المدونة

  • محمود درويش – ليس للكرديّ إلا الريح

    محمود درويش – ليس للكرديّ إلا الريح

    من محمود درويش إلى أفضل من كتب باللغة العربية منذ عقدين من الزمان، إلى سليم بركات

    يَتَذكّرُ الكرديُّ، حين أزورُهُ، غَدَهُ…

    فيُبٍِْعدُهُ بمُكنسة الغبارِ: إليكَ عنّي!

    فالجبالُ هي الجبالُ. ويشربُ الفودكا

    لكي يُبقي الخيالَ على الحياد: أَنا

    المسافرُ في مجازي، والكراكي الشقيَّةُ

    إخوتي الحمقََى. وينفُضُ عن هُويَّتِهِ

    الظلالَ: هُويَّتي لُغتي. أنا… وأنا.

    أنا لغتي. أنا المنفيّ في لغتي.

    وقلبي جمرةُ الكرديِّ فوق جبالِهِ الزرقاء…

    نيقوسيا هوامِشُ في قصيدته،

    ككل مدينةٍ أخرى. على درّاجةٍ

    حمل الجهاتِ، وقال: اَسْكُنُ أَينما

    وَقَعَتْ بيَ الجهةُ الأخيرةُ. هكذا

    اختار الفراغَ ونام. لم يَحْلُمْ

    بشيٍ مُنْذ حَلَّ الجِنُّ في كلماتِهِ،

    (كلماتُهُ عضلاتُهُ. عضلاتُهُ كلماتُهُ).

    فالحالمون يُقَدِّسون الأمسَ، أَوْ

    يَرْشُون بوّابَ الغد الذهبيِّ…

    لا غَدَ لي ولا أمسِ. الهُنَيْهَةُ

    ساحتي البيضاء…/

    منزله نظيفٌ مثلُ عَين الديكِ…

    منسيٌّ كخيمة سيّد القوم الذين

    تبعثروا كالريش. سَجَّادٌ من الصوف

    المجَعّد. مُعْجَمٌ مُتآكلٌ. كُتُبٌ مُجَلَّدةٌ

    على عَجَلٍ. مخدّاتٌ مطرَّزَةٌ بإِبرة

    خادم المقهى. سكاكينٌ مُجَلَّخةٌ لذبح

    الطير و الخنزير. قيدو للإباحيات.

    باقاتٌ من الشوك المُعَادِلِ للبلاغةِ.

    شُرْفَةً مفتوحةٌ للإستعارة: ها هنا

    يتبادَلُ الأتراكُ و الإغريقُ أدوارَ

    الشتائم. تلك تَسْلِيتَي و تَسْلِيةُ

    الجنود الساهرين على حدود فُكاهةٍ

    سوداء…

    ليس مسافراً هذا المسافرُ، كيفما اتَّفَقَ…

    الشمالُ هو الجنوبُ، الشرقُ غَرْبٌ

    في السراب. ولا حقائبَ للرياحِ،

    ولا وظيفةَ للغبارِ. كأنه يُخفي

    الحنينَ إلى سواهُ، فلا يغنّي… لا

    يُغَني حين يدخُلُ ظِلُّه شَجَرَ الاكاسيا،

    أو يبلِّلُ شَعرَهُ مَطَرٌ خفيفٌ…

    بل يُناجي الذئبَ، يسأَله النزالَ:

    تعال يا ابن الكلب نَقْرَعْ طَبْلَ

    هذا الليل حتى نوقظ الموتى. فانَّ

    الكُرْدَ يقتربون من نار الحقيقة،

    ثم يحترقون مثل فراشة الشُّعَراء…

    يعرفُ ما يريد من المعاني. كُلُّها

    عَبَثٌ. وللكلمات حيلَتُها لصيد نقيضها،

    عبثاً. يفضّ بكارةَ الكلمات ثم يعيدها

    بكراً إلى قاموسه. ويَسُوسُ خَيْل

    الأبجدية كالخراف إلى مكيدته، ويحلقُ

    عانَةَ اللُغةِ: انتقمتُ من الغياب.

    فَعَلْتُ ما فعل الضبابُ بإخوتي.

    وشَوَيْتُ قلبي كالطريدة. لن أكون

    كما أريد. ولن أحبَّ الأرض أكثر

    أَو أَقلَّ من القصيدة. ليس

    للكرديِّ إلاّ الريح تسكنُهُ و يسكُنُها.

    وتُدْمِنُهُ و يُدْمنُها، لينجوَ من

    صفات الأرض والأشياء…

    كان يخاطب المجهولَ: يا ابني الحُرّ!

    يا كبش المتاه السرمديّ. إذا رأيتَ

    أباك مشنوقاً فلا تُنْزِلْهُ عن حبل

    السماء، ولا تُكَفِّنْهُ بقطن نشيدك

    الرَّعَوِيِّ. لا تدفنه يا ابني، فالرياحُ

    وصيَّةُ الكرديِّ للكرديِّ في منفاهُ،

    يا ابني… والنسورُ كثيرةٌ حولي

    وحولك في الأناضول الفسيح

    جنازتي سريَّةٌ رمزيّةٌ، فَخُذِ الهباءَ

    إلى مصائره، وجِرَّ سماءك الأولى

    إلى قاموسك السحريِّ. واحذرْ

    لَدْغَةَ الأَمَلِ الجريحِ، فانه وَحْشٌ

    خرافيّ. وأنت الآن… أنت الآن

    حُرّ، يا ابن نفسِكَ، أنت حُرٌّ

    من أبيك ولعنة الأسماء…

    باللغة انتصَرْتَ على الهُوَيَّةِ،

    قُلْتُ للكرديِّ، باللغة انتقمتَ

    من الغيابِ

    فقال: لن أَمضي إلى الصحراءِ

    قُلْتُ: ولا أَنا…

    ونظرت نحو الريح

    – عِمْتَ مساء.

    – عمت مساء!

  • الطفولة – كلارا خانيس

    ١- الشاعر يفتش عن الشفافية.

    أيتها المحبوبة

    انزعي عنك الخمار

    ودعي الأزهار

    تشرق بكمالها،

    وأيقظي الندى

    في أعضائي النائمة.

    إن شفتي الحب

    كأس

    ترنو إلى امتصاص الشفافية

    والارتواء بها.

    ٢- كيف يبحث المجنون عن عشقه.

    أحب ليلى

    الطفلة الأجمل

    بين بنات القبيلة!

    حديثها لا ينطق

    سوى الفرح،

    إنها تشبه ألوان حرير اليمن،

    وحين تبتسم

    تخطف بصري بلآلئ عدن،

    وحاجباها قوس اشتياقي،

    عيناها معبقتان بالدنانير

    إنها كنز أحلامي

    الخفي.

    ٣- حيث يقص فصلًا مما حدث في المدرسة.

    دخلا في أحضان الأيك،

    وأوراق الشجر

    يضيئها شعاع شمس

    كالمرايا،

    فيرسم على وجهيهما علامات سرية،

    محاصران يبتسمان في صمت،

    بعدها، منحهما النسيم صوتًا نباتيًا

    وتبادلا النظرات العميقة

    وغرقا في حديث بلا معنى،

    لم يسمعا ناقوس

    نهاية ساعة السمر.

    لمس المجنون ذراع ليلى بسبابته

    وهمس صامتًا:

    يدها المعتمدة على الفروع

    طائر أبيض

    لا يداخله الخوف.

    ٤- قصيدة كتبها المجنون مدعيًّا الخطأ، لتصحح له ليلى ما ارتكبه.

    تذكري أيتها الأوراق، أن هذه الحكاية التي تضمينها

    على أفقك الناصع،

    أنك كنت شاهدها الأول،

    تذكري الرسوم،

    تذكري يديها تتحسسان سطحك،

    تذكري أنه في تعاريج الخطوط الحادة

    نامت تعرجات حروفها

    التي تتجمع في موجات تهجي

    العشق.

    *كلارا خانيس، شاعرة إسبانية، كتبت في ديوانها :” حجر النار” عن الأسطورة العربية ( المجنون وليلى).

