المدونة

  • قصائد هايكو – عمير الأحمر

    قصائد هايكو – عمير الأحمر

    ‏حبل الغسيل-

    ‏تجاه حقل القطن

    ‏ترفرف الملابس

    ‏.

    ‏في النشرة

    ‏أكثر تدليساً من الخبر

    ‏وجه المذيعة

    ‏.

    ‏متعبةٌ أمي

    ‏على الجدار

    ‏تستند صورتها

    ‏.

    ‏أخبره بسر

    ‏سريعاً يفشيه

    ‏هذا الجبل

    ‏.

    ‏أحادث الجدار

    ‏يقاطعني معلناً

    ‏وحدتي

    ‏.

    ‏قوس قزح،

    ‏خد الصغيرة

    ‏مصابٌ بكدمة

    ‏.

    ‏بين النوافذ-

    ‏حبال الغسيل

    ‏مراسيل

    ‏.

    ‏نسمة هواء،

    ‏الستارة خارج النافذة

    ‏تحيّي السحب

    ‏.

    ‏مغسلة الثياب-

    ‏وحده العامل يتلمس

    ‏جيوب المفتش

    ‏.

    ‏هبوب الرياح

    ‏ذريعة الأعشاب

    ‏لمراودة الزهرة

    ‏.

    ‏أوراق متساقطة-

    ‏المطر يكتب الرسائل

    ‏قطرةً قطرة

    ‏.

    ‏نسمة هواء،

    ‏تقديراً لغارسها

    ‏تنحني الوردة

    ‏.

    ‏مستنقع،

    ‏بقفزة ضفدعٍ قذر

    ‏تهتز صورتك

    ‏.

    ‏تحت الأضواء

    ‏تحاول ذرات الغبار

    ‏إثارة الجدل

    ‏.

    ‏عيدانٌ مكسورة

    ‏يلم شتاتها

    ‏عش

    ‏.

    ‏يحشر نفسه

    ‏في خرم ابرة،

    ‏هواءٌ فضولي

    ‏.

    ‏قبل أن تذهب

    ‏مع الريح يا شَعري

    ‏أتعرف الوجهة ؟

    ‏.

    ‏غرقت الجزيرة؛

    ‏تتنفس بصعوبةٍ الآن

    ‏المنارة البحرية

    ‏.

    ‏حتى المقود

    ‏يبعده عن الثبات

    ‏طرقٌ ملتوية

    ‏.

    ‏مبتورَ اليدين

    ‏ندامةٌ

    ‏يعض شفتيه

    ‏.

    ‏لتأمين مستقبله

    ‏يتمايل على حبل الغسيل

    ‏بنطال مبتور القدمين

    ‏.

    ‏يلبس حفرةً

    ‏فراغها ممشوق،

    ‏مسمارٌ رشيق

  • دُموع – فرناندو بيسوا

    دُموع – فرناندو بيسوا

    الله خلقني لأكون طفلاً،

    وأبقاني على الدوام طفلاً

    لكن لماذا جعل الحياة تعاملني بسوء وسلبني اللعب،

    ثم تركني وحيدًا مع تسليتي،

    أعصر بيدين واهنتين جدًا المنديل الأزرق المتَّسخ للدموع المستديمة؟

    إن كنت لا أقوى على العيش إلّا مداعَبًا،

    فلماذا ألقوا بحبي جانبًا؟

    آه، كلما رأيت في الشارع طفلاً يبكي،

    طفلاً مبعدًا عن الآخرين، تألَّمتُ بكلّ الرعب المتهور لقلبي المستنفد.

    أتألمُ بكلّ قامة الحياة المحسوسة،

    واليدان اللتان تلويان طرفي المنديل، يداي،

    والأفواه المعوجة بالدموع الحقيقية أفواهي،

    والضعف ضعفي،

    والعزلة عزلتي،

    وابتسامات الحياة الراشدة التي تمضي

    تستنفدني مثل أضواء فوسفورٍ

    مفروك في النسيج الحساس لصدري.

  • نار – أحمد المُلا

    نار – أحمد المُلا

    ما سمّتْهُ

    الطفولةُ ماءً

    صار ناراً في المشيب.

    أشبهَ بأحجيةٍ

    مهما أطلتَ النظر

    تتعقّد.

    تعتقدُ أنّها بعيدةٌ

    وأنّها في مسارٍ آخر

    لكنّها كامنةٌ تتربّص

    قريبةٌ تتحيّن،

    تداري ما بينَكما

    وتنتظرُ قدومَك،

    عبْرَ الصُّدفةِ ربّما

    وأحيانا

    من خلالِ انحرافٍ

    لن تتوقّعَه؛

    غفلةِ جسد

    خطوةٍ في غيرِ موضِع

    تقديرٍ خاطئ

    أو حتّى عثرةٍ صغيرة؛

    يقينُكَ الوحيد

    أنّها ستنفجرُ أمامَكَ

    قبلَ أن تدركَها.

    ضَعُفَ منك البصر

    فلا ترى غيرَ أشباحٍ

    تتقافزُ من بعيد

    وبيدٍ راعشةٍ تصوّب.

    لم تفطنْ أنّها مقيمةٌ فيك

    وفي غفلةٍ

    تشبُّ

    تنشبُ في خاصرتِك

    مثلَ حزامٍ ناري.

  • إصابة – قصيّ اللبدي

    إصابة – قصيّ اللبدي

    بينما كان يحصي إصاباتهِ،

    وجدتْ صوتها الكلماتُ:

    ستدفعني رغبتي في الغناء الى الطيران

    بعيداً

    بعيداً.

