المدونة

  • جوي – نيل هيلبورن

    Annora spence

    دائمًا ما كان يقول لي “جوي”
    – ضاحكًا –
    كما لو أنها مزحة بالفعل، أنه لطالما أراد أن ينتحر
    لكن الوقت المناسب لم يأت أبدًا
    كان هناك دائمًا بقالة ليشتريها، وأشقاء صغار ليرعاهم ليلًا
    لا تقلق، لن يقتل جوي نفسه بعد عشرين ثانية من بداية القصيدة
    هذا ليس نوع القصة التي أحكيها هنا.

    حصل جوي على علاوة، الآن يستطيع شراء مضاد الاكتئاب
    جوي الآن هو جو
    جو محرك بارد، لا شكوى لأي جزء فيه
    لو أزحنا المال من المعادلة
    لكان جوي يرسم الأيائل على جدران الكهوف
    ولأطعمه الناس وأبقوه بعيدًا عن الأماكن المرتفعة
    أعتقد أن الجينات الفنية والمرض العقلي ليسا فقط على ارتباط وثيق
    بل إنها الجينات نفسها
    لكن، حاول أن تعلن هذا أمام محصل الفواتير.

    كنا في السابعة عشر عندما اصطحبته لعروض حمقاء
    وأنا أقود سيارة عائلية عمرها أكبر من كل منا.
    كنا في السابعة عشر، واشتريت لجوي الغداء، أكثر مما لم أفعل.
    كنا في السابعة عشر والمرة التي أراد فيها أن يحدثني عن الاكتئاب
    كان أحدهم على مقربة منا، فطلبت منه أن يصمت، وسألته إذا كان بحاجة لبعض التغيير
    تعرف تلك اللحظة، عندما يدرك بطل الرسوم المتحركة أنه خطا ثلاث خطوات داخل الهاوية
    فينظر إلى الجمهور نظرة طويلة، قبل أن يسقط
    هكذا بدا جوي، من دون سحابة الغبار
    فقط، واصل ألعاب الفيديو لنصف ساعة، ثم عاد إلى المنزل.

    مرة، ضبطته في مكتب والدي، محملقًا في الخزانة، حيث يعرف أننا نحتفظ بالأسلحة.
    مرة أعاد طلاء سيارته على صورة جذع شجرة، دون أن يوضح الأسباب.
    مرة في حصة الأحياء، رأيته محدقًا في المشرط كما لو كان يتمنى لو أنه الضفدع،
    مفلطحًا، مشقوقًا بالكامل وصادقا للغاية.

    هناك اختلاف واحد بيني وبينه
    عندما ألقي القبض علينا، أموال الكفالة كانت في انتظاري في المخفر
    عندما أجوع، آكل
    عندما أردت أن أشق نفسي بحثًا عن مصدر الطنين، أخذني أبواي لمعالج نفسي
    بإمكاني تحديد الجلسة التي أعادتني للعالم مرة أخرى
    كانت تكلفة الجلسة الواحدة خمس وسبعين دولارًا
    خمس وسبعون دولارًا هو ثمن بقالة لمدة أسبوعين
    واشتراك في الحافلة لمدة شهر
    ولا تساوي حتى ثمن حذاء مدرسي جديد
    تطلب الأمر أسابيع منها، لأصل للجلسة التي أنقذت حياتي
    كلانا كان لديه أهل يصدقونه عندما يقول إنه ليس على ما يرام
    لكن أهلي كان باستطاعتهم فعل شيء حيال الأمر.

    أتساءل كم عدد الأطفال مثل جوي
    الذين أرادوا الموت
    لكنهم في الحقيقة غير محظوظين بالقدر الكافي
    الذي يمكنهم من انتزاعه بعيدًا.

    أنا محظوظ جدًا لأنني لا أصف جنازة جوي الآن.
    أنا محظوظ جدًا، عشنا جميعًا الشخص الذي كنا
    لنصبح من عليه الآن.
    أنا محظوظ جدًا
    أنا جدًا.. محظوظ.

    .

    – ترجمة: ضي رحمي.

  • دميةٌ من نشارة – فرناندو بيسوا

    لقد عاينتُ الإغماء التدريجي لحياتي، الغرق البطيء لكلّ ما أردتُ أن يكون. يمكنني القول، بتلك الصراحة التي لا تحتاج إلى أن تكلّل بالزهور للتدليل على موتها، بألّا وجود لشيءٍ أحببته أو حلمت به ولو للحظةٍ واحدة فقط، لم يتهشَّم تحت النوافذ مثل غبارٍ بهيأة حجر، يسقط من أصيص طابقٍ عالٍ. يبدو أنَّ القدر نفسه قد سعى دائمًا، أولاً، إلى إيقاعي في حبّ ذلك الشيء الذي هيأه بنفسه لكي أكتشف في اليوم الموالي بأنه لم يكن ولن يكون في متناولي.
    متفرجٌ ساخر من نفسي ذاتها، ومع ذلك، لم أفتر قط، عن معاينة الحياة. ومنذ أن عرفت، اليوم، بحدسٍ مسبق خيبة كل آمالي الغامضة، وأنا أكابد المتعة الخاصة لامتزاج الألم بالأمل، امتزاج المر بالحلو. إنني استراتيجيٌ سوداوي، يخط، وقد خسر كل المعارك، على ورق خططه، تفاصيل انسحابه المحتوم، عشية كلّ معركةٍ جديدة من معاركه.
    لقد طاردني، مثل كائنٍ شرير، قَدَرُ عدم قدرتي على الرغبة بدون أن أعرف ماذا عليّ ألّا أرغب فيه. عندما أرى في الشارع لحظة، وجه فتاة في سنّ الزواج، ولو غير مبالٍ، أستمتع للحظة بافتراض كونها لي، ودائمًا، على بُعد عشر خطوات من حلمي، يحدث بالتأكيد أن تلتقي تلك الفتاة برجلٍ سرعان ما أرى أنه زوجها أو عشيقها. الرومانطيقي لا بد أن يخلق من هذا الوضع تراجيديا مكتملة؛ الشخص الشاذ سوف يحسٍ بالوضع كما لو كان فصلاً كوميديًا؛ غير أنني، أنا، أخلط الأمرين، إذ إنني رومانطيقيٌّ في ذاتي وشاذٌّ بالنسبة إلى ذاتي، وأقلب الصفحة صوب سخريةٍ أخرى.
    بعضٌ يعتبر الحياة بدون أمل مستحيلة، آخرون بالأمل يرونها فارغة. الحياة بالنسبة إليّ، أنا الذي اليوم بلا أمل ولا يأس، محض صورة خارجية تحتويني أنا، وتحتوي ما أشاهده كما لو في فرجةٍ خالية من التعقيد، مصنوعة فحسب لتسلية الأعين: رقصٌ بلا ترابط، حركة الورق في الريح، غيوم يبدّل ضوء الشمس ألوانها، تخطيطات الشوارع القديمة، مصادفةٌ في أماكن غير مناسبة من المدينة.
    إنني في الجزء الأكبر مني، النثر نفسه الذي أكتبه اتنامى في حقب ومقاطع، أضع علامات الوقف، وفي التوزيع الطليق للصور، أرتدي كالأطفال، هيأة ملكٍ من ورق الجرائد، أو، بالكيفية التي أصنع بها إيقاعًا من سلسلةٍ من الكلمات، أزين الرأس، مثل المجانين، بزهورٍ يابسة ستستمر حيةً في أحلامي. و، فوق كلّ شيء، هادئ أنا مثل دميةٍ من نشارة، تحرك رأسها من حينٍ إلى حين، لامتلاك شعورها بذاتها، لكي تجعل جلجل أعلى قبعة المنقار (الجزء المكمل للرأس نفسه) يقرع بشيءٍ ما، بحياةٍ تقرع جرس الموتى، إشعارٌ صغير بالمصير.
    كم مرات، مع ذلك في عزّ نهار هذا السخط الهادئ، صعد إلى إحساسي الواعي شيئًا فشيئًا، الشعور بالفراغ والضجر من التفكير على هذا النحو! كم مرات، أحسستُ، كمن يسمع متكلمًا من خلال أصواتٍ تتوقف ثم تعود لتبدأ من جديد، بالمرارة الجوهرية لهذه الحياة الغريبة عن الحياة الإنسانية: حياةٌ لا يحدث فيها شيء عدا ما يحدث في الوعي بها! كم من مرات، لم أتبيَّن، حال استيقاظي مني، المنفى الذي أنا إياه، كم كان من الأفضل أن أكون لا أحد، أن أكون السعيد الذي يمتلك، على الأقل المرارة الواقعية، الفرحان الذي يشعر بالتعب بدلاً من الشعور بالضجر، الذي يتألم بدلاً من افتراض أنه يتألم، الذي يقتل، نعم، بدلاً من أن يموت!
    لقد تحوّلت إلى صورة في كتاب، إلى حياةٍ مقروءة. ما أحسّه (بدون رغبةٍ مني) إنما أحسه لأجل أن أكتبه باعتباره محسوسًا به. ما أفكر به يصبح كلمات من بعد، مختلطًا بصور تفسده، مفتوحًا في إيقاعات هي شيء آخر، أي شيء. من كثرة معاودتي تركيب ذاتي، تهدّمت. لقد سبرتُني مرارًا ثم رميت بالمسبار؛ أحيانًا مفكرًا فيما إذا كنت عميقًا أمْ لا، بدون مسبارٍ آخر غير النظرة التي يعرضها، في مرآة البئر العالية، وجهي ذاته الذي يتأملني وأتأمله.
    أنا نوعٌ من ورق اللعب القديم والمجهول، الوحيد الذي تبقّى من ورقٍ مفقود. لا معنى لي، لا أعرف لي قيمة، لا أملك ما أقارن به ذاتي كيما أجدني،… وهكذا، في الصور المتوالية التي أصفني فيها -ليس بدون صواب، لكن مع بعض الأكاذيب- أبقى مستقرًا ثابتًا في الصور أكثر ممّا في ذاتي، جاعلاً من الروح مدادي، صالحًا فحسب للانكتاب بها، لكن الاستجابة تتوقَّف فأتخلى من جديد عن الكتابة. وأعود فيّ إلى ما أنا إياه، ولو لم يكن بشيء. وبعض من دمع بلا نحيب يتقد في عيني الثابتين، بعض من قلق لم أمتلكه، يهيج بفظاظة حنجرتي الجافة، لكن واها، لا أدري أي بكاءٍ بكيت، إن كنت قد بكيت بالفعل، ولا لماذا لم أبكِ ما أبكه. الخيال يرافقني كظلي. والنوم هو ما أرغب فيه.

