المدونة

  • لا للرثاء – دوريان لو

    لا للرثاء – دوريان لو

    لا تأسفي على شيء
    لا على الروايات الثقيلة التي أنهيت قراءتها
    -فقط-
    لتعرفين من قتل الطباخ
    ولا الأفلام التافهة التي أسالت دموعك في الظلام
    رغم ذكاءك ودرايتك
    ولا الحبيب الذي تركته مرتجفًا في ساحة السيارات
    بالفندق، بعد أن لكمته حتى ألتصق بالباب،
    أو الآخر الذي تركك مرتدية فستانك وحذاءك الأحمرين
    حذاؤك، ذلك الذي يؤلم أصابعك،
    لاتندمي عليهما أيضًا.
    ولا الليالي التي دعوت فيها الله بأسمائه كلها
    ولعنت أمك
    وغرقتِ مثل كلب في كنبة غرفة المعيشة،
    تقضمين أظافرك
    وتسحقك الوحدة.

    كان مقدر لك استنشاق الليالي الدخانية
    أن تكسحي حلقات البصل العالقة بأرضية
    المطعم القذر
    أن ترتدي المعطف المهترأ
    ذي الأزرار السائبة والجيوب الممتلئة بأعواد
    الثقاب المحترقة
    لقد قطعت هذه الشوارع آلاف المرات
    وانتهى بك المطاف هنا.
    لا تأسفي على أي منها
    ولا يوم من تلك الأيام الضائعة التي
    أمضيتها بلا رغبة في تعلم شيء
    عندما كانت أضواء الملهى هي النجوم الوحيدة
    التي تؤمنين بها
    تحبينها لتفاهتها، ولكونها لاتنتظر من ينقذها.
    لقد قطعت مسافات بعيدة على ظهر كل خطيئة
    عدت بعيون متورمة وحزينة
    لكن هادئة كمنزل بعد إلقاء التلفاز
    من النافذة أعلى السلم
    مسالمة كفأس مكسور
    خالية من التوقعات
    اهدأي
    لا تزعجي نفسك بتذكر أيًا من ذلك الآن
    دعينا نتوقف هنا
    عند الزاوية أسفل اللافتة المضيئة
    لنراقب البشر بينما يمرون.

    .

  • النوم معًا – كاثرين مانسفيلد

    النوم معًا – كاثرين مانسفيلد

    حين نمنا معًا.. كم كنتَ متعبًا

    كم كانت دافئةً غرفتَنا..

    كم كان جميلاً ضوءُ المدفأة الزاحف

    على الحوائط والسقف والفراش الأبيض الرحيب!

    تحدثنا همسًا،

    مثلما يفعل الأطفال

    أنت وأنا

    كل منا للحظة يغفو، ثم ينتبه ويقول:”لا أشعر بالنعاس إطلاقًا، يا عزيزي” ..

    هل كان هذا منذ ألف عام؟

    استيقظتُ بين ذراعيك – كنتَ غارقًا في النوم-

    سمعتُ ضجَّة الخراف،

    بهدوءٍ تسللت من الفِراشِ نحو النافذة،

    بينما أنت نائم – رأيتهم يشقُّون طريقهم عبر الثلوج.

    بالخارج

    قطيعٌ من الأفكار المرتعدةِ البائسة

    بصحبة الخوفِ راعيهم

    حيث البرد،

    البردُ الذي تسلل إلى قلبي فأغشاه!

    منذُ ألفِ عامٍ.. أمِّ بالأمسِ،

    كنا معًا

    ملتصقين في الظلامِ، ونائمين؟

    كم كنتَ متعبًا..

    ***

    ترجمة: ضي رحمي.

  • شذرات للشاعر فخري رطروط

    شذرات للشاعر فخري رطروط

    أنا بقعة الهواء المحصورة في ميزان الماء.

    قال البحر للدموع:

    أنا أيضا مالح لكني سعيد.

    شجرتان تقاومان أمام مجمع يبنى منذ سنتين، حتى الآن كل شجرة فقدت نصف أغصانها.

    فقط بالموسيقى يستحضر اللاتينيون المسيح، كما لو كان قارع طبول.

    الموسيقى الصاخبة في الصالات الضيقة المزدحمة بالوحيدين، إنها الطريقة الوحيدة للمس الأكتاف وقتل الوحدة.

    ينبع الأسى من ثقب خلف خزانة المطبخ.

    طوال اليوم يتغذى على القليل من الجبن المالح والغضب الذي لا طعم له.

    حين مات :

    الأرض أخذت الحذاء

    الريح أخذت القميص

    السماء استعادت قبعتها.

    هناك شعر يقرأ نهارا وآخر يقرأ ليلا

    ويل لك إن أخطأت.

    قدم في الوجود وأخرى في العدم

    يطالبك الحمقى بالتماسك.

    الكتابة عبارة عن نزع لفائف المومياوات.

    حين انتهى كبير الأطباء من تحنيط الفرعون الملك قال للعاملين معه:

    حسنا، يبدو الفرعون مثل غليون حشيش جاهز للتدخين.

    أحد ما عليه أن ينظر إلى الوراء ليوثق تدمير المدن حتى لو تحول إلى تمثال ملح

    وهذا عمل الشعراء.

    لكثرة ما بكى تحوّل إلى تمثال ملح

    ومع أول شتوة ذاب.

    الريح تنكح الأشجار

    السرو ينكح الريح

    العين بالعين.

    وضع رجال الجمارك أفرادهم على ثقوب النمل

    الجمهورية مفلسة.

    السعادة مدفأة في ثقب نملة.

    الشاعر المغرور يتبول شعرا.

    مخايط عسكرية تملأ شوارع مدينة الزرقاء.

    السماء أيضا بحر.

    الطيور أسماك السماء.

    أحب القصائد التي تشبه فم جرافة

    والشعراء الذين يشبهون سائقي المداحل.

    الشياطين تستخدم عطورا من ماركات مشهورة.

    في الليل

    للعالم رائحة ماخور.

    الحجارة الملساء المجلوبة من الشاطئ

    تباع بثمن بخس لتزيين الحدائق.

    نحسد الحيوانات لأنها لا تعرف الندم والموت.

    الساعة التي أهداها هارون الرشيد إلى شارلمان وجدوها في بيت جندي مارينز

    منقاعد.

    الغرينغوز لصوص متاحف ومطابخ.

    هل تتعاطف الملائكة معنا أم تحسدنا أم تكرهنا؟

    كيف تشتم الزهور بعضها؟

    متى سنفهم لغة الزهور؟

    لماذا يجبرون الزهور على الذهاب إلى المقابر؟!

    تبرق وترعد ولا تمطر

    الكثير من الرعد والقليل من البرق.

    يحدث هذا لأن جيوش الغيوم لا رغبة لها بالتصادم.

    آدم ينظر إلى الخلف ويرى سبعة مليار أحمق خلفه.

