُنَا مدهوشًا أمامَ هذا الكمِّ الهائل من الأسئلة، …، ليُسلّمَ – من بعد ما أرهقهُ التأمَّلُ – بأنَّهُ لا يستطيعُ أن يحيط علمًا بكلِّ هذه المسائل، لأنَّ أُمورًا كثيرةً تحولُ بينهُ وبينها، أخصُّها غموضُ هذه المسائل وقِصرُ الحياةِ. هكذَا صرَّحَ الحكيم بروتاغوراس بالموقف ذاته تجاه مسألة وجود الآلهة.

    لقد أفضى التَّأمُّلُ بالمالينخولي السَّعيد في موضع سابق إلى أنَّ الإدراك الإنسانيَّ قائمٌ على تمثّلِ العالم تمثّلًا محكومًا بإكراهات متعدِّدة تؤُولُ به إلى التَّوهُّم، لأنَّ العالمَ كما هوُ قائمٌ في ذاته بمعزلٍ عن الوعي به، والوعيُ به لا يكون إلّا وعيًا واهمًا مُحاطًا بالتَّخيّل والرَّغبة والحُلمِ والأهواء، وهو وعيٌ فردانيٌّ غارقٌ في الخصوصيَّة إذ لا يمكنُ أن يتطابقَ وعيُ أحدهم بوعيِ آخر. لذلكَ فإنَّ صاحبنَا يتحدَّثُ عن الإنسانِ بألف التَّعريف ولامها قاصدًا نفسه، ولا يقصد الإنسان بإطلاقيَّته المنفلتة عن الضّبط. إنَّ الإنسان الفرد هو مقياسُ الأشياء جميعها، و قد سبق للحكيم بروتاغوراس أنْ صرَّحَ بأنَّ “الأشياءَ هي بالنِّسبة إليَّ على ما تبدُو لي، وهي بالنّسبة إليكَ على ما تبدو لكَ، وأنتَ إنسانٌ وأنا إنسانٌ”، كما أنَّ كلَّ قضيّة في العالمِ تحتملُ مجموعةً من الأحكامِ الَّتي تتعادلُ قوَّتها سلبًا و إيجابًا بالعودة إلى حصافة النَّاظر فيها وقوّة الحجج الَّتي يحشدها لها.

    تَبدُو معرفة الإنسانِ بنفسه وبالعالم المُحيط به، معرفةً محدودةً لا يسعهُ الإحاطةُ بها كُلًّا جامعًا، بل إنَّ نصيبه منها لا يتجاوزُ نُتفًا وشذراتٍ وتخمينات ممزَّقة، فكيف يتدبَّر المالينخولي السَّعيد نفسه في مواجهة العالم والحالُ أنَّهُ محدود المعارفِ؟ وكيفَ يُواجهُ تلك الأسئلة الكُبرى الَّتي لا محيد عن مُواجهتها، بل إنَّ بعضها حاضرٌ بقوَّة في أشدِّ تفاصيل حياته حميميَّة؟

    إنَّ تلكَ الفترة الفاصلة بين لحظتيْ الولادة والموت، لا تزيد في نظر صاحبنَا عن كونها مُزحة ثقيلة الظلِّ لا ينبغي التّعَامل معها بجديَّة مفرطة، لذلكَ فإنَّ تدبير الأسئلة ينبغي أن يكون على نحوٍ جزئيٍّ، كُلٌّ بحسب ما يقتضيه حالُهُ ومِزاجُهُ ووضعُهُ ورَاهِنُهُ، وليس على المرء أن يتنطّع في إيجاد الأجوبة النّهائيَّة أو أنْ يتكلَّفَ تشييد الأنساق الَّتي تدَّعي الإحاطة بكلِّ ما هو كائنٌ وما ينبغي أن يكون. بل إنَّ بعض القضايا تستدعي لامبالاةً ساخرةً، فعدمُ الاكتراثِ في حدّ ذاته إجابةٌ شافية عن كثيرٍ من المُزحِ الثّقيلة الَّتي يعتَبُرها أهلُ النَّسقِ قضايَا لا تستقيمُ الحياةُ إلاَّ باستكناه جوهرها، وما همُّ صاحبنَا إنْ استقامت الحياةُ أو لمْ تستقمْ؟

    اللاَّأدريَّة موقفٌ وجوديٌّ نبيلٌ جدًّا، موقفٌ حصيفٌ اتَّخذهُ المالينخولي السّعيد في غمرة قلقه، فوجد فيه خلاصهُ الخُلُقيَّ من كلِّ أوزار العالم وآلامه وتناقضاته، ونال من خلاله سكينةً تُردُّ إلى تلك التَّعطيليَّة المُطلقة، حيثُ يُخيِّمُ صمتٌ رهيبٌ، وتوقّفٌ تامٌّ عن الحُكم، ويأسٌ مُغتبطٌ من المعرفة البشريَّة.

    أن نقُول في نبرة سقراطيَّة واثقة “كُلُّ ما أعرفهُ هو أنِّي لا أعرفُ شيئًا”، أنْ نَزهدَ في المَعْنى، أنْ نقتصدَ في الغاياتِ، أنْ نعِي بلاأدريّتِنَا، أن نتوقَّفَ عن الحُكْمِ، أن نُعطِّلَ الأسئلة البعيدة، تلك هي الفضائل الوجوديَّة الَّتي يرمي إليها المالينخولي السَّعيد، والَّتي تُؤدِّي به إلى ضربٍ من الشّكوكيَّة المُطمئنة. وكيف يكُونُ الشَّكُ مُطمئنًّا؟ ذلكَ هو البرزخُ الَّذي يقفُ في رحابهِ صاحبُنَا، تلك هي المُعادلة الَّتي تحكمُ سيرته الوجوديَّة، أوَ لمْ نسأل منذ البداية: كيفَ تكُونُ المالينخوليا -وهي مزاجٌ سوداويٌّ حادٌّ- كيف تَكونُ سعيدةً؟

    المصدر: الأوان

  • نص – لانا المجالي

    نص – لانا المجالي

    هل رسموني هنا
    كي أُزيِّنَ الجِدارَ في غُرفةِ المَعيشة؟
    وتَسيلُ مِنّي ملامحي؛
    ضاحِكة
    عابِسة
    غاضِبة
    مُستَبشِرة
    حَزينة
    عاشِقة
    ملامحي الغجريَّة الحارَّة في الغرفةِ الباردة
    في مِنفضة السجائر فوق الطاولة
    على قماش الستائر
    في ثَقبِ الباب
    ملامحي الملوَّنة بالباستيل
    فوق الأريكة البيضاء؛
    تلكَ التي لَم تمدّْ كفَّها لنبوءات العرّافات
    لم تُلقِ بفُتات الخبز للعصافير من الشبابيك
    لم تَفتح أزرار قمصانها العلويَّة للندى
    لم يَنْحَل خَصرُها مِن الرقص
    في الليالي التي اكتمل فيها القمر
    لم تَشْهَق لرؤيتك
    لم تَعشَقكَ
    الأريكة البيضاء الحياديَّة؛
    تلكَ التي لَمْ تتوقَّف عَن طِلاء أظافرِ قدميها
    بالأحْمَر
    عِندما أعلنوا موتي في نشرةِ أخبار الثامنة.
    هل رَسموني هنا؛
    على الجدار
    في غرفة المعيشة
    كي أنتحِبَ بكاءً
    عَلى مَوتي؟

  • نص لرفيقة المرواني

    carlos san millan

    لأَنّني ربّما أَبدُو بَعيدة
    و جَافّة
    لكِنّني أُعيدُ في كلّ يوم ترميمَ السّدّ
    الذّي شيّدتهُ الأيّام بَينِي وبَيْنِي
    كَيلاَ أَغرقَ فِي مَائِي
    ***
    لأَنّني ربما أَبدُو ضئيلَة
    وخَائفة
    لكنّني أُرهبُ الحيَاة
    كُلّما انعكَسَ ظلّي في شظايا مرآتِي المَكسُورة
    أُصبح حشدًا كثيرا
    من الأفواه والعُيون
    كلّ ما فيّ قاس
    وجَارح
    ***
    لأنّني ربّما أبدُو وَحيدَة
    بلا أعداء
    بلا أصدقَاء
    لكنّني أجيدُ صياغة الكذب على هيئة حُبّ جارف
    بحجم وسَادة
    تستطيع حمل رأسِي المُتعب..

  • على مهل – ناصر قواسمي

    على مهل – ناصر قواسمي

    Carlos San Millan

    على مهلٍ أسير

    مبتعدًا عن قلبي وظلي

    أشد الريح من كتفٍ كي تستدير

    وأطير نحو سماءٍ من الغمام

    ليس يجدي كلامي

    ونحاس القلب يأخذ اللون الأحمر

    شكل الزعتر

    وكأنني عصفورٌ بريشٍ ناعمٍ قد تعثر

    فسقط في العجز المذل

    على مهلي

    أخدش فكرةً في صحن الرأس دون قصدٍ

    وأنكش الماء بمعولي

    كي يفضي إلى جهةٍ أكثر يسرًا

    وأكثر هشاشةً

    من بابٍ صفقته الريح فنادى على الغياب والورد

    وشاخ على طرف سهل

    على مهلي

    لأنها أمي

    وزعت قلبي على الحقول المشاع والجهات

    وفتقت ذاتي عن ذاتي

    لأنها أمي

    طحنت عظامي قمحًا سائغاً لطيورٍ غريبةٍ

    وقشرت البلاد من مماتي

    هل من سماءٍ أصفى من وجه أمي؟!