    ولن أتذكرَ شيئاً،

    إلى أن ينبهني حدثٌ عابرٌ:

    نظرةٌ، أو ملامسةٌ، أو كلامٌ

    فأهوي

    الخ،

    وتزيد الإصاباتُ واحدةً.

    *

    تلاشٍ

    عندما لا تكونين موجودةً،

    ههنا،

    تنزوي الكلماتُ.

    زهورك تخضرّ، مرغمةً. وطيورك تأوي

    إلى الصمتِ،

    حتى الأواني الزجاجَ، تشفّ بلا رغبةٍ.

    جسدي، هو أيضاً –  أجل جسدي – يتضاءلُ

    شيئاً

    فشيئاً

    كأن السجائر تمتصّني.

    *

    النهار المهرج

    حركاتٌ فكاهيةٌ للنهار؛

    يطيرُ إلى واجهاتٍ زجاجيةٍ، وينامُ

    على أسطح الأبنيةْ.

    قدماهُ تطولانِ شيئاً فشيئاً،

    وحولهما،

    تثبُ السّخريةْ.

    أتأمله من وراء الستارة،

    يغرس ما بين أسنانه قشةً،

    ويدندنُ

    لحناً سحيقاً، عن الأوديةْ.

    أعرف الأغنيةْ

    هذه الأغنيةْ

    آهِ..

    يا للنهارات إذ تستطيل، فتصبح

    أطولَ ممّا هيَ.

    *

  • اللغة الهندية – راغوفير ساهيا

    اللغة الهندية – راغوفير ساهيا

    إننا نحارب معركة لغة
    لنغيّر المجتمع.
    ولكن السؤال الخاص باللغة الهندية
    لم يعد سؤالًا
    لقد خسرنا المعركة.
    أيها الجندي الجيد،
    يجب أن تعرف متى هزمت.
    والآن، ذلك السؤال
    الذي أشرنا إليه متعلقًا
    بمعركة اللغة المذكورة،
    دعنا نضعه بهذا الشكل:
    هل كنا نحن والذين كنا نحارب من أجلهم
    نفس الجماعة؟
    أم هل كنا في حقيقة الأمر وكلاء مضطهدينا –
    وكلاء متعاطفين وصادقي النية ومهذبين؟
    أولئك الذين هم أسياد في الواقع عبيد.
    وعبيدهم هم أولئك الذين ليسوا أسيادًا.
    إذا كانت اللغة الهندية هي لغة الأسياد،
    إذن فبأي لغة سنحارب من أجل الحرية؟
    المطالبة باللغة الهندية
    هي الآن مطالبة
    بمعاملة أفضل –
    ليس بالحقوق –
    مقدمة من قبل الوكلاء
    إلى أسيادهم العبيد.
    إنهم يستخدمون الهندية مكان الإنكليزية،
    بينما في الواقع
    يستخدم أسيادهم
    الإنكليزية مكان الهندية –
    لقد ضرب الاثنان اتفاقًا.
    الذي يستطيع كشف ها النفاق
    سيتخلص من عبودية اللغة الهندية
    إنه سيكون ذلك الشخص
    الذي عندما يتحدث بالهندية،
    سيرينا كيف يشعر الناس البسطاء.

    * راغوفير ساهيا – شاعر وصحفي ومترجم وروائي من الهند. ( 1929 – 1990 )
    ** ترجمة: شهاب غانم.

  • لعب أحصنة – ك. أيابا بانيكار

    لعب أحصنة – ك. أيابا بانيكار

    1- لعب أحصنة.

    أربعة أحصنة فارهة
    أخذت تركض.
    أحدهما كان أبيض اللون، وأحدهما أسود
    وأحدهما أحمر، وأحدها بني
    أحدها كانت له أربع قوائم
    وأحدها ثلاث قوائم
    وأحدهما قائمتان
    والرابع كانت له قائمة واحدة فقط.
    قال الحصان ذو القائمة الواحدة
    للأحصنة الأخرى:
    لقد حان وقت الرقص
    يا أصدقائي الأعزاء
    دعونا نرقص على حافر واحد
    جميعها أعجبتها الفكرة
    وبدأ الرقص
    الحصان ذو القوائم الأربعة أغمي عليه في الحال
    والحصان ذو القوائم الثلاث انزلق ووقع
    والحصان ذو القائمتين عرج ووقع
    وحده الحصان ذو القائمة الواحدة
    واصل الرقص دون توقف.

    2- الحرية

    كانت الأبواب الضخمة
    للسجن الحجري
    مفتوحة على مصراعيها
    حتى السقف كان قد طار.
    ولكن صفار إنذار الساعة السادسة
    لم تسمع.
    عندما اخترقت أشعة الشمس
    غرف السجن
    لم يفق المساجين
    فقد انتظروا صوت صفارة الانتظار.
    وعندما حان الوقت ليصطفوا لتناول الغداء
    لم ينهض المساجين
    فلأنهم لا يعرفون أنهم مساجين
    فقد انتظروا صوت الجرس.
    وبعد أن انتهى اليوم بوقت طويل
    ولعقت العتمة ذات اللسان المشقوق
    نور النجوم من السماء
    لم يكن الصباح قد حان
    كيف لهم أن يعرفوا أن الفجر قد انبلج
    من دون أوامر تصدر لهم من الأعلى.

  • عزلة – راغوفير ساهيا

    عزلة – راغوفير ساهيا

    عندما تأمل أن تجد شخصًا لوحده،
    لتسمع منه شيئًا صادقًا،
    فإنك لا تجده على انفراد.
    في المنزل يكون دائمًا محاطًا بآخرين،
    أعضاء في منظمة سرية كما يبدو.
    يشعر المرء وكأنه في اجواء عام 1975 من جديد،
    رجال المخابرات في كل مكام،
    الفرق الوحيد الآن هو أنهم غير رسميين.

