المدونة

  • ألفريد دي موسيه – ليلة ماي

    ألفريد دي موسيه – ليلة ماي

    Bal Bullier
    William James Glackens

    ربّة الشعر

    خذ عودك أيّها الشاعر ، و أعطني قبلة

    فإنّ زهرة النسرين البريّة ، يضوع من براعمها المتفتّحة الأريج،

    سيولد الربيع هذا المساء ،و تتوهّج الرياح؛

    و في انتظار الفجر ، بدأ طائر الذعرة

    يحطّ على أولى الشجيرات الخضراء.

    خذ أيّها الشاعر عودك ، و أعطني قبلة

    الشاعر

    ما أحلك الظلام في هذا الوادي !

    كأنّي كنت أرى طيفا ملتحفا يطفو هناك فوق الغاب.

    كان يخرج من المرج،

    تلامس رجله الأعشاب المزهرة..

    كان حلما غريبا

    سرعان ما كان يمّحي ثمّ يختفي.

    ربّة الشعر

    خذ عودك أيّها الشاعر، ففي الليل على العشب،

    يتموّج النسيم العليل تحت لحافه العطر.

    الزهرة التي ما تزال على عذريّتها،تنغلق من الغيرة

    على الدبّور كالصدفة ، فتسكره حتّى الموت

    أصغ إليّ ! الكلّ صامت ؛ فكر في حبيبتك الغالية

    في العتمة  هذا المساء، تحت أشجار الزيزفون المتشابكة،

    تتسرب آخر أشعّة الغروب تاركة وداعا أكثر نعومة.

    سيزهر كلّ شيء هذا المساء: الطبيعة السرمديّة

    تمتلئ عطرا و حبّا و همسات، كفراش سعيد لزوجين عريسين

    الشاعر

    لماذا ينبض قلبي بهذه السرعة؟

    ما الذي يضطرب بداخلي

    فيثير فيّ الإحساس بالرعب؟

    لماذا لا يطرق أحد بابي؟

    لماذا يكاد مصباحي ينطفئ؟

    أترى ضوءه يبهرني؟

    يا إلهي القويّ !كلّ جسدي يرتعش

    من القادم ؟ من يناديني ؟ لا أحد .

    آه من الوحدة !.. آه من الفقر !

    ربّة الشعر

    خذ أيّها الشاعر عودك؛ إنّ نبيذ الشباب

    يختمر هذه الليلة في شرايين الله.

    قلق هو الآن ثديي ، تقمعه الشهوة،

    فالرياح العاتية وضعت شفتيّ في النار.

    يا أيّها الطفل الخامل! انظر كم أنا جميلة .

    ألا تذكر قُبلتنا الأولى، عندما لمحتك شاحبا تلامس جناحي،

    ثمّ لم تلبث أن وقعت في حضني دامع العينين؟

    آه .. لقد واسيتك و خفّفت من معاناتك المرّة!

    كم يؤسفني أن تموت من الحبّ و أنت ما تزال في عزّ الشباب ،

    واسني هذا المساء فأنا أموت من الأمل؛

    إنّي لأحتاج إلى الصلاة،كيّ أحيا إلى طلوع النهار.

    الشاعر

    أتكونين صاحبة الصوت الذي يناديني،

    يا ربّة الشعر المسكينة أنت ! أأنت هي؟

    يا زهرتي أنت ! يا خالدتي !

    وحدي أنا العفيف و الوفيّ

    حيث ما يزال الحبّ يقتات منّي !

    نعم .. ها أنت ذي يا شقرائي،

    ها أنت ذي يا سيّدتي و أختي !

    و ها أنا في عمق الليل ،

    من فستانك الذهبي الذي يغمرني

    أشعر بالأشعّة تتسرّب إلى قلبي

    ربّة الشعر

    خذ عودك أيّها الشاعر، هذي أنا حبيبتك التي لا تموت

    حبيبتك التي رأتك حزينا صامتا هذه الليلة،

    و كطائر تناديه حاضنته،

    نزلت إليك من أعالي السماء لأشاركك البكاء.

    تعال أيّها الصديق فأنت تعاني، ينخرك شيء من هموم الوحدة ،

    شيء ما قد أنّ في قلبك.

    شيء من الحبّ قد أتى، كذلك الذي نراه على الأرض.

    ظِلٌّ من المتعة .. مَسْحَةٌ من السعادةِ

    هيّا .. دعنا نغنّ في حضرة الله، دعنا نغنّ في أفكارك،

    في ملذّاتك المفقودة ، في أحزانك الماضية

    دعنا نمض في قُبْلَةٍ إلى عالم مجهولٍ

    دعنا نوقظ عشوائيّا أصداء حياتك،

    دعنا نتحدّث عن السعادة.. عن المجد .. عن الجنون

    و ليكن حلما ، و ليكن أوّل القادمين.

    دعنا نكتشف في ناحية ما، بعض الأماكن ننعم فيها بالنسيان،

    دعنا نمض، فنحن وحدنا،و الكون لنا .

    هي ذي “سكتلاندا” الخضراء، و إيطاليا السمراء،

    و اليونان ، أمي ، حيث العسل غاية في اللذّة

    “أرغوس”[1] و ” بتيليون”[2] مدينة المقابر الجماعيّة

    و كنيسة “ميسّا” الإلهيّة،التي تروق للحمام

    و منطقة ” بيليون” المتغيرة ذات الشعر على الجبين

    و مدينة ” تيتاريس” الزرقاء العتيقة، و الخليج الفضيّ،

    الذي يظهر في مياهه خط عبور البجع

    قالت ” الألو سون” الأبيض لـ”الكامير[3] ” البيضاء:

    أيّ حلم ذهبيّ ستهدهده أغانينا؟

    من أين ستأتي العبرات التي سنذرفها؟

    هذا الصباح، عندما سطع ضوء النهار قي أجفاني

    أيّ ملاك غارق في التفكير منكبّ على رأس سريرك ،

    كان يحرّك زهور الليلك في فستانك الخفيف،

    و بصوت خافت ،يروي لك قصص الحبّ التي بها كان يحلم ؟

    هلاّ غنّينا للأمل .. للحزن أو للفرح؟

    هلاّ غمسنا في الدم، حرابا من فولاذ؟

    هلاّ علّقنا العاشق على سلّم من حرير؟

    هلّا رمينا زبد الجواد في وجه الريح؟

    هلاّ ذكرنا أيّ يد من الأيادي توقد ليل نهار

    مصابيح المنزل السماويّ التي لا حصر لها

    بزيت الحياة المقدّس، و الحبّ السرمديّ؟

    هلاّ صرخنا في وجه ” تاركينوس”[4]:

    »لقد آن الأوان لتنظر إلى الظلّ  « !

