المدونة

  • عندما تذهب الحرب إلى بيتها – أسماء الرواشدة

    عندما تذهب الحرب إلى بيتها – أسماء الرواشدة

    غدًا عندما تذهب الحرب إلى بيتها

    تجر خلفها سنوات عمري

    مثل علب معدنية فارغة

    مربوطة بخيط..

    سأتذكر طويلًا ذلك الصخب

    وأبكي

    أبكي مثل طفل

    او مثل امرأة يائسة

    و في منتصف الطريق تماما

    سأفكر انه ربما كان علي أن أقول لك :

    “أيقظني فقط عندما نصل”

    أو

    “عندما ينتهي كل هذا”

    وأضع راسي على كتفك و أغيب..

    لكني امراة مصابة بالارق

    تستمع إلى الجاز و هي تغسل الصحون

    وتبكي لأشياء كثيرة

    يصعب تذكرها في الصباح

    امرأة تحبك بعمق النكهة

    التي تضيفها اغنية “Bang Bang”

    بصوت فرانك سيناترا للقهوة

    نعم ..بتلك المرارة الحلوة

    و بذلك العمق المعتم

    حيث لا تنمو الاسماء ..

    فقط نظرات آلاف الغرقى

    متلاصقة لتكون المشهد..

    المشهد

    الذي لا يفصلني عنه

    سوى

    يديك

    كل مساء.

  • القادمون من الجنوب – أسماء الرواشدة

    القادمون من الجنوب – أسماء الرواشدة

    لا أجيد الحياكة

    لكني أجيد العناية بالغائبين

    ألمع أسماءهم

    أنفض الغبار عن كلامهم القديم

    وعن ضحكاتهم

    انتظرهم عند النافذة بقلق الامهات

    و أحدثهم عن القطارات

    التي تأخذ الناس

    إلى مدن أقل حزنا

    مدن مضيئة لا تنام

    هناك حيث لا يمكنك أن تكون وحيدا

    فأنت معي و قلبي ذائب

    مثل أغاني الرعاة فوق التلال..

    هناك حيث

    كلانا يعرف ان كل شيء يولد من جرح

    لهذا لا نهتم كثيرا

    بالتحدث عن الالم الذي يرافقنا

    الى اسرتنا في المساء..

    تقول :

    هم هكذا

    القادمون من الجنوب

    أشقياء و حزينون بلا سبب

    فكل ما في الجنوب موجع و يابس

    الكلمات يابسة

    الأفواه..

    الطريق..

    أيادي الآباء أيضا

    هناك

    يابسة و متشققة

    لكن قلوبهم ذائبة..

    وعيونهم ذائبة…

    ذائبة مثل أغاني الرعاة

    فوق التلال…

  • أرواح ضائعة – إيميلي باستن

    أرواح ضائعة – إيميلي باستن

    أنا من الأشخاص الذين يمكنهم الجلوس في ظل صفصافة

    ليقرأوا في هدوء
    أو يكتبوا شعرًا عن كيف أن الحياة جحيمنا الشخصي
    أو أن أخرج مع أصدقائي، أسكر،
    ثم أستيقظ نشطة في الخامسة صباحًا.
    هذه أنا، إما أن أقضي يومي في بهجة خالصة، أو أقضيه حزنًا
    وحدادًا.

    أحوي الشيء ونقيضه
    يمكن أن أقع في حب من كرهته بالأمس
    أن أسامح –في غضون ثانيتن- من أثار غضبي حد الجنون
    أن أرغب في الرحيل بشدة، ورغم ذلك
    أقرر البقاء.

    ذات مرة أدركت أنني لم أحب من أنتظرته لعامين
    وفي اللحظة نفسها أدركت أنني أرغب في من فقدته توًا
    عقلي وقلبي ليسا على وفاق
    لكن، فات أوان استعادة من أحببته
    كما لم أحب أحد قط.

    للحظة هم أصدقائي، ثم ينغصون حياتي
    للحظة أريد أمرًا، ثم أزهده تمامًا
    للحظة أراني جميلة، ثم أكره تفاصيلي
    للحظة أود لو فتحت عيني على حقيقة العالم، ثم أتمنى لو أنني عمياء.

    الآن أدرك لماذا يعجز البعض عن رؤيتي
    الحياة معي شاقة للغاية، من الصعب فهمي
    لكنني أجاهد لأصبح الشخص الذي أتمنى أن أكون
    لأنني لو تجاهلت الأمر، لن أعود أبدًا، أتفهمني؟

    لكل الأرواح الضائعة الهائمة حول الأرض
    أنتم سبب شقائكم
    امنحوا حيواتكم فرصة أخرى
    ميلادًا جديدًا
    وإلا ستصبحون من لم ترغبوه يومًا.

  • كه يلان محمد: «قطار الليلِ إلى لشبونة»: البعد المعرفي و رمزية السرد في السينما

    ■ تُعَدُ الأعمال الروائية خزاناً للسينما، وتُتيحُ فرصة الإثراء والتنوع للموضوعات التي يُعالجها الفن السابع، كما استفادت الرواية للوصول إلى جمهور أوسع من خلال الشاشة، وقد يفوق نجاحُ العملِ الأدبي عندما يحولُ إلى صورة سينمائية على مادته النصية، مثلما حصل ذلك مع رواية «دكتور جيفاكو» للكاتب الروسي بوريس باسترناك.
    إذن فإنَّ السينما مثل غيرها من الفنون الأخرى، إضافة لاحتوائها على عناصر المُتعة والتشويق، لها وظيفة معرفية وذلك ما يتجسدُ أكثر في أفلام الخيال العلمي التي تَفتحُ أفق التفكير في وجه النقاشات والافتراضات المُستقبلية، فضلاً عن ذلك يتم توظيف هذا الفن على المستوى الأيديولوجي لتسويق مفهوم التفوق الثقافي والعقلي، كما ينكبُ على هذا الهدف صناع السينما في الولايات المُتحدة الأمريكية. إذ يمثلُ البطل ما يمتازُ به الفرد الأمريكي من خصوصيات فريدة وإرادة خارقة.
    في المقابل ثمة لون آخر من المُعالجات السينمائية يرصد دور الأفكار والشغف المعرفي في تغير المصائر والانطلاق نحو مُغامرة حياتية جديدة الأمر الذي ينطبقُ على فيلم «قطار الليل إلى لشبونة» المقتبس من رواية بالعنوان نفسه للكاتب السويسري باسكال ميرسييه. من إخراج الدنماركي بيل أوغست، الذي حاز عدة جوائز منها، جائزة السعفة الذهبية في مهرجان (كان) وجائزة أوسكار وغلودن غلوب.
    تتحركُ أحداثُ فيلمه «قطار الليل إلى لشبونة» على المستويين من جانب يُتابعُ المشاهدُ يوميات مدرس أرمل رايموند غريغوريوس، الذي يقيمُ في مدينة بيرن في سويسرا، إذ أنَّ هذه الشخصية هي أولُ من يقعُ عليها النظرُ وسط مكتبته مع وجود رقعة الشطرنج على الطاولة. ويغطي الفيلمُ من جانب آخر وقائع الثورة البرتغالية ضد حكم الديكتاتور سالازار. فاللقطة الافتتاحية توحي بأنَّ ريموند يعيشُ لوحده، ويلي ذلك مباشرةً مشهدُ مشحونُ بتوتر درامي، إذ يرى المدرسُ وهو في طريقه إلى الشغل فتاةً واقفةً على سياج الجسر تهمُ بالانتحار، فإذا برايموند يُسارعُ لإنقاذها من الموت بعدما تعصفُ الريحُ بمظلته، وفي ذلك دلالة رمزية للتحول المقبل في حياة المدرس، ومن ثُمَّ يصحبُها إلى الفصل الدراسي، غير أنَّ الضيفة ما تلبث حتى تغادرُ الفصل تاركةً وراءَها أثراً وحيداً وهو المِعطف، وما كان من رايموند غريغوريوس إلا أن يلحق بها من جديد ليسلمها المعطف الأحمر.

    المُؤلف

    يتسارعُ إيقاع الفيلم ويكونُ الحدثُ أكثر إثارةً، خصوصاً بعد اختفاء الفتاة وعثور المدرس على كتاب في المعطف، وما يتبعُ ذلك من زيارته إلى إحدى المكتبات لمعرفة مزيد عن صاحب الكتاب المعنون بـ«صائغ الكلمات» إذ أن الجملة التي يقرأها بين سطور الكتاب – إن كان صحيحاً أننا نعيشُ في جزءٍ صغير من حياتنا فماذا يحدثُ للبقية – بمثابة دافع للتأمل والمضي وراء الحدسِ وعدم تفويت الإشارات المتواردة في سياق الحدث الأساسي، وما يخبِئَهُ الكتاب ليس مجردِ عبارات وأقوال فلسفية، بل يتفاجأُ رايموند بوجود تذكرة القطار إلى لشبونة بين طيات «صائغ الكلمات».
    من هنا تبدأُ رحلة المدرس بحثاً عن حياة المؤلف أماديو دي ألميدا برادو، الذي أثارت مدونته الفلسفية اهتمام رايموند وأخذته للتفكير بعيداً عن سلسلة أيامه المُتشابهة. هنا تبدو بالوضوح العلاقة الوثيقة بين تطور الفكر وواقع الحياةِ، فيما كان المدرسُ يمضي سحابة أيامه في وظيفةٍ تَحْكُمُ سلوكياته وتُحجمُ أفق تفكيره، يحدثُ ما يشجعهُ للخروج من النمطية ويُغامرُ لإكتشاف ما كان محجوباً عنه نتيجةَ مُحددات وظيفية، ويأتي هذا القرارُ إثر التفاعل المؤثر بين شخصية رايموند ومحتويات الكتاب. لذا تكون أفكار أماديو دي ألميدا برادو مسموعة طوال الوقت الذي يستغرقهُ الفيلمُ، سواءً على شكل التعليق أو من خلال الحوار المُتبادل بين شخصيات الفيلم.

    رؤية جديدة

    يَتَخِذُ الفيلمُ منحى سردياً مُغايراً مع وصول رايموند إلى لشبونة، وللإشارة لهذا الانتقال، تتموضع الكاميرا من فوق مُظهراً صورة مفتوحة من المدينة. قبل إعادة تأطير آلة التصوير مُتتبعاً حركة الوافد ومؤانسته للمكان الجديد. ومن المعلوم أن الصورة الفيلمية لها مضمون مستتر ومضمون ظاهر، فإنَّ المخرج أراد تضمين صوره دلالة رمزية، لاسيما في المواقع التي تشهدُ فيها حياةُ البطلِ تحولاً، وهذا ما نلاحظه في لقطة انفلات المظلة من يد المدرس، كذلك في كسر نظارته وهو متواجدُ في لشبونة، ما يعني مستوى جديدا من الرؤية للحياة وللشخصية التي تنهضُ عليها حبكة الفيلم. وعليه فإنَّ شخصياتٍ أخرى تنضافُ إلى الإطار، وبذلك تتعددُ وجهات النظر حول صاحب «صائغ الكلمات». ويكمنُ ذكاءُ مخرجُ العمل في إيجاد الترابط الواضح بين الجمل الحوارية وتطور الأحداث، عندما تسأل طبيبة العين ماريانا عن جملة أكثر تأثيراً وردت في الكتاب يذكرُ ما يوضحُ رؤية آماديو الوجودية «إن المدبر الحقيقي للحياة هو الصدفة»، كأنَّ هذه الجملة جوابُ أيضاً لسؤال المشاهدَ حول الصدفة التي تجمع بين رايموند وماريانا، التي كان عمها المقيم في دار الرعاية رفيق النضال لآماديو. إذن فإن جواو عازف البيانو الذي أصيبَ بعاهة في يده بعدما تعاقبهُ الشرطة السرية بتعذيب شديد يُفيدُ بشهادته عن وجه آخر لحياة آماديو، عندما ينضمُ إلى حركة المُقاومة وتنشأُ قصة حب مركبةِ بينه وبين ستفانيا عشيقة صديقه جورج، وبذلك تتصاعد حدة النزاع بين الأصدقاء، ويحاولُ جورج قتل ستفانيا متذرعاً بأن الأخيرة تحفظ عناوين مئتي عنصر من الجيش، إذا وقعت بيد الشرطة فمن الأرجح أن تبوح بها. ما يضاعف من درجة التشويق هو صعوبة حسم الموقف بين الطرفين بالنسبة للمتلقي، هكذا تتوالي المشاهدُ ويستوجبُ غريغوريوس أصدقاء آماديو الذي كان يعاني من أنورسما انفجار الأوعية الدماغية، وأخته أدريانا والأب بارتولوميو وهو بدوره يكشفُ عن الأبعاد الأعتقادية لدى آماديو، كما يمرُ المدرس السويسري على مقبرة باشيراش ويقرأُ جملة جيفارا «عندما تكون الديكتاتوريةُ واقعاً تُصبحُ الثورة واجباً» منقوشة على مدفن الطبيب الذي كان يرغب بأن يكون فيلسوفاً وكاتباً.
    وفي غضون ذلك يتمُ إسترجاع الحقبة التي كان البرتغاليون يرزحون فيها تحت الحكم الديكتاتوري إلى أن تنجح الثورةُ ضده بفضل الخلية التي كانت ستفانيا تعرف أسماء أفرادها. وتكون المرأة الذكية ستفانيا آخر من تلقي بشهادتها عن الطبيب آماديو متحسرةً على عدم تمكنها لتحقيق ما طلبه منها آماديو، بأن تكون له بمنأى عن صخب النضال والصراعات. بينما هي تفكر في أبيها المعتقل في مركز تريفال أو مايسمى بـ«أرض الموت البطيء» يُذكر أن المخرجَ أورد في مادته الفيلمية كثيراً من المفارقات، فإنَ آماديو ينقذُ حياة (روي لويس مينديز) وهو من جانبه يُجَنبُ وقوع الفتاة الثورية بيد الشرطة على الحدود، ولولاها لما نجحت الثورة، كما أن الفتاة التي أرادت الانتحار وأنقذها المدرس ما هي إلا حفيدة سفاح لشبونة (روي لويس مينديز).
    يتميز هذا العمل السينمائي بوفرة عناصر التشويق من البحث والغيرة والحب والثورة والصراع، كما تأتي الانتقالات سلسة وانسيابية

  • قصائد مختارة -فلاديمير هولان-ترجمة سعدي يوسف

    قصائد مختارة -فلاديمير هولان-ترجمة سعدي يوسف

    دائماً
    ليست المسألة أنني لا أريد أن أحيا
    لكن الحياة كاذبة
    إلى حد أنني حتى لو كنت محقاً
    فعليَّ أن ألتمس الحقيقة في الموت.
    وهذا ما أفعله الآن.

    الموت
    منذ سنين وسنين، أبعدته عنك
    أغلقتَ المكان، وحاولت أن تنسى
    عرفتَ أنه ليس في الموسيقى، فغنَّيت
    عرفتَ أنه ليس في الصمت، فهدأت
    عرفتَ أنه ليس في العزلة، فانفردت
    لكن… هل حدث اليوم ما يفزعك
    مثل من رأى، بغتة، في الليل
    خيط نورٍ أسفل باب الحجرة المجاورة…
    الحجرة التي لم يسكنها أحدٌ منذ سنين؟

    ساءلتك

    فتاة ساءلتك:
    ما هو الشعر؟
    أردت أن تقول لها:
    أنت أيضاً، نعم، أنت
    في خوف المعجزة ودهشتها
    أغار من نضج جمالك
    ولأنني لا أستطيع أن أقبلك
    أو أضاجعك…
    ولأنني لا أملك شيئاً
    ولأنَّ من لا يملك ما يهديه، يجب أن يغني…

    لكنك لم تقل، كنت صامتاً.
    وهي لم تسمع الأغنية.

    ميراث

    يغادر الشعراءُ
    ويُخلِّفون، دوماً، فيما يُخلِّفون
    شيئاً أرهقه الزمن والخطيئة والمنفى
    أصدَقُهم
    وأقلُّهم شهرةً
    وأهدأهم
    وأكثرُهم حباً
    لا يقحم عليك شيئاً: حتى بصورته
    بهزئه، أو بعزائه
    بل حتى بحبه
    هو حاضر، غائب
    وبيكاسو وهو يصنع رجل ثلج
    فهم جيداً
    إن خلودَ الفن هو في الزمن، والخطيئة، والمنفى
    التي على الشمس أن تفتديها
    بالدمع
    والنبع
    والنهر
    والبحر
    والعدم.