    أمي التي مذ وردت الحياة فمن وريدها النبي

    وأمي التي قمطتني صغيرًا بكم ثوبها

    وأبيض شاشها

    وأمي التي روحي أرض خطوها إذ تسير

    وأمي التي قلبي إذ تخيط ثوبًا جديدًا

    فحريرها وقماشها

    وزعت قلبي على السنونوات التائهات

    السنونوات العائدات من الحرب

    يحملن حكايًا عن صغارٍ

    تبولوا على أنفسهم قبل الممات

    وعن حماماتٍ كن يصطدمن بالجدران فزعًا

    ووردٌ أجهش بالبكاء

    وراح يتهاوى قرب جثة ظلي

    على مهلي

    سكبت فمي على الأوراق لم أنتبه لسوء فمي

    وحزت بياضًا ليس يجدي

    فكنت سوادًا

    لم أدر ما الذي غير لون دمي

    وحيدٌ في متاهةٍ أخرى

    لم أزل منذ خمسين أقرب المسافة لا تقترب

    ما بين حجم قدمي ونعلي

    على مهلٍ

    أقيس خوذات الجند الباقيات في الساح

    لم تنسحب

    وأرضع من عشب الأرض

    حليب جزمات الفدائيين كيما أبتعد

    أو بلادي تقترب

    خمس الرغيف الخبز الباقي

    بكف ولدٍ مبتورةٍ

    ومنفصلةٍ عن الجسد الهناك قد تسجى

    كأنها قلبي

    على رأس رمحٍ قد تسجى

    وفمي لا صوت ولا صدى

    فمي اغترابٌ

    مذ قفز الحفاة عن السور لم يقفز معهم

    فبقيت وحدي دون أهلي

    على مهلٍ

    أبحث عن دمي في الساحة يبحث عني

    ويدي لم تزل تجرب

    تقليص المسافة المرعبة بين حجم قدمي

    واتساع نعلي

    على مهلي

    أعد قلبي لبلادي

    وأقول في سر الوجود للوجود

    هذا دمي على الجدران ينحدر

    والعرب قد نظروا

    يا بلادي هذا دمي وحدي فأضيئي بدمي واكتملي

    على مهلٍ

    على مهل

  • مصيدة الفراغ – أبرار سعيد

    مصيدة الفراغ – أبرار سعيد

    https://soundcloud.com/ahmed-n-katlish/fyx17etkzeea

    وضعوني في حصن محكم من الجدران
    وضعوني في غرفٍ بنوافذ موصدة
    وأبواب لا تؤدي إلا إلى
    أبواب أخرى
    أذكر أنهم قالوا أنني الوردة
    الوردة التي تتلقف القسوة واللين برحابة الغبار الذي يصب في جيوبها البلاستيكية
    وردة من البلاستيك الأليف البعيد عن ترهات الشعور
    لكنني أجرب أن أكون كائنًا آخر أكثر ضآلة وكره
    لا أفعل ما يستحق الذكر
    أتجول في الفسحة المتنفسة للممرات التي تذكرني بقصبة
    تختنق بصدام الهواء
    أجرب أن أهرب في الزوايا العديدة
    مثل فأر
    يتبع الرائحة
    ويزّج بقوائمه في المصيدة…

  • كتابة – صلاح فائق

    كتابة – صلاح فائق

    أنا متحفٌ ، لا أحد غيري يعرفُ أين
    أنا زائره الوحيد .
    *
    في جيبي مجموعتي الشعرية الأولى منذ سنوات
    لا أقرأ منها أو فيها ولا أتحمل أن يراها أيُّ شخص
    *
    أسمعُ شخيري جيداً وأنا نائم
    *
    أمتطي كلبي كل صباح لأشتري حليباً وبيضاً لي
    مع سمكة ميتة له. أرى انزعاج بعض جيراني في وجوههم
    لكنهم لا يقولون شيئاً .
    *
    مرّ يسوعُ من أمام بيتي قبل قليل، بدراجته الهوائية،
    لوّح لي ولآخرين، لم يرد عليه أحد.
    *
    ذهبتُ إلى مشرحة المدينة، وجدتُ العاملين هناك يسكرون
    وممرضة جميلة ترقص أمامهم: شاهدتُ موتى على عدة طاولات -ينتظرون مستائين- تشريحَهم .
    *
    ليس في ساعتي اليدوية أو تلك المعلقة في غرفتي،
    أي زمن. فقط كميةٌ كبيرةٌ من الوقت .
    *
    كلُّ ليلةٍ أسيرُ في نومي، أذهبُ إلى المطبخ لأشرب ماءً،
    انتبهتُ الليلة، بعد دقائق، شربي نبيذاً.

    أخرج من البيت إلى حديقة المنطقة لأستمع إلى غناء صعاليك ومهاجرين.
    أعودُ بعد ساعةٍ إلى غرفتي وأكتشفُ أني نسيتُ
    مفتاح الباب في البيت .
    *

  • القبلة الأولى – كيم أدونيزيو – ترجمة ضي رحمي

    القبلة الأولى – كيم أدونيزيو – ترجمة ضي رحمي

    رأيتها في عينيك؛

    تلك النظرة الثملة، الخدرة

    التي ألفتها على وجه ابنتي، بعد أن تفلت صدري،

    فمها الخدل، عيناها الضبابيتان الغبشتان

    وكأن الحليب يعبرهما في طريقه لاحتلال كامل رأسها

    ما يثقل عنقها الأبيض الرقيق

    فأضمها بقوة، مندهشة من سطوة الشبع التامة

    التي في الوقت نفسه

    لا تساوي أبدًا سطوة حاجتها للغذاء،

    حركتها الجامحة، بكاؤها حتى تلتصق بي وتوثق ما بيننا، امتصاصها للحليب، سحبه خارج جسدي؛

    لحظة متفردة، تبذل فيها نفسها

    أكيدة من إلمامي بحاجتها وضعفها.

    هذا ما رأيته، تلك الليلة

    حين سحبت فمك من فمي

    ملقيًا ظهرك على السور الشبكي أمام الكنيسة المحترقة:

    رجل على هذا القدر الرقة والضعف

    من الإثم إيذاؤه.

    .

    – ترجمة: ضي رحمي.

  • إنكار – وارسان شاير

    إنكار – وارسان شاير

    حاولت أن أتغير

    أغلقت فمي أكثر

    أن أكون أرق.. أجمل

    أقل انتباهًا

    صُمت شهرًا بأكمله

    ارتديت الأبيض

    زهدت المرايا

    والجنس

    وتدريجيًا لم أنطق بكلمة

    في ذلك الوقت أطلت شعري لما بعد كاحلي

    افترشت حصيرة الأرض

    ابتلعت سيفًا

    حلقت في الهواء

    هبطت إلى القبو

    واعترفت بذنوبي

    تعمّدت في النهر

    وركعت على ركبتيّ وقلت، آمين

    جلدتُ ظهري

    طلبت القوة عند قدميك

    ألقيت بنفسي في بركان

    شربت دمًا ونبيذًا

    جلست وحيدة منحنية الخصر أتوسل إلى الله

    رسمت نفسي بعلامة الصليب وأظنني رأيت الشيطان

    أنميت على قدميّ جلد غليظ

    تحممت بمُبيض

    عطلت طمثي بصفحات من الكتاب المقدس

    لكن،

    عميقًا بداخلي

    لا تزال ترقد حاجتي لأن أعرف

    هل تخونني؟

    هل تخونني؟

    .

    – ترجمة: ضي رحمي.

  • قصيدة حب – روكي دالتون

    قصيدة حب – روكي دالتون

    الذِينَ وَسَّعُوا قَنَاةَ بَانَامَا

    (وَتَمَّ نَعْتُهُمْ بِأنَّهُمْ أصْحَابُ «الأدْوَارِ الفِضِّيَّةِ» وَلَيْسَ «الذَّهَبِيَّةِ»)،

    الذِينَ أصْلَحُوا أسْطُولَ المُحِيطِ الهَادِئِ

    فِي قَوَاعِدِ كَالِيفُورْنْيَا،

    الذِينَ تَعَفَّنُوا فِي سُجُونِ غْوَاتِيمَالا،

    المِكْسيكِ وهِنْدُوراسِ ونِيكَاراغْوا

    بِتُهْمَةِ أنَّهُمْ لُصُوصٌ ومُهَرِّبُونَ وأنَّهُمْ نَصَّابُونَ

    وأنَّهُمْ جِيَاعٌ،

    الَّذِينَ هُمْ دَوْماً مُشْتَبَهٌ بِهِمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ.

    («أسْتَأذِنُ فِي إحَالَتِكُمْ عَلى القَتِيلِ

    لكَوْنِهِ يُعَانِقُ الزَّوَايَا مُثِيراً لِلشُّبُهَاتِ

    معَ الخُطُورَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي يَفْتَرِضُهَا أنْ يَكُونَ سَلْفَادُورِيّاً»)،

    الَّذِينَ مَلَأوا الحَانَاتِ والمَوَاخِيرَ

    لِكُلِّ مَوَانِئِ وَعَوَاصِمِ المِنْطَقَةِ.

    («الكَهْفُ الأزْرَقُ» وَ«التُّبَّانُ» وَ«الهَابِي لانْدْ»)،

    زَارِعُو الذُّرَةِ فِي أعْمَاقِ الغَابَةِ الأجْنَبِيَّةِ،

    مُلُوكُ الصَّفْحَةِ الحَمْرَاءِ،

    الَّذِينَ لا يَعْرِفُ أحَدٌ أبَداً إلَى أيِّ بَلَدٍ يَنْتَمُونَ،

    أفْضَلُ الحِرَفِيِّينَ فِي العَالَمِ،

    الذِينَ تَمَّ رَتْقُهُمْ بِرَصَاصَاتٍ حِينَ عُبُورِهِمْ لِلْحُدُودِ،

    الذينَ مَاتُوا بِحُمَّى المُسْتَنْقَعَاتِ

    أوْ بِلَسَعَاتِ العَقَارِبِ أو أفَاعِي اللِّحْيَةِ الصَّفْرَاءِ

    فِي جَحِيمِ مَزَارِعِ المَوْزِ،

    الذِينَ سَيَبْكُونَ سُكَارَى لأجْلِ النَّشِيدِ الوَطَنِيِّ

    تَحْتَ رحْمَةِ إعْصَارِ المُحِيطِ الهَادِئِ أوْ ثَلْجِ الشَّمَالِ،

    المَحْمِيُّونَ والشَّحَّاذُونَ والمُدْمِنُونَ على المَارِيجْوانَا،

    والأغْبِياءُ أبْنَاءُ العَاهِرَةِ الكُبْرَى،

    الذِينَ بِالكَادِ جِدّاً اسْتَطَاعُوا أنْ يَعُودُوا،

    والذينَ كَانَ معَهُمْ حَظٌّ أكْثَرَ قَلِيلاً،

    وغَيْرُ الحَامِلينَ لِلْوَثَائِقِ الشَّخْصِيَّةِ الأزَلِيِّونَ،

    والفَاعِلُونَ لِكُلِّ شَيْءٍ، والبَائِعُونَ لِكُلِّ شَيْءٍ، والآكِلُونَ لِكُلِّ شَيْءٍ،

    الأوَائِلُ فِي إشْهَارِ المُدْيَةِ،

    والحَزَانَى الأشَدِّ حُزْناً فِي العَالَمِ،

    مُوَاطِنِيَّ

    وإخْوَتِي.