    هلاّ نزلنا لنقطف الجواهر من أعماق البحار

    هلاّ أخذنا المعزاة إلى شجرة الأبنوس المرّة

    هلاّ أشرنا إلى سماء الكآبة؟

    هلاّ اتّبعنا الصيّاد فوق المرتفعات شديدة الانحدار؟

    تنظر الغزالة .. تبكي ، ثمّ تتوسّل

    تجد في انتظارها الخلنج ، نباتَها المفضّلَ ،

    و صغارَ الظباءِ الرضيعةِ؛

    يميل على أحدها فيذبحه ،

    ينتزع قلبه و هو بعد لم يفارق الحياة

    و يرمي به إلى الخوريّ  و إلى الكلاب العرقانة.

    هلاّ رسمنا العذراء بخدّها الأرجوانيّ

    و هي ذاهبة إلى القدّاس، يتبعها غلام ،

    و بنظرة ساهمة إلى والدتها القريبة منها

    بشفتيها نصف المفتوحتين نَسِيَتْ صلاتَها؟

    إنّها تصغي مرتعشة في صدى العمود،

    إلى صوت مهماز فارس مقدام يرنّ في أذنيها.

    هلاّ طلبنا من أبطال العصور القديمة في فرنسا

    أن يصعدوا مدجّجين بالسلاح إلى فجوات أبراجهم،

    و أن يُحْيُوا تلك الرومانسيّة الساذجة

    التي علّمها مجدهم المنسيّ لمنشدي التروبادور ؟

    هلاّ كسونا بالأبيض رثاء مائعا؟

    فهل سيقص علينا رجل “واترلو[5]” قصّة حياته،

    و ما نهبه من قطيع الآدميّين

    قبل أن يعاجله رسول الليل السرمديّ

    بضربة جناح و هو على تلّته الخضراء فهزمه.،

    ثمّ عقف يديه الاثنتين صليبا على قلبه الحديديّ؟

    هلاّ سمّرنا على عمود ،معلّقة فخر و هجاء ،

    اسم صاحبها ذي الوجه الشاحب، الذي بيع سبع مرّات،

    الذي جاء من أعماق نسيانه يدفعه الجوع ، مرتعدا حسدا وعجزا،

    على جبهة العبقريّة ، يلعن الأمل ،و يعضّ على إكليل الغار الذي دنّسته أنفاسه؟

    خذ عودك !.. خذ عودك إذا ! فأنا لم أعد قادرا على الصمت؛

    فجناحي يرفعني مع أنفاس الربيع.. سيأخذني النسيم ، سأغادر الأرض.

    دمعة منك ! و يسمعني الله ؛ فقد حان الوقت.

    الشاعر

    يا أختي العزيزة إذا لم تكوني في حاجة

    إلاّ إلى قبلة من شفة ودودة ،

    و دمعة من عينيّ، فسأمنحك ذلك بلا عناء،

    من حبّنا الذي سيظلّ يذكرك إذا صعدت إلى السماوات.

    أنا لا أغنّي، لا للأمل و لا للمجد و لا للسعادة،

    و لا حتّى المعاناة .. للأسف !

    يلازم الفم الصمت ،

    ليسمع كلام القلب .

    ربّة الشعر

    أتعتقد إذًا، أنّي مثل رياح الخريف،

    تتغذى على الدموع إلى حدّ القبر،

    و لا يمثّل الألم عندها سوى قطرة ماء؟

    يا أيّها الشاعر ! القبلة أنا من أمنحك إيّاها،

    و العشب الذي كنت أريد اقتلاعه من هذا المكان،

    ليس سوى كسلك ، فألمك على الله.

    مهما كان شبابك قادرا على تحمّل الهموم ،

    فدع هذا الجرح المقدس يتّسع

    هذا الجرح الذي فتحته الملائكة السوداء في أعماق قلبك:

    لا شيء يجعلنا عظاما، كالألم الكبير.

    لكن لكي تصاب به فلا تظنّن أيّها الشاعر،

    أنّ صوت الدنيا ينبغي أن يبقى أخرس.

    أكثر الأغاني يأسا أكثرها جمالا،

    فأنا أعرف من الخالدين ، من ليسوا سوى تنهّدات حقيقيّة .

    في ضباب المساء عندما يعود البجع إلى قصبه منهكا بعد رحلة طويلة،

    تجري أفراخه الجياع على الساحل، و هي تراه يهوي من بعيد على الماء.

    و هي تعتقد مسبقا أنّها حصلت على الفريسة و اقتسمتها في ما بينها،

    فتجري نحو والدها، مرسلة صيحات الغبطة

    ضاربةً بمناقيرها على غددها القبيحة.

    أمّا هو الذي بخطى وئيدة أدرك صخرة مرتفعة،

    مُخْفِيًا صدره بين جناحيّه المتهدلين،

    فينظر إلى السماء، صيّادا مأزوما.

    و الدم يتدفق غزيرا من صدره الجريح؛

    لقد فتّش في أعماق البحار دون جدوى؛

    كان المحيط خاليا و الشاطئ مهجورا؛

    كان مستعدّا أن يقدّم قلبه مقابل أيّ غذاء.

    متجهّما كان ..صامتا ملقى على الصخرة، يوزّع على أبنائه أحشاء الأب،

    بحبّ مهيب، يهدهد آلامه ،و هو يرى الدم ينزف من صدره، على مأدبة موته،

    ثمّ تهالك و ترنّح سكران منتشيا من الحنان و الرعب معا.

    لكن أحيانا .. في خضمّ التضحية الإلهيّة،و قد أتعبته فكرة أن يموت بعد عذاب طويل،

    كان يخشى أن يتركه أولاده حيّا، لذلك تحامل على نفسه و حرّك جناحه أمام الريح

    ثمّ ضرب على قلبه و أطلق صيحة متوحّشة ،

    أرسلها في جوف الليل صيحة وداع جنائزيّة ،

    حتّى أنّ طيور البحر هجرت الساحل،

    و المسافرين العالقين على الشاطئ،

    و قد أحسّوا بمرور الموت،أسلموا أمرهم إلى الله.

