المدونة

  • مختارات من وديع أزمانو

    رأسي الأسودُ

    لم ينزلق من رَحمٍ

    وإنما ؛ من مِدخنةٍ

    ****

    كنتُ كلبا

    قبل أن يقصُرَ لساني

    وأُبَدِّل النُّباحَ الطويل ،

    ضدَّ الوجود

    بلُغةٍ قصيرةٍ

    كحبلِ المِشنقة

    ****

    لم أحلِق وجهي ، بيدي

    مرَّة واحدةً

    مخافةَ أن تسقُطَ

    في حقلِ ألغام

    ****

    يخرجُ الطَّائرُ الذي في الرَّأس

    بطلقةٍ

    في قفصِ الصَّدر

    ****

    الصُّراخُ الذي قذفني

    نحو الحياة

    هو عينهُ

    نفسُ الصُّراخ

    ****

    ماذا تشتهي يا صديقي

    سوى أن أكون صورتكَ

    مُنعكِسةً ،

    على وجهِ جُثَّةٍ

    ****

    القمرُ على الضِّفةِ المُقابلة

    ينامُ شاحبا

    مثلَ شحَّاذٍ على الرَّصيف

    ****

    المرأةُ التي أطعمتني

    تفَّاحةَ الحُب

    حتما ،

    انتظرتني في الهاوية

    لتزرعَ أظافرها

    في الحنجرة

    ****

    المرأةُ التي أرضعتني حليبها

    لم تكن من خِرافِ الرَّب

    وأنا ، حتما

    لم أكُن وديعا

    ****

    الغُرابُ الذي قصَّتِ الحكايةُ

    جناحيه

    صارَ بلا صوتٍ

    ودمهُ ابيضَّ

    من فرطِ النَّزْف

    ****

    لملمتِ الشَّمسُ شعرها المتجعِّدَ

    من الطُّرقِ

    بعدما ، تعثرَّتِ بهِ

    الجماجمُ

    ****

    تناهى لي في حُلُمٍ

    أني شجرةٌ

    وحينَ أفقتُ

    أبصرتني صليبا

    ****

    اللَّوحةُ بعد الأخرى

    تقتفي أثرَ الفُرشاةِ منزوعةً

    من القِماش

    ****

    القصيدةُ تلو الأخرى

    تفتِّشُ عن أصابعَ

    قضمتها الحروف

    ****

    لي؛ أن أتلاشى مطرا على قرميدٍ ، تغسلُ فتاةُ الصُّبحِ فيهِ احتلامَ الأمسِ

    لي؛ أن أتلاشى ذرَّة غُبارٍ تصعدُ من ” تبغ ” الفتيةِ المراهقين

    لي؛ أن أتلاشى كبضائعَ مهرَّبةٍ في بُطونِ أراملَ

    لي؛ أن أتلاشى ،

    كورقةِ الشَّجرةِ الأخيرة

    في كَفِّ الزَّوبعة!

    الدار البيضاء

    إلى فخري رطروط

    العالمُ على ما يُرام :
    الملوكُ على الجثت
    الجنودُ في الشوارع
    الفقهاءُ في غرفة النوم
    الجواسيسُ في المطبخ
    اللُّصوص في البرلمان
    الجريمة في خبز الصباح
    القتلُ في التلفيزيون
    الانتصار في كتبِ التاريخ
    الحبيبة في المرآة
    الوجهُ في الزنزانة
    الثورة في حظيرة البقر
    الجميلات في الفايسبوك
    الشعراء في المنفى
    الأنبياء في السماء
    ماركس في عُطلة
    نيتشه في السجن
    فرويد في مشفى مجانين
    فوكو في أيام الايدز الأخيرة
    دولوز رمى بنفسه من أعلى طابق
    سيوران يدون انتحاره المؤجل
    وأنا أرى العالم على ما يرام
    من فُتحةِ المرحاض !

  • فوزي يمّين-في أرض العزلة

    فوزي يمّين-في أرض العزلة

    في أرض العزلة،
    كلاب تعوي دون صوت. حامية ترغي أنيابها على جلودها يشرّ منها الصدأ.
    كلابٌ عيونها الأزقّة الغافلة في ليل السراديب النحيلة.
    كلابٌ، على كلّ حيطان الحارة أسماؤها بالوحل.
    أصلاً من شجرة العائلة لا يخرج إلا دود. يطفر على الطرق، يقفُ أمام باب كلّ بيتٍ وينادي على صاحبه باسمه كما هو في الهوية.

    في أرض العزلة،
    غرابٌ يحوم على غراب.

    في أرض العزلة
    لا يطلعُ شجرٌ ولا ينزل مطر. حتى القمر تخطفه جارتنا البشعة وتربطه بشعيرات فرجها النتن.
    لذلك فقط عندما تفتح ساقيها تنوّر الحارة، يفوح المسك والزيزفون وعود الريحان الأبيض.

    في أرض العزلة،
    كلابٌ تحتلّ ردهات البيوت الخاليةِ ليلاً. تمدّد بطونها الخاوية على غبار البلاط، تمغّط أغناقها ثمّ تعوي بالمقلوب وهي تعدّ أسماء أصحابها المتخمين تتدلى كروشهم على نوافذهم.