    ** ترجمة: د. طلعت شاهين.

  • تطوّر أوليفر – جون أبدايك – ترجمة: راضي النماصي

    تطوّر أوليفر – جون أبدايك – ترجمة: راضي النماصي

    Nader Hamzeh

    لم يرد والداه أذيته؛ بل أرادا أن يحباه، وقد كانا كذلك. لكن أوليفر أتى متأخرًا في زواجهما، أي في وقت كان فيه تحدي تربية طفل أمرًا غير مرغوب بالمرة. وقد أثبت أنه عرضة للمصائب، إذ وُلِدَ بقدمين مشوهتين وتعلم الحبي بقالبي تقويم يصلان إلى كاحله؛ وحين نُزِعَا منه أخيرًا، بكى رعبًا لأنه ظن أن تلك الجبيرتين الضخمتين التي كانتا تضربان الأرض وتحتكان بها جزءًا منه.

    أثناء طفولته، ذات يوم، وَجَدَاه في خزانتهما مع صندوق مليء بكرات النفثالين[1]، وكانت بعضها ملطّخة بالساليفا[2]. وقياسًا على ما مضى، فقد تساءلا عما إذا كانت هناك حاجة فعلًا إلى الإسراع به إلى المستشفى وغسل معدته الصغيرة المسكينة، فصار وجهه رماديًا مخضرًا بعدها. في الصيف التالي، حين تعلم المشي، قام والداه بأخذه والسباحة جميعًا في الشاطئ بينما يبحثان عن جو رومانسي بعد صحوة أعقبت حفلة متأخرة ليلًا وشجارًا بينما كانا ثملَين، ولم يكونا بوعيهما إلى أن رأيا حارس الإنقاذ يذرع الشاطئ ركضًا تجاه أوليفر الذي كان يدرج خلفهما ثم صار يطفو على بطنه لمدة بضع دقائق مميتة بحسب المنقذ الذي لم يلمّح كثيرًا. كان وجهه أزرق هذه المرة وطالت كحَّته لعدة ساعات.

    كان أقل أطفالهما شكوى، ولم يلم والديه أو إدارة المدرسة على أنهما لم يلاحظهما عينه اليمنى “الخَدِرَة” في الوقت المناسب لعلاجها إلى أن نتج عن إغلاق تلك العين كون كل شيء معتمًا بقدر عضال. كان مرأى الصبي وهو يحمل كتابًا بزاوية غريبة تجاه الضوء فقط يجعل والده يرغب بالبكاء عجزًا.

    وحدث أنه كان في العمر الخطأ والحساس تمامًا حين انفصل والداه وشرعا بالطلاق. كان إخوته الكبار خارج المنزل في مدارس وجامعات خارجية وفي مقتبل الرجولة وأحرارًا من العائلة. أما أخته الأصغر فكانت صغيرة بما يكفي لتلاحظ التغيرات الجديدة – كالوجبات في المطعم مع أبيها ثم الرجال الودودين الذين يظهرون ويأخذون أمها إلى الخارج -. لكن أوليفر، في الثالثة عشر من عمره وقتها، قد أحَسَّ بثقل الاهتمام بالبيت وحمل شعور الهجران من أمه. ومرة أخرى، اغتمّ والده عجزًا؛ فقد كان السبب بالفعل – وليس الولد – عندما بدأ ظهور الدرجات المتدنية في المدرسة ثم الجامعة، ثم كسْر أوليفر ذراعه إثر انزلاقه من الدرج – أو إثر القفز منه، حسب مرويّة أخرى لتلك الحادثة الغريبة من نافذة فتاة -. ولم تلق سيارة واحدة من عائلته مصيرًا شنيعًا، بل العديد منها بينما كان خلف المقود، وقد خلت كلها من الإصابات ما عدا ركبتين مليئتين بالرضوض وسنّين أماميين مهتزين. نمت الأسنان مستقيمة مجددًا – حمدًا للرب – في ابتسامته البريئة التي تمتد ببطء عبر وجهه بينما بدأت تشيع الأنباء المضحكة حول مصيبته الأخيرة، إذ كانت تلك الابتسامة إحدى أجمل صفاته، لأن أسنانه كانت صغيرة ودائرية وتبتعد عن بعضها بمسافات، كأنها ابتسامة طفل.

    ثم تزوّج، وهذا ما بدا مصيبة أخرى عبر مرورها بليالٍ ملأى بالسهر ووظائف متروكة وفرص حياتيّة مهدرة بالنسبة لشخص بالغ. كانت الفتاة، واسمها أليشيا، عرضة للحوادث بقدره، وذلك للعنف المستمر وعدة حوادث حمل غير مرغوبة. خلفت اضطراباتها العاطفية الكثير من الكدمات فيها وفي غيرها. وبالمقارنة، فقد كان أوليفر حذرًا ورزينًا، وكانت تتطلع له باحترام. وهذا السر، فالآخرون يحاولون منح ما نتوقعه منهم. تمسك أوليفر بوظيفة ما، أما هي فأبقت على حملها. والآن يجب أن تروه مع طفليهما، فتاة بملامح لطيفة وصبي بشعر غامق، بينما قد كبر طولًا وعرضًا ويحملهما دفعة واحدة، وكأنهما طائران في عش وهو شجرة أو صخرة واقية. صار حاميًا آخر للضعفاء.

    [1] كرات توضع لوقاية الملابس من العث.

    [2] اللعاب.

    جون أبدايك ( 1932 – 2009 )

    المصدر:
    https://radhiblog.com/

  • أريدُ أن أموت – آن سكستون

    أريدُ أن أموت – آن سكستون

    ‏بما أنّكم تسألون، فأنا لا أتذكّرُ معظمَ الأيّامِ.

    ‏أسيرُ في لباسي، ولا أشعرُ بزخمِ الرّحيل.

    ‏هكذا يعاودُني ذاك الشّبقُ الذي لا يُسمَّى.

    ‏حتّى إن لم يكن لديَّ شيءٌ ضدّ الحياةِ حينَها،

    ‏فأنا أعرف جيّدًا شفيرَ الأعشابِ التي تذكرون،

    ‏وذلك الأثاثَ الذي وضعتموه تحتَ لهبِ الشّمسِ.

    ‏غير أنّ الانتحاراتِ لها لغتُها الخاصّةُ.

    ‏تمامًا كالنّجَّارِ

    ‏الذي يريدُ أن يعرفَ كيفَ يستخدمُ الأدواتِ،

    ‏دون أن يسألَ مطلقًا: لماذا يبني؟

    ‏لمرَّتَينِ وببساطةٍ أعلنتُ عن نَفْسي،

    ‏امتلكتُ العدوَّ، ابتلعتُ العدوَّ،

    ‏وعلى مَرْكبِهِ أخذتُ معي سِحْرَه.

    ‏وفي هذه الطّريقِ، مُثقلةٌ ومُستغرقةٌ

    ‏أدفأُ منَ الزّيتِ أوِ الماءِ،

    ‏استرحتُ،

    ‏وسالَ مِن فوَّهةِ فمِي اللُّعابُ.

    ‏لم أفكّرْ في جسدي عند وخزِ الإبرةِ.

    ‏حتّى قرَنيَّتيّ وما بقِي فيَّ من بَوْلٍ، اختفيا.

    ‏الانتحاراتُ كانت قد خانتِ الجسدَ مسبقًا.

    ‏الصّغارُ لا يموتونَ عادةً،

    ‏غير أنهم ينتشونَ،

    ‏لا يستطيعون نسيانَ لذَّةَ مُخدِّرٍ

    ‏حتّى أنّ الأطفالَ سينظرونَ ويبتسمون.

    ‏أن تَسحَقَ تلكَ الحياةَ كلَّها تحتَ لسانِك!

    ‏ذلك وحده يستحيلُ شغَفًا.

    ‏ستقول: عَظْمةُ بائسةُ للموتِ، كَدمةُ حزينةُ.

    ‏مع ذلك ستنتظرُني هي عامًا بعد عامٍ،

    ‏لتمحوَ برقَّةٍ جُرحًا قديمًا،

    ‏لتُخلّصَ شهقتي من سجنِها الكريهِ.

    ‏نتساوَى هناك، الانتحاراتُ تلتقي أحيانًا،

    ‏نحتدمُ عند فاكهةٍ وقمرٍ منتفخٍ،

    ‏تاركينَ كِسرةَ الخبزِ التي أخطأتْها قبلاتُهم.

    ‏تاركينَ صفحةَ كتابٍ مفتوحةً مُهملةً،

    ‏وسمَّاعةَ هاتفٍ معلَّقةً

    ‏لشيءٍ لم يُلفظْ بعد،

    ‏أمّا الحبُّ، أيًّا يكونُ، فليس سوى وباءٍ.

