
يدخل للمطبخ ويضغط مفتاح النور , اللمبة محترقة منذ اسبوع (على قدر ما يتذكر) ولكنه يتصرف كأن ذلك ليس حقيقياً , كلما يدخل يضغط الزر , للأسفل , ثم يتحرك ليفعل كل ما يريد ان يفعله بالداخل , قبل ان يخرج مجدداً رافعاً الزر مرة أخرى للأعلى , بدا له مفتاح النور كأنه يضفي عليه قداسة ما حتي وإن كان كرهاً وليس طوعاً, لهذا بدأ يؤمن انه يري بالفعل بدلاً ان يكون الأمر كسلاً طبيعياً منه لشراء الإحتياجات المهمة لحياته ثم تحول لنكتة طويلة الأمد يضحك عليها وحده بغرض التسلي قبل ان تتحول النكتة بدورها لواقع يومي , الآن كان هو الضوء ذاته وبذاته , هكذا اخذ يتحدث كل ليلة قبل ان ينام , قرر ترك كل اللمبات للإحتراق , او هكذا ظن , لم يكن يكترث بمعرفة الفارق بين الغرف وما إذا كانت مضيئة او معتمة بما انه صار هو ذاته وبذاته مضيئاً دائماً , صار هو النور الكامل لكل غرف تلك الشقة الصغيرة.
عندما إقترب إنقطاع الماء من إسبوعين تقريباً بدأت تتشكل بعقله فكرة جديدة , لقد أصبح معتاداً الآن على خلق تلك الأفكار , صار خالقاً محترفاً , وكانت الفكرة عبقرية لأبعد حد , تكرار ما فعله مع مسألة الإضاءة في موضوع إنقطاع الماء , أخذ كل الزجاجات الفارغة التي يملكها , وأغلبها بقايا زجاجات قديمة كان قد أحضرها للضيوف على أية حال , هؤلاء الضيوف الذين اتوا ورحلوا وبقيت له الزجاجات البلاستيكية فارغة حتي طرأت له تلك الفكرة العبقرية , وضعهم بالترتيب تحت الصنبور وفتحه , لم يكن مهماً إذا كان هناك ماء سينزل ام لا في تلك اللحظات , لقد شعر بسعادة غامرة حقيقية وأصلية للغاية لدرجة انها كادت تُغرقه.
بعد مشاجرة معتادة فى العمل , ومع كل هذه التغييرات الهائلة بعد هذا الكشف الجلل في حياته الفردية كسيد خالق للقيمة بين السادة الخالقين للقيمة بعد ان كان عادياً بين العاديين إتخذ قراراً آنياً , صفع رئيسته في العمل (التي تصادف ان ارادها (إحم) زوجة له من قبل في بضعة أحلام يقظة من على حافة حوض إستحمامه !) وقدم إستقالته النهائية, في طريقه للخروج قال له عم “سيد” حارس الأمن الليليّ , (من أين ستأكل يا بنيّ) , لم يستطع الرد ولكن السؤال وحده كان كفيلاً بإضاءة الأمر مجدداً أمام عينيّه , سيفعل ما فعله بخصوص أمر النور وأمر إنقطاع الماء غير المعروفة أسبابه حتي الآن.
مات , هكذا إستشف الأمر من كل هؤلاء المتشنجين حوله ومن كل هذا الصياح العالى لنساء متشابهات لحد مريب لم يراهن من قبل في حياته , او ربما كان يعرفهن (او يعرف إحداهن على الآقل) لكنه نسى الأمر , أراد ان يسأل كل هذا الجمع عما يريدون او ما الذي يفعلونه هنا بالضبط؟ ألا يمكنهم تمييز تلك الأهمية التي كان يمارسها قبل ان يقاطعوه بنواحهم هذا ؟ لكنه بما انه ميّت الآن رأى ان من الأجدر ان يُخرج من مؤخرة رأسه علامة تَعَجب بجانبها علامة إستفهام كالتي يمكن مشاهدتها في القصص المصورة او الكاركاتيرات الصحفيّة .
ما الذي يمكن ان يفعله شخص ميت ؟ ليس الكثير بالتأكيد , كان الملل قاتلاً , ولكنه كان الآن منيعاً ضد ذلك الأمر , كان يود لو يعود للعمل ويغير كل اللمبات ويبدأ بشراء كارتونات الماء المعدنيّ او حتى سرقتها , كان يتمني لو يشترى الطعام مجدداً ويمضغ , يمضغ كل شىء , حتى ما هو غير قابل للمضغ , ماذا الآن إذاً؟ , فجأة إنبثقت برأسه فكرة عبقرية لأبعد حد !
المدونة
-
محمد مختار – إضاءة طبيعية
-