  • نصان-نهيد درجاني

    نصان-نهيد درجاني

    1-

    العالمُ رقائقُ أليافٍ ، فُوَطُ سفرة ، ورقُ تواليت ، مخرشمٌ سميكٌ طريٌ لدنٌ الى مائل للسماجة قليلاً .
    لا تطعجْ شريحةً ، قد تسقط على نافوخك قارةٌ أو يسقطُ جُرْمٌ سماويٌ أفلتَ عن ثدي أمّه ذات شيطان رجيم ، ولا تدحشْها في خرم هاتفك عنوة ، مع أنها شهوانيّة ، فجعانةٌ كتنافس شركتين على تيس جبلٍ عند حافة الهاوية ،
    دعْها تغُلُّ تَلِجُ تنزلقُ كشعرةٍ في لثّتِك ، ستعتاد عليها ، ستظنّها ضرسَ العقل الذي هرّ في العام الماضي ، ستحفظ عنك كم مرّة دخلت حبيبتك الى بيت الخلاء ، وكيف حال سور الصين العظيم ، وكيف سقطت الاثيوبية مباشرةً من الطابق الخامس ،
    في هذه الشريحة قدس الاقداس ، والماخور عند كعب البناية ، تُحمّلُ كتبا وافلام دعارة فائقة الجودة والصراخ المستقيم ،
    بغلةُ القرى ، معها شراشف مناشف ، معها قماش وبوظة وغزل البنات ودواء عجيب للحروق ورُقيّاتٌ تقي الحلوةَ صيبةَ العين وتحمي الثريّ من حسد المعدمين ،
    هذه الشريحة ستفتح لك الباب تغلقه ، تسلقُ لك بيضاً تفاقسُه وتترك لك بيضة الفصح والقيامة حتى نهاية الطقوس ، وحين تغدو إلهك ، ستصوم عنك وتصلي وتحجُّ وتطوف وترجمُكَ وتنكزك وتحظرك اذا أخطأت بمنسَكٍ صغير .
    لا تدع إصبعك تنزلق عن الشاشة
    لا تدع عيناك تزيحان
    انتسب الى العالم
    من آمن بالشريحة وان مات فسيحيا .

    ***

    2-

    لو كان لي أنْ أدخّنَ العالم بسيكارة واحدة ، ألفُّ المدنَ حشيشاً للكيف ، أعبرها ك لامِ ألفِ لا أكتفي بالبكاء عليك أيتها الأبنيةُ ، يا معراجاتُ السطوح ، يا تختيّات ما لا يلزم من صناعة الكبرياء ، بلسانٍ مربوطٍ أخاطبكِ ، من المرائب أناديك من الإسطبل الكبير ، لم ترمني مهرتي في النهر ، عَلَفٌ كثيرٌ تحت إبطي ، وفي حلقي نخالةُ العمر .
    لو كان لي أن أدعو العالمَ الى العشاء الى لقمة رحمة الى غداء من الحب والموسيقى والشموع ، لكنّ الشمس تعمل بدوام جزئي ، والقمر يتبع نجمتَه عاشقا غافلاً نطناطاً ،
    لا يجمعني الوقتُ بأحد ، كلّ الامكنة افتراضٌ ، خرائطُ السحالى والعقارب والريح ، والله يرى ويرى من بعيد لبعيد ، ينتظر الآمرَ والمأمورَ والقاتلَ والقتيلَ والظالمَ والمظلومَ والشعراء والعاشقين وقطاع الطرق في الغرفة عينها ،
    سيكون لي ،
    سأخبرك عن أنبيائك وأوليائك وقديسيك كم هم تعساء وبائسين ، سأدفعكَ عن عرشك لترى … سترى .

  • الزّاهرات العواتم – سوزان عليوان

    الزّاهرات العواتم – سوزان عليوان

    ها هي البلاد تتفتّت

    أرغفةً يابسة تحت المطر.

    لا بأس.

    الأصابع واهنة

    عصافيرنا عطشى

    وأفواه بأعداد مهولة

    بأسنان بهشاشة أوطان.

    وإن غدا أديم الأرض الغاربة

    بيت المعرّي بين أقدامنا

    وصارت خرائطنا مراكبَ ورقيّةً

    لضحكات في أكفان،

    في عينيك زاهرات عواتم

    بهالات هدايا تحت شجرة ميلاد،

    وفي دمعتي وكأسي

    ما يفيض عن حاجة غريق.

    *

    لفرط البحر في الحكاية

    كلّ ما بيننا ملح على جرح:

    القمر الواطئ

    الجِلْد على الجِلْد

    الجثث الطافية والرايات

    الأزرق المراوح مكانه،

    والماء في مثل قصّتنا

    لا يروي.

    *

    لصقيع الفجر أبتسم

    كما لصديق قديم.

    قلادتك طائر في عنقي،

    نصف ملامحي في مرآة.

    مثل هذا الليل حصان

    حوافره تحفِر روحي.

    بهذه الأطراف الطافـئة

    كيف أُحْصي كم أحببتك؟

    *

    لمقهى الأقدار المتقاطعة

    قلبُ صفصافةٍ على رصيف،

    وعيونُ عصافيرَ عاكسةٌ

    لشارع كنّا

    تحت ورقه الأصفر عشّاقًا.

    على أطلال أقف

    حيث الطريق أطول من طفولتي وشالك

    وعُكّاز الكون شجرة لوز مزهرة،

    مُسرعةً تعبرني سيّارات الضواحي

    مواسم الكراسي الموسيقيّة.

    *

    باريس مطر يتساقط.

    ليل موحل، شوارع ممحوّة.

    شجر فاحم لفَرط وحشته

    بلُعب الورق يتسلّى

    لو أنّ يدًا تعلّق نجمة ما

    على شجرة الوجود

    في بهو الفندق المُعْتِم، أفاجأ بوجهك المفتّت

    جالسًا أجدك

    على مَقعد عتيق،

    متدثّرًا بعطر عاتب وفراء،

    بائسًا ومبتسمًا

    مثلَ ملك على دمعة.

    لولا العصافير على أكتافها،

    من يحدّث التماثيل؟

    *

    غرفة بغموض غيمة، ممرّ مضاء بك

    أمام الأبواب الخاطئة، ماذا نفعل بمفتاح؟

    صوتك بَوْصَلتي

    ضحكتك تضيّعني.

    باب أبيض، سرير ونافذة.

    أقنعتنا على الأرض.

    ملاك الحبّ يضحك

    عاريات ماتيس

    ملء الهواء.

    *

    الجِلْد أعمق من العظام

    من منّا جمجمته في المرآة؟

    حدّثني عنك وعنّي.

    الخوف ظلّنا على هاوية

    الذكرى فاصلة في كتاب

    ما يؤلم، يؤلمنا الآن.