  • بعد عشرين عاماً – أدريان ريتش – ترجمة: محمد عيد إبراهيم

    بعد عشرين عاماً – أدريان ريتش – ترجمة: محمد عيد إبراهيم

    امرأتان جنب نافذةٍ إلى مائدة.

    ينفجر عليهما نورٌ متفاوت.

    كلامهما ضربٌ من الومضِ

    يلحظهُ عابرون بالشارع

    كانعكاسٍ على زجاجِ هذه النافذة.

    امرأتان بمُقتبلِ العمر.

    صغراهما كبيرة حتى ليمكنها حملَ صغار.

    والوحدة جزءٌ من حكايتهما طيلة عشرين عاماً،

    الطرفُ المظلم من لهجتهما الماهرة،

    الجانبُ السفليّ الغامض من الخيال.

    ثلجٌ ورعدٌ بالطريق.

    لو تحدّثتا يومض البرق أرجوانياً.

    غريبٌ وجودُ نسوةٍ كثيراتٍ،

    يأكلن ويشربن على المائدة نفسها،

    وهناك من يحمّمن أولادهن بالحوض نفسه

    يحجبن أسرارهنّ عن بعضهن الآخر

    يسرن بأرضيّات حياتهن في غرف منفصلة

    مندفعات إلى التاريخ بينما امرأة زمانهن

    تعيش في مقتبل الحياة

    مثل مدينة لا شيءَ فيها ممنوعٌ

    ولا شيءَ دائم.

  • انهمار الضحية –  محمد عيد إبراهيم

    انهمار الضحية – محمد عيد إبراهيم

    أحبّ “هناءَ البدوي”

    أحبّ أن أضُمَّ أمري

    أحبّ أن تبذُرَ لي يداً فأمضُغَها

    أحبّ أن أتسلّى كالثعبانِ في نورِ عَضلاتِها وأبكي

    أحبّ مُديةَ لحمٍ مُروراً بكَنزِ المَصيرِ

    أحبّ الألوهةَ في أن تُغَشّ بنارِ الطبيعة

    أحبّ أوعيةَ الثدي طيلةَ لَمعَتهِ

    أحبّ حيوانَها رأسُهُ الكاملُ يضحكُ مني

    أحبّ هنا لا أستطيعُ

    أحبّ أنا جانبكَ

    أحبّ لا أضجَرُ حتى تعيشَ

    أحبّ تقاطُعَ عامٍ جديدٍ

    أحبّ على كِتفِها الرُّعيانَ تطلُبني .

    أحبّ قِطّةَ شَمعٍ دائماً في المساءِ

    أحبّ لُعبةَ إن سكتَ القلبُ عن فُحشِهِ

    أحبّ لا مَفَرّ أو تُحكِمُ الصندوقَ دونَ صَيدٍ

    أحبّ حَبةَ شَوكٍ على فَخذِها نيئاً أَلعَقُه

    أحبّ عَضّةَ مِلحٍ آخرَ اللّسانِ

    أحبّ تمثالَ رقَبتِها الزانيةِ

    أحبّ أن تُغمِضَ ما بينَ أسنانِها فأُجدِّف

    أحبّ السماءَ على سَعَةِ الصَلصالِ

    أحبّ البُقولَ مُقابلَ نَهرٍ

    أحبّ نَزيفيَ لا يشتريهِ أحَد

    أحبّ أن أَغمِسَها بالدبابيسِ لأرقدَ عندَها حيثُ تنكَمِشُ الغابة

    أحبّ الحروبَ بأن تنحني

    أحبّ سَحابَتي السوداءَ فوقَ العقوبة

    أحبّ الطبولَ على بطنِها قد تَحَنَّت بفَخرِ الهَدَف

    أحبّ أَكوِيها بمِحوَرِها .

    أحبّ ضُمّني كي أراهُ

    أحبّ حَواليكَ أرغفتي خِلسَةً

    أحبّ الفَضِيحةَ في شَعرِها بارتجالٍ

    أحبّ على ظَهرِها التّبرَ بالمُنحَدَرِ إلى أن يتحَرّرَ

    أحبّ تَقبَّضْ على بَشْرَتي مثلَ ذئبي الصغيرِ

    أحبّ أن أَمُرَّ في فَمِها المَشقوقِ بالراحة

    أحبّ لَعَلّكَ بالعِبءِ من مَدفَنِه

    أحبّ إلى رحلتي وَثَنيةَ البَتولِ

    أحبّ وَحدي بحُبكَةِ عَظمَتِها كحِصانِ الرَّغَد

    أحبّ توسّلْ مِن وَحشَتي بأشدّ

    أحبّ بأن أحبّ أُهَيمِن فقَط

    أحبّ امتَهِنْ

    أحبّ آمينَ في وَتَرِ الصَلْبِ

    أحبّ نِظامَ الطيورِ على بُقعَةٍ بهُجومِ الزمَن.

    شعر: محمد عيد إبراهيم

    (*) من ديوان (فحم التماثيل)، 1992،

    دار شرقيات

  • حياة في الصحراء – كلارا خانيس

    حياة في الصحراء – كلارا خانيس

    ١- عن: كيف أطلق المجنون غزالات أسيرة ليصبحن رفيقاته.

    حين كان الصقر يحوم

    في أعالي الجبال،

    يراقب حظه

    أطلق للمجنون غزالات

    وقعن في شرك الصياد.

    حملت الريح صدى بكائها

    وكانت كلمات واحدة منها

    همهم في أذنيها: أنت رقيقة.

    ولكِ عينا محبوبتي

    سليني عن ظل ليلى

    بشمس وجهك الذهبية.

    ٢- ليلى تلقي بسرها لشمعة وفراشة ليلية وسحابة.

    إلى شمعة تتمايل،

    أتساءل عن لون

    حداد الدخان المتلاشي.

    محترقًا في دموع من شمع

    لا تزال تنبض بالحياة، وتزاحم

    قلب المجنون.

    ***

    أسأل الفراشة التي تقترب

    عن النبض الخفي.

    فتفرق الأجنحة وتهب نفسها إليها

    وترسم قلبي

    في الفضاء.

    ***

    وللسحابة التي تمتص تنهداتنا

    أتضرع إليها أن تبتعد عن المطر

    وتحول بقايا لهيبنا إلى نار متقدة

    في شعلة واحدة،

    نجم خالد

    يكون سر حبنا.

    ***

    أنا، المجنون، صوت ليلى،

    الملتف بالصخب، الذي يشف،

    من جسد إلى جسد

    فتراه عيناك.

    ٣- من الأشياء التي يقولها العاشق عندما يسمع إسم ليلى، أبيات شعرية تنتشر في أركان الأرض الأربعة.

    هرب طائر من القلب

    عندما سمع اسمها،

    وهرب جسدي كله

    حتى آخر فرع.

    يا حبال نعمان

    التي تحتضن قبائلنا

    دعي الرياح تأتينا

    بأصداء أصواتها.

    في أعالي الأشجار

    سوف أسكن.

    لأقرب ظلالها

    وأنسى ظلي.

    ٤- من المجنون لزائر خَف لسماعه.

    انزل عن ناقتك،

    لا تُخفِ ود:

    النار تخيفهم

    والصمت المنتشر بين الكثبان

    طريق يقود

    من منتصفك حتى اللانهائي،

    لا تلحق به الوحوش

    ولا ظلال السحاب.

    لا تحن الرأس

    على سحابة،

    دا النسيم

    يسكن بصرك،

    وسوف ترى مائة وريقة

    من زهرة العشق،

    وألف وجه

    للشفافية.

    ٥- ما قالته ليلى لنفسها متنبئة بحوادث المستقبل.

    حين يأتي الجحيم

    يكون السقوط رهيفًا،

    الريش يحفظني

    يغلق عيني

    تحويم طائر،

    لأفتحهما

    على بياض المعجزة الأبدي،

    ينتشر جسدي

    متحولًا في الهواء

    ليصبح غذاء أبديًا

    يشف على شفتيه.

    ٦- عزلة الليل

    الرياح تسوط الحبال الخالية،

    ينهمر الشوق

    على جسدي الساهر،

    ساقطًا من القبة الثلجية.

    تغمرني رغبة في تلك الليلة

    البيضاء القدسية.

    تنفجر صخرة.

    يتحول لحمي ليصبح جرح عشق،

    لا يعرفه البلسم،

    ولا الشذى السري يخفف عنه،

    فيظل كعنبر هارب من الأَيْك.

    ٧- يحول المجنون عينيه عن حقيقة مشاعره وعطشه الذي لا يرويه النبع.

    ابحثوا عن الماء

    خلف الجبال،

    بعيدًا عن الخيام،

    بعيدًا عن نيران المضارب،

    بعيد ا عن الرمال وبستان النخيل،

    قريبًا من آخر العلامات

    حيث تضيق أقدام الروح العارية

    باتجاه عمق المدى.

    ابحثوا عم الماء

    في نبع الخيال اللانهائي

    الذي ينبت في البئر الخلفي

    معانقًا كل الأشكال.

    *كلارا خانيس، شاعرة إسبانية، كتبت في مجموعتها ” حجر النار” عن الأسطورة العربية ( المجنون وليلى).

