المدونة

  • أمجد ناصر – سر من رآك

    أمجد ناصر – سر من رآك

    سُرَّ من رآكِ،
    من وضعَ يدًا على صابونة الرُّكبةِ،
    من غطَّ أصبعا في السُرّةِ، واشتمَّ سراً

    سُرَّ من أسدلَ مرفقاً
    على ضُمور الأيطلِ
    من شارفَ النبعَ وشاف..
    ….

    .
    نراكِ على حافّة السّرير
    وأنت ترتدين جوربيكِ الأسودين
    شعرُكِ يزخُّ
    وظهرُكِ العاري يوجُّ
    فنغشى سكارى،
    وما نحن

  • عبدالقادر الجنابي – قصيدة جنسية

    عبدالقادر الجنابي – قصيدة جنسية

    في يدي أرواحُ نهديكِ

    وبحيالِ الحَلَمتين شفتاي،

    لحمُـكِ كَلأٌ

    تمضغُ فيه حيوانيتي،

    جسمُـكِ المُـشَـهْوَنُ

    تتغامزُ في مَسامِّه الكلماتُ

    يتعرّى في روضِ الانغماس

    عِرقًا مبخوخًا بالندى

    لا يني ينبضُ أدْيَمُ الوقتِ

    أسرحُ مولغًا في ثناياه

    علَّ رعشةً ضالةً

    تبرقُ أساريرُها،

    وتأوّهكِ

    تحتسيه أذناي.

  • أوس حسن – قصائد قصيرة


    -1-
    ((لغة جديدة))

    حزنك لغة تبدأ من أقاصي الكلام وتنتهي الى اللانهائي المتوج بعرش الإله عيناك نجمة جريحة غادرت أطلال الاندلس وبكت ليلها المتعب في صحراء الشجن النازفة وااااااااغربتاه

    -2- ((هذيان عاشق ))

    قالت لي ذات مساء فضي ..قد يكون الحب نهرا متعدد المرايا يغسل أضواء القمر من شوائب الأساطير الموجعة ومن جرح الحكايا ثم تلاشت كما الأحلام .. في غياهب الكلام وغابت كنجمة شاردة في منفى الأبجدية

    -3- ((سادة العصر الجديد))

    بالأمس أطلقت صهيل الكلمات الجامحة على صهوة من أحلام البسطاء والعابرين فأذابت ثلج القمر وأحرقت ستائر الليل …. أما أنتم يا سادة العصر الجديد ويا عبيد الذهب الأوائل فما زلتم تخونون ذاكرة الورد كل يوم وعطر الأغاني في المساء ورعشة التكوين الأولى وما زال بيني وبينكم تاريخ أزلي من الغياب وأزمنة موحشة تسورها ريح الضباب

    -4- ((أنا والبحر))
    ………………

    وما زلت ضائعا بين الصحو الموجع وأنين الذاكرة ما زلت تائها بين أحلام رملية ومدن عابرة ورياح البلاد المنسية تبعثرني نايا وصدى على انغام هذيان بطيء تتمزق أمواجه على سفن المجهول… على انغام صرخة في المدى تنزف دمعا من أنين الليل والشمس لا زالت تنزف وهجها في شفق حائر هناك خلف ظلال سرابية فاشهد يا بحر حقيقتي واكتبني سلالة وجع في ضباب منفاك…!!

  • سبحانها – ويليام بتلر ييتس

    سبحانها – ويليام بتلر ييتس

    ‎هي من هؤلاء
    ‎الذين يستحقون التمجيد أولًا
    ‎أنا ذهبت قرب المنزل، ذهبت صعودًا وهبوطًا كرجل نشر كتابًا جديدًا
    ‎أو كفتاة صغيرة إرتدت فستانها الجديد
    ‎وهناك حولت الكلام إلى حل أو ربط

    ‎وحتى يكون المجد لها النشيد الأعلى
    ‎حكت امرأه بعض الحكايات التي كانت تقرأها
    ‎عن رجل تاه في نصف حلم
    ‎ كأن اسما هرب من رأسه

    ‎هي أول الذين أود أن أسمع التمجيد لهم.

    ‎أنا لن أتحدث مرة أخرى عن الكتب والحرب
    ‎الطويلة
    ‎بل سأمشي على الشوك الجاف
    ‎إلى أن أصل إلى شحاذ يحتمي من الريح
    ‎وهناك سأحكم الحوار إلى أن يستعيد اسمها وعيه

    ‎لو أن هناك أسمال كافية
    ‎فلسوف يستعيد اسمها
    ‎سيكون مرتاحا جدًا بتذكره، كما في السابق
    ‎على الرغم من أنه
    ‎كان لها تمجيد الشباب
    ‎ولوم الكبار، عبر الفقراء سيكون لها كلاهما
    ‎تمجيد الكبير والصغير.

  • ليلة في ليما – فرناندو بيسوا

    ليلة في ليما – فرناندو بيسوا

    ألاّ تحوز هنا في دُرج،
    ألاّ تحوز هنا في جيب،
    مختوما، متبلورا، مكتملا،
    هذا المشهد كله.
    ألاّ تتمكن من أن تنتزع
    من الفضاء، الوقت، الحياة
    و أن تحتجز
    في مكان ما
    من الروح حيث ستبقى مذخرة
    للأبد
    حية، ساخنة،
    هذه الصالة، هذه الساعة،
    العائلة بأسرها، السلام و الموسيقى هناك
    لكن حقيقية كما لا تزال تتواجد في المكان
    حتى هذه اللحظة
    عندما كنت ماما، ماما، تعزفين
    ذات ليلة في ليما.

    أين مكمن الساعة، البيت، الحب؟
    عندما كنت تعزفين ماما
    ذات ليلة في ليما؟
    و في زاوية من المقعد المريح
    أختي،
    صغيرة و منطوية،
    لا أعرف إن كانت نائمة أم لا.

    و على الرغم من الدموع، لا تخطئ
    الذاكرة التي أحملها
    خط الميدالية الرفيع
    لهذه الجانبية الأكثر من رفيعة
    قلبي، فيما يتذكرك، رومانية و رمادية فعلا
    يبكي، قلبي الذي لك دائما، و الذي دائما طفلا
    أرى أصابعك على لوح البيانو و ثمة
    ضوء قمر بالخارج للأبد بداخلي،
    أنت تعزفين على قلبي، بلا نهاية،
    ذات ليلة في ليما.

    لكن حبك كان يطفو على كل شيء.

    الصمت الفادح للأشياء المنتهية
    يداك الصغيرتان و الجميلتان جدا
    في براعة متهللة و مألوفة
    في ابتسامة لا تسع شيئا
    سوى سرمدية الإنسان
    كنت تسحبين السكينة من البيانو
    ذات ليلة في ليما.

    لم أكن أعرف وقتها أنني كنت سعيدا.
    اليوم بعد أن لم أعد الذي أنا، أعرف جيدا أنني كنته.

    “هل نام الصغار على الفور؟
    – لكن أجل، لقد ناموا على الفور.
    – هذه تقريبا نائمة.”
    فيما أنت مبتسما و متجاوبا تكمل
    ما كنت تلعب –
    كنت تعزفين بتأنّ
    ذات ليلة في ليما.

    كل ما كنت عندما لم أكن شيئا
    كل ما أحببت و الذي لا أعرف حقا
    أنني أحببته إلا من انسداد الطريق اليوم
    إلى أدنى تحقق
    من فراغ يدي إلا من لوعة الصوداد –

    كل هذا يعيش داخلي
    عبر الأضواء، الموسيقى، و رؤيا
    لا تتناهى
    من هذه الساعة الأبدية في قلبي،
    التي كنت تقلبين فيها
    الصفحة الخيالية للموسيقى الملعوبة
    بينما أنا أنصت إليك، و أراك
    تتابعين
    اللحن الأبدي
    المتواجد
    في العمق الأبدي لهذا الحنين إلى الماضي
    عندما كنت أمي، تعزفين
    ذات ليلة في ليما.

    “هذه أيضا مستغرقة في النوم…
    – لا إنها ليست نائمة. ”
    ثم أخذنا جميعا نبتسم
    و بشرود تابعت
    الاستماع في ضوء القمر
    الذي يشع في الخارج عنيفا و مفردا،
    ما جعلني أحلم من دون انتباه،
    ما أحلم به اليوم من أسفي على نفسي،
    هذه الترنيمة من دون صوت، مختومة و هادئة
    التي كانت أمي تعزفها –
    ذات ليلة في ليما
    ذات ليلة في ليما.

    أنا كنت كثيرا من الأشياء الدنيئة
    خنت كثيرا ما أنا
    الروح الظمآنة
    لهذا الجدلي المثالي الذي أنا
    لطالما تمادت في التوهان
    لطالما أجمعت المشاعر جميعها
    على خداعي –

    لأنني لا أملك مآوى
    دعيني آوي
    إلى رؤيا
    هذا المنزل القديم،
    دعيني أتابع الاستماع بلا انقطاع –
    أنا في النافذة
    من المكان الذي لا نتوقف فيه عن الشعور،
    في الصالون، صالوننا، الدافئ
    من إفريقيا المترامية حيث يكون ضوء القمر
    في الخارج فسيحا و لامباليا،
    ليس ثمة شر و لا خير
    و أين إذاً، في قلبي
    ماما، ماما،
    تعزفين بشكل مرئي
    تعزفين إلى الأبد
    ذات ليلة في ليما.

    أمي كانت تجلس على البيانو
    و تعزف…
    بإمعان.
    ذات ليلة في ليما.
    إلهي، إنه بعيد جدا، بائد جدا، كل هذا !