    *

    الشجر وسن الشوارع

    ويداك مُدْهامَّتان.

    كأس ومكسّرات مالحة

    ويداك عروتان تعرّيان الحبّ

    من شال أصفر حول عنقه.

    لكنّ الكلام أكثر من نافذة،

    لكنّ الكلام أقلّ من شفاء

    للمطر ألواح لازورديّة

    لقمر الضواحي

    باقة ورد تحت البَرَد

    وللملاك الكسول الذي تلكّأ كلّ هذا الليل

    من غابة سان ــ كلو

    إلى ساحة المِقصلة والمِسلّة والحمام

    عذر المسافة الماطرة

    وساقان من ورق.

    *

    لك البرج الذي يزهر، على عشب، دون جذور

    لك الضِفّة الأجمل بأشجارها

    وعازفو الكمان الموزّعون

    كقنّاصة بلادنا، على أسطح زرقاء

    زوارق الضوء لك

    والسيمفونيّة الثانية والأربعون

    تلك التي لم يعش ليبصرَ عصافيرها موزار

    لك القمر في بصلة محلّاة

    لك الشمس في باقة عاشق

    لك الأغاني الحبيسةُ حتّى تَفَتَّحَ وجهُك

    لك حُضنة العصفور

    ولك بداهة نهر

    أنت الذي بأهدابك تنقّي

    وجهينا من الغيم الحزين..

    *

    في الساحة القريبة

    ملوك محفورون على حجر.

    وجوه متماثلة، يلطّخها روث الطيور

    كم هو وحيد في هذا الليل

    ذلك الملك الشمس

    على حصان ساكن،

    وعلى رأسه حمامة..

    *

    أيقظني مطر لأراك

    شجرةً تظلّل حطّابي.

    قلتُ: بين بِلّور وضباب..

    .لكنّ ظلّي أخذ يبكي

    خَشْيَةَ أن تتساقط دموعي

    كأطفال أمامك

    قلتُ: أنا نهر.

    *

    لك لين صلصال
    بين أصابعَ صغار

    أيّة يد
    تصنع منك ما تشاء

    بيت

    آنية زهر

    حزن من خزف، بزخارف مبهمة

    كدمعةٍ على العالم

    مثلُ مرايا مهشّمة

    بين أجفان مِشْكال

    *

    باريس مطر يتساقط

    وها هم يسقطون معًا:

    الطغاة، والأطفال المطمورون بثلج الطريق.

    اللغة من حجر، اللغة معلّقة،

    وليستِ النجوم مدافئ

    لملاجئ ترتجف على الحدود

    كلّ هذا الليل عيناك

    وهذه حصّتي من حصّالة القمر:

    قصيدة بصوتك المتّقد المتردّد

    أعلم أنّك كتبتها لسواي.

    من ديوان: ” الحب جالس في مقهى الماضي ( 2014 ).”

  • ساعات الفجر الباكرة – نرمال برابها بوردولوي

    yasser hammoud

    نادرًا ما ألقاه.
    وكلما ألقاه
    آخذ يديه في يديّ.

    وأصب حياتي
    وبرأس منحن أعرب عن تمنياتي:
    “كن دائمًا ناجحًا ومنتصرًا”.

    لا أقابله إلا نادرًا جدًا
    يصبح النسيم أخضر
    كلما فتح عينيه،
    وتعود الحياة إلى الأنهار الجافة،
    ويغمر السماء قمر باهر.

    نادرًا ما أجد الفرصة للقياه.
    وعندما، مثل لؤلؤة منطلقة من صدفتها،
    يقف أحيانًا حيالي،
    يقزّم الرجل الضخم
    الذي داخلي.

    شاعرة وأديبة وصحافية وأكاديمية تكتب بالآسامية.
    **ترجمة: د. شهاب غانم.

  • المجنون يستسلم للشعر – كلارا خانيس

    Yasser Hammoud – Syrian Artist

    1- الشاعر يمتدح الصداقة التي اخترقت الصحراء ووضعت في خدمة المجنون رجالًا وأموالًا تشفيه من جنونه بليلى.

    أشرب في نخب نوفل،
    الذي حطم الجدران الوحشية التي
    أقامها المجنون بينه والدنيا،
    وحطم النظم الوحشة التي تحيط به،
    يغذيه، يسرحه،
    ويكسوه بالذهب والديباج،
    ويرافقه على طريق الحبيبة.

    قال:
    ” لو كنت طائرًا،
    لو كنت شظية صوان خبيء،
    سوف أعثر على ليلى من أجلك”

    آه، أيها القدر القاسي
    إن القلب السجين
    يحتضن الهزيم نصرًا.

    2- تائه في الصحراء من جديد، يستسلم المجنون لقصائده.

    يقولون إن الس
    ماء تحولت بحرًا
    في بلاد اليمن،
    وأن الوادي الأخضر
    ليس إلا قشرة ماء،
    وأن الرجال والقطعان
    تهرب إلى أوكاره،
    برغم إشراقه
    معلنًا حصادًا وفيرًا.
    هنا، في قلبي،
    يلمع نجم
    يعلن تحولًا،
    رياح الروح الموسمية
    تنقلب إلى قصيدة.

    3- هنا يؤكد المعنى نفسه.

    جسدي قصائدي،
    غيرها ليس لي
    لكنه أبدًا لن يكون صوتي،
    المشاهد التي أضمنها من مجراه،
    الشذى والأنهار
    التي أتبع طريقها، زجاجية.
    وأنا ذاتي
    أسير على الطريق
    رنين الخلاخل
    التي يطلقها الريح
    في مياه المرايا المرسلة.
    مسافر أنا
    فقد عقله
    يرفض أن يسلم زمامه القلب.
    سوف أصل إلى تلك الجنة،
    إلى تلك الزهرة الإنسية التي هي ليلى،
    حتى تلك النهاية النورانية
    سوف أصل
    أسيرة الآن
    في الزئبق السابع،
    في الطبقة الثامنة
    حيث تجري عروقي.