    ** ترجمة: د. طلعت شاهين.

  • جدوى الأعمال المنزلية – دوريان لوكس

    جدوى الأعمال المنزلية – دوريان لوكس

    ما جدوى

    أن يقتني أي شخص

    درجًا مليئًا بالسكاكين النظيفة

    والعشرات من الشوك اللامعة الصغيرة

    في علب بلاستيكية

    أن ينعكس وجهك ثمان مرات على

    الأسطح البيضاوية للملاعق؟

    لماذا من المهم أن يبقى بساط الحمام

    نظيفًا خاليًا من الوسخ

    وحصيرة الباب بلا أوراق شجر جافة

    والباب السلكي خاليًا من أجنحة النحل

    وأجساد الزنابير المسحوقة وبقايا الذباب

    والعثة

    أن تخلو الزوايا العالية من شباك العنكبوت

    أن تطوى الملاءات وترص بعناية في الأدراج

    أن تنفض الأغطية حتى يتناثر زغب النوم

    والجلد الميت والشعر المتساقط

    على العشب االمقصوص؟

    من يهتم لو تجمع فتات الخبز فوق

    طاولة المطبخ

    لو أن صور الأحبّة اكتست بالرمادي من

    أثر الغبار

    لو تراكمت زجاجات الحليب عشوائيًا

    في الشرفة الخلفية بالقرب من وعاء الكلب العجوز

    ملطخة بطعام الجراء؟

    علينا فرك النوافذ بالخل

    لتكشف الأشجار من خلفها عن لونها الحقيقي

    لماذا يجب أن تلمع الأشياء في هذا العالم

    إلى هذا الحد؟

    أخبريني لو أنك تعرفين.

    ترجمة: ضي رحمي*

  • السيد خوارّوث – غونزالو تافاريز

    السيد خوارّوث – غونزالو تافاريز

    كلما ذهب السيد خوارّوث للتسوق غمرته الدهشة من أشكال وألوان المنتجات المختلفة على الرفوف حتى ينتهي به الأمر بالوصول إلى الكاشير بسلّةٍ فارغة.

    في الحقيقة، لقد اعتاد السيد خوارّوث الذهاب للتسوق لرؤية الأشياء لا لشرائها.

    لم يكن يذهب من أجل مشترياتٍ مادية، بل بصرية.

    ولأنهم كانوا قد اعتادوا بالفعل على طباعه، كان العاملون بالسوبرماركت كلما رأوه يدخل يقولون أحياناً:” سيد خوارّوث، لقد وصلت بعض المنتجات الجديدة، هناك في الرف الأخير لذلك الممر.”

    وبعد أن يشكرهم على تلك المعلومة يحثّ خطاه متلهفاً في الاتجاه الذي أشاروا إليه.

    -٢-

    كان السيد خواروث يتردد في حمل كوب قهوته لأنه لا يجد بُداً من التفكير بأننا لا نمسك بأيدينا الأشياء بل هي من تمسك بأيدينا، وهذه الحقيقة كانت تكدره لكونه لم يستطع تقبّل أن كوباً بسيطاً يقبض يده مثلما يقبض عريس أرعن على الأصابع الخجولة للعروس.

    وهكذا بدلاً من الإمساك بكوبه، كان السيد خواروث يقضي دقائق طويلة محدقاً إليه بعدائية، ثم يشكو من قهوته الباردة.

    -٣-

    كان السيد خوارّوث يُصِر على حجز دُرجٍ في بيته ليحفظ فيه الفراغ. بل لقد اعتاد أن يردد عبارةً غريبةً جداً: ” أريد أن أملأ هذا الدُرج بالفراغ.” 

    وجدت السيدة خوارّوث بالطبع مساحةً صغيرةً تتزايد في بيتها فاحتجت لما كانت تشعر بأنه استخدام مريع لذلك المتر المربع.

    وحتى يطمئن إلى أن دُرجهُ خالٍ من الأشياء التي لا يريدها ولم يتحول إلى مجرد مستودع، كان السيد خوارّوث أحياناً يفتحه بغيظ ليُري زوجته كما يعرض أحدهم كنزاً ثميناً.

    فتهتف زوجته: ” الدُرج فارغٌ تماماً.”

    لكن السيد خوارّوث يهز رأسه مبدياً عدم موافقتها. ” ليس فارغاً تماماً حتى الآن، ما تزال هناك بعض المساحة.” فتدمدم السيدة خوارّوث بصبر مذعنةً لقدرها: ” إذن فلننتظر شهراً آخر.”*

    ترجمة عبدالله ناصر

  • الفراق – كلارا خانيس

    الفراق – كلارا خانيس

    ١- الشاعر يدافع عن انتصار الحب على الصعاب.

    تسمع الآن أجراس الرحيل،

    يتوازن الفرح

    على خيط الفراغ،

    يؤكد الفرح ديمومته،

    كم حاول الفراغ الفراق،

    هزيمة الزمن

    بضوئه الوحيد،

    هل هو التوازن أم الموسيقى،

    ما يلمع

    في نقطة الالتقاء

    التي لا تنتهي.

    ٢- صوت العاشق في العتمة.

    لو أتجاهل صوتي، أمزق ثوبي

    وأحلم بالشهادة،

    فلا توبخني، أيها العاذل،

    يكفي جديلتها

    لتسترني،

    تذيع شهوتي

    صوفيًا وفاحشًا

    وتسكن عيناها

    عش قلبي.

    ٣- المجنون يناجي الجبل الذي يحسبه رفيقًا فيجيبه الصدى.

    الجبل والصدى يتحاوران

    مع آلامي،

    آه، أيها الصديق الوفي!

    فلتجمع شفاهنا

    على الحجر الصلد !

    الذي يرقب في الهواء

    وخذ الألم،

    يا لصعوبة ساعة زمن الصحراء،

    ويا لصعوبة الابتعاد عن نجد،

    حين يعبق الزهر

    الرياح،

    وتسمع القطعان

    ترعى في الوديان.

    ٤- هنا يعلن موقفه في مواجهة الاتهامات التي يوجهها البعض إليه.

    عاريًا

    لا يحتمل حزني

    حتى الهواء الهفاف،

    هاربًا من الدنيا،

    فلا أجد مواسيًا لهمومي

    سوى الوحوش،

    في الصرخة

    يفتح الصوت صورًا

    يحتمي فيها ألمي.

    مشتعلًا

    يا لاحتراق رغبة حبيبتي

    ويا لاحتراق الرغبة في ألمي.

    *كلارا خانيس، شاعرة إسبانية، كتبت في مجموعتها ” حجر النار ” عن الأسطورة العربية ( المجنون وليلى ).

    ** ترجمة: د. طلعت شاهين.

  • مقص ألماني يلمع تحت شمس كرصور – مروان علي

    مقص ألماني يلمع تحت شمس كرصور – مروان علي

    لَا أَحَدَ يَعْرِفُ مَنِ اشْتَرَى هَذَا الْـمِقَصَّ، تَقُولُ جَدَّتِي كُوجَرِي الَّتِي مَاتَتْ قَبْلَ سَنَتَيْنِ وَهِيَ فِي الْعِقْدِ التَّاسِعِ مِنْ عُمْرِهَا: — حِينَ تَزَوَّجْتُ جَدَّكَ إِبْرَاهِيمْ خَالِدْ عَلِي كَانَ هَذَا الْـمِقَصُّ مَوْجُودًا فِي خِزَانَةِ الْبَيْتِ. وَحِينَ احْتَرَقَ الْبَيْتُ الْقَدِيمُ.. احْتَرَقَ كُلُّ شَيْءٍ. وَنَحْنُ نَبْحَثُ بَيْنَ الرَّمَادِ وَجَدْنَا الْـمِقَصَّ. تَنَقَّلَ هَذَا الْـمِقَصُّ بَيْنَ أَصَابِعِ الْحَلَّاقِينَ فِي كَرْصُورْ، نِيفْ، كْيسْتِكْ، بِيرَا بَازَنْ، جَبَلْ الْغَزَالْ، سَهْ رَمْكَا، هَرَمْ رِشْ. كَانَ جَدُّكَ يَهْتَمُّ بِهِ مِثْلَ فَرْدٍ مِنَ الْعَائِلَةِ، يُنَظِّفُهُ بِالزَّيْتِ وَيَتْرُكُهُ قَلِيلًا تَحْتَ الشَّمْسِ، ثُمَّ يَلُفُّهُ بِقِطْعَةِ هِيزَارْ بَيْضَاءَ مِنْ مَالِ حَلَبْ.

    لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ رَائِحَةِ الْعَائِلَةِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي هَرَبَتْ مِنْ مَارْدِينْ إِلَى الْقَامِشْلِي لِأَسْبَاٍب سَنَعْرِفُهَا حِينَ نَكْبُرُ.

    مَاتَ جَدِّي إِبْرَاهِيمْ. مَاتَتْ جَدَّتِي. مَاتَ عَمِّي رَمْزَانْ. وَمَا زَالَ الْـمِقَصُّ الْأَلْـمَانِيُّ يَلْمَعُ تَحْتَ شَمْسِ كَرْصُورْ..

    ■ ■ ■

    بيَانُو

    فِي كَرْصُورْ

    فَكَّرْتُ طَوِيلًا

    فِي اقْتِنَاءِ بيَانُو

    كَيْ أَعْزِفَ ضَوْءَ الْقَمَرِ

    لِأُمِّي

    وَهْيَ تُمَشِّطُ شَعْرَ

    أُخْتِي الصَّغِيرَةِ..

    ■ ■ ■

    زِلْزَالٌ

    حَدَثَ زِلْزَالٌ جَمِيلٌ فِي شَوَارِعِ قَدُّورْ بِكْ.

    اِهْتَزَّت الْبُيُوتُ الطِّينِيَّةُ وَالشَّوَارِعُ وَالْأَشْجَارُ فِي الْحَدِيقَةِ الْعَامَّةَ وَمَدْرَسَةِ الْكَرَامَةِ وَتَسْجِيلَاتِ صَلَاحْ رَسُولْ وَكَرَاجِ الْحَسَكَةْ وَالْقِطَارَاتِ فَي مَحَطَّةِ الْعَنْتَرِيَّةْ وَصَوَامِعِ الْحُبُوبِ حَتَّى الطَّائِرَةِ الْوَحِيدَةِ فِي مَطَارِ الْـمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ.

    كُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِهَا.

    حَينِ رَكِبَتِ الدَّرَّاجَةَ الْهَوَائِيَّةَ وَارْتَفَعَتْ تَنُّورَتُهَا الصَّيْفِيَّةُ الرَّقِيقَةُالْـمُطَرَّزَةُ بِالْأَزْهَارِ وَالطُّيُورِ.. رُبَّمَا هِيَ مَارِلِينْ مُونْرُو، رُبَّمَا هِيَ شَمْسْ الْبَارُودِي، رُبَّمَا هِيَ هُولْيَا أُوفْشَارْ. كَانَتْ هِيَ الْـمَرَّةَ الْأُوْلَى الَّتِي نَرَى فِيهَا آلِهَةً إِغْرِيقِيَّةً فِي شَوَارِعِ قَدُّورْ بِكْ، كَانَتِ الْـمَرَّةَ الْأُوْلَى الَّتِي نَرَى فِيهَا امْرَأَةً مِنْ شَمْسٍ وَعِطْرٍ تَرْكَبُ دَرَّاجَةً هَوَائِيَّةً.

    وَفَجْأَةً، رَمَتْ دَرَّاجَتَهَا قُرْبَ شَجَرَةِ التُّوتِ وَدَخَلَتْ مِنَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ لِلْبَيْتِ. وَحِينَ رَكَضْنَا خَلْفَهَا لَمْ نَجِدْ شَيْئًا؛ لَا الْبَيْتَ، وَلَا شَجَرَةَ التُّوتِ، وَلَا الدَّرَّاجَةَ. لَمْ نَجِدْ سِوَى رَائِحَةِ امْرَأَةٍ جَمِيلَةٍ وَشَهِيَّةٍ سَنَظَلُّ نَبْحَثُ عَنْهَا كُلَّمَا ذَهَبْنَا، دُونَ جَدْوِى، إِلَى مَدِينَةٍ.

    ■ ■ ■

    وَيَرْكُضُ

    وَفِي هَذَا الصَّبَاحِ

    أَتَذَكَّرُ تِلْمِيذًا

    فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ سَنَةَ 1978

    يَحْمِلُ كِتَابَ الْقِرَاءَةِ

    وَيَرْكُضُ نَحْوَ الْـمَدْرَسَةِ

    لَكِنَّهُ لَمْ يَصِلْ حَتَّى الْآنَ..

    ■ ■ ■

    حِصَانُ جَدِّي

    حِينَ مَاتَ جَدِّي إِبْرَاهِيمْ كَانَتْ جَدَّتِي كُوجَرِي فِي الْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهَا، أَمْضَتْ عُمْرَهَا فِي تَرْبِيَةِ أَوْلَادِهَا.. رَمَضَانْ، عَلِي، مَقْبُولَةْ. وَقَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ إِلَى جِوَارِ رَبِّهَا قَالَتْ: — حُلْمِي الْوَحِيدُ أَنْ أَرَى بَنَاتَكَ.

    حِينَ نَعُودُ إِلَى الْقَامِشْلِي سَأَصْطَحِبُ مِينَا وَمِيرَا وَمِيرْيَامِ إِلَى شَوَارِعِ الْهِلَالِيَةْ، حَيْثُ كُنْتُ أَسِيرُ وَيَدِي فِي يَدِ جَدَّتِي كُوجَرِي وَهِيَ تُحَدِّثُنِي عَنْ مَارْدِينْ وَقُرَى الْأُومْرِيَّةْ، عَنْ حِصَانِ جَدِّي الَّذِي كَانَ يَعُودُ مَنْ لِجِيْ عَبْرَ الْأَسْلَاكِ الشَّائِكَةِ وَحُقُولِ الْأَلْغَامِ قَاطِعًا مِئَاتِ الْأَمْيَالِ إِلَى كَرْصُورْ.

    أَعْرِفُ الطَّرِيقَ جَيِّدًا مِثْلَ حِصَانِ جَدِّي، مِثْلَ أَحْلَامِ جَدَّتِي.

    ■ ■ ■

    خوْفٌ

    تَنْظُرُ أُمِّي خَلْفِي وَتَبْكِي، وَأَنَا أَسِيرُ وَلَا أَلْتَفِتُ إِلَيْهَا. يُشْعِلُ أَبِي سِيجَارَتَهُ، وَيَنْظُرُ خَلْفِي وَيَبْكِي، وَلَا أَلْتَفِتُ إِلَيْهِ. تَبْكِي أُخْتِي الصَّغِيرَةُ، وَلَا أَلْتَفِتُ إِلَيْهَا.

    لَمْ أَكُنْ جَبَانًا فِي حَيَاتِي، وَلَمْ أَكُنْ شُجَاعًا أَيْضًا. كُنْتُ أَخَافُ مِنَ الْوَحْدَةِ، كُنْتُ أَخَافُ مِنَ الْـمُدُنِ الْكَبِيرَةِ، كُنْتُ أَخَافُ مِنَ الْبُيُوتِ الْبَعِيدَةِ، كُنْتُ أَخَافُ مِنَ الْأَبْوَابِ الْـمُغْلَقَةِ، كُنْتُ أَخَافُ مِنَ الْأَشْجَارِ فِي الْخَرِيفِ، كُنْتُ أَخَافُ أَنْ تَتَوَقَّفَ الْأَرْضُ عَنِ الدَّوَرَانِ، وَأَظَلَّ وَحِيدًا وَغَرِيبًا هُنَا.

    مِثْلَ حَجَرٍ غَرِيبٍ.

    ■ ■ ■

    اَلْبِلَادُ الْـمُنْخَفِضَةُ

    أُحِبُّ هُولَنْدَا

    هَذِهِ الْبِلَادَ الْـمُنْخَفِضَةَ

    كَظَهْرِ كَبْشٍ كُرْدِيٍّ

    كُنْتُ أَسْتَلْقِي

    عَلَى رِمَالِ نوُرْدْفَايْكْ

    وَأَرَى سُورْيَا

    فِي قَبْضَةِ قَلْبِي

    ■ ■ ■

    كَانَتْ حَيَاتِي حَافِلَةً

    فِي هُولَنْدَا لَعِبْتُ التِّنِسْ فِي مُعَسْكَرِ اللُّجُوءِ مَعَ لَاجِئٍ أَفْغَانِيٍّ مِنْ فِرْقَةِ الْحِرَاسَةِ الْخَاصَّةِ بِالرَّفِيقِ الشَّهِيدِ نَجِيبْ اللهْ، وَيُعْتَقَدُ أَنَّهُ الْوَحِيدُ الَّذِي أَفْلَتَ مِنْ قَبْضَةِ طَالِبَانْ؛ وَلَعِبْتُ الْغُولْفْ مَعَ ثَرِيٍّ هُولَنْدِيِّ تَعَرَّفْتُ عَلَيْهِ بِالصُّدْفَةِ فِي حَانَةٍ إِسْبَانِيَّةِ بِأَمْسْتِرْدَامْ.

    وَمَارَسْتُ رُكُوبَ الْخَيِلِ فِي لَاهَايْ بِصُحْبَةِ أَمِيرٍ عَرَبِيٍّ، رَأَيْتُهُ يُدَخِّنُ النَّرْجِيلَةَ عَلَى الشَّاطَئِ وَيَسْتَمِعُ إِلَى أُمِّ كُلْثُومْ، وَكَانَ يَمْلِكُ إِسْطَبْلًا كَبِيرًا فِي أَطْرَافِ الْـمَدِينَةِ.

    وَفِي هُولَانْدْ-كَازِينُو لَعِبْتُ الْبُوكَرْ لِلْمَرَّةِ الْأُوْلَى وَالْأَخِيرَةِ وَرَبِحْتُ خَمْسَةَ آلَافِ يُورُو وَغَادَرْتُ فَوْرًا رَغْمَ تَوَسُّلِ الصَّدِيقِ الْكُرْدِيِّ التُّرْكِيِّ أَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ هِيَ لَيْلَتِي، وَأَنَّ عَلَيَّ الْـمُوَاصَلَةَ..

    وَفِي جِبَالِ الْأَلْبِ تَزَلَّجْتُ عَلَى الثَّلْجِ، وَفِي دُبَيْ عَلَى الْجَلِيدِ صَيْفًا.

    كَانَتْ حَيَاتِي شَاحِنَةَ MAN تَعَطَّلَتْ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ مِنْ أَمْسْتِرْدَامْ إِلَى كَرْصُورْ..

    ■ ■ ■

    ذِكْرَى

    نُزُلٌ صَغِيرٌ فِي كُرْدِسْتَانْ

    مِنَ الْيَسَارِ

    اَلْأَبُ وَالْأُمُّ وَالْأُخْتُ

    أَبْحَثُ عَنِ الْابْنِ

    كَانَ في الصُّورَةِ

    قَبْلَ قَلِيلٍ

    وَغَادَرَ

    لِأَنَّ عَلَاقَتَهُ سَيِّئَةٌ

    بِالذِّكْرَيَاتِ..

    ■ ■ ■

    سيرة ناقصة

    لَمْ نَحْلُمْ يَوْمًا بِرُكُوبِ الطَّائِرَاتِ، لِنَسْتَمْتِعَ بِرُؤْيَةِ الْأَرْضِ مِنَ السَّمَاءِ. وَلَمْ نُصَدِّقِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي تَقُولُ:

    اَلبْيُوتُ تُصْبِحُ صَغِيرَةً كَعُيُونِ الْعَصَافِيرِ.

    لَمْ نَحْلُمْ يَوْمًا بْرُكُوبِ الطَّائِرَاتِ

    نَنْتَظِرُ أَنْ تَنْبُتَ لَنَا أَجْنِحَة، لِنَطِيرَ فَوْقَ الْبِلَادِ

    نَتَأَمَّلَ بُيُوتَنَا وَنَتَأَكَّدَ مِنْ زُرْقَةِ السَّمَاءِ..

