المدونة

  • الفراق – كلارا خانيس

    الفراق – كلارا خانيس

    ١- الشاعر يدافع عن انتصار الحب على الصعاب.

    تسمع الآن أجراس الرحيل،

    يتوازن الفرح

    على خيط الفراغ،

    يؤكد الفرح ديمومته،

    كم حاول الفراغ الفراق،

    هزيمة الزمن

    بضوئه الوحيد،

    هل هو التوازن أم الموسيقى،

    ما يلمع

    في نقطة الالتقاء

    التي لا تنتهي.

    ٢- صوت العاشق في العتمة.

    لو أتجاهل صوتي، أمزق ثوبي

    وأحلم بالشهادة،

    فلا توبخني، أيها العاذل،

    يكفي جديلتها

    لتسترني،

    تذيع شهوتي

    صوفيًا وفاحشًا

    وتسكن عيناها

    عش قلبي.

    ٣- المجنون يناجي الجبل الذي يحسبه رفيقًا فيجيبه الصدى.

    الجبل والصدى يتحاوران

    مع آلامي،

    آه، أيها الصديق الوفي!

    فلتجمع شفاهنا

    على الحجر الصلد !

    الذي يرقب في الهواء

    وخذ الألم،

    يا لصعوبة ساعة زمن الصحراء،

    ويا لصعوبة الابتعاد عن نجد،

    حين يعبق الزهر

    الرياح،

    وتسمع القطعان

    ترعى في الوديان.

    ٤- هنا يعلن موقفه في مواجهة الاتهامات التي يوجهها البعض إليه.

    عاريًا

    لا يحتمل حزني

    حتى الهواء الهفاف،

    هاربًا من الدنيا،

    فلا أجد مواسيًا لهمومي

    سوى الوحوش،

    في الصرخة

    يفتح الصوت صورًا

    يحتمي فيها ألمي.

    مشتعلًا

    يا لاحتراق رغبة حبيبتي

    ويا لاحتراق الرغبة في ألمي.

    *كلارا خانيس، شاعرة إسبانية، كتبت في مجموعتها ” حجر النار ” عن الأسطورة العربية ( المجنون وليلى ).

    ** ترجمة: د. طلعت شاهين.

  • مقص ألماني يلمع تحت شمس كرصور – مروان علي

    مقص ألماني يلمع تحت شمس كرصور – مروان علي

    لَا أَحَدَ يَعْرِفُ مَنِ اشْتَرَى هَذَا الْـمِقَصَّ، تَقُولُ جَدَّتِي كُوجَرِي الَّتِي مَاتَتْ قَبْلَ سَنَتَيْنِ وَهِيَ فِي الْعِقْدِ التَّاسِعِ مِنْ عُمْرِهَا: — حِينَ تَزَوَّجْتُ جَدَّكَ إِبْرَاهِيمْ خَالِدْ عَلِي كَانَ هَذَا الْـمِقَصُّ مَوْجُودًا فِي خِزَانَةِ الْبَيْتِ. وَحِينَ احْتَرَقَ الْبَيْتُ الْقَدِيمُ.. احْتَرَقَ كُلُّ شَيْءٍ. وَنَحْنُ نَبْحَثُ بَيْنَ الرَّمَادِ وَجَدْنَا الْـمِقَصَّ. تَنَقَّلَ هَذَا الْـمِقَصُّ بَيْنَ أَصَابِعِ الْحَلَّاقِينَ فِي كَرْصُورْ، نِيفْ، كْيسْتِكْ، بِيرَا بَازَنْ، جَبَلْ الْغَزَالْ، سَهْ رَمْكَا، هَرَمْ رِشْ. كَانَ جَدُّكَ يَهْتَمُّ بِهِ مِثْلَ فَرْدٍ مِنَ الْعَائِلَةِ، يُنَظِّفُهُ بِالزَّيْتِ وَيَتْرُكُهُ قَلِيلًا تَحْتَ الشَّمْسِ، ثُمَّ يَلُفُّهُ بِقِطْعَةِ هِيزَارْ بَيْضَاءَ مِنْ مَالِ حَلَبْ.

    لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ رَائِحَةِ الْعَائِلَةِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي هَرَبَتْ مِنْ مَارْدِينْ إِلَى الْقَامِشْلِي لِأَسْبَاٍب سَنَعْرِفُهَا حِينَ نَكْبُرُ.

    مَاتَ جَدِّي إِبْرَاهِيمْ. مَاتَتْ جَدَّتِي. مَاتَ عَمِّي رَمْزَانْ. وَمَا زَالَ الْـمِقَصُّ الْأَلْـمَانِيُّ يَلْمَعُ تَحْتَ شَمْسِ كَرْصُورْ..

    ■ ■ ■

    بيَانُو

    فِي كَرْصُورْ

    فَكَّرْتُ طَوِيلًا

    فِي اقْتِنَاءِ بيَانُو

    كَيْ أَعْزِفَ ضَوْءَ الْقَمَرِ

    لِأُمِّي

    وَهْيَ تُمَشِّطُ شَعْرَ

    أُخْتِي الصَّغِيرَةِ..

    ■ ■ ■

    زِلْزَالٌ

    حَدَثَ زِلْزَالٌ جَمِيلٌ فِي شَوَارِعِ قَدُّورْ بِكْ.

    اِهْتَزَّت الْبُيُوتُ الطِّينِيَّةُ وَالشَّوَارِعُ وَالْأَشْجَارُ فِي الْحَدِيقَةِ الْعَامَّةَ وَمَدْرَسَةِ الْكَرَامَةِ وَتَسْجِيلَاتِ صَلَاحْ رَسُولْ وَكَرَاجِ الْحَسَكَةْ وَالْقِطَارَاتِ فَي مَحَطَّةِ الْعَنْتَرِيَّةْ وَصَوَامِعِ الْحُبُوبِ حَتَّى الطَّائِرَةِ الْوَحِيدَةِ فِي مَطَارِ الْـمَدِينَةِ الْبَعِيدَةِ.

    كُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِهَا.

    حَينِ رَكِبَتِ الدَّرَّاجَةَ الْهَوَائِيَّةَ وَارْتَفَعَتْ تَنُّورَتُهَا الصَّيْفِيَّةُ الرَّقِيقَةُالْـمُطَرَّزَةُ بِالْأَزْهَارِ وَالطُّيُورِ.. رُبَّمَا هِيَ مَارِلِينْ مُونْرُو، رُبَّمَا هِيَ شَمْسْ الْبَارُودِي، رُبَّمَا هِيَ هُولْيَا أُوفْشَارْ. كَانَتْ هِيَ الْـمَرَّةَ الْأُوْلَى الَّتِي نَرَى فِيهَا آلِهَةً إِغْرِيقِيَّةً فِي شَوَارِعِ قَدُّورْ بِكْ، كَانَتِ الْـمَرَّةَ الْأُوْلَى الَّتِي نَرَى فِيهَا امْرَأَةً مِنْ شَمْسٍ وَعِطْرٍ تَرْكَبُ دَرَّاجَةً هَوَائِيَّةً.

    وَفَجْأَةً، رَمَتْ دَرَّاجَتَهَا قُرْبَ شَجَرَةِ التُّوتِ وَدَخَلَتْ مِنَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ لِلْبَيْتِ. وَحِينَ رَكَضْنَا خَلْفَهَا لَمْ نَجِدْ شَيْئًا؛ لَا الْبَيْتَ، وَلَا شَجَرَةَ التُّوتِ، وَلَا الدَّرَّاجَةَ. لَمْ نَجِدْ سِوَى رَائِحَةِ امْرَأَةٍ جَمِيلَةٍ وَشَهِيَّةٍ سَنَظَلُّ نَبْحَثُ عَنْهَا كُلَّمَا ذَهَبْنَا، دُونَ جَدْوِى، إِلَى مَدِينَةٍ.

    ■ ■ ■

    وَيَرْكُضُ

    وَفِي هَذَا الصَّبَاحِ

    أَتَذَكَّرُ تِلْمِيذًا

    فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ سَنَةَ 1978

    يَحْمِلُ كِتَابَ الْقِرَاءَةِ

    وَيَرْكُضُ نَحْوَ الْـمَدْرَسَةِ

    لَكِنَّهُ لَمْ يَصِلْ حَتَّى الْآنَ..

    ■ ■ ■

    حِصَانُ جَدِّي

    حِينَ مَاتَ جَدِّي إِبْرَاهِيمْ كَانَتْ جَدَّتِي كُوجَرِي فِي الْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهَا، أَمْضَتْ عُمْرَهَا فِي تَرْبِيَةِ أَوْلَادِهَا.. رَمَضَانْ، عَلِي، مَقْبُولَةْ. وَقَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ إِلَى جِوَارِ رَبِّهَا قَالَتْ: — حُلْمِي الْوَحِيدُ أَنْ أَرَى بَنَاتَكَ.

    حِينَ نَعُودُ إِلَى الْقَامِشْلِي سَأَصْطَحِبُ مِينَا وَمِيرَا وَمِيرْيَامِ إِلَى شَوَارِعِ الْهِلَالِيَةْ، حَيْثُ كُنْتُ أَسِيرُ وَيَدِي فِي يَدِ جَدَّتِي كُوجَرِي وَهِيَ تُحَدِّثُنِي عَنْ مَارْدِينْ وَقُرَى الْأُومْرِيَّةْ، عَنْ حِصَانِ جَدِّي الَّذِي كَانَ يَعُودُ مَنْ لِجِيْ عَبْرَ الْأَسْلَاكِ الشَّائِكَةِ وَحُقُولِ الْأَلْغَامِ قَاطِعًا مِئَاتِ الْأَمْيَالِ إِلَى كَرْصُورْ.

    أَعْرِفُ الطَّرِيقَ جَيِّدًا مِثْلَ حِصَانِ جَدِّي، مِثْلَ أَحْلَامِ جَدَّتِي.