    يقول لحواء: يا للهول، أنا مرتبك، من أين جاء هؤلاء الحمقى؟ وماذا يريدون؟

    بسرعة أغلقي باب بستان التفاح، لا يوجد ما يكفيهم، هؤلاء أولاد غير شرعيين.

    وجدوا جثة آدم على باب السوق، تفاحات تدحرجتْ من كيس ورقي ملطخ بالدم،

    لو بعث آدم من جديد

    كم من البشرية سيحضرون جنازته؟

    الآلهة أصدرت حكمها على لوتريامون صاحب أناشيد مالدورورو:

    العيش في مجمع تجاري والعمل في جلي صحون في مطعم ماكدونالد.

    الله يريد أن يبرز فينا الجانب الملائكي

    الشيطان يريد أن يظهر فينا الجانب الحيواني

    بَدوْنا كضفادع في حصة التشريح.

    ماذا لو جلبنا إنسانا وملاكا وشيطانا ومزجناهم معا وأضفنا إليهم الزبدة وصلصة الخردل وزيت الزيتون، أي كائن سنحصل عليه؟

    الذباب

    يتغوط على تماثيل القديسين في المعابد.

    النملة العرجاء التي حاورها النبي سليمان

    وجدتها اليوم حول عنق زجاجة العسل،

    جبّرتُ قدمها وأخذتها في نزهة طويلة، لم ننطق بكلمة واحدة، في النهاية تركتها مع ترجمة غوغل، كانت سعيدة.

    عليك أن تختطف عقلك.

    الندم فيروس يعطب كمبيوتر العقل.

    ما هو غذاء العقل؟

    – قطن المخدات.

    لأننا لا شيء، أردنا الحصول على كل شيء.

    لدي عصفور ذكر، أحلبه وأوزع حليبه على عابري السبيل.

    إن الخراب ولد قبل الإنسان.

  • لم يعد لديّ ما أفعله – غسان زقطان

    لم يعد لديّ ما أفعله – غسان زقطان

    لم يعد لدي ما أفعله في هذه البلدة

    لم يعد لدي ما أقوله لأهلها

    أنا النجار الوحيد على مدى سبع قرى نبتت على ضفاف بحيرة مثل سبعة حقول من الفطر.

    صنعت ألعابا كثيرة لأولادهم وبناتهم، ومحاريث لحقولهم الفقيرة، ورفوفا متينة لمطابخ النساء.

    صنعت نايات من القصب الذي ينمو على اطراف السبخات الموحلة، وأعمدة لسقوف بيوتهم من جذوع الأشجار التي تقتلعها عواصف ديسمبر، وشبابيك لنوافذهم المنخفضة، وأسيجة لأحواشهم، ومقابض ملساء لفؤوس حطابيهم، وبروايز للصور القليلة الباهتة التي التقطها مصور جوال انقطعت أخباره…

    ما الذي لم افعله لهم!

    ها أنا أجلس منذ وصلت رياح الخريف أمام دكّاني في الساحة

    أنصت لصياح الحطابين الذي لا يهدأ في الحرش

    أفكّر بتنهد نساء، نسيت أسمائهن، ولكنني أتذكر أصواتهن وأميز بينها، اللواتي تمددن في عتمة الدكان قبل أن يواصلن صعودهن المبهج الى الحرش لإطعام أزواجهن.

    مرّ “النور” بدناديشهم في طريقهم الى الموانىء البعيدة ولم أذهب معهم

    مر تاجر الحرير وصبيانه الثلاثة ولم أذهب معه

    مرّ بائع التفاح وبغلته الكهلة ولم أذهب معه

    مرّت طيور “أبو سعد” ولم أتبعها

    مرّ الجنود في طريقهم الى “الحرب الجديدة” ولم اتبعهم

    مرّ جامعو الضرائب وجباة الحقول والصيد وساقوا الدجاج والقطعان والأولاد اليافعين الى “الحرب الجديدة” ولم أذهب معهم

    مرّ الحجاج الذاهبون الى “مكة” ولم أذهب معهم.

    منذ وصلت رياح الخريف وتساقطت أوراق الحور أجلس أمام دكاني في هذه الساحة المتربة أعد الأطفال وأناديهم بأسماء أمهاتهم.

    أنصت لجلبة قطافي الزيتون في السفوح وهمهمة الرجال العائدين من الجبال في الليل بغلال قليلة

    وأصغي لنحنحات المتوجهين الى صلاة الفجر وأصواتهم التي خشّنها النوم وشققتها الأحلام اليابسة.

    مرّ الحصادون في طريقهم الى حقول الآخرين في سهول الشمال ولم أذهب معهم

    مر الصيادون في طريقهم الى مواطن الغزلان ولم أذهب معهم

    مر البناؤون في طريقهم الى تلال الحجارين ولم أتبعهم

    مرت جنازة البنت التي قتلها شقيقها ولم أمش خلفها.

    منذ أن وصل ناجون من حرائق الغابات البعيدة وناموا في الساحة، قبل أن يسلّموا، بوجوههم التي غطاها السخام، وأغطيتهم التي تفوح منها رائحة اعشاب محروقة،

    وقلوبهم المفطورة أمام بوابات البيوت المغلقة، الأبواب التي صنعتها.

    سمعت بكاء امرأة منهم، ألناجين، اتكأت على الجدار تحت نافذتي وحرمتني من النوم وهي تنهنه طوال الليل.

    منذ تلك الليلة لم أنم، أجلس أمام دكاني اسمع البكاء ولا أرى المرأة.

    مرّ قاتل شقيقته ومغويها تتبعهما شقيقتها الخرساء التي رأت كل شيء ولم أسألها.

    عاد النور من الموانىء وقد دفنوا امرأة وصبيان وعرضوا في الساحة اساور وخرزا ملونا وقماشا زاهيا للعرائس

    عادت طيور أبو سعد من الجزر البعيدة تتبعها صغارها

    عاد الحجاج من “مكة” بلا خطايا، وخشخشت في خروجهم المسابح والخرز الملون ولمع السجاد على سروج خيولهم

    عاد الجنود من الحرب الجديدة دون غنائم

    عاد جامعو الضرائب والجباة دون الفتية والقطعان وكسروا ابواب البيوت وجمعوا البيض قبل ان يفقس

    عاد الحصادون من سهول الشمال الخصبة بحكايات وأغان لم أصدق معظمها

    مثل أن النساء، هناك، يتحسسن أجساد الفتية تحت الشمس ويضعن تعاويذ تسحبهم، الفتية، في الليل مسرنمين الى أسرتهن.

    أو أن الشعير، هناك، يغطي أعناق الخيل، ومبالغات كثيرة على هذا النحو.

    المرأة، من الناجين، وقلبها المفطور واصلا نسج بساط من الخذلان العميق على الأسيجة، ودمى الأطفال، ومقابض الفؤوس، والنايات، ورفوف المطابخ وبراويز الصور الباهتة.