    لا يعرف المرء ما يفعل بالحقيقة الصادقة الواضحة
    وإلا إذا تعرضت للتزييف أولًا
    وعلى مثل هذه الأسس يتحدث معك أصدقاء الطفولة.

    رحلة الحياة تظل لغزًا
    أن يصل الإنسان يعتمد على
    كيف ومتى يتمكن من أن
    يفلت منسلًا من شخص آخر.

    * راغوفير ساهيا – شاعر وصحفي ومترجم وروائي من الهند.( 1929 – 1990 )
    ** ترجمة: شهاب غانم

  • عن عدم التعلم من الحيوانات – أتيبات ك. راماندجان

    عن عدم التعلم من الحيوانات – أتيبات ك. راماندجان

    Falah Al-Saidi

    1- عن عدم التعلم من الحيوانات.

    الحيوانات تعطينا السكينة.
    القطط تنام خلال الحروب.
    الكلاب تتجاهل سرطان أختك،
    وتغفر الخيانات وحصص المؤن،
    بينما لا يستطيع رجل طوال اليوم
    أن يغفر لنفسه خيانته بعد أن ينام مع امرأتين.
    ولكن الكلب لن يجامع كلبة بعد أخرى
    ولن يرغب في قتل نفسه لأنه تصرف بنذالة. وطائر السلوى أحادي الزواج،
    هكذا تقول الموسوعة.
    أما السعدان فعنده حريم كثيرة
    ولكنه غير معذب بمطالب المساواة بينهن في تقسيم الوقت.
    ولكنني أنسى كيف شعرت بالانزعاج
    وأنا في سن السابعة عشرة،
    بعد أن تشاجرت مع والدي
    على حقوق أمي،
    حين شاهدت أنثى قرد
    ذات خطم أسود مخطط
    وهي تتخير بصبر بيديها الطويلتين
    أوراق خس وتشمها وتلعقها لتنظفها
    لتقدمها لسيدها زوجها
    بينما كان يتذمر طوال الوقت.

    2- البصر الثاني.

    في طابور باسكال الذي ليس له نهاية
    يصلي الناس، أو يصفرون، أو يلقون بالتعليقات.
    وعندما ندخل في العتمة،
    يقول شخص في الخلف:
    ” أنت هندوسي، أليس كذلك؟
    لابد وأن لك بصرًا ثانيًا”.
    أتحسس بارتباك في جيوبي التسعة
    مثل زوج الابنة
    وهو يتلمس في ظلال الليل
    باحثًا عن زوجته في كل غرفة،
    ثم أشعل عود ثقاب
    لأستعيد بصري الأول
    والوحيد.

    *أتبيات ك. راماندجان، شاعر يكتب بالكندا والتاميل والإنكليزية، وهو أكاديمي وناقد ومترجم.
    ** ترجمة: د. شهاب غانم.

  • تذكر – أتور رافيقارما

    تذكر – أتور رافيقارما

    1- تذكر

    أستطيع أن أسمع ما تقول
    وما لا تقول
    أسمع صداه في داخلي
    لنا نفس أحرف العلّة
    ونفس الأحرف الصحيحة
    ونفس الصمت.

    أصابعنا
    تنحني وتستوي معًا
    ونحن نرسم أشكالًا
    في ساحة الدار
    أيام السنة

    وعلى شواطئ متقابلة
    في نفس المحيط
    نشاهد طقوس الموت
    برؤوس حليقة
    ونرى الأعماق

    في هذا الجانب
    جدّة،
    وريف
    في انتظارنا

    أسماؤكم تبدو مألوفة
    وأماكنكم مألوفة،
    سينما ” ريجال”
    مكتبة” فيرسمهام”
    موقف الباص:
    كل هذه
    هي مشاكل لا ترى.

    عندما نسير
    على طريق مكتب البريد
    تتقلص إلى طاس دم
    يتمدد مثل كف
    تشتكي إليّ
    وتصرخ في وجهي

    تطاردني
    إلى البحر
    وعلى الشاطئ
    أتحدث إليها وأتوسل
    وأتذلل
    لست أنا الزناد
    ولا أنا الرصاصة
    ولست أنا القرد
    ولا أنا “فالميكي”

    أنا مجرد علامة استفهام
    كاملة الصلع
    تلبس نصف مئزر هندي
    مرشوشة بضربات الرصاص
    بدون أسنان أمامية.

    2- ما يملكه المرء

    بينما يتجه كل منزل نحو الغرب
    يتجه منزلي نحو الشرق.
    بينما لكل ابن أم جميلة
    أمي داكنة اللون وليست جميلة.
    بينما يسير كل شخص بسرعة
    أنا مجرد سارية عاطلة عن العمل.
    وعندما يقترعون على الضحك
    أكون دائمًا الخاسر.

    * شاعر بلغة الماليم وأكاديمي ومترجم.
    ** ترجمة: د. شهاب غانم

  • صحف قديمة – آرون كولاتكار

    صحف قديمة – آرون كولاتكار

    إحذر من الصحف القديمة
    المكوّمة
    على ذلك الكرسي الصغير ذي الأرجل الثلاث هناك.
    لا تحركها
    فأنا أعرف بشكل قطعي
    أن الثعابين تفرّخ بين صفحاتها.

    بل حتى لا تنظر في اتجاهها فإن أطرافها ترف،
    وليس ذلك بفعل النسيم.

