أنا لا أحتاجُ كلّ هذا المطر
أقطعُ الغابة
*
كان كلّما أتى الشتاء
يصير شديد الخوف
كان يمكنُ أن أضمّه بيدٍ واحدةٍ
وألجمُ السماء باليدِ الأخرى
*
السرّ أنّنا
نأكلُ أظافر اللعب
التي فينا
وأننا لسنا أطفالاً
بما يكفي
حتى نبكي ألم اللعبِ
التي فينا
*
وحين جاء دور النملة الصغيرة قالت:
يا رب
عندي حزنٌ يكفي لأدهس العالم
لكن لم أفعل
*
لا تخف
هذه اليد الفارغة
تحملُ الخبز في قلبها
للشتاء
*
لا يعرفُ واحدنا
من أي طريق يهجر
كلانا نسير بلا أحذية
*
الخوف
أن تخرج فاصلة من النص
وتفضح كلّ شيء
***
أن تبقى صاحياً وشاحباً
في آن
إنّه القلق في وجهه الأول
*
يا رب
هناك عواصفُ منسيّة
على أطراف العالم
التي لم يعد لها أطفال
والبطون التي تحوّلت قبوراً؟
هناك جوعٌ مكبوتٌ
في زجاجةِ ماء قديمة
وخوفٌ يأكلُ أظافر الناس
وأصابعهم
ولون أعينهم
وأعين أطفالهم
يا ربّ هناك حزن يكفي
لتفتيت قلبك الكبير
وآخرٌ يكفي لتبكي كجائع
تخيّل
حزنانِ يحكمانِ هذا العالم.
اللاجئون إنهم ليسوا بحاجة إلى مساعدتنا لا تقل لي إذاً يمكن لهذه الوجوه الهزيلة أن تعود لي أو لك لو أن الحياة عاملتهم على نحو مختلف نحن بحاجة لأن نراهم على حقيقتهم متصيدي فرص ومتسولين متسكعين كسالى وعاطلين يحملون القنابل تحت أكمامهم سفاحين ولصوص إنهم ليسوا موضع ترحيب هنا علينا أن نجعلهم يعودوا من حيث أتوا لا يمكن أن نشاركهم طعامنا نشاركهم بيوتنا نشاركهم بلداننا دعونا بدلا من ذلك نبني جدارا يفصل بيننا وبينهم ليس مستحسنا القول بأن هؤلاء بشر مثلنا تماما إن الأرض ينبغي أن تعود للذين يولدون فيها فقط لا تكن غبيا إلى حد يجعلك تعتقد إن العالم يمكن رؤيته بطريقة مختلفة.
أوراقه في النور مثل الماء
جزر من الماء الصافي
على سواد تنوب (1 ) مظلل بعكس الضوء
ينساب
في كل بلشون أبيض ( 2) وكل باقة
جزيرة ماء صافية تمكث في طرف كل غصن
على كل شوكة ثمة انعكاس وخيط ماء رشيق
كل بلشون أبيض يجري كنبع صغير متدفق
وينساب
لا ندري إلى أين.
إنه ينساب كما رأيتُ في هذا الربيع
انسياب الصنوبر بأشجاره كاملة
كذلك الفضة تعكس كل شيء وتموج
كل شيء يرشح ماء وهو يمر
كالرياح التي أصبحت مرئية
وتبدو كأنها
سائل
يمر عبر بعض النوافذ السحرية.
** * **
(الصفصاف)
الرياح برأسها المائل
تمشط شعره الطويل
يهتز الصفصاف في طرف الأمواج
فوق الماء
خلال استغراقه في الأحلام
وينشرح صدره فرحاً بلا حدود
عندما تلعب الشمس بأوراقه الباردة
أو عندما ينشر الليل فيه جداول ظلاله
** * **
(الدردار )
في الحقول ثمة
مظلات ساكنة
رشيقة ذات أناقة هادئة
والدردار الساكن يصنع الظلال
للأبقار وللخيول
التي تحيط به ظهرا
إنه لا يتكلم
لم أسمعه يغني
إنه بسيط
يصنع من الظل الخفيف
ببساطة للحيوانات.