    * * *

    تَأَخَّرْنَا كَثِيرًا

    لِذَلِكَ لَمْ تَنْتَبِهِ الْحَيَاةُ

    لِمُرُورِنَا

    تَرَكْنَا خَلْفَنَا

    كُلَّ شَيْءٍ

    لَمْ تَكُنِ الْحَيَاةُ وَدِيعَةً

    وَلَمْ نَكُنْ وُحُوشًا

    نَسْتَطِيعُ أَنْ نُبَرِّرَ

    كُلَّ ذَلِكَ

    مُجَرَّدُ سُوءِ تَفَاهُمٍ..

    * * *

    إِنَّهَا أَشْجَارُنَا

    تُغَنِّي

    كَيْ تُبَدِّدَ قَلَقَ الْبُيُوتِ

    اَلْمَهْجُورَةِ

    * * *

    عَلَاقَتِي بِالرَّايَاتِ سَيِّئَةٌ جِدًّا

    لَا أُحِبُّ الاخْتِبَاءَ

    خَلْفَ أَيِّ شَيْءٍ

    أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ وَاضِحًا

    كَيْ يَرَانِي الْجَمِيعُ..

    * * *

    كَيْفَ وَصَلْنَا إِلَى هُنَا

    وَنَحْنُ لَا نَعْرِفُ مِنَ الطُّرُقِ

    غَيْرَ الطَّرِيقِ إِلَى الْبَيْتْ

    * شاعر سوري مقيم في ألمانيا، والقصيدة من مجموعته “الطريق إلى البيت” الصادرة حديثاً عن منشورات المتوسط.

  • الندم – ميجي روير

    الندم – ميجي روير

    يسألني شركائي دائما

    هل بلغت النشوة

    كما لو أنني –بشكل ما-

    أكون غائبة طول الوقت.

    ادعاء النشوة يذكرني باليوم الذي تظاهر فيه صديقي

    بشرب القهوة

    بينما ما كان في كوبه مجرد ماء ساخن.

    عندما انفصل أبواي نمت مع عدد من الرجال

    أكثر من المعتاد

    كأنني أعوض غياب أحدهم عن المنزل.

    أشرب الكثير من الخمر سلفًا

    حتى أشعر وكأن أناملهم أعواد غزل بنات

    بين فخذي

    بعد ما يننتهي الأمر، ينزلقون من حولي

    كقلوب مفتوحة

    دائمًا يسألون لو أنني سأكتب عنهم أشعارًا؟

    لو أن الجنس كان ممتعًا؟

    ربما.

    لا توجد طريقة سهلة أخبرهم بها

    أنني أكتب فقط

    عن اللحظات التي تعني لي شيئًا.

    .

    – ترجمة: ضي رحمي.

  • العيب الخلقي الذي منعني من الحب – ميجي روير

    العيب الخلقي الذي منعني من الحب – ميجي روير

    نذير إسماعيل

    في وقت فراغي، أبتكر طرقًا تجعل الآخرين يقعون في حب

    أشخاص سواي.

    إنه عمل شاق، بدوام كامل، من التاسعة حتى الخامسة يوميًا،

    لكنه أفضل من التعامل مع مشاعر غير مرغوب فيها.

    أثر الجراحة القيصرية على بطن أمي لا يزال ممتدًا

    عبر نصفها السفلي كهلال.

    أحيانًا أتساءل لو أن هذا هو سبب هجر أبي لها: لأنها جُرحت بالفعل

    قبل أن تسنح له فرصة فعل ذلك بنفسه!

    أراكمُ في بيتي أوراقًا بأرقام هواتف الرجال في أكوام،

    أحولها فيما بعد إلى رماد بولاعتي.

    الجيران كلهم يعتقدون أنني أستعد لعشاء ليلة الجمعة

    بوضع اللحوم فوق الشواية.

    لا يعرفون أن الرائحة مصدرها بعض حكايات

    حب من طرف وحيد.

    رسائلي للرجال المنبوذين دائمًا ما تنتهي

    بعبارة: لا تهاتفني مرة أخرى.

    ربما يرجع الأمر كله بشكل ما لطفولتي

    عندما ضرب ابن الجيران بمضربه عشًا للدبابير

    كما يضرب جرة مليئة بالهدايا والحلوى

    دافعًا بها نحوي، لتلسعني أكثر من مرة،

    فكبرت وأنا أقرن الحب بالأذى.

    لكن أيًا ما كان الأمر

    يقول معالجي النفسي

    إنني ربما بشكل ما كنت منقلبة رأسًا على عقب داخل الرحم،

    قبضتيّ الدقيقتين كانتا ترجفان

    مثل إبر البوصلة، حتى أشارت قدمي،

    عوضًا عن رأسي، إلى قلب أمي.

    هكذا، كبرت غير قادرة على الاستماع لنبضات أحدهم

    دون أن أرغب في ركلها لتصمت.

    .

    – ترجمة: ضي رحمي.

  • الفخ – نيكانور بارا

    الفخ – نيكانور بارا

    كنت في ذلك الوقت قد نأيت بنفسي بعيدًا عن الأمور التي يكتنفها الغموض الشديد

    مثلما يتجنب أصحاب المعدة المعتلّة الوجبات الدسمة

    فضلت البقاء في المنزل والتدبر في قضايا بعينها

    موليًا اهتمامي الأكبر لأمر انتشار العناكب

    وتحقيقًا لتلك الغاية كنت ألزم الحديقة يومًا بطوله

    ولا أظهر في الأماكن العامة إلا في وقت متأخر من الليل.

    أو، أحيانًا، كنت بتحدٍ،

    أرمق القمر بنظرة غاضبة،

    محاولًا الانعتاق من تلك الاختيارات المُرّة التي تتعلق كزوائد جلدية

    بأرواح البشر.

    حين كنت وحيدًا، كنت أفعل ما يحلو لي، أتحرك ذهابًا وإيابًا وأنا واع تمامًا بفعلي،

    أتمدد على خشب القبو،

    أحلم، أفكر في الأسباب والسبل، أحل المشكلات البسيطة الطارئة.

    كان هذا أيضًا الوقت الذي اختبرت فيه منهجي الحصيف في تفسير الأحلام،

    القائم على ممارسة العنف بحق الذات ثم تخيل حالتنا بعدها،

    مع استحضار الخبرات السابقة، والاستعانة بقوى من عوالم أخرى.

    بهذه الطريقة تمكنت من الحصول على معلومات لا تقدر بثمن

    فيما يخص المخاوف المتعلقة بوجودنا:

    الهجرة، الرغبات الجنسية، المعتقدات الدينية.

    لكن، جميع الاحتياطات لم تكن كافية،

    ولأسباب يصعب تحديدها،

    انزلقت من أعلى جرف حاد.

    وكبالون مثقوب، عجزت روحي عن التحليق،

    توقفت غريزة حفظ الذات عن العمل،

    حُرمت من انحيازي الأهم،

    سقطت، بلا حول أو قوة، في فخ الهاتف

    الذي يمتص كل ما حوله، مثل ثقب أسود.

    بيدين مرتجفتين طلبت الرقم الملعون

    الذي أردده الآن –تلقائيًا- أثناء نومي.

    الحماقة والطيش احتلا الثواني التالية،

    بينما أنا، مثل هيكل عظمي يقف أمام منضدة من الجحيم

    مغطاة بقماش أصفر سميك،

    منتظرًا الاستجابة من على الجانب الآخر للعالم،

    النصف الآخر لوجودي، سجين مسار كهربي.

    ضوضاء الهاتف المتقطعة

    تحفر داخلي كمثقاب طبيب الأسنان،

    تنغرز في روحي كإبر تصوبها السماء.

    حتى، عندما حانت اللحظة،

    أخذت في التعرق والارتجاف،

    انعقد لساني ووقف حائلًا بيني وبين المنتظرة

    على الطرف الآخر،

    مثل ستائر سوداء تفصل بيننا وبين الموتى.

    لم أرغب أبدًا في إجراء تلك المحادثات الحميمية

    بالطريقة ذاتها، التي تستفزني أنا شخصيًا،

    تضخم صوتي بفعل الإثارة والرغبة،

    مناداتي باسمي الأول بتلك النبرة الآسرة،

    أصابتني بانزعاج غامض،

    الاضطراب الذي تعمدت إخفاءه ومتابعة الحديث،

    أسلوبها السريع في السؤال والجواب الذي كان مجرد

    محاولة لكظم رغبتها المتأججة،

    هذا كله تسبب في شعوري بقدر من العبث..

    ثم أجبرت نفسي على الضحك.. وهكذا فقدت السيطرة على عقلي.

    تلك المحادثة السخيفة التافهة دامت لساعات،

    حتى ظهرت مديرة الفندق من خلف الحاجز الزجاجي

    لتنهي بفظاظة ملحمتنا الغبية.

    لكن تلك الكارثة لم تنته بأن

    أغلقت الهاتف،

    لأننا –كالعادة في مثل تلك الظروف- كنا قد اتفقنا

    على اللقاء في الغد في إحدى الحانات،

    أو على باب الكنيسة أتمنى لو نسيت اسمها.

    .