    نزف

    أمرٌ رَهيْبٌ أن تحيا
    في هذه السَّنواتِ
    المنتحرُ وحدهُ يظنُّ أنه يستطيعُ المغادرة
    من البابِ، الذي هو مجرَّدُ رسمٍ على الجدار
    ليس ثمة أقل إشارة
    عن قدومِ الرُّوح القُدْس.
    في قلبي، ينزف الشعر.

    “بروج”
    مساء مبكر..مقبرة
    والريح حادة مثل نثير العظام على وَضَم
    الصدأ يهز نموذجه من الشكل المعذب
    وفوق هذا كله، فوق دموع العار
    تكاد النجمة تعترف..
    لم لا نفهم البساطة إلا حين تنكسر قلوبنا؟
    ونمسي،بغتة،وحيدين، ضائعين

    العصفور

    طائراً فرَّ من غصن ثلجي
    هزَّهُ خفيفاً
    وأومأ برفضه الإحساس الأعمى.

    ثلجٌ قليلٌ، سقط من الغصن.
    لن يمرَّ وقتٌ طويلٌ حتى يأتي الانهيار.

    الفرح

    ما قلتُهُ، فعشته
    كان للموتى…
    الفرحُ وحده، هو الموجود حقاً
    في أوانه،
    لأنَّهُ وحده، الفوري.
    الأكثرُ حُضوراً، الأكثر زوالاً.

  • عنوانٌ آخر للمساء_ محمد جابر

    عنوانٌ آخر للمساء_ محمد جابر

    أبدو كلقاء اخير
    ممتلئ بالكلام الذي لم يقل
    و أفتقر كثيرا الى المصادفة
    ذلك الجزء الذي يجعل الإنهيار عفويا جدا
    إنك تظهرين دائما
    على هيئة توقيع أسفل الليل
    أو تنهيدة في نص ساذج
    لم أعد املك هشاشة تكفي..
    كي أُكسر بعناية
    إلا إنني هش جدا
    أمام تعابيركِ التي تتسرب منها الاسئلة
    ….
    أبدو كلقاء اخير
    لا أحمل وجها يكفي للعودة
    إلا أنني لم أعد اعلم
    كيف ألوح لكِ
    و أنتِ تُفْرِطين بالذهاب
    و كما يستعيد الوقت ما نسرق من فتراته
    أحاول استعادة ذلك الضياع
    بأن أتذكره فقط…

    (عمر شاحب)

    الشيبُ رثاءٌ آخر لأحلامنا
    وجعٌ ابيضٌ يصفع أدمغتنا
    جاثم على ما تبقى من التنبؤ.
    يبدو أن هذا العمر لا يقتنع بالنظر للخلف
    فنؤبِّنهُ بشمعة كل عام
    هذا يعني أننا ننطفئ باستمرار،
    نحتفل بما نخسر من هذا العمر
    لذا سنبقى خاسرين دائما
    إنه بياضٌ يجرنا نحو آخر العمر
    لسنا معنيين بالبقاء في هذه اللحظة
    أو أن نتقمص موعدا واحدا،
    إننا نتجزأ لذكرياتٍ آسنة
    نعيش النهاية باستمرار
    و لا نكون ماكثين إلا في الخلف
    نحن لا نحمل سوى إسمائنا
    نرحل بصورة افقية،
    فيبدو هذا العمر مسطحا
    بلا تضاريس او وجوه
    إنه عمر شاحب،
    لا يحتمل كل هذا البياض..

  • حارسُ المقبرة  قصة للكاتب الصيني: لي جيان وو – ترجمة: يارا المصري

    حارسُ المقبرة قصة للكاتب الصيني: لي جيان وو – ترجمة: يارا المصري

    كان حارسُ المقبرة هذا مثل زهرةٍ صفراء أعلى القبر توغلت في حياتي بدون جهد، ونشرت عطرَها المثيرَ الفواح، وسلبت روحي المدينية. وفي هذا الربيع المزهر، كان هذا الشيخ القروي الأحمق وكأنه أذابَ نهراً جليدياً، مُبدداً كآبتي بخفة وسرعة، وبغموضٍ أيضاً. كان غريباً عني تماماً، لكن الأمر بدا وكأننا عملنا معاً منذ سنوات ولنا إيقاعٌ واحد.

    لم أقترب منه بل تفحصته بنظري وكأنني أتأملُ شجرةَ سرو، تأملتُ رفيقَ المقابر الذي يشبه شجرة السرو في تمايل عوده المستقيم، وكأنَّه لا يرى بعينيه، بل ينصتُ بقلبه، ينصتُ إليَّ أنا الذي أشبه عصفورَ صباحٍ هائم، يترك أنشودةً صامتةً في غابات الصنوبر والسرو. وهو، شجرة السرو العتيقة، قال بلا مبالاة وفتور، كما لو كان يستقبلُ زيارة العصفور كل صباح، وبحرارة ذلك، وكأنه يحيِّي سمساراً يرتاد القرية دوماً:

    ــ صباح الخير!

    بدت تحيته وكأنها أطولُ فاصلةٍ في جُملةٍ في حياته، انسابت بلطفٍ من بين شفتيه. لم يكن في حاجة لأن أجيبه، ولم أجبه كذلك، بل أومأتُ إليه برأسي وتركته إلى حيث يقبع قبرٌ صغيرٌ لا تزال تربته مائلةً إلى الصُّفرِة، ثم انحنيت تجاه القبر متأملاً شاهده القصير، فقال لي الحارس هامساً:

    ــ لقد نمت الحشائش ولم يُدفن إلَّا العام الماضي فحسب!

    صبيٌّ عمره أربعة عشر عاماً، لم يُحفر على شاهدِ القبر غيرُ اسمه. مات في نضارةِ صباه ولم يتذوق طعمَ الحياة، لأنه ما أن بدأ يختبرها حتى وافته المنية، تاركاً خلفه بضع كلماتٍ ـــ بضعَ كلماتٍ مُعمَّمةٍ بعاطفةٍ إنسانية لا حدود لها، وحزن والديه، ودموع إخوته، إشارةٌ لتخميناتنا. ثم ما الأقل صلابة من شاهد القبر؟ ما الأقل خلوداً من الكلمات؟ ما الذكرى الأقل قسوة من الولع؟ “نمت حشائش!” هذه أخبارُ الحياةِ الوحيدة. وبعد أن تمر العديد من السنوات، سيتآكل شاهدُ القبر، وستفنى الكلمات، ويتبدد الولع، إلَّا العشب الأخضر لن يتوقف عن النمو، سينمو سنةً تلو الأخرى، إلى أن يحجب تآكلَ الشاهد، ويحلُّ محلَّ قوةِ الإنسان كلها.

    لقد أطاح ذلك بقبعاتنا المختالة ذات الشُّرَّابةِ الحمراء، وكشفت عن كون الحياة شيئاً ما أجرد. وربما يُضيِّع المرءُ سنواته عبثاً في صخب الحياة، لكن حين تأتي ساعةُ الموت، يلومُ السماءَ والناسَ ويصبح كثيرَ التذمر، قائلاً إنَّه لم يحقق شيئاً في حياته، ومن ثم يسكب دموعاً مُرَّة. ثم ما أن يلفظ أنفاسَه الأخيرة ــــ ولذلك يُدفن هنا، يكون تلك المَرَّة وحيداً حقاً، ولكن قبل أن يمر عامٌ على موته، تغطى قبره الحشائش، وكأنها تخبرنا بدلاً عنه، أنَّ له أهميةً الآن. والطبيعة قادرة على فعل أي شيء، أي إنها قادرة أن تحول قبحها إلى لطفها، وتشكل وقاراً ذا منزلةٍ سامية. وفي سكينة لا يمكن وصفها، أحسستُ بسلام الطبيعة، وهدأت روحي وكأنني خرجت من حفلٍ موسيقي مهيب.

    ثم هل ثمة ما يبعث على السكينة أكثر من هذا كله؟ هل ربما حارس المقبرة الغامض ذاك؟ الذي يحرس مقابر غيره وهو على وشك أن يتحول إلى كومة من تراب، وسيموت بهدوء كما عاش حياته. ولعله عديم فائدة، مثل شجر الصنوبر، وشواهد القبور، والعشب الأخضر، وضوء الشمس، تلك الأشياء التي تزين المقبرة الكئيبة. ربما عمل طوال حياته مثل الجاموس في الحقل إلى أن شاخ، ولم يتذكره أحد وكأنه صديق قديم مات منذ سنوات عديدة حقرناه ووضعناه في خانة الأموات. أما هو فقد تقبَّل حظَّه العاثر، ورضي بقدره، لأنه كان في البدء مثل الحيوان، أو، لا، مثل النباتات، تعيش فجأة، وتموت فجأة. ثم هل هناك مَن هو أقرب من الطبيعة منه؟ أليس هو الطبيعة بذاتها؟

    هو ليس بحاجة إلى الحكمة، ولا إلى النتاج الثانوي التي تخلفه الحكمة ـــ الوجاهة الزائفة. وهو كمثل المخلوقات الأخرى، له القدرة على الاعتناء بنفسه، لكن القدرة والزمن يتلاشيان في الوقت ذاته، أو كمثل المخلوقات الأخرى أو الأمواج، تتبدد تدريجياً في تيار الطبيعة، تبدد في تيار الطبيعة الهادئ العظيم! هو ليس موجوداً، فالطبيعة تمثل وجوده. وإن عاش، فهو يمثل أعجوبة الطبيعة، وإن مات، فهو يُكمِلُ جمالها. وهو يقوم بمهامه مثل حركة الشمس والقمر والنجوم في مدارها، مثل تعاقب الليل والنهار، بدون أن يترك أي أثرٍ في العالم.

    لهذا تقدمتُ نحوه وجلست على المذبح إلى جانبه، وشرعت أتفحص وجهه الأسمر وكأنني أتفحص كائناً غريباً. لم يكن ثمة شيء ما مثير في ملامحه، كان مثل غيره من كبار السن الكادحين في الريف؛ وجهه مسكون بالتجاعيد العميقة، له عينان حزينتان ذات نظرةٍ لا مبالية، ووجه نحيل ذو ملامح حادة. ماذا يمكنني أن أستشف من هذه الملامح الفجة؟ هل يخبئ حزن رجل وحيد مثلي أنا القادم من المدينة؟ نبهتني حركته أنه أكثر من تجسيد للطبيعة، أنَّ له خبرةً روحية، وأنني وهو نملكُ درجةَ تَقَبُّلِ الفرح والألم ذاتها، لهذا لم أتمالك نفسي وسألته:

    ـ أين تعيش؟

    نظرت إلى جهة الغرب حيث أشارت يده، إلى قطعة أرض قريبة من المقبرة، بها كوخ من القش مربع بعض الشيء، وثمة سور منخفض من أعواد الذرة الرفيعة والذرة يحيط به.

    ــ هل تعيش بمفردك؟

    تردد برهة، من ثم حكّ رأسه وأشار إلى رسمة بقرة وغمغم قائلاً:” أعيش معهما.”

    كان ثمة بقرة صفراء عجفاء تسحب جرافة عريضة وتُقلِّب تربة الشتاء المتجمدة، وصبيٌّ عمره ثلاثة أو أربعة عشر عاماً يتبعها.

    ــ أليس هذا ابنك؟

    ــ ليس لدي أبناء.

    ومن نبرته الجافة أدركت أنني كنتُ متطفلاً، وجرحت إحساسه الذي جاهد في كتمانه قدر ما استطاع، لذا لزمنا الصمت، وكأن كلَّاً منا يضمرُ عداوةً للآخر، متربصاً بالفرصة ليظهر انتصاره على الآخر. وشيئاً فشيئاً شعرت بالتعاطف يغمرني ، ولم أشأ أن أُظهره، بل التفتُ وتأملتُ الكوخ قبالتي المُعرض للتهدم في أي وقت.

    يا له من انسجام! حيث كل شيء خلاب ونابض بالحياة. لكن حزن المرء لا يمتدُ إلى إشقاء نفسه فحسب، بل يمتزج حزنه بالطبيعة ويخلق  حزناً باهتاً مُكتملاً. لم أجرؤ على سؤاله مرة أخرى، فقد كنت أعلم على كل حال أنَّ الروح ستظل هائمةً أبداً، والجسد الذي تكمن فيه الروح سيظل جميلاً أبداً، مثل الطبيعة ستكون في انسجام أبداً. أما الإنسان، هذا الذي يهيم وحيداً في الكون وسط غيره، فليس ثمة فرق بينه وبينهم. وإذ أغادر حارس المقبرة الخرف، شعرتُ أنني انتكهت خصوصيته، أنا الغريب الذي أنتمي إلى عالم آخر.

    *نص: لي جيان وو: (1906- 1982) أديب وكاتب مسرحي، يُعد من أهم كتاب الأدب الصيني الحديث.
    *ترجمة: يارا المصري

  • ياسين عاشور – المالينخولي السعيد

    ياسين عاشور – المالينخولي السعيد

    1- كيف يحتملُ السُّوداويُّ مكوثة في العالم؟

    “المالينخوليا، هي السَّعادة في أن تكونَ حزينًا”
    فيكتور هيغو

    ثمَّة من النَّاس من اختار انتهاج السُّوداويَّة رؤيةً للعالم ومقاربةً من مقارباته المتعدِّدة ومسلكًا جماليًا يعبُر تفاصيل الحياة وأفانينها، والمالينخولي في الأصل إنسانٌ يائسٌ من العالم ومن النَّاس، ليس يأسهُ يأسًا رومنسيًا ساذجًا أو حالة انفعاليَّة عابرة، بقدر ما هو كينونةٌ تُنحتُ وتُؤَصَّلُ طيلة مكوثه في العالم.

    تعرَّض ابن سينا في كتابه القانون في الطبِّ إلى المالينخوليا باعتبارها حالةً مَرضيَّةً مُحدِّدًا أعراضها قائلًا:

    علامة ابتداء المالينخوليا ظنٌّ رديء، وخوفٌ بلا سبب، وسرعةُ غضبٍ، وحبُّ التخلي واختلاجٌ، ودوارٌ ودوىٌّ وخصوصًا في المراق. فإذا استحكم، فالتفزغُ وسوءُ الظنِّ، والغمُّ، والوحشةُ، والكَرب، وهذيانُ كلام، وأصنافٌ من الخوف مما لا يكون أو يكون.

    وإذا كان تعامل ابن سينا وسائر النفسانيين مع المالينخوليا تعاملًا طبيًا اكلينيكيًا فإنَّنا نُقاربها خارج الفضاء الصحِّي، لذلك نختلف معهم في الرُّؤية العامَّة للحالة السُّوداويَّة-التَّشاؤميَّة-المالينخوليَّة من حيث اتِّفاقنا في تشخيص الأعراض.

    حسم المالينخولي أمره مع مفردات من نوع: قصد، غاية، هدف، معنى، مطلق… ولم يعد يهمُّه ماذا يقع في الضفَّة الأخرى من العالم، ولا ما وقع في غياهب الماقبل، ولا ما سيقع في سرمد الماوراء.

    كيف للإنسان أن يحتمل مكوثه في هذا العالم، لولا تلك الأضرب من الوهم الجميل (الفنُّ، المُثل العليَا، شرائع الخلاص المزعوم…)، عدا ذلكَ فإنَّ الحقيقة لا تُؤدِّي إلا إلى ثلاثة طُرق: اللَّامبالاة المطلقة (وهي درجة عُليا من الحصافة) أو الجُنون (وهو عينُ الوعي بالعالم) أو الانتحار…

    ينتمي المالينخولي إلى سجلِّ اللامبالاة المطلقة، حيث الانتماء إلى اللاانتماء، وليس ثمَّة ما يدفعه إلى الانتحار، لأنَّ الانتحار عادةً ما يكون نتيجة خيبةٍ متأخِّرة. يقول إيميل سيوران في شذرة خاطفة:

    لا ينتحر إلا المتفائلون، المتفائلون الذين لم يعودوا قادرين على الاستمرار في التفاؤل. أما الآخرين فلماذا يكون لهم مبرر للموت وهم لا يملكون مبررًا للحياة.

    المالينخولي كائنٌ سعيدٌ من شدَّة الحزنِ لأنَّ الحزنَ مصْلٌ مضادٌّ لنفسهِ، لا خشيةَ من شيءٍ إذنْ ولا أمل في شيءٍ، لا انتظارات ولا خيبات. يكفي الالتذاذ بما هو متاحٌ، لأنَّ اللِّذَّة مصدر كلِّ خير وفق المعلِّم “أبيقور”، والخيرُ كلُّ الخير في تجنُّب كلِّ ما يسبِّب الألم. تُعدُّ الإيتيقا الأبيقوريَّة وصفةً مثاليَّة لحياة المالينخولي السَّعيد: الالتذاذ في حدود المتاح، تجنُّب كلِّ ما يشكِّل مصدرًا للآلام، عدم الخشية من الموت ولا من القوَّة المفارقة، القدرة على تنسيب الألم والمصالحة معه.