    ■ ■ ■

    خوْفٌ

    تَنْظُرُ أُمِّي خَلْفِي وَتَبْكِي، وَأَنَا أَسِيرُ وَلَا أَلْتَفِتُ إِلَيْهَا. يُشْعِلُ أَبِي سِيجَارَتَهُ، وَيَنْظُرُ خَلْفِي وَيَبْكِي، وَلَا أَلْتَفِتُ إِلَيْهِ. تَبْكِي أُخْتِي الصَّغِيرَةُ، وَلَا أَلْتَفِتُ إِلَيْهَا.

    لَمْ أَكُنْ جَبَانًا فِي حَيَاتِي، وَلَمْ أَكُنْ شُجَاعًا أَيْضًا. كُنْتُ أَخَافُ مِنَ الْوَحْدَةِ، كُنْتُ أَخَافُ مِنَ الْـمُدُنِ الْكَبِيرَةِ، كُنْتُ أَخَافُ مِنَ الْبُيُوتِ الْبَعِيدَةِ، كُنْتُ أَخَافُ مِنَ الْأَبْوَابِ الْـمُغْلَقَةِ، كُنْتُ أَخَافُ مِنَ الْأَشْجَارِ فِي الْخَرِيفِ، كُنْتُ أَخَافُ أَنْ تَتَوَقَّفَ الْأَرْضُ عَنِ الدَّوَرَانِ، وَأَظَلَّ وَحِيدًا وَغَرِيبًا هُنَا.

    مِثْلَ حَجَرٍ غَرِيبٍ.

    ■ ■ ■

    اَلْبِلَادُ الْـمُنْخَفِضَةُ

    أُحِبُّ هُولَنْدَا

    هَذِهِ الْبِلَادَ الْـمُنْخَفِضَةَ

    كَظَهْرِ كَبْشٍ كُرْدِيٍّ

    كُنْتُ أَسْتَلْقِي

    عَلَى رِمَالِ نوُرْدْفَايْكْ

    وَأَرَى سُورْيَا

    فِي قَبْضَةِ قَلْبِي

    ■ ■ ■

    كَانَتْ حَيَاتِي حَافِلَةً

    فِي هُولَنْدَا لَعِبْتُ التِّنِسْ فِي مُعَسْكَرِ اللُّجُوءِ مَعَ لَاجِئٍ أَفْغَانِيٍّ مِنْ فِرْقَةِ الْحِرَاسَةِ الْخَاصَّةِ بِالرَّفِيقِ الشَّهِيدِ نَجِيبْ اللهْ، وَيُعْتَقَدُ أَنَّهُ الْوَحِيدُ الَّذِي أَفْلَتَ مِنْ قَبْضَةِ طَالِبَانْ؛ وَلَعِبْتُ الْغُولْفْ مَعَ ثَرِيٍّ هُولَنْدِيِّ تَعَرَّفْتُ عَلَيْهِ بِالصُّدْفَةِ فِي حَانَةٍ إِسْبَانِيَّةِ بِأَمْسْتِرْدَامْ.

    وَمَارَسْتُ رُكُوبَ الْخَيِلِ فِي لَاهَايْ بِصُحْبَةِ أَمِيرٍ عَرَبِيٍّ، رَأَيْتُهُ يُدَخِّنُ النَّرْجِيلَةَ عَلَى الشَّاطَئِ وَيَسْتَمِعُ إِلَى أُمِّ كُلْثُومْ، وَكَانَ يَمْلِكُ إِسْطَبْلًا كَبِيرًا فِي أَطْرَافِ الْـمَدِينَةِ.

    وَفِي هُولَانْدْ-كَازِينُو لَعِبْتُ الْبُوكَرْ لِلْمَرَّةِ الْأُوْلَى وَالْأَخِيرَةِ وَرَبِحْتُ خَمْسَةَ آلَافِ يُورُو وَغَادَرْتُ فَوْرًا رَغْمَ تَوَسُّلِ الصَّدِيقِ الْكُرْدِيِّ التُّرْكِيِّ أَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ هِيَ لَيْلَتِي، وَأَنَّ عَلَيَّ الْـمُوَاصَلَةَ..

    وَفِي جِبَالِ الْأَلْبِ تَزَلَّجْتُ عَلَى الثَّلْجِ، وَفِي دُبَيْ عَلَى الْجَلِيدِ صَيْفًا.

    كَانَتْ حَيَاتِي شَاحِنَةَ MAN تَعَطَّلَتْ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ مِنْ أَمْسْتِرْدَامْ إِلَى كَرْصُورْ..

    ■ ■ ■

    ذِكْرَى

    نُزُلٌ صَغِيرٌ فِي كُرْدِسْتَانْ

    مِنَ الْيَسَارِ

    اَلْأَبُ وَالْأُمُّ وَالْأُخْتُ

    أَبْحَثُ عَنِ الْابْنِ

    كَانَ في الصُّورَةِ

    قَبْلَ قَلِيلٍ

    وَغَادَرَ

    لِأَنَّ عَلَاقَتَهُ سَيِّئَةٌ

    بِالذِّكْرَيَاتِ..

    ■ ■ ■

    سيرة ناقصة

    لَمْ نَحْلُمْ يَوْمًا بِرُكُوبِ الطَّائِرَاتِ، لِنَسْتَمْتِعَ بِرُؤْيَةِ الْأَرْضِ مِنَ السَّمَاءِ. وَلَمْ نُصَدِّقِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي تَقُولُ:

    اَلبْيُوتُ تُصْبِحُ صَغِيرَةً كَعُيُونِ الْعَصَافِيرِ.

    لَمْ نَحْلُمْ يَوْمًا بْرُكُوبِ الطَّائِرَاتِ

    نَنْتَظِرُ أَنْ تَنْبُتَ لَنَا أَجْنِحَة، لِنَطِيرَ فَوْقَ الْبِلَادِ

    نَتَأَمَّلَ بُيُوتَنَا وَنَتَأَكَّدَ مِنْ زُرْقَةِ السَّمَاءِ..

    * * *

    تَأَخَّرْنَا كَثِيرًا

    لِذَلِكَ لَمْ تَنْتَبِهِ الْحَيَاةُ

    لِمُرُورِنَا

    تَرَكْنَا خَلْفَنَا

    كُلَّ شَيْءٍ

    لَمْ تَكُنِ الْحَيَاةُ وَدِيعَةً

    وَلَمْ نَكُنْ وُحُوشًا

    نَسْتَطِيعُ أَنْ نُبَرِّرَ

    كُلَّ ذَلِكَ

    مُجَرَّدُ سُوءِ تَفَاهُمٍ..

    * * *

    إِنَّهَا أَشْجَارُنَا

    تُغَنِّي

    كَيْ تُبَدِّدَ قَلَقَ الْبُيُوتِ

    اَلْمَهْجُورَةِ

    * * *

    عَلَاقَتِي بِالرَّايَاتِ سَيِّئَةٌ جِدًّا

    لَا أُحِبُّ الاخْتِبَاءَ

    خَلْفَ أَيِّ شَيْءٍ

    أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ وَاضِحًا

    كَيْ يَرَانِي الْجَمِيعُ..

    * * *

    كَيْفَ وَصَلْنَا إِلَى هُنَا

    وَنَحْنُ لَا نَعْرِفُ مِنَ الطُّرُقِ

    غَيْرَ الطَّرِيقِ إِلَى الْبَيْتْ

    * شاعر سوري مقيم في ألمانيا، والقصيدة من مجموعته “الطريق إلى البيت” الصادرة حديثاً عن منشورات المتوسط.

  • الندم – ميجي روير

    الندم – ميجي روير

    يسألني شركائي دائما

    هل بلغت النشوة

    كما لو أنني –بشكل ما-

    أكون غائبة طول الوقت.

    ادعاء النشوة يذكرني باليوم الذي تظاهر فيه صديقي

    بشرب القهوة

    بينما ما كان في كوبه مجرد ماء ساخن.

    عندما انفصل أبواي نمت مع عدد من الرجال

    أكثر من المعتاد

    كأنني أعوض غياب أحدهم عن المنزل.

    أشرب الكثير من الخمر سلفًا

    حتى أشعر وكأن أناملهم أعواد غزل بنات

    بين فخذي

    بعد ما يننتهي الأمر، ينزلقون من حولي

    كقلوب مفتوحة

    دائمًا يسألون لو أنني سأكتب عنهم أشعارًا؟

    لو أن الجنس كان ممتعًا؟

    ربما.

    لا توجد طريقة سهلة أخبرهم بها

    أنني أكتب فقط

    عن اللحظات التي تعني لي شيئًا.

    .

    – ترجمة: ضي رحمي.

  • العيب الخلقي الذي منعني من الحب – ميجي روير

    العيب الخلقي الذي منعني من الحب – ميجي روير

    نذير إسماعيل

    في وقت فراغي، أبتكر طرقًا تجعل الآخرين يقعون في حب

    أشخاص سواي.

    إنه عمل شاق، بدوام كامل، من التاسعة حتى الخامسة يوميًا،

    لكنه أفضل من التعامل مع مشاعر غير مرغوب فيها.

    أثر الجراحة القيصرية على بطن أمي لا يزال ممتدًا

    عبر نصفها السفلي كهلال.

    أحيانًا أتساءل لو أن هذا هو سبب هجر أبي لها: لأنها جُرحت بالفعل

    قبل أن تسنح له فرصة فعل ذلك بنفسه!

    أراكمُ في بيتي أوراقًا بأرقام هواتف الرجال في أكوام،

    أحولها فيما بعد إلى رماد بولاعتي.

    الجيران كلهم يعتقدون أنني أستعد لعشاء ليلة الجمعة

    بوضع اللحوم فوق الشواية.

    لا يعرفون أن الرائحة مصدرها بعض حكايات

    حب من طرف وحيد.

    رسائلي للرجال المنبوذين دائمًا ما تنتهي

    بعبارة: لا تهاتفني مرة أخرى.