سهير رجب الشرقاوي – مبنى الاذاعة

كانت ترتدي صدرية ضيقة. حرارة الصيف تجعل من كل الأماكن ثقب لإبرة حياكة. حتي و إن كنت تقف في ساحة ميدان عام. “الثغرات التي تتملك القلب تبقي فارضة وضعها دوما في ساحته”. هكذا جاء في ذهنها عندما حاولت النزول من الدور السابع بأحد مباني وسط المدينة, السيدة مرفت _ الخياطة تحيك الملابس و هي تحيك القصص.
خرجت مسرعة و اتجهت إلي مبني الإذاعة و التلفزيون, جلست عند أول مقعد واجهها ثم سألت “عم سيد” أن يعطيها زجاجة ماء باردة “باردة جدا يا عم سيد” هكذا أتي الصوت مذيلا الحوار. بدي المبني علي ضخامته كثقب أبرة أخري كالتي تمتلكها مدام مرفت, و الصخب في طابقه الأرضي جعل من الأمر السيئ بالفعل, أمر أسوء.
رأت السيد صلاح_ رئيس أحد الأقسام _ متعجلا يمسك بشريطة سوداء تغلف “منتصف” بضعة أوراق. الحرارة تزداد رغم كل شيء و لا شيء يوقفها كما مرور الأيام لا حاجب و لا مانع. “احمد كامل” يمر في منتصف الصالة الرئيسية. يوجه نظره نحوها,_ تماما علي صدرها الصاعد و الهابط في عنفوان مغري _ و يلثم كوب الماء في يده و يمر مرار الكرام غير أنه ليس منهم.
شاب ذو بشرة فاحمة يدخل من الباب الفرعي للمبني. عند موظفة الإستقبال يقف ليسألها في هدوء مٌوتر. “أستاذ عبد الجليل. بتاع المنتاج بتاع برنامج الساعة 11 موجود؟” تجيبه بإبتسامة مصطنعة. “الدور السابع يا فندم”. ينظر الشاب و كأنه سمع خبر وفاة شخص عزيز و إلي اﻷسانسير و يتوجه دونما كلمة.
تحرر بضع زرائر من أزرار القميص الذي ترتديه و تنظر إلي أسفل قدميها فتجد قطعة حلوة لا تعلم لها من مصدر, متمركزة تماما فوق ظهر نملة عملاقة, تحارب العالم لتهرب بها, يزيدها المشهد ضيقا و تتخيل كما لو أنها تلك النملة و العالم كله الآن في هذا الجو القائظ فوق ظهرها.
تفرغ من تخيلها هذا لتستعد للتوجه إلي مكتبها في غرفة الإعداد. الضيف اليوم طلب أن يقرأ الأسئلة كلها قبل البرنامج, و أن يؤشر سلبا أو إجابا عليها كذلك. ما يستدعي الحيرة أنهم ما من مرة حضر ضيف ما إلا و رفض سؤال تضعه علي الدوام في أوراق الإعداد خاصتها. “كم مرة نظرت إلي صدر إمرأة في نهار الصيف؟” عجيب جدا ألا يجيب أحدهم علي مثل هذا السؤال رغم بساطته!. مؤكد ستطرد يوما بسببه.
دخلت إلي ثقب الإبرة الجديد _الأسانسير _ و منه إلي الحجرة فالمكتب, كانت “ريهام” جالسة تعدل من شعرها و ملبسها بعد شيء ما لا تعلمه, غير أن السيد “أحمد كامل” لم تنقضي لحظات علي رحيله للمرة غير المعدودة من غرفة الإعداد تلك. تمنت لو أنها تملك “دوش” و “بانيو” داخل غرفة المكتب, و بعض أردية النوم, كانت الحياة لتصبح أسهل.
نادي المخرج بصوته الأجش المميزين هم به لتحضر ما كتبته. و كان السؤال يترأس القائمة كما المعتاد. سب الضيف الجميع عندما قرأ ما كُتب, و لكنه لم يرحل قبل أن يتقاضي أجره. و عندما ذهب كانت هي تتبعه حاملة كل أوراقها و أقلامها داخل حقيبة و صندوق.
ولي مبني الإذاعة لها ظهره. وعندما إنقضت فترة بعد الظهيرة صعدت إلي مبني برج القاهرة و في طابقه السابع توقفت. ثم رمت بكل الأوراق التي يترأسها نفس السؤال, و حررت بضع أزرار أخري من القميص. -
سعد ناجى علوان – تفصيل
مازالت قدمي المبتورة
اختا للارض
تستمتع بدغدغة الجذور
وصخب الأنابيب
تنقل الماء لأصابعي
لأ كتب القصائد
وأعلقها على عكازتي
راية للنهار . -
سعد ناجى علوان – زينة
اقبل كل مفصل
وكل التفاتة في روحك
اقبل كل سنبلة تنمو في يديك
اقبل ضحكاتك
اقبل فرحك
غضبك
جنونك
اقبل احلامك
اقبل كل ثنية لجلدك
اقبل كتفيك
حيث يستقر راسي
بعد التعب من القبلات
اقبل اصابعك
قبل الشاي وبعده
اقبل عينيك
وهي تتأمل شغفي بك
اقبل بنفسجة انفك
اقبل العرق الدافيء
في جذور عنقك
اقبل واقبل
حتى يفر الحمام
من بين يدي… ولا انتبه
يكفيك ياسعد اما تتعب
آه يارب
كم من الوقت احتاج -