    يحاول المالينخولي الفكاك من كلِّ الارتباطات المحدَّدة بصفة قبليَّة، إذْ لا معنى للوطن فهو من قبيل المصادفة الجغرافيَّة، ولا معنى للعائلة لأنَّها مُؤسَّسةٌ على حتميَّات بيولوجيَّة، ولا معنى للعلاقات المبنيَّة على الانفعالات الطَّارئة والعرضيَّة. لذلك فإنَّه جازمٌ حازمٌ في مقاطعته لفكرة الزواج والتَّناسل؛ ففي زيادة النسل زيادةٌ في عدد الأشقياء. جاء في مصنَّف الدّراري في ذكر الذّراري لابن العديم الحلبي أنَّ فيلسوفًا سُئل: لم لا تطلب الولد؟ فقال: من محبَّتي للولد. وقيل لآخر: لو تزوَّجت فكان لك ولدٌ تُذكر به، فقال: والله ما رضيت الدنيا لنفسي فأرضاها لغيري.

    لا يذهبنَّ في الظنِّ أنَّ المالينخولي السَّعيد داعية كراهيَّة أو صاحب نزعة تصفويَّة إباديَّة، فهو يفقد القدرة على الحبِّ والكره تدريجيًا خلال حياته القصيرة، لا شيء يستحقُّ الكره، كذلك بالنسبة إلى الحبِّ، كلُّ الموجودات سواسيَّة لأنَّها باطلةٌ بالأصالة وقبضٌ للرِّيح. الحياة عديمة الجدوى، وإذا وضعنا لها هدفًا على سبيل التجوُّز فإنَّه حتمًا سيكون الموت، لم يعد الموت مصدر خوف، بل هو صديق طيِّب للمالينخولي السَّعيد، وطيبته تكمن في حكمته المُعرِّيَّة للحياة.

    يسخر المالينخولي من النَّوع الإنساني، بل ويشعر بالعار إذا تذكَّر انتماءه إلى هذا النَّوع، لذلك فهو محكومٌ في تمثِّله للعالم بـ”إرادة الفناء”، وتنزع هذه الإرادة إلى الإنهاء الوجودي للنوع الإنساني بعامة، حتَّى يعود النَّظام الطبيعي إلى مجراه، فالإنسان كائنٌ ناشزٌ، وقد تسبَّبَ نشوزه في إفساد العالم رغم التقدُّم الحضاري الظاهر. يقول جان جاك روسو في مقالته الرَّائدة في العلوم والفنون:

    … وأنفسنا ازدادت فسادًا بقدر ما ازدادت علومنا وفنوننا كمالاً. أن يقول بعضهم إنَّها نكبة خاصَّة بعصرنا؟ كلَّا، يا سادتي، فالشُّرور الناجمة عن فضولنا الباطل إنَّما هي قديمة قدم العالم…

    هل في نفس المالينخولي السَّعيد رغبةٌ في إصلاح ما قد فسدَ؟ كلا، إنَّ الضَّررَ هائلٌ وجبره صار محجوبًا عن الأفق. المالينخولي عدمي في المستوى الإيتيقي العام وفي مستوى السِّياسة. كلُّ تدبير للشَّأن العام هو تدبيرٌ للألم، وكلُّ سلطة تبدع مسخها الفرانكشتايني من حيث تدري ومن حيث لا تدري، فالأنظمة المجرمة كما يقول ميلان كونديرا:

    لم ينشئها أناس مجرمون، وإنَّما أناس متحمِّسون ومقتنعون بأنَّهم وجدوا الطريق الوحيد الذي يُؤدِّي إلى الجنَّة.

    قد يبدو المالينخولي السَّعيد متناقضًا في كثير من مزاعمه، فهو سعيدٌ من حيث حزنه، وموجودٌ من حيث إرادته للفناء، وعلاقاته الإنسانيَّة والعائليَّة طيِّبةٌ من حيث عدم إيمانه بأيِّ ضرب من الارتباطات! لكن التناقض الظَّاهر بالنسبة إليه ليس “نقصًا، أو خطأ، أو ضعفًا. إنه حركة حياة وكينونة. ورؤية عقلية متجددة” على عبارة عبد الله القصيمي، إنَّه حالة من القلق الدَّائم والارتياب اللَّامتناهي.

    في ختام هذا المانيفستو، يريد المالينخولي السَّعيد بيان أنَّ لامبالاته غير ناجمة عن طيش أو فراغ وإنما هي حصافةٌ ورؤية للعالم واكتناه مباشر للألم الإنساني، فلا عزاء لهذا الألم إلا في فكرة فناء الإنسان ذاته باعتباره كائنًا مسيئًا إلى نفسه فضلاً عن إساءته إلى بقيَّة الموجودات.

    صدق محمود درويش – وهو أحد الكائنات المالينخوليَّة السَّعيدة – إذ قال في سطرٍ شعري جميل جليل:

    في اللَّامبالاة فلسفةٌ، إنَّها صفة من صفات الأمل.

    ***

    2 – الوُجُودُ لَعِباً: تأمّلاتُ كائنٍ عابثٍ

    “مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ”

     الدّهريون العرب

    بعدَ أن أضنتهُ التّجربة الوجوديّة وصار العبثُ بالنسبة إليه مذهبًا راسخًا، ارتأى المالينخولي السّعيد أن يضطلعَ بتدوين تأمّلات تكون بمثابة تأصيلٍ لكيانه. و قد تخيّر الكتابة على نحوٍ شذري/مقطعي بما يتلاءم مع مزاعمه و مصادراته، دون أن يتورّط في التشقيق المنطقي أو البناء النّسقي،  فخارطته الوجوديّة تتشظّى و تتشقّق في انتظار السّقوط الأخير، و كذا نصّهُ.

    ورد في لسان العرب أنّه يقال لكل من عَمِلَ عملاً لا يُجْدي عليه نَفْعاً: إِنما أَنتَ لاعِبٌ. يكُونُ الإله بناءً على هذا المعنى اللّغوي لجذر ( ل.ع.ب) أوّل كائنٍ لاعبٍ، باعتباره مُنشِئًا لوجودٍ لا يجدي عليه نفعًا و لا ضرًّا. تفطّن “أبيقور” إلى هذه اللّطيفة حينما أقرّ بأنّ الآلهة كائنات كاملة و مغتبطة و منزّهة عن كلّ ما عداها و مكتفيّة بذاتها ! و إذَا كانت حقًا كذلك، تكونُ آلهة لاعبة/عابثة بإيجادها للموجودات. لكن إذا أردنَا قَلْب المعادلة، و جعلْنَا المخْلوقَ مكانَ الخالقِ، لانْفكَّ اللُّغز و تنزّه الإله عن نقيصة اللّعب : لقدْ اخترعَ الإنسانُ الآلهة لحاجةٍ في نفسهِ، و بذلك ارتكب أوّلَ حماقةٍ فاصلةٍ في تاريخه : حماقةُ المعْنى/الغاية.

    إذا كانَ العبثُ نقيصةً بالنسبة إلى الإله، فهو شرفُ الإنسانُ و أعلى تجلّيات وعيِه بذاته/حجمه/منزلته. لقد كانت فتوحات مُبينة تلك الكشوفات المعرفيّة التي خلخلت مسلّمات النوع الإنساني و قضقضت نرجسيّته كوسمولوجيًا و بيولوجيًا و سيكولوجيًا… لقد انبجست من تلك الثورات سرديّةُ الارتياب. و شرع الإنسانُ في إزالة السّحر/الوهم عن نفسه و عن العالم. لكنّهُ أعاد بناء أوهامه في سياقات علمويّة/وضعانيّة/حداثويّة أفضت به إلى الكارثة. و ماذا بعدَ الكارثة ؟ إنّها تباشيرُ فجرٍ جديد !… لقد عمّ الاستياء و الضّجر و الامتعاض و تفشّى اليأس و انتشرت اللّامبالاة و صارت الأرض حوضًا من حياض الجحيم يتقيّأ فيه غريبُ الأزمنة الحديثة… لقدْ وُلِدَ “اللّامنتمي” رسميًا !

    وُلد اللّامنتمي بصفة رسميّة إبّان النّصف الأوّل من القرن العشرين، أي إبّان الكوارث الكونيّة المقنّنة و المُوَقّعة. و افتتح بولادته عصر العبث غير الخجول/ العبث الصّارخ، عصر إسدال السّتار عن كلّ التوهّمات الإنسانيّة، عصر تكشّف القُبح سافرًا مُتبرّجًا دون رياء. إنّ اللّامنتمي عينه الإنسان الأخير، دشّن بولادته بداية النّهاية، إنّهُ صوتٌ صارخٌ في البريّة الإنسانيّة، حيثُ الوحشةُ و اصطكاك الأسنان. إنّ عصر اللّامنتمي عينه عصر تجلّي الرّوح الكلّي الحقيقي و انكشافه – لقد خسر هيغل الرّهان -، عصر ظهور الذئب نازعًا عنه ثياب الحمل الطّيب الأخلاقي، لا مطمع بعد في أساطير الخلاص والمخلّصين، ولا إيمان بعد في غائيّة التّاريخ و نبل مقصده، و لا اعتقاد بعد في العناية الإلهيّة.

    يقوم الإدراك الإنساني على الفنطاسيا أو التّوهّم، فهو تمثّلي في كنهه. و بالعودة إلى مصنّف شوبنهاور “العالم إرادةً و تمثّلًا” – يُعتبر من روافد المالينخولي السّعيد الكلاسيكيّة – ، نعثر على هذه الفكرة بوضوح : فالإنسان“لا يعرف شمسًا و لا أرضًا، و إنّما يعرف فقط عينًا ترى شمسًا و يدًا تحسّ أرضًا، و أنّ العالم الذي يحيط به إنّما يكون قائمًا هناك بوصفه تمثّلًا فحسب”. تنتفي وفق هذا التقرير أسطورة تطابق المقول بالمعقول بالمحسوس. فالإنسانُ كائنٌ واهمٌ بالضّرورة، لا يرى إلّا ما تسمح له حواسه الخادعة برؤيته و لا يتمثّل إلّا ما يمليه عليه ذهنه المحكوم بإكراهات البيولوجيا ( قد يتسبّب الفصام مثلا -و هو مرض عضوي يصيب الدّماغ – في هلاوس سمعيّة لا وجود لها في العالم الحقيقي ) . يكون التّمثّل إذنْ لعبةً موغلة في الفردانيّة، شكل من العبث بالوجود و تشكيله و قولبته كالطّين الأملس.

    يقول المالينخولي السّعيد في إحدى يوميات خيبته : “ماذا أفعل في هذا العالمِ ؟

    أستيقظ كلّ يوم على وقع هذا السّؤال المُربكِ. تُعاوِدُني الرّهانات الكانطيّة بخصوص المنزلة و الواجب و الرّجاء و المعرفة.

    ماذا يمكنني أن أعرف ؟

    يكفي أنّي عرفتُ الخيبةَ تتكرّرُ في التّاريخ و في أنحاء الرّوح.

    ماذا يجب عليَّ أن أفعلَ ؟

    أنا سليل المنهزمين النّاعقين المبشّرين بخراب العالمِ و بطلانه. من سليمان الحكيم مرورًا بالمعرّي وصولًا إلى إيميل سيوران، أنا تلك البومة الوديعةُ، نذيرُ الشُّؤمٍ علامةُ الحكمةِ.

    ما الذي يجوز لي أن آمل ؟

    كلُّ تقنيات الرّجاء استنفذت إمكاناتها، أكتفي بترديد تلك الحكمة البوذيّة المحفورة على شاهد قبر نيكوس كازانتازاكيس، ”لا آمُل في شيء، لا أخشى شيئًا، أنا حرٌّ “. ما الإنسان ؟ الإنسانُ كائنٌ مسخٌ، يبدعُ أصفادًا إذا أطلّ الصبحُ ثمّ يحاول الفكاك منها سرًّا إذا وقبَ الغاسقُ، يبذلُ الجهد الجهيد موسمَ الحصاد ثمّ يحرقُ السّنابل ليشرعَ في الحربِ على الفُتاتِ، ضبعٌ يقتات على جيفة بني جنسهِ، ذئبٌ لأخيه، حفّارٌ للقبور الباذخة، طمِعٌ في حياةٍ فوقَ الحياةِ، حقودٌ حسودٌ ميّالٌ إلى الشرِّ نزّاعٌ إلى الأذيّة…

    تلكَ طريقتي في تَصْريفِ النّكدِ اليوميِّ، و كلُّ ما أبوحُ بهِ تنويعٌ على هذا القولِ الجللِ : باطِلُ الأَبَاطِيلِ،الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ. ( سليمان الحكيم – سفر الجامعة )”.

    ***

    3 – في جينيالوجيا الشرّ

    “وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ” – قرآن كريم ( سورة الأنبياء )

    “لَيْتَ كَرْبِي وُزِنَ، وَمَصِيبَتِي رُفِعَتْ فِي الْمَوَازِينِ جَمِيعَهَا، لأَنَّهَا الآنَ أَثْقَلُ مِنْ رَمْلِ الْبَحْرِ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ لَغَا كَلاَمِي.” – الكتاب المقدّس (سفر أيّوب )

    لماذا تحدث أشياء ضارة ؟ قال المالينخولي السّعيد و قد استبدّ به الحزنُ، كأنّه يحمل ثقل العالم وآلامه. لماذا يتألّم الإنسان؟ لماذا يقع فريسةً لتقلّبات الحياة؟… هكذا انسابت الأسئلة في ذهن صاحبنا و تبدّت له في شكل معضلات تعصى على الاستيعاب.  ثمّ استعاد معضلة الشرّ التي أثارها أبيقور وارتفعت من بعده إلى مقولة دهريّة غالبًا ما يضمّنها الهراطقة والزنادقة في سجالاتهم ضدّ حرّاس العقائد وزبانية القداسة، إذ كيف يحدث الشرّ في العالم تحت عناية ربٍّ رحيمٍ؟ لماذا يصابُ الرُّضّعُ بالأدواء المزمنة؟ لماذا تنزل الكوارثُ بالبشر فتخبطهم خبط عشواء؟ لماذا لا تتكافأ الفُرص في الأعمار و الأرزاق…؟

    يمكننا أن نزعم أنّ معضلة الشرّ هي الحجّة الأخلاقيّة الأقوى التي تدحض عقيدة العناية الإلهية، ورغم كلّ الرّدود الثيولوجيّة الغارقة في التبرير الفلسفي لمشكلة الشرّ ( الثيوديسيا ) إلّا أنَّها لا تصمد أمام تألّم صبيّ واحدٍ مصابٍ بداء عضال، ويمكن لكلّ اللّاهوتيات الدّفاعيّة ( الأبولوجيا ) أن تتهاوى أمام دمعة أمّ منكوبةٍ. لذلك أمكن لنا أن نخلص إلى مسلّمة مفادها أنّ العالم مُهملٌ ضدًّا على مبدأ العناية، وأنّ الطّبيعة قوّة عمياء لا تساير الإنسان ولا تخضع لمعاييره الأخلاقيّة، وأنّ حياة الإنسان محكومة بالصّدفة. إنَّ الحياة لعبة نرد، وما ثنائيّة الخير والشرّ ويا ينجرّ عنها من مفاهيم كالعدالة والقضاء والقدر والثواب والعقاب والابتلاء إلّا عزاءٌ ابتدعه الإنسان كي يبرّر بقاءه.

    وُلدت ثنائيّة الخير والشرّ بسبب الاعتقاد في ما أسماه نيتشة “وهم العوالم الخلفيّة”، أي الاعتقاد في وجود كينونة متعاليّة خفيّة عن عالم الظواهر، و بناءً عليه فإنّ لكلّ حدث يقع في عالم الظواهر سببًا خفيًّا ينجرُّ رأسًا عن العوالم الخلفيّة ولا يكون إلّا تجلّيًا من تجليات القوّة الخفيّة وعيّنة ظاهرة من حقيقتها. مثلا : حين يضرب زلزالٌ منطقة ما، سيُفسّر الأمر بأنّه عقابٌ من القوى الإلهيّة لأهل تلك المنطقة بسبب خطيئة اقترفوها أو اقترفها بعضهم أو سيفسّرُ بأنّه ابتلاءٌ لاختبار إيمانهم وصمودهم أمام قدر الآلهة و قضائها. وبالتّالي تُضفى على الزلزال صبغة أخلاقيّة باعتباره تحقيقًا لعدالة الآلهة بين البشر في حين أنّه لا يتعدّى أن يكون حدثًا طبيعيًا تحكمه قوانين وسلسلة من الأسباب. إنّ قانون السّببيّة لا يعرف خيرًا ولا شرًّا، ولا يهمّه أنّ يحقّق عدلًا في عالم الإنسان، ولا يدلّ على إرادة فوقيّة، بل إنّه لا يدلّ إلّا على نفسه.