    أيّها الشاعر ،هكذا يفعل الشعراء الكبار.

    يتركون أولئك الذين ينعمون بالبهجة، لفترة قصيرة،

    لكنّ المآدب البشريّة التي يقدّمونها في أفراحهم،

    تشبه في أغلبها مثيلتها لدى البجع.

    فهم حين يتكلّمون هكذا عن الآمال المغشوشة،

    عن الحزن .. عن النسيان .. عن الحبّ و عن الشقاء،

    فليس ذلك من قبيل الاحتفال بتوسيع القلب.

    إنّ مبالغاتهم، هي بمثابة السيوف:

    ترسم في الهواء دائرة مبهرة،

    لكنّ ذلك يتطلّب بعض قطرات من الدم.

    الشاعر

    يا ربّة الشعر! يا شبحا نهما لا يشبع

    لا تطيلي عليّ في الطلب.

    لا يمكن للإنسان أن يكتب شيئا على الرمل ،حين تمرّ ريح الشمال.

    لقد رأيت الزمن حيث كان شبابي كطائر،

    مستعدّا للغناء على شفتيّ بدون انقطاع،

    لكنّني عانيت معاناة الشهيد القاسية،

    و أقلّ ما كان يمكنني قوله،

    أنّني لو حاولت ذلك بالقيثارة،

    لانكسرت بين يديّ كما ينكسر القصب.

     

    ترجمة: محمد الصالح الغريسي

  • نحن لا نذهب إلى الحرب – ناصر سالم المقرحي

    نحن لا نذهب إلى الحرب – ناصر سالم المقرحي

    نحن لا نذهب إلى الحرب
    هي من تأتي إلينا كل مرة

    لتأخذ حصتها من دمائنا وأعصابنا . . تأتي

    في هيئة أوغاد يعتلون الدبابات والعربات المُصفحة

    أوغاد صغار يجلسون وراء الميم

    بسراويل قصيرة وقمصان مقطوعة الأكمام

    وأصابعهم على الزناد

    ويديرون مدافع الهاوزر بكل حنكة

    صغار مُثقفون حربياً ولهم معرفة بكل أنواع الأسلحة.

    نحن لا نذهب إلى الحرب

    وإلا كنا نحن من يشعلها

    وبمجيئها في شكل أحقاد تسير على قدمين

    وثارات قديمة لم تنطفئ جذوتها بعد

    يعني أننا ضحاياها المرتقبون

    ووقودها المؤجل.

    بمجيئها في شكل أطماع ناجزة وجنون مكتمل الشروط

    بهيئة أُناس موتورين

    وكائنات وقعت تحت طائلة الغفلة والتهور

    بأنياب مشحوذة ومخالب مُستنفرة

    يكون الخوف قد أخذ منا كل مأخذ

    وجفّت أرواحنا فزعًا.

    ماذا لو كانت آخر الحروب ؟

    إلى أين سيذهب هؤلاء الأوغاد بأحقادهم الدفينة!

    وكيفَ سيُنفِسون عن جنونهم!

    وبأي طريقة سيُسكِتون إلحاح أطماعهم..

    هؤلاء الحمقى..

    لهذا لن تكون آخر الحروب ولا آخر الحرائق.. صدقوني.

    ومهما حدث، نحن لا نذهب إلى الحرب

    هيَ التي تأتي إلينا ككل مرة.

  • روبندرونات طاغور – كلانا نعيش في نفس القرية

    كلانا يعيش في نفس القرية وهذا هو جزء من فرحنا.

    يغني الطائر الأصفر  في شجرته  فيدفع  قلبي ليرقص مع الفرح.

    زوجان من الحملان الاليفة يأتي للرعي بالقرب من ظلال حديقتنا.

    إذا ضلوا طريقهم إلى حقل الشعير، فأنا آخذهم بين ذراعي.

    اسم قريتنا هو خانجونا، وأنجانا يسمونه نهرنا.

    اسمي معروف لجميع القرية واسمها هو رانجانا.

    يوجد مجال واحد فقط بيننا.

    النحل الذي تربى في بستاننا يذهب لطلب العسل في ملكهم.

    الزهور التي تنطلق من سلالم الهبوط الخاصة بها تطفو على سطح المياه حيث نسبح.

    سلال الزهور  المجففة تأتي من حقولهم إلى سوقنا.

    اسم قريتنا هو خانجونا، وأنجانا يسمونه نهرنا.

    اسمي معروف لجميع القرية واسمها هو رانجانا.

    الممر الذي يؤدي إلى منزلها هو العطر في الربيع الذي يرافق زهور المانجو.

    عندما يكون بذر الكتان قد حان للحصاد، القنب في أزهر في مجالنا.

    ترسل لنا النجوم التي تبتسم على كوخها نفس المظهر المتلألئ.

    الأمطار التي تغمر صهاريجهم تسر غابة كادام.

    اسم قريتنا هو خانجونا، وأنجانا يسمونه نهرنا.

    اسمي معروف لجميع القرية واسمها هو رانجانا.

  • باسكال صوما-من الله وإليه

    باسكال صوما-من الله وإليه

    أنا لا أحتاجُ كلّ هذا المطر
    أقطعُ الغابة
    *
    كان كلّما أتى الشتاء
    يصير شديد الخوف
    كان يمكنُ أن أضمّه بيدٍ واحدةٍ
    وألجمُ السماء باليدِ الأخرى
    *
    السرّ أنّنا
    نأكلُ أظافر اللعب
    التي فينا
    وأننا لسنا أطفالاً
    بما يكفي
    حتى نبكي ألم اللعبِ
    التي فينا
    *
    وحين جاء دور النملة الصغيرة قالت:
    يا رب
    عندي حزنٌ يكفي لأدهس العالم
    لكن لم أفعل
    *
    لا تخف
    هذه اليد الفارغة
    تحملُ الخبز في قلبها
    للشتاء
    *
    لا يعرفُ واحدنا
    من أي طريق يهجر
    كلانا نسير بلا أحذية
    *
    الخوف
    أن تخرج فاصلة من النص
    وتفضح كلّ شيء
    ***
    أن تبقى صاحياً وشاحباً
    في آن
    إنّه القلق في وجهه الأول
    *
    يا رب
    هناك عواصفُ منسيّة
    على أطراف العالم
    التي لم يعد لها أطفال
    والبطون التي تحوّلت قبوراً؟
    هناك جوعٌ مكبوتٌ
    في زجاجةِ ماء قديمة
    وخوفٌ يأكلُ أظافر الناس
    وأصابعهم
    ولون أعينهم
    وأعين أطفالهم
    يا ربّ هناك حزن يكفي
    لتفتيت قلبك الكبير
    وآخرٌ يكفي لتبكي كجائع
    تخيّل
    حزنانِ يحكمانِ هذا العالم.