    ربما يرجع الأمر كله بشكل ما لطفولتي

    عندما ضرب ابن الجيران بمضربه عشًا للدبابير

    كما يضرب جرة مليئة بالهدايا والحلوى

    دافعًا بها نحوي، لتلسعني أكثر من مرة،

    فكبرت وأنا أقرن الحب بالأذى.

    لكن أيًا ما كان الأمر

    يقول معالجي النفسي

    إنني ربما بشكل ما كنت منقلبة رأسًا على عقب داخل الرحم،

    قبضتيّ الدقيقتين كانتا ترجفان

    مثل إبر البوصلة، حتى أشارت قدمي،

    عوضًا عن رأسي، إلى قلب أمي.

    هكذا، كبرت غير قادرة على الاستماع لنبضات أحدهم

    دون أن أرغب في ركلها لتصمت.

    .

    – ترجمة: ضي رحمي.

  • الفخ – نيكانور بارا

    الفخ – نيكانور بارا

    كنت في ذلك الوقت قد نأيت بنفسي بعيدًا عن الأمور التي يكتنفها الغموض الشديد

    مثلما يتجنب أصحاب المعدة المعتلّة الوجبات الدسمة

    فضلت البقاء في المنزل والتدبر في قضايا بعينها

    موليًا اهتمامي الأكبر لأمر انتشار العناكب

    وتحقيقًا لتلك الغاية كنت ألزم الحديقة يومًا بطوله

    ولا أظهر في الأماكن العامة إلا في وقت متأخر من الليل.

    أو، أحيانًا، كنت بتحدٍ،

    أرمق القمر بنظرة غاضبة،

    محاولًا الانعتاق من تلك الاختيارات المُرّة التي تتعلق كزوائد جلدية

    بأرواح البشر.

    حين كنت وحيدًا، كنت أفعل ما يحلو لي، أتحرك ذهابًا وإيابًا وأنا واع تمامًا بفعلي،

    أتمدد على خشب القبو،

    أحلم، أفكر في الأسباب والسبل، أحل المشكلات البسيطة الطارئة.

    كان هذا أيضًا الوقت الذي اختبرت فيه منهجي الحصيف في تفسير الأحلام،

    القائم على ممارسة العنف بحق الذات ثم تخيل حالتنا بعدها،

    مع استحضار الخبرات السابقة، والاستعانة بقوى من عوالم أخرى.

    بهذه الطريقة تمكنت من الحصول على معلومات لا تقدر بثمن

    فيما يخص المخاوف المتعلقة بوجودنا:

    الهجرة، الرغبات الجنسية، المعتقدات الدينية.

    لكن، جميع الاحتياطات لم تكن كافية،

    ولأسباب يصعب تحديدها،

    انزلقت من أعلى جرف حاد.

    وكبالون مثقوب، عجزت روحي عن التحليق،

    توقفت غريزة حفظ الذات عن العمل،

    حُرمت من انحيازي الأهم،

    سقطت، بلا حول أو قوة، في فخ الهاتف

    الذي يمتص كل ما حوله، مثل ثقب أسود.

    بيدين مرتجفتين طلبت الرقم الملعون

    الذي أردده الآن –تلقائيًا- أثناء نومي.

    الحماقة والطيش احتلا الثواني التالية،

    بينما أنا، مثل هيكل عظمي يقف أمام منضدة من الجحيم

    مغطاة بقماش أصفر سميك،

    منتظرًا الاستجابة من على الجانب الآخر للعالم،

    النصف الآخر لوجودي، سجين مسار كهربي.

    ضوضاء الهاتف المتقطعة

    تحفر داخلي كمثقاب طبيب الأسنان،

    تنغرز في روحي كإبر تصوبها السماء.

    حتى، عندما حانت اللحظة،

    أخذت في التعرق والارتجاف،

    انعقد لساني ووقف حائلًا بيني وبين المنتظرة

    على الطرف الآخر،

    مثل ستائر سوداء تفصل بيننا وبين الموتى.

    لم أرغب أبدًا في إجراء تلك المحادثات الحميمية

    بالطريقة ذاتها، التي تستفزني أنا شخصيًا،

    تضخم صوتي بفعل الإثارة والرغبة،

    مناداتي باسمي الأول بتلك النبرة الآسرة،

    أصابتني بانزعاج غامض،

    الاضطراب الذي تعمدت إخفاءه ومتابعة الحديث،

    أسلوبها السريع في السؤال والجواب الذي كان مجرد

    محاولة لكظم رغبتها المتأججة،

    هذا كله تسبب في شعوري بقدر من العبث..

    ثم أجبرت نفسي على الضحك.. وهكذا فقدت السيطرة على عقلي.

    تلك المحادثة السخيفة التافهة دامت لساعات،

    حتى ظهرت مديرة الفندق من خلف الحاجز الزجاجي

    لتنهي بفظاظة ملحمتنا الغبية.

    لكن تلك الكارثة لم تنته بأن

    أغلقت الهاتف،

    لأننا –كالعادة في مثل تلك الظروف- كنا قد اتفقنا

    على اللقاء في الغد في إحدى الحانات،

    أو على باب الكنيسة أتمنى لو نسيت اسمها.

    .

    – ترجمة: ضي رحمي

  • دوران – فرناندو بيسوا

    دوران – فرناندو بيسوا

     

    لكن الإقصاء الذي فرضته على نفسي من أهداف الحياة وحركاتها، والقطيعة التي حاولت تحقيقها في اتصالي بالأشياء قادتني بالضبط إلى ذلك الذي حاولتُ الفرار منه. أنا لم أرغب في الإحساس بالحياة، ولا في ملامسة الأشياء، عارفًا، بتجربة مزاجي إزاء عدوى العالم الخارجيّ، أنَّ الإحساس بالحياة كان دائمًا مؤلمًا بالنسبة إليّ. لكنني عند محاولتي تفادي ذلك الاتصال بالعالم، حكمتُ على نفسي بالعزلة، وبانعزالي، فاقمتُ من حساسيتي المفرطة. لو كان بالإمكان قطع الصلة بالكامل مع الأشياء لوافق ذلك تمامًا حساسيتي، لكن تلك القطيعة الكاملة لا يمكن تحقيقها… وهكذا، وبمفاقمتي لحساسيتي بواسطة العزلة، جعلت أقل الأحداث شأنًا تُحدث فِيَّ الأثر الذي تُحدثه الكوارث. لقد أخطأتُ السبيل المناسب للهروب. اخترتُ الهروب، بواسطة، لفٍّ غير مريح، صوب المكان نفسه الذي كنت فيه، مع تعب السفر ومع رعب الحياة هناك.
    لم أفكّر البتة في الانتحار باعتباره حلاً، لأنني أبغض الحياة بسبب عشقي لها. لقد صرفتُ وقتًا طويلاً في محاولة إقناع نفسي بهذا الخطأ المؤسف الذي أحيا فيه مع ذاتي نفسها. وباقتناعي به، ظللتُ متوعكًا بَرِمًا، وهو ما يحدث لي دائمًا عندما أقتنع بشيء، لأنّ الاقتناع هو دائمًا عندي، فقدانٌ لوهمٍ من الأوهام.
    لقد قتلتُ الإرادة بقسوة تشريحي لها. مَن سيُعيدني إلى طفولة ما قبل التشريح، بل حتى ما قبل الإرادة!
    في حدائق حلمي الميت، إغفاءة المستنقعات تحت الشمس العالية، حيث ضوضاء الحشرات المحتشدة في اللحظة، يُثقل عليّ العيش مثل ألمٍ فيزيقيّ ينبغي أن ينتهي.
    قصورٌ نائيةٌ جدًا، غاباتٌ منخطفة، الممرات الضيقة في البعيد، الظرافة الميتة للقواعد الحجرية للأبهات الميتة، الظرافة التعسة، بهرجةٌ ضائعة. أيتها الرغبة التي أهملتها. ليتني استطعتُ استرجاع المرارة التي بها حلمت بك!

  • لا أحد يعرف أين تذهب المحاولات – عبدالله حمدان الناصر

    لا أحد يعرف أين تذهب المحاولات – عبدالله حمدان الناصر

    ربما لم يلحظ الغيم تلك الأشياءَ العالقة به

    والحفلةُ أيضاً 

     لم تلحظ القفز اللانهائي للهباء الجريح

    لا الطاولات المنكسّة آخر الليل

    ولا حاويات الملابس المستعملة 

    لاحظتْ صمت ياقاتٍ بيضاء لم يحالفها الهديل

    لا أعمدة النور

    ولا كيابل الانترنت في البحر لاحظتْ 

    أشياءً عالقة

    كانت لديها نزعة الوصول

    إلى شيء

    أو إلى أحد

    أو إلى لا شيء ولا أحد

    تلك الأشياء العالقة في ثقب الله في بقع الزيت في المحيطات في شباك العناكب في الغابات في الخزائن في الأقبية في أصواف الخراف التي تعبر الأسلاك الشائكة على الحدود

    الأشياء الخفية العالقة في سياج الحياة وتخص أناساً لم يعد لهم عناوين

    الأشياء العالقة التي أسماها أصحابها في الماضي (محاولات)

    لا أحد يعرف أين تذهب المحاولات 

    بعد موت أصحابها المحاربين

     أو خلودهم إلى رقة الجدران

    المحاولات التي تخذل أصحابها في الأمتار الأخيرة من الورد

    الكائنات الناقصة المضرجة بالنرد والعرق والخوف والتراتيل والدمع والخدوش والانزلاقات وعيون الملائكة الضيقة أين ينتهي بها الخيط؟

    تلك العوالق التي ليس لها قوامٌ ودمٌ لتُرمى كالأجنة الناقصة في نفايات المشافي.. هل لها أجنحة لتعثر على استعارة أفضل من الأطفال ومجازٍ أفضل من الحياة؟

    تلك الكائنات التي لها صبر البغال الكابية على البحر في قرى المتوسط .. تُراها تتألم وحيدةً بعد موت سائسيها الأشقياء؟

    تلك السهام التي برينا بدموعنا ثم أطلقناها في فم الغابة، لكنها لم تقتل الليل ولم تعد لنا .. هل لا تزال جريحةً تحوم في الليل أم وجدتْ نفسها في جعبة أناسٍ آخرين يطلقونها أيضاً فلا تصيب ولا تعود ؟

    ماذا تفعل البغال السود بنفسها إن لم تجد أحداً 

    تصعد به الجبل

     أو تهبط به إلى البحر؟

    ماذا تفعل السفن الجميلة في عرض البحر

    حين يذهب الجميع للفردوس

     أو للجحيم؟

    كنت سأدعو كل المحاولات التي أصابها اليتم في المدن

      لتناول القهوة معي أو قضاء الليل

    لو كنت أعلم أين تعيش المحاولات الفاشلة

     بعد موت أصحابها المحاربين

     أو خلودهم إلى رقةالجدران

  • نافذة مبللة في شتاء 1972  – فخري رطروط

    نافذة مبللة في شتاء 1972 – فخري رطروط

    هذا الصباح

    للمرة الأولى

    تَعانقَ غصنا شجرتيْن

    على يمين ويسار باب بيتي.