    الإنسانٌ مُلقى على قارعة الكون، مُهملٌ ومتروكٌ للعدم، ليس ثمّة من يهتمّ لأمره غيره، ينبغي أن نتقبّل هذه الحقيقة كي نستطيع الصّمود أمام ما يحدق بنا من كوارث و آلام. علينا أن نستوعب أنّنا موجودون هكذا من دون مبرّر، نستمرّ في الحياة بسبب ضعفنا، و نموت عن طريق المصادفة وفق العبارة السّارتريّة. إنّ حياتنا مشرّعة على كمّ هائل من الممكنات المحكومة بثنائيّة المصادفة والسّببيّة. ولشرح ذلك يمكننا أن نضرب المثال التّالي : أن يكون زيد موجودًا في المنطقة ( أ ) وفي السّاعة ( ب )، وقد تزامن ذلك مع وقوع زلزال في السّاعة نفسها و المنطقة نفسها، وكان زيد من ضحايا ذلك الزلزال و لقي حتفه. في سيناريو آخر كان من الممكن أن يلزم زيد بيته ذلك اليوم وبالتّالي كان يمكن أن يسلم من الزّلزال، لكن تزامن وجوده في المنطقة ذاتها و الساعة ذاتها أدّى إل هلاكه. لذلك قلنا أنّ الممكنات محكومة بثنائيّة المصادفة ( تزامن وجود زيد وحدوث الزلزال في المكان نفسه ) والسّببيّة ( الزلازل تحدث نتيجة الإزاحات في الصّفائح التكتونيّة ). في ذلك اليوم الذي هلك فيه زيد بسبب الزّلزال بكت أمّ زيد وانتحبت مخمّنةُ أنّ موت ابنها كان بسبب قوى شرّيرة استهدفته، وخمّن بعض معارف زيد أنّ موته بتلك الطّريقة كان انتقامًا من الله بسبب بعض خطاياه.

    استوعب المالينخولي السّعيد أنّ ما نسمّيه شرًّا، لا معنى له في عالم الظّواهر، وأنّ كلّ ما يحدث للإنسان من أمراض و أوبئة ومجاعات وكوارث طبيعيّة لا يمكن أن ندينها أخلاقيًا لأنّها لا تسير وفق إرادة معيّنة، ولا تستهدف أفرادًا أو مجموعات بشريّة وفق خطّة معيّنة، فكلّ ما يحدث يحدث من دون غائيّة أو ماهيّة أخلاقيّة مُحدّدة سلفًا. وعلى الإنسان أن يحاول الحدّ من الأضرار والتخلّص من أكبر قدر ممكن من الألم في خضمّ المصادفات والكمّ الهائل من الممكنات. وعلينا دائمًا أن نضع تلك الوصفة الأبيقوريّة نصب أعيننا : القدرة على تنسيب تجربة الألم ومسايرته والمصالحة معه… ويبقى العزاء الأخير للإنسان في كون الحياة فانية عاجلًا أو آجلًا.

    ***

    4 – رجل لا يدري ويدري أنَّه لا يدري

    “العجزُ عن دَرْك الإدراك إدراكٌ”، هي كلمة حقّ أُريد بها باطل، جاءت على لسان أحد الأسلاف كي يُبرهن على حدود الإدراك الإنسانيِّ وبالتَّالي كي يُلجِمَ النَّاس عن الخوض في الإلهيات، لقد كانت مقالات أهل اللاَّهوت في البرهنة على عجز العقل – ومازالت – إحدى المقالات المُثبّتة لأرضيَّة تقبُّل العوام لكلِّ ما يُملى عليهم من تعاليم وعقائد، فكُلَّما ضاقت حدود المعرفة، اتَّسعت مساحة اليقين، وبما أنّكَ عاجزٌ عن المعرفة، عليكَ أن تُؤمن دونَ أن تسألَ، هكذَا يجري استعمال مقالة حدود الإدراك استعمالًا أبولوجيًّا لحراسة العقائد وتثبيتها في ضمائر المؤمنين، وهو في الأصل تثبيتٌ لنسقٍ لا يلزمُ حدود الفضاء الدِّينيِّ وحده بل يتجاوزه ليخترق الثّقافيَّ والاجتماعيَّ و السّياسيَّ.

    أمَّا صاحِبُنا المالينخولي السَّعيد، فهو يفهم قضيَّة حدود المعرفة غير الفهم الَّذي يرتضيه أهلُ اللّاَهوت ومن تَبِعهم من المؤمنين، بل يقلبُ غاياتهِم قلبًا، إذا طلبوا اليقين والثّبات، طلبَ صاحِبُنا القلقَ الدّائم والارتياب اللَّامُتناهي، خاصَّةً تجاه تلك “الأسئلة الكُبرى” الَّتي تُحيّر الدّنيا وتشغل النَّاس: بدءًا بالآلهة والسِّحر والرّوح مرورًا بالتّاريخ والعقل والنَّفس والأخلاق والعدالة والسَّعادة، وصولًا إلى الجيوبوليتيكا والاستراتيجيا والمُؤامرات الَّتي تُحاكُ والسّياسات الكُبرى الَّتي تُرسمُ بعيدًا …

    بعيدًا يقفُ صاحِبُنَا مدهوشًا أمامَ هذا الكمِّ الهائل من الأسئلة، …، ليُسلّمَ – من بعد ما أرهقهُ التأمَّلُ – بأنَّهُ لا يستطيعُ أن يحيط علمًا بكلِّ هذه المسائل، لأنَّ أُمورًا كثيرةً تحولُ بينهُ وبينها، أخصُّها غموضُ هذه المسائل وقِصرُ الحياةِ. هكذَا صرَّحَ الحكيم بروتاغوراس بالموقف ذاته تجاه مسألة وجود الآلهة.

    لقد أفضى التَّأمُّلُ بالمالينخولي السَّعيد في موضع سابق إلى أنَّ الإدراك الإنسانيَّ قائمٌ على تمثّلِ العالم تمثّلًا محكومًا بإكراهات متعدِّدة تؤُولُ به إلى التَّوهُّم، لأنَّ العالمَ كما هوُ قائمٌ في ذاته بمعزلٍ عن الوعي به، والوعيُ به لا يكون إلّا وعيًا واهمًا مُحاطًا بالتَّخيّل والرَّغبة والحُلمِ والأهواء، وهو وعيٌ فردانيٌّ غارقٌ في الخصوصيَّة إذ لا يمكنُ أن يتطابقَ وعيُ أحدهم بوعيِ آخر. لذلكَ فإنَّ صاحبنَا يتحدَّثُ عن الإنسانِ بألف التَّعريف ولامها قاصدًا نفسه، ولا يقصد الإنسان بإطلاقيَّته المنفلتة عن الضّبط. إنَّ الإنسان الفرد هو مقياسُ الأشياء جميعها، و قد سبق للحكيم بروتاغوراس أنْ صرَّحَ بأنَّ “الأشياءَ هي بالنِّسبة إليَّ على ما تبدُو لي، وهي بالنّسبة إليكَ على ما تبدو لكَ، وأنتَ إنسانٌ وأنا إنسانٌ”، كما أنَّ كلَّ قضيّة في العالمِ تحتملُ مجموعةً من الأحكامِ الَّتي تتعادلُ قوَّتها سلبًا و إيجابًا بالعودة إلى حصافة النَّاظر فيها وقوّة الحجج الَّتي يحشدها لها.

    تَبدُو معرفة الإنسانِ بنفسه وبالعالم المُحيط به، معرفةً محدودةً لا يسعهُ الإحاطةُ بها كُلًّا جامعًا، بل إنَّ نصيبه منها لا يتجاوزُ نُتفًا وشذراتٍ وتخمينات ممزَّقة، فكيف يتدبَّر المالينخولي السَّعيد نفسه في مواجهة العالم والحالُ أنَّهُ محدود المعارفِ؟ وكيفَ يُواجهُ تلك الأسئلة الكُبرى الَّتي لا محيد عن مُواجهتها، بل إنَّ بعضها حاضرٌ بقوَّة في أشدِّ تفاصيل حياته حميميَّة؟

    إنَّ تلكَ الفترة الفاصلة بين لحظتيْ الولادة والموت، لا تزيد في نظر صاحبنَا عن كونها مُزحة ثقيلة الظلِّ لا ينبغي التّعَامل معها بجديَّة مفرطة، لذلكَ فإنَّ تدبير الأسئلة ينبغي أن يكون على نحوٍ جزئيٍّ، كُلٌّ بحسب ما يقتضيه حالُهُ ومِزاجُهُ ووضعُهُ ورَاهِنُهُ، وليس على المرء أن يتنطّع في إيجاد الأجوبة النّهائيَّة أو أنْ يتكلَّفَ تشييد الأنساق الَّتي تدَّعي الإحاطة بكلِّ ما هو كائنٌ وما ينبغي أن يكون. بل إنَّ بعض القضايا تستدعي لامبالاةً ساخرةً، فعدمُ الاكتراثِ في حدّ ذاته إجابةٌ شافية عن كثيرٍ من المُزحِ الثّقيلة الَّتي يعتَبُرها أهلُ النَّسقِ قضايَا لا تستقيمُ الحياةُ إلاَّ باستكناه جوهرها، وما همُّ صاحبنَا إنْ استقامت الحياةُ أو لمْ تستقمْ؟

    اللاَّأدريَّة موقفٌ وجوديٌّ نبيلٌ جدًّا، موقفٌ حصيفٌ اتَّخذهُ المالينخولي السّعيد في غمرة قلقه، فوجد فيه خلاصهُ الخُلُقيَّ من كلِّ أوزار العالم وآلامه وتناقضاته، ونال من خلاله سكينةً تُردُّ إلى تلك التَّعطيليَّة المُطلقة، حيثُ يُخيِّمُ صمتٌ رهيبٌ، وتوقّفٌ تامٌّ عن الحُكم، ويأسٌ مُغتبطٌ من المعرفة البشريَّة.

    أن نقُول في نبرة سقراطيَّة واثقة “كُلُّ ما أعرفهُ هو أنِّي لا أعرفُ شيئًا”، أنْ نَزهدَ في المَعْنى، أنْ نقتصدَ في الغاياتِ، أنْ نعِي بلاأدريّتِنَا، أن نتوقَّفَ عن الحُكْمِ، أن نُعطِّلَ الأسئلة البعيدة، تلك هي الفضائل الوجوديَّة الَّتي يرمي إليها المالينخولي السَّعيد، والَّتي تُؤدِّي به إلى ضربٍ من الشّكوكيَّة المُطمئنة. وكيف يكُونُ الشَّكُ مُطمئنًّا؟ ذلكَ هو البرزخُ الَّذي يقفُ في رحابهِ صاحبُنَا، تلك هي المُعادلة الَّتي تحكمُ سيرته الوجوديَّة، أوَ لمْ نسأل منذ البداية: كيفَ تكُونُ المالينخوليا -وهي مزاجٌ سوداويٌّ حادٌّ- كيف تَكونُ سعيدةً؟

    ***

    5 – اعتزالُ الفتن

    “تُحدّثُونني عن أنباءِ السّياسةِ. لو عرفتُم كمْ أنا غير عابئٍ بها! لم ألمسْ صحيفةً مُنذُ أكثر من سنتين. كلّ هذه السجالات تبدو لي الآن متعذّرة على الفهم …” – آرثر رامبو 

    “أيّها المالينخولي السّعيد، توقّف عن حيادكَ الجبان، وجِدْ لكَ موقفًا من هذه الحرب القائمة بين قوى الظّلام وقوى النّور في عالمنَا، إنَّ عالمنا هو الأفضل بين العوالم الممكنة، وليس بالإمكان ما هو أبدع منه، فدعْ عنكَ جُبنكَ وسلبيّتكَ وخُضْ الحرب إلى جانب الحقِّ، إلى جانبنا نحنُ، وإلّا فإنّكَ محسوبٌ على أعداء الحقّ، أعدائنَا …”

    كثيرًا ما يسمع المالينخولي السّعيد مثل هذه الخطب الوعظيّة من أصحابه ومعارفه، محاولين استدراجه إلى اتّخاذ موقفٍ سياسويّ مباشرٍ أمام ما يحدث في العالم من أهوال، مُوهمين إيّاه أنّ الحقَّ في قبضة طرفٍ بعينه، وأنَّ الشرّ من اختصاص عدوّ ذلك الطّرف، وأنّ الحرب بينهما حربٌ بين حقّ و باطلٍ، وإذا لم تخترْ الحقَّ فإنّكَ حتْمًا من أهل الباطل.

    هكذا يتمُّ تصنيفُكَ والانتهاء منكَ بوضعك في أحد رفوف البؤس الإيديولوجيّ، فصمتُكَ يثير رعدتهم، إنّهم يهابُونَ غموضكَ وفرادتكَ ولا تقرّ لهم عينٌ إلّا بعد التَّأكّد من موقعكَ: إمّا معهم أو ضدّهمْ. لا يمكنكَ أن تقطُنَ خارج منطقتهم المانويّة، ومنطقهِمْ الثَّنائي القائم على تقسيم العالم تقسيمًا بدائيًّا لم يتجاوز ثنائيّات نحنُ وهُم والخير والشرّ والنّور والظَّلام والرَّحمن و الشَّيطان …

    إنّ كمّاشة “الإحراج الُّثنائي الزّائف” آلةٌ ذهنيّةٌ صدئة، بها يحاولونَ اقتلاع المالينخولي السّعيد من الموقعْ الَّذي تخيّرهُ لنفسه حتّى يتسنّى لهمْ رؤيته بوضوحٍ، فإذا كانَ ضدّهم يُحاربونَهُ، وإذا كان معهُم يجنّدونهُ كي يُحارب إلى جانبهم، لكنَهم لا ينالون مُرادهُم لأنّهُ عصيٌّ على التَّصنيف، إنّهُ كائنٌ مُوغلٌ في فردانيّته ولا يستطيع أن يكونَ حطبًا في محرقةٍ لا تعنيه، ولا جنديًا في حربٍ يُعلِنُها الأباطرة ويُسحقُّ فيها سِفلةُ النّاس ومُغرَّرُوهم.

    يُشدّدُ المالينخوليُّ السَّعيد على فردانيّته، فهي تُعدُّ من فضائله الَّتي يسلُكُ حياتَهُ وفقهَا، فصاحِبُنا منهمٌّ بذاته مُنشغلٌ بها، لا يطلب غير ملذّاته وسكينته، ذلك أنَّ حياته قصيرةٌ ولا تتّسعُ لأنْ يُهدرها في النّضال من أجل قيمٍ ومُثلٍ مُحالٌ إشاعتُها في عالمٍ تغلبُ عليهِ نزعاتُ العُنف والجشعِ، كيف يُمكنُ الاصطفاف خلفَ قائدٍ، أو زعيمٍ، أو سياسيٍّ يتبنّى مقولات مثل الأمّة والقوميّة والهويّة والدّين وصناعة المجد ويُتاجر بها في سوق المُثل العُليا والقيم الخالدة؟ لقد اُستغلّت هذه المقولات طيلة تاريخ النّوع الإنسانيّ من طرف أصحاب السّلطتين الزّمانيّة والرّوحيّة، وكُتبتْ الملاحم والأمجادُ بدماء الجماعات الَّتي وهبت نفسها فداءً لانتماءاتها، لكنَّ المالينخولي السّعيد يأبى أن يكونَ بيدقًا يخدمُ لحساب الشّاه على حسابِ سعادتهِ الفرديّة.

    لن ينتهي بُؤسُ الإنسانِ إلّا بانقضاء نوعه، ولنْ تخمُدَ نارُ المحرقة دون التَّوقّف عن إيقادها، ولنْ تنتهي “الفِتَنُ” إلّا باعتزالها، هذا ما استقرّ عندهُ رأيُ صاحبنا، لمْ يتراجع المالينخولي السّعيد عن مواقفه الَّتي سجّلها في مناسبات سابقةٍ: مُعاداةُ التّناسل واليأس من الإنسان وإرادة الفناء والاستقالة من الحياة العامّة واعتزال القضايا الكُبرى والتَّمسّك بملذّاته الفرديّة البسيطة، تلكَ هي فضائله الَّتي يُصرّفُ من خلالها حياتهُ العرضيّة.