    إن ذلك الوكر من الصحف ينبض بالحياة
    ثعابين حديثة المولد تلتف وتتمدد
    وتدير رأسها لتنظر إليك.
    ذلك الركن الأبيض نشر غطاء رأسه،
    لسان مشقوق
    ينطلق من فمه.
    إبق عينيك مغمضتين.
    تخلص من كل الكومة اللعينة إذا أردت
    في الصباح.

    * آرون كولاتكار، شاعر وفنان ومترجم، يكتب الشعر بالماراثية والإنجليزية.
    ** ترجمة: د. شهاب غانم.

  • طواويس – سارا كاي

    طواويس – سارا كاي

    في الآونة الأخيرة.. أعيش مع العناكب، لكن، في الحقيقة، بعد رحيل رفاق الغرفة لم تكن عشرتها شديدة السوء. عنكبوت الحمام يبقى ساكنًا على البلاط، الآخر قاطن غرفة النوم.. حسنًا، أحيانًا يمد أرجله، لكن في معظم الأوقات يحتفظ بها لنفسه.

    أعتقد أن محركات السيارات ومثبتتات الشعر تمكنت منّا أخيرًا، التلوث هنا لا يطاق، يجعل السماء متوهجة بالبرتقالي من الخامسة مساءً وحتى الصباح التالي. بعض الناس يعتقدون أن التخلص بالاغتسال، مما اعتقدت أنه سمرة، أمرًا مقززًا. لكن، أنا لا يسعني إلا أن أحب هذه المدينة التي يمتد فيها الشفق ل 15 ساعة- لو حدث وأسست فرقة لموسيقى الروك سأسميها التلوث الجميل.

    خارج المدينة يخيم الظلام، ظلام دامس لدرجة أنك تنسى أي يوم هو الثلاثاء. لكن في تلك الليلة غمرتنا عواصف رعدية جافة، كان البرق أشبه بومضات قوية تتسلل من النوافذ. خرجت ووقفت شاخصة بوجهي للأعلى. ابتسمت، تخيلت أن الله يلتقط بعض الصور.

    في بعض الليالي أستيقظ بثقب أسود في صدري- يدوّي مثل إعصار ضارٍ، ويلفح كذكرى جدتي. جربت معه الدواء المضاد للحموضة.. كنوع من المساعدة. قصصت شعري، بمقص كبير بارد، رغم ذلك بدا شعري لطيفًا. كانت قصّة للتهذيب على أية حال، الجميع كانوا يعلمون أنها، على الأرجح، لن تجدي نفعًا مع القمل وبق الفراش.

    كنت أبحث عن تشكيلاتي النجمية المفضلة في كل مكان، لكنني لم أرها بعد. المسافات بين النجوم مختلفة تمامًا هنا، أكثر اتساعًا. كنت اعتمد على اللغة الإنجليزية في التواصل مع الآخرين، لكن فيما يتعلق بالحب والرغبة، اللغة لا تهم. أعلى سطح خرساني في مكان ما على الطريق السريع، كان الليل يزحف نحونا، عندما سألني “رافي” البالغ من العمر ثمانية عشر سنة أن أكتب له رسالة غرامية.

    رسالة ل “نيها” الفتاة التي يحبها. إنها تتحدث الإنجليزية، بينما يجهلها هو، لذا فإنه عاجز عن أن يشرح لي كيف أن هذا محرمًا، وأنه بالفعل بصدد الزواج من أي فتاة يختارها والدايه، التي بالتأكيد ستكون من البلدة، وبالتأكيد من الطائفة نفسها، وأخيرًا من المؤكد أنها ليست المتشحة بالحرير الأصفر التي ابتسمت لي في الصورة التي عرضها علي.

    كتبت له الرسالة على أية حال. ذكر فيها شيئًا عن القمر، ونجوم السماء، وعن الطريقة التي تلمع بها عيناها وكيف أنه يتمنى لو أنهما معًا دائمًا. حين أعطيتها له، أخذها من يدي وقرأها بصوت مرتفع- هو لا يفهم معنى الكلمات، لكنه ثابر على قراءتها ببطء، وبين حين وآخر يتطلع في وجهي ليتأكد من أنه ينطق على نحو سليم. حين سمعت ما كتبت، علقت العبارات النمطية بيننا في الهواء مثل أنفاس كريهة. وددت لو استردتها وكتبتها من جديد.

    كنت لأكتب:

    عزيزتي “نيها”، حذاري من الأسطح. ليس لارتفاعها، وإنما لتسارع ضربات قلبك حال تعجلك في الصعود. يدا رافي بارعاتان في التسلق، أحب الطريقة التي يقف بها خلف أمه بينما تطبخ، لا لحرصه على مساعدتها، وإنما فقط ليشعرها بوجوده، ربما احتاجته ليحضر لها شيئًا من الرف العلوي. يعجبني شغفه بالخطابات الغرامية. سرواله قصير إلى حد ما، بوصات قليلة فحسب. هل سبق وجئت لزيارته هنا؟ على الأرجح لم تفعلي. الطواويس مهيبة، تموء مثل القطط، ولا أحد يعيرها اهتمامًا. لكن الذكور تواصل الرقص فوق أسطح البلدة على أمل أن يلاحظ ذيولها أحد.

    حظ سعيد مع سرك الجميل.

    سارا

    عند نهاية الخطاب، قرأ “رافي” كلمة “أحبك”، الكلمة الوحيدة التي يفهمها، ثم ابتسم ابتسامة بهية وأومأ برأسه. في طريق العودة للسيارة، أخبرني المترجم أن رافي يريد أن يشكرني. طلبت منه أن يخبره بإنني أتمنى له حظًا سعيدًا، ففعل. لن يتزوجها، قالها المترجم بعد أن قطعنا بالسيارة عدة دقائق في الظلام.