    صُحْبَتُكِ

    الشاعر السلفادوري Rouqe Dalton

    الذي قتل على يد رفاقه بلا محاكمة.

    ولد روكي دالتون بسان سلفادور سنة 1935، وتابع تعليمه الابتدائي والثانوي بمسقط رأسه، قبل أن يشد الرحال إلى سانتياغو حيث سيلتحق سنة 1953 بكلية الحقوق بجامعة الشيلي، وإن كان سيغادرها فيما بعد إلى سان سلفادور لإتمام دراساته الجامعية، فقد تلقى دراساته الجامعية في الشيلي والسلفادور والمكسيك. وفي سنة 1957 زار صحبة طلبة آخرين من السلفادور الاتحاد السوفياتي للمشاركة في المهرجان العالمي السادس للشباب والطلبة حيث تعرف هناك على العديد من المثقفين والسياسيين الذين سيكون لهم شأن كبير في مجال السياسة والأدب العالميين، مثل كارلوس فونسيكا السياسي النيكاراغوي الشهير، مؤسس الجبهة الساندينية للتحرير الوطني، والكاتب الغواتيمالي ميغيل أنخيل أستورياس الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1967، والشاعر الأرجنتيني خوان خيلمان والشاعر التركي ناظم حكمت، وكان آنذاك يعتبر من أهم الأصوات الشعرية في السلفادور، إذ كان قد بادر رفقة شاعر غواتيمالي منفي بالسلفادور إلى تأسيس حلقة أدبية جامعية ستضم شعراء أساسيين في المشهد الشعري السلفادوري مثل مانليو أرغيتا وخوسيه روبيرطو ثيا وروبيرطو أرميخو وتيرسو كاناليس وآخرين الذين أطلق على جيلهم الجيل الشعري الملتزم.

    تعرض روكي دالتون للاعتقال والنفي، فعاش إقامات مطولة في المنفى بكل من غواتيمالا وكوبا وتشيكوسلوفاكيا والمكسيك. بعد سنوات المنفى عاد الشاعر إلى وطنه والتحق بالجيش الثوري للشعب، الجناح العسكري لحركة الثوار السلفادوريين الذي كان يخوض حرب عصابات ضد الديكتاتورية في السلفادور، وهناك سيتم إعدامه وبدون محاكمة من طرف رفاقه سنة 1975 عن عمر يناهز 39 سنة، بتهمة كونه عنصرا مدسوسا متعاونا مع المخابرات المركزية الأمريكية بناء على شكوك ثبت بأنها خاطئة، وسيتم رد الاعتبار له كأحد أهم الأدباء الثوار في بلده السلفادور وفي دول أمريكا اللاتينية قاطبة، إذ أصبح شاعر السلفادور الأول والأكثر شعبية بين الناس، كما غدا شعره يدرس للأطفال في المقررات الدراسية ويتغنى به البسطاء من أبناء شعبه في كل حين.

    ترجمت قصائده إلى العديد من اللغات وأنجزت حوله العديد من الدراسات، وكان من قبل قد نال جائزة كاسا دي لاس .

    ترجمة خالد الريسوني.

  • غسيل الثياب – كادامانيتا راماكريشنان

    غسيل الثياب – كادامانيتا راماكريشنان

    في ساعة الغبش
    عند فجر يوم جديد
    أهو الفجر أم ما زال الوقت ليلًا؟
    أحجية تتمعج
    داخل أغطية السرير
    والسعال بين تلك الأغطية
    وبقايا رائحة الليل
    تطرد الخدر
    عن عيون الصباح المعشية.
    الأيدي المستريحة على مزلاج الباب
    المغلق بإحكام
    هل تفتح أم لا تفتح
    تلك كانت مشكلتها.
    بعد قليل، حملت على أكتافها
    كومًا مليئًا بالثياب المتسخة
    واتخذت طريقًا مباشرًا
    إلى المخاضة عند البركة
    لم يكن يرشح من إهابة الزيت
    ولم يكن الزيت يسيل
    من شعرها الذي يلعب به الهواء
    ولم تكن هناك طبقة من الزيت
    على حجر الغسيل.
    البركة الآسنة
    المليئة بالطحالب والوحل
    بالطحالب اللزجة.
    تفتح الكومة المربوطة
    وتلتقط الثياب المتسخة، واحدة واحدة
    وتنقعها في الماء
    ثم تضعها على الحجر قربها
    وتضرب الضربة الأولى.. فالضربة الثانية..
    الضربة الثانية.. فالضربة الأولى
    تغسلها واحدة واحدة
    الطريق التي تستيقظ على الصدى
    والرجل الذي يمشي على الطريق الذي عليه رجع الصدى
    والشمس التي تستيقظ على الصدى
    واليوم الذي يبدأ حارقًا في الشمس
    والثياب التي لم تنظف بعد تعلو وتهبط
    والمرأة تضربها بقوة مسعورة
    متعبة، منقطعة الأنفاس، كارهة للدنيا
    تنظر إلى البقع المتسخة على القماش
    تضرب بقوة أكبر على الحجر
    بقوة أشد فأشد.
    تحت ضربة الشمس
    ومع ذلك تشطفها بالماء
    وتعصرها بدون توقف
    بينما عقلها يسرح في مكان آخر
    وإذا بها تقفز
    رأسًا إلى البركة
    تنزل أعمق فأعمق
    أعمق فأعمق فأعمق
    بينما الثياب
    منتثرة على الحجر..

  • إرنست همنغواي – قصة قصيرة جداً

    إرنست همنغواي – قصة قصيرة جداً

    قصة قصيرة جدا 1925

    ترجمة: موسى الحالول

    حملوه ذات مساء حار في پادوا (1) إلى الأسطح، فصار بإمكانه أن يشرف على قمة البلدة. كانت سمامات المداخن تحلق في السماء. بعد فترة بدأ الظلام يخيم، فراحت الأنوار الكاشفة تسطع. نزل الآخرون وأخذوا الزجاجات معهم. كان بإمكانه هو ولُوز أن يسمعا أصواتهم على الشرفة تحتهما. جلست لوز على السرير. كانت لوز تشعر بالبرودة والانتعاش في هذه الليلة الساخنة. بقيت لوز تناوب ليلا لثلاثة أشهر. وكانوا سعداء بذلك. كانت هي التي أعدته لطاولة العمليات عندما أجروا له العملية، وتمازحوا حول الفرق بين الصديق والحقنة الشرجية. تماسك قبل أن ينام بتأثير المخدر خشية أن يفشي أسرارا عندما ينفلت عقال العقل واللسان. وبعد أن صار يمشي على عكازين، راح يقيس حرارته بنفسه لكيلا تنهض لوز من سريرها. كان عدد المرضى قليلا، وكان الجميع يعرف. كانوا جميعا يحبون لوز.
    عندما يعود سائرا بين الصالات كان يتخيل لوز في سريره. قبل أن يعود إلى الجبهة، دخلا الدومو وصليا. كان الدومو مظلما وهادئا، وكان هناك مصلون آخرون. كانا يريدان أن يتزوجا، لكن لم يكن لديهما الوقت الكافي لإعلان الزواج، 
    ولم تكن عند أي منهما شهادة ميلاد. كانا يشعران كأنهما متزوجان، لكنهما كانا يريدان أن يعرف الجميع ذلك، كما كانا يريدان أن يقوما بذلك لكي لا يضيع الذي بينهما.
    كتبت له لوز عدة رسائل لم يتسلمها إلا بعد الهدنة. وصلته خمس عشرة رسالة دفعة واحدة إلى الجبهة، ففرزها وفق تواريخها ثم قرأها جميعا. كانت كلها تحكي عن المستشفى، وعن مدى حبها له، وعن استحالة العيش من دونه، وعن لوعة الاشتياق إليه ليلا.
    بعد الهدنة اتفقا على أن يعود إلى وطنه ليحصل على عمل ثم يتزوجان. أما لوز فلن تعود إلا بعد حصوله على عمل جيد فيأتي إلى نيويورك ليستقبلها. تفاهما على ألا يشرب، ولم يكن يرغب في رؤية أصدقائه أو سواهم في الولايات المتحدة. فقط يحصل على عمل ويتزوج.
    تشاجرا في القطار من پادوا إلى ميلانو حول عدم استعدادها للعودة إلى وطنها فورا. ولم ينته الخصام بينهما حتى عندما تبادلا قبلات الوداع في محطة ميلانو، فشعر بالغثيان لأنهما توادعا بتلك الطريقة.
    ذهب إلى أمريكا بالباخرة من جنوا، وعادت لوز إلى پوردنوني (2) 
    لتفتتح مستشفى. كان الجو موحشا وماطرا. وكانت هناك كتيبة «آرديتي» (3) متمركزة في البلدة.

    كانت البلدة موحلة وماطرة في الشتاء وكان قائد الكتيبة يمارس معها الحب، ولم تكن تعرف الإيطاليين من قبل. وأخيرا بعثت برسالة إلى أمريكا تقول إن علاقتهما كانت علاقة مراهقين. اعتذرت وكانت تعلم أنه لن يتفهم ما جرى، لكنه قد يغفر لها ذات يوم، ويكون ممتنا لها، ثم توقعت بلا مبرر أنها ستتزوج في الربيع.