    *كلارا خانيس، شاعر أسبانية، كتبت في ديوانها ( حجر النار ) عن أسطورة المجنون وليلى.
    ** ترجمة: د. طلعت شاهين.

  • شذرات للشاعر فخري رطروط

    شذرات للشاعر فخري رطروط

    كن شجاعا مثل نافذة مفتوحة على الليل المطلق.

    *

    الشعراء أخطرمن السحرة،

    الساحر يخرج من القبعة أرنبا،

    الشاعر يخرج من العدم قبعة

    ثم يخرج من القبعة ساحرا

    *

    من الذي وضع غولا مكان الطائر الخشبي في صندوق الساعة؟

    كل ستين طعنة

    يخرج ويلتهم قطعة من دماغي.

    *

    يحدث كثيراً أن أستيقظ وفي رأسي

    بيضة ديناصور

    *

    أنا عقرب سجين في ساعة معطلة

    لم يعد يعرف اين هو

    وما وظيفته

    وكم هو الوقت الآن.

    لوحة العالم الوحيدة

    رسمها سلفادور دالي

    في تلك الساعات السائخة

    كقطعة جبن.

    تعالي اليّ ، ليس لي غيرك في هذا العالم

    أنا وأنت عقربا ساعة معطّلة

    الزمن الذي يسيل على هذه الأرض

    يذيب كل شئ ، كل شئ

    حتى إطارات الساعات.

    *

    تحرير العقارب

    من الساعات المعطلة

    تسليته الوحيدة

    لا شئ يفرحني مثل

    رؤية ساعة معطلة.

    *

    الديناصورات انقرضت لأنها ظنت نفسها شيئا كبيرا في هذا الوجود

    *

    خذوني وترا

    لقوس أو جيتار

    انا اصلح لأشياء كثيرة.

  • قصائد هايكو – عمير الأحمر

    قصائد هايكو – عمير الأحمر

    ‏حبل الغسيل-

    ‏تجاه حقل القطن

    ‏ترفرف الملابس

    ‏.

    ‏في النشرة

    ‏أكثر تدليساً من الخبر

    ‏وجه المذيعة

    ‏.

    ‏متعبةٌ أمي

    ‏على الجدار

    ‏تستند صورتها

    ‏.

    ‏أخبره بسر

    ‏سريعاً يفشيه

    ‏هذا الجبل

    ‏.

    ‏أحادث الجدار

    ‏يقاطعني معلناً

    ‏وحدتي

    ‏.

    ‏قوس قزح،

    ‏خد الصغيرة

    ‏مصابٌ بكدمة

    ‏.

    ‏بين النوافذ-

    ‏حبال الغسيل

    ‏مراسيل

    ‏.

    ‏نسمة هواء،

    ‏الستارة خارج النافذة

    ‏تحيّي السحب

    ‏.

    ‏مغسلة الثياب-

    ‏وحده العامل يتلمس

    ‏جيوب المفتش

    ‏.

    ‏هبوب الرياح

    ‏ذريعة الأعشاب

    ‏لمراودة الزهرة

    ‏.

    ‏أوراق متساقطة-

    ‏المطر يكتب الرسائل

    ‏قطرةً قطرة

    ‏.

    ‏نسمة هواء،

    ‏تقديراً لغارسها

    ‏تنحني الوردة

    ‏.

    ‏مستنقع،

    ‏بقفزة ضفدعٍ قذر

    ‏تهتز صورتك

    ‏.

    ‏تحت الأضواء

    ‏تحاول ذرات الغبار

    ‏إثارة الجدل

    ‏.

    ‏عيدانٌ مكسورة

    ‏يلم شتاتها

    ‏عش

    ‏.

    ‏يحشر نفسه

    ‏في خرم ابرة،

    ‏هواءٌ فضولي

    ‏.

    ‏قبل أن تذهب

    ‏مع الريح يا شَعري

    ‏أتعرف الوجهة ؟

    ‏.

    ‏غرقت الجزيرة؛

    ‏تتنفس بصعوبةٍ الآن

    ‏المنارة البحرية

    ‏.

    ‏حتى المقود

    ‏يبعده عن الثبات

    ‏طرقٌ ملتوية

    ‏.

    ‏مبتورَ اليدين

    ‏ندامةٌ

    ‏يعض شفتيه

    ‏.

    ‏لتأمين مستقبله

    ‏يتمايل على حبل الغسيل

    ‏بنطال مبتور القدمين

    ‏.

    ‏يلبس حفرةً

    ‏فراغها ممشوق،

    ‏مسمارٌ رشيق

  • دُموع – فرناندو بيسوا

    دُموع – فرناندو بيسوا

    الله خلقني لأكون طفلاً،

    وأبقاني على الدوام طفلاً

    لكن لماذا جعل الحياة تعاملني بسوء وسلبني اللعب،

    ثم تركني وحيدًا مع تسليتي،

    أعصر بيدين واهنتين جدًا المنديل الأزرق المتَّسخ للدموع المستديمة؟

    إن كنت لا أقوى على العيش إلّا مداعَبًا،

    فلماذا ألقوا بحبي جانبًا؟

    آه، كلما رأيت في الشارع طفلاً يبكي،

    طفلاً مبعدًا عن الآخرين، تألَّمتُ بكلّ الرعب المتهور لقلبي المستنفد.

    أتألمُ بكلّ قامة الحياة المحسوسة،

    واليدان اللتان تلويان طرفي المنديل، يداي،

    والأفواه المعوجة بالدموع الحقيقية أفواهي،

    والضعف ضعفي،

    والعزلة عزلتي،

    وابتسامات الحياة الراشدة التي تمضي

    تستنفدني مثل أضواء فوسفورٍ

    مفروك في النسيج الحساس لصدري.

  • نار – أحمد المُلا

    نار – أحمد المُلا

    ما سمّتْهُ

    الطفولةُ ماءً

    صار ناراً في المشيب.

    أشبهَ بأحجيةٍ

    مهما أطلتَ النظر

    تتعقّد.