    قلت، أجل، لكن يستطيع أن يحبها.

    إنه أوان الرياح الموسمية، أرى زوايا الشارع الطويل وقد تحولت إلى ضفاف أنهار والحفر الصغيرة إلى شراك للموت. العربات نفسها ليست آمنة. ثعبان الكوبرا الذي وجدته في ظل القنديل، كان أصغر كثيرًا مما ظننت، لكن ثمار المانجو كانت شهية تمامًا. ربما هذا هو السبب في أننا كلما قطعنا واحدة ، زحف عنكبوت خارج منها- لقد اتخذ من قلبها بيتًا. هنا، تبدو الأفيال برتقالية، أعتقد أن ذلك يعود لاحتواء الصابون على الحنّة.

    .

    * ترجمة: ضي رحمي.

  • مياه – آن ساكستون

    مياه – آن ساكستون

    اسماعيل نصرة

    نحن صيادون في بقعة ساكنة

    نقضي يومنا في غرام الماء

    الأسماك عارية

    الأسماك متيقظة على الدوام

    إنها في لون الملاعق القديمة

    والكراميل.

    الشمس تهبط

    لكن القاع ليس في المشهد

    فقط صخور بيضاء وخضراء.

    ترى ما الذي يحدث بالأسفل؟

    أمر قاسٍ مصادفة طائر السمّاك هابطًا

    باتجاه سطح البحيرة الصفراء

    كأحدب متعرج

    يجرجر قدميه الكبيرتين.

    رأسه وعنقه –فقط- ما يستطيعان التنفس.

    إنه يعدد

    يأخذه العديد

    تمامًا مثل رفيقه الأول

    الذي تمايل طوال الليل على أرجوحته

    صارخًا

    لقد رأيت

    لقد رأيت.

    الماء أسوأ من النساء

    يدعو الرجل فيفرغه تمامًا

    تحتنا؛

    اثنتا عشرة أميرة يرقصن الليل بطوله

    يستنزفن عشاقهن، ثم يتخلين عنهم.

    لقد عرفت الماء.

    طوال الليل

    كنت أغني لآخر مجموعة من الأولاد

    طوال الليل

    كنت أغني للأفواه التي تطفو لاحقًا

    واحدًا تلو الآخر

    حاملين أحذية نسائية مهترئة.

    .

    * ترجمة: ضي رحمي.

  • ثمار البحر – قصي اللبدي

    ثمار البحر – قصي اللبدي

    ارتدت قميصا أبيض فضفاضا، تتوزعه تفاحات خضراء عشوائيا: واحدة عند الكتف، واثنتان متجاورتان على الخاصرة، وثلاث متناثرة حول الصدر، وتفاحة وحيدة غير مكتملة، على كم القميص.

    أما نصفها السفلي فلفته تنورة أكورديونية، تصل الى الركبتين.

    طلبنا للعشاء طبق “ثمار البحر” على ضوء الشموع، كما أرادت، على الرغم من أنني كنت أفضل الدجاج المشوي على الفحم. أو سمكة هامور محشوة بالبقدونس، أو صحن روبيان مقلي.

    كنت سأصارحها بذلك، لولا أنها بدت لي عارفة ما تطلب.

    وفيما كانت تتحدث، جعلت التفاحات الخضراء تنساب من جانب الى آخر، على قميصها، متبادلة مواقعها، فيما راح الشاطىء يرسل شخرات خافتة، متباعدة.

    قلت إنني لا أتخيل نفسي وأنا آكل ثمار البحر. وإنه لأحرى بشخص مثلي أن يلتهم التفاح من على قميصها، فضحكت وهي تسكب لنفسها كأسا. ولجزء من الثانية، خلتُ أن تفاحة الكتف ستسقط في حجرها.

    أدار أحدهم جهاز صوت، فانطلقت الموسيقى هادئة من كل ناحية، واختلطت بالهواء. وحمل نادل طبق مشويات الى عائلة مكونة من رجلين وأربع نساء، على بعد طاولتين، فاختلطت الرائحة بالهواء والموسيقى.

    قلت لها إنني لا أشعر بالرغبة في تناول ثمار البحر.

    – انتظر حتى تجرب.

    أوصتني بثقة، متجاهلة الهيئة التي اتخذتها ملامحي وأنا ألفظ العبارة الأخيرة، ثم طلبت مني أن أراقصها.

    راقبت الثمار الخضراء تسبح على بدنها، كأنها تنزلق على سفح ثلجي. وكلما رفعت يدها عاليا، أوشكت تفاحة الرسغ على السقوط، أو كادت تفاحة الكتف تفقد توازنها. فيما كانت تفاحات الصدر تتقارب وتتباعد، بين وقت وآخر، كأنها تؤدي رقصة خاصة.

    ظلت ذراعاي جامدتين، في البداية، بسبب النظرات القوية التي حاصرتنا. لكن، سرعان ما أخذت الحماسة فتاتين، فشاركتانا الرقص. وخلال دقائق تبعهما أشخاص آخرون.

    أشارت الى نادل عشريني يجر عربة صغيرة أمامه، كأنها تدله على موقع مائدتنا، ثم سحبتني من يدي، وأعادتني الى مقعدي. وما إن تخلى الشاب عن صحونه البيضاء، وجر عربته مبتعدا، حتى اختارت صدفة صغيرة، من أحدها، وفلقتها بين اصبعين، ثم طلبت مني أن أقلبها في جوفي دفعة واحدة.

    نظرت الى السائل الفضي اللامع في يدها مترددا، فكررت بحزم:

    – هكذا. دفعة واحدة.