    ***

    6 – مانيفيستو الموت السعيد

    “و الموتُ ليس برديءٍ. إنّما خوفُ الموتِ رديء” – الكِنْدي

    “… غلِطت الأنفسُ – الضعيفة التمييز المائلة إلى الحسّ- في الموتِ، وظنّتهُ مكروهًا، وهو ليس بمكروهٍ” – الكِنْدي

    الموتُ، ذلك العدوّ البغيض للنوع الإنسانيّ، هادمُ اللذّات الأشدّ إبهامًا بالنسبة إلى المعرفة البشريّة، يُثير رعدة الحاضرين أينما ذُكرَ إسمه، و يفزع له النّاس لمجرّد التفكير فيه أو تخيّله ، حُبّرت في ذكره الأسفار المقدّسة وحيكت من أجل فكّ سرّه حكاياتُ الأصلِ و مواعظُ المعاشِ و أساطيرُ المعادِ، و للموت أيضًا طقوسه و شعائرهُ التي لا تخلو منها ثقافةٌ مهما كانتْ “بدائيّةً” وفق تصنيف البعض. لكن ما الذّي يمكنُ للإنسان أن يجزمَ بمعرفته ؟ الإجابةُ محلّ اتّفاق بين أهل الإيمان وأهل العلم: “قُلْ إنّ الموتَ الذي تفرّون منه فإنه ملاقيكم”، و الموتُ أيضًا واقعة بيولوجيّة لا ريب فيها.

    ماذا يعني أن نقرنَ السّعادة بالموت؟ و كيف يكونُ الموتُ سعيدًا؟ و هل بإمكاننا كتابةُ بيانٍ في مديح الموتِ؟ قد يبدو من غير الشائع أن نتحدّث عن الموت مقرونًا بالسّعادة إلّا في حالة الحديث عن السّعادة الأبديّة ، لكنَّنا نعلم أنّ المالينخولي السّعيد يقطعُ مع كلّ مفهوم أخرويٍّ، و أنَّ تأمّلاته و أفكارهُ منشدّة إلى ال”هُنا” لصيقةٌ با”لآن”. إنّ الأمرَ  راجعٌ إلى نظرته إلى حياته، فهو ليس متعلّقًا بها ، بل هو رافضٌ لها بالأصالة و مستوعبٌ لعرضيّتها و مُرحّبٌ بحتميّة فنائها، لذلكَ فإنَّ صاحبنا لا يهابُ الموتَ بل يُصادِقُهُ و يُصالِحُهُ.

    يُعرّف الفيلسوف الكِنْدي الحُزنَ بأنّهُ ” ألمٌ نفسانيٌّ يعرضُ لفقْدِ المحبُوباتِ و فوْتِ المطلوبَاتِ “، و الحياةُ بالنسبة إلى صاحبنا ليست بمحبوبةٍ و لا هي بمطْلوبةٍ، بل هي حُفرةٌ فارغةٌ و باردةٌ قُذفَ إليها قسرًا، لذلكَ فإنّ واقعة الموتِ واقعةٌ سعيدةٌ لأنّها خلاصٌ من هذا الوجودِ القسريِّ. تشكّلُ حادثة الولادة بداية مأساة الكائنِ المالينخوليِّ، أمّا الموتُ فإنّهُ أكثر النهايات الممكنة سعادةً لتلك المأساة. لقد أحسنَ الحكيمُ إيميل سيورانْ نقلَ هذه الفكرة حينَ قال:” نحنُ لا نركضُ نحو الموت، نحنُ نفرّ من كارثة الولادة”.

    يُعدُّ الخوفُ من الموتِ حائلًا دونَ المُصالحة معهُ، هذا ما نتعلّمُهُ من الدّرس الأبيقوريّ، فالمعلّم أبيقور لا يرى في الموت ما يستدعي الخوف أو القلق، لأنّ الموت يقع في منطقة “اللّاوجود”، و تلك المنطقة لا تعنينا لأنّنا لا نقع في نطاقها، إنّ الموت “لا شيء بالنسبة إلينا ، إذْ عندما نكونُ فالموتُ لا يكونُ” لأنّهُ بمثابة فقدانٍ كلّي للإحساس، تلك هي خلاصة الدّرس الأبيقوريّ . لذلك ينبغي أن نتقبّل فكرة فنائنا في طُمأنينة ، فالموت يعني انعتاقنا من آلام الجسد و من مخاوف الفكر و من تقلّبات الحظّ.

    لقد بات الموتُ موضوع تهكّم المالينخولي السّعيد بدلًا من أن يكون مصدر مخاوفه، فحدثُ الموتِ هو غايةُ العبث و مآلُ كلّ تعب الإنسان. يكفي أن تقف متأمّلًا أمام إحدى المقابر حتّى يتبيّن لكَ انعدام الجدوى، كلُّ قيمةٍ هي معدومةٌ أمام الموتِ. ليست هذه دعوة زهديّة و لا وعظة أخلاقيّة،  إنّما هي لحظةٌ تُسفَّهُ فيها كلّ الأحزان المتعلّقة بالحياة اليوميّة و تفاصيلها السّمجة. إنّ لحظةَ المصالحة مع الموت هي لحظة تحرّر الإنسان من جميع مخاوفه وآماله.

    ليس الموت بالحادثة الجليلة ولا هو بالواقعة المهيبة، لقد بات جديرًا بالكائن الإنسانيّ أن ينقُشَ على شاهدة قبره الكبير -تلك الحفرة الباردة ، أُمُّنا الأرض- تقريرًا عن  تفاهة الموت و برودته. فأنْ ننتهي في فراشٍ تُرابيٍّ رطبٍ حيثُ نتحلّلُ بفعل البكتيريا ونهم الدّيدان، لا تزيد هذه النهاية التّراجيديّة عن كونها عمليّة بيولوجيّة صغيرة منخرطة في نظام اشتغال آلة الطّبيعة العمياء. تتبدّى “تفاهة الموت” جليّةً للناظر إذا ما فُكَّ عنهُ ذلك السّحر و نُزِعتْ عنهُ أهوامُ العوالِم الخلفيّة وأساطير الحيواتِ البَعْديّة.

    حياةٌ ثُمّ موتٌ ثمّ… لاشيء! ما أشدّ غبطة المالينخوليّ السّعيد بهذا السّيناريو!

    ***

    7- الظُّلمةُ باهرةٌ ولا حاجة إلى الشّموع

    “أيّتها الآلهة والنبوات والزعامات والمذاهب والعقائد والتعاليم… أيّتها الأشياء والكائنات-كلّ الأشياء والكائنات… ما أقلّ جمالك وأردأ حظوظك لولا الأكاذيب التي تهبك كلّ جمالك وكلّ حظوظك…”

    –عبد الله القصيمي

    “إنّ الحياة أمرٌ بائسٌ جدًّا، ولهذا قرّرت أن أقضيها في التأمّل فيها.”

    -آرثر شوبنهاور

    للمالينخولي السّعيد هوايات يُروّح بها عن نفسه مُنتظرًا ساعة خلاصه الأبديّ، ساعة انعتاقه من هذا العالم المجذوم، فصاحبُنا كائنٌ خاملٌ لا يُنجزُ شيئًا يستحقّ الذكر أو التخليد في سجلّات الإنسانيّة الحافلة، فلا تراهُ يُعلنُ حربًا إلّا على الرّيح، ولا يعِدُ بالإصلاحِ ولا يفكّر في مستقبل الأجيال القادمة ولا يأملُ في غدٍ أفضل ولا يُدخّنُ غليونًا فائحًا بعبق العدالة الاجتماعيّة ولا يزيّنُ رقبته بوشاح مُطرّز بالشِعر الأمميّ ولا يُغطّي رأسه بقبّعة مُبطّنة بالأفكار الخطيرة ولا يهرف بكلام مُهمٍّ أبدًا… إنّ هواية صاحبنا المفضّلة وتسليّته الأثيرة هي التلصّص على العالم من خلال ثقوبٍ افتعلها في جدران جُحرهِ الوجوديّ، لا غرض لهُ في ذلك سوى الاستمتاع بمشاهدة النيران التي تشبُّ كلّ حينٍ في مسرح العالم المنخور بالسّوس…

    لا يُحبّذ المالينخولي السّعيد إشعال الشموع ولا يريد أن يحترق كي يُنير الطّريق، فهو لا يلعن الظّلام ولا يُعاديه، بل إنّ في نفس صاحبنا رغبة عارمةٌ في رؤية الظّلام مُخيّمًا في الأرجاء، ولكمْ يودّ أن يشهد ذلك اليوم الذي ستنطفئ فيه هذه النقطة الزّرقاء الباهتة –أمّنا الأرض- إلى الأبد، لتحلّ مكانها ظُلمةٌ باهرةٌ، وصمتٌ كونيٌّ جليلٌ يُمزّقهُ من حينٍ إلى آخر نجمٌ ثاقبٌ أو انفجار جرمٍ سماويّ. سوف يستمرّ الكون في الاشتغال بمنطقه الخاصّ غير عابئٍ بالسّخافات التي سطّرها الإنسان في سبيل فهمه وتأويله والسيطرة على قوانينه. لم يكتفِ الإنسان –ذلك الكائن الجُذاميّ، سوسة الأرض- بالنخر في هذا الكوكب المسكين، بل صار يبحث في إمكانات الحياة خارجه، علّه ينجح في تثبيت موطئ قدمٍ في كويكبٍ آخر كي ينتشر فيه كالورم الخبيث.

    يُمضي المالينخولي السّعيد أيّامه الطّوال مُختلسًا النّظر إلى المهازل الكُبرى التي تُرتكبُ في حظيرة البشر، حيثُ يتصارع الجميع وسيقانهم غارقةٌ في المياه الآسنة، غير عابئين بنُتونة الجوّ وفساد الهواء، يتصارعون إلى أن ينتهي أمرهم غارقين في الوحل، فتتكدّس جثثهم المتعفّنة ليعتليها ورثتُهم ويُشيّدُوا من جماجم آبائهم صروحًا أخرى يعتلونها كي يُواصلوا من بعدهم مسيرةَ الخرابِ. لم يتّعظ النوع الإنساني من تاريخه البغيض، ذلك التّاريخ الذي اعتبره الحكيم إيميل سيوران ” لا شيء سوى تكرار للكوارث بانتظار الكارثة النهائيّة”، إنّ نظرةً أبوكاليبتيكيّة ثاقبة مثل هذه تُلخّص تاريخ العالم وتُعرّيه من جميع التأويلات المثاليّة التي ينسجها جراحوا تجميل الطّبيعة الإنسانيّة الفاسدة وصانعُوا الأقنعة البلاستيكية الباسمة.

    ينظر المالينخولي السّعيد إلى المُتفائلين وصنّاع الأمل ضاحكًا مُتهكّمًا مُتعجّبًا من تلك القدرة الفريدة على تجاهل الفساد الأصلي المُستفحل في الطّبيعة الإنسانيّة،  مُستغربًا من إصرارهم على الإصلاح والترميم والترميق والتزويق .يجعلون من الحياة قيمةً عُليا تستحقّ النضال والتّعب والكفاح والمعاناة، لقد قال صاحبنا في مناسبة سابقةٍ أنّ “الضّرر هائلٌ وجبرهُ صار محجوبًا عن الأفق” وقد تنبّه كاتب سفر الجامعة -المنسوب إلى سليمان ملك بني إسرائيل- إلى هذه الحقيقة الوجوديّة منذ آلاف السّنين فقال:”رأيتُ كلّ الأعمال التي عُملت تحت الشمس فإذا الكلُّ باطلٌ وقبضُ الريح، الأعوج لا يمكن أن يُقوَّم والنقص لا يمكن أن يُجبر”(سفر الجامعة، الأصحاح الأوّل).

    ليست محاولات الإصلاح وازدهار سرديات الأمل سوى علامات انحطاط وقصور في استكناه الشرط الإنساني. إنّ أرقى ما يمكن أن يصل إليه عقلٌ بشريٌّ، هو ما وسمناه ب”إرادة الفناء”، تلك الإرادة التي تتحدّى “إرادة الحياة” المفروضة علينَا بيولوجيًا حتّى نُحافظ على بقاء النّوع، إنّ الثورة الوحيدة الممكنة في هذه الحالة هي الثورة على برمجتنا البيولوجيّة وتدمير خطط النظام الطّبيعي الأعمى والتخلّي عن أوهام الخلود الجيني ورفض تمرير المعاناة إلى جيل آخر، أمّا غير ذلك فهو ليس أكثر من مساهمة في استمرار تلك المهزلة /العاهة التي نُسمّيها “الحياة” .

    إنّ فكرة الفناء الإراديّ والقول بأفضليّة العدم على الوجود والإقرار بعبثيّة الحضور الإنساني في الكون والخلوص إلى فساد الطّبيعة الإنسانيّة، هي قواعد وجوديّة أصيلة في محاولة فهم الشرط الإنساني، وقد حكمت هذه المقولات تمثُّلات العديد من الأنفس المالينخوليّة طيلة تاريخ الفكر، تلك الأنفس التي قالت لا في وجه حياة لا طائل منها ودعت إلى وقف المهزلة عبر رفض التّكاثر البشري والدعوة إلى مقاطعة الإنجاب، حتّى يتسنّى لنوعنا الفناء بأناقة دون حروبٍ نوويّة أو معارك ملحميّة مثل التي يروّج لها المنتمون إلى السرديّة التوحيديّة الإبراهيميّة(هرمجدون /الملحمة الكبرى /أبوكاليبس سفر رؤيا يوحنّا اللّاهوتي).

    ***

    8- العالمُ عينُه الهاوية

    “خسِستِ، يا أمّنا الدّنيا، فأفّ لنا، – بنو الخسيسة أوباشٌ، أخسّاءُ ! ” – أبو العلاء المعرّي

    “تاريخ العالم هو تاريخ الشرّ، جرّب أن تستثني الكوارث من التطوّر البشري- ستكون كمن يتصوّر الطّبيعة من دون فُصول.” – إميل سيوران

    “تتأرجحُ الحياةُ كرقّاص السّاعة بين الألم والضّجر.” – آرثر شوبنهاور

    كثيرًا ما يتردّد على مسامع صاحبنَا أنّ العالم في هذه الأيّام يتّجه نحو الهاوية، وأننّا نُزامنُ حقبةً رديئةً وأنّ أيّامنا هي الأسوأ على الإطلاق. لكنّ ما يلفت الانتباه حقًّا هو تردّد هذه العبارات تقريبًا في العصور كلّها وعلى ألسنة الأمم جميعها، حتّى أنّ الشاعر الرّوماني “جوڤـِنال” (توفي ق2م) ذكر في إحدى هجائياته “أنّنا وصلنا إلى الدّرجة القصوى في الرّذيلة، وأنّ من يأتون بعدنا لن يستطيعوا أن يتفوّقوا فيها علينا”.  فهل يتّجهُ العالمُ  صوب الهاويّة حقًّا؟ وهل النّكباتُ التي تحلّ بنا خاصّةٌ بعصرنا دون بقيّة العصور؟

    … للمالينخوليّ السّعيد رأي آخر، إنّ العالم عينُهُ الهاوية، ونحنُ نقطنُ في قعرها، تلك الحُفرة السّحيقة التي نُدفعُ إليهَا دفعًا بالقوّة لا بالفِعل، بقوّة الآلة الطّبيعيّة العمياء التي تشتغل وفقًا لدوافع لا نُدركُها، لأنّها تقعُ خارج حُدود التمثّل الإنساني، كلّ ما ندركهُ أنّنا موجودون في قعر هذه الهاوية، منخرطون في طرق اشتغالها، تائهون في ثناياها، نخبطُ خبط العشواء في اللّيلة الظلماء ونُشاركُ في صناعة آلامنا وتأبيد معاناتنا، نُمنّي أنفسنا بغدٍ أفضل ونرفض الإقرار بأنّ بُؤسنا لن ينقضي إلّا بانقضاء نوعنا.