    ‏* آن سكستون (١٩٢٨-١٩٧٤) شاعرةٌ أمريكيّةٌ

    ** ترجمة: د. شريف بقنة

    ‏*** كتبت آن سكستون هذه القصيدةَ للإجابةِ عن السّؤال الذي وجّهه العالم إليها وإلى صديقتها سيلفيا بلاث وغيرهما ممن حاولوا الانتحار: «لماذا تريد قتل نفسك»؟

    ‏”Wanting to Die” from The Complete Poems by Anne Sexton, 1981 by Houghton Mifflin Company. Copyright by Linda Gray Sexton

  • ماريا ميراغليا – فقط لو | ترجمة : شروق حمود

    ماريا ميراغليا – فقط لو | ترجمة : شروق حمود


    Norman Rockwell Fair Use
    last edit: 11 Jul, 2013 by xennex
    max resolution: 1614x2183px
    Southern Justice (Murder in Mississippi)
    Norman Rockwell

    استطعت رؤية السماء
    مكسية بالنجوم
    التي تعكس أضواءها الوامضة
    على امتداد الأزرق الشاسع
    في ليلة عاصفة
    حين تنزع الريح الغاضبة
    آخر أوراق الشجر
    عن الأغصان الباردة
    أسمع في صمت الليالي القاتمة
    عزف الكمنجات
    لو استطعت فقط أن أرى
    أن الشغف الذي كان يومآ
    لا يزال مشتعلآ في عينيك
    أمشي حافية القدمين عبر الأراضي البور
    أتسلق الجبال
    وإذا كنت هناك
    تنتظرني
    أعبر طرق العالم
    مثل صليبي يبحث عن الكأس المقدسة
    لأستعيد ذاك الحب الذي
    منحتني إياه يومآ.

  • تعلَّمتُ الموتَ من أمي – يان بين

    تعلَّمتُ الموتَ من أمي – يان بين

    سونيتات كتبتُها إلى أمِّي في شبابي

    هي وحيدة

    تجلسُ قربَ البابِ وتتنهد

    هي جزءٌ أوسط في رواية

    أحياناً تعطيني نقوداً، وتجهزُ لي علبةَ طعام

    أحياناً تشتمني

    حزنُها لا نهائي، ممتد

    تجلسُ قربَ البابِ بانتظاري شهراً تلو الآخر

    يخضرُّ العشبُ في البعيد

    يصفرُّ العشبُ في البعيد

    إلى أن يذبل

    ثم أُميِّزُ ظلَّها المُلتحمَ بالبابِ الخشبي

    لم تتحدث عن وحدتِها قطّ، ولا عن فقرِها

    بل تقولُ كلَّ شهرٍ إنَّها لا تملكُ نقوداً

    وإنَّها مُصابةٌ الصداع.

    في ضبابِ الصباحِ الكثيف[1]

    رحلتُ بقرةٌ من تلقاءِ ذاتِها

    وأختي الكبيرةُ تبكي في المنزل

    إذ فقدت بقرتَها

    ولن يكونَ باستطاعتِها الزواج

    في ضبابِ الصباحِ الكثيف

    خرج والدي

    وكانت أختي الكبيرةُ تبكي في المنزل

    لقد فقدت بقرتَها بالأمس

    وستصبحُ أختي امرأةً فاسقة

    وحلمُها بأن تنجبَ طفلاً على وشكِ أن يغدو حقيقة

    ثمة طائرُ وقواق يزقزق

    ووالدتي في الباحةِ الخلفيةِ تشتغل

    وأختي الكبيرةُ تبكي في المنزل

    وانتهت فترةُ صباها.

    امرأةٌ متدينة

    أغلقتْ البابَ والنافذةَ جيداً

    وكانت قد اشترت ما تحتاجُ إليه

    وفي غرفةٍ مساحتُها ثلاثةَ عشرَ متراً مُربعاً

    رسمتْ نافذةً من جديد

    رتَّبتْ المطبخَ جيداً

    ضبطت المنبه على الساعةِ السابعة

    مُنبِّهاتُ الساعةِ السابعةِ يحلُّ أوانُها سريعاً

    إنَّه الصباح

    لا تُقاطعْه، دعْ الوقتَ يمرُّ أولاً

    في الصباح تُنظِّفُ غرفتَها

    بعدَ الظهيرةِ تنظفُ مجرى المرحاض

    ويصبحُ كرسي المرحاضِ جافاً

    ترفعُ تنورتَها الجديدة

    لتختبرَ اتجاهَ الريح

    حَسَنٌ الآن، لم يبقَ لها إلا انتظارُ الليل

    حين يغمرُ الموتُ الأرجاء

    “جميعُ الرسائلِ التي كُتِبَت تُرسلُ إلى عزيزتي إيما”

    جنازةُ العشبِ المائي

    ذَوَى العُشبُ المائي

    وكُلِّفَ الابنُ بمَهمَّة

    تنظيمُ الهديةِ الأخيرة

    التي ستكون قيِّمةً حتماً

    كان أهالي القرية يترقبون

    أنظارُهم مُعلقة على التابوتِ الخشبي الملئ بالعشبِ المائي

    الذي انطلقَ من مبنى لجنةِ القرية

    مارَّاً بدرب الحديقةِ الأبيض

    كان الجميعُ يُخمِّنون

    لكن لم يرغب أيٌّ منهم أن يقول ما هو حجمُ الجنازة

    وجدولُها، ومكانُ القبر

    سيُفكُّ لغزَ العشبِ المائي الأخير

    لا يزالُ أهالي القريةِ مترقبين

    وحُجِزَت أفضلُ غرفةِ في المبنى عند مدخلِ القرية

    لأجلِ العثورِ على موقعٍ مناسب

    لرؤيةِ جنازةِ العشبِ المائي.

    أنتَ رجلٌ لا يشربُ الخمر

    سونيتات إلى كافكا

    أنتَ لستَ رجلاً يشربُ الخمر

    لستَ سكِّيراً ومُتشرداً

    تسيرُ في شوارعِ الآخرين

    مُرتدياً بدلةً سوداءَ نظيفة

    تسيرُ بينهم

    مارَّاً بـخيوطِ العنكبوتِ وخطوطِ عبورِ المشاة

    لستَ في سوقِ الخضار

    ولستَ رجلاً من السهلِ طرحُه أرضاً كذلك

    آه، يا صاحبَ القلعةِ والابنِ الأكبرَ لموظفٍ صغير

    تنفَّسْ برفقٍ، ولا تهرم

    أنتَ الذي لديكَ الخدمُ، والأسيجةُ، والأحصنة

    أنت َلا يمكن أنَّ يُدَان أبداً

    كافكا، يا عزيزي كافكا

    أحبُّ اسمَك، وأحبُّ البابَ الذي فتحته.

    أنشودةُ جيمس جويس الشاب

    ظلَّ هذا الرجلُ في عسرٍ لمدةِ طويلة

    درَّس اللغةَ الانجليزية، درَّس اللغةَ الألمانية

    تحمَّل الوحدةَ بعيداً عن دائرةِ المعرفة

    كان يرسلُ مختاراتٍ من رواياتِه إلى مسقطِ رأسه

    ويطلبُ من أخيه الصغير الذي كان يراسله فقط أن ينقدَ مختاراته

    باعَ أسراراً إلى ستانيسلاوس

    ليسدَّ جزءاً من نفقاتِ معيشتِه

    خانَ حبيبتَه ـــ

    لكنَّه ظلَّ يحبُّها

    آه، نورا الصغيرة، ليست بائعةَ هوى

    كانا يتسكعان معاً

    يتجولان في شوارعِ باريس

    مُغادرين “فندقَ الأمل”

    ولد الشاعر يان بين عام 1981 في مقاطعة خونان. صدر له عدة دواوين شعرية منها: (جنازة المُعلّم) و (بحيرة الملك).

    [1]ـ القصيدة مستوحاة من قصة خوان رولفو (لأننا جدُّ فقراء). والقصة ترجمها صالح علماني.

    * يارا المصري: مترجمة مصرية عن اللغة الصينية.