    استغرق العشاء نصف ساعة تقريبا. الشموع حافظت على قوامها، أما البحر فقد تباعدت شخراته أكثر فأكثر، إلى درجة أننا لم نعد نفكر فيه..

  • علم النبات (101) للناجيات – ميجي روير

    علم النبات (101) للناجيات – ميجي روير

    نبات الميموزا يشبه كثيرًا

    نبات السرخس

    أحيانًا يطلق عليه “لا تلمسني”

    ينغلق ويتدلى

    حين تلمسه راحة كف

    أو يستشعر حركة إصبعًا

    ثم يعود ويتفتح في غضون دقائق

    أخضر زاهيًا

    مناطحًا الكون.

    أسموني، الوقحة

    أحيانًا العاهرة

    أو المومس

    ولا مرة “لا تلمسني”.

    فَرج فحسب

    هكذا يجب أن تكون النساء

    المرأة تحمل سكاكين في جيبها الخلفي

    مثل كل سالومي وأوفيليا

    كل بيرسيفون وديدمونة

    في هذا العالم.

    لكن، بعد الفاجعة

    لم أكن جميلة

    ولا شجاعة

    ارتديت خوفي مثل حلقات دخان واسعة جدًا

    بحيث يمكن أن يخطو أحدهم

    داخلها

    وتبقى مساحة شاغرة لآخرين.

    دائمًا منغلقة

    لا أتفتح أبدًا

    دائمًا

    لا تلمسني.

    .

    *ترجمة: ضي رحمي.

  • الرف الأخير من العالم – حمزة حسن

    الرف الأخير من العالم – حمزة حسن

    في الرف الأخير من العالم، أجلس على هيئة صندوق عملاق، صندوق ممتلئ بالخوف: خائف من أن تتركني زوجتي، عندما يبدأ موسم الحصاد، ويبقى ابننا الوحيد حائرًا، متى يأكل جثتي؟ خائف من الموت الذي يجيء وقت الملل، ولا أعرف أين سأمارس لعبة التزلج وراء الموت.

    خائف من أن تنتهي تذكرة العمر، دون أن أشاهد فيلمًا واحدًا داخل السينما، وخائف من أن يخفت ضوء الحب، في وجه المرأة التي لطالما شطبت الظلام من حولي.

    في الرف الأخير من العالم، أجلس على هيئة صندوق عملاق، وتزدحم داخلي أسباب الخوف: أخاف أن أتحول من عازف تشيللو، إلى رجل بائس يحاول إيقاظ الموتى. أخاف أن يظل المقعد الأخير، في أمسية شعرية، فارغًا. أخاف فتح النوافذ في المنازل التي قررت أن تهرب من الحرب، داخل سكانها. أخاف أن يختفي الطابق الأربعين من كل بناية، وتذهب الحجرة رقم 308 إلى صفحات القصص الساذجة.

    أخاف أن يصبح هذا الموت في مدينتي، مجرد سوء حظ “لماذا كانوا أسفل الطائرة، في هذا التوقيت بالذات؟.” أخاف أن نفقد النساء الجميلات دفعة واحدة، ويصرن في لوحات الغرق. انجبوا لنا كثيرًا من النساء، نحن التائهون بلا نساء. أخاف أن تسدل الستارة على ملامح المهرج، ونضحك.

    في الرف الأخير من العالم، أجلس على هيئة صندوق عملاق، وكلي أصبح من الخوف: خائف من أظل وحدي، أقاتل أشباح الحياة وحدي، أعد طعام الظهيرة وحدي. وحدي أشاهد أفلام السبعينات، ووحدي أقول لشيرلي ماكلين :”علينا أن نكون هناك.”

    في الرف الأخير من العالم، أنتظر وحدي صافرة الرب –معلنًا نهاية الوقت- دون خوف من الأشياء.

  • ما يرام – عبدالله حمدان الناصر

    ما يرام – عبدالله حمدان الناصر

    إسماعيل نصرة

    ينسى الناس بعضهم بسرعةٍ 

    في بحر الشمال.

    ينساك وحش البحيرة

     ونادل المقهى 

    ولا تتعرف عليك موظفة الاستقبال ولا الساحرات في قلعة ماكبث.

    في (إنڤيرنيس)*

    لا تجري السفن في البحر

    ولا يذكر الناس بعضهم أكثر من ساعات 

    لكن تجري الحياة

     وتُذبح العجول 

     وتعمل إشارات المرور.

    يشرب الناس قهوتهم بخشوعٍ مبالغٍ فيه

    وكأنه اليوم الأخير لأشجار البن،

    ويذبحون المزيد من الحطب

     لتدفئة أطنان الكتب اللاتينية في المكتبة.

    في إنڤيرنيس

    تصل في وقتها القطارات 

    لكن لا أحد يعرف الواصلين.

    تُنسى الحيتان على الشط

    ولا تتخذُ سبيلها في البحر. 

    تتكدسُ بطاقات التهنئة

    يتدرب الناس على اختفاء الشمس

     إلى الأبد

    ولا يعرفون الأسماء الكثيرة للورد. 

    في الصباح

    كانت واضحةً بشاعتي 

    وأنا الوحيد الذي يتذكر ما جرى بالأمس

    في مدينةٍ تنسى

    على بحر الشمال

    ********

    لا أحدَ يَحْدُثُ في (إنڤيرنيس)

    لم يحدث سواي

    وحين توقفتُ للغداء سمّمتني أسماك نهر Ness.

    ألجأتني الآلام آخر الليل إلى أريكة من خشب النرويج .

     كان السهر ورماً. 

    وكانت النافذة تندمل

     وأعالي كاليدونيا تصير غرفة عليّة

    في فندق من فئة نجمتين.