    إنّ العالمَ مصنعٌ كبيرٌ لتكرير المعاناة وتأبيدها في عود أبديّ رتيب، تتغيّر الأزمنة وتتنوّع الأعراق وتتمايز الظّروف التّاريخيّة والثقافيّة، قد تتعدّد صيغ البؤس وتتفرّع معادلات الألم لكنَّ المعاناةَ واحدةٌ، إنّ هذا العالم ليس مكانًا للّراحة ولا للطُّمأنينةِ، إنّما هو ساحةٌ لخلق الحاجات والرّغبات التي لا تنتهي ولا تُشبع أبدًا، لا يكتفي الإنسانُ بالمُتاح ولا يشعر بالرّضا  ولا يقرّ لمتطلّباته قرارٌ، بدءًا من أبسط احتياجاته وصولًا إلى أكثر رغباته ترفًا وفُحشًا، سيتألّمُ إنْ لم يُشبعها، وسيضجرُ سريعًا إذا قضى منها وَطَرًا، ليزداد من بعد ذلك تحرّقه إلى المزيد من مشتهيات نفسه ومآربها، لأنّ لحظة تحقيق الارتياح وملامسة اللّذّة تمرّ كلمح البرق . لقد أحسن شوبنهاور وصف هذا الوضع الوجوديّ حين قال:” تتأرجحُ الحياةُ كرقّاص السّاعة بين الألم والضجر. ”

    يكُونُ العالم بمقتضى قانون الحاجات والرّغبات مسرحًا يخوض فيه الجميع الحرب ضدّ الجميع، حرب الأفراد على الأفراد والفرد على نفسه والنوع الاجتماعي على نظيره والأمم على الأمم والطوائف على الطّوائف والطبقات على الطبقات والنوع الإنساني على بقيّة الأنواع الحيّة، يتصارع الجميع من أجل سدّ حاجاتهم الجسديّة وإشباع رغباتهم المتجدّدة وانتزاع النّفوذ والهيمنة والمكانة والتفوّق وضمان ديمومة المصالح وتحقيق الأمن النفسي، إلى غير ذلك من متطلّبات النوع الإنساني التي تتجاوز منطق الحاجات الأساسيّة البسيطة، ذلك أنّ للإنسان رغبات بالغة التركيب ، مُشِطّة التعقيد ، يتعالق فيها العجيبُ والغريبُ واللّامُتوقّعُ، مثل أن يجلس سفّاحٌ إلى ضحيّته، يُقطّع أوصالها بدمٍ باردٍ، أو أن يُضحّي ملكٌ بجيش يُعدّ بالآلاف كي يحقّق رغبته في احتلال مدينة مجاورة أو أن يتلذّذ أحدهم بإلحاق الأذى بمن هم أضعف منه حالًا أو أن يستحمّ شخصٌ فاحش الثراء في حوض من الحليب والعسل كلّ يوم في حين يموتُ جارهُ جُوعًا وفقرًا…

    ستطول القائمة إذا تمادينا في ذكر رغبات الإنسان الفاحشة، ذلك أنّ أنّها ليست من قبيل الشواذ من الأمور، بل هي مُحرّك التّاريخ الإنساني الرّئيس، ذلك التّاريخ الذي تحكمه الرّغبات والأهواء والأحلام والأمنيات الشخصيّة والمُصادفات والغباء وسوء التقدير، ذلك التاريخ الذي يُكتبُ في مقصورات الجواري وفي مجالس اللّهو والطرب وفي صالات القُمار وفي طموحات الزعماء الجامحة وفي هوامات المُجاهدين الجنسيّة وفي رُؤى الأنبياء الهاذية وفي مآرب أرباب الأموال الجشعة…

    يُدركُ المالينخوليّ السّعيد أنّهُ عالقٌ في قعر هذا العالم/الهاويّة، ويعلمُ جيّدًا أن لا سبيل إلى تغييره أو إصلاحه، لذلك فهو لا يتّبع خطواته، بل يقبعُ آمنًا مُطمئنًّا في جحره الوجوديّ لا يغادره، يستيقظ كلّ يوم دون وجهة ولا هدف ولا غاية ولا سبب يدعوه إلى الانخراط في الحياة العامة، لقد قرّر الاكتفاء بتسطير الهجائيات، مهنته الوحيدة هي هجاء العالم وتعداد رذائله والتبرّؤ منه، وفي الأثناء يُصادِقُ الموت ويُغازلهُ، ويجدُ العزاء والسلوى في فكرة الفناء الأبديّ والعودة إلى ظلمات العدم، ف”لا مطلوب أبلغ من الموت”  كما جاء على لسان ابن عربي.

    إنّ هذا العالم سفينة سكرانة بلا ربّان، تتقاذفها أمواج الاحتياجات والرّغبات والأهواء والجُنون، وتُحاصرها شتّى العذابات والآلام، لا وجهة تنحو إليها ولا غاية تنشدُّ صوبها، لذلك فإنّ الانسحاب من الحياة العامة في هدوء لن يكلّفنا الكثير، بل إنّه المجد الوحيد الباقي، مجد الاستقالة من الوظائف الاجتماعيّة الباهتة، مجد الخروج من دوّامة الالتزامات التي لا تلزم، مجد الفرار من معركة نستبقُ خسارتها، مجد الحياة دون خوف ولا أمل ولا خيبات…

    “نحنُ عبيدٌ ونبقى عبيدًا طالما لم نُشْفَ من عادة الأمل”… هكذا تحدّث الحكيم سيوران !

    ***

    9 – تلك الصّخرة الّتي لن يرثها أحدٌ من بعدي

    “لماذا خرجْتُ من الرّحمِ، لأرى تعبًا وحُزنًا فتَفْنى بالخزي أيّامي؟” – سفر إرميا

    “يومُ المماتِ خيرٌ من يومِ الولادةِ” – سفر الجامعة

    “ألهاكُم التّكاثرُ حتّى زُرتُم المَقَابِرَ” – سورة التّكاثر

    لا يُعادي المالينخولي السّعيد أمرًا مثلما يُعادي الإنجاب/التّكاثر/التّناسل البشريّ، ولا يخفي اشمئزازه من التّكاثريين ولا استحقاره لكلّ من يدعو إلى الرمي بالمزيد من الحطب/الأطفال في هذه المحرقة/الحياة.  يمثّل الإنجاب في نظر صاحبنا  الجريمة الأصليّة، أمّا بقيّة الجرائم على فظاعتها فلا تزيد عن كونها مجرّد تنويعات على ذلك الأصل. لقد أقرَّ إميل سيوران بأنّ الشيء الوحيد الذي يفتخر به هو أنّه اكتشف في سنّ مبكّرة جدًّا أنّه لا يتعيّن على المرء أن يُنجب، واعتبرَ الآباء كلّهم مجرمين وغير مسؤولين، بل ذهب إلى اعتبار أنّ لقب “والد” هو أبشع الألقاب وأكثرها وحشيّة.

    انتهى ألبير كامو في مقاله “أسطورة سيزيف” إلى أنّ الحياة تستحقّ أن تُعاش على عبثيّتها وخلوّها من كلّ معنى، وإلى أنّه يجب علينا أن نتخيّل سيزيف سعيدًا على شقائه الرّتيب وبؤسه الأبديّ، وذلك  -تقريبًا- ما يسعى إليه المالينخولي السّعيد محاولًا جعل تجربته الخاصة محتملةً، لكنّهُ لا يقبل أبدًا أنْ يُوَرِّثَ تلك الصخرة السيزيفيّة أحدًا،  إنّ الحياةَ ميراثٌ ثقيلٌ وليس من الأناقة الوجوديّة أن نفرْضه  على كائنات/مُصادفات منويّة أخرى.

    تفتحُ الحياةُ فوهتها مثل بالوعة تستقبلنا ثمّ تُصرّفَنا في ثناياها، لنشرع في الرّكض واللّهاث، نُشبه قوارض المجاري في تيهها بحثًا عن نقطة ضوءٍ، لكنّنا في النّهاية لن نظفر بغير الموت. يُقذفُ بنا إلى هذه المتاهة كي نموت ببطئٍ وسط ضجيج الوعّاظ الّذين يُبشّروننا بأنّ كلّ شيءٍ يحدث لسببٍ مّا، وبأنّ حكمةً مّا تكمنُ خلف كلّ تفصيلٍ، كأنّ هذا الكون يُبالي بنَا أو يقيم لنا حسابًا. لقد خٌيّل إلينا في لحظة مّا أنّ وجودنا على سطح هذا الكوكب أهمّ من وجود حفنة من القراد والبراغيث على ظهر كلب، لقد بالغنا كثيرًا في تقدير أنفسنا، وأظنّ أنّ الوقت قد حان كي نُراجعَ سُوءَ تقديرنَا مُراجعةً جذريّة تكفي لأن نقرّر التوقّف عن إعادة إنتاج نوعنَا، وأن ننصرف عن هذا الكون بكلّ أناقة قبل أن نُلفظَ منهُ بالقوّة.  لن يُشفى الإنسان من إنسانويّته/مركزيّته إلا حين يقوم باختراق وعيه الواهم بنفسه وينسفه كُليًا؛ حين نتساوى أنطولوجيًا بالبقّ والعثّ والبراغيث وحين ندرك أنّ خلوّ الكون من نوعنَا ليس مأساة كوسمولوجيّة، لن ترثينا النجوم ولن تبكينا الكواكب ولن تُعلن المجرّات الحداد علينا.

    كلّنا جئنَا من الخطيئة، لا أقصد “الجنس” باعتباره شبقًا/متعةً خالصةً، بل أتحدّث عن مآل تلك المتعة حين تُصيّرُ مسخًا بشريًا جديدًا، نسخة أخرى من فساد الطّبيعة، توقيعًا آخر على سجلّ المعاناة. ما الخطيئة الأصليّة إن لم تكنْ خطيئة الإنجاب؟ لماذا نُصرُّ على تأبيد الشّقاء؟ ألمْ يُلعنْ آدم في سفر التكوين حتّى عُوقبَ بالكدح والتّعب في سبيل العيش حين قيل لهُ “ملعونةٌ الأرض بسببكَ؟ ألمْ يُحكمْ على حوّاء بوظيفة الإنجابِ حكْمًا يوضع في مقام العقاب لا الهديّة حين قيل لها “تكثيرًا أكثّر أتعابَ حبَلكِ، بالوجعِ تلدينَ أولادًا”؟ ألم يُخلقْ “في كبدٍ”  وفق العبارة القرآنيّة؟ ألم يُوصف بأنّهُ ظلومٌ جهولٌ حين تحمّل ما لا طاقة له بتحمّله؟ … ثمّة حُدوسٌ كامنةٌ في السرديّة الإبراهيميّة تُنبئنا بأنّ الحياة نفسها غلطة وخطيئة تحمّلها الإنسان ولا يزال مصرًّا على تحمّلها حتّى تأتيه السّاعة بغتة…

    إنّ ما هو كامنٌ عند الإبراهيميين الرسميين، يظهرُ بجلاءٍ في قصصيات الشرق الأقصى وفي تعاليم الغنوصيين، لقد اعتبر بوذَا أنّ جوهر الحياة معاناة، فالولادة في الأدبيات البوذيّة هي منبع الألم الأوّل ومصدر الشّرور جميعها. واتّفقت كثيرٌ من مدارس أهل الغنوص على أنّ هذا العالم لا يمكن أن يكون من فعل إله خيّرٍ، بل هو من صنع/اختلاق قوى شرّيرة، دعا النّبي البابلي ماني إلى تجنّب الإنجاب، معتبرًا ذلك خطوة كبرى نحو الخلاص النهائيّ، واعتبر الانكراتيون (جماعة مسيحيّة غنوصيّة) أنّ وسيلة البشر لقهر الموت هي التوقّف عن الإنجاب. فالتكاثر في نظرهم وسيلة تغذّي الموت بتكثير المواليد الميتين حتمًا.

    تُحذّر التعاليم الأبيقوريّة من اللّذّة التي يعقُبها ألم، مثل لذّة الخمر التي قد يعقبها ألم الصداع والغثيان، ما فات أبيقور هو أنّ الجنس أيضًا لذّة قد يعقبها كائنٌ جديدٌ، قربانٌ حيٌّ مجبول من الانتشاء لكنّهُ مُكرّس للألم وللمعاناة، معاناة لا تدوم سويعات قليلة مثل صداع الكحول، بل تدوم حياةً كاملةً، ولا تُؤذي صاحبها فحسبُ، بل تمتدّ إلى الكائنِ الجديد الذي أفرزته تلك العمليّة المتعويّة.

    كلّ متعة تُؤدّي إلى إعادة إنتاج الإنسان، لا يُعوّل عليها؛ تُعتبرُ متعة الجنس -من وجهة نظر تطوّريّة- مُكافأة تمنحها إيّانا الطّبيعة حتّى يُحبّب إلينا الإنجاب وبالتّالي نضمن بقاء النّوع واستمراره، لقد تفطّنَ آرثر شوبنهاور إلى هذا الفخّ الطّبيعي الّذي تقعُ فيه الأنواع الحيّة، وأقرّ بأنّ الطّبيعة تضحّي بالفرد في سبيل النّوع، إنّ كلّ ذلك يجري من خلال قوّة “الإرادة” العمياء الّتي تدفعنا إلى التشبّث بالحياة وإلى تمريرها إلى الأجيال اللّاحقة،  لكن وحده النّوع الإنساني قادرٌ على أن يغنمَ متعة الجنس دون أن يُحقّق غرضَ حفظ النّوع من الانقراض، والميزة الوحيدة الّتي يحقّ للإنسان أن يعتدّ بها أمام بقيّة الأنواع هي ميزة الرّفض؛ رفض “الإرادة” وبرنامجها البيولوجي العبثي الّذي لا يفضي إلّا إلى المزيد من شقاء الأحياء.

  • يوميات بعيدة النظر- أمل عايد البابلي

    يوميات بعيدة النظر- أمل عايد البابلي

    حينما أتأمل المرآة
    أرى وجهًا غريبًا عني
    لا يكف عن الدوران
    حول أفكاري الكثيرة
    لست من كوكب آخر
    ولست يابانية ترتدي تنورة قصيرة
    لتأتي الريح فتقلب التنورة
    بمزاج هادئ …
    أتأمل الكلام حينما ينسكب
    من الشفتين كأنه ماء رقراق
    في ساعة متأخرة .

    أشتري تذكرة
    وأحمل حقيبة تجرها محطات متعددة
    تقلب كل أحلامي
    وأتركها تخرج من ثقب عيني
    كما لو أنها اسماك زينة
    ثم أدسها في جيبي وأهرب
    بالجلوس خلف زجاج مقهى
    ضاحكة
    على تاريخ طويل
    محمل بالأسى دون أن نعلم لماذا ؟

    أتامل
    ذاك الرجل … أيها الشحنة الكهربائية الخطيرة
    كيف أرسلت البلاد تباعًا لمقبرة كبيرة؟
    وبقيت أنظر لزبانيتك دون أنحناء
    كأنني قنفذ يخاف الظهور
    وهو يستند لعصاه كجدة الحي القديم .

    أتأمل
    نافذة الفيسبوك
    كأنها مزاج طفلة مدللة
    تفقد أعصابها
    حتمًا سيموت الكثير
    حين تبتلع الزوبعة رأس الحلاق
    كأنه ملعب كرة قدم عالمية
    تدحرج هموم الأسبوع
    براس حارس المرمى .

    بكل مرة أقرأ بها
    الصحف..
    وأركز على الملاحق الثقافية
    أجد جثتي تتكأ على نافذة المقهى
    والأحد يلتهم أرغفة الناس
    كأننا في غابة الشهر الباهت
    نحصي عدد أصابع الاتهام
    وفناجين القهوة
    سجائر الضباط
    ملابس في الدولاب
    هرولة هارب
    نزيف معارض
    انتفاضة موؤودة
    مرارة لسان مقطوع
    ..
    كفى
    كفى
    أرددها مراراً
    ليسامحني الرّب
    فكل مفاصل الشبان
    هي حرب باردة
    بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية
    فلا يهمني
    أمور قبيلة ألتهمتها على مضض

    وأطهو أخطاء النهار
    في قدر رأسي النحاسي
    أهش بها خساراتي آخر الليل .

  • أنا المرأة الحزينة في الصورة – أسماء الرواشدة

     

    غسان النعنع

     

    كل شيء في مكانه

    السكين على الطاولة

    و الوحوش التي أطلقها في خيالنا الآباء صغارًا

    لم تغادر يومًا بيت العائلة ..

    أنت هناك

    على الجهة الأخرى من كل شيء

    صمتك يشعرني بالوحدة

    و يجعل الأبواب ثقيلة

    مثل رئات مشبعة بالماء

    أو صفعات متيبسة ..

    بينما قسوتك هنا

    تملأ جيوبي بالحجارة

    و تقودني كل مساء إلى النهر

    طائعة

    مأخوذة بالقاع

    مثل حصاة

    ليس لها فم

    أو حواف جارحة…..