    ***

    دائماً

    أخسر بفارق حياة

    أنتصر بفارق موت.

    ***

    أفواه مفتوحة لا أعرف ماذا تريد

    ألقّمها حجارة وقصائد وفحماً وأحذية قديمة

    تظل مفتوحة.

    ***

    ولدت وعلى رأسي سلة

    فيها رؤوس مقطوعة

    أطوف العالم أبحث عن أجسادها

    وجدتها جميعها

    بقي رأس في السلة طفت به العالم

    صرخ بي طفل مذعور:

    أنت بلا رأس.

    ***

    أفشل في دفن أشيائي الميتة

    أدفن أشيائي الثمينة بدلاً منها

    وسط الفوضى دفنت مرّة نفسي.

    ***

    في الكون:

    هواء وكلمات

    لم نكن نحتاج أكثر من هذا.

    ***

    هذا الهواء كثير ومجاني

    مع ذلك نتنفس بصعوبة.

    ***

    رفقة أشباح أقطع هذا العالم

    لا نشاهد إلا نجوماً تفتك ببعضها

    ونصفق لها.

    ***

    لا أعرف

    لا أدري

    ليس لدي فكرة

    لم أسمع

    لم أشاهد

    لم يستشيروني

    كلمات لا أعرف غيرها

    أرددها أمام نفس المحقق الغاضب

    منذ أربعين سنة

    يضرب الطاولة بيده ثم يلكمني ويعيدني إلى زنزانتي التي ولدت فيها.

    ***

    أحلم بعوالم لا يدوسها غيري

    كالعادة أراني آخر الواصلين.

    ***

    نافذة العالم الوحيدة

    تطل على الجحيم.

    ***

    لا تبحث عن جذور

    جذورنا في السماء

    هذه الأرض وطن الحطابين

    لا تصلح لإطلاق جذر.

    ***

    الموت ديك

    نحن حب منثور.

    ***

    أفْقُه مغلق

    مشكلته وجودية

    حلها الوحيد عدم الوجود

    لكنه لا يزال منسياً في زاوية العالم

    منذ أزل ونيّف يستجدي ساحراً لئيما ليخفيه في إحدى القبعات.

    ***

    قمري مستطيل الشكل وأسود

    يشبه قبري.

    ***

    ماذا خطر في بال آدم

    لما رأى الزرافة لأول مرة؟

    ***

    في الشعر أستطيع

    تحريك جبل

    ثقب السماء

    نتف ريش ملاك

    حشر البحر في زجاجة

    حشر عشرين مارداً في قمقم

    تجبير ساق نملة

    في الحياة العادية أحتاج لمعجزة للنهوض من سريري.

    ***

    المومياوات تنتصر على الزمن

    أرغب بتحنيط شاعر.

    ***

    محكوم بالإعدام

    آخر رغبة له كانت سماع قصيدة

    أحضروني عنوة لهذه الساحة

    قرأت له قصيدة عن جمال عينيك.

    ***

    خلق الرب الكون من كلمة واحدة

    وبالكلمات الكثيرة نحاول تدميره.

    ***

    كل ما نكتبه يندرج تحت بند الإدانة.

    ***

    الحنين إلى أشياء غامضة

    يفتك بك

    لو أنك تعرف إلى ماذا تحنُّ

    لو.

    ***

    غادرت السفينةُ العنبرَ

    لم يكن في الميناء أي مودِّعين

    ولا نوارس حمقاء ولا شعراء سفلة يرقبون المشهد و يتغزَّلون بجمال النوارس

    بصمت أبحرت السفينة بلا صفير

    على ظهرها رجل مقيد يأكل الزمن كبده ولا يحب النوارس

    لا يرغب برؤيته أحد

    وهو أيضاً متعب من وجوه البشر

    سبق أن صرَّح: بأن في كل وجه هناك جحيم ما، لم أصادف وجهاً يحمل الجنَّة بين تجاعيده .

    يساق إلى زنزانة

    في جزيرة لا يسكنها أحد

    سيُسجن خلف نافذةٍ لا يرى فيها إلا وجهه ولن يعرف الفصول إلا من تقلبات زجاج النافذة

    ويلٌ له حين سيستيقظ على زجاج نافذة مبلَّلةٍ

    ***

    الخريف

    شاعر

    مريض.

    ***

    إن أجبت على سؤالي

    سيكون لدينا سؤالان.

    ***

    مرّ من أمام محل بيع الكتب

    صفعه عنوان “الرقصة الزرقاء”

    ذلك سرّه

    وقد ذاع.

    ***

    حياتنا مغشوشة

    خمرتنا صافية

    حتى بريق وجهك زائل.

    ***

    من زئبقٍ خُلق هذا الوجود

    هذا العالم ولد معي وسيشيخ ويموت معي

    وأنتم كذلك

    ولد العالم وهرم ومات مليار المرات

    هذا يتعبه كثيراً

    عضلة العالم متعبة، دلِّكوها.

    ***

    زجاجة فودكا بين رهط شعراء

    مع الكأس الأول صرَّح الشاعر:

    شعري لا بأس به، لا أعتقد بأنه سيئ

    بعد الكأس الثاني صرخ نفس الشاعر:

    أنا أفضل شاعر في نيكاراغوا

    بعد الكأس الثالث صرخ:

    أنا أفضل شاعر في أميركا اللاتينية

    بعد الكأس الرابع صرخ:

    أنا أفضل من شعراء آسيا وإفريقيا

    قبل أن يُجهز على الزجاجة صاح بصوت عال: أنا أفضل شاعر في هذا العالم.

    ***

    طويلٌ هذا الليل

    مثقلٌ باليأس وألعاب الموت.

    ***

    الحياة

    أن تتدرَّب على أن تكون وحيداً

    وسط الحشود.

    ***

    أعيش في مدينة كلُّ منازلها بلا أبواب

    الناس يدخلون ويخرجون من النوافذ

    البيت الوحيد الذي له بابٌ، يسكنه شاعر

    يأتي السيَّاح لمشاهدة هذا الكائن وهو يخرج ويدخل من الباب

    يلتقطون له صوراً

    ويطلبون منه أن يوقع عليها.

    ***

    أسطو على قطارٍ ينقل زرافات وفيلة وقرود وسلاحف بحرية

    أعثر على شاعر مختبئٍ بينها وقد نبت من جبهته قرنٌ طويل

    يضع أصبعه على فمه

    ويومئ لي بالصمت.

    ***

    صور الشعراء الأموات ماذا تثير فيك؟

    – لا شيء، الشعراء لا يموتون.

    ***

    أمسح الغبار عن صورة باخرةٍ فأسمع صفيراً.

    أمسح الغبار عن صورة حصانٍ فيصهل

    أمسح الغبار عن صورة شاعرٍ ميتٍ فتورقُ أصابعي

    أمسح الغبار عن صورةِ عائلةٍ ميتةٍ

    فتبكي نافذةٌ ما

    أمسح الغبار عن صورةٍ قديمة لي

    فلا يظهر أي شيء.

    ***

    لا أريد الجبل

    ولا الغيمة التي فوقه

    ولا البحيرة في بطنه

    ولا صفَّ الأشجار الملتفِّ على البحيرة

    ولا حفنة الريح الضائعةِ التي تئنُّ فوق البُحيرة

    أريد ذلك الضفدع الذي يحرس البحيرة والجبل والريح والأشجار.

    ***

    – إلى نيتشه

    ليس في الأمر سوبرمان ولا إله ميت

    ولا خلود يلامسنا

    كل ما في الأمر إنسان يشبه فزَاعة طيور حمقاء في حقل تنهبُه طيورٌ سوداء

    سأُجرجرك من شاربك الكثيف لتشاهد المنظر أيها العجوز الخرف.

    ***

    المصابيح مهما كانت

    قديمةً، شاذَّةً، منبوذةً، مُترنِّحةً

    ثملةً، مكسورةً، خافتةً

    تضيء في هذا الليل الأعمى

    تشجَّع يا قلبي

    فكلُّ الأنوار التي تراها

    مريضة مثلك

    وهذه الملائكة معتمة قليلاً

    تشجع يا قلبي الأرمل

    في قاعك قطرات زيت.

    ***

    أنت تراكتور حرث حقولي

    للمرة الألف

    ولا برعم أخضر أطل

    أتعرفين:

    لقد نسيت رمي البذار في أرضي القاحلة للمرة الألف.

    ***

    أنا أرض محروثة

    لا أحد تذكَّر ورمى بذرة.