    في الأعالي تألمت.

     آلمتني مثانة أبي التي جرّحتْ سبعين عاماً من الوسامة والنخل. وفكرتُ بحساسية القمح التي تهتك أمعاء صديقي، وفلفل الهالابينو الشهي الذي يرسل مصران حبيبتي للجحيم، وركبة أخي الكولونيل التي يخذلها الصليبيّ فتجعل منه حصاناً ميتاً في سرير أنثاه.

    وانتبهتُ أني حين كنت أسأل عن الصحة كانوا يجيبون : على ( ما يرام).  

     والدي مات.

     والصديق لم تزل تؤلمه رائحة الخبز.

     حبيبتي تناوم هاتفها،

     وتلاطف القولون الذي يقرض ضحكتها كجرذ،

    أما الكولونيل فاستقل بحجرة نومٍ ملاصقةٍ لغرفة أنثاه.

    ولا زلت حين أسأل أسمع توقيعة ال ( ما يرام). 

    في الأعالي تألمت.

    أبيضَ كان الحمّام وأكبرَ كان من غرفة النوم. 

    كان خلاءً صقيلاً يتسع لسرير ملكي ومعبد زنٍ  وطاولة اعتراف.

    كان الخلاء مطلاً على جبل ثلجٍ ومصمماً للآلام. 

    نظّف الليل معدتي. صقل نظرتي الهواء الحزين القادم من مقاهي النرويج، واستمر يفزع نومي دويّ القطارات. 

    ورغم ذلك لم يحدث شيءٌ عدايَ في إنڤيرنيس. 

    لم تتذكرني الموظفة السمينة في الفندق، رشّ العمال الملحَ على الطرقات، نسي الناس الأشياء التي لم تحدث أصلاً ، والمدينة كما بالأمس،

     على ما يرام. 

    ———————————-

    * مدينة صغيرة شمال أسكتلندا

  • مختارات من كتاب ريح وأوراق-عباس كيارستمي

    Paul Hartal
    Paul Hartal

    حين حطت النحلة على الوردة
    طارت
    الفراشة
    ***
    غريقٌ
    في اللحظات الأخيرة من حياته
    أهدى العالم بضع فقاعات.
    ***
    عند العطار
    يضوع عطر آلاف الورود
    والأعشاب.
    ***
    حينما امتلك السلطة
    فقد لطفه.
    ***
    سأل الطفل
    هل يحق القنفذ ظهره؟
    ***
    اليوم
    هو نتاج الأمس
    والغد
    نتاج اليوم
    الموت هو حصيلة مثمرةٌ للحياة.
    ***
    شاعرٌ مغمور
    في قريةٍ معزولةٍ
    أعلن حلول عام الشعر.
    ***
    كانت الصيدليات تعيد لزبائنها قصائد
    عوض النقود المتبقية

    بقالو التجزئة
    كتبوا على واجهات دكاكينهم
    “نعتذر عن قبول القصائد”

    الباعة المتجوّلون
    عرضوا القصائد للبيع.
    ***
    حينما ضحك
    ضحكت
    حين بكى
    بكيت
    حين قال شيئاً
    أنصتُّ إليه
    حين قلت شيئاً
    غفا.
    ***
    تم رصدُ ست ابتساماتٍ مصطنعةٍ
    في صورةٍ تذكارية
    ***
    بحثاً عن ينبوع
    بلغتُ ينبوعاً
    عكراً كان.
    *****
    ترجمها عن الفارسية: محمد أمين الكرخي

  • شموس حب واسعة – أحمد صالح

    شموس حب واسعة – أحمد صالح

    اسماعيل نصرة

    بالفائض من جمالهن

    كتبن أغنية الصباح

    كي تشرق في القلوب

    شموس حبهن

    هن الجميلات

    واسعاتٌ

    حبيباتٌ

    أقواس قزح في النوافذ

    وصوت فيروز إذ تصدح بالأغنيات.

    هن رقُّ القلب

    إذ يقسو

    على الضمائر

    وهنّ رباتٌ

    إذا ما فتحت ذراعيك

    نحوهن

    انداحت في صدرك الورود.

    هنّ الجميلات

    فوق كل ربوةٍ عالية

    يمجدّن شعر الغزل

    وينذرن بالقيامة.

    هنّ القلق

    إذا ما قفزت في لحظة

    خارج نفسك

    كي تمس شعورهنّ

    الطويلة كليلٍ شتائيّ.

    هنّ هنّ

    لا يشبهن أي شيء

    حتى الحدائد القاسيات

    تلين في خفةٍ

    تحت أقدامهنّ.

    هنّ شعري

    إذا ماعنت في صدري النايات.

    هنّ جموحي

    حينما أقطف من شجرة التفاح

    تفاحة تُخرجني

    من جنانهن الواسعة

    إلى جحيم الرغبات الضيقة.

    هنّ الطيبات

    أمهاتٌ صغيراتٌ أو كبيرات

    يدندن الماء في حضورهن

    من ملحه

    تخرج العذوبة مرتاحة.

    هنّ حضوري

    يعرفنني

    وأعرفهن

    إذا ما جهلني العازفون عن الحياة.

  • ألعاب المائدة – سارا كاي

    ألعاب المائدة – سارا كاي

    في المطاعم

    كانت لعبتنا المفضلة

    لمس الأشياء على الطاولة

    وإدراجها بشكل عفوي

    في حديثنا.