تقرير عن انتحار صانع السروج – فخري رطروط
– أمضى عمره يصنع سروجًا وألجمة
– في حياته لم يملك ثمن حمار
– كان يرفض أن يبيع سروجه
– كانت تأسره قطعان الغيوم المندفعة
– في ساعة الصفر امتطى كوكبة غيوم وطار من الشرفة.
■
(كتيبة شياطين تحلم) مناجوا – 2007
– تصفعه الأمطار، تلعب به الريح،
ترنحه الشوارع، يصلبه القمر، تمتصه العيون الجميلة
دع حلمك ينمو تحت الشمس بعيدا عن الغرف المغلقة
الشرفات برسم الكسر.
– مساء، تعلق كتيبة شياطين من أذنابها علي حبل رغباتك
صباحا، تحلم بالمغفرة.
– تحلم بسنابك حصان تدوسك
نم أكثر كي تشاهد الحصان كاملا.
– قرد يحلم أنه يطبخ رأس( داروين) علي نار هادئة.
– نملة تحلم لو كانت نسرا لم يعرف عتمة الثقوب
نسر يحلم لو كان نملة لم تعرف كم هو الأفق بارد وكئيب.
– في حديقته الجوراسية نملة تحلم أنها ديناصور.
– بيده عصفور، نام فحلم بسكين
بيده سكين، نام فحلم بعصفور
يده فارغة، نام فحلم بعصفور وسكين
ريش مخدته ملطخ بالدم.
– إنه القلق، والأمكنة تخونك، موتك لم يكتمل بعد، الباب نصف مغلق،
تسلل خلف حلمك العاري.
– خلفي تحرق الدرجات، أصعد وأصعد، تطقطق مفاصل السماء، في يدي مطرقة ذهبية، ومن شفتي تنساب قصيدة متوحشة.
– المطرقة مجهولة
المسمار يغوص في الجدار، ويحلم لوكان مسمارا مهترئا في لوح مركب.
– البحر يحلم بشمس عظيمة تبخره مرة واحدة للأبد.
– شمس صدئة مربوطة بسلاسل ذهبية
في آخر كل سلسلة حالم أحمق
الشمس تشد للأعلي، الحالم الأحمق يشد للأسفل
لا السلسلة تنقطع، لا الشمس تهبط، لا الحالم الأحمق يعلو.
– البحر لن يذكر النهر
النهر سيظل يحلم بالبحر.
– القمر،
سأهديه في العيد كرة لأطفال الحارات المنسية
– يخرج الأموات ليلا من قبورهم إلي أطراف المقبرة
ينظرون إلي القمر المكتمل
يحلمون بإذابة فضته لصنع آنية يبولون فيها.
– انا الأعلي حلما كأني قميص على الحبل ترقصه الريح.
– لا تمت الآن، ثمة زهور فذة قيد التفتح، ثمة مطر يغسل خطايا العالم
سيتراقص الضوء في عتمتك لا تمت الآن.
– لا تهدم جدارا واحدا
حدق طويلا في السماء
هذه الأقفال يجب أن تكسر
أطلق النار، سيطير من عينيك سرب طيور.
– الحلم يكبر وخريفك يقترب.
– يا لرداءة الاحلام.
في آخر حلم، رأي مهرجا يطارده بفأس
وحدك من رأي الدمع المخبأ في عيني المهرج.
-