    تعتقدُ أنّها بعيدةٌ

    وأنّها في مسارٍ آخر

    لكنّها كامنةٌ تتربّص

    قريبةٌ تتحيّن،

    تداري ما بينَكما

    وتنتظرُ قدومَك،

    عبْرَ الصُّدفةِ ربّما

    وأحيانا

    من خلالِ انحرافٍ

    لن تتوقّعَه؛

    غفلةِ جسد

    خطوةٍ في غيرِ موضِع

    تقديرٍ خاطئ

    أو حتّى عثرةٍ صغيرة؛

    يقينُكَ الوحيد

    أنّها ستنفجرُ أمامَكَ

    قبلَ أن تدركَها.

    ضَعُفَ منك البصر

    فلا ترى غيرَ أشباحٍ

    تتقافزُ من بعيد

    وبيدٍ راعشةٍ تصوّب.

    لم تفطنْ أنّها مقيمةٌ فيك

    وفي غفلةٍ

    تشبُّ

    تنشبُ في خاصرتِك

    مثلَ حزامٍ ناري.

  • إصابة – قصيّ اللبدي

    إصابة – قصيّ اللبدي

    بينما كان يحصي إصاباتهِ،

    وجدتْ صوتها الكلماتُ:

    ستدفعني رغبتي في الغناء الى الطيران

    بعيداً

    بعيداً.

    ولن أتذكرَ شيئاً،

    إلى أن ينبهني حدثٌ عابرٌ:

    نظرةٌ، أو ملامسةٌ، أو كلامٌ

    فأهوي

    الخ،

    وتزيد الإصاباتُ واحدةً.

    *

    تلاشٍ

    عندما لا تكونين موجودةً،

    ههنا،

    تنزوي الكلماتُ.

    زهورك تخضرّ، مرغمةً. وطيورك تأوي

    إلى الصمتِ،

    حتى الأواني الزجاجَ، تشفّ بلا رغبةٍ.

    جسدي، هو أيضاً –  أجل جسدي – يتضاءلُ

    شيئاً

    فشيئاً

    كأن السجائر تمتصّني.

    *

    النهار المهرج

    حركاتٌ فكاهيةٌ للنهار؛

    يطيرُ إلى واجهاتٍ زجاجيةٍ، وينامُ

    على أسطح الأبنيةْ.

    قدماهُ تطولانِ شيئاً فشيئاً،

    وحولهما،

    تثبُ السّخريةْ.

    أتأمله من وراء الستارة،

    يغرس ما بين أسنانه قشةً،

    ويدندنُ

    لحناً سحيقاً، عن الأوديةْ.

    أعرف الأغنيةْ

    هذه الأغنيةْ

    آهِ..

    يا للنهارات إذ تستطيل، فتصبح

    أطولَ ممّا هيَ.

    *

  • اللغة الهندية – راغوفير ساهيا

    اللغة الهندية – راغوفير ساهيا

    إننا نحارب معركة لغة
    لنغيّر المجتمع.
    ولكن السؤال الخاص باللغة الهندية
    لم يعد سؤالًا
    لقد خسرنا المعركة.
    أيها الجندي الجيد،
    يجب أن تعرف متى هزمت.
    والآن، ذلك السؤال
    الذي أشرنا إليه متعلقًا
    بمعركة اللغة المذكورة،
    دعنا نضعه بهذا الشكل:
    هل كنا نحن والذين كنا نحارب من أجلهم
    نفس الجماعة؟
    أم هل كنا في حقيقة الأمر وكلاء مضطهدينا –
    وكلاء متعاطفين وصادقي النية ومهذبين؟
    أولئك الذين هم أسياد في الواقع عبيد.
    وعبيدهم هم أولئك الذين ليسوا أسيادًا.
    إذا كانت اللغة الهندية هي لغة الأسياد،
    إذن فبأي لغة سنحارب من أجل الحرية؟
    المطالبة باللغة الهندية
    هي الآن مطالبة
    بمعاملة أفضل –
    ليس بالحقوق –
    مقدمة من قبل الوكلاء
    إلى أسيادهم العبيد.
    إنهم يستخدمون الهندية مكان الإنكليزية،
    بينما في الواقع
    يستخدم أسيادهم
    الإنكليزية مكان الهندية –
    لقد ضرب الاثنان اتفاقًا.
    الذي يستطيع كشف ها النفاق
    سيتخلص من عبودية اللغة الهندية
    إنه سيكون ذلك الشخص
    الذي عندما يتحدث بالهندية،
    سيرينا كيف يشعر الناس البسطاء.

    * راغوفير ساهيا – شاعر وصحفي ومترجم وروائي من الهند. ( 1929 – 1990 )
    ** ترجمة: شهاب غانم.

  • لعب أحصنة – ك. أيابا بانيكار

    لعب أحصنة – ك. أيابا بانيكار

    1- لعب أحصنة.

    أربعة أحصنة فارهة
    أخذت تركض.
    أحدهما كان أبيض اللون، وأحدهما أسود
    وأحدهما أحمر، وأحدها بني
    أحدها كانت له أربع قوائم
    وأحدها ثلاث قوائم
    وأحدهما قائمتان
    والرابع كانت له قائمة واحدة فقط.
    قال الحصان ذو القائمة الواحدة
    للأحصنة الأخرى:
    لقد حان وقت الرقص
    يا أصدقائي الأعزاء
    دعونا نرقص على حافر واحد
    جميعها أعجبتها الفكرة
    وبدأ الرقص
    الحصان ذو القوائم الأربعة أغمي عليه في الحال
    والحصان ذو القوائم الثلاث انزلق ووقع
    والحصان ذو القائمتين عرج ووقع
    وحده الحصان ذو القائمة الواحدة
    واصل الرقص دون توقف.