  • مختارات من قصيدة الهايكو اليابانية

    مختارات من قصيدة الهايكو اليابانية

    ١- الآن وأنا هنا، بنوبة الحراسة في هذا الكوخ الهش

    في ليل الخريف، عند طرف حقل الأرز

    أجد كم ثوبي مبتلًا بالندى

    حيث سقيفة الكوخ أيضًا تعيسة

    لا تتعدى الليف والخيش.

    – الإمبراطور تينجي

    ٢- يبدو أن الربيع قد مضى

    وحل الصيف بزهوه هناك

    فها هو جبل “كاجوياما” الشامخ في السماء

    يتناثر البياض على قمته

    وكأن أثوابًا ناصعة البياض قد نشرت فوقه لتجف!

    -الإمبراطورة جيتووه

    ٣- وحيد هنا

    لا سلوى لديّ

    سوى محاولة الكلام

    في هذا الليل الطويل

    الذي يشبه ذيل طائر الجبل!

    – الشاعر ” كاكي نوموطو نو هيتومارو”

    ٤- حين قصدت شاطئ خليج “تاجو”

    ونظرت بعيدًا

    إلى قمة جبل “فوجي” الشامخة

    وجدت البياض لا يزال يكسوه

    آه.. لا يزال الليل يسقط هناك!

    الشاعر “يامابيه نو أكاهيتو”

    ٥- في أذني الآن

    يردد صيحة الغزال

    وهو يشق أكوام الشجر الخريفية

    في عمق هذه الجبال

    فأشعر أكثر من ذي قبل بتوغل الخريف.

    -” سارو مارو دايوو”

    ٦- حين أرى الصقيع يفترش درجات سلم القصر

    مثل نجيمات ليلة السابع من شهر يوليو

    ترصع سماء الليل في صف طويل

    ومثل طائر ال”كاسا ساجي” فاردًا جناحيه

    أدرك أن الليل في هذا الشتاء قد أوغل!

    – “تشووناجون ياكاموتشي”

    ٧- حين أتطلع إلى تلك السماء الممتدة

    مثل سهل فسيح

    أرى البدر المضيء جميلًا ورائعًا

    إنه مثل القمر الذي اعتدت رؤيته

    في سماء ليل جبل ” ميكاسا” حيي موطني.

    -“أبيه ناكامارو”

    ٨- ما بال الناس بحالي يشفقون

    يصفونني بالغزال الوحشي المعتزل في جبل ” أوجي”

    بينما أنا في كوخي المتواضع

    بطرف العاصمة الجنوبي الشرقي

    أستمتع بالعيش في سكون!

    – الراهب كيسين.

    ٩- مالي أرى زهرة الساكورا ” تلك

    يذهب لونها!

    لعلي أنا أيضًا مثلها

    مع الزمان يخبو رونقي

    ويزول شبابي.

    – الشاعرة “او نونو قوماتشي”

    ١٠- هذا هو معبر ” أووساكا” عند نقطة التفتيش

    حيث يغادر من يغادر ويعود من يعود

    حيث سلام شمل الأحبة

    وحيث الغرباء يلتقون

    والبعض يفترق.

    – الشاعر ” سيمي مارو”

    ١١- أمانة يا قارب الصيد الطافي هناك

    حين أمر بك وأنا في هذا هذا القارب

    أشق صفحة الماء

    في طريقي إلى المنفى

    أن نتقل للحبيب سؤالي وشوقي وأحزاني.

    -“سانجي تاكامورا”

    ١٢- أيتها الرياح التي تعبر هذا الفضاء الفسيح

    أغلقي مسارك الكوني هذا لبرهة

    عساك تحتجزين مليكة السماء تلك

    كي أتأمل حسنها

    مثلك تمامًا يا نهر ” هينا”!

    – الراهب ” صووجوه هينجووه”

    ١٣- يا نهر العاشقين

    المنساب من قمة جبل “تسو كوبا”

    ما بال مياه نهر عشقي ولوعتي راكدة

    وكأنه يصير جبًا عميقًا مع الأيام

    لا ترى العيون منتهاه!

    – الإمبراطور “يووزي إين”

    ١٤- يا ثوب بلاد ” ميتشي نوكو”

    بخطوطك المتشابكة المجنونة

    من جعل فؤادي مثلك

    حائرًا.. متداخل الخطوط والثنايا؟

    أنتِ!

    – ” كاوارا نو سارداي جين”

    ١٥- خرجت اليوم من أجلك

    إلى مفترق السهول الفسيحة

    وبينما كنت سارحًا في ذكراك

    أفقت على الصقيع وقد تجمد

    بكم ثوبي!

    – الإمبراطور “قووقوو”

    ترجمة: د. أحمد فتحي.

  • أسامة حداد – حائط خامس للعزلة

    أسامة حداد – حائط خامس للعزلة

    كل ما حدث لعبةٌ،
    ﻻ أدرك بدايتها
    رصاصةٌ منطلقةٌ
    ﻻ تقفُ،
    ضجيجٌ ﻻ أمسك منه كلمةً
    كل ما يحدث فخٌ دخلته بقدمي،
    وأعجز عن الخروج
    فكيف أغير الأرصفة
    أستبدل الحوائط؟
    ﻻ شيء يقدم حقيقته
    الشجر جريمةٌ،
    والمصابيح فضيحة الليل،
    الهواء حمله اللصوص،
    والنهر جثةٌ…
    الأشياء تتحول
    الشجرة قوقعةٌ…
    والرصيف علبةٌ فارغةٌ…
    الحافلات نقاطٌ في سطرٍ خاوٍ،
    ورسالتي إلى الله
    وقعت في يد الشرطي،
    خطوتي مرهونةٌ لدي تاجر الخضروات،
    وظلي يجلس في المقهي،
    وينظر بغضبٍ إلى الوقت،
    والحائط مزينٌ بخيوط عنكبوتٍ هاربٍ…
    إنها الحياة حيث الأحذية
    ﻻ تختلف كثيرًا عن القبعات،
    وشاشة الحاسوب تشبه لعبة الدومينو،
    والأغنيات تتسلق القطار هربًا
    من المحصل،
    والجميلة تترك الشارع وحيدًا
    يتأبط الهواء
    ويحلم باصطدام ثديها بيده،
    بلا تعمدٍ
    كل شيء يتحول
    المياه تتبخر،
    المواقد تشتعل،
    والأكواب تتلون
    قبل استعادة شفافيةٍ
    تميز جسدها الهش،
    والأصدقاء يواصلون الخديعة،
    والنميمة ضروريةٌ ﻻستكمال المشهد،
    والطبيب مغرمٌ بانتقاد زميله،
    والتصريح بخطأٍ جسيمٍ،
    يحمل الأصحاء نحو ثلاجة المستشفى،
    والعالم ليس سيئًا
    في وجود مشتبهٍ بهم،
    أو في اندفاع قتلةٍ
    نحو مجمعٍ تجاريٍ،
    أو سيطرة رأسماليٍ
    على صناديقَ التبرعات،
    اعتقال ماركس في قبوٍ مظلمٍ،
    وجيفارا في صندوقٍ بقاع البحر،
    مع الترحيب بقراصنةٍ طيبين جدًا،
    يتقدمون من الشاطئ
    إلى مستودعات الطعام…
    العالم ليس رديئًا
    مع انتشار اللصوص
    بأزياء رسميةٍ
    واختفاء القمر في ظروفٍ غامضةٍ،
    واغتيال المومياوات في حادث طريقٍ،
    ووجود رجلٍ يتجول في غرفته
    باحثًا عن حائطٍ خامسٍ يلجأ إليه …