لا وقت يناسب الأهل (شذرات من صلوات رامبو) – ترجمة: عبدالله حمدان الناصر
لسنا أسوياء بما يكفي لتعليق صورة الجد.
لقد عمّدتنا القسوة . طاردنا الأسلاف كي نلبس نظارة الحنان. أرهقنا امتداح القمح وكسرتنا هشاشة المواليد. قضينا الأيام والأحلام ونحن ندخن أرواحنا سراً في دورات المياه.
الوقت متأخر جداً لنحبّ الرحيق.
الوقت متأخر جداً لنسقي الجذور المحروسة بالسيف وخوف السيد العظيم.
الوقت متأخرٌ ولن يأتي وقت يناسب العائلة.
لا نعرف أباً، نحن الذين ظللنا طويلاً نكتب، وظل الناس يهربون من ظلالنا الشائخة. ولدنا بسيقان طويلة في (غابات قزمة).
لم نرد إيذاء أحد. لكننا كل مرة نفسد كل شيء.
لم نكن نحسن إلا المشي. ومن كثرة المشي صارت لنا أكبادٌ قاسيةٌ وحظوظٌ ضامرة صالحةٌ للسفر.
الوقت متأخر جداً لنحبّ.
الشجرة أبداً لن تفهم أن المشي هو الجذر ، والعائلة لن تفهم أن المشي هو الأهل.
***********
مشيتُ في مدنٍ مضاءة بعيون الأمهات، وهربت إلى السجن في سفن (سكرى) مضاءة بالدموع.
أقمتُ وحيداً في فندق الكون. طفتُ بقهوة (هرر) في موانيء البحر الأحمر والأبيض. نقلتُ رحيق الآلهة من جاوا ومخا. حمّصت حبوب البنّ فوق نار عَدَن. وتزنرتُ بالعملات الغارقة وعيون الغربان الهالكة في صحراء الصومال.
أوصلتُ القهوة لبيوت القهوة في أوروبا. لكن لم تفتني القهوة بل سحرتني الخطوات. لم يصبغ عيني النبيذ بل بسمة النادل.
مشيتُ طويلاً جداً حتى بردتْ وسط يدي كل فناجين القهوة. مشيتُ طويلاً حتى أنك لا تجد امرأةً كاملةً في أوراقي.
مشيت ومن كثرة المشي اصطدمت ركبتي بالإله.
وحين حملتني السفينة الأخيرة
وعدتُ بساقٍ واحدة للأهل.
قالت الأم :(سعداءٌ هم الذين لا أولاد لهم).
قالت الأخت: سأسهر عليه عسى أن يؤمن.
قالت الجارة: فليدرك الرب من فاتته الصلوات.
والطبيب قال بتواضع الأطباء حين يتورطون: الساعات بيد الله .
أما الأصدقاء الصالحون فكانوا مشغولين ببناء منازلهم، ومصالحة زوجاتهم،
لكن كلابهم نبحت، وغطاني نباحها جيداً قبل الموت.
***********
القهوة هربٌ أسودٌ من كذبة الأهل.
الشمال لا يُنبت البنّ. القهوة سرّة الجنوب والحزن.
أما التبغ فهو غيمة ضائعة فوق جبال الآباء الذين أحبونا أقل من سمعتهم.
الأوغاد، أولئك الذين لم يجربوا القطارات والسفن للهرب من الحب يروقهم وصف شاعرٍ ملعونٍ ب(البذرة الهرمة).
هربتُ من الجحيم والشعر بحثاً عن البذور.
تاجر بذور فاسدة أنا.
فشلتْ محاولاتي في محبة الأشجار فلم أصبح شجرةً ولم ألفت نظر الماعز الجبلي. لكن الرعاة في عَدَن يحكون أن الله كريم. الله كريم يا أختي وشعر رأسي رمادٌ في الثلاثين.
لقد هربتُ من رأس الحكمة.
أنا بخور الله الذي احترق في جزرٍ بدائية بعيداً عن البيت. لكن : هل تفهم الملائكة يا إيزابيلا* معنى البيت؟
هل يصيب عظامها الغرغرينا أو يدخلها البرد، وهل تجيد الملائكة تحميص القهوة يا إيزابيلا كما يفعل الأحباش؟ ما المقابل الذي ينبغي دفعه من أجل ريّ عينين بنفسجيتين؟ وهل الفراغ عملٌ صالح؟
سأنجو إذا نجوت يوماً من عيون الأموات.
لكن الشاعر يسافر العالم كله ، ثم يعود ليموت في مستشفى الولادة.
ولدتُ رماداً بساق واحدة فما جدوى حرقي وأنا رماد، وما جدوى العيش بعد الممات في مقابر الأهل؟
* إيزابيلا شقيقة الشاعر الفرنسي آرثر رامبو
*نص: آرثر رامبو
* ترجمة: عبدالله حمدان الناصر
-

الابنة المناضلة – ميجي روير
الأب القادم من اليمن
ساكن الطابق الأخير من بنايتنا
كشف لنا أنه عندما شرع في تعليم ابنته
-ذات الثلاث سنوات-
الإنجليزية
أسمى كل شيء في غرفتهما بصيغة مختلفة من
كلمة: أحبك.
فكانت تقترب من الغرباء
تمسك أيديهم بين كفيها الصغيرين
وتشير إلى أصابعهم وتسمي كلًا منها اسما:
فهذا الفاتن وذاك المدهش والآخر المثير
كذلك أسمت فرشاة أسنانها:
أرجوك ابق معي للأبد.
كان هذا دائمًا يذكرني بالزوجين اللذين
عثر عليهما في بومبي
عظامًا متحجرة وكومًا من رماد
كل هيكل عظمي ملتف حول شريكه مثل
أشجار الصفصاف
حتى أن الأدوات المتطورة
لعلماء الآثار والحفريات عجزت
عن فصلهما.
حين تعجز الكلمات كلها عن العمل
اقترب من كل شيء وسمه “حب”
حتى القبر.
عندما رشقت الجموع الغاضبة نافذة الأب
بحجارة كالرصاص
مطالبينه بالعودة إلى حيث أتى
أشارت ابنته نحوهم
من بين قطع الزجاج المهشمة وقالت:
أحبكم
ولذا أسامحكم.
____________
ميجي روير – الابنة المناضلة Daughter the Warrior By Meggie Royer
ترجمة: ضي رحمي
-