    ماذا عن صوتها المضياف باستمرار!
    ماذا عن ابتسامتها المتماسكة الدافئة !
    ما يحدث اليوم
    و الذي ينمنح للذكرى؛ أنني أستمع الآن
    ذات ليلة في ليما
    التي تذاع على الراديو
    هذا اللحن، الذي لنا، ملكنا،
    ليس سوى.. ذات ليلة في ليما
    خصلات شعرها الرمادي كانت جميلة للغاية
    تحت الأضواء
    و أنا الذي لم يكن يفكر يوما أني سأفقدها
    و تتركني رهينة لما أنا
    ها قد رحلت، غير أني دائما طفلها.
    لا أحد يصير رجلا في عين أمه.

    ينبعث الصوت من الراديو
    متلكئا بلا داع في إعطاء الخبر:
    “و الآن
    ذات ليلة في ليما”…
    أتوقف عن الابتسام…
    يتوقف قلبي…

    و فجأة
    هذه الأغنية المحبوبة و الملعونة
    تتدفق من الآلة الجامدة…
    في ذاكرة فجائية و فورية
    تاهت روحي
    ضوء قمر إفريقيا الفسيح يُغرق
    تلالا تكسوها الأشجار في بياض نقي

    كان الصالون في منزلنا فسيحا، و موجها
    من حيثما يمتد، حتى البحر، كل شيء ينفتح
    على الهالة السوداء للقمر العملاق…
    لكن أنا فقط، في النافذة.

    و في هذا الدفء،
    في هذه السعادة،
    حيث كان ثمة روح
    (إلهي، ما أقسى هذا الصوداد !)
    حيث تحت الضوء الذهبي
    (أين ذهب اليوم كل هذا؟)
    بعيدا عن المكان الذي كان فيه القمر فضيا،
    كانت أمي تعزف،
    ميداليةً متأنية و إنسانية على البيانو،
    ذات ليلة في ليما.

    منذ ذلك الوقت
    عبرتُ
    كثيرا من الحيوات،
    معظم الأوقات متاهاتٍ.
    قلبي
    ينوء بالأشياء المتروكة.
    كم مضى من الوقت،
    في عذوبة رغد منزلنا القديم، و أنا
    في النافذة، أنصت، حالما متسمرّا،
    منفردا، خفيا،
    ما الذي تحوي
    كل هذه الموسيقى الحسية و الفطرية،
    كل ما تركته يتلاشى
    في قلب من رغبت أن أكون،
    كل ما تركت ورائي،
    فقط لمجرد التفكير فيه،
    كل ما كان، كل ما كان
    بالنسبة لي مجرد حلم،
    السحر
    البهيج بصورة محزنة
    لأني حلمته،
    من يدري ما إذا كان هذا الصوداد
    الذي تحول إلى حلم نصف إنساني
    من بين كل ما في هذه الليلة يوجد،
    بعيدا، حيث كنتِ ماما الصغيرة، على البيانو
    تعزفين، تحت فيضان ضوء القمر
    ذات ليلة في ليما.

    زوج أمي
    ( أي رجل ! أي روح ! أي قلب !)
    يتكئ بجسده الممتلئ كرياضي معافى يستريح،
    على المقعد الكبير
    فيما يستمع، مدخنا و حالما،
    و عيونه الزرقاء انمحى أزرقها
    و أمي، طفلة،
    في زاوية مقعدها المريح،
    ملفوفة، تستمع نائمة،
    و مبتسمة…
    كان ثمة عزف في مكان ما
    ربما كانت رقصة…

    فيما أنا، واقف، أمام النافذة،
    رأيت كل ضوء قمر أفريقيا كلها يُغرق
    مشهد حلمي.

    أين مضى كل هذا؟
    ذات ليلة في ليما.
    فلتنفطر يا قلبي.

    إنها محطة إذاعة لامبالية
    من خلال آلة جامدة
    في الموسيقى، في الموسيقى فقط، منحتني
    القلق العميق الذي يراودني
    عند رؤيتك، لأنني أتذكر
    ماماي، ماماي،
    الهادئة جدا، تعزف
    ذات ليلة في ليما.

    بيد أني أشعر بغيبوبة
    لا أعرف إذا ما كنت أرى، أم أنني نائم،
    لا أعرف ما إذا كنت أتذكر، أم أنني أنسى،
    ثمة ما يشبه الغموض، يتدفق،
    بين الذي أنا و من كنتُ،
    مثلما نهر، أو ريح، أو حلم،
    شيء ما لامتوقع أجهله تماما
    يتعطل بغتة
    ثم، من القاع حيث يتلاشى،
    ينبعث، أكثر وضوحا دائما،
    في هالة من الصفاء
    و الحنين،
    حيث لا يزال قلبي قائما…
    البيانو، صورة العازفة، الصوداد،
    أنام مستندا إلى هذه المعزوفة –
    و أسمع أمي، تعزف،
    أسمع، ملح الدموع في الفم يسبقني،
    ذات ليلة في ليما.

    برقع الدموع لا يعمي.
    أنا أرى، فيما أبكي،
    ما تعيده لي الموسيقى –
    الأم التي كانت لي، المنزل القديم،
    الطفل الذي كنت،
    رعب الزمن، لأنه يمضي،
    رعب الحياة، التي ليست سوى قتل،
    أنا أرى و أغفو،
    في غيبوبة حيث أنسى،
    أنني ما زلت موجودا في هذا العالم…
    أشاهد أمي تعزف.
    و هذه الأيادي البيضاء، الصغيرة،
    التي لن تداعبني أبدا لمستها،
    تعزف على البيانو، متفانية و هادئة،
    ذات ليلة في ليما.

    آه، أنا أرى كل شيء بوضوح
    أنا مرة أخرى هناك.
    عن الضوء الشحيح للقمر في الخارج أشيح
    بعيوني التي رأت.

    لكن ماذا؟ أنا أهذي فيما توقفت الموسيقى …
    أهذي كما كنت هاذيا دائما
    من دون التحقق من أنا في أعماق روحي
    من دون إيمان حقيقي أو قانون ثابت.

    أهذي، أخلق أبديات تخصني وحدي،
    في أفيون من الذاكرة و الهجر،
    أنصّب ملكات رائعة،
    دون أن أكون قادرا على تتويجهن.

    أحلم لأنني أستحم
    في النهر المتخيل للموسيقى السابقة،
    روحي طفلة ترتدي خرقا
    و تنام في زاوية مظلمة.
    لا أملك مني
    في صرامة الواقع الفعلي
    سوى رثاثة روحي المهجورة،
    و رأسي الذي لا يزال يحلم مقابل الحائط
    أمي، أليس بالإمكان وجود
    إله يحول دون أن يصير كل شيء باطلا،
    عالم آخر حيث يستمر كل هذا في الوجود؟
    ما زلت أهذي: وهم كل شيء…
    ذات ليلة في ليما.

    انفطرْ يا قلبي…

    ترجمتي

  • الكتاب المنتحرون – محمد رشو

    الكتاب المنتحرون – محمد رشو

    حاتم الأحمد

    1 – في عام 2006 صعد مصطفى محمد سطح مبنى في حارة الفيض بحلب وقفز في منور البناية تاركاً في جيبه ورقة فيها رسالة قصيرة تعفي غيره من أي ندم وأي شك، كان في الثالثة والعشرين، ولديه مخطوطات، كتابان أو ثلاثة. كلما أرى (سيرك)، سهرة كتاب في مطعم بعد قراءة، التقاط الصور التذكارية عند توقيع كتاب، يصعد مصطفى في رأسي ويرمي نفسه، ويظل يسقط ويرتطم هنا وهناك، ولا يصل إلى الأرض، ولا أكاد أصدق ذلك، فالحرب كانت ما تزال بعيدة، والموت كان ما يزال مجازاً، ثم لا أعرفه أصلاً، إنها اللعنة.
    2 – السياسة أفسدت الكتابة السورية، نجا الشعر مع محمد الماغوط ورياض الصالح الحسين ومحمد فؤاد، ويظل ينجو حين يمجد الحياة دون اللغة والبلاغة، ولكن لا شفاء في السرد.
    3 – في ريبورتاج بجريدة بلدنا ذكرت مرة وبحماسة شديدة أن (بشر وتواريخ وأمكنة) إصدار وزارة الثقافة والإرشاد القومي 1979 أفضل كتاب سوري على الإطلاق، رغم أنني لم أغير رأيي بالتجربة الاستثنائية لمنذر مصري، فأظنه سيضحك، وهو يذكر أسماء كثيرة، وكثيرون منهم من إخوته بالرضاعة، الأكراد، وربما سيراوغ بمكر قبل أن يقول إن الشاي ليس بطيئاً مصدقاً حكمة نادل يوناني كان يشتكي من أننا نحن البشر متعجلون.
    4 – أكثر تصنيف للشعراء، يعتمده الشعراء أنفسهم ثم يتحايلون عليه، هو التصنيف وفق العمر، فمن هو أكبر منك سناً لا يقرأ لك، ومن هو أصغر منك سناً لا تقرأ له، أما أبناء الجيل الواحد فهم أعداء، أفكر في المجايلين الأعداء وأتخيل حقل رمي واسع في صباح غائم وأرى إيمان إبراهيم، مقداد خليل، محمد دريوس، فايز حمدان، رائد وحش، جولان حاجي، قيس مصطفى، علي جازو، وأرى كل واحد يتحسس مسدسه وينظر إلى قدمه كميت بعد خمس دقائق.
    5 – ليرمنتوف في (بطل من هذا الزمان) أقرب إلي من أي روائي سوري أو عربي، سرفانتس ورابليه العظيم لا نظير لهما، ساراماغو وماركيز وأوستر وكونديرا وكويتزي أعتبرهم أخوالاً وأعماماً من أفراد العائلة، من الرواية الروسية إلى الإسبانية والإيطالية والفرنسية والألمانية وصولاً إلى الأمريكية، نظل ننتمي إلى أكثر من أب روحي، والأشد سطوة في ممارسة الأبوة، هو الأكثر ألماً من الأبوة في الحياة. ومن لا أب له في الكتابة: كافكا.
    6 – شتاء 2013 وصلت أربيل مع عائلتي الصغيرة واصطحبت معي مع أوراقي الثبوتية، الكتابين الشعريين اللذين طبعتهما بنسخ محدودة، كفعل عبثي ربما، إذ كنت متوقفاً عن الكتابة منذ 2005 سوى ست قصائد، وبدأت أكتب في صفحتي على الفيسبوك ومدونتي على الووردبريس لتتحول الكتابة إلى فعل وجود لأظل أقتنع أنني ما أزال حياً بعد أن نجوت، مصادفة ولحسن الحظ أو لخطأ في التوقيت، ثلاث مرات، ثم بعد الماراتون من أربيل حتى هولندا، براً وبحراً، عبر عشر دول، أصبحت الكتابة بمثابة الخطوات الأخيرة في الشارع الذي يقع بجانب الساحة في مركز مدينة زفولا الهولندية ويحمل اسماً غريباً، (النفس الأخير)، الشارع الذي يصل بين السجن وساحة الكنيسة الكبيرة حيث كان ينفذ حكم الإعدام، وأصبحت أكتب كمحموم، أكتب اليوميات والنصوص المفتوحة والقصائد والقصص القصيرة وأشياء أخرى، أكتب كحي ميت أو كميت حي، دون خوف ودون مهادنة، وكما أعيش بمزاجي السيئ، بغضب وتذمر وقدرة هائلة على التدمير، تدمير كل شيء حتى نفسي.
    7 – لم يعد الموت مجازاً بعد الحرب – القذرة لا تكفي، كل منا حدق في الظلام، كل منا قضى شهوراً لا يرى سوى نقطة عمياء، رأى ميتاً على الأقل، كل من فقد شيئاً، خسرنا جميعاً، حتى لم نعد نعرف ماذا يعني ألا تكون خاسراً، لكنها الحرب نفسها التي كانت نزهة الشر نحو هواء آخر خارج (بلاد الأشياء الأخيرة)، حيث لم يعد لدي ما أخسره ودون ضياع في الترجمة، أصبحت حراً أكثر من أي وقت مضى.