    إصبعك على مطحنة الفلفل، فأقول

    “أنت تصحنّي”

    عندها تشهر سكينك معلنًا

    “هذه ملاحظة حادة”

    فأحمل زجاجة الماء محذرة

    “لا تمتلئ للحافة وتغتر بحالك”

    وبينما توّقع على الفاتورة، تهز رأسك بجدية

    وتعتذر قائلًا “أنت محقة، آسف جدًا”.

    نتحرك حركة دؤوبة

    عيوننا تتنقل بين المنشفة وملعقة الحساء

    وكأنما سطح الطاولة رقعة شطرنج

    نضحك من أسرارنا التي نخفيها عن العاملين.

    الأجمل، بالطبع، يحدث عندما يظهر عنصر جديد على المائدة

    شيء مفاجئ، أو مختلف نضمه للعبة الكلمات

    شيء يجعلنا نحدق صامتين

    مصارعين عقولنا في سبيل التورية الأمهر.

    كنتَ أسرع مني دائمًا

    عجزت عن مجاراة عقلك النيّر

    رغم هذا كنت أبتهج لشعورك بالرضا

    لتغلبك عليّ

    أفرح لرؤية عينيك تشعان زهوًا

    بتوريتك الحاذقة

    وبنيلك مني – أنا – جمهورك المفضل.

    الطعام كان دائمًا أشهى عندما تشعر بالانتصار

    ربما هذا هو سبب حب الناس للصيد.

    يوم قررت أن تهجرني

    أخذتني إلى “هول فوود”

    سلسلة الأسواق الشهيرة

    كان هذا مؤلمًا

    لأن نيويورك تزدحم بالكثير منها، وكلها سواء

    الآن يبدو كل منها مسرحًا للجريمة

    بعد أن أخبرتني بأنك نسيت اسمي، فوق الكثير من الأفواه

    قلتُ “حسنًا”

    وأمسكت بيدك بينما كنت تبكي.

    لو أنني كنت أسرع قليلًا

    للمست حامل المناديل الورقية الرخيص وقلت

    “شكرًا، لاستغناءك عن هذه المعلومة”

    ربما لم تكن أقوى تورياتي،

    لكن ربما أضحكتك

    وهذا ما كنت أرغبه بشدة في تلك اللحظة

    كان من الممكن أن أقول

    “هلا أرجأناه لوقت لاحق”.

    ثم طرقت فوق السطح فيما بيننا

    أو، أعتقد أنني كنت مستهلكة أكثر مما ظننت

    حين وضعت يدي على ملعقة بلاستيكية.

    أو ربما قلتُ

    “مذهل، حفاظك على الأمر سرًا”

    مع إيماءة نحو علبة الطعام المحمولة

    “لا أصدق أنك أخفيته كل هذا الوقت”

    بينما أرشف جرعة ماء

    “لابد أنه كان من الصعب الاحتفاظ به بالداخل طويلًا”.

    كان يمكن أن أصرخ بعبارة عن كل منتج فوق الأرفف

    بينما ألقي به أرضًا.

    متقهقرة إلى الوراء عبر كل ردهة حتى المخرج

    هل لك أن تتخيل ردة فعل العاملين

    يجففون أيديهم في مآزرهم الخضراء

    يتوقفون عن رص الأغذية على الأرفف

    بينما يلتفتون ليروا سيدة التورية المجنونة ومغادرتها الصاخبة

    كان يمكنني أن أصرخ صرخة أخيرة

    “لم يسبق أن تعرضت لهذا القدر من القسوة”

    بينما أضغط ثمار البنجر المعروضة كلها

    ما يدفع الأمهات القابضات على عربات التسوق

    لمواساتي بتصفيق متعاطف

    بينما أنحني في طريقي إلى الخارج.

    في الواقع

    أشك أن أحدًا قد لاحظ

    أعلم أن الأمور المؤسفة تحدث

    في “هول فوود” طوال الوقت

    عوضًا عن هذا كله، قلت “حسنًا”

    بخلاف ما أردت قوله تمامًا.

    قصدت “هذا أمر سيء”

    قصدت “لماذا؟”

    قصدت “أرجوك لا تتركني”

    قصدت “خمس سنوات وأنا أحبك”

    قصدت “مع من سألعب دون أن يلاحظ العاملون؟”

    “من سأسابق لأثير إعجابه بكلمة؟”

    “من سيبتسم لي عندما يهتدي للكلمة أولًا، سعيدًا بفوزه؟”

    .

    ترجمة: ضي رحمي.

  • هدنة – قصيّ اللبدي

    هدنة – قصيّ اللبدي

    أريد تفكيك الرموز.

    الكتابة صغيرة جدًا على ورقة الدواء. وثمة أنواع لا أعرفها من البهار على رفوف النملية. أمس، دهنت جسدي بزيت الشعر، وشربت شايًا بنكهة غامضة.

    *

    أجد قطعة ثياب مضمخة بعطرك، وعندما أمدّ يدي نحوها تختفي. أجد عبارة ما في المطبخ، أو على الكنبة، أو على حافة النافذة، فأعرف أنها منك، أعرف ذلك من الطريقة التي تتملص بها من بين يدي وأنا أضعها بين عبارتين.

    *

    أحمل الأشياء بين ذراعي وأثبتها في أماكن أخرى. وحين أنظر إليها، في أوطانها المستحدثة، تبدو لي مريضة، أو مثلومة من خواصرها، كما لو أن اللغة نفسها قد فقدت مياه ركبتيها.

    أضع الأشياء في أماكنها ببطء من يرى شروخًا في الزجاج، آملًا ألا يدفعها مزاج الهواء، أو العبث، نحو مصير لا عودة منه.

    أضع اللوم على كتفي إلى الزوال. ولا أرجو أو أتوقع شيئًا. يا لحياة قوامها إدامة الهدنة مع كل ما حولها.