من أجل أن تكتب سطرًا شعريًا واحدًا – راينر ماريا ريلكه
من أجل أن تكتب سطرًا شعريًا واحدًا، ينبغي أن تكون شاهدت العديد من المدن، من البشر والكثير من الأشياء، ينبغي أن تتعرّف على الحيوانات، ينبغي أن تستشعر كيف تحلّق الطيور، تعرف تلك النّقلات التي تجترحها الزّهرات الصّغيرات وهنّ يتفتّحن عند الصّباح. ينبغي أن تتمكّن من التفكير مجدّدا بدروب في جهات مجهولة، بلقاءات غير متوقّعة، بمغادرات طالما رأيتها تقترب. بنهارات طفولة ما زال سرّها لم ينجل بعد، بوالدين ينبغي أن تكون نغصّت عليهما حين جلبا لك فرحة ما ولم تحسن فهمها ( حسبت الفرحة هُيّئت لشخص آخر )، بأمراض طفولة تُستهلّ، بغرابة شديدة، بكمّ من تحوّلات عميقة وجسيمة، بأيّام مضت في غرف هادئة وكتومة، بصباحات على مقربة من البحر، من البحر في ذاته، من البحار، بليال سفر اختلجت عاليًا وحلّقت مع كلّ النّجوم ــ و لا يكفي حتى أن تكون أحسنت التّفكير في كلّ هذا ــ ينبغي أن تكون احتفظت بذكريات ليال حبّ كثيرة، لا واحدة منها تشبه الأخرى، بصيحات نساء يصطرخن من الوضع، بنفساوات هشّات، شاحبات، غافيات انغلق جرحهنّ. ينبغي عليك أن تكون أيضا قد جاورت محتضرين، أن تكون ظللت جالسًا قرب موتى، في حجرة، مع نافذة مفتوحة وضوضاء تأتي متقطّعة. ولا يكفي حتى أن تكون لديك ذكريات. ينبغي أن تكون أحسنت نسيانها إذا ما كانت غزيرة. وينبغي أن يكون لك الصّبر البالغ لانتظار أن تعود من جديد،لأنّ الذكريات نفسها ليست هي هذه بعد، إنّها فقط حين تتحوّل فينا دمًا، نظرة، إيماءة، حينما لا يعود لها اسم، ولا تتميّز عنّا أبدا، عندئذ وحسب يمكن أن تأتي برهة نادرة للغاية، من قلبها، يمكن أن تنهض أوّلّ لفظة في سطر شعري.
راينر ماريا ريلكه
دفاتر مالطا… 1910 – ترجمة : إسماعيل أزيات
-

ثلاثة أسئلة – كاتلين سيال – ترجمة ضي رحمي
قالت أمي
إن عليّ حين أقابل من يروقني
أن أسأله أسئلة ثلاث:
مم تخاف؟
أتحب الكلاب؟
ماذا تفعل عندما تمطر؟
قابلتك يوم أحد
مباشرة بعد الكنيسة
نظرة واحدة وهوى قلبي
في جوفي
كمن يسقط من باب قبو.
من بين تلك الأسئلة، قالت إن أولها أهمها على الإطلاق
“يجب أن يخاف شيئًا ما، الجميع يفعل. لو أن لا شيء يخيفه، هذا يعني أنه لا يؤمن بأية شيء أيضًا.”
في موعدنا الثاني
سألتك عم يخيفك
“العناكب، بشكل خاص، الوحدة، الأطفال الصغار، الذين تعلموا توًا
كيف يدفعون بأقارنهم في الملعب، والخلاء، اللعنة، الخلاء”
سألتك لو أنك تحب الكلاب
“لدي ثلاثة “
سألتك عم تفعله أثناء المطر
“غالبًا أنام. أحيانًا أجلس بجوار النافذة أراقب تسابق حبات المطر.
بنيت في الحديقة الخلفية مأوى من البلاستيك
لأجل الحيوانات الضالة، أضع لها الطعام
وأوفر لها مكانًا للمبيت.”
ابتسمَ كما لو أنه يعرف
كما لو أن أمه أخبرته بالأمر نفسه
“وأنتِ؟”
أنا؟
أخاف كل شيء
من ثقب الأوزون
من المرأة خلف الباب المجاور
تلك التي لم تبتسم لكلبها قط
أخاف بشكل خاص من الأسرار
التي لابد وأن الحكومة تخفيها عنا
وراء ظهرها.
أحب الكلاب كثيرًا
أنام أثناء المطر
أود أن أخبر كل من أحبهم أنني أحبهم
أن أعثر على كل الحيوانات الضالة وآخذها للمنزل
أريد أن أستيقظ وأنفي في شعرك
أن أعد لك قهوتك
أن أقبّل عنقك
ولا أريد أن أسأل أحدًا آخر
هذه الأسئلة
مطلقًا.
– ترجمة: ضي رحمي.
-