    المصدر: المجلة العربية.

  • قصيدتان لجيمس تيت – ترجمة: اديل جرار

    قصيدتان لجيمس تيت – ترجمة: اديل جرار

    رسام الليل (2000)
    جيمس تايت 1943–2015
    العنوان الأصلي: The Painter of the Night

    إحداهن هاتفت البوليس وأبلغت
    أنها رأت رجلاً يرسم في العتمة عند بحيرة
    انطلقت سيارة البوليس لتتحقق من القصة
    الشرطيان، بمصابيحهما الكبيرة، مشيا حول البحيرة،
    لكنهما لم يجدا ما يثير الريبة.
    هاتشر، أصغرهما، قال لجونسون
    “ماذا تظنه كان يرسم؟”
    التفت جونسون دونما اهتمام قائلا:
    “العتمة، أيها الغبي، ماذا عساه أن يرسم؟”
    يرد هاتشر، بمشاعر مجروحة:
    “الضفادع في العتمة، الزنابق المائية في العتمة، البحيرة في العتمة،
    تماماً كالكثير من الأشياء التي توجد في العتمة، كما توجد في النور”
    صمت جونسون باستياء.
    أدلف هاتشر:”أود أن أرى لوحاته جميعها، رباه! ربما أشتري واحدة أيضاً.
    ربما هناك الكثير في الخارج، أكثر مما نعرف. نحن الشرطة في النهاية،
    يجب أن نعرف!”

    فراشة الكرسي المتحرك (1991)
    جيمس تايت 1943–2015
    العنوان الأصلي: The Wheelchair Butterfly
    أيتها المدينة النعسة، ذات الكراسي المتحركة المترنحة
    حيث يمكن للفأر أن ينتحر أن استطاع ذلك

    ركزي مطولاً
    في كتاب تاريخ القوارض
    في هذه المدينة التحت-أرضية

    الخاصة بالكراسي المتحركة الكهربائية!
    الفتاة الحبلى دوماً و المليئة بالكدمات
    كإجاصة

    تقود دراجتها المليئة بالملصقات
    عكسياً، وصعوداً أعلى الدرج
    من حظيرة العربات المهجورة

    البارحة كان الطقس دافئاً،
    واليوم تجمدت فراشة
    وسط الهواء. والتُقطت
    كحبة عنب من قبل طفل أقسم على أن يرعاها

    أيتها المدينة الواثقة
    حيث تتنقل بذور الخشخاش
    لقاء أجرة سفر.

    حيث الدبابير العادية التي تعشش في قلب الإنسان
    قد تنام وتشخر، حيث تنبعج النظارات الطبية
    في مرآب برتقالي من أحلام اليقظة
    ننتظر في عليَاتنا الرخوة فصلاً جديداً

    كما ننتظر شاحنة الآيس-كريم.
    مهر هندي يعبر السهول
    هامساً بصلوات سنسكريتية في تجويف من البراغيث
    تقول عسلة*: كنت أظن أنني أستطيع السباحة.

    يتبول العمدة على الجانب الخاطئ
    من الشارع! تبعث الهندباء بالشرَر:
    حذار، فإن شعرك مضفور!

    حذار، فالبوق يريد كأس ماء!
    حذار من وعاء خبز القربان* المخملي!
    حذار، فحارس النور قد تزوج
    قطعة حبل قديمة!

  • موتى يُديرون العالم – محمد رشو

    موتى يُديرون العالم – محمد رشو

    كانت ايرينا من أصل غير يوناني، ربما من بلغاريا أو مقدونيا أو ألبانيا، وكانت تحمل كل مواصفات القياس الستاندارد التي تتميز بها آنسات شارع فيليس: العظام المتينة، البطون الصغيرة أسفل الخصر الضيق أعلى الفخذ، العمر بين العشرين والخامسة والعشرين، والمرح المهني المنضبط، لكنها كانت، إضافة لذلك، تتفرد بالانضباط التام بالقاعدة الشهيرة، لا قبلة ولا شرج، وبالجرأة حتى درجة الصفاقة كأن تطلق ضرطة، مثلاً، تعقبها بضحكة حادة بينما الزبون يغمض عينيه منهمكاً في ارتعاشة لحظة القذف، ويبدو أن هذا المزاج كان يجعلها لسبب ما أكثر حظاً من غيرها.

    منّان كان يمازحها بصفعة خفيفة على المؤخرة قبل أن يستدير نحوي وبالكردية موضحاً:
    هذه الجحشة لا تُروّض.
    لم تكن تنتظر في غرفتها كالأخريات حتى يجتمع الزبائن في الصالون فتدخل عليهم، بل كانت إما تطل من شباك البلكون وهي تدلي ثدييها على خشب الحافة مطلقة نحو الأسفل صيحات بهجة وإثارة، أو تنزل إلى الشارع بكعبها العالي لتجرّ أحداً ما أو مجموعة ً ما، غير مرتدية، طبعاً سوى ما ترتديه عادة حين تناديها المعلّمة من الممر لتعرض نفسها، أي أحد الكلسونات الخيطية، المتدرجة في الأحمر غالباً، من الزهري إلى الخمري، مع حواف سوداء.
    الغرباء يرضون بأي شيء أما اليونانيون، تفو، كانت تقول، حيوانات، لا ويصرون أن ينيكوا دون كوندوم! وتظل تستهزأ منهم حتى تصل بغضبها إلى المنزلين الواقعين بأول فيليس والذين ما إن تدق الباب أو تدفعه حتى يخرج أحدهم ليعتذر منك إن رآك أجنبياً: إكسيوز مي، أونلي گريگ.
    منان كان يجعلني أدور معه على كل المنازل الممتدة بين آخر شارع أخرنون وشرق وجنوب ساحة فيكتوريا وأنا أعرف مسبقاً أننا سنكتفي بالفرجة هنا وهناك لننتهي عند إيرينا منتظرين أن تدخل لتقول: سلامون عليكم فيما منان يصحح لها، شڤ باش، ويصر عليها حتى تستدرك تحيتها: شڤ باش.
    قالت لي مرة بأنها تعمل هنا لأن لديها فكرة ما، مشروع ما، ولم تفصح لكن منان حين أخبرتُهُ بذلك علّق وهو يلوي فمه معمّقاً غمازته اليسرى:
    حقها عشرين يورو، شرموطة متل غيرها.
    شيئان كان يجعلاني أفكر أن إيرينا ستصبح يوماً ما إما مجنونة أو فيلسوفة، الأول، كلبتها البنية المتفحمة أسبازيا على اسم عشيقة بيركليس والتي كانت تقبع في أحد الأركان هادئة دون نباح تراقب صاحبتها تقوم بعملها ولا تتحرك إلا لتخرج وراءها، ثانيهما وهو ما كان يصيبني بقشعريرة رعب غامض حين كنت أدقق في جلد ظهرها القريب من وجهي ذي الزغب الأشقر والمسامات الدقيقة بينما تسحبُ محارم الكلينكس لتنظف نفسها، أقصد وبالضبط، التاتو الأخضر أسفل ظهرها حيث الحروف الإنكليزية الواضحة والتي كانت تلتمع في ضوء النيون كلما انحنت:
    «هناك موتى يُديرون العالم، يستحيلُ قتلهم».

    * محمد رشو. شاعر من سوريا. من مواليد 1974. صدر له في الشعر “أنتظر الهواء لأمر بك” و”عين رطبة” و”جمال بارد”. يعمل طبيباً للأسنان، وهو مقيم في هولندا.