    2- الحرية

    كانت الأبواب الضخمة
    للسجن الحجري
    مفتوحة على مصراعيها
    حتى السقف كان قد طار.
    ولكن صفار إنذار الساعة السادسة
    لم تسمع.
    عندما اخترقت أشعة الشمس
    غرف السجن
    لم يفق المساجين
    فقد انتظروا صوت صفارة الانتظار.
    وعندما حان الوقت ليصطفوا لتناول الغداء
    لم ينهض المساجين
    فلأنهم لا يعرفون أنهم مساجين
    فقد انتظروا صوت الجرس.
    وبعد أن انتهى اليوم بوقت طويل
    ولعقت العتمة ذات اللسان المشقوق
    نور النجوم من السماء
    لم يكن الصباح قد حان
    كيف لهم أن يعرفوا أن الفجر قد انبلج
    من دون أوامر تصدر لهم من الأعلى.

  • عزلة – راغوفير ساهيا

    عزلة – راغوفير ساهيا

    عندما تأمل أن تجد شخصًا لوحده،
    لتسمع منه شيئًا صادقًا،
    فإنك لا تجده على انفراد.
    في المنزل يكون دائمًا محاطًا بآخرين،
    أعضاء في منظمة سرية كما يبدو.
    يشعر المرء وكأنه في اجواء عام 1975 من جديد،
    رجال المخابرات في كل مكام،
    الفرق الوحيد الآن هو أنهم غير رسميين.

    لا يعرف المرء ما يفعل بالحقيقة الصادقة الواضحة
    وإلا إذا تعرضت للتزييف أولًا
    وعلى مثل هذه الأسس يتحدث معك أصدقاء الطفولة.

    رحلة الحياة تظل لغزًا
    أن يصل الإنسان يعتمد على
    كيف ومتى يتمكن من أن
    يفلت منسلًا من شخص آخر.

    * راغوفير ساهيا – شاعر وصحفي ومترجم وروائي من الهند.( 1929 – 1990 )
    ** ترجمة: شهاب غانم

  • عن عدم التعلم من الحيوانات – أتيبات ك. راماندجان

    عن عدم التعلم من الحيوانات – أتيبات ك. راماندجان

    Falah Al-Saidi

    1- عن عدم التعلم من الحيوانات.

    الحيوانات تعطينا السكينة.
    القطط تنام خلال الحروب.
    الكلاب تتجاهل سرطان أختك،
    وتغفر الخيانات وحصص المؤن،
    بينما لا يستطيع رجل طوال اليوم
    أن يغفر لنفسه خيانته بعد أن ينام مع امرأتين.
    ولكن الكلب لن يجامع كلبة بعد أخرى
    ولن يرغب في قتل نفسه لأنه تصرف بنذالة. وطائر السلوى أحادي الزواج،
    هكذا تقول الموسوعة.
    أما السعدان فعنده حريم كثيرة
    ولكنه غير معذب بمطالب المساواة بينهن في تقسيم الوقت.
    ولكنني أنسى كيف شعرت بالانزعاج
    وأنا في سن السابعة عشرة،
    بعد أن تشاجرت مع والدي
    على حقوق أمي،
    حين شاهدت أنثى قرد
    ذات خطم أسود مخطط
    وهي تتخير بصبر بيديها الطويلتين
    أوراق خس وتشمها وتلعقها لتنظفها
    لتقدمها لسيدها زوجها
    بينما كان يتذمر طوال الوقت.

    2- البصر الثاني.

    في طابور باسكال الذي ليس له نهاية
    يصلي الناس، أو يصفرون، أو يلقون بالتعليقات.
    وعندما ندخل في العتمة،
    يقول شخص في الخلف:
    ” أنت هندوسي، أليس كذلك؟
    لابد وأن لك بصرًا ثانيًا”.
    أتحسس بارتباك في جيوبي التسعة
    مثل زوج الابنة
    وهو يتلمس في ظلال الليل
    باحثًا عن زوجته في كل غرفة،
    ثم أشعل عود ثقاب
    لأستعيد بصري الأول
    والوحيد.

    *أتبيات ك. راماندجان، شاعر يكتب بالكندا والتاميل والإنكليزية، وهو أكاديمي وناقد ومترجم.
    ** ترجمة: د. شهاب غانم.

  • تذكر – أتور رافيقارما

    تذكر – أتور رافيقارما

    1- تذكر

    أستطيع أن أسمع ما تقول
    وما لا تقول
    أسمع صداه في داخلي
    لنا نفس أحرف العلّة
    ونفس الأحرف الصحيحة
    ونفس الصمت.

    أصابعنا
    تنحني وتستوي معًا
    ونحن نرسم أشكالًا
    في ساحة الدار
    أيام السنة

    وعلى شواطئ متقابلة
    في نفس المحيط
    نشاهد طقوس الموت
    برؤوس حليقة
    ونرى الأعماق

    في هذا الجانب
    جدّة،
    وريف
    في انتظارنا

    أسماؤكم تبدو مألوفة
    وأماكنكم مألوفة،
    سينما ” ريجال”
    مكتبة” فيرسمهام”
    موقف الباص:
    كل هذه
    هي مشاكل لا ترى.

    عندما نسير
    على طريق مكتب البريد
    تتقلص إلى طاس دم
    يتمدد مثل كف
    تشتكي إليّ
    وتصرخ في وجهي

    تطاردني
    إلى البحر
    وعلى الشاطئ
    أتحدث إليها وأتوسل
    وأتذلل
    لست أنا الزناد
    ولا أنا الرصاصة
    ولست أنا القرد
    ولا أنا “فالميكي”

    أنا مجرد علامة استفهام
    كاملة الصلع
    تلبس نصف مئزر هندي
    مرشوشة بضربات الرصاص
    بدون أسنان أمامية.

    2- ما يملكه المرء

    بينما يتجه كل منزل نحو الغرب
    يتجه منزلي نحو الشرق.
    بينما لكل ابن أم جميلة
    أمي داكنة اللون وليست جميلة.
    بينما يسير كل شخص بسرعة
    أنا مجرد سارية عاطلة عن العمل.
    وعندما يقترعون على الضحك
    أكون دائمًا الخاسر.