  • أسامة حداد – أسئلة تتجول فى الهواء

    أسامة حداد – أسئلة تتجول فى الهواء

    كان علي أن أقود آﻻف الأشجار
    إلي الميادين ؟
    وأزرع فمي بمكبر للصوت،
    أنا من يحشو جيبه بالفراغ،
    ويقتطف دموعًا ضائعًة
    من هواءٍ مريبٍ
    ويخفي كلماته المراوغة
    على حوائط معتمةٍ…
    أكان على أن أضع قبلة
    على شفاهٍ صغيرةٍ ؟
    وتركتها فى الفضاء،
    تتجول في وسط القاهرة..
    أي ذنب ارتكبه هاتفي،
    وما الذى فعلته صفحتي بالفيس بوك،
    وكيف أحتمل مرواغة عرافةٍ،
    وخديعة الفنجاين،
    وخطوط كفي مريبةٌ،
    والمقاهي تتسع لأغنيةٍ مفقودةٍ،
    لنشرب الشاي وندخن السجائر،
    وننتظر مهبطًا للطائرات ينمو على الطاولة….
    كيف يمكن اكتشاف العلاقة
    بين ثمرةٍ وفرعٍ؟
    بين الجذور والأرض ؟
    ولماذا يستريح القمر على صفحة النهر
    حيث كانت الشمس تندفع بقسوةٍ ؟
    وأسباب التوتر بين المارة والتماثيل..
    حقيقة الأضواء الكاذبة للمصابيح،
    والكلمات الكبيرة فوق الأفواه واللافتات،
    وسر سخرية الجميلة من قصيدةٍ فى الفيس بوك،
    أعرف أنها تفكر فى خراب العالم، هى من تخاف المواجهة وترتبك فى الزحام،
    وتبادلني الابتسام بصور على الشات
    وتحلم بعالم وديع وتضحك من طفولتي المستمرة، أنا التائة فى أرض غربتي أبحث عن مستقر وأغيب فى أعماق عينيها الوديعتين،
    وأواصل أسئلتي كمشاغب فاشل ومراهق متعب ….
    أخبرتك بخطوة تدق فى رأسي،
    ببهجة أحاول تسلق غيمة لأجدها،
    وأرسم حديقة علي حائط متهدم،
    وطيورا من الورق المقوي،
    وأنني لا أصلح كقاطع طريق،
    حتى لو اختطفتك فى قارب على النهر،
    أوبساط من فراشات،
    أنا الهارب من الألم،
    توقفت سيارة جانبي،
    وقفز نعش،
    تأملته بحدة لأتأكد أنني لست داخله،
    أريد فرحة ما،
    لعبة أغني معها،
    أرجوحة تقفز معي بعيدا،
    طائرة ورقية أحلق فوقها على حقول خضر،
    وأريد ابتسامتك الحزينة،
    فى صباح شتوي دافئ كعينيك،
    واحتضان نظرتك الحانية ….

  • نهاية نهار – فرناندو بيسوا

    أحيانًا أفكّر، بمتعةٍ حزينة، فيما لو كتب ذات يوم لهذه العبارات التي أكتبها، في مستقبلٍ منذ الآن لا أنتمي إليه، أن تحيا مقرونةً بالثناء، فَسَأكْتَسِبُ في النهاية الناس الذين “يفهمونني”، العائلة الحقيقية التي سأولد فيها وفيها سأغدو محبوبًا، لكن بعيدًا عن الوصول إلى الولادة فيها، سأكون قد متّ من زمنٍ طويل. سأغدو مفهومًا في الصورة المطبوعة فقط، حين لا يكون بإمكان الحبّ أن يعوّض مَن مات تلك المجافاة التي وحدها كانت من نصيبه عندما كان على قيد الحياة.
    ذات يوم ربما يدركون أنني، أكملت، كما لم يفعل أيّ شخصٍ آخر، واجبي منذ الولادة كترجمانٍ لجانب من قرننا هذا؛ وعندما يفهمون ذلك عليهم أن يسجِّلوا أنني لم أكن مفهومًا في الحقبة التي عشتها، وأنني عشت، مع الأسف، بين أشكالٍ من الجفاء واللامبالاة، وأنه من المؤسف أن يكون هذا ما حدث لي. والذي يكتب هذا سيكون، في الحقبة التي يكتبه فيها، غير فاهمٍ ولا مدرك، مثل مَن يحيطون به، لشبيهي في هذا الزمن المُستقبلي، ذلك لأنَّ الناس فقط يتعلمون من أجدادهم الذين ماتوا. ووحدهم الموتى من نعرف تعليمهم القواعد الحقيقية للحياة.
    في العشية التي أكتب فيها، توقّف المطر، مسرّة الهواء منعشةٌ للجلد. النهار آيلٌ للانتهاء، لا في الرماديّ، وإنما في زرقةٍ شاحبة. زرقةٌ غامضة تنعكس، حتى، في أحجار الشارع. يؤلم العيش، لكن من بعيد. لا يهمّ أن نحسّ، واجهةٌ أخرى تُضاء.
    في نافذةٍ أخرى عالية هناك أناسٌ يشاهدون انقضاء الأعمال. المتسوّل الذي يلامسني لا بدّ أن يُصاب بالذهول لو عرفني.
    في الأزرق الأقلّ شحوبًا والأقل زرقةً الذي يلتمع في المباني، تميل ساعة النهار اللامحدَّدة أكثر قليلاً نحو المساء.
    رويدًا رويدًا، تهبط خفيفة، نهاية النهار الأكيدة… خفيفة، تنزل موجة الضوء الذي انقطع، كآبة المساء اللامجدي، ضبابٌ بلا غيمة ينفذُ إلى قلبي. خفيفًا، ناعمًا يسقط الشحوب اللامحدَّد اللامع للمساء /المائي/ – خفيفًا، ناعمًا فوق الأرض البسيطة والباردة. خفيفًا يسقط، رمادٌ لا مرئي، رتابةٌ ممضة، ضجرٌ بلا راحة.

  • بسام المسعودي – ما لا أعلمه

    Letter K (I Don’t Know Fantastic Aventures Lacking the Howl of the Wolves)
    Vasile Dobrian

    هذا الحقل لا يعلم
    أنني غرسـة
    لو كنتُ فيه لأثمرتُ
    فيه أوجاعاً
    تشبهنــي
    هذه الأنثى لا تدري
    أني حباً
    لن يروها
    لن يكسو عري
    روحــــاً
    مــكتظة
    بويلات رجل
    لا يعلم من هو ..
    هذا القلب لم يشعر بي
    يوم كنت نبضه
    و تلك العين تبكي
    و لا تعلم
    كيف صرت فيها
    مجرد دمعة
    تنفقها مع كل وابل
    آهاتٍ أو شوق..
    الحرب تجهل أني نازح
    تجهل
    ما معنى نازح
    تجهل
    لماذا و كيف نزحت
    لا تعلم
    أن بيتنا مهجوراً
    تسكنه أشباح الذكرىٰ
    و قذائفها الصماء
    لها دويٌ فاجر
    لا تعلم
    أن الجوع كافر ..
    هذا العاقل لا يعلم
    أنني مجنون
    و أشرعة عقلي
    لا تمنع كل جنوني
    من الشوق لعقلٍ
    يفقدني صوابي
    لا تعلم كل الدنيا
    ما معنــىٰ
    أن أسأل بقايا حذائي
    لماذا أركض دونك
    و هو لا يعلم
    أنـــه رث
    منذ أكلته أصابع
    قدميْ كل وجبة
    ذهابٍ أو عودة
    أنا لا أعلم
    لِمَ تتيمم روحي
    بتراب القلب
    و عيناي تسرف
    بالماء المالح
    و لماذا أكتب
    نصوصاً رثة
    لأنثى لا تدري
    ما معنى
    أن تزدان بها
    كلما لبستها
    فساتين ويلٌ
    أو خيبة
    هذا العالم كله
    لا يعلم
    أني خيبة وحين
    كبرتُ
    صرت غرسة
    صرت حباً أحمق
    صرت نبضاً
    صرت دمعةً
    صرت نازحاً
    صرت مجنوناً
    يحاكي حذاؤه
    صرت أبكــي
    حين كبرتُ
    لا أعلم أني
    صرتُ لعنــــــــــة ..

  • توم المسكين  – كيورك فيرت

    توم المسكين – كيورك فيرت

    خاطبَ الموت توم المٌعدِم:

    “تعال يا توم, اقترب يا مسكين،

    اهبط إلى اللحدِ الرطيب،

    تعال يا توم… انزل إلى الأسفل!

    كن مطمئناً وتشجع يا توم،

    فأنا رؤوف بك أيها الفقير.

    تعال… سأحملك إلى الراحة والسكينة،

    اقترب يا توم… لكي أغشاك!

    سأّدثركَ بالزهورِ البهية،

    يا توم المسكين، لكَ اليوم أن تنسى

    كل الأحزان والكروب.

    تعال يا توم … تعال … اقترب

    تعال… فلقد أُعِد مَضجَعُك في هذه الأثناء”. ــ

    في ثَنايَا الليل إنساب الرنين الشادِه العُجاب:

    “تعال يا توم… اقترب” ــ

    إلى أن جاء توم.