    لا تزال تحبه كما أحبته من قبل، لكنها تدرك الآن أنه حب مراهقين. تمنت له التوفيق في عمله وأعربت عن ثقتها به. كانت تعلم أن ذلك في صالح الاثنين معا.
    لم يتزوجها قائد الكتيبة في الربيع ولا في أي وقت آخر. ولم تتلق لوز جوابا على الرسالة التي أرسلتها إلى شيكاغو. وبعد ذلك أعدتْه موظفة مبيعات تعمل في متجر بمرض السيلان 
    بينما كانا يستقلان سيارة أجرة في شارع لنكن پارك.

     

    (1) تقع مدينة پادوا (أو پادوڤا بالإيطالية) غرب مدينة البندقية في الشمال الشرقي من
    إيطاليا (المترجم)
    .

    (2) تقع مدينة پوردنوني شمال مدينة البندقية (المترجم).
    (3) آرديتي» هو الاسم الذي كان يُطلق على قوات الاقتحام (المغاوير) في الجيش الإيطالي (المترجم).

     

  • إرنست همنغواي – قطة تحت المطر (قصة قصيرة)

    إرنست همنغواي – قطة تحت المطر (قصة قصيرة)

    قطة تحت المطر (1925)

    ترجمة: موسى الحالول

    كان في الفندق أمريكيان فقط. لم يكونا يعرفان أيا من الناس الذين كانا يصادفانهم على الدرج عندما يخرجان من غرفتهما أو يعودان إليها. كانت غرفتهما في الطابق الثاني وتطل على البحر. كانت تطل أيضا على الحديقة العامة والنصب الحربي.

    كانت في الحديقة أشجار نخيل كبيرة ومقاعد خضراء. كانت الحديقة لا تخلو من رسام وأدواته عندما يكون الطقس جيدا. كان الفنانون يحبون أشجار النخيل وطريقة نموها، كما كانوا يحبون ألوان الفنادق البهيجة المطلة على الحدائق والبحر. كان الإيطاليون يقطعون مسافات ُ طويلة في سبيل الفرجة على النصب
    الحربي. وكان النصب مصنوعا من البرونز وكان يلتمع في المطر.
    كان المطر يهطل، وكانت قطرات المطر تنزلق على أشجار النخيل. تشكلت برك الماء على الدروب المرصوفة بالحصى. كان الموج يتكسر في خط طويل في المطر ثم يتراجع عن الشاطئ ليعود ثانية فيتكسر في خط طويل في المطر. خلت الساحة القريبة من النصب الحربي من السيارات. على الجهة الأخرى المقابلة للساحة وقف نادل بباب المقهى يتفرس في الساحة الخالية.
    وقفت المرأة الأمريكية تتطلع من النافذة. كانت تقف تحت نافذتها مباشرة قطة منكمشة على نفسها تحت إحدى الطاولات الخضراء التي يَسح عليها ماء المطر. كانت القطة تحاول أن تتقلص كي تقي نفسها من المطر.

    «سأنزل لجلب تلك الهريرة،» قالت المرأة الأمريكية.

    «سأنزل أنا،» عرض عليها زوجها من سريره.

    «لا، سأجلبها أنا. الهريرة المسكينة تحاول أن تقي نفسها من
    البلل تحت إحدى الطاولات.»

    تابع الزوج قراءته، وهو يستلقي على وسادتين عند قدم السرير.
    «لا تبتلّي،» قال لها.

    نزلت الزوجة الدرج فوقف صاحب الفندق وانحنى لها عندما مرت من أمام مكتبه. كان يجلس في الطرف البعيد للمكتب، وكان عجوزا وطويلا جدا.
    «إنها ُتمطر،» قالت له بالإيطالية. كانت تحب صاحب الفندق.
    «نعم، نعم، يا سيدتي. إنه طقس سيئ جدا.»
    ظل واقفا خلف مكتبه في الطرف البعيد للغرفة المظلمة. أحبته الزوجة. أحبت جديته في تلقي الشكاوى. أحبت وقاره. أحبت اندفاعه لخدمتها. أحبت حبه لعمله. أحبت وجهه العجوز الرزين ويديه الكبيرتين.
    فتحت الباب وأطلّت منه ونفسها جياشة بحبه. كان المطرٌ يهطل بغزارة أشد. كان رجل يرتدي إزارا مطاطيا يعبر الساحة الخالية نحو المقهى. لا بد أن القطة إلى يمين الباب. إذن، يمكنها أن تسير تحت الأفاريز. وبينما هي تقف في المدخل، إذ بالخادمة التي تعتني بغرفتهما تفتح مظلة وتقف وراءها.
    «يجب ألا تبتلّي،» تحدثت بالإيطالية وهي تبتسم. طبعا، كان صاحب الفندق قد أرسلها.

    سارت على الدرب المرصوف بالحصى، والخادمة تظللها بالمظلة، إلى أن وقفت تحت نافذة غرفتهما. وجدت الطاولة في مكانها، تبرق خضراء في المطر، لكنها لم تجد القطة. انتابتها خيبة أمل مفاجئة. تطلعت الخادمة إليها وسألتها بالإيطالية:

    «هل أضعت شيئا يا سيدتي؟»

    «كانت قطة هنا،» قالت الفتاة الأمريكية.

    «قطة؟»

    «نعم، قطة.»

    «قطة، قطة تحت المطر؟» سألت الخادمة وهي تضحك.

    «نعم، قطة تحت الطاولة،» قالت. «أوه، كم كنت أريدها! كنت أريد هريرة.»

    عندما كانت تتحدث بالإنجليزية كان وجه الخادمة ينقبض.

    «تعالي يا سيدتي،» قالت الخادمة. «يجب أن نعود إلى الداخل، وإلا فستبتلّين.»

    «أنت على حق،» قالت الفتاة الأمريكية. سارتا على الدرب المرصوف بالحصى عائدتين إلى الفندق. ظلت الخادمة خارج الباب لتغلق المظلة. حين مرت الفتاة الأمريكية من أمام المكتب انحنى مدير الفندق أيضا من وراء مقعده. شعرت الفتاة بشيء صغير جدا ينقبض داخلها. جعلها مدير الفندق تشعر بحجمها الصغير جدا وبأهميتها في آن معا. انتابها شعور آني بأنها ذات أهمية فائقة.
    صعدت الدرجات وفتحت باب الغرفة. كان جورج يقرأ في السرير.

    «هل جلبت القطة؟» سألها وهو يضع الكتاب من يده.

    «لقد اختفت.»

    «تُرى، أين ذهبت؟» قال وهو يريح عينيه من القراءة.

    جلست زوجته على السرير، وقالت:
    «كم كنت أريدها! لا أعرف لماذا أردتها إلى هذا الحد. كنت أريد تلك الهريرة المسكينة. تُرى، أي ٍ حظ لهريرة مسكينة تحت المطر»!

    استأنف جورج قراءته.
    راحت وجلست أمام مرآة طاولة الزينة وهي تنظر إلى نفسها في مرآة يدوية. تفحصت صورتها الجانبية، ثم دققت فيها جانبا، جانبا. بعدئذ تفحصت رأسها من الخلف ثم رقبتها.

    «ألا تعتقد أنه من الأفضل لو أطلْت شعري؟» سألت زوجها، بينما راحت تدقق في صورتها الجانبية مرة أخرى.
    رفع جورج ناظريه ورأى رقبتها من الخلف، وكان شعرها مقصوصا على شاكلة الصبيان.

    «أنا أحبه كما هو.»

    «لقد سئمتُه. لقد سئمت كوني أبدو كأنني صبي.»

    غير جورج وضعيته في السرير، وكان يلاحقها بنظراته منذ أن بدأت تتحدث، وقال:
    «إنك تبدين مليحة هكذا.»

    وضعت المرآة على طاولة الزينة واتجهت صوب النافذة، وراحت ترسل نظراتها نحو الخارج. كان الظلام يخيم.
    «أريد أن أسحب شعري إلى الوراء وأن يكون مشدودا وسلسا، وأريد أن تكون لي عقصة كبيرة يمكنني أن أتلمسها خلف رأسي. وأريد هريرة تجلس في حضني وتهر ّ عندما أمسد لها شعرها.»

  • ما الذي قد يدفع المرء للإنتحار؟- فايا يونس

    ما الذي قد يدفع المرء للإنتحار؟- فايا يونس

    سبهان آدم

    ‏وأنا أقرأ عن الانتحار،
    ‏في كتاب “الحزن الخبيث”
    ‏تسائلت في داخلي:
    ‏ما الذي قد يدفع المرء للانتحار؟
    ‏وشعرت لوهلة،
    ‏أن لا شيء
    ‏يستحق أن ننهي حياتنا من أجله.
    ‏حياتنا أشبه بالنار،
    ‏وليس الموت سوى الماء.
    ‏لكنني تذكرت، كل أفكاري القديمة
    ‏بقتل نفسي.
    ‏باغتني نعاس شديد،
    ‏وصرت أتثاءب ملء فمي.
    ‏أغلقت الكتاب، وضغطت زر التكييف،
    ‏وخرجت من الغرفة، كي أفرش أسناني،
    ‏وأتبول، كعادتي قبل أنام.
    ‏عندما عدت،
    ‏كانت الغرفة باردة جدًا،
    ‏وأندسستُ تحت البطانية،
    ‏على سريري،
    ‏بعد أن أطفئت الأضواء.
    ‏حدقت في الظلام طويلاً،
    ‏حتى أستطعت الرؤية،
    ‏ولسوء الحظ،
    ‏رأيته بكامل عتمته،
    ‏يحمل في عينيه موتي.
    ‏يستلقي بجانبي كل يوم،
    ‏فالاكتئاب يخاف الوحدة،
    ‏وهذا ما يبرر إفرازي للكميات الهائة
    ‏من العرق،
    ‏فهو حار جدًا.
    ‏أحاول تجاهله،
    ‏لكن جروحي تستيقظ
    ‏عندما أريد أن أنام،
    ‏وهذا ما يجعل وسادتي تكبرُ
    ‏يوماً بعد يوم،
    ‏فأنا دائمًا ما أسقيها بدموعي.
    ‏أتقلب في سريري لساعات،
    ‏ثمة ما يحترق بداخلي،
    ‏يبدو أنه يعانقني الآن،
    ‏الساعات تمضي،
    ‏وأنا أحترق .. أحترق،
    ‏أتقلب في فراشي بقوة،
    ‏لا شيء يطفئ هذه النار،
    ‏سوى الماء.