    * شاعر بلغة الماليم وأكاديمي ومترجم.
    ** ترجمة: د. شهاب غانم

  • صحف قديمة – آرون كولاتكار

    صحف قديمة – آرون كولاتكار

    إحذر من الصحف القديمة
    المكوّمة
    على ذلك الكرسي الصغير ذي الأرجل الثلاث هناك.
    لا تحركها
    فأنا أعرف بشكل قطعي
    أن الثعابين تفرّخ بين صفحاتها.

    بل حتى لا تنظر في اتجاهها فإن أطرافها ترف،
    وليس ذلك بفعل النسيم.

    إن ذلك الوكر من الصحف ينبض بالحياة
    ثعابين حديثة المولد تلتف وتتمدد
    وتدير رأسها لتنظر إليك.
    ذلك الركن الأبيض نشر غطاء رأسه،
    لسان مشقوق
    ينطلق من فمه.
    إبق عينيك مغمضتين.
    تخلص من كل الكومة اللعينة إذا أردت
    في الصباح.

    * آرون كولاتكار، شاعر وفنان ومترجم، يكتب الشعر بالماراثية والإنجليزية.
    ** ترجمة: د. شهاب غانم.

  • طواويس – سارا كاي

    طواويس – سارا كاي

    في الآونة الأخيرة.. أعيش مع العناكب، لكن، في الحقيقة، بعد رحيل رفاق الغرفة لم تكن عشرتها شديدة السوء. عنكبوت الحمام يبقى ساكنًا على البلاط، الآخر قاطن غرفة النوم.. حسنًا، أحيانًا يمد أرجله، لكن في معظم الأوقات يحتفظ بها لنفسه.

    أعتقد أن محركات السيارات ومثبتتات الشعر تمكنت منّا أخيرًا، التلوث هنا لا يطاق، يجعل السماء متوهجة بالبرتقالي من الخامسة مساءً وحتى الصباح التالي. بعض الناس يعتقدون أن التخلص بالاغتسال، مما اعتقدت أنه سمرة، أمرًا مقززًا. لكن، أنا لا يسعني إلا أن أحب هذه المدينة التي يمتد فيها الشفق ل 15 ساعة- لو حدث وأسست فرقة لموسيقى الروك سأسميها التلوث الجميل.

    خارج المدينة يخيم الظلام، ظلام دامس لدرجة أنك تنسى أي يوم هو الثلاثاء. لكن في تلك الليلة غمرتنا عواصف رعدية جافة، كان البرق أشبه بومضات قوية تتسلل من النوافذ. خرجت ووقفت شاخصة بوجهي للأعلى. ابتسمت، تخيلت أن الله يلتقط بعض الصور.

    في بعض الليالي أستيقظ بثقب أسود في صدري- يدوّي مثل إعصار ضارٍ، ويلفح كذكرى جدتي. جربت معه الدواء المضاد للحموضة.. كنوع من المساعدة. قصصت شعري، بمقص كبير بارد، رغم ذلك بدا شعري لطيفًا. كانت قصّة للتهذيب على أية حال، الجميع كانوا يعلمون أنها، على الأرجح، لن تجدي نفعًا مع القمل وبق الفراش.

    كنت أبحث عن تشكيلاتي النجمية المفضلة في كل مكان، لكنني لم أرها بعد. المسافات بين النجوم مختلفة تمامًا هنا، أكثر اتساعًا. كنت اعتمد على اللغة الإنجليزية في التواصل مع الآخرين، لكن فيما يتعلق بالحب والرغبة، اللغة لا تهم. أعلى سطح خرساني في مكان ما على الطريق السريع، كان الليل يزحف نحونا، عندما سألني “رافي” البالغ من العمر ثمانية عشر سنة أن أكتب له رسالة غرامية.

    رسالة ل “نيها” الفتاة التي يحبها. إنها تتحدث الإنجليزية، بينما يجهلها هو، لذا فإنه عاجز عن أن يشرح لي كيف أن هذا محرمًا، وأنه بالفعل بصدد الزواج من أي فتاة يختارها والدايه، التي بالتأكيد ستكون من البلدة، وبالتأكيد من الطائفة نفسها، وأخيرًا من المؤكد أنها ليست المتشحة بالحرير الأصفر التي ابتسمت لي في الصورة التي عرضها علي.

    كتبت له الرسالة على أية حال. ذكر فيها شيئًا عن القمر، ونجوم السماء، وعن الطريقة التي تلمع بها عيناها وكيف أنه يتمنى لو أنهما معًا دائمًا. حين أعطيتها له، أخذها من يدي وقرأها بصوت مرتفع- هو لا يفهم معنى الكلمات، لكنه ثابر على قراءتها ببطء، وبين حين وآخر يتطلع في وجهي ليتأكد من أنه ينطق على نحو سليم. حين سمعت ما كتبت، علقت العبارات النمطية بيننا في الهواء مثل أنفاس كريهة. وددت لو استردتها وكتبتها من جديد.

    كنت لأكتب:

    عزيزتي “نيها”، حذاري من الأسطح. ليس لارتفاعها، وإنما لتسارع ضربات قلبك حال تعجلك في الصعود. يدا رافي بارعاتان في التسلق، أحب الطريقة التي يقف بها خلف أمه بينما تطبخ، لا لحرصه على مساعدتها، وإنما فقط ليشعرها بوجوده، ربما احتاجته ليحضر لها شيئًا من الرف العلوي. يعجبني شغفه بالخطابات الغرامية. سرواله قصير إلى حد ما، بوصات قليلة فحسب. هل سبق وجئت لزيارته هنا؟ على الأرجح لم تفعلي. الطواويس مهيبة، تموء مثل القطط، ولا أحد يعيرها اهتمامًا. لكن الذكور تواصل الرقص فوق أسطح البلدة على أمل أن يلاحظ ذيولها أحد.

    حظ سعيد مع سرك الجميل.

    سارا

    عند نهاية الخطاب، قرأ “رافي” كلمة “أحبك”، الكلمة الوحيدة التي يفهمها، ثم ابتسم ابتسامة بهية وأومأ برأسه. في طريق العودة للسيارة، أخبرني المترجم أن رافي يريد أن يشكرني. طلبت منه أن يخبره بإنني أتمنى له حظًا سعيدًا، ففعل. لن يتزوجها، قالها المترجم بعد أن قطعنا بالسيارة عدة دقائق في الظلام.