    ترجمة: زهير سوكاح

  • سلام – سارة تيسدايل

    سلام – سارة تيسدايل

    ١- سلام

    السلام يتدفق فيّ

    مثلما يتدفق المد إلى الحوض عند

    الشاطئ،

    بل هو لي إلى الأبد،

    لأنه لا يعود أدراجه كالبحر.

    أنا حوض الزرقة

    الذي يعيد السماء المشرقة

    آمالي كانت بعلوّ الجنة،

    وهي كلها متحققة فيك.

    أنا حوض الذهب

    عندما يحترق الغروب ويموت،

    وأنتَ سماواتب الذاهبة في العمق،

    فامنحني نجومك لأحملها.

    ٢- فرح

    أنا الحرون، سوف أغني للأشجار

    سوف أغني للنجوم في السماء

    أنا أُحِب، أنا أُحب، وهو لي،

    الآن أخيرًا بات في وسعي أن

    أموت!

    صندلي من ريح

    ولهب،

    ولديّ نار القلب وأغنياته

    لأعطيها،

    أستطيع أن أمشي على العشب أو

    على النجمات،

    الآن أخيرًا بات في وسعي أن

    أعيش!

    ٣- خيماء

    أرفع قلبي مثلما يرفع الربيع

    زهوة صفراء إلى المطر،

    سيكون قلبي كوبًا جميلًا

    رغم أنه لا يحوي إلا على الوجع.

    لأني سأتعلم من الزهرة والورقة

    كيف تلونان كل قطرة تحملانها

    لكي أحول نبيذ حزني

    الميت

    إلى ذهب حيّ.

    ترجمة: جمانة حداد.

  • قريبًا تخضرُّ الأشجار كلّها (من الشعر السويدي) – آرنه يونسون –  إبراهيم عبد الملك وجاسم محمد

    قريبًا تخضرُّ الأشجار كلّها (من الشعر السويدي) – آرنه يونسون – إبراهيم عبد الملك وجاسم محمد

    1- معراج

    ليس لديّ متسعُ من الوقت

    ولا حتى ما يكفي لستر جسدي

    – مبتَلعٌ حتى النصف

    قريبًا سيمسي الصيف علينا

    الأشجار مصدّاتُ موج هائلة تصدُّ كُتلًا خضراء

    تموج أوراق الأشجار فاتحةُ الخضرةِ رقائقَ ذهبٍ

    في الماء.

    مخملٌ مضيءٌ أخضر رماديٌّ بشرةُ طفل

    لامعة كالفضة الجميلة

    ترحل عنكِ حين أداعب التحوّل.

    لا تَجِفّي مني

    احفظيني في كل ما هو ليس بوَعْد

    ولكنه وعدٌ مع ذلك

    احفظيني في وجهكِ

    في التجاعيد الرقيقةِ

    كالإبر تحت لسانكِ اللاذع في عينيكِ اللتين

    تحسبينها مُبصرتين

    احفظيني في سيارتك الزرقاء.

    وفي كل ما حولكِ

    انظري

    سأموت ولن أعود أبدًا.


    2- رسالة من زجاج وماء

    رسالة من زجاج وماء

    لستُ أكثر من طيف مُدبَّرٍ ذائبٍ في المطر

    مسكوبٍ على نافذتكِ افتحي

    فأحل حبرَ دفتر يومياتكِ

    وماسكارتكِ

    ولوحاتكِ المائية وسماءكِ الزرقاء

    اقرأي شفافيتي.


    هكذا إذن،

    إن احتجتِ إليّ

    اشربيني مع النبيذ

    العقي ملحي لا تقولي شيئًا دعيني وحسب

    حيوانًا

    أحسُّ بلسانكِ، بثقلكِ، وظلكِ، دعيني أقتنص

    كأضعف ما في قطيعٍ افتحيني

    لا تُقدسي الحب

    احمليه مع القشور والعظام

    دعيه يسيل كدم السمك تحت الحنفية

    كُليهِ قَبليهِ العَقيهِ

    احفظيني

    من كؤوس خزانتكِ

    في بحيرتكِ

    في ملابسكِ

    احفظيني مطرزًا ومخيطًا.


    أيتها الطفلة

    أضمكِ بين ذراعي

    أنتِ خفيفة كما يجب أن يكون عليه الأطفال

    تلعنينني لأني أهجركِ

    تلعنينني لأنني باقٍ

    ليس فيكِ شيءٌ من القداسة

    تُفرغين ذاتكِ عليّ

    خذي بيديّ

    احفظينني لا تغسلي ثيابكِ

    كوني قرى الضيوف الصغار

    أحوّلكِ.

    اغسلي، أوصدي

    احفظي في كؤوس نظيفة

    نبيذكِ

    ملحكِ

    وأمونياكِ

    اغسلي، أوصدي

    وسخي ثانية

    عبر نوافذ مُشرعةٍ يأتي سبيلٌ آخر

    أبيض كالقطن بلا سكاكين بلا كلمات بلا خلاص.


    سيأتي الخريف

    يقطع فيه السواد ويحلّ

    بلى، ولا حتى أنتِ، أنا، يمكننا منع السواد

    عن التفشي

    غدًا تتفتحُ الغابات بتيجان معتمة وارفة الظلال

    قريبًا تخضرُّ الأشجارُ كلُّها.

    الانتظار يُطلقُ الداءَ

    فطر أصفر، طفحٌ، جراحٌ مفتوحة تُزيِّنُ

    البيتَ الأشجارَ الأوراقَ

    أحدهم يجمع أعشابًا طيبة

    يعبئ العدوى في زجاج وكأنها حيوانات ناقصة:

    أجنحةٌ مشدودة

    جلد سحلية مجرّح

    أفواه دامية

    لا شفاء هناك، تعالي وانظري..

    هذا أنا.


    مساكنُ حُفَرٌ مصاعدُ جلدُ سحالي شرشفٌ للهجر

    لإخفاء الرحيل ثانية إلى المسالك المهجورة

    إلى الأكواخ الرمادية

    إلى الحديد الصدئ آجام القُرّاص

    تذوقي لساني، يدي، الآثار ظلال الأجساد الكبيرة

    ( يمكثون غير مقسمين محفوظين

    كحبوب هوائية غير مضاءة تحت الأرض)

    تعالي بعدها إلى هنا

    لحمُ الألم الدامي جسدٌ

    أسكنه.


    يأتي المساء بالرطوبة

    قادمًا من البحيرة مغطيًا

    كثياب لم تخيّط كشبكة صيد

    أعطني فرصة كي أعلق في النسيج البرّاق

    في النجوم في ماء بيض الضفادع في شباك الصيد

    في قطر ندى جلدكِ

    أعطني فرصة للنجاة من اليباس

    العدم

    شُقي جسدي المتحول

    دعيني أنَم.


    أن لا يفيق المرء، أن يُغسّل، أن يُشرّح

    أن تنتزع أحشاءه، أن تُفحص، أن يُصدّق عليها

    ثم يُعاد كل شيء ثانية

    ويخيط حتى الرقبة

    كل هذا في الظلام.

    كانوا يبحثون عن ذهب سينير

    “هكذا نفعل مع الجميع، بحكم الشرع”

    احفظيني مخبأ بين السكاكين

    في الدرج القريب منكِ

    في كل اللقاءات

    اغسليني وقطّعيني

    بيعيني لمربي الكلاب

    عضّات الكلاب هي عضاتكِ

    كل تلك الليالي التي ظنناها الأخيرة.

    تعالي، انظري أنا مشرّح

    كُلي حبي

    الذي هو أنتِ، إنه حماض الغنم والبيقة

    ارقدي عندي أنا قراصٌ خرفيشٌ

    يهبط النور في وركي

    املأي جسدي بخرَقٍ وقش

    ادعكي جلدي بالأصباغ

    هذا ليس ألمي

    ادفنيني واحفظي ألمكِ معي.

    احفظيني بعد

    احفظيني قبل أن تمسكي بي وبالشق الأحمر

    شق الوجع، المصابيح التي أُكِلت

    لأجلكِ نومي والسحالي في صدري

    لُفي ارمي بيعي كل شيء إلا النفيس لديكِ

    أنزليه ضعيه بين الخزف في الدكان

    احفظيني في جوريَّتكِ في ترقبكِ

    حرري جسدي مما رأيتِ

    قبل أن تعرفيني.