  • براين بليستون – اللاجئون

    براين بليستون – اللاجئون

    اللاجئون
    إنهم ليسوا بحاجة إلى مساعدتنا
    لا تقل لي إذاً
    يمكن لهذه الوجوه الهزيلة أن تعود لي أو لك
    لو أن الحياة عاملتهم على نحو مختلف
    نحن بحاجة لأن نراهم على حقيقتهم
    متصيدي فرص ومتسولين
    متسكعين كسالى وعاطلين
    يحملون القنابل تحت أكمامهم
    سفاحين ولصوص
    إنهم ليسوا
    موضع ترحيب هنا
    علينا أن نجعلهم
    يعودوا من حيث أتوا
    لا يمكن أن
    نشاركهم طعامنا
    نشاركهم بيوتنا
    نشاركهم بلداننا
    دعونا بدلا من ذلك
    نبني جدارا يفصل بيننا وبينهم
    ليس مستحسنا القول بأن
    هؤلاء بشر مثلنا تماما
    إن الأرض ينبغي أن تعود للذين يولدون فيها فقط
    لا تكن غبيا إلى حد يجعلك تعتقد
    إن العالم يمكن رؤيته بطريقة مختلفة.

    (الآن اقرأ القصيدة من الأسفل إلى الأعلى)

    ترجمة: عادل صالح الزبيدي

  • لانغستون هيوز – أغنية حبّ إلى “لوسيندا”

    The Lonely Ones
    Edvard Munch

    الحبّ

    حبّة برقوق ناضجة

    تنمو على شجرة أرجوانيّة.

    تذوقها مرّة واحدة

    فإذا نوبة سحرها

    لا تسمح لك أبدا أن تكون.

     

    الحب

    نجم ساطع

    متوهّج  في سماء الجنوب البعيدة

    يبدو  لك ِصعبا للغاية

    فيبهر لهيبه المشتعل

    عينيك باستمرار.

     

    الحبّ

    جبل شامخ

    راسخ لا تزعزعه رياح السّماء العاصفة

    إذا أردت أن لا تفقد أنفاسك،

    فلا تذهب بعيدا في تسلّقه.

     

    ترجمة: محمد الصالح الغريسي

  • قصائد للشاعر سان دُني غارنو (*)_ ترجمة : يحي عبد القادر الأمير

    صنوبر بعكس الضوء

    أوراقه في النور مثل الماء
    جزر من الماء الصافي
    على سواد تنوب (1 ) مظلل بعكس الضوء
    ينساب
    في كل بلشون أبيض ( 2) وكل باقة
    جزيرة ماء صافية تمكث في طرف كل غصن
    على كل شوكة ثمة انعكاس وخيط ماء رشيق
    كل بلشون أبيض يجري كنبع صغير متدفق
    وينساب
    لا ندري إلى أين.
    إنه ينساب كما رأيتُ في هذا الربيع
    انسياب الصنوبر بأشجاره كاملة
    كذلك الفضة تعكس كل شيء وتموج
    كل شيء يرشح ماء وهو يمر
    كالرياح التي أصبحت مرئية
    وتبدو كأنها
    سائل
    يمر عبر بعض النوافذ السحرية.

    ** * **

    (الصفصاف)

    الرياح برأسها المائل
    تمشط شعره الطويل
    يهتز الصفصاف في طرف الأمواج
    فوق الماء
    خلال استغراقه في الأحلام
    وينشرح صدره فرحاً بلا حدود
    عندما تلعب الشمس بأوراقه الباردة
    أو عندما ينشر الليل فيه جداول ظلاله
    ** * **

    (الدردار )

    في الحقول ثمة
    مظلات ساكنة
    رشيقة ذات أناقة هادئة
    والدردار الساكن يصنع الظلال
    للأبقار وللخيول
    التي تحيط به ظهرا
    إنه لا يتكلم
    لم أسمعه يغني
    إنه بسيط
    يصنع من الظل الخفيف
    ببساطة للحيوانات.
    ** * **

    (*) سان دي غارنو: شاعر كندي ولد عام 1912 وتوفي عام 1943 ويعتبر أستاذ الشعر الكيبيكي المعاصر، من أعماله ديوان: :نظرات وألعاب في الفضاء”…

    (1) تنوب: نوع شجر من فصيلة الصنوبريات.
    (2) بلشون أبيض: من أنواع الطيور.

  • دعوة للتضاؤل – محمد جابر

    أنتقل الآن
    إلى مرحلة جديدة من التضاؤل
    حيث تتهاوى كل الخيارات
    و تتكدس في الذاكرة كنماذج للفشل
    دائمًا ما يكون هنالك فشلٌ أخير
    هذا ما ينبئني أنني سأسقط مجددا
    أو أنني قد ارتكبت أمورا
    لم تحدث بعد
    ما غاية الاستمرار اذن ؟؟
    و أنت ترتب فقط
    ما يلتقطه القدر من خيارات
    و تعلقها على هيئة انكسارات جديدة
    الضحك طريقة أخرى للتضاؤل
    يندثر فيه الكثير
    و لا يتبقى منك سوى السخرية ،
    أنت تتلاشى عند كل انفعال
    حينما تترك للبداهة
    حق الاختيار عنك
    و تعاود الظهور فقط
    حين ترتدي ندما
    يليق بما ترتكبه.