    ***

    زوجة توبخ زوجها الشاعر:

    أنت تعرف كم ثقبَ نملٍ في هذا العالم

    وتُنادي كلَّ نملة باسمها

    وتقود أربع مائة فيل أزرق بمهارة

    تُحلِّلُ مشاعر زرافة ولك القدرة على إجراء عملية تجميل لتقصير رقبتها

    وتعد حبات الفياغرا التي يتناولها الحمار

    وتعرف كيف تغازل غيمة شاردة

    لك القدرة على مراقبة عنكبوت لساعات

    وتحلل سيكولوجيَّة قملةٍ يتيمةٍ

    لكنك لن تعرف أبداً سيكولوجية أنثى

    ولا كيف تغازل امرأة

    أريد كائناً أرضياً ينتبه لجمالي البسيط قبل أن تختفي ملامحه

    أنا أكره الحب الصامت

    غادرتك للأبد غاضبة

    اكتفت قبل خروجها بالنفخ على مرآة حمامك

    منذها لم تستطع رؤية وجهك.

    ***

    في درس الجغرافيا

    فَرَدَ المعلمُ خارطة قديمة

    في الزوايا التالفة

    اختفت عشر بلدان صغيرة.

    ***

    أُشبه تيساً على منحدر

    يحك قرنيه بالريح ويحدق بالهاوية.

    ***

    لا شيء يدور خارج هذا المحور

    إنسان يحارب كتلة سوداء صماء.

    ***

    أسوأ الحروب ما يخاض ضد الذات

    الجانبان يتبعان سياسة الأرض المحروقة.

    ***

    ظلالي تحاول محوي.

    ***

    لا يهم ما يجري على هذه الأرض

    السهول لا تزال خضراء

    السماء بكامل زرقتها

    الغيوم تعبر بكل جرأة

    المهم أن تلوِّح بيدك

    للراحلين

    للقادمين الجدد

    للاأحد

    للغيوم

    للريح

    المهم أن تلوح بيدك

    تلك إشارة حياة.

    ***

    كن كالمطر يسقط على أي شيء

    على الجثث، على الأحياء، على البيوت

    على المتعبين، على المقابر، على الأنهار والبحيرات، على الصحراء

    لا أكرم من المطر.

    ***

    بعد أن أموت كيف سيجرؤ عقرب الساعات على التقدم؟

    ***

    في يوم 26/5/2014

    رأيت الكثير من الأشجار والغيوم والقليل من البشر

    يا للغبطة.

    ***

    أمس فجراً

    سرق اللصوص من الكاتدرائية

    تمثال المسيح الفضي.

    ***

    لا تكثر من الغوص في عمق الأشياء

    حدِّق بطلاء الجدار المتفتِّت.

    ***

    الطين يظلُّ معتماً

    هذا البريق في عينيك

    جاء من أعلى.

    ***

    لم يكن الشعر فُتات هذا العالم

    العالم فتات الشعر.

    ***

    لا تملأ ذاتك بالمعتقدات

    البالونات تطفو بسهولة.

    ***

    بنصف قلبٍ

    بنصف سيفٍ

    بنصف حلمٍ

    بنصف حبٍ

    بنصف إنسانٍ

    بنصف روحٍ

    بنصف نافذةٍ

    بنصف طريقٍ

    بنصف مصباحٍ

    بنصف قمرٍ

    بحذائين اثنين

    بجرعةٍ كاملة من الأسى

    يتقدَّم بكلِّ جرأةٍ في أقبية العالم.

    ***

    أنا بصلة

    أنت وردة

    هم رؤوس ملفوف

    أنزع وتنزعين وينزعون.

    ***

    من أرّخ لتلك المعارك الشرسة

    بين الأجساد وظلالها؟

    ***

    من الأعالي تبدو المدن كقطع عملة لا قيمة لها ملقاة وسط الرمال.

    ***

    بعدك

    أنا قطعة شطرنج صامتة

    مربَّعات فارغة

    ودماء.

    ***

    الشعراء مثيرون للسخرية

    كمرساة سفينة مهجورة على شاطئ منسي.

    ***

    أتأملك

    كما تتأمل سفينة خربة منسية على الشاطئ- بحرا بكامل زرقته.

    ***

    أمام طابور وجوه ممحوة الملامح

    طلبوا مني أن أضع لها ملامحاً

    بحثت في حقيبتي

    لم أجد أذناً ولا فماً ولا حتى نصف أنف

    صرخ بي الحارس:

    لن تخرج من هنا قبل أن تضع ملامحاً لهذه الوجوه

    ثم ابتلع المفتاح

    صحوت خائفاً

    أقف أمام المرآة

    يا للهول: أين ملامح وجهي.

    ***

    جريح بشظايا

    أصبت بها أثناء عبوري عالماً قديماً

    جئت إلى هذا العالم لأموت بهدوء.

    ***

    ذريَّتك معطوبة يا آدم

    أنت تعرف ما ينتج عن زواج الأخوة والأقارب.

    ***

    نادم أنك كنت مرة في حياتي

    ها أنا أجمع ما تبقى من ثيابك لحرقها

    كما يليق الانتقام من ميت.

    ***

    لست وحيداً

    معي كائنات كواكب قديمة محطمة

    نعرف بعضنا على هذه الأرض

    في رأس كل منا منارة تُضاء وقت يصبح هذا العالم مكاناً خطيراً.

    ***

    اشتريت خوذةً قديمةً مثقوبةً بطلقة

    ألبسها

    أحاول تخيُّل الحرب تدخل من ذلك الثقب

    أحاول تخيَّل الحياة تفر من نفس الثقب

    خطر لي أن أغرس في الثقب وردة

    لكنها فكرة حمقاء مبتذلة

    سأتركه فارغاً تصفر فيه الريح.

  • المجنون – كلارا خانيس

    المجنون – كلارا خانيس

    ١- الشاعر يعترف بصعوبة هدفه

    أيها الساقي، املأ الكأس،

    لأغني عن كامل السيرة

    التي حازت الشهرة:

    العذرية،

    رفض القيم،

    الخروج على العار،

    الاستسلام الكامل للعشق

    حتى الجنون،

    حتى الضياع

    في تيه صحراء نجد

    الممتدة بلا نهاية.

    ٢- ما قاله المجنون بعد أن أمضى الليل ساهرًا أمام بيت الحبيبة.

    أقبّل الأرض التي داستها أقدامك

    أقبل أثارك

    التي أتعرفها، ليلتي الجميلة.

    وحين يهتفون:” انظروا المجنون”،

    أصرخ أنا، وكما ينطلق

    يخترق صوتي السحر،

    ليصل إلى أحلامك،

    فصدى الظلال

    لم ينم في صدري،

    وعبثًا تحسس

    شفاه الظلام المبللة.

    ٣- ابتهال.

    انظري، أيتها الروح المبتهجة

    إلى مدينة الحب المقدس،

    المسي الحجر المتقد

    وادخلي النبيذ المعتق،

    وانعكاس الضوء الأبدي،

    في البحر المجهول

    فإن المادة تفنى

    حتى لا يبقى

    سوى الجنون.

    ٤- الرفيقات يحاولن التخفيف عن ليلى حين حَرَّم أبوها عليها الهوى.

    تأملي الرقص يا ليلى، يا رفيقة الصبا،

    استمعي إلى دقات الدف،

    نحيب الناي الحلو،

    وانتظرت لحظة انطلاق البخور

    الذي يأخذ هدجاتك في سحاباته،

    وحين تلمس يداك زهور الياسمين،

    تذكري الهوى، وانس الذكريات،

    فالنهر بين قدميك

    يفتح المساقي الخبيئة

    في حديقة الأزهار.

    ٥- عندما ينطلق المجنون إلى الصحراء.

    يحترق المجنون بالعشق

    فتسيل الصحراء بالينابيع.

    تبني أعشاشها على خصلاته

    وتتبعه الوحوش

    تحرس معبده لحمًا حيًّا

    وقلبه، حجر من نار.

    *كلارا خانيس، شاعرة أسبانية، كتبت في ديوانها ” حجر النار” عن الأسطورة العربية ( المجنون وليلى ).

    ** ترجمة: د. طلعت شاهين.

  • ماهر نصر – فراشة


    فراشة
    أمي لم تكن إلا فراشة .
    تحت إبْطِها ،
    حملتْ كل أسماء ِ إخوتي،
    وبهدوءٍ
    تنتفُ إسمي كشعرةٍ في جناحها،
    وبكفّها الذي غزلتْ به قماشَ جثتي
    تغلفُ إسمي بوشاحٍ أنيق.
    ربما حفظتْه في صندوقِ حزنها،ل
    أو بين أوراق عشبةٍ بريةٍ،
    نبتتْ من عظامِ أبي
    أمي تضحكُ كزهرةِ الصباح،
    كلما مرّ موتٌ بجوارها
    مشغولةٌ كانت
    بميراثنا من لوحاتِ أجنحتها.
    أمي لم تكن فراشة
    لكن
    كل الفراشات إختفت حول جثّتها
    واحترقت قصيدة .