    – ترجمة: ضي رحمي

  • دوران – فرناندو بيسوا

    دوران – فرناندو بيسوا

     

    لكن الإقصاء الذي فرضته على نفسي من أهداف الحياة وحركاتها، والقطيعة التي حاولت تحقيقها في اتصالي بالأشياء قادتني بالضبط إلى ذلك الذي حاولتُ الفرار منه. أنا لم أرغب في الإحساس بالحياة، ولا في ملامسة الأشياء، عارفًا، بتجربة مزاجي إزاء عدوى العالم الخارجيّ، أنَّ الإحساس بالحياة كان دائمًا مؤلمًا بالنسبة إليّ. لكنني عند محاولتي تفادي ذلك الاتصال بالعالم، حكمتُ على نفسي بالعزلة، وبانعزالي، فاقمتُ من حساسيتي المفرطة. لو كان بالإمكان قطع الصلة بالكامل مع الأشياء لوافق ذلك تمامًا حساسيتي، لكن تلك القطيعة الكاملة لا يمكن تحقيقها… وهكذا، وبمفاقمتي لحساسيتي بواسطة العزلة، جعلت أقل الأحداث شأنًا تُحدث فِيَّ الأثر الذي تُحدثه الكوارث. لقد أخطأتُ السبيل المناسب للهروب. اخترتُ الهروب، بواسطة، لفٍّ غير مريح، صوب المكان نفسه الذي كنت فيه، مع تعب السفر ومع رعب الحياة هناك.
    لم أفكّر البتة في الانتحار باعتباره حلاً، لأنني أبغض الحياة بسبب عشقي لها. لقد صرفتُ وقتًا طويلاً في محاولة إقناع نفسي بهذا الخطأ المؤسف الذي أحيا فيه مع ذاتي نفسها. وباقتناعي به، ظللتُ متوعكًا بَرِمًا، وهو ما يحدث لي دائمًا عندما أقتنع بشيء، لأنّ الاقتناع هو دائمًا عندي، فقدانٌ لوهمٍ من الأوهام.
    لقد قتلتُ الإرادة بقسوة تشريحي لها. مَن سيُعيدني إلى طفولة ما قبل التشريح، بل حتى ما قبل الإرادة!
    في حدائق حلمي الميت، إغفاءة المستنقعات تحت الشمس العالية، حيث ضوضاء الحشرات المحتشدة في اللحظة، يُثقل عليّ العيش مثل ألمٍ فيزيقيّ ينبغي أن ينتهي.
    قصورٌ نائيةٌ جدًا، غاباتٌ منخطفة، الممرات الضيقة في البعيد، الظرافة الميتة للقواعد الحجرية للأبهات الميتة، الظرافة التعسة، بهرجةٌ ضائعة. أيتها الرغبة التي أهملتها. ليتني استطعتُ استرجاع المرارة التي بها حلمت بك!

  • لا أحد يعرف أين تذهب المحاولات – عبدالله حمدان الناصر

    لا أحد يعرف أين تذهب المحاولات – عبدالله حمدان الناصر

    ربما لم يلحظ الغيم تلك الأشياءَ العالقة به

    والحفلةُ أيضاً 

     لم تلحظ القفز اللانهائي للهباء الجريح

    لا الطاولات المنكسّة آخر الليل

    ولا حاويات الملابس المستعملة 

    لاحظتْ صمت ياقاتٍ بيضاء لم يحالفها الهديل

    لا أعمدة النور

    ولا كيابل الانترنت في البحر لاحظتْ 

    أشياءً عالقة

    كانت لديها نزعة الوصول

    إلى شيء

    أو إلى أحد

    أو إلى لا شيء ولا أحد

    تلك الأشياء العالقة في ثقب الله في بقع الزيت في المحيطات في شباك العناكب في الغابات في الخزائن في الأقبية في أصواف الخراف التي تعبر الأسلاك الشائكة على الحدود

    الأشياء الخفية العالقة في سياج الحياة وتخص أناساً لم يعد لهم عناوين

    الأشياء العالقة التي أسماها أصحابها في الماضي (محاولات)

    لا أحد يعرف أين تذهب المحاولات 

    بعد موت أصحابها المحاربين

     أو خلودهم إلى رقة الجدران

    المحاولات التي تخذل أصحابها في الأمتار الأخيرة من الورد

    الكائنات الناقصة المضرجة بالنرد والعرق والخوف والتراتيل والدمع والخدوش والانزلاقات وعيون الملائكة الضيقة أين ينتهي بها الخيط؟

    تلك العوالق التي ليس لها قوامٌ ودمٌ لتُرمى كالأجنة الناقصة في نفايات المشافي.. هل لها أجنحة لتعثر على استعارة أفضل من الأطفال ومجازٍ أفضل من الحياة؟

    تلك الكائنات التي لها صبر البغال الكابية على البحر في قرى المتوسط .. تُراها تتألم وحيدةً بعد موت سائسيها الأشقياء؟

    تلك السهام التي برينا بدموعنا ثم أطلقناها في فم الغابة، لكنها لم تقتل الليل ولم تعد لنا .. هل لا تزال جريحةً تحوم في الليل أم وجدتْ نفسها في جعبة أناسٍ آخرين يطلقونها أيضاً فلا تصيب ولا تعود ؟

    ماذا تفعل البغال السود بنفسها إن لم تجد أحداً 

    تصعد به الجبل

     أو تهبط به إلى البحر؟

    ماذا تفعل السفن الجميلة في عرض البحر

    حين يذهب الجميع للفردوس

     أو للجحيم؟

    كنت سأدعو كل المحاولات التي أصابها اليتم في المدن

      لتناول القهوة معي أو قضاء الليل

    لو كنت أعلم أين تعيش المحاولات الفاشلة

     بعد موت أصحابها المحاربين

     أو خلودهم إلى رقةالجدران

  • نافذة مبللة في شتاء 1972  – فخري رطروط

    نافذة مبللة في شتاء 1972 – فخري رطروط

    هذا الصباح

    للمرة الأولى

    تَعانقَ غصنا شجرتيْن

    على يمين ويسار باب بيتي.

    ***

    دائماً

    أخسر بفارق حياة

    أنتصر بفارق موت.

    ***

    أفواه مفتوحة لا أعرف ماذا تريد

    ألقّمها حجارة وقصائد وفحماً وأحذية قديمة

    تظل مفتوحة.

    ***

    ولدت وعلى رأسي سلة

    فيها رؤوس مقطوعة

    أطوف العالم أبحث عن أجسادها

    وجدتها جميعها

    بقي رأس في السلة طفت به العالم

    صرخ بي طفل مذعور:

    أنت بلا رأس.

    ***

    أفشل في دفن أشيائي الميتة

    أدفن أشيائي الثمينة بدلاً منها

    وسط الفوضى دفنت مرّة نفسي.

    ***

    في الكون:

    هواء وكلمات

    لم نكن نحتاج أكثر من هذا.

    ***

    هذا الهواء كثير ومجاني

    مع ذلك نتنفس بصعوبة.

    ***

    رفقة أشباح أقطع هذا العالم

    لا نشاهد إلا نجوماً تفتك ببعضها

    ونصفق لها.

    ***

    لا أعرف

    لا أدري

    ليس لدي فكرة

    لم أسمع

    لم أشاهد

    لم يستشيروني

    كلمات لا أعرف غيرها

    أرددها أمام نفس المحقق الغاضب

    منذ أربعين سنة

    يضرب الطاولة بيده ثم يلكمني ويعيدني إلى زنزانتي التي ولدت فيها.

    ***

    أحلم بعوالم لا يدوسها غيري

    كالعادة أراني آخر الواصلين.

    ***

    نافذة العالم الوحيدة

    تطل على الجحيم.

    ***

    لا تبحث عن جذور

    جذورنا في السماء

    هذه الأرض وطن الحطابين

    لا تصلح لإطلاق جذر.

    ***

    الموت ديك

    نحن حب منثور.

    ***

    أفْقُه مغلق

    مشكلته وجودية

    حلها الوحيد عدم الوجود

    لكنه لا يزال منسياً في زاوية العالم

    منذ أزل ونيّف يستجدي ساحراً لئيما ليخفيه في إحدى القبعات.

    ***

    قمري مستطيل الشكل وأسود

    يشبه قبري.

    ***

    ماذا خطر في بال آدم

    لما رأى الزرافة لأول مرة؟

    ***

    في الشعر أستطيع

    تحريك جبل

    ثقب السماء

    نتف ريش ملاك

    حشر البحر في زجاجة

    حشر عشرين مارداً في قمقم

    تجبير ساق نملة

    في الحياة العادية أحتاج لمعجزة للنهوض من سريري.

    ***

    المومياوات تنتصر على الزمن

    أرغب بتحنيط شاعر.

    ***

    محكوم بالإعدام

    آخر رغبة له كانت سماع قصيدة

    أحضروني عنوة لهذه الساحة

    قرأت له قصيدة عن جمال عينيك.

    ***

    خلق الرب الكون من كلمة واحدة

    وبالكلمات الكثيرة نحاول تدميره.

    ***

    كل ما نكتبه يندرج تحت بند الإدانة.

    ***

    الحنين إلى أشياء غامضة

    يفتك بك

    لو أنك تعرف إلى ماذا تحنُّ

    لو.

    ***

    غادرت السفينةُ العنبرَ

    لم يكن في الميناء أي مودِّعين

    ولا نوارس حمقاء ولا شعراء سفلة يرقبون المشهد و يتغزَّلون بجمال النوارس

    بصمت أبحرت السفينة بلا صفير

    على ظهرها رجل مقيد يأكل الزمن كبده ولا يحب النوارس

    لا يرغب برؤيته أحد

    وهو أيضاً متعب من وجوه البشر

    سبق أن صرَّح: بأن في كل وجه هناك جحيم ما، لم أصادف وجهاً يحمل الجنَّة بين تجاعيده .

    يساق إلى زنزانة

    في جزيرة لا يسكنها أحد

    سيُسجن خلف نافذةٍ لا يرى فيها إلا وجهه ولن يعرف الفصول إلا من تقلبات زجاج النافذة

    ويلٌ له حين سيستيقظ على زجاج نافذة مبلَّلةٍ

    ***

    الخريف

    شاعر

    مريض.

    ***

    إن أجبت على سؤالي

    سيكون لدينا سؤالان.

    ***

    مرّ من أمام محل بيع الكتب

    صفعه عنوان “الرقصة الزرقاء”

    ذلك سرّه

    وقد ذاع.

    ***

    حياتنا مغشوشة

    خمرتنا صافية

    حتى بريق وجهك زائل.

    ***

    من زئبقٍ خُلق هذا الوجود

    هذا العالم ولد معي وسيشيخ ويموت معي

    وأنتم كذلك

    ولد العالم وهرم ومات مليار المرات

    هذا يتعبه كثيراً

    عضلة العالم متعبة، دلِّكوها.