    أنا المراة الحزينة في الصورة

    المراة التي تكتب شعرًا حزينًا

    عن يد و سكين

    و نقطة في آخر السطر

    لا تصلح كنهاية

    لأي شيء..

    هل عرفتني؟

    أنا المرأة الحزينة في الصورة

    المرأة التي تحبك بعمق

    وتكتب شعرًا حزينًا عن هذا وعن الوحدة

    و الموتى و عن الحروب البعيدة..

    أنا المرأة الحزينة

    التي غادرت الصورة

    ولم تترك فراغًا خلفها

    أو رائحة..

    المرأة التي لا تجيد العناية

    بنباتات الزينة

    ولا نفض الغبار

    عن صورة معلقة على الجدار

    لامراة حزينة

    تقف قرب النهر

    بجيوب مليئة

    بالحجارة.

  • ‏امرأة مستفزة – أحمد سالم

    ‏امرأة مستفزة – أحمد سالم

    ‏انتصرتُ على امرأة مستفزة بالوقوع في حبها. لم أحاول كتابة رسالة قصيرة أتفقد أحوالها، أو تمرير أغنية بذلاً لبدء محادثة مسبوقة النوايا. لأني ببلاهة كنت سأقول: مرحبا، هذه الأغنية سقطت منك، أو يحسن بك الاستماع إليها لأنها مسكونة بالوحدة. لم أعرف أيضا ماذا تحب، أو تكره، وما إذا كان اسمي يلوح في أفق رهيف أثناء شرودها.

    ‏أتقفّى نبرتها حين ترفض أمراً ما، لأنني لست متأكدا كم بدا الاعتراض رقيقاً ويحثّ على إلحاح لا نهائي، مثل ترددي. ألمّح لها بصمت عن نيّتي في الاعتراف، أنتظر -لو خطأً- أن تناديني باسم شخص آخر، لأحلّ مكانه في أبدية مستعارة.

    ‏أحب امرأة مستفزة

    ‏حتى الآن

    ‏”بكل هذا التعقيد الفاتن”.

  • عن السعادة – وانغ آن يي

    عن السعادة – وانغ آن يي

    ما هي السعادة؟ السعادة هي أن تشعر أنك سعيد.

    ربما هذا كلامٌ فارغٌ رجعيٌّ معروفٌ لدى الجميع، أمَّا ما أعرفه أنا، أنَّ ثمة العديدِ من الناس أو الكثيرِ منهم لا يبنون حياتهم ومعيشتهم إلَّا من أجل انطباعات الآخرين، لأنَّ التطفُّلَ على حياةِ الآخرين وعوائلهم أصبح جزءاً آخرَ من حياتنا.

    ويبدو أن حياتنا منقسمة إلى جزئين: الأول هي حياةٌ يراها الناس، والثانية أن نراقبَ حياةَ الآخرين. نحن نتعاطفُ مع مصائب الآخرين ونشعرُ بالسعادة، نحن نقيِّمُ أخبارَ الآخرين ونشعرُ بأنفسنا محترمين ذوي أخلاق، ولذلك، لا يسعنا إلا أن نكون متيقظين تماماً لما سيقوله الآخرون حول حياتنا.

    هذه ورطةٌ كبيرة ليس بإمكاننا التحرر منها، نحن مثقلون للغاية، وليس باستطاعنا التخلص من أحمالنا والشعور بالاطمئنان. وبسبب هذه الورطة والقلق، ذوت مشاعرنا، بل وأغفلناها.

    إننا مفعمون بمزيجٍ غريبٍ من احترامِ النفس والدونية، تصورات الناس عنّا مهمةٌ بالنسبةِ لنا، تجعلنا مزعزين. فإذا لم نحصل على التقدير والتصديق من الآخرين، فلن نصبح سعداء، ولن نصبح مبتهجين مُجدداً. ونحن أنفسنا ليس باستطاعنا إثباتُ أننا سعداء، لا يمكننا إثباتُ أن سعادتنا نحن صُنَّاعُها. نحن نعيش مستسلمين، نبحث عن السعادة ونفشل في العثور عليها دائماً، لأننا حين انطلقنا، فقدنا الطريق.

    ————–

    *وانغ آن يي: كاتبة صينية تعتبر من رواد الأدب الصيني المعاصر، ابنة الكاتبة المعروفة روي جي جيانغ.  نائب رئيس اتحاد كتاب الصين منذ عام 2006، وأستاذة الأدب الصيني في جامعة فودان منذ عام 2004. تتخذ معظم أعمالها من شانغهاي مسقط رأسها خلفية لها، وتكتب كذلك عن الحياة الريفية في آنهوي حيث انضمت إلى الشباب المثقفين الذين أرسلوا إلى الريف خلال الثورة الثقافية في الصين.

  • كليمنتين – فون راديكس

    كليمنتين – فون راديكس

    أشفقُ على من ستحبك بعدي

    ستأتي لموعدكما الأول

    حاملة مكنسة وجاروفا

    جاهزة للملمتك ثانية

    بعد ما تركتك قطعًا.

    ستسمع اسمي كثيرًا

    سيحفر داخلها ثقوبًا؛

    فيها ينمو الشك

    ستتأمل عنقك

    وأردافك النحيلة

    وفمك

    وتتساءل: كيف كنت أداعبك!

    ستعدك بالوعود كلها

    التي وعدتك

    وبعض مما عجزت عنه

    ستسمع منك

    – فقط –

    القصص المريعة

    كيف كنت أشرب

    كيف أنام.

    ستتساءل

    (كما قلتُ)

    كيف يحب شخص رائع مثلك

    وحشًا كتلك التي سبقتها!

    رغم هذا

    ستتبع شبحي

    ستفهم

    لماذا لا تنظر خلف الدولاب

    لماذا تخاف مما تحت السرير

    ستعرف

    أن زواياك كلها مسكونة بي.

    .

    – ترجمة: ضي رحمي.

  • كيف خلق ماركيز عالما في جملة؟ ماري موريس

    كيف خلق ماركيز عالما في جملة؟ ماري موريس

    كتب: أحمد شافعي

    حينما قرأت “مئة عام من العزلة” للمرة الأولى ، كان ذلك في عام 1974، وكنت قد اتخذت للتو قرارا بترك كلية الدراسات العليا والسعي إلى أن أصبح كاتبة. فتحت الكتاب ذات يوم رمادي، وأنا مستقلية في سرير بشقتي الضيقة. تلك لحظة لم يكن فيها أحد في حياتي، كنت وحيدة تماما. وقد تكون الحياة في نيويورك وحيدة إلى ذلك الحد. لم أكن أعرف كيف ستكون خطوتي التالية. لم أكن أعرف ما الذي سوف أفعله.

    كنت قبل ذلك أحاول الحصول على درجة الدكتوراه في الأدب المقارن بجامعة كولمبيا، ولكن قلبي لم يكن مخلصا في ذلك. ولا بد أن ذلك كان واضحا. فقبل سنتين حينما ذهبت إلى أستاذي ميشيل ريفاتير ـ أستاذ الأدب الفرنسي الشهير الذي كان يدرِّس لي ـ طالبة منه توصية للحصول على منحة كنت أسعى إليها، فاجأني بأن قال لي أغلقي الباب. في أول الأمر لم أكن أعرف فيم ينبغي أن أفكر.

    سألني “ماذا تفعلين بجانب دراستك العليا؟ هل أنت كاتبة؟”

    الحقيقة أنني كنت أكتب في ذلك الوقت. وطول الوقت، وفي السر. قال إنه خمَّن ذلك، من أبحاثي وإجاباتي في الامتحانات. الأمر المدهش أنه شجعني تماما. كان يعاملني تقريبا معاملة شخص تحت الوصاية، شخص في البدايات، ولكن ذلك ما كان، شجعني تقريبا على المضي في طريق مختلف تماما. وكان ذلك الطريق في نهاية المطاف هو الذي اخترته.

    ماري موريس روائية أمريكية صدرت لها سبع روايات منها: قصر الجاز

    في ذلك الوقت كنت أقيم في سكن ظريف يدعى “البيت الدولي للممشى النهري” وكان يقيم فيه طلبة من جميع أنحاء العالم. كان رائعا من أوجه كثيرة، لكنه كان في الوقت نفسه فوضويا أيضا. فقد كانت تعيش في الغرفة المقابلة لي امرأة لا تكف عن تشغيل موسيقى شديدة الصخب، ومثيرة للضيق، فكانت تشتتني تشتيتا رهيبا حينما أحاول العمل. وحدث مرة أن طرقت بابها طالبة تخفيض الصوت فما كان منها إلى أن صرخت في وجهي في اهتياج. وفي النهاية كان عليّ أن أنتقل إلى غرفة أخرى في جزء أهدأ من المبنى. وتصورت أن تلك نهاية المطاف.

    في ذلك الوقت تقريبا، سألتني صديقة كان شاعرة باكستانية تدعى شوجا إن كنت أريد أن ألقي قصائدي ضمن قراءة يرتبها. ولم أكن عرضت كتابتي على أي أحد حتى ذلك الوقت. أقصد أنه كانت لديّ أدراج مليئة بالقصص والقصائد لكنني لم أفكر قط في أنني قد أكون بالفعل كاتبة. كان زمنا مختلفا للنساء. فكنت أفكر أنني في أفضل الحالات إذا حصلت على درجة الدكتوراه، فقد يكون بوسعي أن أدرِّس لبعض الوقت بضعة مساقات بينما أربي طفلين. ولم يخطر لي قط أنني قد أقفز القفزة اللازمة لأكون كاتبة حقا، بكل ما كان يعنيه ذلك.

    لكنني وافقت بالطبع. ولما تقدمت للقراءة في تلك الليلة، كانت جالسة أمامي في الصف الأول، عدوتي، المرأة التي صرخت في وجهي حينما طلبت منها تخفيض صوت موسيقاها. خطر لي أن  بوسعي أن أقرأ هذه القصائد أمام أي شخص، لكنني لا أحتمل أن أقرأها في مواجهتها هي. وبطريقة أو بأخرى، وبرغم فزعي التام، قرأت. والمدهش أنها بعد ذلك جاءت إلي وقالت “لو كنت أعرف أنك تكتبين هذه القصائد، لكنت خفضت صوت الموسيقى”.

    قالت لي إن عليَّ أن أبدأ في إرسال قصائدي إلى العالم، وإنني ينبغي أن أقدمها لمجلات أدبية. وتلك كانت البداية لي. بعثت بضع قصائد إلى مجلة “ذي كولمبيا رفيو”، ونشروها. وفي ظل تلك التجربة، لم يعد بوسعي أن أتظاهر بالعكس: ذلك ما أردت أن أفعله. بعد سنتين في كلية الدراسات العليا وبينما كنت أستمع إلى الناس وهم يتكلمون عن أشياء من قبيل النظائر الأدبية ـ التي لا أعرف ما معناها إلى الآن ـ قررت أن الدراسة ليست مناسبة لي. لم أكن أعرف ما المناسب لي، ولكنني كنت أعرف أنه ليس الدراسات العليا. لعلكم تعرفون النكتة التي تقول إن الطيور ليست بحاجة إلى علماء الطيور؟ لقد كنت لفترة طويلة أتظاهر أنني من علماء الطيور بينما الحقيقة أنني من جملة الطيور.

    هكذا تركت الكلية. ولم تكن لديّ خطة. تركت السكن الجامعي وانتقلت إلى شقة صغيرة من غرفة واحدة. كنت أعمل في وظيفة مساعد مدرس، وبدأت الكتابة. لم يفهم والداي ما الذي كنت أفعله، أو السبب الذي يمنعني من النجاح في نيويورك مثلما كنت ناجحة في شيكاغو. لم يبد أن شيئا يسير على النحو الصحيح. حتى قطتي كانت تتجاهلني.  وكنت قد عثرت على قطة في الشارع فتبنيتها، وتبيّن أنها من أخبث القطط. فذات ليلة هربت القطة إلى السطح وكان على فرقة إنقاذ الحيوانات أن تأتي لإنقاذها. وبعدما أتى بها الضابط قدَّم لي “كتاب أدعية” ظنا منه أنني “بحاجة إليه”. مؤكد أنه لم يكن وقتا جيدا في حياتي.

    لكن حدث في يوم من الأيام ـ ولا أتذكر السبب ـ أن بدأت قراءة “مئة عام من العزلة”. كانت نسخة من الترجمة الإنجليزية الأولى، في غلاف جميل مقوّى. كانت تمطر، في نهار رمادي تماما، وأنا مستلقية بالكتاب في سريري. وفيما بدأت أقرأ، بدا وكأنني أرى اللون من جديد. تبدّد الرمادي. وحتى في هذا اليوم، بينما كنت أنظر إلى الكلمات الأولى مرة أخرى، شعرت بذلك الإحساس بالعمق واللون والثراء والخصوبة: شعرت بإحساس الحياة.

    بدأت بتلك الجملة الأولى الفاتنة:

    “بعد سنين كثيرة، فيما كان يواجه فصيلة الإعدام، كان على العقيد أورليانو بوينديا أن يتذكر عصر ذلك اليوم البعيد الذي اصطحبه فيه أبوه لاكتشاف الثلج”.

    كان عليّ أن أتوقف وأقرأ الجملة الأولى مرارا وتكرارا. لم أكن قرأت من قبل جملة كتلك، جملة بدا أنها تحتوي عالما بأكمله. كنت محبة للسفر وأدب الرحلات ولتلك اللحظة التي يطبع فيها الخاتم في جواز السفر. حينما قرأت الجملة الأولى من هذه الرواية، شعرت وكأن خاتما طبع للتو في جواز سفري. كنت قد خطوت إلى عالم مختلف تماما، عالم يتجاوز كل ما كنت رأيت أو تخيلت أو علمت أنه قد يكون ممكنا.

    كيف يحقق ماركيز سحر هذه الجملة الافتتاحية؟ أولا، هناك حقيقة أن الشخصية تواجه فصيلة الإعدام، فثمة بالتالي ذلك التهديد بالموت الوشيك منذ اللحظة الأولى. ينتابك هذا الإحساس الفوري بعالم سياسي خطر، عالم مليء بالخطر. ومع ذلك يتجاور مع العتمة إحساس بالدهشة، بفضل تفصيلة تجعل الأمر كله فاتنا وخارجا عن المألوف: ذكرى رحلة في الطفولة ، ذكري يوم مر في “اكتشاف الثلج”. كلنا نعلم ماذا يكون الثلج، هو مألوف لنا جميعا. لذلك تترك الجملة في نفسك هذا السؤال: في أي أرض يبدو الثلج أشبه بعنصر سحري ذي قوة توشك أن تكون ما وراء طبيعية؟ طبعا في كثير من أرجاء أمريكا اللاتينية في ذلك الوقت، كان الثلج شيئا نادرا، ولعله غرائبي. ولعل في هذا تذكرة بما قاله ماركيز دائما من أنه لم يكتب واقعية “سحرية” وإصراره على أن كل ما كان يكتبه إنما هي أشياء مرّ بها بطريقة أو بأخرى. في تلك التفصيلة البسيطة ترون مزيج العادي والاستثنائي شديد الارتباط بهذا الكاتب.

    ثم تأتي الحقيقة المدهشة، في هذه اللحظة الصعبة من حياته، إذ يتذكر ذلك الشخص الناضج كيف كان إحساسه وهو مع أبيه، وكيف أن عصر ذلك اليوم البعيد قد غيّر مجرى حياته. بدا بديعا لي إحساسُ ماركيز بأن الماضي يبقى حميميا ومتاحا لنا، مجاوزا حدود الحاضر. حياتي أيضا كانت ممتلئة بالذكرى في ذلك الوقت. كنت بعيدة عن البيت، وأفكر في ذكريات عن أسرتي، وعن الأشياء التي سبق أن قمت بها مع أبويّ حينما كنت صغيرة، كما حدث وأنا طفلة صغيرة للغاية حينما لفني أبي في بطانية ووضعني في السيارة، ومضى بي إلى حقل مزارع فأجلسني على مقدمة السيارة ومضينا نشاهد الغروب الناري البديع. منحتني هذه الافتتاحية بطريقة ما تصريحا بالحفر في ذكرياتي، في تلك اللحظات المشرقة من طفولتي. رأيت في مئة عام من العزلة وشخصياتها الممتدة على مدار الأجيال، كيف يمكنني أخيرا أن أحاول معانقة التاريخ الشخصي الذي كنت أعرفه بينما أشتبك مع رؤية أوسع امتدادا.