    (رفوف في الوعي)

    دائما ما يصبح كل شيء سخيفا
    بعد أن تعيش داخل الكتب مدة طويلة
    حيث تتعلم من “ايمانويل كانت”
    كيف تعامل الزمن
    و كأنه ابن اخيك الاصغر،
    او كيف تتم المعرفة داخل علبة سجائر،
    تتعلم من نيتشه
    كيف تكون بعيدا دائما
    بعيدا عن نفسك حتى
    ستجد أن الأسئلة تتسرب إليك
    من الجهة التي طلبت منها الاجوبة
    لذا ستخرج برأس ثقيل
    ….
    دائما ما ينتهي الامر
    إلى أن تعرف باننا في مسرحية دمى
    حين تقرأ رواية ما
    لفيكتور هيجو مثلا،
    و هو يلفظ آلامه الشخصية
    على هيئة جان فالجان
    إلا أننا نحن من نتألم!!
    انك ترى “كونستنتين جورجيو” و هو يعذب يوهان
    و يلقي اللوم على الشخصيات الاخرى في الرواية
    سوف تدرك عندها أن الراوي فقط
    هو من يملك اليد العليا في معاناتنا
    ….
    يبدو كل شيء سخيفا
    لذا ستعرف أن كافكا فقط
    هو من علم الحقيقة
    علم باننا كوابيس حية
    نستيقظ كل يوم على هيئة حشرات
    او فاشلين فقط،
    و هذا اشد بؤساً…..

    (ما يختبئ في الذاكرة)

    يمكن للشك أن يكون منفذا
    نتهرب به من اضمحلال المعنى
    نحو نهايات أكثر غموضا
    إنه يوصد الوعي بالكثير من الأسئلة
    فالحياة لا تتسع لكل هذا اليقين
    كيف يمكن أن نتأكد من أي شيء؟
    و نحن ننكر ما يمر في الذاكرة
    يمكن أن يتقمصنا الشك
    فنظهر بصورة مبهمة،
    صورة نفتقد فيها لأجزائنا
    التي كنا متأكدين من وجودها
    نبدأ رحلة نحو ادعاء مشوه
    حيث الكثير من الالتباس في هذا الأفق
    و المزيد من الطفح في الرحيل
    ليس هنالك وجه آخر لهذه العملة
    إنك تنظر لها من كل الجهات
    كي ترى وجهك فقط
    إننا نتوقف عن هذا الادعاء
    حين نبعثر الذاكرة
    بحثا عن خذلان مخبأ
    خلف أنقاض الوقت
    لكي نستبدل هذا الضياع
    بالوجع فقط.

  • نرجسُ الشعراء الكاذب_صابرين كاظم

    دعوا في حياتنا الشعراءَ أحياء
    ففي كلِّ يومٍ ينقصنا شاعرٌ إضافي.

    دعوا في حياتنا المؤبدةِ بالحزن
    هؤلاء الأطفالَ الراقصين على كِبر سنّهم
    دعوهم هؤلاء الذين بَلا حياء
    و بالكذبات التي هي أنصع من نرجس أبيض.

    دعوهم لنا يحملون القفازات المليئة بالأرانب
    و القبعات المدهشة بالألعاب البهلوانية.

    لا تصدقوا كلّ من رصفَ الكلمات و الألقاب
    من يدوّن عنه ضميره.. شاعر،
    كلّ أبيّ تحت الظهيرة و بلا غيم شاعر.. شاعر

    دعوا الشعراء المدخنين أحياء
    و حتى السكارى منهم و النزقين،
    فإلى جانب كلّ من يغلق الباب
    ( شاعرٌ) يتخيل جبالا من النور..
    و على كلّ ركام و حطامات متحجرة
    ( شاعرٌ) يرى الزهرة التي تنبت فوق الأرض.
    و حين تكون التضحية واجبة
    يلمع بها في ظلام الضمائر الشاعرُ/
    و سيألم كثيراً
    لمشهد فراشة على هوائه القليل
    صارخا! يا للدبيب .. يا للجمال

    أعذروهم، إذا تناسوا الحب
    و تساءلوا عن الضمير
    ففي الحرب خساراتُ الأخلاق الوئيدة
    تئن في صدر الشاعر!

  • العالم خلف الكواليس _أمل البابلي

    العالم خلف الكواليس _أمل البابلي

    من هنا ؟

    – أنا العمر الذي رحل
    الشيخوخة الآتية
    تتثاءب على لون شعرك المبيض
    كنت ترغب أن تكون شاهدا على قبر قتيل مجهول …
    الحجر الأسود ينام تحت الأرض
    وجندي يقف أمام مراياك
    وآخر يحوم فوقه الغراب
    وثالث تهتز الشمس على رأسه
    ورابع ينتصب حاملا راية العالم
    العالم الذي لم يأبه بمن رحل
    كأنهم قطيع زائد عن جينات البشرية
    حين يجيء موعد الثلج
    ترقص اقدامهم وهم قرفصاء
    إلا أنه في وقت ما .. كان هنالك مكان ما في كون لا يتذكر جنوده
    فقد كانوا لا يملكون الكثير من الأصدقاء
    وخطيئتهم الكبرى أنهم مازلوا على قيد الموت
    دون هوية
    ماتوا غير معروفين بوجوههم الشاحبة
    وشفاههم المتيبسة..

    من هناك ؟
    أنا الظل الذي لا يفارقك ليلاً
    دون أن تراه
    يحملك طبعة محدثة أخيراً في المختبر
    مثل مسرحية هاملت التي لم تمثل سابقاً
    ذكرى خالدة في عصر هجين
    فأكون كمحرك طائرة يحاول الطيران فيزأر بشدة .
    ،
    من انت ؟
    أنا الليل الذي لون الفضاء
    وعلق فيه النجوم
    كأنها حبات من كرز غير ناضج
    فكتب قصيدة أخرى
    تحملها الألسن ،
    بعدها الأيادي
    ثم أنت …
    ليكون حلما
    ونوايا خضر
    تغادر هذا العالم
    كما تغادر الموسيقى الأرض
    لتهاجر لسماء أخرى
    فترى بعينيك السواد
    والخراب
    المتمرغ بالأسفلت .
    .
    .

  • هيكل عظميّ – ورسَن شِري

    هيكل عظميّ – ورسَن شِري

    إنّي لأجد فتاةً بطول انتحابةٍ صغيرة

    تعيش في غرفتنا المعدّة للضيوف. تشبهني حينما كان عمري خمسة عشر ربيعًا

    مليئةً باللبّ ومرشوشةً بالفلفل.

    تقضي اليوم كلّه في الغرفة

    وهي تأخذ مقاسات فخذيها.

    جسدها محض آهةٍ طويلة.

    ستلاحظها في الممرّ.