  • مها دعاس – هذا الحزن حزين حزين

    أسند رأسي التائه على كتف الليل
    أراقب وشاية الفرح على منعطفات الغد
    هذا المذياع لا يأتي الا بموسيقا جنائزية
    أبتلع الأخبار من بعيد
    الكلمات حقل ألغام في حلقي
    لا شيء يغري بالحياة

    رأسي مزيج من صداع حاد و جثث تتزاحم بين تلافيف الذاكرة والقلب
    قلبي يتيم نائم منذ زمن بين الأشواك
    لم يحظ يوما بوردة
    الوقت غير مناسب لفيروزيات
    لا أريد الإستيقاظ

    هذا الحزن تكون في ليل على مهله حتى اكتمل نضجه
    أغلق كل أبواب الفرح خلفه على
    جرح قديم ،قديم
    لم لم يولد في الأمس على عجل
    عمره من عمر أول غصة
    في الخارج كل ما يلزم له ليتكاثر
    عناقيد العنب تتدلى رقابها بين ورود يبست بعيدة عن أغصانها المشنوقة
    أأقول ألفا ؟
    هذا لا يشبه العبث في نظريات الإنسانية
    منتهى الحقيقة
    كيف لنا أن نعدهم دمعة ،دمعة
    حبات القلب لا عدد لهم

    هذا الحزن عتيق
    اختبأ في مغارة الروح لكنه
    لم ينم كأهل الكهف ليستيقظ الآن
    لم أجده صدفة عالقا في قلب موجة عالية ذات بحر وموت
    سمكة عالقة في فم حوت منذ ألف عام
    رسالة مطوية في قلب زجاجة في قاع البحر

    قصيدة أضاعت أجنحتها
    لحن مات وهو يريد أن يزرع المجرة بالموسيقا
    كلمات تاهت عن نبعها و هي تختبىء في جيوبي
    حلم سنونوة عقيم بين نقيق الضفادع و غراب عملاق
    تموت العصافير الآن في أقفاصها
    وتفرد الخفافيش أجنحة الظلام
    ينطفىء الورد على انحناءة السياط
    يبكي الحلم في بتلاته
    يروي البنفسج آخر أوجاعه حول غيمة ثكلى
    تؤرخ للخلق من ثقب في الصخور و تكتب للعشب أسطورة مات تحت التعذيب

    هذا الحزن حزين حزين
    هذا الحزن حزين حزين

    كآذار غادره الربيع
    كفراشة أضاعت الضوء
    كسماء هجرها القمر
    كثورة مسروقة
    كعشق لم يكتمل
    كقلب محكوم بشظية
    كمدينة بلا ذاكرة
    كغياب لا يبدده الحضور
    كأنثى شرقية
    كأم الشهيد
    كلاجئة سورية
    كأنا بلا صديق
    كشجرة تتنفس بلا جذور
    كعش مقهور ترقد فيه
    عصفورة بلا فراخها …

  • ريم قمري – الحب

    ريم قمري – الحب


    الحب يشبه كثيرا محاولة الرقص في حقل ألغام ، آملين ان لا نخسر أرجلنا ، و لأننا عادة لا نعي هذا في البداية ، سرعان ما تبتر قلوبنا ونحن مازلنا سكارى بنشوة الرقص.

    اقفز من المركب سريعا ، حاذر بلل أطراف اصابع قدميك ، ، فتصاب بماء الحياة و تصبح نادما اسوة بالعاشقين ، و تموت غريبا ، و الغربة في الموت شقاء عظيم

    و انت ترتب ملابسك بعناية سيدة بيت ، تكوي قمصانك و جواربك النظيفة و تعيدها الى ثلاجة الدفئ الاسري ، تذكر ان الريح فقط هي
    من تصنع الاستثناء

    حين تشرق شمس الغد على طين القلوب العاشقة، سيكون طين قلبك قد صار صلصالا، و الشجر لا يغرس جذوره الا في الطين الصلب

    ستحدثهم عني بعد ان تحرق كل ما كتبته ، و ستعرف وقتها انه لا يطلب الغفران إلا الشجعان ، ستتدحرج الكلمات من صدرك ، تقفز مع الريح ، فوق الغمام ثم تغرق في النهر ، لاني سأكون قد اصبحت وقتها سمكة لكنك لن تصبح أبدا صيادا

    الحب هو ان تحج ، حافي القلب ، دامع العين و ان تغمض عينك قلا ،ترى سواي ، و ان بتروا قلبك كنت انا قلبك ، كنت جناحي و الحياة رقصتنا.

  • قراءة فى ديوان ما لم يقله الحلم لريم قمري

    قراءة فى ديوان ما لم يقله الحلم لريم قمري

    نحن صوت الناي
    يبكي أمه الشجرة
    ….
    و أنام على وجع
    بقية البياض
    هل يمكن للناي أن يوجع بياض الشجرة، أم هل يمكن للشاعرة أن توجع صوت الناي فتكون هي والآخر صوته أو أنينه رغيقا من كلمات تحرس أحلام غدها أو غدهما ، و أنا أتملى العناوين جميعها التي تنطلق من حلم
    الاهداء وليس البدايات فله وحده كتبت الشاعرة روحها ولم تكتب بروحها و هذا الحرف و هذه الباء بداية مشجعة للغوص في هاته الاحلام المؤجلة او المنقوصة او المتبوعة باحلام سرية لم يبح بها الناي ، فأحلام الاحتراق مشتعلة و متواصلة و قد عبرت عليها الشاعرة بتعابير متشابهة في المعنى و الأصل مثل : أحلام الحريق ، أحلام الاحتراق ، أحلام الاشتعال، أحلام الانصهار ،أحلام الجمر وهذه الأحلام التي نشم فيها و منها الرغبة والجنون و الذهاب في شطط الاشتهاء ذروته ترمي بنا إلى دخول عوالم الجسد السرية فنجد عناوين مثل : أحلام الشهوة ، أحلام الغواية ، أحلام الحنين ، أحلام الجسد ، أحلام العيون ، أحلام الشامة ، احلام الخلق ، احلام الشوق ، أحلام الالتحام ، أحلام أريدها ، أحلام سرية ، أحلام اخر الليل ، أحلام الأنفاس ، أحلام الولادة ، أحلام القلب ووسط كل ذلك نجد الشاعرة تكرر بعض التسميات مثل أحلام الالتحام و هذا دليل على أن هناك من المشاعر ما يأكل داخلها فتكرره للتّأكيد على رمزيته و مدلوله كما تتحدث الشاعرة بكلمات حارقة عن الفراق و البعاد و نجد للمسافة في أشعارها حيز كبير و لا ندري هل هذا البعد معنوي أم مادي و هذه الغربة النفسية هل هي وجودية أم حقيقية :
    لكنك تختفي
    يسقط الكلام بيننا
    وحيدة أبقى
    الفراشات ، الماء ، الخلق ، البدايات ، الطريق ، الثمالة تسحبنا الشاعرة معها حد الثمالة فنصير فراشات تضيء الكتابة و تحرق القصيدة بتيهها و توهانها ، فتبعث في أنفسنا قلق البحث فيما تريد الشاعرة ايصاله الينا أو ايصالنا اليه فنصمت حينا و نتأمل حينا آخر و نسرح في ليلها الحارق و الجارف فصير القصيدة :
    أنا انعكاس صورتك
    في مرآة قلبك
    المرأة التي تملك
    سرّ جسدك
    لا حضن لك الاي
    بحثت عني كثيرا
    لا امرأة تشبهني
    ما لا تملكه النساء
    روحك لي منذ الأزل.

    قراءة: فتحية الهاشمي

  • لا للرثاء – دوريان لو

    لا للرثاء – دوريان لو

    لا تأسفي على شيء
    لا على الروايات الثقيلة التي أنهيت قراءتها
    -فقط-
    لتعرفين من قتل الطباخ
    ولا الأفلام التافهة التي أسالت دموعك في الظلام
    رغم ذكاءك ودرايتك
    ولا الحبيب الذي تركته مرتجفًا في ساحة السيارات
    بالفندق، بعد أن لكمته حتى ألتصق بالباب،
    أو الآخر الذي تركك مرتدية فستانك وحذاءك الأحمرين
    حذاؤك، ذلك الذي يؤلم أصابعك،
    لاتندمي عليهما أيضًا.
    ولا الليالي التي دعوت فيها الله بأسمائه كلها
    ولعنت أمك
    وغرقتِ مثل كلب في كنبة غرفة المعيشة،
    تقضمين أظافرك
    وتسحقك الوحدة.

    كان مقدر لك استنشاق الليالي الدخانية
    أن تكسحي حلقات البصل العالقة بأرضية
    المطعم القذر
    أن ترتدي المعطف المهترأ
    ذي الأزرار السائبة والجيوب الممتلئة بأعواد
    الثقاب المحترقة
    لقد قطعت هذه الشوارع آلاف المرات
    وانتهى بك المطاف هنا.
    لا تأسفي على أي منها
    ولا يوم من تلك الأيام الضائعة التي
    أمضيتها بلا رغبة في تعلم شيء
    عندما كانت أضواء الملهى هي النجوم الوحيدة
    التي تؤمنين بها
    تحبينها لتفاهتها، ولكونها لاتنتظر من ينقذها.
    لقد قطعت مسافات بعيدة على ظهر كل خطيئة
    عدت بعيون متورمة وحزينة
    لكن هادئة كمنزل بعد إلقاء التلفاز
    من النافذة أعلى السلم
    مسالمة كفأس مكسور
    خالية من التوقعات
    اهدأي
    لا تزعجي نفسك بتذكر أيًا من ذلك الآن
    دعينا نتوقف هنا
    عند الزاوية أسفل اللافتة المضيئة
    لنراقب البشر بينما يمرون.

    .

  • النوم معًا – كاثرين مانسفيلد

    النوم معًا – كاثرين مانسفيلد

    حين نمنا معًا.. كم كنتَ متعبًا

    كم كانت دافئةً غرفتَنا..

    كم كان جميلاً ضوءُ المدفأة الزاحف

    على الحوائط والسقف والفراش الأبيض الرحيب!

    تحدثنا همسًا،

    مثلما يفعل الأطفال

    أنت وأنا

    كل منا للحظة يغفو، ثم ينتبه ويقول:”لا أشعر بالنعاس إطلاقًا، يا عزيزي” ..

    هل كان هذا منذ ألف عام؟

    استيقظتُ بين ذراعيك – كنتَ غارقًا في النوم-

    سمعتُ ضجَّة الخراف،

    بهدوءٍ تسللت من الفِراشِ نحو النافذة،

    بينما أنت نائم – رأيتهم يشقُّون طريقهم عبر الثلوج.

    بالخارج

    قطيعٌ من الأفكار المرتعدةِ البائسة

    بصحبة الخوفِ راعيهم

    حيث البرد،

    البردُ الذي تسلل إلى قلبي فأغشاه!

    منذُ ألفِ عامٍ.. أمِّ بالأمسِ،

    كنا معًا

    ملتصقين في الظلامِ، ونائمين؟

    كم كنتَ متعبًا..

    ***

    ترجمة: ضي رحمي.