    صغار الطيور تتدفق من الشرخ

    سوداء

    حامت دون حماية

    تهجر طفولتها

    يعثر المرء على الريش الصغير بين تشعبات الأغصان بين الصخور

    على الرفة في كتب الصبيان

    ألبوم القصائد غَطّي الموتَ بالريش

    دعيه يغني مع أنغام العندليب

    لا تفقدي الطفولة

    أما إحساس الجناح الرهيف

    فاحفظيه هو الآخر.


    منفى

    والغيوم هي الأخرى مختلفة

    ليست غريبة

    بل كأول طائر مهاجر يراه المرء في الربيع

    إذ كل شيء لم يزل

    في تبرعم

    بلى، المرء هنا في وطنه.

    دون مشاعر يرسل المذياع التوق

    انثريني الآن

    بيْنا، أنا في نومي

    فوق هذا البلد

    احفظيني وأنا في ضياعي

    قريبًا تخضرُّ الأشجارُ كلُّها

    قريبًا تخضرُّ الأشجارُ كلُّها.


    *نص: آرنه يونسون
    *ترجمة: إبراهيم عبد الملك، جاسم محمد
    *من كتاب: أنطولوجيا الشعر السويدي

  • مختارات من مجموعة” بينما السمّ يسري” لبرونو ك. أوير

    مختارات من مجموعة” بينما السمّ يسري” لبرونو ك. أوير

    في باطن مشط قديم بياضه كالعظام
    تكمن ذرات شرر كهربائي متبقية من شخوص
    مشطوا شعرهم عند النافذة
    وحبسوا أنفسهم في الداخل
    إبتكروا مفتاحًا للظلام الكبير تاذي نستحق.

    ***
    آثار يديك
    قرب الباب
    على ورق الجدران
    الباهت الزرقة
    كما لو انك اتكأت
    وأردت أن تلفظي عنك جسدك وبقايا جوهرك

    ***

    حلقت في شعور
    ليس بمقدورك فيه
    تمييز النور من العتمة لكنك ما زلت
    تحسن بدوامات تيار من عيون
    احتمت في الوجه المريع

    ***
    في الحلم
    صعدت في ريح مديدة
    وأضرمت النار في البيت
    خشيت بعدها أن يصلوا في الوقت
    ويأخذوا معهم
    لهبًا يقحمونه في السائل
    ليحمضوه
    ويروا ملامحك
    تبرز من الصورة

    ***
    لماذا أراها
    جلية، عطر بنفسج
    يقودني إلى مكان السرير
    هناك برأس مطاطئ فوق الجسد
    تقبض بأسنانها على قلبها
    دون ندم

    ***
    ربما انقضت أصياف
    صوت طير قوي على ظهره
    والشعور بالاشمئزاز بعد أن حمل بعيدًا
    العشب ينهض ثانية
    ويختب منتظرًا

    ***

    بعد منتصف الليل
    تعبث بحقائبي
    المرأة الشاحبة الخجول
    ذات الرئتين السوداوين
    تجلس ساكنة
    وترقبني
    ماذا تريد ثانية؟
    لم أخل بعقدنا
    ألست أحمل نسخًا من صوتها
    حيث تقول بوضوح
    إن هناك ظلالًا مزيفة
    وإن الظلال الحقيقية فحسب لها أن تعتني بالجسد
    الميت.

    * برونو ك. أوير – شاعر من السويد.
    ترجمة: إبراهيم عبد الملك/ جاسم محمد.

  • مها دعاس – ما من شىء يستوجب هذا العنف

    مها دعاس – ما من شىء يستوجب هذا العنف


    ما من شيء يستوجب كل هذا العنف
    بين مخلب العمر و الحطاب
    تقول الشجرة التي نزفت دما أسودا على الأرض الميتة
    ظل يتدفق من شرايينها حتى حفرت فيها ساقية تئن كلما مر من قربها فأس
    احتطب روحها ذلك المتمرس يعشق صوت أنينها المقهور

    عند الساعة السابعة صباحا
    حينما يمر الموت من هنا
    يعود الحطاب سكرانا بعد ليلة ساخنة
    تستيقظ قطة مسكينة لم تنم جيدا بالأمس بعد أن أزعجها أنين الشجرة المذبوحة

    الشمس تفتح عيونها بخجل
    نصف استيقاظ
    على عجل تجدد الشروق

    ذلك الكلب ينبح بحنان بعد أن قضى ليلة دافئة قرب مدفئة لا تهدأ نارها
    أطفال عاديون يذهبون إلى المدارس
    بشكل عادي مثل أي يوم عادي
    يوميات بلا كوارث قيد الحدوث أو الإنتظار
    بلا ترقب لأي نوع من أنواع الموت
    أي رفاهية تلك ؟
    أي يوم عادي بامتياز لا تتوارى فيه خلف كوابيسك ؟

    أدخل الآن إلى الشارع الخلفي
    الممرات مرصوفة بآثار العابرين مسرعين دون أن يتركوا حزنا خلفهم

    عصفور يعانق المدى و يسقي الصباح طهر صوته
    بين حبيبات الندى المتساقطة على أجنة الورد يغفو كائن صغير جدا يغازل النسمة بنعومة
    منوال دفء الكون يجدد انتماءه للملكوت

    أبحث عني
    عن أنثى نسيتها ربما على حبل الغسيل معلقة قرب حزنها القديم الذي لا يزال مبللا يقطر وجعاعلى أفكارها الساذجة و أوهامها التي تجددها كل يوم
    الأمر لا يتعلق بالهراء
    ربما هو هذا
    أن تكتشف أنك هراء ،هذا أمر في غاية الأهمية

    هي هناك معلقة في الخزانة قرب ذلك الفستان الأحمر،الفستان الذي
    كان يرقص على لحن الشانيل عندما أرتديه
    الأحمر القاني المزركش بخرز أسود و حبة كهرمان بقلب صورة للزباء و كمشة زيزفون
    متروكة في صندوق للأشياء الفائضة عن الحياة تلك التي لا
    تلزمنا ولا نرميها
    كدمعة غافية على زند شباك مهجور
    بين نزق الوقت و تلاشي الغد
    بين تباين الزهر و ما يحيط به من أشواك

    أبحث عن روحي
    ارتدت وشاح الضوء
    ثم تاهت مني

    أعد الأرصفة و حجارة الشارع الرتيبة
    أصغي لهذا التناغم المثالي بين روح الوجود و مخلوقاته
    بين مكنونات الجرح الغائر وهذا الجمال
    من أين يأتي كل هذا القبح للانسان ؟
    حجرة حجرة
    أقف عند الرقم عشرة
    عند الرقم عشرة تماما قال لي النهر العابر لجسد المكان وهو يرمقني باستغراب
    ماذا تفعلين هنا أيتها النشاز ؟

  • مها دعاس – سمكة

    مها دعاس – سمكة


    الأسماك التي عادت متأخرة من نزهتها على الشاطىء
    تجمعت كلها قربي و صوت البحر
    هانحن نحاول التنفس خارج الماء
    علي فقط أن أفكر مرارا بمنطق سمكة تحرس دموع الزرقة
    أصيبت بذبحة قلبية في صباح أعزل
    علي أن أصغي لصوت الأمواج في قلبي لأنجو
    العائدون من البحر يحملون رائحة الملح
    طعم المد والجزر
    رقصة أعشاب البحار حول أفكارها المبهمة التي تمد يدها لحلم عن اليابسة البعيدة هناك
    لهفة الحصى التي تحمل في عينيها
    لون القاع
    قلب حبات الرمل الصغيرة يعانق
    انتظار الشاطىء لموجة تحمل حبة لؤلؤ
    اختبأت داخل صدفة في أعماقه
    أحزن مافي الأمر أنني لا أملك ذاكرة سمكة

  • ميموزو – سيلفينا أوكامبو – ترجمة: عبدالله ناصر

    ميموزو – سيلفينا أوكامبو – ترجمة: عبدالله ناصر

    ظل ميموزو يحتضر لخمسة أيام. كانت ميرثيدس تسقيه الحليب والعصير والشاي بملعقةٍ صغيرة. هاتفتْ محنط الحيوانات، وزودته بطول الكلب وعرضه، وأخذت تستفسر عن الأسعار. كان تحنيطه سيكلف راتب شهرٍ كامل. أنهت المكالمة وخطر في ذهنها أن تأخذه هناك في الحال كي لا يتعفن. وعندما نظرتْ إلى المرآة رأت عينيها المتورمتين من البكاء، وقررت أن تنتظر حتى موت ميموزو. جالسةً بجوار موقد الكيروسين، أخذت تملأ الطبق وتمد الكلب مرةً أخرى بملعقة مليئةٍ بالحليب، ولكنه ما عاد قادراً على أن يفتح فمه، فانسكب الحليب على الأرض. عاد زوج ميرثيدس في الثامنة، بكيا معاً وأخذا يعزيان نفسيهما بفكرة التحنيط. تخيلا الكلب بعينين زجاجيتين واقفاً عند المدخل، كما لو أنه يقوم بحراسة المنزل.