  • مع كل وداع.. ستتعلم – بورخيس

    مع كل وداع.. ستتعلم – بورخيس

    بعد حين ستعرف الفرق الدقيق

    بين الإمساك باليد وأسر الروح

    ستعرف أن الحب لا يعني السند

    أن الصحبة لا تعني الأمان

    ستعرف أن القبلات ليست عقودًا

    وأن الهدايا ليست وعودًا.

    ستبدأ في تقبل هزائمك

    برأس مرفوع وعين مفتوحة

    ببهاء امرأة، لا حزن طفل

    ستتعلم كيف تمهد طريقك يومًا بيوم

    لأن أرض الغد غير مضمونة

    وللخطط المستقبلية طريقتها في السقوط

    في منتصف الرحلة.

    بعد حين ستعرف

    أن حتى نور الشمس يحرق

    لو بالغت في الاقتراب

    لذا تزرع حديقتك بنفسك، تزين روحك

    بدلا من انتظار من يأتي لك بالزهور.

    ستعرف أنك بالفعل قادر على التحمل

    وأنك حقًا قوي

    وأنك تستحق

    ستتعلم وتتعلم

    مع كل وداع.. ستتعلم.

    – ترجمة: ضي رحمي.

  • من أجل الغرباء – دوريان لوكس

    من أجل الغرباء – دوريان لوكس

    أيًا ما كان سبب الحزن، أو ثقله،
    ملزمون نحن بحمله.
    ننهض ونستجمع قوانا
    القوى الغامضة
    التي تقودنا بين الحشود،
    ثم؛
    يدلني شاب، بلفهة، على الطريق
    بينما تُبقي سيدة على الباب الزجاجي مفتوحًا، منتظرة
    في صبر عبور جسدي الخاوي.
    هكذا طوال اليوم
    كل لطف يحملني لآخر-
    غريب يغني وحيدًا بينما أعبر الممر
    أشجار تجود بورودها
    طفل عاجز يرفع عينيه اللوزيتين ويبتسم
    وكأنهم في انتظاري، عازمين على إبقائي بعيدة عن نفسي
    عن الشيء الذي يناديني
    كما ناداهم مرة حتمًا-
    غواية القفز من فوق الحافة والسقوط
    بخفة
    بعيدًا عن العالم

    ترجمة: ضي رحمي

  • تلال كالفيلة البيضاء – إرنست همنغواي – ترجمة: موسى الحالول

    تلال كالفيلة البيضاء – إرنست همنغواي – ترجمة: موسى الحالول

    كانت التلال الواقعة على الجهة الأخرى من وادي إيبرو بيضاء طويلة. أما في هذه الجهة فلم يكن هناك ظل ولا أشجار، وكانت المحطة بين خطين من السكك الحديد في الشمس. بلصق المحطة كان ظل المبنى دافئاً، وكانت هناك ستارة مصنوعة من خرز الخيزران مسدلة على الباب المؤدي إلى البار لمنع الذباب
    من الدخول. جلس الأمريكي والفتاة التي معه إلى مائدة في الظل خارج المبنى. كان الطقس حاراً والقطار السريع الآتي من برشلونة سيصل خلال أربعين دقيقة. كان القطار يتوقف عند هذه المحطة لمدة دقيقتين ثم يواصل سيره إلى مدريد.
    «ماذا سنشرب؟» سألت الفتاة بعد أن خلعت قبعتها ووضعتها على المائدة.

    «إن الطقس حار جداً،» قال الرجل.
    «لنشرب الشراب.»
    «كأسان من الشراب،» وجه الرجل كلامه عبر الستارة.
    «كبيرتان؟» سألت امرأة تقف في المدخل.

    «نعم، كبيرتان.»
    جاءت المرأة بكأسين من الشراب وواقيتين من اللباد. وضعت الواقيتين وكأسي الشراب على المائدة ونظرت إلى الرجل والفتاة.
    كانت نظرات الفتاة تسرح في التلال. كانت التلال بيضاء في الشمس وكانت الأرض الريفية داكنة جافة.
    «تبدو كأنها فيلة بيضاء،» قالت الفتاة.

    «لم أر فيلا أبيض قط،» قال الرجل وهو يكرع شرابه (1)
    «ومن أين لك أن تراها؟»
    ِ«قد أراها،» قال الرجل. «إن قولك هذا لا يبرهن شيئاً.»

    نظرت الفتاة إلى ستارة الخرز. «لقد رسموا عليها شيئاً. هل تعرف ماذا يقول الرسم؟» سألته.
    «أنيس دل تورو. إنه مشروب.»
    «هل يمكننا أن نجربه؟»
    نادى على النادلة عبر الستارة، فجاءت.
    «أربعة ريالات» (2)

    «نريد كأسين من أنيس دل تورو.»

    «بالماء؟.»
    «هل تريدينه بالماء؟»
    «لا أعرف،» قالت الفتاة. «هل هو طيب مع الماء؟.»
    «لا بأس به.»
    «هل تريده بالماء؟» سألت النادلة.
    «نعم، بالماء.»

    «يشبه طعمه طعم السوس،» قالت الفتاة وهي تضع الكأس من يدها.
    «هكذا هي الحال مع كل شيء.»

    «نعم،» قالت الفتاة. «كل شيء له طعم السوس، ولا سيما الأشياء التي ننتظرها طويلا، كمشروب الأڤسنتين» (3)
    «كفى، كفى.»!
    «أنت الذي بدأ،» قالت الفتاة. «لقد كنت أتسلى وأستمتع بوقتي.»

    «حسن، لنحاول أن نستمتع بوقتنا.»

    «لا بأس. لقد كنت أحاول. لقد قلت إن الجبال تبدو كأنها فِيَلة بيضاء. أليس هذا قولاً ذكياً؟.»
    «إنه كذلك.»
    «أردت أن أجرب هذا المشروب الجديد. أليس هذا كل ما نفعله؟ ننظر إلى الأشياء ونجرب المشروبات الجديدة؟.»
    «أعتقد ذلك»
    سرحت الفتاة بنظراتها نحو التلال.
    «إنها تلال رائعة،» قالت الفتاة. «إنها في الحقيقة لا تبدو كالفيلة البيضاء. كنت أقصد فقط لون قشرتها كما يبدو من بين الأشجار.»
    «هل نتناول مشروباً آخر؟.»
    «لا بأس.»
    هبت الريح الدافئة، فارتطمت ستارة الخرز بالمائدة.
    «الشراب لذيذ وبارد،» قال الرجل.
    «إنها رائعة،» قالت الفتاة.
    «إنها في الحقيقة عملية بسيطة جداً، يا جيغ،» قال الرجل.
    «إنها في الحقيقة ليست عملية على الإطلاق.»
    نظرت الفتاة إلى الأرض التي تقف عليها أرجل الطاولة.
    «أعرف أنك لا تمانعين، يا جيغ. إنها لا شيء في الحقيقة. إنها تسمح بدخول الهواء فقط.»
    ًلم تقل الفتاة شيئا.

    «سأذهب معك وسأبقى معك دائماً. كل ما هنالك هو أنهم يسمحون بدخول الهواء، وبعدها تسير الأمور بشكل طبيعي تماماً.»
    «وماذا سنفعل بعدئذ؟.»
    «سنكون على ما يرام بعدها. تماماً كما كنا من قبل.»
    «ما الذي يجعلك تعتقد ذلك؟»
    «هذا هو الشيء الوحيد الذي يكدر عيشنا. إنه السبب الوحيد لشقائنا.»

    نظرت الفتاة إلى ستارة الخرز، ثم مدت يدها وأمسكت بخيطين من الخرز.
    «وأنت تظن أننا بعدها سنكون سعيدين وعلى خير ما يرام.»
    «أنا أعلم أننا سنكون كذلك. لا داعي للخوف. أعرف كثيرا من الناس الذين فعلوها من قبلنا.»
    «وكذلك أعرف أنا،» قالت الفتاة. «وبعدها كانوا جميعا سعداء.»

    «على أي حال،» قال الرجل، «لا لزام عليك إن كنت غير راغبة في ذلك. لا أريدك أن تفعلي هذا إن لم تكوني راغبة فيه. لكنني أعلم أنها بمنتهى البساطة.»
    «وهل هذا حقاً ما تريده أنت؟.»
    «أعتقد أنها أفضل شيء نفعله. لكنني لا أريدك أن تفعلي إن لم تكوني حقاً راغبة.»
    «وإن فعلت، هل ستكون سعيداً، وتعود الأمور إلى سابق عهدها وتحبني؟.»
    «أنا أحبك الآن. وأنت تعلمين أنني أحبك.»

    ُ«أجل، أعلم. لكنني إن فعلت، فهل ستمانع إن قلت إن الأشياء تشبه الفَيلة البيضاء؟.»
    «بل سأحب مثل هذا القول. أنا أحبه الآن، لكن المشكلة هي أنني لا أستطيع التفكير في مثل هذه الأمور الآن. أنت تعرفينني عندما أصير نهباً للقلق.»
    «وإن فعلتها، ألن يعاودك القلق أبداً؟.»
    «لن أقلق بشأن ذلك لأنني أعلم أنها عملية في منتهى البساطة.»
    «إذن، سأفعل. سأفعل لأنني لا أبالي بنفسي.»
    «ماذا تقصدين؟.»
    «لا أبالي بنفسي.»
    «ولكنني أبالي بك.»
    «أوه، طبعاً. لكنني لا أبالي بنفسي. وسأفعلها وستكون الأمور بعدها على خير ما يرام.»
    «لا أريدك أن تفعلي إن كان هذا هو شعورك.»
    نهضت الفتاة وسارت إلى نهاية المحطة. وعلى الطرف الآخر كانت حقول الحبوب والأشجار تمتد على ضفاف نهر إيبرو.