    ثمّ لاحقًا في تلك الليلة بينما نضطجع جنبًا إلى جنب

    نسمعها تتقيّأ في حمّامنا،

    وتخبرني أنّك تريد إنقاذها.

    بالطبع ستفعل؛

    هذا أفضل ما تحسن هي صنعَه:

    تجعلك مريضًا بالحاجة

    إلى مساعدتها.

    لنا، أنا وهي،

    نفسُ الشفاه،

    النوع الذي يَشغل تفكير الرجال

    حين يكونون مع زوجاتهم.

    إنها تتضوّر جوعًا.

    تنظر أنت مباشرةً إليّ عندما تخبرنا

    كيف أنّ أباها يهوى ضرب الفتيات

    في وجوههنّ.

    أستطيع سماعك في غرفة الضيوف معها.

    ما الذي تجوع هي إليه؟

    ما الذي تستطيع أنت إشباعها به؟

    ما الذي يمكنك أن تفعله لها، ولن تفعله لي؟

    أعدّ أضلاعي قبل أن أذهب إلى النوم.

  • تحاول السباحة في معيّة الله – ورسان شاير

    تحاول السباحة في معيّة الله – ورسان شاير

    تحاول السباحة في معيّة الله

    أستغفر الله

    تقول أمي هذه المدينة تقتل كلّ نسائنا ببطء؛

    وهي تتمرّن على سباحة الظهر في مسبح الحي.

    أفكّر في خديجة، كيف خذلها جسدها

    في الطريق المنحدر من مجمّع سكني.

    يخبرنا المدرّب أنّ أطول مدّة

    استغرقها إنسانٌ في حبس أنفاسه تحت الماء

    امتدّت ١٩ دقيقة و٢١ ثانية.

    في بانيو الحمّام يتمدّد شعري على السطح مثل كرمة، أظلّ غاطسةً

    بقدر ما أحتمل، أفكّر في كلّ الأشياء

    التي سمحتُ لها أن تنسلّ من بين أصابعي.

    إنّا لله وإنا إليه راجعون

    تقول أمي لا أحد يستطيع أن يمنعه-

    أن يمنع الجسد العائد إلى ربه،

    لكن الطريقة التي وقعَتْ بها، الوجه أوّلًا،

    ممرّغًا في الوحل،

    فم محشو بالتراب،

    بالهواء، بالأسنان، بالدم،

    ترتدي جلاّبيةً بيضاء من القطن،

    شعر متروك على سجيّته ومعطر بالبخور،

    أتساءل إن كانت خديجة قد رأت

    أنّها ستعوم.

  • عندما رأينا أباكِ آخرَ مرّة – ورسان شاير

    عندما رأينا أباكِ آخرَ مرّة – ورسان شاير

    عندما رأينا أباكِ آخرَ مرّة

    كان يجلس في مواقف المستشفى

    في سيّارة مُعارة، يعدّ نوافذ

    المبنى، مخمّنًا أيَّ واحدة يا ترى

    كانت تضيء بخطيئته.

    حبلتُ بكِ

    في ليلة عرسنا السريّ

    عندما حفظني في فمه مثل وعد

    حتى تعب لسانه وغطّ في النوم،

    ظللتُ مستيقظةً كي أستبقيَ غضاضةَ الذكرى.

    في الصباح توسّلت إليه أن يعود إلى السرير.

    متأخّرًا عن العمل، قبّل كاحلي ورحل.

    تواريتُ أنا في سريره  لبضعة أيام

    حتى وجدتني أمّه.

    أريتُها خاتمي الذهبي،

    وقفت أمامها عارية،

    لوّحت بيديّ في وجهها.

    فغاصت في الأرض وناحت.

    في جنازته، لم يكن أحدٌ يعرف اسمي.

    جلستُ خلف عمّاته،

    كنّ يتذوّقن تمراتٍ منقوعةً بالزيت

    وكنتُ أنا آخرَ شيءٍ تذوّقَه.

  • أسئلة لميريام –  ورسان شاير

    أسئلة لميريام – ورسان شاير

    مدخل: زنزيل ميريام ماكيبا، (1932 – 2008) هي أسطورة الغناء الجنوب أفريقية المعروفة بلقب Mama Africa)

    هل كنتِ قطّ وحيدة؟

    هل قلتِ للناس أنْ ليس للأغاني

    دفءُ جسدٍ ولا طراوةُ فم؟

    هل كنتِ تدرين كيف تقولين لا

    للشباب الصارخين خارج غرفك الفندقيّة؟

    هل سمعتِ الأغاني التي كتبوها،

    ألسنة رطبة بالتسبيح بحمدك؟

    في أيّ حاناتٍ تفوح منها رائحة العرق بدأتِ الغناء؟

    هل رأيتِهم يمسكون زجاجات البيرة قربَ أعناقهم،

    ينتصب شعر أذرعتهم كلّما حوّمت أنغامُكِ

    فوق رؤوسهم؟

    هل أتاكِ نبأ الفتيات اللاتي غنّين في قبضات أيديهنّ

    محاكياتٍ لروعتك؟

    هل عرفن أنّكِ محضُ بشر؟

    في عرس والديّ كانت أغانيك تصدح.

    يسمّيانك (ماكيبا)، لا ميريام، ولا باسمك الأوّل،

    دائمًا ما كنتِ مغنّيةً، لا زوجةً، لا بنتًا، لا أمًّا،

    ولا عاشقةً، تئنّ.

    هل قلتِ للناس أنْ ليس للأغاني

    دفءُ جسدٍ ولا طراوةُ فم؟ ميريام،

    لقد سمعتُ الناس يصلّون بأغانيك،

    يضرعون إلى الله بأعلى طبقات أصواتهم. لقد كنتِ مدينةً

    منفيّةً من جلدها، وفمُكِ كنيسةٌ تحترق.