    لا بد أن يكون هذا هو أول كتاب قرأته فكان محتويا على خريطة نسب في بدايته. أتذكر دهشتي حينما أدركت أن بوسع المرء أن يحوي في كتاب واحد أجيالا عديدة وسنوات من التناسل والتعاقب. كان ماركيز هو الذي منحني التفويض بتجريب ذلك، في روايات سأجرب يدي فيها بعد ذلك بكثير. حينما بدأت كتابة “بوابة القمر”، شعرت بالروع من تحدي الكتابة عن أشخاص عاشوا قبل خمسمئة سنة، أشخاص عاشوا في فترة محاكم التفتيش. ذكرتني مئة عام من العزلة بأنني قادرة على كتابة تلك القصة، وأنها لا تستوجب أكثر من تصور الشخصيات في كفاحها وخيبتها وإحساسها. وفي رأيي أن من طرق القبض على الإنسانية طريق يتمثل في النظر إلى لحظات كالتي تستهل ذلك الكتاب، اللحظات الأصيلة التي تعاود الشخصية الرجوع إليها مرارا وتكرارا على مدار حياتها.

    حينما بلغ أبي الثمانين، اتصلت لأتمنى له عيد ميلاد سعيدا، ففوجئت به ينخرط في البكاء. حكى لي أنه رأى في الليلة السابقة حلما عن شيء حدث له وهو في الرابعة من عمره، شيء لم يكن يتذكره إلى أن حلم به في الليلة السابقة. أذهله أن يقدر على استخراج الذكرى الضائعة منذ أمد بعيد، ويفعل ذلك على أتم أشكال الكمال. قال إن “حياتي كلها تعيش بداخلي”. وقراءتي مفتتح مئة عام من العزلة تذكرني بأنني يجب أن أومن بهذا الشعور، أومن بأن الحياة كلها باقية بداخل المرء لا تغادره، منتظرة أن يجد سبيلا إلى الارتباط بها.

    يبقى عصر ذلك اليوم البعيد الذي اكتشفت فيه تلك الجملة ـ مثلما تذكر الكولونيل أورليانو بوينديا اكتشافه للثلج ـ إحدى هذه اللحظات في نفسي، اللحظة التي تعاودك وأنت في مواجهة فصيلة الإعدام. شعرت كما لو أنني في مواجهة فصيلة إعدام ما في ذلك الوقت وإن لم يكن الخطر يتعلق بالحياة الأدبية أو الموت، وحتى لو أن بعض مشكلاتي كان من صنعي أنا. ولكنه أصبح بالنسبة لي أشبه بالمذهب المتكرر، اللحظة التي استلقيت فيها في السرير وحيدة ذات نهار رمادي قبل سنين بعيدة، غيرعارفة شيئا عن الطريق الذي سوف أسلكه في حياتي. أرجع إلى اللحظة التي فتحت فيها كتابا فانتقلت من حيث كنت، إلى عالم مليء بإمكانيات جديدة انفتح أمامي، حيا، مشرقا، كامل الألوان.

  • الموتى-روبرت بروك- ترجمة: ياسين طه حافظ

    الموتى-روبرت بروك- ترجمة: ياسين طه حافظ

    هذه الأفئدة نسجت من مباهج ورغاب..
    غسلت ببذخ الحزن وشفيت بالبركة
    حنت عليها السنوات:….
    الفجر كان لها..وكان لها الغروب وألوان الأرض
    هذه القلوب شهدت الحركة وسمعت الموسيقى
    وعرفت النعاس واليقظة..
    وأحبت وصادقت بزهو.
    أحست بالدهشة السريعة وجلست وحيدة،
    لامست الأزهار والفراء والخدود
    الآن..
    كل هذا انتهى .
    هناك مياه تجعلها الرياح المتغيرة ضحكا ً
    وتضيؤها السماوات الغنية بالضوء والنهار
    وبعد،…
    بإشارة يوقف الثلج رقص الموج ..
    ويرتحل الحب تاركاً وراءه
    مجداً أبيض صلداً،
    تاركاً ألقا ً ملتماً
    تاركاً سلاماً واسعاً، مشرقاً
    يرقد تحت الظلام
    ………………………

    ياسين طه حافظ/ شعراء من الحرب العالمية الأولى/
    الطبعة الأولى :2016/ دار المدى

  • هدوء صاخب_آريان علي*

    هدوء صاخب_آريان علي*

    مقبرة
    تدفن فيَّ الاشياء .. تتحطم كعظام الياسمين حين تداس بالارجل .. أرش نبيذ دمي ببعض روائح الجلوس والسكوت…. اجمع الرخام حول نسمتي و الاماكن المذنبة بالذكريات. أسمع خطاي حين اقترب من ضوء الشمس على الشوارع … يالها من خيانة عظمى ..كيف يمكنني ان ألمس الشمس.. أنا مقبرة كبرى..

    أغنية حالكة
    صمت هذه الاغنية غريب على روحي وفمي .هذه الاغنية حالكة جدا… لا اريد ان افهمها ولا ان ابحث عن ترجمتها .. لا اريد ان اسمع خيبة اللغة ومحاولاتها البائسة .. ليس هناك ابدا قصيدة تنتمي الى هذه الموسيقى .. ولا شاعر يستحق هذا اللحن.. . لأمت هنا … سأؤول كل القصائد التي كتبت … وساسمع الكلمات التي لم تقل سأقتل كل الفلاسفة هنا .. سأمزج الفراشات بالدم .. اقطع اذرع الورد … أشم رائحة الليمون .واعصره في عيون العصافير ولان العدم يستفز علاقة اذني بذاكرتي .. سأكتب نصا أخرق .. .ولكن ما من شيء ينتمي حقا هنا كل فلسفة العالم و كل ما فيها … لا يجعد الليل مثل هذه الأغنية الحالكة …

    فردوس القمامة

    تحت جبال من القمامة
    كنا نسبح إسهالاً..إسهالاً ..
    ننجو من القبائل والمفارش..
    وزلاقة الحياة..
    من الملثمين بالماضي …
    من اختناق البقاء ..
    متسائلين عن تاريخ الروائح
    في هذه المدن..
    هل يتعفن عنب أم نبيذ يعتق؟
    حين كنا نتجرد من اشتهاء الهدنة ..
    والبلاغات الخادعة
    نشاهد الحرب من أجنحة الزوايا ..
    لم نكن نعرف..
    أكنا نشاهد ذلك من اجل لذة المعنى ؟
    أم لنتفرج على النهاية من قرب ؟
    تقمصنا الوجوه كلها، الأدوار والنهايات ..
    الخسارات كلها …
    تعلمنا سماع موسيقى الحوائط
    وأن نكتب عن شجرة الزيتون أغنية
    أن نعض على أضلع القافية
    لا شيء غريب هنا .. بعد ذلك
    هكذا كبرنا …وملأنا اللاشيئ ببعض الفراغ والألحان

    هدوء صاخب

    لا أريد لهذه الليلة أن تشرق .. ولا لهذا الحزن الجميل أن ينتهي.. ضعيف جدا كي لا أرجو الآلهة هذه الليلة .. أن انحني بكل عظامي المهشمة .. فليقف الزمان هنا .. حيث لا حياة ولا موت ..لا خسارة ولا إنتصار .. فلتبق الفراشات نائمة ومتمددة كذكريات قطار … فلتبق الآمال في غفواتها.. في هذه المدينة المهملة كأطراف الكون … في حضرة هذه الموسيقى المستلقية على روحي… أريد بقائي أذنا الى الأبد …
    فلتنم دقات الحياة ، فليستمر الوتر نازفا كتعابير طفل أبكم … فاليأكل الدخان كل ملامحي وشوائبي .. فأتوجع وأنسى ألف وجع…
    ……………………………………………………………

    * آريان علي:…
    شاعر كردي من مدينة خانقين العراقية المطلة على نهر الوند من مواليد 1998 بدأ الكتابة بسن الخامسة عشر وهو يعتبر أحد أصغر الشعراء الكرد

    يكتب باللغتين العربية والكردية..تمتاز نصوصه باصطياد تفاصيل الحياة اليومية والصور من الشوارع والأرصفة ..يسعى الى اكتمال الفكرة والصورة مع وجع لذيذ ينساب في اوردة كتابته ..
    طالب في قسم كلية الطب البيطري جامعة السليمانية
    وأحد أبطال العراق المصنفين دوليا في لعبة الشطرنج

  • عدم أزرق-أوس حسن

    عدم أزرق-أوس حسن

    عدم أزرق

    (الشعراء لا يحترقون،إنهم يضيئون عتمة العالم ..فسلاما ً لكم أيها المتوهجون من الرماد،سلاماً لكم يا أبناء العدم العظيم)

    أعرف تماماً كيف تفكر الأشجار…
    وكيف يغرق البحر في كآبة الغروب
    أستعير من الجليد عينين زجاجيتين
    ومن النار ذاكرة من خشب
    وأراقب تدحرج الكواكب فوق جسدي..
    واحداً تلو الآخر ..
    كل نجمة تشع في دمي.. صارت فضة للمراثي
    كل حجر صار.. موسيقى من بلور
    كل صراخ أبكم.. صار وشماً في جسد الريح
    كل خطيئة صارت سلماً إلى الأعالي
    وحده الشاعر يضاجع الأبدية
    ثم يغرق في عدم أزرق
    وحده الشاعر في عزلته..
    يتنفس ضوءً..
    وحده الضوء يتنفس شعراً ..
    وحده الشعر.. ترك لي.. قلباً متوهجاً في العتمة..
    ينبض خلف الستائر .. مثل حلم شاحب
    ويغيب………..

  • فيصل خرمي – حب امرأة مكتئبة

    أستيقظ وحدي صباحاً، تسمح نافذتي لخيوط الشمس بالعبور نحو وجهي، أغمضُ عيناي، وأقول في نفسي؛ كم كنت سأكون محظوظاً لو أنني لم أستيقظ. تلدغني عقارب الساعة بصوتها، وكم أتمنى لو أنه بمقدوري تحطيمها.

    الوقت يمضي، أتثائب، وأشعر أن هذا الجسد لا يمكنه النهوض. ألعن العمل الذي يذكرني دائماً بعبوديتي. أقول لنفسي، إن كل معاناتك بسيطة، تصور، طلقة واحدة فقط في رأسك تنهي كل شيء.
    آه، لكنني لا أملك سلاح، وأخاف الانتحار شنقاً أو وحدي في حوض الاستحمام. أفكر الآن فيما لو أحببتُ امرأة مكتئبة وبادلتني الحب، كيف ستكون حياتي ؟ أتخيلها امرأة ترفع أصبعها الأوسط للعالم وتلعن كل شيء. امرأة تشبه الوردة عندما تذبل، جسدها هزيل مثل قلب مراهق، وملامحها هادئة مثل شخص نائم، وأسفل عينيها سنوات طويلة من البكاء والأرق. امرأة عندما أستيقظ، أجدها مستيقظة مثلي، وتحدق في الفراغ، ذلك الفراغ المثير، الذي يشبه العدم.

    أتخيلنا نجلسُ على طاولة واحدة، وننظر طويلاً في الطعام حتى يبرد، ونحسده لأنه مجرد طعام. نأكل ببطء شديد، ونشعر بالملل. أتخيلها وهي تتكور في حضني، تبكي بشدة، ولا أسألها مالسبب، لأنني أشاركها البكاء. أنها متعبة مثلي، لهذا نشعر بالراحة عندما نتعانق. تقبّلني، أقبّلها، وننام معاً.

    نستيقظُ بعد ساعتين، لأننا رأينا نفس الكابوس، تقول لي أنها سئمت من الكوابيس، وأقول لها أن الحياة هي الكابوس الوحيد الذي أتمنى الاستيقاظ منه. نحاول النوم، لكن النوم يهرب منا، وكم نود لو أننا نستطيع الهرب مثله. نظرت في عيني بشهوة، ثم مررت يدها على صدري بهدوء، وكانت تنزلها شيئًا فشيئًا، حتى قالت لي بمكر “لقب نلت منه”. أستلقت عليّ، وبدأت تقبّلني، كانت أنفاسها حارة ومثيرة، همست في أذني “ضاجعني” فأضاجعها.
    وبعد إن نال كل منّا لذته، استلقت بجانبي مجددًا وتأوهنا. قالت لي أنها تشعر بالتوهج، وقلت لها أنا كذلك، لهذا يجب أن نفعلها الآن، لا تسألني مالذي سوف نفعله، لأنها تعلم جيدًا مالذي أقصده.

    نقفزُ من السرير، ونذهب بسرعة إلى الحمام، تعطيني موس الحلاقة، وأنا أملأ حوض الاستحمام بالماء الدافئ. ننغمس فيه. تضع ساقيها على فخذاي، وتضحك. وبخوف وبرغبةٍ شديدة، أحك يدي بالموس، فتفور دمائنا في الحوض وتختلطُ ببعضها. عندها، أنتبهتُ أن ما أخافه، قد تحقق، الموت وحيدًا في حوض الاستحمام.

  • أرق النص الذي كُتب – هالة الفقيه

    يكتبُ نصًا

    ولا يستطيعُ تجاوزَهُ

    إلى نصٍ آخر

    يتأمّلُهُ..

    كأنّه لم يَكتب من قبل

    يتأمّلُهُ..

    كأنّهُ النّص الأول

    كأنّهُ النّص الأخير

    يترددُ عليهِ كثيرًا

    ويفكرُ فيهِ كثيرًا

    ويصابُ بالوَحْدَةِ

    عندما يغَفَلُ عنه أحيانًا

    ويصابُ بالقلقِ..

    كأمٍ يبتلع طفلها كل ما يلقاهُ أمامَه

    فيقول سأكتبُ شِعرًا

    لكنّ الشعرَ لا يُكتب

    الشعرٌ محفورٌ في الذاكرة

    ولا ذاكرة لديه

    والشعرُ محفورٌ في العمقِ

    وهو على السطحِ يطفو

    فيعودُ للنّص

    بعدَ أن خانَه الشعرُ والنثر

    يعودُ إلى النّصِ

    مغتربًا وعاجزًا عن التصور

    يعودُ مُرغمًا

    لكيلا تموت الكلماتُ وأوجاعَه حيّة

    يتأمل النصّ..

    يحاول بمضضٍ ابتلاعه

    كدواءٍ مرٍّ لكنّهُ يشفيه

    يتأمل النصّ..

    هادئٌ ومتأنٍّ

    كما لو أنّ الوقتَ نسى كيف يمضي

    والنص يحاول تذكيره

    كم تمنّى لو تحولَ النّصُ

    إلى مِعطَف..

    ليكون جزءًا من مستلزماتهِ الشخصية

    فلم يعد يكفيهِ

    أن يرى النص متمدّدًا فوق الورق

    ولكي يقول أنا النص والنص أنا

    لكن النص

    في كل مرةٍ

    يتسلل من ثقوبه

    ويختبئ بعيدًا

    ويترك خلفه بضع كلماتٍ

    تدلّ على مكانِه

    وسرعان ما يجده

    نصٌّ وحيدٌ وبائس

    لم يسمع عنه أحد

    ولا يجيد أحدٌ قراءته

    يتجاهله..

    كأنه لم يُكتَبْ

    يتجاهله..

    لأنّ نصًّا جديدًا يأتي

    بعدَ كلِّ نصٍ قديمٍ ومتهالك.

  • كيف نغفر لآبائنا؟ – ديك لاوري

    كيف نغفر لآبائنا؟ – ديك لاوري

    كيف نغفر لآبائنا؟

    ربما في حلم؟

    هل نسامح آباءنا على غيابهم عنّا لأغلب الوقت،

    أم للأبد،

    عندما كنّا صغارًا؟

    ربما على ترويعنا بعاصفةِ غضبٍ غيرِ متوقعة

    أو على توتيرنا

    لأنه ما بدا أنّ هناك أيَّ غضبٍ على الإطلاق؟

    هل نسامح آباءنا على زواجهم من أمهاتنا أم على أنهم لم يتزوجوهنّ؟

    أو على تطليقهم أمهاتنا أم على أنهم لم يطلقوهنّ؟

    وهل سنسامحهم على إسرافهم في الدفء أم في الفتور؟

    هل سنسامحهم على الزجّ بنا أم على الاستناد علينا،

    على إغلاق الأبواب؟

    على الصراخ

    أم على انعدام الكلام

    أم على أنهم لم يكفوا عن الكلام قطّ؟

    هل نسامح آباءنا في عمرنا

    أم في عمرهم؟

    أو عند موتهم

    نقولها لهم أم لا نقولها؟

    وإنْ غفرنا لآبائنا، ما الذي يتبّقى؟

    *ترجمة: سلمان الجربوع