** * **
(*) سان دي غارنو: شاعر كندي ولد عام 1912 وتوفي عام 1943 ويعتبر أستاذ الشعر الكيبيكي المعاصر، من أعماله ديوان: :نظرات وألعاب في الفضاء”…
(1) تنوب: نوع شجر من فصيلة الصنوبريات.
(2) بلشون أبيض: من أنواع الطيور.
أنتقل الآن
إلى مرحلة جديدة من التضاؤل
حيث تتهاوى كل الخيارات
و تتكدس في الذاكرة كنماذج للفشل
دائمًا ما يكون هنالك فشلٌ أخير
هذا ما ينبئني أنني سأسقط مجددا
أو أنني قد ارتكبت أمورا
لم تحدث بعد
ما غاية الاستمرار اذن ؟؟
و أنت ترتب فقط
ما يلتقطه القدر من خيارات
و تعلقها على هيئة انكسارات جديدة
الضحك طريقة أخرى للتضاؤل
يندثر فيه الكثير
و لا يتبقى منك سوى السخرية ،
أنت تتلاشى عند كل انفعال
حينما تترك للبداهة
حق الاختيار عنك
و تعاود الظهور فقط
حين ترتدي ندما
يليق بما ترتكبه.
(رفوف في الوعي)
…
دائما ما يصبح كل شيء سخيفا
بعد أن تعيش داخل الكتب مدة طويلة
حيث تتعلم من “ايمانويل كانت”
كيف تعامل الزمن
و كأنه ابن اخيك الاصغر،
او كيف تتم المعرفة داخل علبة سجائر،
تتعلم من نيتشه
كيف تكون بعيدا دائما
بعيدا عن نفسك حتى
ستجد أن الأسئلة تتسرب إليك
من الجهة التي طلبت منها الاجوبة
لذا ستخرج برأس ثقيل
….
دائما ما ينتهي الامر
إلى أن تعرف باننا في مسرحية دمى
حين تقرأ رواية ما
لفيكتور هيجو مثلا،
و هو يلفظ آلامه الشخصية
على هيئة جان فالجان
إلا أننا نحن من نتألم!!
انك ترى “كونستنتين جورجيو” و هو يعذب يوهان
و يلقي اللوم على الشخصيات الاخرى في الرواية
سوف تدرك عندها أن الراوي فقط
هو من يملك اليد العليا في معاناتنا
….
يبدو كل شيء سخيفا
لذا ستعرف أن كافكا فقط
هو من علم الحقيقة
علم باننا كوابيس حية
نستيقظ كل يوم على هيئة حشرات
او فاشلين فقط،
و هذا اشد بؤساً…..
(ما يختبئ في الذاكرة)
…
يمكن للشك أن يكون منفذا
نتهرب به من اضمحلال المعنى
نحو نهايات أكثر غموضا
إنه يوصد الوعي بالكثير من الأسئلة
فالحياة لا تتسع لكل هذا اليقين
كيف يمكن أن نتأكد من أي شيء؟
و نحن ننكر ما يمر في الذاكرة
يمكن أن يتقمصنا الشك
فنظهر بصورة مبهمة،
صورة نفتقد فيها لأجزائنا
التي كنا متأكدين من وجودها
نبدأ رحلة نحو ادعاء مشوه
حيث الكثير من الالتباس في هذا الأفق
و المزيد من الطفح في الرحيل
ليس هنالك وجه آخر لهذه العملة
إنك تنظر لها من كل الجهات
كي ترى وجهك فقط
إننا نتوقف عن هذا الادعاء
حين نبعثر الذاكرة
بحثا عن خذلان مخبأ
خلف أنقاض الوقت
لكي نستبدل هذا الضياع
بالوجع فقط.