  • شاي في حضرة جداتنا – ورسَن شِري

    شاي في حضرة جداتنا – ورسَن شِري

    صبيحة ماتت (حبّوبتُ)ك*

    خطرت على البال جدّتي، المرأة

    التي سمّيتُ عليها، ’ورسان بركة‘،

    بشرة داكنة مثل لبّ تمر هندي،

    ماتت وهي تطحن حبّ الهال

    منتظرةً أن يعود أبناؤها

    ويزيلوا وحشة المكان؛

    أو أمّ أمي، نورة

    ذات الضحكة العسل، من كانت تكسر لحاء القرفة

    بين راحتيها، ساهرةً على جلطة

    زوجها، سرطان أختها، وظهرها المنهوك

    بسواحيليّةٍ مكسّرة وإيطاليّة مستعصية؛

    ودوريس، أمّ

    وردتك الإنجليزية

    سمّيت على بنت أوقيانوس وتثيس

    دمك الويلزي، من أرض

    غاليون، جدتك التي

    تحلم بالقشدة الرائبة صحبة شايها

    فيما قدماها تنتفخان من أثر السكري؛

    ثمّ حبّوبتك آل-سورا،

    ليحفظها الله، بثلاثة خطوط على

    كل خد، أرشيف نجاة،

    المرأة التي تبرّد لك الشاي

    تصبّه، كمن يضع عن كاهله حملَ أعباء، بين كوبٍ وآخر

    حتى يتصاعد البخار ويتلاشى كشبح.

    *حبّوبة: في السودان يسمّون الجدّة حبّوبة.

    **********************

    في الحب والحرب

    لابنتي سوف أقول،

    ’حين يأتي الرجال، أضرمي في نفسكِ النار‘.

    **********************

  • قبيحة – ورسَن شِري – ترجمة: سلمان الجربوع

    قبيحة – ورسَن شِري – ترجمة: سلمان الجربوع

    ابنتك قبيحة.

    تعرف المعنى الحميميّ للفقد،

    وتحمل مدنًا كاملة في بطنها.

    صغيرةً، كان الأقارب يتفادونها.

    كانت خشبةً متكسّرة وماء بحر.

    قالوا إنّها تذكّرهم بالحرب.

    في عيد ميلادها الخامس عشر عرفتْ منكِ

    كيف تضفر شعرها

    وتطيّبه بالبخور.

    كنتِ تُجبرينها على الغرغرة بماء الورد

    حتى إذا ما عطستْ قلتِ لها

    الحلوات لا يجدر أن تشيَ رائحتهنّ

    بالوحدة أو الفراغ.

    أنتِ أمّها.

    لمَ لمْ تحذّريها،

    لمْ تضمّيها مثل قاربٍ منخور

    وتخبريها أنّ الرجال لن يقعوا في غرامها

    لو غطّتها القارات،

    لو أسنانها مستعمرات صغيرة

    لو بطنها جزيرة

    لو فخذاها حدود؟

    أيّ رجل يريد أن يدخل

    في فراشه

    ليرى العالم يحترق؟

    وجه ابنتك أعمال شغب صغيرة،

    يداها حرب أهلية،

    مخيّم لاجئين خلف كلّ أذن

    وجسم ملطّخ بالأوساخ.

    لكن يا إلهي،

    أليست ترتدي العالم

    بشكلٍ أنيق؟

    —————

    نص: ورسن شري

    ترجمة: سلمان الجربوع

  • زوجتي الأجنبية تحتضر ولا تريد أن تُلمَس – ورسَن شِري

    زوجتي الأجنبية تحتضر ولا تريد أن تُلمَس – ورسَن شِري

    زوجتي سفينة عائدة من الحرب.

    يرسم الطبيب بالحبر خريطةً على جسمها،

    رافعًا صدرها بإصبعين، يشرح

    ما يحتاج إلى استئصال، أنّه ربما من الممكن أن نبقيَ على

    الحلمة. جسمها فيضان بيت.

    نحن خائفان. نريد أن نعرف

    ما الذي سيأخذه الماء منّا،

    وما الذي ستستولي عليه اليابسة.

    ألعق شفتيّ وتخفض هي رأسها.

    لاحقًا، في البيت، تهاتف أختها.

    وتتحدّثان عن المصائب، عن عين الحسود، عن الخالة التي

    ماتت غرقًا، عن كلّ المال الذي تحتاجان

    لإرساله. إنه الصباح إذ تأتي إلى السرير

    وتسمح لي أن ألمسها. وأنا مثل طفل ظامئ

    قبالةَ صدرها، لجلدها

    ملمسُ رَقٍّ، جافّ ويتشقّق.

    تجلس زوجتي على سرير المستشفى.

    هي ولباسها معًا يزنان: 41 كيلوجرام.

    إنها قارب عائد من الحرب،

    جسمها حريق قرية، سجن

    مفتوح الأبواب. لن تدعني لأحضنها

    الآن، إذ تحتاجني أكثر من أي وقت مضى.

    نحملق في شاشة التلفاز في زاوية الغرفة.

    أفكّر في كل الصور التي يجب أن تحمل في جسدها،

    كيف للذكرى أن تترسّخ في ورم.

    الشفقة مثلها مثل الحرب،

    تقول، كلاهما يقتلك

    ببطء مثل سرطان في الثدي

    أو بسرعة مثل منجل على العنق.

  • بهارٌ قديم – ورسَن شِري

    بهارٌ قديم – ورسَن شِري

    في ظهيرة كلّ أحد يرتدي زيّه العسكريّ القديم،

    ويسرد عليك أسماء قتلاه.

    مفاصل أصابعه قبور بلا شواهد.

    زوريه في يوم ثلاثاء وسيصف لك

    جسدَ كلّ امرأة لم يستطع إنقاذها.

    سيقول إنّها تشبه أمّك

    وستشعرين بعاصفة تدوّم في بطنك.

    جدّك من جيل مختلف

    شهادات من روسيا وباحة مدرسة تردّد النشيد الوطنيّ الكوبيّ،

    شيوعيّة وإيمان. الآن وحدها الموسيقا قادرة على جعله يبكي.

    تزوّج حبّه الأول، شعرها يتموج على طول ظهرها. يضمّها أحيانًا

    إليه، وتلتفّ ضفائرها على يده مثل حبل.

    يعيش الآن وحده. واهن القوى، ذكرى حيّة

    ترتمي على كرسي، ومن حولها تطوف الغرفة.

    تزورينه دون أن يكون لديك ما تقولينه على الإطلاق.

    كان رجلا عندما كان في عمرك.

    تنكفئين على ذاتك في كل مرة ينادي باسمك.

    أبو أمّك،

    الشهيد الوشيك،

    بإمكانه أن يعبّئ بندقيّة تحت الماء

    في أقلّ من أربع ثوانٍ.