  • شذرات للشاعر فخري رطروط

    شذرات للشاعر فخري رطروط

    أنا بقعة الهواء المحصورة في ميزان الماء.

    قال البحر للدموع:

    أنا أيضا مالح لكني سعيد.

    شجرتان تقاومان أمام مجمع يبنى منذ سنتين، حتى الآن كل شجرة فقدت نصف أغصانها.

    فقط بالموسيقى يستحضر اللاتينيون المسيح، كما لو كان قارع طبول.

    الموسيقى الصاخبة في الصالات الضيقة المزدحمة بالوحيدين، إنها الطريقة الوحيدة للمس الأكتاف وقتل الوحدة.

    ينبع الأسى من ثقب خلف خزانة المطبخ.

    طوال اليوم يتغذى على القليل من الجبن المالح والغضب الذي لا طعم له.

    حين مات :

    الأرض أخذت الحذاء

    الريح أخذت القميص

    السماء استعادت قبعتها.

    هناك شعر يقرأ نهارا وآخر يقرأ ليلا

    ويل لك إن أخطأت.

    قدم في الوجود وأخرى في العدم

    يطالبك الحمقى بالتماسك.

    الكتابة عبارة عن نزع لفائف المومياوات.

    حين انتهى كبير الأطباء من تحنيط الفرعون الملك قال للعاملين معه:

    حسنا، يبدو الفرعون مثل غليون حشيش جاهز للتدخين.

    أحد ما عليه أن ينظر إلى الوراء ليوثق تدمير المدن حتى لو تحول إلى تمثال ملح

    وهذا عمل الشعراء.

    لكثرة ما بكى تحوّل إلى تمثال ملح

    ومع أول شتوة ذاب.

    الريح تنكح الأشجار

    السرو ينكح الريح

    العين بالعين.

    وضع رجال الجمارك أفرادهم على ثقوب النمل

    الجمهورية مفلسة.

    السعادة مدفأة في ثقب نملة.

    الشاعر المغرور يتبول شعرا.

    مخايط عسكرية تملأ شوارع مدينة الزرقاء.

    السماء أيضا بحر.

    الطيور أسماك السماء.

    أحب القصائد التي تشبه فم جرافة

    والشعراء الذين يشبهون سائقي المداحل.

    الشياطين تستخدم عطورا من ماركات مشهورة.

    في الليل

    للعالم رائحة ماخور.

    الحجارة الملساء المجلوبة من الشاطئ

    تباع بثمن بخس لتزيين الحدائق.

    نحسد الحيوانات لأنها لا تعرف الندم والموت.

    الساعة التي أهداها هارون الرشيد إلى شارلمان وجدوها في بيت جندي مارينز

    منقاعد.

    الغرينغوز لصوص متاحف ومطابخ.

    هل تتعاطف الملائكة معنا أم تحسدنا أم تكرهنا؟

    كيف تشتم الزهور بعضها؟

    متى سنفهم لغة الزهور؟

    لماذا يجبرون الزهور على الذهاب إلى المقابر؟!

    تبرق وترعد ولا تمطر

    الكثير من الرعد والقليل من البرق.

    يحدث هذا لأن جيوش الغيوم لا رغبة لها بالتصادم.

    آدم ينظر إلى الخلف ويرى سبعة مليار أحمق خلفه.

    يقول لحواء: يا للهول، أنا مرتبك، من أين جاء هؤلاء الحمقى؟ وماذا يريدون؟

    بسرعة أغلقي باب بستان التفاح، لا يوجد ما يكفيهم، هؤلاء أولاد غير شرعيين.

    وجدوا جثة آدم على باب السوق، تفاحات تدحرجتْ من كيس ورقي ملطخ بالدم،

    لو بعث آدم من جديد

    كم من البشرية سيحضرون جنازته؟

    الآلهة أصدرت حكمها على لوتريامون صاحب أناشيد مالدورورو:

    العيش في مجمع تجاري والعمل في جلي صحون في مطعم ماكدونالد.

    الله يريد أن يبرز فينا الجانب الملائكي

    الشيطان يريد أن يظهر فينا الجانب الحيواني

    بَدوْنا كضفادع في حصة التشريح.

    ماذا لو جلبنا إنسانا وملاكا وشيطانا ومزجناهم معا وأضفنا إليهم الزبدة وصلصة الخردل وزيت الزيتون، أي كائن سنحصل عليه؟

    الذباب

    يتغوط على تماثيل القديسين في المعابد.

    النملة العرجاء التي حاورها النبي سليمان

    وجدتها اليوم حول عنق زجاجة العسل،

    جبّرتُ قدمها وأخذتها في نزهة طويلة، لم ننطق بكلمة واحدة، في النهاية تركتها مع ترجمة غوغل، كانت سعيدة.

    عليك أن تختطف عقلك.

    الندم فيروس يعطب كمبيوتر العقل.

    ما هو غذاء العقل؟

    – قطن المخدات.

    لأننا لا شيء، أردنا الحصول على كل شيء.

    لدي عصفور ذكر، أحلبه وأوزع حليبه على عابري السبيل.

    إن الخراب ولد قبل الإنسان.

  • لم يعد لديّ ما أفعله – غسان زقطان

    لم يعد لديّ ما أفعله – غسان زقطان

    لم يعد لدي ما أفعله في هذه البلدة

    لم يعد لدي ما أقوله لأهلها

    أنا النجار الوحيد على مدى سبع قرى نبتت على ضفاف بحيرة مثل سبعة حقول من الفطر.

    صنعت ألعابا كثيرة لأولادهم وبناتهم، ومحاريث لحقولهم الفقيرة، ورفوفا متينة لمطابخ النساء.

    صنعت نايات من القصب الذي ينمو على اطراف السبخات الموحلة، وأعمدة لسقوف بيوتهم من جذوع الأشجار التي تقتلعها عواصف ديسمبر، وشبابيك لنوافذهم المنخفضة، وأسيجة لأحواشهم، ومقابض ملساء لفؤوس حطابيهم، وبروايز للصور القليلة الباهتة التي التقطها مصور جوال انقطعت أخباره…

    ما الذي لم افعله لهم!

    ها أنا أجلس منذ وصلت رياح الخريف أمام دكّاني في الساحة

    أنصت لصياح الحطابين الذي لا يهدأ في الحرش

    أفكّر بتنهد نساء، نسيت أسمائهن، ولكنني أتذكر أصواتهن وأميز بينها، اللواتي تمددن في عتمة الدكان قبل أن يواصلن صعودهن المبهج الى الحرش لإطعام أزواجهن.

    مرّ “النور” بدناديشهم في طريقهم الى الموانىء البعيدة ولم أذهب معهم

    مر تاجر الحرير وصبيانه الثلاثة ولم أذهب معه

    مرّ بائع التفاح وبغلته الكهلة ولم أذهب معه

    مرّت طيور “أبو سعد” ولم أتبعها

    مرّ الجنود في طريقهم الى “الحرب الجديدة” ولم اتبعهم

    مرّ جامعو الضرائب وجباة الحقول والصيد وساقوا الدجاج والقطعان والأولاد اليافعين الى “الحرب الجديدة” ولم أذهب معهم

    مرّ الحجاج الذاهبون الى “مكة” ولم أذهب معهم.

    منذ وصلت رياح الخريف وتساقطت أوراق الحور أجلس أمام دكاني في هذه الساحة المتربة أعد الأطفال وأناديهم بأسماء أمهاتهم.

    أنصت لجلبة قطافي الزيتون في السفوح وهمهمة الرجال العائدين من الجبال في الليل بغلال قليلة

    وأصغي لنحنحات المتوجهين الى صلاة الفجر وأصواتهم التي خشّنها النوم وشققتها الأحلام اليابسة.

    مرّ الحصادون في طريقهم الى حقول الآخرين في سهول الشمال ولم أذهب معهم

    مر الصيادون في طريقهم الى مواطن الغزلان ولم أذهب معهم

    مر البناؤون في طريقهم الى تلال الحجارين ولم أتبعهم

    مرت جنازة البنت التي قتلها شقيقها ولم أمش خلفها.

    منذ أن وصل ناجون من حرائق الغابات البعيدة وناموا في الساحة، قبل أن يسلّموا، بوجوههم التي غطاها السخام، وأغطيتهم التي تفوح منها رائحة اعشاب محروقة،

    وقلوبهم المفطورة أمام بوابات البيوت المغلقة، الأبواب التي صنعتها.

    سمعت بكاء امرأة منهم، ألناجين، اتكأت على الجدار تحت نافذتي وحرمتني من النوم وهي تنهنه طوال الليل.

    منذ تلك الليلة لم أنم، أجلس أمام دكاني اسمع البكاء ولا أرى المرأة.

    مرّ قاتل شقيقته ومغويها تتبعهما شقيقتها الخرساء التي رأت كل شيء ولم أسألها.

    عاد النور من الموانىء وقد دفنوا امرأة وصبيان وعرضوا في الساحة اساور وخرزا ملونا وقماشا زاهيا للعرائس

    عادت طيور أبو سعد من الجزر البعيدة تتبعها صغارها

    عاد الحجاج من “مكة” بلا خطايا، وخشخشت في خروجهم المسابح والخرز الملون ولمع السجاد على سروج خيولهم

    عاد الجنود من الحرب الجديدة دون غنائم

    عاد جامعو الضرائب والجباة دون الفتية والقطعان وكسروا ابواب البيوت وجمعوا البيض قبل ان يفقس

    عاد الحصادون من سهول الشمال الخصبة بحكايات وأغان لم أصدق معظمها

    مثل أن النساء، هناك، يتحسسن أجساد الفتية تحت الشمس ويضعن تعاويذ تسحبهم، الفتية، في الليل مسرنمين الى أسرتهن.

    أو أن الشعير، هناك، يغطي أعناق الخيل، ومبالغات كثيرة على هذا النحو.

    المرأة، من الناجين، وقلبها المفطور واصلا نسج بساط من الخذلان العميق على الأسيجة، ودمى الأطفال، ومقابض الفؤوس، والنايات، ورفوف المطابخ وبراويز الصور الباهتة.