السنسكريتية – جاينتا ماهاباترا
١- السنسكريتية
أيقظها، إنها عقد من الأصوات
يبدو أنها ذابت وتفتت
مثل السمك الهلامي في البحار الاستوائية
نزعت من نومها بيد مبطنة بالنبوآت.
أصخ السمع
عالمها الذكوري الكالح تمدد على الصفحة
مثل صفوف من سوق الأشجار
تتبخر في دخان الأزمنة،
الأغصان مكسوة بطبقة زجاجية وميتة
وكأنها تتشوق الاتصال بالسماء
ولكنها فقدت الاتصال ببعضها
ولم تجد نفسها تحمل معنى.
ومع ذلك، فهبوطًا على السلالم إلى الماء في بنارس،
حيث الجثث الميتة تبدو وكأنها تنمو حية،
الرؤوس الشعثاء لأكمام الكلمات تتحرك إلى الأمام والخلف
بين قرقعة المطر الشديد كالصنج
وريشات الصيف الصامتة
مدركة أن صمت مقاطعها الساحق
لن تخطئه الآذان الآن،
ويجب أن يبقى ذلك الدرب المقدس الغامض
محروسًت بمجموعة من أشجار الأثاب الغريبة والمرتجفة
لغة من القباقب على طريق موضوع بالحجارة،
تلقي بسحرها الملتبس، وترتجف في أسى مستحيلة إلى ضباب.
٢- العيش في أوريسا
شيء ما هنا، ربما روح قدرية.
شيء يستحضر قرونًا من الهزيمة.
أن تعيش هنا
بين المرض والداء
في ماض من طواطم لا تفهم
ودماء الأسلاف المسفوكة
يلبسها المرء مثل تعويذة
اليوم تنزلق ظلالنا المعتمة
على المقابر المهملة بقرب النهر
بعضهم يواصل السير بين القبور
عبر التراب النهم
الذي ينتظر مثل دين قديم.
بعضهم يواصل الرقص
عند أبواب معابد غير عابئة
حاملًا ألمًا في وجه بدون عيون
وحدها الظلال تتحرك الآن،
لها عيون أرواح مهزومة
عيون عتيقة، عتيقة.
٣- قصيدة صيفية.
فوق أنين الرياح الكئيبة
ينشد الكهنة بصوت أعلى:
فم الهند ينفتح.
تتحرك التماسيح نحو المياه الأعمق.
وأكوام الروث تتصاعد منها الأبخرة
وقد سخنتها شمس الصباح.
والزوجة الطيبة
تتمدد على سريري
خلال فترة ما بعد الظهر الطويلة،
وهي ما زالت تحلم،
غير مرهقة من العواء العميق
لحريق الجنازة.
* جاينتا ماهاباترا، ولد في كتاك في أوريسا وعاش فيها معظم حياته، يكتب الشعر بالانجليزية والأوريسية.
** ترجمة: د. شهاب غانم.
-
انظر إلى تلك الأغنام على الطريق – ن.ن. كاكاد
انظر إلى تلك الأغنام تسير ببطء
على هذا الطريق الذي لا ينتهي
وهي تحمل دمغة القصاب على أفخاذها
وكأنها شعار النبالة
وهي تدفع وتركل بعضها البعض
وتتناكح أمام الأنظار
وتحمل وتلد
وتندفع في الغبار والجلبة
ورغوة الجوع على أفواهها
والشهوة تتلوى تحت خصورها
وهي تحتشد وتدافع
شخص يسوقها من الخلف بسوط
الطريق أمامها خال، ولذلك تتحرك إلى الأمام
إنها لا تشعر بنا
ونحن لا نشعر بها
ولكن هل ما زلنا نشعر بأنفسنا؟ترجمة: شهاب غانم.
-

إلى متى؟ – برونو ك. أوير
منذ البدء اختبأت
سرت أمام النهار
تهاديت حد حافة النافذة
نحو فضاءات حبلى
ربما أحبك
ربما لم أحبك
لا أفكر في هكذا مسارات
منذ زمن بعيد فهمت
لماذا أن الإيمان بالشيء هو في الوقت ذاته
مطاردته
وتدنيسه ثانية.
تهز الستارة خيوط ظل على جسدك
بينما كنت تلفين سيجارة
وتنفثين الدخان
الذي رفعته أرواح شريرة
مقايضة بروحك
لا جنون في الإشارات التي تسكنني
وتقول إنك تبدئين وتنتهين هنا
وأن لا حرب أخرى تعنيني
يمكنني الصحو خارج المدى
يمكنني الانتظار حتى يسقط لمعان بارد رقيق.
كم من الزمن مر بك
مطوقة بأناس يعيشون على الإنكار وحسب
مع الولادة اتضح أمامك سر حياتهم
ولم تفكري بنقلها إلى آخر
قيدهم نموهم مسوخًا
قيّدهم أن يروا أنفسهم ضحايا
لن يغفروا لك أبدًا
أنك شكلت هذه العجلة من ما عطلوه
وأهانوه
وتوقف في ذواتهم.
المصدر: أنطولوجيا الشعر السويدي
ترجمة: إبراهيم عبدالملك / جاسم محمد
-

إذلال – كيفي عزمي – ترجمة: شهاب غانم
عندما غادرتُ باب منزلها
ظننتُ أنَّها ستحاول إيقافي
وأنَّنا سوف نصطلح.
كانت الريح تهبُّ نافخة في ملابسنا،
ظننتُ أنها ستطلب منِّي ألا أذهب
وبينما كانت تحرِّكُ أعضاءها لتنهَض.
ظننتُ أنَّها ستُقبِل
كي تناديني لأعود
ولكنَّها لم تحاول منعي
ولم تطلب منّي أن أبقى
ولم تناديني
ولم تطلب مني أن أعود
وابتعدتْ ببطء
ونمت المسافة بيننا تدريجيًا
حتى أصبح الفراق متناهيًا.
*نص: كيفي عزمي
*ترجمة: شهاب غانم. -