    وخلف النهر في البعيد كانت هناك جبال. عبر ظل سحابة حقل الحبوب وشاهدت الفتاة النهر من بين الأشجار، وقالت:
    «وبعدها يمكننا أن نملك كل هذا. ويمكننا أن نملك كل شيء وكل يوم نجعل الأمر أكثر استحالة.»
    «ماذا قلت؟.»
    «قلت يمكننا أن نملك كل شيء.»
    «بإمكاننا أن نملك كل شيء.»
    «لا، لا يمكننا.»
    «بإمكاننا أن نملك الدنيا بأكملها.»
    «بإمكاننا أن نسافر إلى أي مكان نشاء.»
    «لا، لا يمكننا. لم يعد هذا بوسعنا.»
    «بل هو كذلك.»
    «لا، ليس كذلك. متى أخذوا منك شيئاً، فلا تستطيع أن تسترده.»
    «لكنهم لم يأخذوه.»
    «سننتظر ونرى.»
    «هيا، عودي إلى الظل،» قال لها. «يجب ألا تشعري على هذا النحو.»
    «لا أشعر لا على هذا النحو ولا ذاك. كل ما هنالك هو أنني أعرف كيف هي الأمور.»
    «لا أريدك أن تفعلي شيئاً لا تريدينه.»…
    «وليس في هذا ما يضيرني،» قالت له. «أعرف ذلك. هل لنا بكأس أخرى من الشراب؟.»
    «لا بأس. ولكن عليك أن تدركي.»…
    «إني أُدرك،» قالت الفتاة. «هلا توقفنا عن الحديث؟.»
    جلسا إلى المائدة وراحت نظرات الفتاة تسرح في التلال الواقعة على الطرف القاحل للوادي، ونظر الرجل إليها وإلى المائدة، وقال:
    «عليك أن تدركي أنني لا أريدك أن تفعلي شيئاً لا تريدينه. إنني على استعداد تام لتقبل الأمر إن كان هذا الأمر يهمك.»

    «وأنت، ألا يهمك هذا الأمر؟ بإمكاننا أن نتعايش معه.»
    «بالطبع، يهمني الأمر، ولكني لا أريد أحداً غيرك. لا أريد أحداً غيرك. كما إنني أعلم أن المسألة في منتهى البساطة.»
    «نعم، أنت تعلم أن المسألة في منتهى البساطة.»
    «لا بأس أن تقولي ذلك، لكن هذه هي الحقيقة التي أعلمها.»

    «هلا أسديت لي معروفاً الآن؟.»
    «أنا رهن إشارتك لأي شيء.»
    «أرجوك، أرجوك، أرجوك، أرجوك، أرجوك، أرجوك، أرجوك، هلا توقفت عن الحديث؟.»
    لم ينبس ببنت شفة، بل نظر إلى الحقائب بلصق جدار المحطة. وكانت تحمل قسائم من كل الفنادق التي أقاموا فيها.
    «لكني لا أريدك أن تفعلي. لست أهتم للأمر كثيراً.»
    «سأصرخ،» قالت الفتاة.
    جاءت النادلة من بين الستائر تحمل كأسين من الشراب ووضعتهما على واقيتَيْ اللباد المبللتين، وقالت:

    «سيصل القطار خلال خمس دقائق.»

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (1) لعبارة «فيل أبيض» معنى مجازي في الإنجليزية، وهو أن يكون لدى المرء ملك يحتاج إلى رعاية ونفقة كبيرة ولا يعطي سوى مردود ضعيف. لذلك يرى بعض النقاد أن شخصيتي القصة تتجادلان حول عملية إجهاض بسبب حمل غير مرغوب فيه (المترجم).

    (2) الريال الإسباني هو ربع پيزيتا (المترجم).

    (3) الأڤسنتين: عشبة تستخدم في صناعة الأدوية الهاضمة والمدرة، كما تدخل أيضا في صناعة مشروب ثقيل باسمها (المترجم).

    قصة: إرنست هيمنجواي

    ترجمة: موسى الحالول

  • قصائد  الشاعر الهندوراسي فابريكو ايسترادا

    قصائد الشاعر الهندوراسي فابريكو ايسترادا

    تسونامي

    هناك قبور تسقط في البحر

    اليوم تحديداً أتذكّر جميع أمواتي، أتخيّلهم معاً.

    في باص ذاهب في رحلة إلى البحر، معي طعامٌ مُعَدّ وقلقُ الأمواج.

    المحيط الهادئ سيبتلع جزر المارشال،

    في يوم ما يتوجّب على سكّان هذه الجزر أن

    يرحلوا في قواربهم بنفس الطريقة التي غادرتُ بها طفولتي آخذاً معي أشيائي.

    باص يأخذني ويعيدني دائماً إلى نفس حطام- السفينة،

    إلى نفس الحافّة حيث أركض إلى الداخل مع أموات تعيدهم الأمواج إليّ.

    ■■■

    حلم الابن

    كان يا ما كان في قديم الزمان:

    عاش ملايين المرّات مع الشمس

    انحنى ببطء مثل سنبلة قصفها الناس المتنزّهون أثناء مرورهم.

    الكلمة مسجونة داخل البذرة الأكثر عقماً ومزروعة في خطوط الأحلام المحروثة.

    كان يا ما كان في قديم الزمان:

    كانت البراءة تفور من الجميع ومن اللحظات الساخنة

    مثل بركة أسماك

    لا تستطيع التمييز بين وجوهها

    حيث يتشظّى الضوء وتومض العيون.

    كان يا ما كان في قديم الزمان:

    طفلٌ التقى مع ابنه

    يلعبان، يتناوبان أحدهما يركض والآخر يحاول إمساكه.

    ■■■

    تيِّموس*

    “أعطني المزيد من الوقت والحياة” روبرتو مونزون.

    أعطني المزيد من الوقت والكلمات،

    الريح تُطفئني حين تشعلني

    وجذر غريب عميق مشتعل

    يغوص في الأعماق دون أن يريني ناره.

    أعطني المزيد من الوقت والكلمات،

    الصمت والصدأ

    لا يستطيعان مقاومة مضائك:

    سينبت اللبلاب من جديد

    انتَظِرْ

    البداية والسِحْر

    انتظر.

    وحيد جداً

    لا تجبرني على أن آخذ القلم وأن أغْرزَه ببطء في حنجرتي.

    (تيِّموس: أحد مكوّنات النفس عند أفلاطون، ومنه تنبع الفضيلة والطموح لتأكيد الذات، وجعل مكوّنات مدينته الفاضلة، الرغبة والعقل والتّيموس. المترجم)

    ■■■

    بحر مراهق

    (إلى بيتو، من الطفولة)

    البحر هو الشيء الوحيد الذي لم يكن لدينا

    لكن من المعروف أنه يمكن أن نجعل

    الغائب والمفقود حقيقياً يملؤنا ويهدينا البسمة.

    عندما كنا نفتقد أمواجه كنا نصعد جبل موموتمبو بحثاً عن الخليج

    النظرات نوارس هائلة تستمر في الرحلة حتى تنطفئ الشمس، ثم تسقط محترقة في الماء.

    ثم يتوجّب أن نعود في المساء إلى القرية وأرجلنا تطقطق من الخوف.

    جبل أوديسيوس*

    يهتز من فكرة أنه من مكان ما بين هذه الغابات خرجنا نركض من أسفل البحر.

    (أوديسيوس: ملك إيثاكا، صاحب فكرة حصان طروادة، رفض العودة مع الجيش الذي دمر طروادة وشق طريقه في البحر وتاه فيه عشر سنوات قبل أن يعود إلى وطنه وزوجته. المترجم)

    ■■■

    ألبوم

    آنتيباتريو قتل ابنَه آرس

    آرس كان ابن آنتيباتريو

    أنتيباتريو ابن فيليمون

    فيليمون ابن آركاديو

    آركاديو جد آنتيباتريو.

    نزف آرس ومات

    آرس ابن آنتيباتريو

    آركاديو الجدّ الأكبر لآرس مرّة قتل أَيْلاً وشرب دمه.

    كان لفيليمون ولد وحيد هو آنتيباتريو

    آنتيباتريو حين كان يراه عائداً فيختبئ

    كان يعود فيليمون والد آنتيباتريو

    فيليمون الابن السابع لأركاديو.

    آركاديو مرّة قتل أَيْلاً

    الغزال كان ابن آركاديو الذي يخرج معه للصيد.

    الجميع يقولون إن بولفيمو كان يشبه الغزال، لأن بوليفيمو كان يركض ولا يستطيع أحد إمساكه.

    بوليفيمو كان ابن آركاديا

    بوليفيميو كان أخ جدّ آنتيباتريو.

    بوليفيمو تدخّل لحلّ المشكلة بين أبيه

    آركاديا وأمّه تيرنسيا

    أركاديا كان يريد أن يضرب زوجته تيرنسيا

    وتيرنسيا كانت تبكي

    قال لها بوليفيمو ألّا تمكّن آركاديو منها؛ ولذلك لم يغفر له.

    آرس حلم بأنه كان يصطاد مع كهل يشبه والده

    آرس حفيد حفيد حفيد آركاديو

    آركاديو والد فيليمون

    فيليمون والد آنتيباتريو

    آنتيباتريو والد غزال دمه حار ويرغي.

    ■■■

    Leteo (نهر النسيان)*

    دائماً هناك مطر على بعض النوافذ

    عواصف الحنين والشوق سوف تمر وتختفي كما يختفي الميت داخل الكفن.

    سوف يمر السيرك ومعه الإمبراطور بثيابه المرقّعة الملوّنة والراقصة التي أحببناها بين التوازن على الحبال ورمي السهام تصعدُ درجها وتهرب من ثقب في خيمة الزمن.

    هناك شخص ما سيكون

    الميت الذي يحمل أمواتاً

    الذي يشرب نخب الحنين أمام بطاقات البريد.

    الذي سيكون النوتة الذهبية للشتاء في الصناديق المعدنية لفرقة السيرك والأبواق.