    ***

    زجاجة فودكا بين رهط شعراء

    مع الكأس الأول صرَّح الشاعر:

    شعري لا بأس به، لا أعتقد بأنه سيئ

    بعد الكأس الثاني صرخ نفس الشاعر:

    أنا أفضل شاعر في نيكاراغوا

    بعد الكأس الثالث صرخ:

    أنا أفضل شاعر في أميركا اللاتينية

    بعد الكأس الرابع صرخ:

    أنا أفضل من شعراء آسيا وإفريقيا

    قبل أن يُجهز على الزجاجة صاح بصوت عال: أنا أفضل شاعر في هذا العالم.

    ***

    طويلٌ هذا الليل

    مثقلٌ باليأس وألعاب الموت.

    ***

    الحياة

    أن تتدرَّب على أن تكون وحيداً

    وسط الحشود.

    ***

    أعيش في مدينة كلُّ منازلها بلا أبواب

    الناس يدخلون ويخرجون من النوافذ

    البيت الوحيد الذي له بابٌ، يسكنه شاعر

    يأتي السيَّاح لمشاهدة هذا الكائن وهو يخرج ويدخل من الباب

    يلتقطون له صوراً

    ويطلبون منه أن يوقع عليها.

    ***

    أسطو على قطارٍ ينقل زرافات وفيلة وقرود وسلاحف بحرية

    أعثر على شاعر مختبئٍ بينها وقد نبت من جبهته قرنٌ طويل

    يضع أصبعه على فمه

    ويومئ لي بالصمت.

    ***

    صور الشعراء الأموات ماذا تثير فيك؟

    – لا شيء، الشعراء لا يموتون.

    ***

    أمسح الغبار عن صورة باخرةٍ فأسمع صفيراً.

    أمسح الغبار عن صورة حصانٍ فيصهل

    أمسح الغبار عن صورة شاعرٍ ميتٍ فتورقُ أصابعي

    أمسح الغبار عن صورةِ عائلةٍ ميتةٍ

    فتبكي نافذةٌ ما

    أمسح الغبار عن صورةٍ قديمة لي

    فلا يظهر أي شيء.

    ***

    لا أريد الجبل

    ولا الغيمة التي فوقه

    ولا البحيرة في بطنه

    ولا صفَّ الأشجار الملتفِّ على البحيرة

    ولا حفنة الريح الضائعةِ التي تئنُّ فوق البُحيرة

    أريد ذلك الضفدع الذي يحرس البحيرة والجبل والريح والأشجار.

    ***

    – إلى نيتشه

    ليس في الأمر سوبرمان ولا إله ميت

    ولا خلود يلامسنا

    كل ما في الأمر إنسان يشبه فزَاعة طيور حمقاء في حقل تنهبُه طيورٌ سوداء

    سأُجرجرك من شاربك الكثيف لتشاهد المنظر أيها العجوز الخرف.

    ***

    المصابيح مهما كانت

    قديمةً، شاذَّةً، منبوذةً، مُترنِّحةً

    ثملةً، مكسورةً، خافتةً

    تضيء في هذا الليل الأعمى

    تشجَّع يا قلبي

    فكلُّ الأنوار التي تراها

    مريضة مثلك

    وهذه الملائكة معتمة قليلاً

    تشجع يا قلبي الأرمل

    في قاعك قطرات زيت.

    ***

    أنت تراكتور حرث حقولي

    للمرة الألف

    ولا برعم أخضر أطل

    أتعرفين:

    لقد نسيت رمي البذار في أرضي القاحلة للمرة الألف.

    ***

    أنا أرض محروثة

    لا أحد تذكَّر ورمى بذرة.

    ***

    زوجة توبخ زوجها الشاعر:

    أنت تعرف كم ثقبَ نملٍ في هذا العالم

    وتُنادي كلَّ نملة باسمها

    وتقود أربع مائة فيل أزرق بمهارة

    تُحلِّلُ مشاعر زرافة ولك القدرة على إجراء عملية تجميل لتقصير رقبتها

    وتعد حبات الفياغرا التي يتناولها الحمار

    وتعرف كيف تغازل غيمة شاردة

    لك القدرة على مراقبة عنكبوت لساعات

    وتحلل سيكولوجيَّة قملةٍ يتيمةٍ

    لكنك لن تعرف أبداً سيكولوجية أنثى

    ولا كيف تغازل امرأة

    أريد كائناً أرضياً ينتبه لجمالي البسيط قبل أن تختفي ملامحه

    أنا أكره الحب الصامت

    غادرتك للأبد غاضبة

    اكتفت قبل خروجها بالنفخ على مرآة حمامك

    منذها لم تستطع رؤية وجهك.

    ***

    في درس الجغرافيا

    فَرَدَ المعلمُ خارطة قديمة

    في الزوايا التالفة

    اختفت عشر بلدان صغيرة.

    ***

    أُشبه تيساً على منحدر

    يحك قرنيه بالريح ويحدق بالهاوية.

    ***

    لا شيء يدور خارج هذا المحور

    إنسان يحارب كتلة سوداء صماء.

    ***

    أسوأ الحروب ما يخاض ضد الذات

    الجانبان يتبعان سياسة الأرض المحروقة.

    ***

    ظلالي تحاول محوي.

    ***

    لا يهم ما يجري على هذه الأرض

    السهول لا تزال خضراء

    السماء بكامل زرقتها

    الغيوم تعبر بكل جرأة

    المهم أن تلوِّح بيدك

    للراحلين

    للقادمين الجدد

    للاأحد

    للغيوم

    للريح

    المهم أن تلوح بيدك

    تلك إشارة حياة.

    ***

    كن كالمطر يسقط على أي شيء

    على الجثث، على الأحياء، على البيوت

    على المتعبين، على المقابر، على الأنهار والبحيرات، على الصحراء

    لا أكرم من المطر.

    ***

    بعد أن أموت كيف سيجرؤ عقرب الساعات على التقدم؟

    ***

    في يوم 26/5/2014

    رأيت الكثير من الأشجار والغيوم والقليل من البشر

    يا للغبطة.

    ***

    أمس فجراً

    سرق اللصوص من الكاتدرائية

    تمثال المسيح الفضي.

    ***

    لا تكثر من الغوص في عمق الأشياء

    حدِّق بطلاء الجدار المتفتِّت.

    ***

    الطين يظلُّ معتماً

    هذا البريق في عينيك

    جاء من أعلى.

    ***

    لم يكن الشعر فُتات هذا العالم

    العالم فتات الشعر.

    ***

    لا تملأ ذاتك بالمعتقدات

    البالونات تطفو بسهولة.

    ***

    بنصف قلبٍ

    بنصف سيفٍ

    بنصف حلمٍ

    بنصف حبٍ

    بنصف إنسانٍ

    بنصف روحٍ

    بنصف نافذةٍ

    بنصف طريقٍ

    بنصف مصباحٍ

    بنصف قمرٍ

    بحذائين اثنين

    بجرعةٍ كاملة من الأسى

    يتقدَّم بكلِّ جرأةٍ في أقبية العالم.

    ***

    أنا بصلة

    أنت وردة

    هم رؤوس ملفوف

    أنزع وتنزعين وينزعون.

    ***

    من أرّخ لتلك المعارك الشرسة

    بين الأجساد وظلالها؟

    ***

    من الأعالي تبدو المدن كقطع عملة لا قيمة لها ملقاة وسط الرمال.

    ***

    بعدك

    أنا قطعة شطرنج صامتة

    مربَّعات فارغة

    ودماء.

    ***

    الشعراء مثيرون للسخرية

    كمرساة سفينة مهجورة على شاطئ منسي.

    ***

    أتأملك

    كما تتأمل سفينة خربة منسية على الشاطئ- بحرا بكامل زرقته.

    ***

    أمام طابور وجوه ممحوة الملامح

    طلبوا مني أن أضع لها ملامحاً

    بحثت في حقيبتي

    لم أجد أذناً ولا فماً ولا حتى نصف أنف

    صرخ بي الحارس:

    لن تخرج من هنا قبل أن تضع ملامحاً لهذه الوجوه

    ثم ابتلع المفتاح

    صحوت خائفاً

    أقف أمام المرآة

    يا للهول: أين ملامح وجهي.

    ***

    جريح بشظايا

    أصبت بها أثناء عبوري عالماً قديماً

    جئت إلى هذا العالم لأموت بهدوء.

    ***

    ذريَّتك معطوبة يا آدم

    أنت تعرف ما ينتج عن زواج الأخوة والأقارب.

    ***

    نادم أنك كنت مرة في حياتي

    ها أنا أجمع ما تبقى من ثيابك لحرقها

    كما يليق الانتقام من ميت.

    ***

    لست وحيداً

    معي كائنات كواكب قديمة محطمة

    نعرف بعضنا على هذه الأرض

    في رأس كل منا منارة تُضاء وقت يصبح هذا العالم مكاناً خطيراً.

    ***

    اشتريت خوذةً قديمةً مثقوبةً بطلقة

    ألبسها

    أحاول تخيُّل الحرب تدخل من ذلك الثقب

    أحاول تخيَّل الحياة تفر من نفس الثقب

    خطر لي أن أغرس في الثقب وردة

    لكنها فكرة حمقاء مبتذلة

    سأتركه فارغاً تصفر فيه الريح.

  • المجنون – كلارا خانيس

    المجنون – كلارا خانيس

    ١- الشاعر يعترف بصعوبة هدفه

    أيها الساقي، املأ الكأس،

    لأغني عن كامل السيرة

    التي حازت الشهرة:

    العذرية،

    رفض القيم،

    الخروج على العار،

    الاستسلام الكامل للعشق

    حتى الجنون،

    حتى الضياع

    في تيه صحراء نجد

    الممتدة بلا نهاية.

    ٢- ما قاله المجنون بعد أن أمضى الليل ساهرًا أمام بيت الحبيبة.

    أقبّل الأرض التي داستها أقدامك

    أقبل أثارك

    التي أتعرفها، ليلتي الجميلة.

    وحين يهتفون:” انظروا المجنون”،

    أصرخ أنا، وكما ينطلق

    يخترق صوتي السحر،

    ليصل إلى أحلامك،

    فصدى الظلال

    لم ينم في صدري،

    وعبثًا تحسس

    شفاه الظلام المبللة.