إنني أغني أغنية جديدة – أتال بيهاري فيجبابي
١- لا أنا صامت ولا أنا أغني
لست صامتًا ولا أنا أغني
إنه الفجر
ولكن في الشرق تتجمع السحب
في السديم القطني
معالم الطريق تستلقي جريحة
أقدام متحجرة
وقرى غير مرئيّة.
لا متوقف ولا متدفق..
أرى نفسي منعكسًا
في مرآة عيون الآخرين.
لست صامتًا ولا أنا أغني
أنفاس من الزمن الحارة
قد أحرقت أشجار الصنوبر
ولكن هطول الثلج يواجه التحدي
بهذه السلسلة من العقبات
الأوكار المتفرقة
والأخشاب المحطمة
ليس هناك دموع ولا ابتسامات
وعلى ضفاف البحيرة المتجمدة
أهمهم وحيدًا
لا أنا صامت ولا أنا أغني.
٢- هلمّ نشعل المصباح من جديد
هلّم نشعل المصباح من جديد.
هناك عتمة في الليلة القمراء
والشمس تتضايق من الظلال الكئيبة
دعنا نعتصر كل قطرة من الوجود
لنعيد إشعال الذبالة المطفأة
هلم نشعل المصباح من جديد.
لقد توهمنا أن وسيلة السفر هي محطة الوصول
وأنظارنا أضاعت طريقها إلى الهدف
ففي سراب الحاضر
دعنا لا نخطئ طريقنا نحو الغد
هلم نشعل المصباح من جديد.
إن عبادتنا غير مكتملة، وكذلك صلواتنا
وقد ضاعت في جلبة الأمور القريبة والعزيزة
دعنا ننحت الترس لنصرنا النهائي
بإذابة عظام المقاطعات التي تزعجنا
هلمّ نشعل المصباح من جديد.
٣- إنني أغني أغنية جديدة
من النجوم المتفجرة بتدفق أصوات الينابي
ومن صدور الصخور تنبت البراعم الجديدة
تتساقط الأوراق الصفراء
بينما يترنم الماء بأغاريد البلابل.
أشاهد خيري الفجر في الأفق الداجي
فأغني أغنية جديدة
من ترى يسمع نشيج الأحلام المتكسرة؟
في حزن أن تنتهي على الأجفان.
لن أتقبل الفشل
سأجد طريقة أخرى.
سأكتب على جبين الزمن، وسأمحو..
إنني أغني أغنية جديدة.
*أتال بيهاري فاجبابي، شاعر من الهند.
**ترجمة: د. شهاب غانم.
-
الهرب – نارين شيام
نعم
لقد كان عدوّي!
من أين جاء؟
وقف حيالي
هكذا!
صررت أسناني،
وعضضت على شفتي،
وللحظة –
آه! بنظرات وقحة كالحراب
حملقت في وجهه
ثم أشحت بوجهي.
ولكن لم يتحرك
وقف هناك بشكل حاسم!
وقال لي:
“يومًا ما
عندما ينطوي عهد العداء
وبعد أن نكون قد استنفدنا آخر الرصاصات
أو حتى والرصاصات ما زالت معنا
لن نعيد شحن أسلحتنا بها
لأن أيدينا المجروحة الغبية
لن تتحرك لالتقاطها.
عندئذ ربما سنتساءل –
لماذا كنا نتقاتل؟
وقد نشعر بالعجز
عن العثور على سبب لذلك.
وكراهيتنا لبعضنا البعض
ستندثر في غياهب التاريخ”.
وقف متوقعًا
أن يسمع ردّي
ولكن..
هربت –
ولو انتظرت هناك لحظة أخرى
لكنت بالتأكيد احتضنته.
*نارين شيام من كبار المجددين في الشعر باللغة السندية. وقد أدخل الأساليب الغربية كما استعمل الأساليب الكلاسيكية. له إحدى عشرة مجموعة شعرية وحصل على جوائز، منها جائزة أكاديمية الآداب عام ١٩٧٠.
** ترجمة: د. شهاب غانم.
-

معطف المطر – دينا ناث نديم
دخلت الغرفة
وخلعت معطف المطر
وعلقته على المشجب.
استدرت فجأة
ونظرت إليه طويلًا
لقد كان يشبهني
وهو معلق على المشجب
أكتافه نفس أكتافي
ويداه الطويلتان الضخمتان كذلك
والجزء الأعلى من الظهر بنفس الشكل
وحجم الرقبة التي تحددها الياقة أيضًا.
الأزرار كانت مزعزعة
بسبب شد العروات لها.
نظرت إلى المعطف جيدًا
نظرت إليه بشكل كامل.
فتحت الباب وخرجت.
خرجت من ذلك الطول من اللباس
من تلك المؤسسة
من الدكان..
جاء رجلان غير معروفين
وسألوهم
“هل توجد أية أغراض شخصية للراحل؟
أية ملابس، كوفية رأس،
مسودات، مفكرات.
قصائد غير منشورة؟
اعتاد أن يلبس معطف المطر
في آخر أيامه.”
“نعم! كان لديه ذلك المعطف.
كان معلقًا على مشجب.
في الطابق الأعلى.
كان المرء لا يتحمل أن يراه
في بداية الأمر.
ثم بدأنا نلبسه في الأيام.
لبسناه حتى اتخذ شكلنا
ثم لم نعد نستعمله وأهمل.
منذ أيام
جاء أحد تجار الأسمال البالية
وبعناه له.
قل لي لماذا كنتما تبحثان عنه؟”
“نحن نحتاجه طبعًا
لأجل المتحف الأدبي
لمن بعتوه؟
هل هناك علامات مميزة؟
ربما كان في الإمكان أن نجده”
“ولكن كيف؟
كيف يمكنكما أن تتوقعا
أن تجداه
بين جبال من الملابس القديمة
عند أصحاب ” الربابيكا” والأسمال البالية؟
كيف ستصطادانه؟
أما بخصوص العلامات المميزة،
فنعم!
هناك على التبطين الداخلي
قد درزت رقعة كتب عليها:
( الشيخ إلهي: الخياط المعلم)”.
* دينا ناث نديم (١٩١٦- ١٩٨٨) شاعر من كشمير يكتب بالكشميرية وأيضًا باللغة الأوردية.
** ترجمة: د. شهاب غانم.
-