    حتى ليلةُ عرسه كانت ساحةَ معركة.

    سكّين سويسرية، عروسه الشابة،

    تنهّداته بينا يمسك بالشراشف الإيطالية بين ساقيها.

    وجهه صورةٌ متروكة في الشمس،

    حنّاء لحيته، فضّة حاجبيه

    ذبولُ منديله، الطاقيّة والعصا.

    جدّك يحتضر.

    يتوسّل إليك أنْ خذيني إلى الوطن حالًا،

    أريد فقط أن أراه مرّةً أخيرة؛

    ولا تدرين كيف تخبرينه أنّ الوطن لم يعد يشبه في أيّ شيء

    الحالَ الذي تركه عليه.

  • أحاديث عن الوطن في مركز الترحيل – ورسان شاير –  ترجمة: سلمان الجربوع

    أحاديث عن الوطن في مركز الترحيل – ورسان شاير – ترجمة: سلمان الجربوع

    حسنًا، أظنّ الوطنَ قد بصقني، تعتيم المدن وحظر التجوال يشبهان أنّ لسانًا يعبث بسنّ على وشك السقوط. ربّاه، هل تعرف كم هو مضنٍ أن تتحدّث عن اليوم الذي جرّتك فيه مدينتك من الشعر، عابرةً على السجن القديم، مرورًا ببوّابات المدرسة، مرورًا بالجذوع البشريّة المحترقة منصوبةً على السواري كالأعلام؟ حين أقابل آخرين مثلي، أعرفهم من الاشتياق، من لوعة الفقد، من ذاكرة الرماد على وجوههم. لا أحد يترك الوطن ما لم يكن الوطن فمَ قرش. لقد بتُّ أحمل النشيد الوطنيّ في فمي زمنًا طويلًا حتى لم يعد ثمّة متّسع لأغنيةٍ أخرى، ولا للسانٍ آخر أو لغةٍ جديدة. أعرف عارًا يجلّل المرء ويبتلعه بالكامل. لقد مزّقت جواز سفري وأكلته في فندق مطارٍ ما. أنا مثقلة بلغة لا أطيق نسيانها.

    يسألونني كيف جئتِ إلى هنا؟ ألا ترونه على جسدي؟ الصحراء الليبية متوهّجةٌ من أجساد المهاجرين، خليج عدن منتفخ الأوداج، مدينة روما بلا سترة نجاة. آمل أنّ الرحلةَ قد عنتْ ما هو أكثرَ من الأميال لأنّ جميع أطفالي تتقاذفهم الأمواج. لقد ظننتُ البحر أكثر أمانًا من اليابسة. أودّ لو أمارس الحبّ لكن شعري تفوح منه رائحةُ حربٍ وفرارٍ تلوَ فرار. أودّ لو أضطجع لكن هذه البلدان مثل أخوال يخاتلونك في يفاعة المنام. انظر إلى كلّ هذه الحدود، تُزبد أفواهها بأجسادٍ محطّمة ويائسة. أنا لون الشمس الحارّة. رفات أمّي لم يُدفن قطّ. قضيت لياليَ وأيّامًا في بطن شاحنة؛ وخرجتُ منها غيرَ التي كنت. أشعر أحيانًا أنّ أحدًا آخر يرتدي جسدي.

    لكنّي على يقين من بضعة أشياء. لا أعرف إلى أين أنا راحلة، المكان الذي جئت منه يتلاشى، أنا غير مرغوبة وجمالي ليس جميلًا هنا. جسدي يتلظّى بعار عدم الانتماء، جسدي يحنّ، أنا خطيئة الذاكرة وغياب الذاكرة. أشاهد الأخبار فيصير فمي حوضَ دم. الخطوط، الأشكال، الناس في المكاتب، بطاقات الاتصال، موظّف الهجرة، النظرات في الشارع، البرد مستوطنًا عمقَ عظامي، دروس الإنجليزية في الليل، المسافة الفاصلة عن البيت. لكن الحمد لله كلّ هذا أفضل من رائحة امرأةٍ تحترق بالكامل، أو شاحنةٍ ملأى برجالٍ يشبهون أبي، يخلعون أسناني ويقتلعون أظافري، أو أربعة عشر رجلًا بين ساقيّ، أو من مسدس، أو من وعد، أو من كذبة، أو من اسمه، أو من فحولته في فمي.

    أسمعهم يقولون عودي إلى بلدك، أسمعهم يقولون تبّا للمهاجرين، وسحقًا للاجئين. هل هم حقّا على هذه الدرجة من الغطرسة؟ هل يدرون أنّ الاستقرار مثل عاشق معسول اللسان ينداح على جسمك للحظة، ثم يتركك أطلالًا ترتعش على الأرض في انتظار عودته. كلّ ما أستطيع قوله أنّني كنت يومًا مثلكم، نفس البلادة، والشفقة، والموقف البغيض والآن وطني فم قرش، الآن وطني فوّهة بندقية. سأراكم على الجانب الآخر.


    *ورسان شاير
    *ترجمة: سلمان الجربوع

  • تشارلز بوكوفسكي – نصيحة ودية لكثير من الشباب

    تشارلز بوكوفسكي – نصيحة ودية لكثير من الشباب

    Sketchers in the Woods
    Robert Henri

    اذهب إلى التبت(1).
    اركب جملاً.
    اقرأ الكتاب المقدس.
    وأصبغ حذائك بالأزرق
    وحاول أن تجعل لحيته تنمو.
    ضع دائرة حول العالم في زورق ورق.
    اشترك في “The Saturday Evening Post”.
    امضغ على الجانب الأيسر من فمك فقط.
    تزوج امرأة بساق واحدة واحلق حلاقة مستقيمة.
    وانحت اسمك على  ذراعها.
    اغمس فرشاة أسنانك بالبنزين.
    نم على طول النهار وتسلق الأشجار ليلاً.
    كن راهبًا واشرب بيرة وبيرة.
    امسك رأسك تحت الماء وألعب الكمان.
    قم بالرقص الشرقي قبل الشموع الوردية.
    اقتل كلبك
    اركض للعمدة.
    عش في برميل.
    كسّر رأسك مع الأحقاد.
     انثر زهور نبات الخزامي في المطر.
    لكن لا تكتب الشعر.

    (1) التبت :هي منطقة ودولة سابقة في آسيا الوسطى وموطن الشعب التبتي