    قلت، أجل، لكن يستطيع أن يحبها.

    إنه أوان الرياح الموسمية، أرى زوايا الشارع الطويل وقد تحولت إلى ضفاف أنهار والحفر الصغيرة إلى شراك للموت. العربات نفسها ليست آمنة. ثعبان الكوبرا الذي وجدته في ظل القنديل، كان أصغر كثيرًا مما ظننت، لكن ثمار المانجو كانت شهية تمامًا. ربما هذا هو السبب في أننا كلما قطعنا واحدة ، زحف عنكبوت خارج منها- لقد اتخذ من قلبها بيتًا. هنا، تبدو الأفيال برتقالية، أعتقد أن ذلك يعود لاحتواء الصابون على الحنّة.

    .

    * ترجمة: ضي رحمي.

  • مياه – آن ساكستون

    مياه – آن ساكستون

    اسماعيل نصرة

    نحن صيادون في بقعة ساكنة

    نقضي يومنا في غرام الماء

    الأسماك عارية

    الأسماك متيقظة على الدوام

    إنها في لون الملاعق القديمة

    والكراميل.

    الشمس تهبط

    لكن القاع ليس في المشهد

    فقط صخور بيضاء وخضراء.

    ترى ما الذي يحدث بالأسفل؟

    أمر قاسٍ مصادفة طائر السمّاك هابطًا

    باتجاه سطح البحيرة الصفراء

    كأحدب متعرج

    يجرجر قدميه الكبيرتين.

    رأسه وعنقه –فقط- ما يستطيعان التنفس.

    إنه يعدد

    يأخذه العديد

    تمامًا مثل رفيقه الأول

    الذي تمايل طوال الليل على أرجوحته

    صارخًا

    لقد رأيت

    لقد رأيت.

    الماء أسوأ من النساء

    يدعو الرجل فيفرغه تمامًا

    تحتنا؛

    اثنتا عشرة أميرة يرقصن الليل بطوله

    يستنزفن عشاقهن، ثم يتخلين عنهم.

    لقد عرفت الماء.

    طوال الليل

    كنت أغني لآخر مجموعة من الأولاد

    طوال الليل

    كنت أغني للأفواه التي تطفو لاحقًا

    واحدًا تلو الآخر

    حاملين أحذية نسائية مهترئة.

    .

    * ترجمة: ضي رحمي.

  • ثمار البحر – قصي اللبدي

    ثمار البحر – قصي اللبدي

    ارتدت قميصا أبيض فضفاضا، تتوزعه تفاحات خضراء عشوائيا: واحدة عند الكتف، واثنتان متجاورتان على الخاصرة، وثلاث متناثرة حول الصدر، وتفاحة وحيدة غير مكتملة، على كم القميص.

    أما نصفها السفلي فلفته تنورة أكورديونية، تصل الى الركبتين.

    طلبنا للعشاء طبق “ثمار البحر” على ضوء الشموع، كما أرادت، على الرغم من أنني كنت أفضل الدجاج المشوي على الفحم. أو سمكة هامور محشوة بالبقدونس، أو صحن روبيان مقلي.

    كنت سأصارحها بذلك، لولا أنها بدت لي عارفة ما تطلب.

    وفيما كانت تتحدث، جعلت التفاحات الخضراء تنساب من جانب الى آخر، على قميصها، متبادلة مواقعها، فيما راح الشاطىء يرسل شخرات خافتة، متباعدة.

    قلت إنني لا أتخيل نفسي وأنا آكل ثمار البحر. وإنه لأحرى بشخص مثلي أن يلتهم التفاح من على قميصها، فضحكت وهي تسكب لنفسها كأسا. ولجزء من الثانية، خلتُ أن تفاحة الكتف ستسقط في حجرها.

    أدار أحدهم جهاز صوت، فانطلقت الموسيقى هادئة من كل ناحية، واختلطت بالهواء. وحمل نادل طبق مشويات الى عائلة مكونة من رجلين وأربع نساء، على بعد طاولتين، فاختلطت الرائحة بالهواء والموسيقى.

    قلت لها إنني لا أشعر بالرغبة في تناول ثمار البحر.

    – انتظر حتى تجرب.

    أوصتني بثقة، متجاهلة الهيئة التي اتخذتها ملامحي وأنا ألفظ العبارة الأخيرة، ثم طلبت مني أن أراقصها.

    راقبت الثمار الخضراء تسبح على بدنها، كأنها تنزلق على سفح ثلجي. وكلما رفعت يدها عاليا، أوشكت تفاحة الرسغ على السقوط، أو كادت تفاحة الكتف تفقد توازنها. فيما كانت تفاحات الصدر تتقارب وتتباعد، بين وقت وآخر، كأنها تؤدي رقصة خاصة.

    ظلت ذراعاي جامدتين، في البداية، بسبب النظرات القوية التي حاصرتنا. لكن، سرعان ما أخذت الحماسة فتاتين، فشاركتانا الرقص. وخلال دقائق تبعهما أشخاص آخرون.

    أشارت الى نادل عشريني يجر عربة صغيرة أمامه، كأنها تدله على موقع مائدتنا، ثم سحبتني من يدي، وأعادتني الى مقعدي. وما إن تخلى الشاب عن صحونه البيضاء، وجر عربته مبتعدا، حتى اختارت صدفة صغيرة، من أحدها، وفلقتها بين اصبعين، ثم طلبت مني أن أقلبها في جوفي دفعة واحدة.

    نظرت الى السائل الفضي اللامع في يدها مترددا، فكررت بحزم:

    – هكذا. دفعة واحدة.

    استغرق العشاء نصف ساعة تقريبا. الشموع حافظت على قوامها، أما البحر فقد تباعدت شخراته أكثر فأكثر، إلى درجة أننا لم نعد نفكر فيه..