هكذا كنت.. – فرناندو بيسوا
لقد مررت أجنبيًا بينهم، لكن ما من أحدٍ رآني كذلك. لقد عشتُ جاسوسًا بينهم، ولا أحد، حتى أنا، أرتاب في كوني كذلك. جميعهم حسبوني قريبًا لهم: ما من أحدٍ عرف أنهم غلطوا بحقي منذ الولادة. هكذا، كنت مماثلاً للغير بدون مشابهة، أخًا للجميع بدون أن أكون من العائلة.
أتيتُ من أرضٍ عجيبة، من مشاهد أجمل من الحياة، لكنني عن الأراضي لم أتحدَّث إلّا مع نفسي، وعن المشاهد المرئية في الحلم، لم أعطِ خبرًا قط. خطواتي كانت تشبه خطواتهم على الأرضيات الخشب والبلاطات، لكن قلبي كان نائيًا، رغم أنه كان يخفق قريبًا، سيدًا مزيفًا لجسدٍ منفيّ وغريب.
ما من أحد تعرَّف عليّ في قناع مماثلتي للغير، ولا عرف قطّ أنه كان مجرد قناع، إذ ما من أحدٍ علم بوجود مقنّعين في هذا العالم. ما من أحدٍ افترض وجود آخر بجانبي، هو أنا في النهاية. اعتبروني على الدوام متطابقًا مع ذاتي.
لقد استقبلوني في منازلهم، أيديهم صافحت يدي، شاهدوني أمرّ عبر الشارع كما لو كنت هناك؛ لكن أنا الحقيقي لم يكن قطّ في تلك الصالات، مَن به أحيا لا يملك يدين ليصافح الآخرين، مَن أعرفه فيّ لا شوارع لديه ليمرّ منها…
… -

الصمت – علي سردار جافري
1- الصمت
الصمت حلم
إدراك للألم،
مصباح لعتمة القلب،
هو كلمات
لم تشكلها الشفاه
ولم تذقها الألسن،
وبلابل
لا تغني إلا عند مقدم الربيع
لحدائق الرغبة.
اليوم كلمات
هي مجرد كلمات
لم تلفظ، ولم تتكون،
رقصة للأصابع
على قيثارة الروح
أغنية للرغبة
بدون صوت أو شكل.2- أخي أيها الزنجي
في هذه الغابة من العاج،
جسده الأسود
مثل سحابة سوداء تلتف كالدوامة
مثل لمعة برق أسود،
مثل بحر من الأعضاء السوداء
له جزر ومد وتمعج،
يلتمع تحت الشمس المتوهجة
يمكن أن يستحيل إلى رمح
يرقص على أصوات الطبول
يجابه العدو.
أخي: أيها الزنجي
يقطف زهرة من كل غابة.
أقدام أخي حمراء
مثل الورد.3- قصيدة.
الظلام
لابسًا رداء دم الإنسان
يقدم سراب الأمل
لأولئك الذين لا يستطيعون أن يروا.* علي سردار جافري، شاعر من الهند ( 1912 – 2000)
**ترجمة: شهاب غانم. -

منبت الورد – كلارا خانيس
1- صورة شخصية للبطل.
عاريًا يدخل المجنون
في حديقة الأزهار،
وفي روحه تتوغل
جمرة متقدة،
حيث لا وجه للجنة
سوى وجه ليلى،
وجسدها كلمة عشق،
الحب عريه، وغطاؤه
الجنون، والسحر، والمطلق، والوعي.2- قصيدة اللقاء
التقت عيونهما
وانهارت في اللحظة ذاتها،
وأصاب الخرس صوت البلبل
الذي كان يجذب أنفاسهما،
وضاقت بهما الأشجار،
وأصابت المجنون غابة العطس
ورسم ملامحه على وجه ليلى،
فلم يفلح الماء
ولا الشذى:
أفق حارق
محا شعاع النهار عن الأزهار،
وسكن ذاكرتها.3- المجنون يتأمل العناصر الخاصة للاحتفال بالعام الجديد، بعد شفائه، بعيدًا عن ليلى.
تضيع الدنانير في الحشائش،
النبيذ العلقم، السماق،
طرح الزيتون البري
يتلاشى العقيق والتفاح،
وريح حارقة
تعصف بضوء الشموع،
وتعتم المرايا،
وتفسد بذر القمح
فلا الثوم ينمو
ولا الأسماك تسبح في الماء الصافي،
هي الرقم السابع بلا نيروز،
بلا عينين،
يتيمة،
أرض لا تعرف ميلاد الحقول،
لا تعرف انبثاق الزهور في نهديها،
نسميها مستحيل.*كلارا خانيس: شاعرة أسبانية كتبت عن الأسطورة العربية ( المجنون وليلى) في ديوان: حجر النار.
** ترجمة: د. طلعت شاهين.