  • محمد آدم – عربة كانط المحملة دائماً بالأخطاء

    محمد آدم – عربة كانط المحملة دائماً بالأخطاء

    لا تسخروا مني يا أبناء الكلاب والقطط
    فحياتنا الوسخة هذه لا تشبه إلا غرفة إنعاشٍ
    أو بصلةً مدوِّدة!!
    كلماتنا، التى كنا نحسبها مقدسةً
    أو شبه مقدسةٍ
    لا تصلح لإيواء فردة حذاء فوق سطح زريبة خنازيرْ
    فقط
    نتوقف تحت الأرصفة الغائبة عن الوعي
    وأمام المستشفيات العمومية
    من أجل أن نتقاتل على حفنةٍ من الهواء
    الذى يشبه الروث الجافّ
    أو طبقٍ من الفاصوليا
    فى الحذاء الإنسانى الواسعِ
    فى الطرقات الراسخة للمدن الرحبة
    نطارد الذباب
    والسحاليْ
    كالقططِ الجائعةِ
    وننام أمام الصيدليات العامة كمخلفات حربٍ كونيةٍ
    أو كمتسولين عظام
    من أجل حقنة ماكس فورتْ!
    ماذا نصنع فى هذا الوقت من الليل
    سوى إصلاح المواسير المعطوبة
    للإنسانية المعطلِة
    وانتظار طاقية الإخفاء
    على عربة كانط المحملة بالأخطاء دائمًا
    هلموا
    هلموا
    يا أبناء القطط والكلاب
    من قبل أن تمتلئ الصحراوات بالجثث
    فى مقابر الصدقة الجاريةْ
    سوف نلتقى الليلة وسكان الكواكب
    المجاورة!!

  • على صدري قطٌّ برّي – سلطانة يوسف

    على صدري قطٌّ برّي – سلطانة يوسف

    https://soundcloud.com/ahmed-n-katlish/sultana

    1

    عجزتُ عن حشر رأسي داخل فرن الغاز
    أردتُ تذوّق الموت الهائل بجرعات صغيرة
    ولمراتٍ عديدة عجزت عن ذلك
    أشبهكِ كثيراً
    أملك قلباً أبيض
    أعاني اكتئاباً منذ سنوات
    لديّ طفلان
    زوجي أيضاً شاعر
    يُدعى محمد رشو
    وليس تيد هيوز
    لم يهدِني طاولةُ كتابة صنعها بيديه
    لكني مثلكِ أيضاً
    أعتقد أنه يخونني
    أبحث عن “آجيل إيفل” بين أسماء صديقاته
    عن أيّ دليل
    لا لأردّ بالكيل
    فوالدي ما زال على قيد الحياة
    فقط،
    لأتجرع مثلكِ
    طعم الألم المرّ
    تخطيتُ الثلاثين لذا لا ينفع الآن أن أنتحر
    تخطيتُ الثلاثين لذا سأدلي بنصيحة:
    ” أحسني استعمال يديكِ البيضاوين ”
    فالمناشف المبلّلة التي وضعتها بإحكام تحت الباب كي تمنع تسرّبَ الغاز
    لم تمنع عزيزتي
    لم تمنع أبداً
    تسرَّب الألم المرّ
    إلى غرفة نوم أطفالكِ

    2

    تراودني أفكارٌ غريبة هذا الصباح
    كأن أخطف أطفالاً وأرميهم في بئر
    كأن أحرق مدينةً نويت أن أهجرها
    أمدُّ يدي لأستبقي أثراً
    صورةً لصديقٍ لا أحبه
    أو عقد إيجار
    كأن أبقي زوجي مرتعشاً لأحلامه المرعبة
    لأستنشق رغبة سائقٍ كان يقلّنا من “سيلوبي” إلى “زاخو”
    ولأكن شريرةً بما يكفي
    لأنشب حروباً طائفية
    لأرمي مدناً وقرى بغازات سامة
    لأزيد قبح حكام العالم
    وأزيد خزي هذا العالم.

    ألوكُ حبّة هالٍ كانت تطفو على وجه قهوتي
    فتطرد شياطين كانت نائمة بين أسناني منذ ليلةٍ فائتة
    وأفكاراً غريبة
    صعدت للتو
    لتنفجر في السماء كألعاب ناريّة.

    3

    في صباح كهذا
    سأخبركَ
    ما الذي تفعله النساء
    في ليالي وحدتها الطويلة
    ما الذي تقضمه الريح
    لتصدر كل هذا الأنين
    سألعق خيبة لاذعة التصقت بجبينكَ
    وأريك كيف تنبتُ الخطيئة
    رقيقةً
    طريةً
    وشهيةً جداً
    لكن أحتاج الآن
    أحتاجُ من يرفع هذه السماء عني
    لأنظر في عينيكَ
    دون أن تنهمر عليَّ كإناء زجاجٍ مكسور
    لأن تصلبني
    تنحني عليَّ كظلٍ
    تمتصّني
    ومن جديد
    تحيلني لبركة ماء
    تغوص فيَّ
    سريعاً
    مديداً
    حاراً
    لتحصد دمي
    ولأبقى
    قصبةً
    في حقلِ سريري البارد

    يا إلهي
    يا إلهي
    من يرفع
    هذه السماء عني

    *نص: سلطانة يوسف

  • لويز غليك – سعــادة

    لويز غليك – سعــادة

    رجل وامرأة على فراش أبيض
    إنه الصباح، أفكّر، وعمّا قليل سيصحوان
    ثمة زنابق على نضد السرير
    في مزهرية تغمرها الشمس
    أراه ينقلب نحوها..
    كأنه بصمت، سيلفظ اسمها
    عميقاً في فمها…
    على حافة النافذة
    مرة، ثم مرة أخرى
    يشدو طائر…
    ثم ترتعش المرأة
    جسدها يمتلئ بأنفاسه
    أفتح عينّي فأجدك تتأمّلني
    فوق حجرتنا
    تنساب الشمس
    تقول: انظري إليّ
    وتقرّب وجهك مني
    كأنه مرآة
    كم أنت هادئ
    بينما العجلة المشتعلة
    تمرّ بسلاسة فوقنا..

    * ترجمة: سامر أبو هواش

  • جوني ميتشل: كيف نؤلف أغنية؟

    جوني ميتشل: كيف نؤلف أغنية؟

    “”كيف نؤلف أغنية؟ إن الاستعداد…لمصادفة ما هو معجز …والاتصال به يلعب دورًا كبيرًا في ذلك

    في سن الثامنة أُصيبت جوني ميتشل (المولودة في 07 نوفمبر, 1943) بعدوى شلل الأطفال خلال آخر فترة انتشار وبائي كبير له في شمال أمريكا وذلك قبل ابتكار لقاح شلل الأطفال، ظلت جوني طريحة الفراش لأسابيع حتى توقع الأطباء بأنها لن تتمكن من المشي ثانيةً، فلجأت إلى الغناء كأمل أخير خلال تلك الفترة الحزينة في إحدى المستشفيات التي تقع على بعد مئة ميل من منزلها، لكنها تمكنت من المشي ثانيةً، وبتلك الطريقة الاستثنائية للحياة تغلبت على مرض شلل الأطفال، وهزمت الفقر، والنقاد الخبثاء، لتصبح واحدة من أكثر الموسيقيين أصالةً وتأثيرًا في التاريخ الحديث، حاصلةً على ثماني جوائز غرامي، منها جائزة عن مجمل أعمالها، ومن خلال التعليق الموجز على أغلفة اسطوانات الألبوم المجمّع الذي أصدرته في عام 2004 باسم “أرض الأحلام” نجد وصفًا دقيقًا ورائعًا لروحها العنيدة وهياجها الإبداعي حيث كُتب: “كما لوحاتها، كما أغانيها، كما حياتها، لم تتقبل جوني ميتشل مطلقًا الإجابات السهلة، فهي تبحث دومًا عن إجابات للأسئلة الصعبة”.

    عندما جازفت الموسيقية وصانعة الأفلام الوثائقية والصحافية الإذاعية “مالكا ماروم” لتدخل إلى أحد المقاهي المظلمة في إحدى ليالي شهر نوفمبر في عام 1966، كانت هذه الروح ـــــ روح حب الاستكشاف ـــــ هي ما شعرت به ينبعث من روح ميتشل التي كانت تبلغ من العمر حينها الثالثة والعشرين، شاهدتها هناك بهدوء وهي تقوم بدوزنة الجيتار على المسرح، لتعرف ماروم إنها في حضرة العبقرية، وعلى مدى العقود التي تلت تلك اللحظة قامت بإجراء ثلاث أحاديث صحفية مع ميتشل في ثلاث مناسبات منفصلة: في عام 1973 وعام 1979 وعام 2012، وتم جمع هذه المحادثات المميزة التي تتناول شتى الموضوعات في كتاب “جوني ميتشل: معبرةً عن نفسها (المكتبة العامة | سلسلة مكتبات إنديبوند)، وهي محاولة “لفك شفرة ذلك اللغز الغامض…ذات العملية الإبداعية بكل ما يحتويه ذلك من معنى” ذلك الدرب الذي سارت عليه ميتشل بقدرٍ متعادل من الاقتناع والضعف وهو تصارع تلك “الأسئلة الصعبة”.