    بأصابع مجرحة غطاها السخام كان البساط يزحف في الحارات الضيقة ويصل البيوت المنفردة على اطراف الطريق الوحيد الى الحرش، ويدق الأبواب المغلقة والشبابيك الموصدة وأسيجة الأحواش.

    الأبواب والشبابيك والأسيجة التي صنعتها بيدي هاتين.

    (لم يعد لديّ ما افعله/ من مجموعة جديدة ستصدر عن “الأهلية” قريبا)

  • الصبر – لانج لييف

    الصبر – لانج لييف

    Lokman Mohammed

    تواعد الصبر والحب على اللقاء

    عند الشجرة الثالثة والعشرين من أشجار الزيتون

    في الموعد المحدد

    وصل الصبر وانتظر

    كان ينظر في ساعته كل حين وآخر

    ولا أثر للحب.

    هل كانت الثالثة والعشرون أم السادسة والخمسون؟

    تساءل الصبر، وقرر أن يتأكد، تحسبًا لوجود خطأ ما

    وبينما يشق طريقه عابرًا الأشجار

    وصل الحب للشجرة الثالثة والعشرين

    حيث كان غياب الصبر واضحًا.

    انتظر الحب طويلًا

    قبل أن يقرر أنه ربما يقف في المكان الخطأ

    وربما هي شجرة أخرى

    تلك التي اختاراها لللقاء.

    في هذه الأثناء، وصل الصبر عند السادسة والخمسين

    والحب مختفيًا ما يزال.

    أخذ الاثنان يدوران حول البستان على غير هدى

    يقتربان، لكن لا يلتقيان أبدًا.

    في نهاية المطاف

    عاد الصبر ضائعًا يائسًا

    إلى حيث بدأ

    عند الشجرة الأولى

    لم يلبث أن يقف لدقيقة

    حتى شعر بمن يربت على كتفه،

    الحب.

    ………………..

    “أين كنت؟” سأله الصبر

    “كنت أبحث عنك طيلة حياتي”.

    قال الحب:

    “توقف عن البحث لأجدك”.

    .

    * ترجمة: ضي رحمي.

  • في طفولتي – لطيفة أدهو

    Lokman mohamed

    في طفولتي
    لم يكن لدي وقت للعب

    كان علي فعل أشياء كثيرة

    لدميتي الصغيرة

    أفكر في مشروع سوق للخردة

    عندي ركام كبير

    من أنصاف حلول

    غير مستعملة

    خوفا من أن تطبق عليه ضفتاه
    يجري النهر هاربا

    ولا يلتفت

    فيما الضفتان مكانيهما

    عالقتان بجسر

    ليس قصفا على المقبرة

    فقط قتلى الحرب

    يتذكرون

    كيف ماتوا

    يوما ما

    ستلحق بنا الطرق

    سترمينا بآثار أحذيتنا

    ثم تصرخ في وجوهنا

    تبا لكم جميعا

    أيها الوصوليون

    أبي

    إشتقتك بحجم العالم الكبير

    الكبير جدا

    بين ذراعين مفتوحتين

    لطفلة

  • محمد مختار – كائن برمائي

    الطُحلب “ال” طُحلبٌ غنيٌّ عن التعريف , يحب الأكسجين لذا يتنفس الكثير منه , انبثق من امه الطبيعة على حافة نهر النيل , خرج من بطن الصخرة ليبحث عن شىء ما لا يدري ما هو بعد , يعرف “ال” كيف يعوم في النهر ويتذوق العذوبة , يعرف ايضاً كيف يتعايش مع الجفاف الكليّ في شهور وسنوات وألفيات الجفاف , عمره طويل مثل صبره وطعمه عشبيٌّ ومالحٌ للغاية , عندما لاحظ زيادة اللون الأخضر القادم من انابيب صرف مصنع قريب من مسكنه الآمن أخذ يفكر “لمَ لا اتبع ذلك اللون , إنه يشبهني كثيراً حتى ولو لم يكن يتحدث معي او يعرفي , حتى ولو لم يجىء ليسهر معي في الليالي القمرية فهو لازال يحب الماء والهواء مثلي” , هكذا اخذ يفكر “ال” كل يوم ولكنه لم يتحرك من مكانه غير عندما بدأت جرافات البلديّة بمهامها في نقل الصخور من ضاحية لضاحية كما جرت العادة , قرر الطحلب “ال” الشجاع اخيراً الذهاب إلى الأنابيب العملاقة اللامعة التي تطرد الكيماويات خضراء اللون للخارج .
    “ال” كائن برمائي منطقي , على الفور تعرف بذكائه الخارق ان الكيمياء الحية تختلف بالكلية عن الكيمياء غير الحية , قرر هنا تتبع مسار هذه الكيماويات الغامضة إلى منبعها , اخذ يغطس تحت الموج الهادىء ويصعد برأسه مغازلاً الرياح والطيور المشردة الفقيرة والصيادين الذين لا يكترثون له (حيث انهم لا يمكنهم حتى التعرف على ماهيته ولو رأوه) حتى دخل للمصنع عبر انبوب الصرف.
    أخذ “ال” يتفرس وجوه العاملين بالمصنع , هذا عامل متعب , وهذا موظف متعب اقل قليلا , اما هذا المدير الذي يعلو وجهه تكشيرة كوزمولوجية لا يبدو ودوداً مثل الآخرين , قرر ان يغمض “ال” عينيه ويقفز في اول زجاجة مياه يقابلها , الحظ يبدو له هو الحاكم الفعليّ للحياة لذا فينبغي له ان يمتلىء بالتفاؤل ويكون مقداماً كما اعتاد الترديد لنفسه دائماً.
    وصل “ال” لمنزل ما , كان امراً جيداً عندما اثار فزع زوجة ذلك الموظف “امين” عندما رأته وافرغت محتويات زجاجة المياه في حوض المطبخ , دائماً الأمهات والزوجات هكذا متوترات وعنيفات من دون سبب لذا فهو يحب عندما يثير هلع إحداهن من وقت لآخر , الهلع سيد وقت اللعب وسيد وقت الجدية ,او هكذا تعلم على الأقل منذ كان صغيراً.
    “أمين” هو موظف ليس بالماهر وليس ايضاً بالفاشل , حاز على جائزة الموظف المثالىّ حوالي 3 مرات طوال فترة عمله بالمصنع التي تستمر منذ ثلاثين عاماً متصلة , تنهد عندما ضاعت زجاجة المياه المعدنية في الحوض وقال “يا خسارة” ثم انهمك في شرب تعميرة شاى مع شطيرة جبن أبيض امام مباريات كرة قدم لباقي اليوم , كان هناك كائنين آخرين في المنزل غيرهما يبدو انهما في سن المراهقة او ما شابه.
    “ال” لا يحب المطابخ كثيراً , يرى فيهما إنهاكاً ما للروح كأن يسكنهما شبح او شىء مثل هذا , اخذ “ال” يزحف ويُحلِّق ويتشقلب ويسير ويركض ويعوم حتى وصل لبالوعة البانيو , هذا هو المكان المثاليّ له , يمكنه مراقبة كل محيطه جيداً كما يمكنه الاستمتاع بالإستحمام مع كل من يستحم, في احد المساءات الرومانتيكية صاح فجأة “ال” : “اللعنة !!! ما هذا السائل الأبييض اللزج الذي ينزلق ناحيتي” ولكنه لا يلبث إلا ان يحمد الرب فقد كان ذلك فقط بعضاً من الشامبو .
    “ال” لم يعتبر ابداً اي غرابة طوال حياته , إعتاد التأقلم مع كل شىء , يشعر دائماً انه الإبن المفضل للطبيعة والمُسيطر عليها , بدأ معها وسيرثها كلها في نهاية الأمر وحتى يحين ذلك فليستمتع ببخار الماء الدافىء وبعضاً من النكات البذيئة ودخان السجائر والإنتظار الصبور للتغيير الحتميّ الذي يأتي عادة بشكل عفويّ لا يحتاج اي تدخل منه , شقة “امين” وعائلته تقع في الدور السادس على اليمين , لذا يتطلب وصول المياء للصنابير موتوراً كهربياً , ولكثرة استعمال ازرار الفتح والغلق من افراد العائلة اضطر “امين” لان يأتي بحارس العقار (الذي يتقن اعمالاً متعددة) ليجعل الموتور يدور بشكل اوتوماتيكي كلما فتح احدهم صنبوراً , مع الوقت صار يعلق في بعض الأحيان وخاصة في الليل ويصدح صوتاً اوتوماتيكياً عميقاً وبعيداً في بئر السلم يصل لمسامع “ال” رخيماً متضخماً تعلوه الأهمية ومن خلال هذا الميكانيزم الذي تطور مصادفة بحتة صار “ال” يعرف كيف يفرق بين الواقع والخيال وبخاصة اثناء الليل والكوابيس التي تنتابه فيه احياناً.
    يوماً ما في صيف حار اتت وحدة تدخل سريع من الصراصير عبر بالوعة حوض غسيل الأيدي التي نساها احدهم مفتوحة لسبب غير مفهوم, اخذوا ينظرون يميناً ويساراً قبل ان ينظروا ناحية “ال” الذي كان يغط في نومه داخل بالوعة حوض الإستحمام , يحرك احد تلك الصراصير شاربيه الطويلين الكثيّن الذين اطالهما كأنها إحدى موضات القرن التاسع عشر او ما شابه (ويبدو عليه آثار الفلسفة والوقار والضخامة قليلاً بالمقارنة بزملائه) تلتمع عيناه الخضراوتان وتبدوان في الظلام كشعلة ضئيلة الحجم لا تُرى بالعين المجردة ثم يهمس قائلاً “ارأيتم؟ اخبرتكم ان إتباع حمية غذائية نباتية هي افضل ما يُمكن إتباعه , لن نجوع ابداً بعد اليوم”