    (إشارة إلى نهر كيتس في الأسطورة الإغريقية، حيث ترحل أرواح الأموات في قوارب مع “آخْرُون” قابض الأرواح، ليعبر بها إلى عالم الأموات، ويجب على الأرواح أن تشرب من هذا النهر لتنسى حياتها الدنيوية. المترجم)

    ■■■

    طبقات

    في داخلي

    تُدفَنُ الكائنات المنقرضة

    الشائعات والوشوشات الخطيرة حول الذي سينتهي قريباً

    المشاهد الطبيعية المُسْتَهلكة في عيوني

    الصوت الهشّ المسافر

    إيماءات الأسماك

    في طبقات الحبر المتحجّر.

    بين الجمال والدهشة كم هي قصيرة

    مواسم الرومانسية

    مجرّد أُحْفورة.

    مجرّد فقاعات نجمة تنفجر في الليل وينهار الغموض والسحر الذي حُفِرَ بخشونة

    مثل منجم في الروح.

    ■■■

    فاصل

    رأيتُ كلّ إشارة

    في كل وردة معدودة في اللحم

    في الصباحات

    في غريزة البقاء على قيد الحياة

    في خطوات القطيع على الجسور الصدئة المهتزّة

    في العميان والرائين العرّافين

    في الإثارة والذعر في أيدي الحزانى

    القابضة على عملاتهم المعدنية.

    كل شيء

    كل شيء كان نتيجة القصيدة

    وليس نتيجة الحياة

    الحياة كانت وقفة في القصيدة الصاخبة

    الحياة حركة بطيئة تقود مباشرة بلا انحراف نحو قصيدة أخرى، ترتفع ثم تغوص

    أثناء هذا الظهور المتكرّر تترك

    ريحها ليسكن الشمس والحدس الأكيد

    وأنفاسها لتقوية الحدس بمحاولة الظهور مرّة أخرى في فعالية ثانية.

    ■■■

    رأيت الخبّازين

    بانتظار وصول كتائب العدم واللاشيء

    نُنظّف الأسلحة

    نشدِّد الحراسة

    وخلال الاستراحة

    نقتل بعضنا بأسلحتنا.

    في كل ساحة فارغة

    كنتُ دائماً السائح الأخير الواقف على قدميه المشدوه قبالة تمثالك.

    رأيت الخبّازين يدسّون قطع الزجاج في الطحين ويعجنونها ويرقّونها.

    عندما يكون البحر فضِّيّاً مثل برّاد اللحّام، تعبر أرغفة النبي أيوب الكبيرة أرخبيل الساحل

    وجميعنا نتلو مزاميره.

    عندما يلتحم البحر بلوحة السماء الثابتة

    تبدأ الشرارات الحلوة تثقب السماء

    بقايا خبز أيوب اليابس مصنوع من طحين النجوم التي نقرتها اللقالق.

    في هذه الساعة

    أحد ما يُقسِّم الخبز

    طفلي جائع

    يمدُّ يديه بنفس طريقة دفعه قواربه الورقية بعد المطر.

    فابريكو ايسترادا

    شاعر وفوتوغرافي هندوراسي من مواليد عام 1974. من مجموعاته الشعرية: “سداسيات المطر” (1998)،

    “قصائد ضد الخوف” (2001)،

    “ومضات” (2004)،

    “قصائد أمواج قصيرة” (2009)،

    “أسماك البيرانا البيضاء” (2011)،

    “جنوب الظهيرة” (2013/ الصورة)،

    “عودة إلى المنزل” (2015)،

    “الثورة 33 لرودريغز”

    (2018). وعدة كتب مختارات من أعماله، آخرها: “وليم بليك يموت في باريس بسبب الباباراتزي” (2018).

    ** ترجمة عن الإسبانية: فخري رطروط

  • هلدرلين – أغنية هيبريون عن القدر ترجمة السعيد عبدالغني

    هلدرلين – أغنية هيبريون عن القدر ترجمة السعيد عبدالغني

    الأرواح المقدسة ، تمشى عاليا
    فى الضوء ، على الأرض الناعمة .
    النسائم الروحانية المشعة
    التى تلمسك بلطف
    كأصابع إمرأة ،
    تلعب الموسيقى على آلات مقدسة .
    كالأطفال النائمة ، هم الآلهه
    يتنفسوا بدون اي خطة
    الروح تزدهر باستمرار بهم ،
    محفوظة باعتناء شديد
    كما فى برعم صغير ،
    وعيونهم المقدسة
    تنظر طويلا
    فى الوضوح الأبدي .
    لم نُعطى مكانا لنسترح فيه .
    المعذبون ينحدروا
    ويسقطوا تماما
    من ساعة إلى ساعة ،
    كما يلقى الماء من جرف لجرف ،
    من سنة لسنة
    نزولا إلى المجهول .

  • فلسفة العود الأبدي في فيلم “سولاريس” للمخرج الروسي آندريه تاركوفسكي – أوس حسن

    فلسفة العود الأبدي في فيلم “سولاريس” للمخرج الروسي آندريه تاركوفسكي – أوس حسن

    يعتبر المخرج الروسي آندريه تاركوفسكي شاعر السينما والصورة بامتياز،وتتسم أفلامه برمزية عالية وكثافة في المعنى ،إضافة لاعتماده على اللقطة الطويلة في أفلامه والمشاهد الصامتة الباعثة على التأمل والتفكير ، تتميز أفلام تاركوفسكي أيضا بعدم اعتمادها على الحبكة الدرامية التقليدية وتفردها بعنصري الإيقاع والزمن إضافة لوجود فكرة عليا نابعة من تمازج مذاهب فلسفية تؤكد على إشكالية الهم الإنساني العميق وصراعه في هذا الوجود المتناقض والمرعب.

    سولاريس ..1972 فيلم مقتبس من رواية للكاتب البولندي ستناسيلاف ليم

    تدور أحداث الفيلم حول عالم النفس كريس كلفن الذي يكلف بمهمة إرساله إلى محطة فضائية تدور حول كوكب تم اكتشافه حديثا يدعى سولاريس،يظهر الكوكب وكأن له سطحا سائلا ويتخذ أشكالا وهيئات بشرية مختلفة،يرسل كيلفن للتحقيق في أسباب وفاة الطبيب “جيربيان”، الذي مات منتحرا ومخلفا ً رسالة يشرح فيها هذه الأحداث والظواهر الغريبة على سطح هذا الكوكب.يتفاجأ كيلفن بالتصرفات والسلوكيات الغريبة لأفراد طاقم الفضاء وهذياناتهم وما يرافقها من أحداث غامضة وعبثية،ويصاب بحالة من الاضطراب النفسي تجعله فريسة للهذيان والهستيريا،فيشك بوجوده ككيان مادي وحسي،عندما يرى زوجته هاري المتوفاة قبل سبع سنوات ويعيش معها اليوميات والتفاصيل الدقيقة مع أفراد طاقم الفضاء، لنتبين فيما بعد أن سولاريس هي رحلة إلى أقصى المناطق عمقا في الذاكرة البشرية،أو مكان لامتناهي في كون يعيد تكوين نفسه،فهو قادر على استخضار أي كائن حي عن طريق الهواجس والذكريات والرغبات المكبوتة وفيه تجسيد رمزي لفكرة المثالية التي ترى أن العالم موجود في أفكارنا وتصوراتنا فقط ،وهناك حضور وتأكيد على الحرية المرتبطة بالإدراك العميق لجوهر الذات،وعلى صراع التناقضات كالخير والشر ..السعادة والبؤس ..العلم والأخلاق ..الحقيقة والوهم..القلق الوجودي النابع من العدم المطلق ..والبحث عن مسار حتمي لخلود النفس البشرية .
    استخدم آندريه تاركوفسكي في السيناريو لغة نابعة من اللاوعي يمكن أن يتكلم بها النائم في حلمه،إضافة إلى براعة استخدامه للكاميرا وزواياها في التركيز على الأشياء الدقيقة من خلال المشاهد الطويلة والخطاب البصري المؤثر وهي بحد ذاتها رموز عميقة يراها أي شخص في أحلامه . بعد كل هذا المشاهد والأحداث النفسية الأليمة التي يمر بها كيلفن أثناء فترة إقامته في المحطة الفضائية “سولاريس”،يعود مرة أخرى إلى الأرض هناك حيث الكوخ والشجيرات الملتفة حوله وأناشيد الطيور وسكون البحيرة المطلق؛يرى أن والده في البيت وما زال في انتظاره ( الطبيعة وعناصرها تعاود الظهور مجددا كما في المشهد الأول من الفيلم).

    كلما زاد تركيزنا في أحداث فيلم سولاريس ولغته الغريبة؛سنشعر أننا مسافرين عبر الزمن وسنلتقي بأنفسنا في أمكنة وأزمنة مختلفة،ستتراءى لنا أيضاً فكرة العود الأبدي بدلالاتها ورموزها الساحرة،والتي تطرق إليها الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في كتابه”هكذا تكلم زاردشت”،ولهذه الفكرة جذور قديمة في الأساطير الهندية المقدسة حول الأبدية والخلود وإمكانية التقاء الماضي بالمستقبل في نقطة مركزية هي الآن.

  • قصائد مختارة للشاعرة السويدية كارين بوي_ترجمة: يوسف سامي يوسف

    1 – تقاطع الدروب
    الشموع التي رأيتها تحترق ، أجل ، الشموع
    المقدسة على ذرى الجبال الأبدية،
    حيث سار أناس في ضوء صوفي مرتجف،
    يتوهجون بالقداسة وبالشمس وبالقطرات الهاطلة،
    يتوهجون بالنوم في عوالم لا وجود فيها للزمان.
    واويلتاه، قدمي ثقيلة جداً في تلك الممرات العالية المسببة للدوار،
    لي الويل، أنا المصنوعة من الطين والتي فكرها فولاذ وحجر!
    لن يكون لي مكان أبداً بين أولئك الصامتين المقدسين الحالمين،
    ولن تتوج رأسي هالة الرؤيا بتاتاً.
    أنت من سوف أبحث عنه، يا إلهي،
    في البسيط والرمادي والمحتقر،
    أنت من سوف أبحث عنه في العالم،
    في الأزمة وفي الكفاح اليومي.
    السكون الذهبي الذي تتمتع به السماء
    وهو يتطلع إليه فؤادي
    هل هو أفضل من جهدك
    ومن قتالك المشتعل المقدس؟
    رباه، إن غبطتك لك.
    أنت أعطيت وأنت أخذت
    وأنت تخبئ نفسك.
    إعط ما تشاء ـ لا السلام،
    ولكن قتالك وروحك التي سوف تنجزها.
    رباه، ها أنا ذا أتبعك
    على حقل معركة العالم
    مثل سيف أو قوس.
    أعطني عرشاً، إن رغبت،
    أو صليباً، إذا شئت.