    من بين السمات التي تميز جوني ميتشل وتمثل ركيزة لنجاحها الفني هي تلك الرؤية الموحدة والثابتة: إنها البوصلة الإبداعية التي تشير دائمًا على ما يبدو ناحية الشمال الحقيقي لها وليس لأي شخص آخر، كانت ميتشل لا تهتم سوى بالمعايير الخاصة بها فقط، وكانت القيم التي تؤمن بها هي فقط التي سعت نحو تحقيقها، وعندما سألت الصحافية مارون ميتشل عن مصدر تلك الثقة بالنفس في تلك الأوقات التي لاقت خلالها الكثير من الرفض في بداية حياتها المهنية، تحدثت بكلمات جميلة مشابهة للفكرة التي تقول بأن أفضل فن يأتي من خلال السمو بالذات، الفن الذي قد يستهدف جمهورًا يتكون من شخص واحد فقط، تقول:
    “لم أفكر في ذلك مطلقًا، ولكن أعتقد أن مصدري الوحيد لذلك هو أني شاهدت تطوري الإبداعي بنفسي، نعم، كنت أجد أن موسيقاي تتحسن، والكلمات تتحسن، إن إحساسي الذاتي فقط بتطوري الإبداعي هو سندي الوحيد على ما أعتقد”.
    وتقول ميتشل إن التوافق مع ذلك الصوت الداخلي كان لا يقل أهمية في رحلتها عن تجاهل تلك الضوضاء الخارجية التي حاولت إغراق ذلك الصوت الداخلي، وهو أمر يشكل أهمية كبرى لا سيما للفنانين في يومنا هذا ولكن أكثر صعوبة أيضًا، فأعمال هؤلاء الفنانين متاحة باستمرار للنقد الخارجي على الإنترنت وغيرها، بالإضافة إلى ذلك العدد المتزايد باستمرار من قنوات النشر؛ وتكمل ميتشل لماروم:
    “لقد كان تطوري بطيئًا، مثل اللحن المتصاعد تدريجيًا، وذلك لأني لم أكن راضية عن مشروعي السابق الذي كنت أرى أنه ضعيف، وليس ما كان يعتقده النقاد، لقد تغاضي النقاد عن الكثير من السمات التي كنت أرى أنها تمثل ركيزة تطوري الإبداعي وامتدحوا الكثير من السمات التي كنت أرى أنها عادية في أعمالي، كنت أختلف مع الكثيرين منهم، ما دفعني إلى الاتكال كثيرًا على آرائي الخاصة، ولكن ليس معنى ذلك أني لم أكن أطلب النصح باستمرار من هؤلاء النقاد وأفكر فيه مليًا، فلم أكن لأتغاضى عنه”.
    وتعود ميتشل إلى فكرة الإبداع من موضع الحرية وليس من موضع القيود المعيارية المستقاة من المثل العليا والواجبات الخاصة بالآخرين, فتقول:
    “إن الحرية تمثل لي رفاهية أن تكون قادرًا على اتباع ما يمليه علينا القلب حتى لا يضيع سحر الحياة، فالحرية ضرورية بالنسبة لي من أجل الإبداع، وإذا لم أتمكن من الإبداع فلن أشعر بالحياة.”
    فهذا الإحساس تحديدًا بإعجاز الحياة وصدقها على السواء هو مصدر الإبداع لديها فتتسائل في حديثها مع الصحفية ماروم:
    “كيف نؤلف أغنية؟ في رأيي أن الاستعداد لمصادفة الجانب المعجز من الحياة, والاتصال به بطريقةٍ ما, يلعب الدور الأعظم في صنع ذلك”.
    ميتشل التي تخبرنا بأن ما نسميه “الإلهام” ليس في حقيقة الأمر إلا ما نقوم به بصدق من نشاط فعّال للعثور على الذات عن طريق الضياع:
    “أؤمن إنه طالما كان لدى المرء أسئلة يطرحها، تلك الأسئلة الطفولية، فلابد أن مصدر الوحي لا يزال هناك، فأنت تلقي السؤال نحو مصدر الوحي ولربما تحصل على شيء في المقابل من ذلك المصدر”.
    لكن تأملات ميتشل الأكثر بروزًا هي أيضًا أكثرها ضعفًا، فعندما تتذكر رحلتها من الفقر إلى الثراء، ومن استهزاء النقاد إلى الإطراء، تتحدث عن تلك العلاقة المتضاربة إلى حدٍ ما بين الكثير منا نحن ، وخاصةً الفنانين من كل صوب وحدب، وبين النجاح والتعبير الظاهري عنه، وهي علاقة متوترة تقوم على تلك الأسطورة المؤذية التي تقول إن النبل مرافق للفقر، وإن النجاح ينتقص بالضرورة من صدق العمل.
    تقول مارون: “بمجرد أن تعرف شعور الفقر فأنه سيتعمق بداخلك مهما كان النجاح الذي حققته بعد ذلك”، وتتفق ميتشل معها وتقرّ بأنها “مرتابة من الثروة” لأنها جاءت من حياة العوز، وتتأمل ميتشل الصراع الداخلي للقيم وهي تتذكر نقطة التحول فيها من فنانة مكافحة إلى نجمه بأسلوب حياة الثراء الذي صاحب ذلك:
    “وجدت صعوبة في مرحلةٍ ما في تقبل الثروة التي حصلت عليها والنجاح الذي حققته، بل إن التعبير عن ذلك الثراء والنجاح كان يبدو لي مقيتًا في مرحلة ما، تمامًا مثل قيادة سيارة فارهة على حين غرة، وكان عليّ أن أراجع نفسي كثيرًا، لقد شعرت أن حياة الأناقة والترف تدمر الإبداع، بل كنت أؤمن كذلك بذلك النوع من فلسفة مدارس الأحد الدينية بأن الرفاهية تأتي كضيف ثم تصبح كسيّد، كنت أومن بتلك الفلسفة، ولا تزال لدي تلك الفكرة النمطية بأن النجاح يعوق الإبداع، وأن الرفاهية تؤدي إلى الراحة والرضا عن النفس الزائدين وأن الموهبة سوف تتأثر بذلك.
    لكن كان بإمكاني التعبير عن ذلك النجاح في أعمالي، حتى في الوقت الذي كان فيه ذلك النجاح مقيتًا لي…وكانت الطريقة الوحيدة التي تمكنت من خلالها من التوافق مع ذاتي وفني هي أن أقول: هذه هي حياتي الآن، إن حياتي تتغير؛ فأنا أذهب إلى الحفلات الموسيقية في سيارة ليموزين كبيرة، وهذه حقيقة واضحة في حياتي.
    إنني متشددة عندما يتعلق الأمر بنمط الحياة، أحب أن أعيش حياةً بسيطة وبدائية في بعض الأحيان، على الأقل لفترات قصيرة من العام، حتى يتسنى لي الاتصال بشيء أساسي وجوهري أكثر من غيره، وبتلك الطريقة تمكنت من الاستمتاع بنجاحي واستخدامه كنوع من أنواع التعبيرعن الذات.
    يقول المغني والشاعر الكندي الشهير ليونارد كوهين في إحدى أغانيه: “لا ترتدي لي هذه الخرق، فأنا أعرف أنك لست فقيرًا”، وعندما سمعت تلك الكلمات، قلت لنفسي أنني كنت أعيش حياة الإنكار، وهو نوع من النفاق، لقد كنت أعيش حياة الإنكار، تمامًا مثل هذه الكلمات في الأغنية، فكنت وكأنني انتقص من قيمة ثروتي.
    فالكثيرون ممن يعملون في مجال موسيقى الروك آند رول يرتدون بناطيل جينز مرقعة، وسترات بأكمام طويلة، وهو زي مريح، ولكن السبب في ذلك أيضًا أنها طريقة للتوافق مع الجمهور، فلو حضرت إلى حفلة الروك آند رول على سبيل المثال مرتديًا بدلة “لاميه” ذهبية بينما الجمهور جميعهم يرتدون ملابس بسيطة ستشعر حينها بأنك لست واحدًا منهم”.

    (ليونارد كوهين وجوني ميتشل في مهرجان نيوبورت الشعبي لعام 1967)

    ورغم أن صعود جوني ميتشل جاء تدريجيًا ورغم رمزية الفكرة التي تقول بأن أسطورة النجاح السريع هي أسطورة بالفعل، تتذكر ميتشل ذلك الإحساس الفاجع بالعزلة عن جمهورها بسبب الثراء الفاحش، ورغم ذلك تجد راحة البال من منظور مدرسة “الزّن” التأملية بالأحرى، ذلك المنظور الذي يتقبل كل الموجودات كما هي، مما يتيح للخبرات أن تتكشف دون اختلاف الأحكام، وعند النظر إلى الفقر والثراء على هذا النحو، أي مثل اللقاء والفراق ومثل معظم المتناقضات الظاهرية في الحياة، سنجدهما وجهين لنفس العملة، أي بُعدين للخبرة البشرية الواحدة، تجيش بهما الكثير من الآلام ومصادر القلق ذاتها، (ويستعرض الكاتب الأمريكي هنري ميلر تلك الفكرة بامتياز في تأملاته عن المال في عام 1935 من خلال الحكاية الرمزية لورطة صاحب المصنع). تكمل ميتشل لماروم:
    “ما زلت أبحث عن طبيعة المعنى والهدف ، إن الناس لديهم فكرة غريبة عن النجاح، وأن الرفاهية هي نهاية الطريق، إنها ليست النهاية على الإطلاق، بل إن العديد من المشكلات تبدأ من هناك، لكنها فقط مشكلات ذات طبيعة مختلفة.
    لقد عانيت من الفقر، وكنت أنتمي للطبقة المتوسطة، والآن أجدني مترفةً في الثروة والرفاهية، وهذا يمثل صعوبة كذلك مثل صعوبة الفقر”.
    وتضيف ميتشل مرددةً ما عبرت عنه الفنانة “جورجيا أوكيفي” من أفكار بخصوص الصلابة النفسية:
    “أعيش في مكان جميل، وكأنه أرض الأحلام، وكثيرًا ما أتجول فيه ولكنني لا أشعر بشيء…فإذا أمكنني العيش بأقل من ذلك سيكون ذلك مُلائماً لي ، يمكنني العيش بأقل من تلك الممتلكات بكثير، بل إن طبيعتي تجعل من الصعوبة أن يكون لدي كل هذا القدر من الثروة، لأنني لا أجد شيئًا مطلقًا فيها، (تضحك) إنها مشكلة بسيطة وسخيفة ولكن لا حاجة لكل ذلك، إنه مصدر إزعاج شديد…فأنا أحب ترف حمامات السباحة، ولكن لو أمكنني بناء كوخ أو خيمة بالقرب من حمام السباحة فسأسعد بذلك كثيرًا، [تضحك]”.
    معبرةً عن هذه الأفكار على نحوٍ ملائم ببلاغة وحس لا مثيل لهما في إحدى أغنياتها: “رقصة الغجر” من ألبومها لعام 1976 “حفيف مروج الصيف”:
    تقرأ كتبًا حيث الرفاهية
    رفاهية تأتيك كضيفًا مستَعبِدًا
    كتبٌ يظهر فيها الفنانون في نبل الفقر
    وينتهون من حياتهم كالعذارى
    لا تخدعني برقة الشعور
    لأني أعرف أنك فقط مجرد مغرور
    ولا يمكنك ترك تلك الرقصة الغجرية الآن
    حتى لو ساعدك حُسن الحظ
    ومثل قسٍ يشاهد فيلمًا إباحيًا
    ناظراً إليه بتوقٍ وبخبث
    صحيح أن ذلك سيشوّش تماسكك
    ولكن لا يمكنك إبعاد ناظريك عنه..