  • محمد مختار – إضاءة طبيعية


    يدخل للمطبخ ويضغط مفتاح النور , اللمبة محترقة منذ اسبوع (على قدر ما يتذكر) ولكنه يتصرف كأن ذلك ليس حقيقياً , كلما يدخل يضغط الزر , للأسفل , ثم يتحرك ليفعل كل ما يريد ان يفعله بالداخل , قبل ان يخرج مجدداً رافعاً الزر مرة أخرى للأعلى , بدا له مفتاح النور كأنه يضفي عليه قداسة ما حتي وإن كان كرهاً وليس طوعاً, لهذا بدأ يؤمن انه يري بالفعل بدلاً ان يكون الأمر كسلاً طبيعياً منه لشراء الإحتياجات المهمة لحياته ثم تحول لنكتة طويلة الأمد يضحك عليها وحده بغرض التسلي قبل ان تتحول النكتة بدورها لواقع يومي , الآن كان هو الضوء ذاته وبذاته , هكذا اخذ يتحدث كل ليلة قبل ان ينام , قرر ترك كل اللمبات للإحتراق , او هكذا ظن , لم يكن يكترث بمعرفة الفارق بين الغرف وما إذا كانت مضيئة او معتمة بما انه صار هو ذاته وبذاته مضيئاً دائماً , صار هو النور الكامل لكل غرف تلك الشقة الصغيرة.
    عندما إقترب إنقطاع الماء من إسبوعين تقريباً بدأت تتشكل بعقله فكرة جديدة , لقد أصبح معتاداً الآن على خلق تلك الأفكار , صار خالقاً محترفاً , وكانت الفكرة عبقرية لأبعد حد , تكرار ما فعله مع مسألة الإضاءة في موضوع إنقطاع الماء , أخذ كل الزجاجات الفارغة التي يملكها , وأغلبها بقايا زجاجات قديمة كان قد أحضرها للضيوف على أية حال , هؤلاء الضيوف الذين اتوا ورحلوا وبقيت له الزجاجات البلاستيكية فارغة حتي طرأت له تلك الفكرة العبقرية , وضعهم بالترتيب تحت الصنبور وفتحه , لم يكن مهماً إذا كان هناك ماء سينزل ام لا في تلك اللحظات , لقد شعر بسعادة غامرة حقيقية وأصلية للغاية لدرجة انها كادت تُغرقه.
    بعد مشاجرة معتادة فى العمل , ومع كل هذه التغييرات الهائلة بعد هذا الكشف الجلل في حياته الفردية كسيد خالق للقيمة بين السادة الخالقين للقيمة بعد ان كان عادياً بين العاديين إتخذ قراراً آنياً , صفع رئيسته في العمل (التي تصادف ان ارادها (إحم) زوجة له من قبل في بضعة أحلام يقظة من على حافة حوض إستحمامه !) وقدم إستقالته النهائية, في طريقه للخروج قال له عم “سيد” حارس الأمن الليليّ , (من أين ستأكل يا بنيّ) , لم يستطع الرد ولكن السؤال وحده كان كفيلاً بإضاءة الأمر مجدداً أمام عينيّه , سيفعل ما فعله بخصوص أمر النور وأمر إنقطاع الماء غير المعروفة أسبابه حتي الآن.
    مات , هكذا إستشف الأمر من كل هؤلاء المتشنجين حوله ومن كل هذا الصياح العالى لنساء متشابهات لحد مريب لم يراهن من قبل في حياته , او ربما كان يعرفهن (او يعرف إحداهن على الآقل) لكنه نسى الأمر , أراد ان يسأل كل هذا الجمع عما يريدون او ما الذي يفعلونه هنا بالضبط؟ ألا يمكنهم تمييز تلك الأهمية التي كان يمارسها قبل ان يقاطعوه بنواحهم هذا ؟ لكنه بما انه ميّت الآن رأى ان من الأجدر ان يُخرج من مؤخرة رأسه علامة تَعَجب بجانبها علامة إستفهام كالتي يمكن مشاهدتها في القصص المصورة او الكاركاتيرات الصحفيّة .
    ما الذي يمكن ان يفعله شخص ميت ؟ ليس الكثير بالتأكيد , كان الملل قاتلاً , ولكنه كان الآن منيعاً ضد ذلك الأمر , كان يود لو يعود للعمل ويغير كل اللمبات ويبدأ بشراء كارتونات الماء المعدنيّ او حتى سرقتها , كان يتمني لو يشترى الطعام مجدداً ويمضغ , يمضغ كل شىء , حتى ما هو غير قابل للمضغ , ماذا الآن إذاً؟ , فجأة إنبثقت برأسه فكرة عبقرية لأبعد حد !