دعوا في حياتنا الشعراءَ أحياء
ففي كلِّ يومٍ ينقصنا شاعرٌ إضافي.
دعوا في حياتنا المؤبدةِ بالحزن
هؤلاء الأطفالَ الراقصين على كِبر سنّهم
دعوهم هؤلاء الذين بَلا حياء
و بالكذبات التي هي أنصع من نرجس أبيض.
دعوهم لنا يحملون القفازات المليئة بالأرانب
و القبعات المدهشة بالألعاب البهلوانية.
لا تصدقوا كلّ من رصفَ الكلمات و الألقاب
من يدوّن عنه ضميره.. شاعر،
كلّ أبيّ تحت الظهيرة و بلا غيم شاعر.. شاعر
دعوا الشعراء المدخنين أحياء
و حتى السكارى منهم و النزقين،
فإلى جانب كلّ من يغلق الباب
( شاعرٌ) يتخيل جبالا من النور..
و على كلّ ركام و حطامات متحجرة
( شاعرٌ) يرى الزهرة التي تنبت فوق الأرض.
و حين تكون التضحية واجبة
يلمع بها في ظلام الضمائر الشاعرُ/
و سيألم كثيراً
لمشهد فراشة على هوائه القليل
صارخا! يا للدبيب .. يا للجمال
أعذروهم، إذا تناسوا الحب
و تساءلوا عن الضمير
ففي الحرب خساراتُ الأخلاق الوئيدة
تئن في صدر الشاعر!
– أنا العمر الذي رحل
الشيخوخة الآتية
تتثاءب على لون شعرك المبيض
كنت ترغب أن تكون شاهدا على قبر قتيل مجهول …
الحجر الأسود ينام تحت الأرض
وجندي يقف أمام مراياك
وآخر يحوم فوقه الغراب
وثالث تهتز الشمس على رأسه
ورابع ينتصب حاملا راية العالم
العالم الذي لم يأبه بمن رحل
كأنهم قطيع زائد عن جينات البشرية
حين يجيء موعد الثلج
ترقص اقدامهم وهم قرفصاء
إلا أنه في وقت ما .. كان هنالك مكان ما في كون لا يتذكر جنوده
فقد كانوا لا يملكون الكثير من الأصدقاء
وخطيئتهم الكبرى أنهم مازلوا على قيد الموت
دون هوية
ماتوا غير معروفين بوجوههم الشاحبة
وشفاههم المتيبسة..
من هناك ؟
أنا الظل الذي لا يفارقك ليلاً
دون أن تراه
يحملك طبعة محدثة أخيراً في المختبر
مثل مسرحية هاملت التي لم تمثل سابقاً
ذكرى خالدة في عصر هجين
فأكون كمحرك طائرة يحاول الطيران فيزأر بشدة .
،
من انت ؟
أنا الليل الذي لون الفضاء
وعلق فيه النجوم
كأنها حبات من كرز غير ناضج
فكتب قصيدة أخرى
تحملها الألسن ،
بعدها الأيادي
ثم أنت …
ليكون حلما
ونوايا خضر
تغادر هذا العالم
كما تغادر الموسيقى الأرض
لتهاجر لسماء أخرى
فترى بعينيك السواد
والخراب
المتمرغ بالأسفلت .
.
.