  • الأبكم – شيروود أندرسون

    الأبكم – شيروود أندرسون

    هناك قصةٌ ـ لا أقدر على روايتها ـ ليس لدي كلمات. قصة تكاد تكون منسية وإن كنت أتذكرها في بعض الأحيان.
    تدور القصة حول ثلاثة رجال في منزل ما، يقع في شارع ما. إذا كان بمقدوري قول الكلمات، كنت سأغني القصة. كنت لأهمس بها في آذان النساء، في آذان الأمهات. أركض عبر الشوارع، وأرويها مرارا وتكرارا. قد يكلُّ لساني ويهترئ ـ ـ ستجلجل بين أسناني.
    الرجال الثلاثة في حجرةٍ في أحد المنازل. أحدهم شاب متأنق، لا يتوقف عن الضحك.
    هناك رجلٌ ثان، ذو لحية بيضاء منسدلة. مستغرق في شكه، ويتركه الشك أحيانًا، فينام.
    الرجلُ الثالث، هو صاحبُ العينيين الماكرتين، والذي يتحرك بعصبية في أرجاء الحجرة، وهو يفرك كفيه معًا. الرجال الثلاثة ينتظرون ـ ينتظرون.
    في طابق المنزل الأعلى، ثم امرأة، تقف مستندة بظهرها إلى الجدار، في العتمة، بجانب نافذة.
    ذلك هو أساس قصتي، وكل ما أعرفه إنما هو مضمر فيه.
    أذكر أن رجلا رابعا أتى إلى المنزل، رجل أبيض صامت. كان الصمت يخيم على كل شيئ كالبحر في هدأة الليل. لم يصدر عن خطواته، على أرضية الحجرة الحجرية، حيث الرجال الثلاثة، أي صوت.
    ثار الرجل ذو العينين الماكرتين كفوران الماء المغلي ـ ركض جيئة وذهابا، مثل حيوان مأسور. تهيج الرجل الأشيب بفعل عصبيته ـ فأخذ يشد في لحيته.
    صعد الرجل الرابع، الأبيض، إلى المرأة.
    هناك كانت ـ تنتظر.
    يا له من صمت هائل يلف المنزل ـ ياله من صخب يصدر عن تكات كل الساعات في الجوار. المرأة في الأعلى اشتهت ممارسة الحب. لابد وأن تلك كانت القصة. إنها ظمئ للحب بكل كيانها.
    كانت ترغب في الإبداع في الحب. عندما حل الرجل الصامت في حضورها، تقدمت بوجهها. شفتاها منفرجتان. كان ثم ابتسامة على شفتيها.
    لم يقل الرجل الأبيض شيئا. لم تحمل عيناه لوما، أو سؤال. كانت عيناه محايدتان كالنجوم.
    في الطابق السفلي، انتحب ذو العينين الماكرتين وركض جيئة وذهابا، مثل كلب صغير تائه. حاول الرجل الأشيب متابعته، لكن سرعان ما نال منه التعب، ورقد على الأرض لينام. لم يستيقظ بعد ذلك أبدا.
    رقد المتأنق على الأرض أيضا. ضحك، وداعب شاربه الأسود الدقيق.
    ليس لدي كلمات أحكي بها ما حدث في قصتي. لا أقدر على رواية القصة.
    ربما مات الرجل الأبيض الصامت.
    ربما ظلت المرأة التائقة المنتظرة على قيد الحياة.
    أما الرجل الأشيب، والرجل الماكر، فإنهما يحيراني. أظل أفكر وأفكر، لكني لا أتمكن من فهمهما. على أية حال، ففي معظم الأحيان، لا أفكر فيهما البتة. إنما أواصل التفكير في الرجل المتأنق، الذي لا يتوقف عن الضحك طوال قصتي.
    إذا كان بإمكاني فهمه، فسأفهم كل شيئ. يمكنني الركض في أنحاء العالم، راويا لقصة رائعة. ولن أظل أبكما.
    لماذا لا تأتيني الكلمات؟ لماذا أنا أبكم؟
    فلدي قصة رائعة لروايتها، لكني لا أعرف كيف أرويها.

    *شيروود أندرسون (1876-1941): مؤلف أمريكي، وشاعر، ومسرحي، وكاتب للمقالات، ومحرر. من مواضيع كتاباته: مأزق الشخصيات التي تعيش في المدن الأمريكية الصغيرة، وما تواجهه من معاناة من أجل تحقيق الحلم الأمريكي الموعود. وأشتهرت أعماله بطابع الذاتية، والكشف عن أحوال نفسه.