    بأصابع مجرحة غطاها السخام كان البساط يزحف في الحارات الضيقة ويصل البيوت المنفردة على اطراف الطريق الوحيد الى الحرش، ويدق الأبواب المغلقة والشبابيك الموصدة وأسيجة الأحواش.

    الأبواب والشبابيك والأسيجة التي صنعتها بيدي هاتين.

    (لم يعد لديّ ما افعله/ من مجموعة جديدة ستصدر عن “الأهلية” قريبا)

  • الصبر – لانج لييف

    الصبر – لانج لييف

    Lokman Mohammed

    تواعد الصبر والحب على اللقاء

    عند الشجرة الثالثة والعشرين من أشجار الزيتون

    في الموعد المحدد

    وصل الصبر وانتظر

    كان ينظر في ساعته كل حين وآخر

    ولا أثر للحب.

    هل كانت الثالثة والعشرون أم السادسة والخمسون؟

    تساءل الصبر، وقرر أن يتأكد، تحسبًا لوجود خطأ ما

    وبينما يشق طريقه عابرًا الأشجار

    وصل الحب للشجرة الثالثة والعشرين

    حيث كان غياب الصبر واضحًا.

    انتظر الحب طويلًا

    قبل أن يقرر أنه ربما يقف في المكان الخطأ

    وربما هي شجرة أخرى

    تلك التي اختاراها لللقاء.

    في هذه الأثناء، وصل الصبر عند السادسة والخمسين

    والحب مختفيًا ما يزال.

    أخذ الاثنان يدوران حول البستان على غير هدى

    يقتربان، لكن لا يلتقيان أبدًا.

    في نهاية المطاف

    عاد الصبر ضائعًا يائسًا

    إلى حيث بدأ

    عند الشجرة الأولى

    لم يلبث أن يقف لدقيقة

    حتى شعر بمن يربت على كتفه،

    الحب.

    ………………..

    “أين كنت؟” سأله الصبر

    “كنت أبحث عنك طيلة حياتي”.

    قال الحب:

    “توقف عن البحث لأجدك”.

    .

    * ترجمة: ضي رحمي.

  • في طفولتي – لطيفة أدهو

    Lokman mohamed

    في طفولتي
    لم يكن لدي وقت للعب

    كان علي فعل أشياء كثيرة

    لدميتي الصغيرة

    أفكر في مشروع سوق للخردة

    عندي ركام كبير

    من أنصاف حلول

    غير مستعملة

    خوفا من أن تطبق عليه ضفتاه
    يجري النهر هاربا

    ولا يلتفت

    فيما الضفتان مكانيهما

    عالقتان بجسر

    ليس قصفا على المقبرة

    فقط قتلى الحرب

    يتذكرون

    كيف ماتوا

    يوما ما

    ستلحق بنا الطرق

    سترمينا بآثار أحذيتنا

    ثم تصرخ في وجوهنا

    تبا لكم جميعا

    أيها الوصوليون

    أبي

    إشتقتك بحجم العالم الكبير

    الكبير جدا

    بين ذراعين مفتوحتين

    لطفلة

  • محمد مختار – كائن برمائي

    الطُحلب “ال” طُحلبٌ غنيٌّ عن التعريف , يحب الأكسجين لذا يتنفس الكثير منه , انبثق من امه الطبيعة على حافة نهر النيل , خرج من بطن الصخرة ليبحث عن شىء ما لا يدري ما هو بعد , يعرف “ال” كيف يعوم في النهر ويتذوق العذوبة , يعرف ايضاً كيف يتعايش مع الجفاف الكليّ في شهور وسنوات وألفيات الجفاف , عمره طويل مثل صبره وطعمه عشبيٌّ ومالحٌ للغاية , عندما لاحظ زيادة اللون الأخضر القادم من انابيب صرف مصنع قريب من مسكنه الآمن أخذ يفكر “لمَ لا اتبع ذلك اللون , إنه يشبهني كثيراً حتى ولو لم يكن يتحدث معي او يعرفي , حتى ولو لم يجىء ليسهر معي في الليالي القمرية فهو لازال يحب الماء والهواء مثلي” , هكذا اخذ يفكر “ال” كل يوم ولكنه لم يتحرك من مكانه غير عندما بدأت جرافات البلديّة بمهامها في نقل الصخور من ضاحية لضاحية كما جرت العادة , قرر الطحلب “ال” الشجاع اخيراً الذهاب إلى الأنابيب العملاقة اللامعة التي تطرد الكيماويات خضراء اللون للخارج .
    “ال” كائن برمائي منطقي , على الفور تعرف بذكائه الخارق ان الكيمياء الحية تختلف بالكلية عن الكيمياء غير الحية , قرر هنا تتبع مسار هذه الكيماويات الغامضة إلى منبعها , اخذ يغطس تحت الموج الهادىء ويصعد برأسه مغازلاً الرياح والطيور المشردة الفقيرة والصيادين الذين لا يكترثون له (حيث انهم لا يمكنهم حتى التعرف على ماهيته ولو رأوه) حتى دخل للمصنع عبر انبوب الصرف.
    أخذ “ال” يتفرس وجوه العاملين بالمصنع , هذا عامل متعب , وهذا موظف متعب اقل قليلا , اما هذا المدير الذي يعلو وجهه تكشيرة كوزمولوجية لا يبدو ودوداً مثل الآخرين , قرر ان يغمض “ال” عينيه ويقفز في اول زجاجة مياه يقابلها , الحظ يبدو له هو الحاكم الفعليّ للحياة لذا فينبغي له ان يمتلىء بالتفاؤل ويكون مقداماً كما اعتاد الترديد لنفسه دائماً.
    وصل “ال” لمنزل ما , كان امراً جيداً عندما اثار فزع زوجة ذلك الموظف “امين” عندما رأته وافرغت محتويات زجاجة المياه في حوض المطبخ , دائماً الأمهات والزوجات هكذا متوترات وعنيفات من دون سبب لذا فهو يحب عندما يثير هلع إحداهن من وقت لآخر , الهلع سيد وقت اللعب وسيد وقت الجدية ,او هكذا تعلم على الأقل منذ كان صغيراً.
    “أمين” هو موظف ليس بالماهر وليس ايضاً بالفاشل , حاز على جائزة الموظف المثالىّ حوالي 3 مرات طوال فترة عمله بالمصنع التي تستمر منذ ثلاثين عاماً متصلة , تنهد عندما ضاعت زجاجة المياه المعدنية في الحوض وقال “يا خسارة” ثم انهمك في شرب تعميرة شاى مع شطيرة جبن أبيض امام مباريات كرة قدم لباقي اليوم , كان هناك كائنين آخرين في المنزل غيرهما يبدو انهما في سن المراهقة او ما شابه.
    “ال” لا يحب المطابخ كثيراً , يرى فيهما إنهاكاً ما للروح كأن يسكنهما شبح او شىء مثل هذا , اخذ “ال” يزحف ويُحلِّق ويتشقلب ويسير ويركض ويعوم حتى وصل لبالوعة البانيو , هذا هو المكان المثاليّ له , يمكنه مراقبة كل محيطه جيداً كما يمكنه الاستمتاع بالإستحمام مع كل من يستحم, في احد المساءات الرومانتيكية صاح فجأة “ال” : “اللعنة !!! ما هذا السائل الأبييض اللزج الذي ينزلق ناحيتي” ولكنه لا يلبث إلا ان يحمد الرب فقد كان ذلك فقط بعضاً من الشامبو .
    “ال” لم يعتبر ابداً اي غرابة طوال حياته , إعتاد التأقلم مع كل شىء , يشعر دائماً انه الإبن المفضل للطبيعة والمُسيطر عليها , بدأ معها وسيرثها كلها في نهاية الأمر وحتى يحين ذلك فليستمتع ببخار الماء الدافىء وبعضاً من النكات البذيئة ودخان السجائر والإنتظار الصبور للتغيير الحتميّ الذي يأتي عادة بشكل عفويّ لا يحتاج اي تدخل منه , شقة “امين” وعائلته تقع في الدور السادس على اليمين , لذا يتطلب وصول المياء للصنابير موتوراً كهربياً , ولكثرة استعمال ازرار الفتح والغلق من افراد العائلة اضطر “امين” لان يأتي بحارس العقار (الذي يتقن اعمالاً متعددة) ليجعل الموتور يدور بشكل اوتوماتيكي كلما فتح احدهم صنبوراً , مع الوقت صار يعلق في بعض الأحيان وخاصة في الليل ويصدح صوتاً اوتوماتيكياً عميقاً وبعيداً في بئر السلم يصل لمسامع “ال” رخيماً متضخماً تعلوه الأهمية ومن خلال هذا الميكانيزم الذي تطور مصادفة بحتة صار “ال” يعرف كيف يفرق بين الواقع والخيال وبخاصة اثناء الليل والكوابيس التي تنتابه فيه احياناً.
    يوماً ما في صيف حار اتت وحدة تدخل سريع من الصراصير عبر بالوعة حوض غسيل الأيدي التي نساها احدهم مفتوحة لسبب غير مفهوم, اخذوا ينظرون يميناً ويساراً قبل ان ينظروا ناحية “ال” الذي كان يغط في نومه داخل بالوعة حوض الإستحمام , يحرك احد تلك الصراصير شاربيه الطويلين الكثيّن الذين اطالهما كأنها إحدى موضات القرن التاسع عشر او ما شابه (ويبدو عليه آثار الفلسفة والوقار والضخامة قليلاً بالمقارنة بزملائه) تلتمع عيناه الخضراوتان وتبدوان في الظلام كشعلة ضئيلة الحجم لا تُرى بالعين المجردة ثم يهمس قائلاً “ارأيتم؟ اخبرتكم ان إتباع حمية غذائية نباتية هي افضل ما يُمكن إتباعه , لن نجوع ابداً بعد اليوم”