    ٣- ابتهال.

    انظري، أيتها الروح المبتهجة

    إلى مدينة الحب المقدس،

    المسي الحجر المتقد

    وادخلي النبيذ المعتق،

    وانعكاس الضوء الأبدي،

    في البحر المجهول

    فإن المادة تفنى

    حتى لا يبقى

    سوى الجنون.

    ٤- الرفيقات يحاولن التخفيف عن ليلى حين حَرَّم أبوها عليها الهوى.

    تأملي الرقص يا ليلى، يا رفيقة الصبا،

    استمعي إلى دقات الدف،

    نحيب الناي الحلو،

    وانتظرت لحظة انطلاق البخور

    الذي يأخذ هدجاتك في سحاباته،

    وحين تلمس يداك زهور الياسمين،

    تذكري الهوى، وانس الذكريات،

    فالنهر بين قدميك

    يفتح المساقي الخبيئة

    في حديقة الأزهار.

    ٥- عندما ينطلق المجنون إلى الصحراء.

    يحترق المجنون بالعشق

    فتسيل الصحراء بالينابيع.

    تبني أعشاشها على خصلاته

    وتتبعه الوحوش

    تحرس معبده لحمًا حيًّا

    وقلبه، حجر من نار.

    *كلارا خانيس، شاعرة أسبانية، كتبت في ديوانها ” حجر النار” عن الأسطورة العربية ( المجنون وليلى ).

    ** ترجمة: د. طلعت شاهين.

  • ماهر نصر – فراشة


    فراشة
    أمي لم تكن إلا فراشة .
    تحت إبْطِها ،
    حملتْ كل أسماء ِ إخوتي،
    وبهدوءٍ
    تنتفُ إسمي كشعرةٍ في جناحها،
    وبكفّها الذي غزلتْ به قماشَ جثتي
    تغلفُ إسمي بوشاحٍ أنيق.
    ربما حفظتْه في صندوقِ حزنها،ل
    أو بين أوراق عشبةٍ بريةٍ،
    نبتتْ من عظامِ أبي
    أمي تضحكُ كزهرةِ الصباح،
    كلما مرّ موتٌ بجوارها
    مشغولةٌ كانت
    بميراثنا من لوحاتِ أجنحتها.
    أمي لم تكن فراشة
    لكن
    كل الفراشات إختفت حول جثّتها
    واحترقت قصيدة .

  • مها دعاس – هذا الحزن حزين حزين

    أسند رأسي التائه على كتف الليل
    أراقب وشاية الفرح على منعطفات الغد
    هذا المذياع لا يأتي الا بموسيقا جنائزية
    أبتلع الأخبار من بعيد
    الكلمات حقل ألغام في حلقي
    لا شيء يغري بالحياة

    رأسي مزيج من صداع حاد و جثث تتزاحم بين تلافيف الذاكرة والقلب
    قلبي يتيم نائم منذ زمن بين الأشواك
    لم يحظ يوما بوردة
    الوقت غير مناسب لفيروزيات
    لا أريد الإستيقاظ

    هذا الحزن تكون في ليل على مهله حتى اكتمل نضجه
    أغلق كل أبواب الفرح خلفه على
    جرح قديم ،قديم
    لم لم يولد في الأمس على عجل
    عمره من عمر أول غصة
    في الخارج كل ما يلزم له ليتكاثر
    عناقيد العنب تتدلى رقابها بين ورود يبست بعيدة عن أغصانها المشنوقة
    أأقول ألفا ؟
    هذا لا يشبه العبث في نظريات الإنسانية
    منتهى الحقيقة
    كيف لنا أن نعدهم دمعة ،دمعة
    حبات القلب لا عدد لهم

    هذا الحزن عتيق
    اختبأ في مغارة الروح لكنه
    لم ينم كأهل الكهف ليستيقظ الآن
    لم أجده صدفة عالقا في قلب موجة عالية ذات بحر وموت
    سمكة عالقة في فم حوت منذ ألف عام
    رسالة مطوية في قلب زجاجة في قاع البحر

    قصيدة أضاعت أجنحتها
    لحن مات وهو يريد أن يزرع المجرة بالموسيقا
    كلمات تاهت عن نبعها و هي تختبىء في جيوبي
    حلم سنونوة عقيم بين نقيق الضفادع و غراب عملاق
    تموت العصافير الآن في أقفاصها
    وتفرد الخفافيش أجنحة الظلام
    ينطفىء الورد على انحناءة السياط
    يبكي الحلم في بتلاته
    يروي البنفسج آخر أوجاعه حول غيمة ثكلى
    تؤرخ للخلق من ثقب في الصخور و تكتب للعشب أسطورة مات تحت التعذيب

    هذا الحزن حزين حزين
    هذا الحزن حزين حزين

    كآذار غادره الربيع
    كفراشة أضاعت الضوء
    كسماء هجرها القمر
    كثورة مسروقة
    كعشق لم يكتمل
    كقلب محكوم بشظية
    كمدينة بلا ذاكرة
    كغياب لا يبدده الحضور
    كأنثى شرقية
    كأم الشهيد
    كلاجئة سورية
    كأنا بلا صديق
    كشجرة تتنفس بلا جذور
    كعش مقهور ترقد فيه
    عصفورة بلا فراخها …

  • ريم قمري – الحب

    ريم قمري – الحب


    الحب يشبه كثيرا محاولة الرقص في حقل ألغام ، آملين ان لا نخسر أرجلنا ، و لأننا عادة لا نعي هذا في البداية ، سرعان ما تبتر قلوبنا ونحن مازلنا سكارى بنشوة الرقص.

    اقفز من المركب سريعا ، حاذر بلل أطراف اصابع قدميك ، ، فتصاب بماء الحياة و تصبح نادما اسوة بالعاشقين ، و تموت غريبا ، و الغربة في الموت شقاء عظيم

    و انت ترتب ملابسك بعناية سيدة بيت ، تكوي قمصانك و جواربك النظيفة و تعيدها الى ثلاجة الدفئ الاسري ، تذكر ان الريح فقط هي
    من تصنع الاستثناء

    حين تشرق شمس الغد على طين القلوب العاشقة، سيكون طين قلبك قد صار صلصالا، و الشجر لا يغرس جذوره الا في الطين الصلب

    ستحدثهم عني بعد ان تحرق كل ما كتبته ، و ستعرف وقتها انه لا يطلب الغفران إلا الشجعان ، ستتدحرج الكلمات من صدرك ، تقفز مع الريح ، فوق الغمام ثم تغرق في النهر ، لاني سأكون قد اصبحت وقتها سمكة لكنك لن تصبح أبدا صيادا

    الحب هو ان تحج ، حافي القلب ، دامع العين و ان تغمض عينك قلا ،ترى سواي ، و ان بتروا قلبك كنت انا قلبك ، كنت جناحي و الحياة رقصتنا.

  • قراءة فى ديوان ما لم يقله الحلم لريم قمري

    قراءة فى ديوان ما لم يقله الحلم لريم قمري

    نحن صوت الناي
    يبكي أمه الشجرة
    ….
    و أنام على وجع
    بقية البياض
    هل يمكن للناي أن يوجع بياض الشجرة، أم هل يمكن للشاعرة أن توجع صوت الناي فتكون هي والآخر صوته أو أنينه رغيقا من كلمات تحرس أحلام غدها أو غدهما ، و أنا أتملى العناوين جميعها التي تنطلق من حلم
    الاهداء وليس البدايات فله وحده كتبت الشاعرة روحها ولم تكتب بروحها و هذا الحرف و هذه الباء بداية مشجعة للغوص في هاته الاحلام المؤجلة او المنقوصة او المتبوعة باحلام سرية لم يبح بها الناي ، فأحلام الاحتراق مشتعلة و متواصلة و قد عبرت عليها الشاعرة بتعابير متشابهة في المعنى و الأصل مثل : أحلام الحريق ، أحلام الاحتراق ، أحلام الاشتعال، أحلام الانصهار ،أحلام الجمر وهذه الأحلام التي نشم فيها و منها الرغبة والجنون و الذهاب في شطط الاشتهاء ذروته ترمي بنا إلى دخول عوالم الجسد السرية فنجد عناوين مثل : أحلام الشهوة ، أحلام الغواية ، أحلام الحنين ، أحلام الجسد ، أحلام العيون ، أحلام الشامة ، احلام الخلق ، احلام الشوق ، أحلام الالتحام ، أحلام أريدها ، أحلام سرية ، أحلام اخر الليل ، أحلام الأنفاس ، أحلام الولادة ، أحلام القلب ووسط كل ذلك نجد الشاعرة تكرر بعض التسميات مثل أحلام الالتحام و هذا دليل على أن هناك من المشاعر ما يأكل داخلها فتكرره للتّأكيد على رمزيته و مدلوله كما تتحدث الشاعرة بكلمات حارقة عن الفراق و البعاد و نجد للمسافة في أشعارها حيز كبير و لا ندري هل هذا البعد معنوي أم مادي و هذه الغربة النفسية هل هي وجودية أم حقيقية :
    لكنك تختفي
    يسقط الكلام بيننا
    وحيدة أبقى
    الفراشات ، الماء ، الخلق ، البدايات ، الطريق ، الثمالة تسحبنا الشاعرة معها حد الثمالة فنصير فراشات تضيء الكتابة و تحرق القصيدة بتيهها و توهانها ، فتبعث في أنفسنا قلق البحث فيما تريد الشاعرة ايصاله الينا أو ايصالنا اليه فنصمت حينا و نتأمل حينا آخر و نسرح في ليلها الحارق و الجارف فصير القصيدة :
    أنا انعكاس صورتك
    في مرآة قلبك
    المرأة التي تملك
    سرّ جسدك
    لا حضن لك الاي
    بحثت عني كثيرا
    لا امرأة تشبهني
    ما لا تملكه النساء
    روحك لي منذ الأزل.

    قراءة: فتحية الهاشمي