  • عيسى مخلوف: تأملات في الشعر والإبداع والحياة الثقافية المعاصرة

    عيسى مخلوف: تأملات في الشعر والإبداع والحياة الثقافية المعاصرة

    عيسى مخلوف :
    تناولتُ في مُداخلتي، في “المعرض الدّولي للنّشر والكتاب” في الدار البيضاء، الوضعَ الذي آل إليه الشعر، مع تغيُّر المعنى الثقافي في العالم ومع التقدّم التكنولوجي وهيمنة رأس المال ومعاييره على أحوال الدنيا والآخرة !
    هنا، في ما يأتي، بعض النقاط:
    الشعر، بدايةً، ليس فقط كلمات وأسلوباً وبُنيَة فنّيّة، وإنّما هو أيضًا رؤية خاصّة ومتميّزة للإنسان والطبيعة، للحياة وللعالم. من هذا المنطلق، فإنّ الشعريّة لا توجد في القصيدة فحسب، بل تتجاوزها إلى كافّة أنواع الكتابة والفنون.
    *
    الشعر في أزمة، نعم. لكن ما هي أسباب هذه الأزمة؟ هل تمسّ الشعر وحده؟ ومن الذي يتحكّم في طبيعة النتاجات الإبداعية وفي أنماط إنتاجها وتوزيعها، بل وفي شروط وجودها بالذات؟
    *
    أختصر وجوه الأزمة في ثلاثة أسباب (وأتوسّع، هنا، في سببين اثنين فقط): أوّلًا، مستوى التلقّي الذي يزداد تدهورًا ضمن مشهد ثقافي جماعي مُتراجع، يُقابله تَراجُع شعري يطالعنا في نسبة كبيرة من النتاجات المنشورة. ثانيًا، الثورة العلمية والتكنولوجية وانعكاساتها على الإبداع. ثالثًا، المال. كلّ ما يتعذّر تحويله إلى سلعة تُباع وتُشترى لا مكان له في السّباق.
    *
    يُلقي الاقتصاد ظلالاً كبيرة على أحوال التربية والتعليم، ومن خلالها على التوجّهات الجديدة التي تعمل على تهميش الجماليّات والمعارف الإنسانية وكلّ ما لا يمتّ بصلة إلى عالم المال. إنّها المرّة الأولى التي يجتاح فيها رأسُ المال، وبهذه الحدّة، الثقافة ويُحكم قبضته عليها ويُخضعها لشروطه ومعاييره.
    *
    كَثُرَ الحديث في السنوات الأخيرة عن موت الشعر؟ هل يمكن الحديث عن “موت الشعر” بدون الالتفات إلى التحوّل الذي طرأ على العالم منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتّى الآن؟ ما حالُ بعض المجالات الإبداعية الأخرى التي تعيش اليوم، وإن بنسب متفاوتة، المصير نفسه الذي يعيشه الشعر؟ ثمّ، هل يمكن إغفال التحدّي الذي يفرضه التقدّم العلمي وهل بالإمكان إشاحة النظر عن الإنجازات التقنية التي تجسّد بعض الرؤى وتعطي الحدس شكلاً فتسبق بذلك، في أحيان كثيرة، روايات الخيال العلمي، بل وتفتح أمام الحلم آفاقًا جديدة لم تكن موجودة من قبل؟ هل يمكن ألاّ يؤخذ في الاعتبار التطوّر التكنولوجي وأثره في التغيّر العميق في المجتمعات الإنسانية وعلاقة البشر في ما بينهم، وكذلك مع محيطهم والبيئة التي يقيمون فيها؟
    *
    لا يتحرّك الشعر وحده في المشهد الثقافي الراهن، شرقاً وغرباً. إنّه جزء من منظومة ثقافيّة تتغيّر ملامحها كما تتغيّر طريقة التعاطي معها والنظرة إليها ضمن الحياة العامّة ككلّ.
    *
    لم تكن القصيدة غريبة كما هي الآن. غريبة ليس فقط عن الآخر، وإنّما أيضًا عن نفسها. وإن خرجت من مخبئها فلا أحد يعرفها ولا تعرف أحدًا. ليس فقط القصيدة بل الأدب الجادّ. بل الإبداع الجادّ بأكمله. ولأنه خارج دورة الاقتصاد، فهذا يعني أنه خارج الشاشة الصغيرة وخارج الحيّز الاجتماعي العامّ…
    *
    ينحسر الشعر، إذاً، وتتصدّر الرواية المجال الأدبيّ في العالم. يصدر في باريس وحدها، خريف كلّ عام، أكثر من ستمئة رواية. بعض هذه الروايات يموت لحظة ولادته، وبعضها الآخر لا يعيش في المكتبات أكثر من شهر أو شهرين. ضمن هذا المناخ التسويقيّ الذي لا يرحم، تصبح الكتابة التي تبلغ النجاح المادّي والإعلامي أشبه بالنُّطفة الأولى التي تُخَصِّب بُوَيضة رأس المال، وما دونها يتخلّف وراءها ويضيع.
    *
    الأدب الرّائج اليوم ينطلق، في الغالب، من قضايا اجتماعية وسياسية وإنسانية عامّة. يثير فضول القارئ ويكون، في معظم الأحيان، أدبًا مسلّيًا لا تتطلّب قراءته جهدًا. وهذا ما يفسّر نجاح بعض الروايات على المستوى العالمي. لكن، هذه العالميّة لا تعني شيئًا في زمن العولمة، ونَقل عمل روائي إلى الكثير من اللغات لا يعكس دائمًا، بالضرورة، مدى قيمته وأهمّيته…
    الروائي مارك ليفي يتناوله بعض النقد بصفته الكاتب الفرنسي الأكثر مبيعًا والأكثر ترجمة. أمّا التعريف به فغالباً ما يكون بالأرقام، على الصورة الآتية: «بدأ الكتابة منذ عشر سنوات. له عشرة كُتب نُقلت إلى إحدى وأربعين لغة، وبيع منها أكثر من عشرين مليون نسخة. روايته الأخيرة «سارق الظلال» بيع منها أربعمئة وخمسين ألف نسخة. معدّل المسافة التي يجتازها خلال شهرين ونصف الشهر للترويج عن كتاب جديد له تبلغ مئة ألف كلم» (نقلًا عن صحيفة “لوفيغارو”).
    *
    يقول الكاتب الفرنسي باسكال كينيار في كتابه “ظلال تائهة” الحائز على جائزة غونكور إنّ “الكتاب الوحيد الذي يُقرأ في معرض فرنكفورت الدولي للكتاب هو دفتر الشيكات”.
    *
    يكشف هذا الواقع الوجه الآخر للكتابة في الوقت الراهن. إنّ ما يحدّد أهمّية الكتاب ونجاحه وشهرته هو، في المقام الأول، قيمته الشرائية. التجارة هي الأساس بعدما أصبحت الروايات تشكّل صناعة قائمة بذاتها في الغرب. صناعة تستخدم قنوات محدّدة وجيوشاً من المتواطئين، من وسائل الإعلام والنقّاد وسوق النشر إلى المهرجانات والجوائز. هذا لا يعني أن ليس ثمة روايات تستحقّ التقدير والجوائز، لكن مثل هذه الأعمال الأدبية أصبح ينتمي إلى النّدرة والاستثناء…
    والحال هذه، أليست الرواية، وعلى الرغم من شيوعها وانتشارها، هي أيضًا في أزمة، كما الفكر والفلسفة والعلوم الإنسانية، فضلاً عن الفنون التشكيلية؟
    *
    يُعلَن عن الأدب بالأرقام، وبالأرقام يتمّ التداول مع الفنّ التشكيلي. مئة مليون دولار كان سعر الجمجمة المرصّعة بالألماس التي أنجزها الفنّان البريطاني داميان هورست، وخمسون مليون دولار ثمن بالون البلاستيك الأحمر المنفوخ على شكل كلب صغير ويحمل توقيع الفنّان الأميركي جيف كونز…
    إنّ الفنّ الذي يدغدغ العين ويستميل العواطف ويستقطب الاهتمام هو تجسيد لانحطاط المشروع الحداثي مثلما كان الفنان الفرنسي فرنسوا بوشيه في القرن الثامن عشر تجسيدًا لتردّي القيم الكلاسيكية، ومثلما رأينا ما آلت إليه النهضة الإيطالية وأين استقرّت بعض الأشكال والأساليب الفنية التي عُرفت باسم «مانييريسم» (التكلّف في الفنّ)، ومثلما تحوّلت الرومانسية والكلاسيكية الجديدة في القرن التاسع عشر، في إنكلترا وفي فرنسا على السواء، إلى فنّ أكاديمي صرف.
    *
    إنّ الوهج الذي عرفه الغرب، وفرنسا بالأخصّ، في الفكر والفلسفة والعلوم الإنسانية، والذي بلغ أوجه في النصف الأول من القرن الماضي، يشهد تراجعًا كبيرًا اليوم. تضؤل الأصوات التي بلوَرها الفكرُ النقديّ وصقلتها النزعة الإنسانية، تلك النزعة التي تعاني في الزمن الراهن من عزلة قلّما شهدتها في تاريخ الفكر، منذ الفلاسفة الإغريق حتى اليوم.
    *
    منطق الرأسمالية المتوحّشة لم يترك آثاره فقط على الاقتصاد والاجتماع والبيئة والمناخ والثروات الطبيعيّة، وإنما أيضًا على المسار الثقافي وإنجازاته عبر الزمن. هناك، الآن، نظام بيئيّ مهدَّد وأجناس حيّة تنقرض أو هي مهدّدة بالانقراض، وهناك، في المقابل، كائنات من طبيعة فكرية وجمالية، على طريق الزوال. هناك مجالات إبداعية كانت أساسية في الثقافة الإنسانية طوال مئات السنين، وفي مقدّمها الشعر والفكر والفلسفة، وأضحت اليوم في موقع الهامش لأنها غير قابلة للتسليع ولا يمكن إخضاعها لمعادلة العرض والطلب.
    *
    حيال هذا الواقع، وفي موازاة ما تُطلقه ثقافة الإعلان والدعاية والاستعراض، وتسليع كلّ شيء بما في ذلك الأحاسيس والعلاقات الإنسانية، ثمّة أصوات لا تزال تمثّل التجربة المتوهّجة صاحبة البُعد الكوني. أصوات تؤمن بأنّ الاقتصاد وحده لا يكفي للنموّ، وأنّ التقدّم التقني والتكنولوجي لا يستقيم فعلاً بدون تقدّم على المستوى المعرفي والإنساني، وأنّ الجماليات والفنون والعلوم الإنسانية تساعد أيضًا على مُقاربة نوازع البشر وفهمها حتى لا يصبح الإنسان نفسه فريسةَ تلك النوازع. صحيح أنّ هذه الأصوات باتت قليلة، غير أنّ أهمّيتها تزداد في مقدار ندرتها، وفي عدم انصياعها للأنساق السائدة، وفي قدرتها على أن تكون، على الرغم من التهميش المفروض عليها الآن، نُواة حيّة لأزمنة آتية…
    ألا يقول جلال الدين الرومي إنّ «الجوهرة تحت الأنقاض»؟

    *عيسى مخلوف، كاتب وشاعر لبناني مقيم في باريس. درس في جامعة “السوربون” وحاز منها على شهادة الدكتوراه في الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية، وهو يعيش على مفترق بين الثقافات المختلفة. له مؤلفات عدة في الأدب (شعراً ونثراً)، وفي البحث. وقد نقل إلى اللغة العربيّة الكثير من النصوص الأدبيّة والفكريّة من اللغتين الفرنسيّة والإسبانية.

  • مبادلة – خوان إدواردو ثيرلوت

    مبادلة – خوان إدواردو ثيرلوت

    في ماء البحيرة
    أتأمل بياض الجسد السماوي،
    الجسد العاري تحت حقول السحاب،
    المحاط بخصرة الأحراش.

    ليس بعيدًا عن البحر
    يتحلل بين الرمال الرمادية
    بين الحشائش
    أيد بين الأحجار البارزة،
    عيونك الزرقاء سماوات.

    الأجنحة تقترب من الأمواج،
    تضيع في صفحات النار،
    قلبي، والنجوم
    على الأرض السوداء، الرمادية.

    السحاب في الحشائش،
    في الصفحات نجوم ضائعة في رسوم بارزة،
    قلبي في الرمال الرمادية،
    أيد بين الأحجار النارية.
    الأمواج تقترب منها الأجنحة،
    تقترب من جسدك العاري تحت الحقول،
    أنتِ، على الأرض السوداء
    تحت البياض السماوي والرمادي.

    عيناك الزرقاوان في الأحراش.
    في السماوات ينحل البحر،
    ليس بعيدًا عن البحيرة
    أتأمل المياه الفوارة الخضراء.

    نجوم تقترب
    تحت حقل الأمواج،
    الأيدي النجومية، في الرمادي،
    الأجنحة البيضاء عارية وضائعة
    بين الأحجار النارية.

    أتأمل زرقتك في الأخضر
    في مياه الأحراش في السماوات
    في رمال البحيرة، في البحر
    عيناك، رمادية بين الحشائش.

  • ليلة في مدينة الزهراء – كونتشا لاجوس

    ليلة في مدينة الزهراء – كونتشا لاجوس

    كان الحلم يأخذ شكل الرخام الوردي،
    تغنيه النوافير والأباريق،
    ترسمه على فراغات وجه الهلال.

    العطر يوحي بالسكينة
    يرسمه رعشات حميمة
    هكذا كان بعثك.

    جارية مشرعة النهود
    من العسل والسمسم
    كانت وليمتك للعرس.

    ثم ترفعين الكأس بالشراب الطيب
    لتزيدين من الشوق
    الوضع الجسدي
    موشى بالظلال المضيئة.