حسنًا، أظنّ الوطنَ قد بصقني، تعتيم المدن وحظر التجوال يشبهان أنّ لسانًا يعبث بسنّ على وشك السقوط. ربّاه، هل تعرف كم هو مضنٍ أن تتحدّث عن اليوم الذي جرّتك فيه مدينتك من الشعر، عابرةً على السجن القديم، مرورًا ببوّابات المدرسة، مرورًا بالجذوع البشريّة المحترقة منصوبةً على السواري كالأعلام؟ حين أقابل آخرين مثلي، أعرفهم من الاشتياق، من لوعة الفقد، من ذاكرة الرماد على وجوههم. لا أحد يترك الوطن ما لم يكن الوطن فمَ قرش. لقد بتُّ أحمل النشيد الوطنيّ في فمي زمنًا طويلًا حتى لم يعد ثمّة متّسع لأغنيةٍ أخرى، ولا للسانٍ آخر أو لغةٍ جديدة. أعرف عارًا يجلّل المرء ويبتلعه بالكامل. لقد مزّقت جواز سفري وأكلته في فندق مطارٍ ما. أنا مثقلة بلغة لا أطيق نسيانها.
يسألونني كيف جئتِ إلى هنا؟ ألا ترونه على جسدي؟ الصحراء الليبية متوهّجةٌ من أجساد المهاجرين، خليج عدن منتفخ الأوداج، مدينة روما بلا سترة نجاة. آمل أنّ الرحلةَ قد عنتْ ما هو أكثرَ من الأميال لأنّ جميع أطفالي تتقاذفهم الأمواج. لقد ظننتُ البحر أكثر أمانًا من اليابسة. أودّ لو أمارس الحبّ لكن شعري تفوح منه رائحةُ حربٍ وفرارٍ تلوَ فرار. أودّ لو أضطجع لكن هذه البلدان مثل أخوال يخاتلونك في يفاعة المنام. انظر إلى كلّ هذه الحدود، تُزبد أفواهها بأجسادٍ محطّمة ويائسة. أنا لون الشمس الحارّة. رفات أمّي لم يُدفن قطّ. قضيت لياليَ وأيّامًا في بطن شاحنة؛ وخرجتُ منها غيرَ التي كنت. أشعر أحيانًا أنّ أحدًا آخر يرتدي جسدي.
لكنّي على يقين من بضعة أشياء. لا أعرف إلى أين أنا راحلة، المكان الذي جئت منه يتلاشى، أنا غير مرغوبة وجمالي ليس جميلًا هنا. جسدي يتلظّى بعار عدم الانتماء، جسدي يحنّ، أنا خطيئة الذاكرة وغياب الذاكرة. أشاهد الأخبار فيصير فمي حوضَ دم. الخطوط، الأشكال، الناس في المكاتب، بطاقات الاتصال، موظّف الهجرة، النظرات في الشارع، البرد مستوطنًا عمقَ عظامي، دروس الإنجليزية في الليل، المسافة الفاصلة عن البيت. لكن الحمد لله كلّ هذا أفضل من رائحة امرأةٍ تحترق بالكامل، أو شاحنةٍ ملأى برجالٍ يشبهون أبي، يخلعون أسناني ويقتلعون أظافري، أو أربعة عشر رجلًا بين ساقيّ، أو من مسدس، أو من وعد، أو من كذبة، أو من اسمه، أو من فحولته في فمي.
أسمعهم يقولون عودي إلى بلدك، أسمعهم يقولون تبّا للمهاجرين، وسحقًا للاجئين. هل هم حقّا على هذه الدرجة من الغطرسة؟ هل يدرون أنّ الاستقرار مثل عاشق معسول اللسان ينداح على جسمك للحظة، ثم يتركك أطلالًا ترتعش على الأرض في انتظار عودته. كلّ ما أستطيع قوله أنّني كنت يومًا مثلكم، نفس البلادة، والشفقة، والموقف البغيض والآن وطني فم قرش، الآن وطني فوّهة بندقية. سأراكم على الجانب الآخر.
*ورسان شاير *ترجمة: سلمان الجربوع
الخصوصية في أنطولوجي
نقوم بإحصاء الزيارات واستقراء البيانات العامة، وقد يفعلُ شركاؤنا أيضًا وبعضُ الأدوات التي نستعين بها.
الموافقة اختيارية لكننا نحب لو توافقون، وبيننا وحي الأدب، وهذه سياسة الخصوصية (تُفتح في لسانٍ جديد).