    2 – الأحسن

    لا نستطيع أن نتخلى عن أفضل ما نملك.
    ولا نقدر على أن نكبته أيضاً.
    كما لا يتيسر لنا أن نقوله.
    ما من أحد يملك أن يجعله قدراً
    ذلك الشيء الأحسن الراخم في ذهنك.
    إنه يشع هنالك عميقاً في داخلك،
    يشع من أجلك ومن أجل الله.
    إنه مجد ثروتنا التي لا يملك أحد آخر أن يحوزها.
    إنه عذاب فقرنا الذي
    لا يستطيع أحد آخر أن يحصل عليه.

    3 – رغبة رسام

    أود أن أرسم كسرة صغيرة
    من المياومة الشديدة الرثاثة،
    التالفة والرمادية،
    ولكنها تتوهج بتلك النار التي جعلت
    العالم كله يقفز من يد الخلاق العظيم.
    أو أن أبين كيف أن ما نزدري
    قدسي وعميق وكساء للروح.
    أود أن أرسم ملعقة خشبية
    بطريقة من شأنها أن تجعل الناس يرون فيها إلماعاً يومئ إلى الله.

    4- توقع الربيع
    ألم أمش ههنا ثملاً بأريج الورود
    ـ ومع ذلك فما من ورود ظهرت ـ‍
    ألم يرتجف كل شيء وهو ملفع
    بلعاب الشمس السماوي؟
    والضوء المنـعكس يهمس وعوداً سرية.
    من البعيد وصلتني ريح في الفترة الأخيرة.
    الضوء مثل أنفاس مستعادة،
    مفعم بأريج توقع يرتجف بحياء.
    ومنذ ذلك الحين أحسست بأعجوبة.
    لست أعرف شيئاً ـ أسير كما لو أنني
    في أرض نائية،
    أسير كما لو أنني في حلم، حلم بالورود.
    كل شيء مثلما كان من قبل ـ
    ومع ذلك، فإنه ما من شيء إلا وقد تغير.
    ثمة سر غريب ينتشر على جميع الأشياء.

    5 – بواسطة وسائل الإعلام
    ذات مرة طلبت فرحاً بلا حدود،
    وذات مرة طلبت أسى لا متناهياً كالفضاء،
    وإني لأتساءل عما إذا كان الاحتشام ينمو مع الزمن.
    جميل، جميل هو الفرح وجميل هو الحزن أيضاً.
    ولكن الأجمل هو أن تقف على أرض معركة الألم،
    بذهن ساكن، وأن ترى الشمس وهي تشع.
    6 – شيء واحد
    أحن إلى شيء واحد: الجدّية العميقة
    – وهي التي برهنت على أنها نحس للكثيرين ـ
    ولكنني أحن إلى شئ واحد آخر،
    شئ ما منح إلا للأقوياء وحدهم،
    إنه صمت القلب.

    7 – تعلم الصمت
    كل ليلة على الأرض طافحة بالألم.
    أيها الفؤاد تعلم كيف تصمت.
    النفوس القوية ، كالدروع القوية،
    تعكس الضوء من موطن النجوم.
    من شأن عويلك أن يجعلك أضعف.
    أيها الفؤاد تعلم كيف تصمت.
    فالصمت وحده يشفي، الصمت يقوّي،
    وهو طاهر على نحو غير ممسوس، ومخلص ببراءة.
    8 – ما من مكان
    إنني مريضة بالسم. إنني مريضة بعطش
    لم تخلق له الطبيعة أي شراب.
    من كل حقل تتواثب الجداول والينابيع.
    فأنحني إلى الأسفل وأشرب من شرايين الأرض سرها المقدس.
    والسماوات دافقة بالأنهار المقدسة.
    أتمطى وأشعر بأن شفتي رطبتان بنشوات بيضاء.
    ولكن ما من مكان، ما من مكان . . .
    إنني مريضة بالسم، إنني مريضة بعطش
    لم تخلق له الطبيعة أي شراب.

    9 – أنشودة

    يسقط صوتك وخطواتك بطراوة الندى على يومي المشغول.
    وحيثما جلست ثمة ربيع في الهواء المحيط بي من دفئك الحي.
    إنك تزهر في بالي وتزهر في دمي،
    وإني لأعجب فقط لأن يدي السعيدتين
    لا يستحيلان إلى زهور كبيرة.
    والآن، فإن فراغ المياومة يتغلق حولنا معاً،
    مثل ضباب طري لطيف.
    هل تخاف من الغرق في الكآبة الرمادية؟
    لا تخف: ففي أعمق أعماق الحياة اليومية، في قلب الحياة كلها،
    يشتعل عيد سري عميق
    بشعلات تهمهم على نحو هادئ.

    10- المتجول في الصحراء

    ألا إنك لتزن بموازين زائفة
    وتقيس بمعايير مزورة،
    ليس أمام القاضي الذي يحكم على المجرمين،
    بل أمام الله، سبحانه، فاطر الحياة.
    بلؤلؤة صغيرة نشتري ألف تمرة،
    أما أنا، أو تلك التي جاعت في الصحراء،
    فمتعبة من حزامي المصنوع من اللآلئ،
    وهو الذي لا يقدم أية تغذية.
    وأنا، أو تلك التي هزلت في الرمل،
    لن أسترد فخامة مقبض خنجري
    المزخرف بالجواهر التي لا تطفئ عطشاً.
    ثم إنني في مدينة المآذن هذه،
    بعيداً عن الصحراء،
    سوف لا أنحني أمام تلك الأبواب المتكبرة،
    تلك البوابات الذهبية،
    ولكن أمام الآبار المنخفضة النائية
    عن الدرب،
    إلى حيث يقود الرعاة المغبرون قطعانهم
    عندما يجلبون الحليب في المساء.

    11- تعدد الإنسان

    جميل هو الجسد القوي
    الذي يشطر موجة عاتية،
    وجميل، جميل هو نوم الطفل
    بعد التوتر الذي يصنعه اللعب.
    جميل هو يوم العمل
    ـ والخبز اليابس، مكسوراً ومباركاً ـ
    وجميلة هي الساعة التي تنسى في النبيذ
    كلاً من الماضي والمستقبل.
    لقد ولدنا من أمهات سماويات وأرضيات
    ومن قوى لا نهاية لها على المدى المنظور،
    ومن إرادات ليلية وإرادات نورانية،
    وبأسماء لم يعرفها أحد.
    ليت أن واحدة من الكثيرات
    لا تهيمن علينا،
    حتى وإن كانت من عرق السماء،
    وتشعشع فيها الفخامة.
    في سريرتنا. يعيش التعدد
    وهو يتلمس دربه صوب الوحدة
    وقد ولدنا كي نكون زجاجته
    المشتعلة الحاشدة المهيمنة.
    عظيم هو كفاح الإنسان
    وعظيمة هي تلك الأهداف
    التي يضعها نصب عينيه ـ
    ولكن الأعظم منها هو الإنسان نفسه
    بجذوره الضاربة في الليل الكوني.
    إذن، هات ذلك الذي قد يستفيق غداً،
    فنحن ندرّع غرفة سرية،
    ولا نفتقر إلى أية شعلة
    على مذبح إله مجهول.

    12- أنت

    عذب هو صوتك مثل وشوشة الينابيع،
    ووجودك طازج على نحو حرّيف مثل فواكه
    الخريف المعطرة.
    وبصفاء يستقر في عينيك
    المرح المقشعر لأواخر أيلول.
    ألا إنك لنافورة،
    شعاعها متألق بشكل مشمس جميل في
    توازنه، وفي قوسه ذي الشكل الكامل.
    إنها نافورة جميلة بقوتها
    وهي تحوز القوة التي تمكنها من أن
    تحب الحدود والأبعاد النبيلة.
    تحية للعبك الهادئ، ولصحتك الربيعية.
    وتحية لنبل روحك العذب الشبيه بالذهب،
    والمنساب في نقاء ملامحك،
    وفي التناغم الغنائي لأعضاء جسدك.

    13 – عزاء النجمة

    الليلة الماضية، سألت نجمة
    ترخم بعيداً حيث لا يعيش أحد:
    «من تنيرين، أيتها النجمة الغريبة؟
    إنك تتحركين وأنت كبيرة ناصعة».
    راحت شفقتي تصمت،
    عندما نظرت النجمة بحملقة كوكبية،
    «إني أضيء ليلاً أزلياً،
    إني أضيء فضاءً بلا حياة.
    وإن ضوئي زهرة تذبل
    في خريف الفضاءات المتأخر الخشن.
    ذلك هو عزائي كله.
    ذلك الضوء هو عزائي الكافي».

    14 – حالة التنقل
    اليوم المشبع ليس الأول بتاتاً
    وأحسن الأيام يوم العطش
    أجل، ثمة هدف ومعنى في طريقنا ـ
    ولكن الطريق التي تصنع للفاعل قيمة.
    أحسن الأهداف استراحة تستمر طوال الليل،
    استراحة تضيئها النار، ويكثر فيها الخبز المكسور.
    في الأماكن التي ينام فيها المرء مرة واحدة،
    النوم لا خوف عليه، والأحلام مترعة بالأغاني
    اخترق المخيم، اخترق المخيم! فالنهار الجديد
    يبدي نوره.
    ومغامرتنا العظيمة لانهاية لها على المدى المنظور.