  • سهير رجب الشرقاوي – مبنى الاذاعة

    سهير رجب الشرقاوي – مبنى الاذاعة


    كانت ترتدي صدرية ضيقة. حرارة الصيف تجعل من كل الأماكن ثقب لإبرة حياكة. حتي و إن كنت تقف في ساحة ميدان عام. “الثغرات التي تتملك القلب تبقي فارضة وضعها دوما في ساحته”. هكذا جاء في ذهنها عندما حاولت النزول من الدور السابع بأحد مباني وسط المدينة, السيدة مرفت _ الخياطة تحيك الملابس و هي تحيك القصص.
    خرجت مسرعة و اتجهت إلي مبني الإذاعة و التلفزيون, جلست عند أول مقعد واجهها ثم سألت “عم سيد” أن يعطيها زجاجة ماء باردة “باردة جدا يا عم سيد” هكذا أتي الصوت مذيلا الحوار. بدي المبني علي ضخامته كثقب أبرة أخري كالتي تمتلكها مدام مرفت, و الصخب في طابقه الأرضي جعل من الأمر السيئ بالفعل, أمر أسوء.
    رأت السيد صلاح_ رئيس أحد الأقسام _ متعجلا يمسك بشريطة سوداء تغلف “منتصف” بضعة أوراق. الحرارة تزداد رغم كل شيء و لا شيء يوقفها كما مرور الأيام لا حاجب و لا مانع. “احمد كامل” يمر في منتصف الصالة الرئيسية. يوجه نظره نحوها,_ تماما علي صدرها الصاعد و الهابط في عنفوان مغري _ و يلثم كوب الماء في يده و يمر مرار الكرام غير أنه ليس منهم.
    شاب ذو بشرة فاحمة يدخل من الباب الفرعي للمبني. عند موظفة الإستقبال يقف ليسألها في هدوء مٌوتر. “أستاذ عبد الجليل. بتاع المنتاج بتاع برنامج الساعة 11 موجود؟” تجيبه بإبتسامة مصطنعة. “الدور السابع يا فندم”. ينظر الشاب و كأنه سمع خبر وفاة شخص عزيز و إلي اﻷسانسير و يتوجه دونما كلمة.
    تحرر بضع زرائر من أزرار القميص الذي ترتديه و تنظر إلي أسفل قدميها فتجد قطعة حلوة لا تعلم لها من مصدر, متمركزة تماما فوق ظهر نملة عملاقة, تحارب العالم لتهرب بها, يزيدها المشهد ضيقا و تتخيل كما لو أنها تلك النملة و العالم كله الآن في هذا الجو القائظ فوق ظهرها.
    تفرغ من تخيلها هذا لتستعد للتوجه إلي مكتبها في غرفة الإعداد. الضيف اليوم طلب أن يقرأ الأسئلة كلها قبل البرنامج, و أن يؤشر سلبا أو إجابا عليها كذلك. ما يستدعي الحيرة أنهم ما من مرة حضر ضيف ما إلا و رفض سؤال تضعه علي الدوام في أوراق الإعداد خاصتها. “كم مرة نظرت إلي صدر إمرأة في نهار الصيف؟” عجيب جدا ألا يجيب أحدهم علي مثل هذا السؤال رغم بساطته!. مؤكد ستطرد يوما بسببه.
    دخلت إلي ثقب الإبرة الجديد _الأسانسير _ و منه إلي الحجرة فالمكتب, كانت “ريهام” جالسة تعدل من شعرها و ملبسها بعد شيء ما لا تعلمه, غير أن السيد “أحمد كامل” لم تنقضي لحظات علي رحيله للمرة غير المعدودة من غرفة الإعداد تلك. تمنت لو أنها تملك “دوش” و “بانيو” داخل غرفة المكتب, و بعض أردية النوم, كانت الحياة لتصبح أسهل.
    نادي المخرج بصوته الأجش المميزين هم به لتحضر ما كتبته. و كان السؤال يترأس القائمة كما المعتاد. سب الضيف الجميع عندما قرأ ما كُتب, و لكنه لم يرحل قبل أن يتقاضي أجره. و عندما ذهب كانت هي تتبعه حاملة كل أوراقها و أقلامها داخل حقيبة و صندوق.
    ولي مبني الإذاعة لها ظهره. وعندما إنقضت فترة بعد الظهيرة صعدت إلي مبني برج القاهرة و في طابقه السابع توقفت. ثم رمت بكل الأوراق التي يترأسها نفس السؤال, و حررت بضع أزرار أخري من القميص.

  • سعد ناجى علوان – تفصيل

    مازالت قدمي المبتورة
    اختا للارض
    تستمتع بدغدغة الجذور
    وصخب الأنابيب
    تنقل الماء لأصابعي
    لأ كتب القصائد
    وأعلقها على عكازتي
    راية للنهار .

  • سعد ناجى علوان – ولع


    انا الطاعن بالوله
    سأكسر سنيني
    على جدران الوقت
    وأعود جنينا
    لايكبر ثانية
    ولا يحب غيرك .

  • سعد ناجى علوان – زينة

    اقبل كل مفصل
    وكل التفاتة في روحك
    اقبل كل سنبلة تنمو في يديك
    اقبل ضحكاتك
    اقبل فرحك
    غضبك
    جنونك
    اقبل احلامك
    اقبل كل ثنية لجلدك
    اقبل كتفيك
    حيث يستقر راسي
    بعد التعب من القبلات
    اقبل اصابعك
    قبل الشاي وبعده
    اقبل عينيك
    وهي تتأمل شغفي بك
    اقبل بنفسجة انفك
    اقبل العرق الدافيء
    في جذور عنقك
    اقبل واقبل
    حتى يفر الحمام
    من بين يدي… ولا انتبه
    يكفيك ياسعد اما تتعب
    آه يارب
    كم من الوقت احتاج

  • تقرير عن انتحار صانع السروج – فخري رطروط

    تقرير عن انتحار صانع السروج – فخري رطروط

    – أمضى عمره يصنع سروجًا وألجمة

    – في حياته لم يملك ثمن حمار

    – كان يرفض أن يبيع سروجه

    – كانت تأسره قطعان الغيوم المندفعة

    – في ساعة الصفر امتطى كوكبة غيوم وطار من الشرفة.