    لا ليل يشبهك، لا لحظة أجمل
    تغزو الأحاسيس بالاشتياق

    تسقط العباءة الرهيفة عن كتفيك
    لا يكشف عنك سوى سقوط الحجاب.

  • أوكتافيو باث – أيام عمل

    أوكتافيو باث – أيام عمل

    1-الفجر

    أيدي عجالٍ باردة
    تسحب واحدةً فواحدة
    عصاب الظلمة
    افتح العينين
    ما زلتُ
    حيّاً
    في قلب
    جرحٍ ما زال طريّاً
    ***
    2-هنا

    خطواتي في هذا الطريق
    ترن
    في آخرٍ
    حيث
    أسمع خطواتي
    تسير في هذا الطريق
    حيث
    لا واقع إلا الضباب
    ***
    3-وقفة

    تصل
    بعض الأطيار
    وفكرة سوداء.

    حفيف الأشجار
    ضجيج محرّكات وقطار،
    هذه اللحظة، أتغدو أم تروح؟

    صمت الشمس
    يخترق ضحكاتٍ وأنّات
    يغمد رمحه
    حتى يصرخ قلب الأحجار.

    الشمس قلبٌ، حجرٌ يخفق،
    حجرٌ من دمٍ يصير ثمرة
    تتفتّح الجروح، لا تؤلم،
    تنسابُ حياتي شبيهة بحياة.

    ***

    ترجمة محمود السيد علي

  • قصيدة لـ ألويسا الميتة – فيدريكو جارثيا لوركا

    قصيدة لـ ألويسا الميتة – فيدريكو جارثيا لوركا

    **كلمات تلميذ.

    “كنت ميتة”
    كما يحدث في نهاية
    كل الروايات.
    لم أكن أحبك، يا ألويسا، وأنت كنت صغيرة جدًا.
    مع موسيقى الربيع
    الخضراء،
    كنت تحلمين بي
    جميلًا،
    وبشعر مسترسل.

    وكنت أقبلك أنا
    دون أن أنتبه،
    بأنك لا تقولين:
    ” يا لها من شفاه من كرز”.
    أنت رومانتيكية، كنت تشربين الخل خفية
    دون أن تدري الجدة.
    فتحولت زهرا بريا
    في الربيع،
    و أنا كنت عاشقًا
    لأخرى.
    أليس ذلك محزن؟
    عاشقًا لأخرى كنت أكتب
    اسمها على الرمال.

    عندما وصلت إلى بيتك
    كنت ميتة،
    ترقدين بين الشموع
    وزهور الحبق،
    تماما كما في الروايات.
    أحاط أطفال المدرسة
    بقاربك،
    وأنت شربت زجاجة
    الخل كلها.

    تيلين تالان
    كانت الأجراس الطيبة
    تبكيك.
    تالان تيلين
    وشعرت في المساء
    بألم في الرأس.
    ربما كنت تحلمين في نومك،
    بأنك” أوفيليا”
    على سطح بحيرة زرقاء
    من مياه محمومة.

    تيلين تالان
    فلتبكين
    الأجراس الصغيرة.
    تالان تيلين
    وتشعرين في المساء
    بألم في الرأس.

  • مختارات لفيدريكو جارثيا لوركا

    ١-الكرز المزهر

    في شهر مارس
    تذهبين إلى القمر
    وتتركين ظلك هنا

    تصير المروج
    وهمية،
    وتمطر
    طيورًا ملونة

    أضيع أنا في غاباتك
    صارخًا:” افتح يا سمسم”
    أتحول طفلًا، يصرخ:
    “افتح يا سمسم”.

    ٢- قصيدة

    على جناحيك
    ينام القمر المكتمل

    بلا غابة
    ولا قيثارة

    في ريشك
    ينزلق الليل

    بلا لحم أشقر
    ولا قبلات

    تسحبين النهر
    أمام
    قارب الموتى

    ٣- ابتكارات

    **نجوم من الثلج

    هناك جبال
    تريد أن تكون
    ماء،
    وتبتكر نجومًا
    على سطحها.

    ** سحاب

    وهناك جبال
    تريد أن يكون لها
    أجنحة،
    فتبتكر سَحَابًا
    أبيض.

    ** جليد

    تتعرى
    النجوم
    فتسقط على الحقل
    قمصانًا من النجوم،
    مؤكد سيكون هناك
    غرباء،
    وصراخ
    يبحث عن المكان الميت،
    الذي انزاح فيه الماء.

    ** إشراقة الصباح

    تظهر
    غرة النهار

    غرة بيضاء
    لديك من ذهب

    غرة من ذهب
    لديك شارد.

  • آلان بوسكيه – يكفي أن نلعق المدينة لتختفي كقملة

    آلان بوسكيه – يكفي أن نلعق المدينة لتختفي كقملة

    اكنسوا الكلام
    لأنني شجرة
    لأن السماء تتخذني عنقاً، والنجوم
    شفاهاً موشومة،
    لأنّ رجوليّتي تقلّ كلّ يوم
    ولأنني ثلجٌ أكثر من الثلج
    البحر النائم.
    أقولُ لكم
    اكنسوا الكلام، هذا القذر!
    ***
    في كلّ عصفورٍ
    كان جبلٌ ينام
    في كلّ يدٍ كانت زاحفةٌ مقدّسةٌ تأكلُ ملحاً.
    في كلّ شارعٍ من المرفأ
    كان مطرانٌ هرِمٌ يسألُ شجرةً ما.
    كانَ النبيذُ عارياً، وقربَ النهر
    بكاءٌ على براري اختفت
    منذ لقائها الأول مع الثلج.
    لأنّ النار قليلةٌ،
    تزوّج الشاعرُ المدينة التي كانت تشتعل.
    ***
    حتى الوردة
    تعلمت الكذب
    حتى حبر الحمام الوديع
    كان يستخدم لتزوير الفجر.
    ***
    لأن البراكين كانت تحرّك جفونها
    لأن العصافير كانت تلعقُ أشجار الحامض
    لأن رياح السموم كانت تحملُ أشباه الجزر
    لأن الشلالات كانت تمزّقُ كتف غاباتها
    أيّها المسافر، المسافر
    عندما ستشبعُ من أساطيرنا
    لا تنسَ أن تحفر الأوقيانوس حتى هيكله العظمي جالساً أمام جمجمته
    وستفهمُ لماذا نرفض المعرفة.
    ***
    يكفي أن نلعق المدينة لتختفي كقملة.
    ***
    أيّها العابر الجميل، أترك لي ظلّك النضر:
    كم هي حارّةٌ أبديّتي.
    ***
    أخيراً، عندما خلع القمرُ ثيابه
    أصبحتِ الشجرةُ ريحاً موسميّة
    والجبلُ كلب بحر
    والشلالُ التائهُ مذنباً أليفاً.
    كان العالم ناضجاً للتحوّل
    سوف تعتزل الأوقيانوسات الشابّة والهرمة
    وتعاد الجزر إلى اللقالق
    ستملَّكُ التماثيل على العصور المؤنّثة
    وعلى العصور المذكّرة ستملّك أفراسٌ مقدّسة.
    في تلك اللحظة أزاح الفقير خطّ الإستواء
    بقي العالم كما هو، خائباً من الإنسان.
    ***
    تلك حالة الذين يعيشون وحيدين
    حتى جلدُهم يطردهم.
    كقشرة الشجر، كالورق
    كحبر، ككلمة
    كشبه جزيرة، كبحر
    كحب، كموسيقى
    نحن واحد
    كشجرة، كورقة
    كحبر، كفعل
    كجزيرة، كأوقيانوس
    كحب، كرسمٍ زيتي
    كحبرٍ في قاعة الحبر
    كجزيرة تحت الجزر
    كحبٌّ دون حب.
    ***
    من قمحةٍ إلى قمحة
    من كتابٍ إلى كتاب
    كلّ الأطفال-لو تعلمون-زوارقٌ
    تقودهم أمثالٌ تشبهُ الغيوم
    لفظة بعد لفظةٍ حتى اليابسة
    حتّى البطارق الذهبية التي تلهج بالقصائد
    كلّ الأطفال-لو تعلمون-أشجار
    يفتحون أغصانهم ليلاً، ويرقصون
    حتى الدوار على الساحة الكبرى
    كلّ الأطفال-لو تعلمون-كواكبٌ
    يكرّموننا باسم حقيقةٍ أخرى
    أسطورة أخرى
    ونحنُ الكبار، هل سنقنعهم بالتباطؤ هنا
    قبل أن يرجعوا إلى النجوم المجنونة.
    ***
    المدينة تجرّ سكّانها
    كقرص أناناسٍ مقطوع الرأس.
    ***
    الدماغ الإلكتروني موزار يطوّع الموسيقى
    الدماغ الإلكتروني فيرمير يعطي أمثولات بالرسم
    الدماغ الإلكتروني رمبو يمحو كلّ أشعارنا.
    ***
    نحنُ أصغرُ من ذواتنا
    ***
    عندما ستضيّع وجهك المئة
    عندما سيصبحُ جسدك نهراً
    مغطّى بالنمل الأخضر
    ونفسك أضعفُ من الريح
    سجينة السفن
    ستقرب من المملكة
    حيث المادة تحتقر المادة
    ستمنح أحفادنا الشرف
    بولادتكَ عندهم
    بصورة فعلٍ يصعبُ لفظه.
    ***
    السفن لا تفرّق
    بين النجمة والقبطان.
    ***
    دمُ أيّ حائطٍ؟
    والأفق دفين القبر
    أفكارٌ كثيرة
    ورغباتٌ أكثر من يعاسيب
    تجرّأت على اختيار بين وردتين
    الروح هنا تحرّرت من ثقلها
    سنغيّر الجنس البشري
    وآخر إله
    سيتحوّلُ إلى خلد.

    ***

    مختارات من آلان بوسكيه

    ترجمة فينوس منصور