    (كتيبة شياطين تحلم) مناجوا – 2007

    – تصفعه الأمطار، تلعب به الريح،

    ترنحه الشوارع، يصلبه القمر، تمتصه العيون الجميلة

    دع حلمك ينمو تحت الشمس بعيدا عن الغرف المغلقة

    الشرفات برسم الكسر.

    – مساء، تعلق كتيبة شياطين من أذنابها علي حبل رغباتك

    صباحا، تحلم بالمغفرة.

    – تحلم بسنابك حصان تدوسك

    نم أكثر كي تشاهد الحصان كاملا.

    – قرد يحلم أنه يطبخ رأس( داروين) علي نار هادئة.

    – نملة تحلم لو كانت نسرا لم يعرف عتمة الثقوب

    نسر يحلم لو كان نملة لم تعرف كم هو الأفق بارد وكئيب.

    – في حديقته الجوراسية نملة تحلم أنها ديناصور.

    – بيده عصفور، نام فحلم بسكين

    بيده سكين، نام فحلم بعصفور

    يده فارغة، نام فحلم بعصفور وسكين

    ريش مخدته ملطخ بالدم.

    – إنه القلق، والأمكنة تخونك، موتك لم يكتمل بعد، الباب نصف مغلق،

    تسلل خلف حلمك العاري.

    – خلفي تحرق الدرجات، أصعد وأصعد، تطقطق مفاصل السماء، في يدي مطرقة ذهبية، ومن شفتي تنساب قصيدة متوحشة.

    – المطرقة مجهولة

    المسمار يغوص في الجدار، ويحلم لوكان مسمارا مهترئا في لوح مركب.

    – البحر يحلم بشمس عظيمة تبخره مرة واحدة للأبد.

    – شمس صدئة مربوطة بسلاسل ذهبية

    في آخر كل سلسلة حالم أحمق

    الشمس تشد للأعلي، الحالم الأحمق يشد للأسفل

    لا السلسلة تنقطع، لا الشمس تهبط، لا الحالم الأحمق يعلو.

    – البحر لن يذكر النهر

    النهر سيظل يحلم بالبحر.

    – القمر،

    سأهديه في العيد كرة لأطفال الحارات المنسية

    – يخرج الأموات ليلا من قبورهم إلي أطراف المقبرة

    ينظرون إلي القمر المكتمل

    يحلمون بإذابة فضته لصنع آنية يبولون فيها.

    – انا الأعلي حلما كأني قميص على الحبل ترقصه الريح.

    – لا تمت الآن، ثمة زهور فذة قيد التفتح، ثمة مطر يغسل خطايا العالم

    سيتراقص الضوء في عتمتك لا تمت الآن.

    – لا تهدم جدارا واحدا

    حدق طويلا في السماء

    هذه الأقفال يجب أن تكسر

    أطلق النار، سيطير من عينيك سرب طيور.

    – الحلم يكبر وخريفك يقترب.

    – يا لرداءة الاحلام.

    في آخر حلم، رأي مهرجا يطارده بفأس

    وحدك من رأي الدمع المخبأ في عيني المهرج.

  • لا وقت يناسب الأهل (شذرات من صلوات رامبو) – ترجمة: عبدالله حمدان الناصر

    لا وقت يناسب الأهل (شذرات من صلوات رامبو) – ترجمة: عبدالله حمدان الناصر

    لسنا أسوياء بما يكفي لتعليق صورة الجد.

    لقد عمّدتنا القسوة . طاردنا الأسلاف كي نلبس نظارة الحنان. أرهقنا امتداح القمح وكسرتنا هشاشة المواليد. قضينا الأيام والأحلام ونحن ندخن أرواحنا  سراً في دورات المياه.

    الوقت متأخر جداً لنحبّ الرحيق.

    الوقت متأخر جداً  لنسقي الجذور المحروسة بالسيف وخوف السيد العظيم.

    الوقت متأخرٌ ولن يأتي وقت يناسب العائلة.

    لا نعرف أباً، نحن الذين ظللنا طويلاً نكتب، وظل الناس يهربون من ظلالنا الشائخة. ولدنا بسيقان طويلة في (غابات قزمة).

    لم نرد إيذاء أحد. لكننا كل مرة نفسد كل شيء.

    لم نكن نحسن إلا المشي. ومن كثرة المشي صارت لنا أكبادٌ قاسيةٌ وحظوظٌ ضامرة صالحةٌ للسفر.

    الوقت متأخر جداً لنحبّ.

    الشجرة أبداً  لن تفهم أن المشي هو الجذر ، والعائلة لن تفهم أن المشي هو الأهل.

    ***********

    مشيتُ في مدنٍ مضاءة بعيون الأمهات،  وهربت إلى السجن في سفن (سكرى) مضاءة بالدموع.

    أقمتُ وحيداً في فندق الكون. طفتُ بقهوة (هرر)  في موانيء البحر الأحمر والأبيض. نقلتُ رحيق الآلهة من جاوا ومخا. حمّصت حبوب البنّ فوق نار عَدَن. وتزنرتُ بالعملات الغارقة وعيون الغربان الهالكة في صحراء الصومال.

    أوصلتُ القهوة لبيوت القهوة في أوروبا. لكن لم تفتني القهوة بل سحرتني الخطوات. لم يصبغ عيني النبيذ بل بسمة النادل.

    مشيتُ طويلاً جداً حتى بردتْ وسط يدي كل فناجين القهوة. مشيتُ طويلاً حتى أنك لا تجد امرأةً كاملةً في أوراقي.

    مشيت ومن كثرة المشي  اصطدمت ركبتي بالإله.

    وحين حملتني السفينة الأخيرة

    وعدتُ بساقٍ واحدة للأهل.

    قالت الأم :(سعداءٌ هم الذين لا أولاد لهم).

    قالت الأخت: سأسهر عليه عسى أن يؤمن.

    قالت الجارة: فليدرك الرب من فاتته الصلوات.

    والطبيب قال بتواضع الأطباء حين يتورطون: الساعات بيد الله .

    أما الأصدقاء الصالحون فكانوا مشغولين ببناء منازلهم، ومصالحة زوجاتهم،

    لكن كلابهم نبحت، وغطاني نباحها جيداً قبل الموت.

    ***********

    القهوة هربٌ أسودٌ من كذبة الأهل.

    الشمال لا يُنبت البنّ. القهوة سرّة الجنوب والحزن.

    أما التبغ فهو غيمة ضائعة فوق جبال الآباء الذين أحبونا أقل من سمعتهم.

    الأوغاد، أولئك الذين لم يجربوا القطارات والسفن للهرب من الحب يروقهم وصف شاعرٍ ملعونٍ ب(البذرة الهرمة).

    هربتُ من الجحيم والشعر بحثاً عن البذور.

    تاجر بذور فاسدة أنا.

    فشلتْ محاولاتي في محبة الأشجار فلم أصبح شجرةً ولم ألفت نظر الماعز الجبلي. لكن الرعاة في عَدَن يحكون أن الله كريم. الله كريم يا أختي وشعر رأسي رمادٌ في الثلاثين.

    لقد هربتُ من رأس الحكمة.

    أنا بخور الله الذي احترق في جزرٍ بدائية بعيداً عن البيت. لكن : هل تفهم الملائكة يا إيزابيلا* معنى البيت؟

    هل يصيب عظامها الغرغرينا أو يدخلها البرد، وهل تجيد الملائكة تحميص القهوة يا إيزابيلا كما يفعل الأحباش؟ ما المقابل الذي ينبغي دفعه من أجل ريّ عينين بنفسجيتين؟ وهل الفراغ عملٌ صالح؟

    سأنجو إذا نجوت يوماً من عيون الأموات.

    لكن الشاعر يسافر العالم كله ، ثم يعود ليموت في مستشفى الولادة.

    ولدتُ رماداً بساق واحدة فما جدوى حرقي وأنا رماد، وما جدوى العيش بعد الممات في مقابر الأهل؟


    * إيزابيلا شقيقة الشاعر الفرنسي آرثر رامبو

    *نص: آرثر رامبو

    * ترجمة: عبدالله حمدان الناصر

  • الابنة المناضلة – ميجي روير

    الابنة المناضلة – ميجي روير

    الأب القادم من اليمن

    ساكن الطابق الأخير من بنايتنا

    كشف لنا أنه عندما شرع في تعليم ابنته

    -ذات الثلاث سنوات-

    الإنجليزية

    أسمى كل شيء في غرفتهما بصيغة مختلفة من

    كلمة: أحبك.

    فكانت تقترب من الغرباء

    تمسك أيديهم بين كفيها الصغيرين

    وتشير إلى أصابعهم وتسمي كلًا منها اسما:

    فهذا الفاتن وذاك المدهش والآخر المثير

    كذلك أسمت فرشاة أسنانها:

    أرجوك ابق معي للأبد.

    كان هذا دائمًا يذكرني بالزوجين اللذين

    عثر عليهما في بومبي

    عظامًا متحجرة وكومًا من رماد

    كل هيكل عظمي ملتف حول شريكه مثل

    أشجار الصفصاف

    حتى أن الأدوات المتطورة

    لعلماء الآثار والحفريات عجزت

    عن فصلهما.

    حين تعجز الكلمات كلها عن العمل

    اقترب من كل شيء وسمه “حب”

    حتى القبر.

    عندما رشقت الجموع الغاضبة نافذة الأب

    بحجارة كالرصاص

    مطالبينه بالعودة إلى حيث أتى

    أشارت ابنته نحوهم

    من بين قطع الزجاج المهشمة وقالت:

    أحبكم

    ولذا أسامحكم.

    ____________

    ميجي روير – الابنة المناضلة Daughter the Warrior By Meggie Royer

    ترجمة: ضي رحمي

  • من أجل أن تكتب سطرًا شعريًا واحدًا – راينر ماريا ريلكه

    من أجل أن تكتب سطرًا شعريًا واحدًا – راينر ماريا ريلكه

    من أجل أن تكتب سطرًا شعريًا واحدًا، ينبغي أن تكون شاهدت العديد من المدن، من البشر والكثير من الأشياء، ينبغي أن تتعرّف على الحيوانات، ينبغي أن تستشعر كيف تحلّق الطيور، تعرف تلك النّقلات التي تجترحها الزّهرات الصّغيرات وهنّ يتفتّحن عند الصّباح. ينبغي أن تتمكّن من التفكير مجدّدا بدروب في جهات مجهولة، بلقاءات غير متوقّعة، بمغادرات طالما رأيتها تقترب. بنهارات طفولة ما زال سرّها لم ينجل بعد، بوالدين ينبغي أن تكون نغصّت عليهما حين جلبا لك فرحة ما ولم تحسن فهمها ( حسبت الفرحة هُيّئت لشخص آخر )، بأمراض طفولة تُستهلّ، بغرابة شديدة، بكمّ من تحوّلات عميقة وجسيمة، بأيّام مضت في غرف هادئة وكتومة، بصباحات على مقربة من البحر، من البحر في ذاته، من البحار، بليال سفر اختلجت عاليًا وحلّقت مع كلّ النّجوم ــ و لا يكفي حتى أن تكون أحسنت التّفكير في كلّ هذا ــ ينبغي أن تكون احتفظت بذكريات ليال حبّ كثيرة، لا واحدة منها تشبه الأخرى، بصيحات نساء يصطرخن من الوضع، بنفساوات هشّات، شاحبات، غافيات انغلق جرحهنّ. ينبغي عليك أن تكون أيضا قد جاورت محتضرين، أن تكون ظللت جالسًا قرب موتى، في حجرة، مع نافذة مفتوحة وضوضاء تأتي متقطّعة. ولا يكفي حتى أن تكون لديك ذكريات. ينبغي أن تكون أحسنت نسيانها إذا ما كانت غزيرة. وينبغي أن يكون لك الصّبر البالغ لانتظار أن تعود من جديد،لأنّ الذكريات نفسها ليست هي هذه بعد، إنّها فقط حين تتحوّل فينا دمًا، نظرة، إيماءة، حينما لا يعود لها اسم، ولا تتميّز عنّا أبدا، عندئذ وحسب يمكن أن تأتي برهة نادرة للغاية، من قلبها، يمكن أن تنهض أوّلّ لفظة في سطر شعري.

    راينر ماريا ريلكه

    دفاتر مالطا… 1910 – ترجمة : إسماعيل أزيات

  • ثلاثة أسئلة – كاتلين سيال – ترجمة ضي رحمي

    ثلاثة أسئلة – كاتلين سيال – ترجمة ضي رحمي

    قالت أمي

    إن عليّ حين أقابل من يروقني

    أن أسأله أسئلة ثلاث:

    مم تخاف؟

    أتحب الكلاب؟

    ماذا تفعل عندما تمطر؟

    قابلتك يوم أحد

    مباشرة بعد الكنيسة

    نظرة واحدة وهوى قلبي

    في جوفي

    كمن يسقط من باب قبو.

    من بين تلك الأسئلة، قالت إن أولها أهمها على الإطلاق

    “يجب أن يخاف شيئًا ما، الجميع يفعل. لو أن لا شيء يخيفه، هذا يعني أنه لا يؤمن بأية شيء أيضًا.”

    في موعدنا الثاني

    سألتك عم يخيفك

    “العناكب، بشكل خاص، الوحدة، الأطفال الصغار، الذين تعلموا توًا

    كيف يدفعون بأقارنهم في الملعب، والخلاء، اللعنة، الخلاء”

    سألتك لو أنك تحب الكلاب

    “لدي ثلاثة “

    سألتك عم تفعله أثناء المطر

    “غالبًا أنام. أحيانًا أجلس بجوار النافذة أراقب تسابق حبات المطر.

    بنيت في الحديقة الخلفية مأوى من البلاستيك

    لأجل الحيوانات الضالة، أضع لها الطعام

    وأوفر لها مكانًا للمبيت.”

    ابتسمَ كما لو أنه يعرف

    كما لو أن أمه أخبرته بالأمر نفسه

    “وأنتِ؟”

    أنا؟

    أخاف كل شيء

    من ثقب الأوزون

    من المرأة خلف الباب المجاور

    تلك التي لم تبتسم لكلبها قط

    أخاف بشكل خاص من الأسرار

    التي لابد وأن الحكومة تخفيها عنا

    وراء ظهرها.

    أحب الكلاب كثيرًا

    أنام أثناء المطر

    أود أن أخبر كل من أحبهم أنني أحبهم

    أن أعثر على كل الحيوانات الضالة وآخذها للمنزل

    أريد أن أستيقظ وأنفي في شعرك

    أن أعد لك قهوتك

    أن أقبّل عنقك

    ولا أريد أن أسأل أحدًا آخر

    هذه الأسئلة

    مطلقًا.

    – ترجمة: ضي رحمي.

  • السنسكريتية – جاينتا ماهاباترا

    السنسكريتية – جاينتا ماهاباترا

    Adel Dauood

    ١- السنسكريتية

    أيقظها، إنها عقد من الأصوات

    يبدو أنها ذابت وتفتت

    مثل السمك الهلامي في البحار الاستوائية

    نزعت من نومها بيد مبطنة بالنبوآت.

    أصخ السمع

    عالمها الذكوري الكالح تمدد على الصفحة

    مثل صفوف من سوق الأشجار

    تتبخر في دخان الأزمنة،

    الأغصان مكسوة بطبقة زجاجية وميتة

    وكأنها تتشوق الاتصال بالسماء

    ولكنها فقدت الاتصال ببعضها

    ولم تجد نفسها تحمل معنى.

    ومع ذلك، فهبوطًا على السلالم إلى الماء في بنارس،

    حيث الجثث الميتة تبدو وكأنها تنمو حية،

    الرؤوس الشعثاء لأكمام الكلمات تتحرك إلى الأمام والخلف

    بين قرقعة المطر الشديد كالصنج

    وريشات الصيف الصامتة

    مدركة أن صمت مقاطعها الساحق

    لن تخطئه الآذان الآن،

    ويجب أن يبقى ذلك الدرب المقدس الغامض

    محروسًت بمجموعة من أشجار الأثاب الغريبة والمرتجفة

    لغة من القباقب على طريق موضوع بالحجارة،

    تلقي بسحرها الملتبس، وترتجف في أسى مستحيلة إلى ضباب.

    ٢- العيش في أوريسا

    شيء ما هنا، ربما روح قدرية.

    شيء يستحضر قرونًا من الهزيمة.

    أن تعيش هنا

    بين المرض والداء

    في ماض من طواطم لا تفهم

    ودماء الأسلاف المسفوكة

    يلبسها المرء مثل تعويذة

    اليوم تنزلق ظلالنا المعتمة

    على المقابر المهملة بقرب النهر

    بعضهم يواصل السير بين القبور

    عبر التراب النهم

    الذي ينتظر مثل دين قديم.

    بعضهم يواصل الرقص

    عند أبواب معابد غير عابئة

    حاملًا ألمًا في وجه بدون عيون

    وحدها الظلال تتحرك الآن،

    لها عيون أرواح مهزومة

    عيون عتيقة، عتيقة.

    ٣- قصيدة صيفية.

    فوق أنين الرياح الكئيبة

    ينشد الكهنة بصوت أعلى:

    فم الهند ينفتح.

    تتحرك التماسيح نحو المياه الأعمق.

    وأكوام الروث تتصاعد منها الأبخرة

    وقد سخنتها شمس الصباح.

    والزوجة الطيبة

    تتمدد على سريري

    خلال فترة ما بعد الظهر الطويلة،

    وهي ما زالت تحلم،

    غير مرهقة من العواء العميق

    لحريق الجنازة.

    * جاينتا ماهاباترا، ولد في كتاك في أوريسا وعاش فيها معظم حياته، يكتب الشعر بالانجليزية والأوريسية.

    ** ترجمة: د. شهاب غانم.

  • انظر إلى تلك الأغنام على الطريق – ن.ن. كاكاد

    نذير اسماعيل

    انظر إلى تلك الأغنام تسير ببطء
    على هذا الطريق الذي لا ينتهي
    وهي تحمل دمغة القصاب على أفخاذها
    وكأنها شعار النبالة
    وهي تدفع وتركل بعضها البعض
    وتتناكح أمام الأنظار
    وتحمل وتلد
    وتندفع في الغبار والجلبة
    ورغوة الجوع على أفواهها
    والشهوة تتلوى تحت خصورها
    وهي تحتشد وتدافع
    شخص يسوقها من الخلف بسوط
    الطريق أمامها خال، ولذلك تتحرك إلى الأمام
    إنها لا تشعر بنا
    ونحن لا نشعر بها
    ولكن هل ما زلنا نشعر بأنفسنا؟

    ترجمة: شهاب غانم.

  • إلى متى؟ – برونو ك. أوير

    إلى متى؟ – برونو ك. أوير

    منذ البدء اختبأت

    سرت أمام النهار

    تهاديت حد حافة النافذة

    نحو فضاءات حبلى

    ربما أحبك

    ربما لم أحبك

    لا أفكر في هكذا مسارات

    منذ زمن بعيد فهمت

    لماذا أن الإيمان بالشيء هو في الوقت ذاته

    مطاردته

    وتدنيسه ثانية.

    تهز الستارة خيوط ظل على جسدك

    بينما كنت تلفين سيجارة

    وتنفثين الدخان

    الذي رفعته أرواح شريرة

    مقايضة بروحك

    لا جنون في الإشارات التي تسكنني

    وتقول إنك تبدئين وتنتهين هنا

    وأن لا حرب أخرى تعنيني

    يمكنني الصحو خارج المدى

    يمكنني الانتظار حتى يسقط لمعان بارد رقيق.

    كم من الزمن مر بك

    مطوقة بأناس يعيشون على الإنكار وحسب

    مع الولادة اتضح أمامك سر حياتهم

    ولم تفكري بنقلها إلى آخر

    قيدهم نموهم مسوخًا

    قيّدهم أن يروا أنفسهم ضحايا

    لن يغفروا لك أبدًا

    أنك شكلت هذه العجلة من ما عطلوه

    وأهانوه

    وتوقف في ذواتهم.

    المصدر: أنطولوجيا الشعر السويدي

    ترجمة: إبراهيم عبدالملك / جاسم محمد