    في الصباح التالي، وضعت ميرثيدس الكلب في كيس. ربما لم يمت تماماً حتى الآن. غلفته بالقنب والجرائد حتى لا تلفت انتباه أحدٍ في الباص، وحملته نحو المحنط.

    وفي خزانة العرض في منزله تأملتْ العديد من الطيور والقردة والثعابين المحنطة. كان عليها أن تنتظر. ظهر الرجل رافعاً أكمامه وهو يدخن سيجاراً إيطالياً. حمل الكيس قائلاً: ” ها قد أحضرتِ الكلب؟ كيف تريدينه؟ ” لم يبدُ على ميرثيدس أنها فهمت، فأخرج ألبوماً مصوراً. ” هل ترغبين بأن يكون جالساً أم مستلقياً؟ أم واقفاً على قاعدةٍ خشبيةٍ مطلية باللون الأسود أو بالأبيض؟”

    نظرت إليه ميرثيدس لوهلةٍ دون أن تتفوه بكلمة قبل أن تجيب:

    – “جالساً وكفاه الصغيرتان فوق بعضهما البعض.”

    – ” وكفاه الصغيرتان فوق بعضهما البعض؟” أعاد الرجل ما قالته كما لو أنه لم يستحسن الفكرة.

    – ” كما تشاء ” أجابت بخجل.

    كان الجو حاراً، شديد القيظ، خلعت ميرثيدس معطفها. ” فلنلقِ نظرةً على الحيوان.” فتح الكيس وحمل ميموزو من قدميه الخلفيتين مواصلاً حديثه: ” لا يبدو ممتلئاً مثل صاحبته ” وضحك بصوتٍ عالٍ. تفحصها من الأعلى للأسفل، فأخفضت رأسها ونظرت إلى صدرها من خلال سترتها الضيقة. ” عندما ترين الكلب في المرة القادمة سيكون في حالٍ جيدة إلى درجةٍ يمكنه حتى أن يأكل.”

    وفجأة، ارتدت ميرثيدس معطفها، وضغطت على قفازها الاسود القصير وقالت، حتى تمنع نفسها من صفعه، ” أود أن يجلس على مثل هذه القاعدة الخشبية”، وأشارت بيدها نحو قاعدة فوقها حمامة زاجل.

    دمدم الرجل: ” للسيدة ذوقٌ رفيع، ماذا عن العينين؟ العيون الزجاجية غالية نوعاً ما.”

    – ” لا بأس “، عضت ميرثيدس قفازها.

    – ” خضراء أم زرقاء أم صفراء؟”

    – ” صفراء ” أجابت بعنف وأردفت ” كانت عيناه صفراوين مثل الفراشات.”

    – ” وهل رأيتِ يوماً عيون الفراشات؟”

    – ” مثل أجنحتها ” بنبرة احتجاج، ” مثل أجنحة الفراشات.”

    – ” صحيح، لا بد أن تدفعي قبل ذلك.”

    – ” أعرف، لقد أخبرتني على الهاتف.”

    فتحت محفظتها وأخرجت بعض النقود، قامت بعدّها ثم تركتها على الطاولة. سلّمها الرجل الإيصال. ” متى سيكون جاهزاً لأستلمه؟” دست الإيصال في المحفظة.

    – ” لا حاجة لذلك، سأحضره إليك في العشرين من الشهر القادم.”

    – ” لا، سآتي لأخذه برفقة زوجي.” وخرجت على عجلةٍ من المنزل.

    علِم أصدقاء ميرثيدس بموت الكلب، وسألوها عما فعلته بالجثة. أخبرتهم ميرثيدس بأنهم يقومون بتحنيطه، فلم يصدقها أحد، وضحك الكثير منهم. فكرت ميرثيدس، ربما كان من الأفضل لو أنها قالت إنهم تخلصوا منه في مكانٍ ما. جلست مثل بينلوبي، تحوك الصوف في انتظار قدوم الكلب المحنط. ولكن الكلب لم يأتِ. مازالت ميرثيدس تبكي وتجفف دموعها بمنديلها المزهر.

    وفي اليوم الموعود اتصلوا بميرثيدس، انتهوا من تحنيط الكلب وليس عليهما سوى المجيء لأخذه. كانا يقيمان في مكانٍ ناءٍ وبعيدٍ عن المواصلات. ذهبت مع زوجها بالتاكسي لإحضار الكلب. قال زوجها وهو ينظر إلى العداد: ” لقد صرفنا الكثير من المال على الكلب.” فقالت: ” لو أنجبنا طفلاً لما كلفنا هذا القدر.” وأخرجت من جيبها المنديل لتمسح دموعها. ” حسناً، هذا يكفي، لقد بكيتِ كثيراً حتى الآن.”

    كان عليهما أن ينتظرا عند المحنط. لم تقل ميرثيدس شيئاً ولكن زوجها أخذ يمعن فيها النظر. ” ألن يقول الناس إنكِ مجنونة؟” سألها وهو يبتسم. ” ذلك شأنهم “، ردت بعنف: ” إنهم قساة، وحياة أولئك الذين لا قلب لهم تعيسة جداً، لا أحد يحبهم.”

    ” فعلاً، أعتقد ذلك أنا أيضاً يا عزيزتي.”

    جاء المحنط بالكلب على الفور. كان ذلك ميموزو، مقعياً على منضدةٍ من الخشب الداكن والملمع، بعينين زجاجيتين وفمٍ مطليّ. لم يبدُ يوماً بصحّةٍ أفضل. كان لامعاً، سميناً، وحسن المظهر. الشيء الوحيد الذي لا يمكنه القيام به هو الكلام. داعبته ميرثيدس بيديها المرتعشتين، وانهمرت الدموع من عينيها فسقطت على رأس الكلب.

    ” لا تبلليه واغسلي يديك ” قال المحنط. ” يبدو كما لو كان قادراً على الكلام ” قال زوج ميرثيدس وأضاف: ” كيف يمكنك صنع هذه المعجزات؟”

    ” بالسمّ يا سيدي، قمت بكل هذا بواسطة بالسم. ولولا أنني أرتدي النظارة والقفازات لسممت نفسي. هذا هو عملي. لديكم أطفال في المنزل؟”

    ” لا.”

    سألته ميرثيدس: ” هل ثمة خطر علينا؟”

    ” إذا حاولتما أكله فقط.”

    ” لا بد أن نقوم بتغليفه ” قالت ميرثيدس بعد أن مسحت دموعها.

    قام المحنط بتغليف الحيوان بأوراق الجريدة وسلّمهُ زوج ميرثيدس. خرجا تغمرهما النشوة، وفي الطريق تشاورا حول المكان الذي يجب أن يضعا فيه ميموزو حتى وقع الخيار على ردهة البيت، بجانب طاولة التلفون حيث كان ميموزو ينتظرهما عندما يكونان في الخارج.

    في البيت اختبرا عمل المحنط، وضعا الكلب في المكان المتفق عليه. جلست ميرثيدس إلى جواره بإعجاب. هذا الكلب الميت سيرافقها كما رافقها أثناء حياته، وسيحميها من اللصوص ومن المجتمع. داعبت رأسه بأصابعها وعندما تأكدت من أن زوجها لا ينظر نحوها أعطته قبلةً سرِية.

    ” ماذا سيقول أصدقاءك عندما يرونه؟ ما الذي سيقوله بائع الكتب في ميرلوشي؟” سألها زوجها.

    ” عندما يأتي إلى العشاء سأضع ميموزو في الخزانة أو سأخبره بأنه هدية من السيدة التي تعيش في الطابق الثالث.”

    ” يجب أن تخبري السيدة بذلك.”

    ” نعم، سأخبرها.”

    احتسيا نبيذاً خاصاً في تلك الليلة وذهبا إلى الفراش في وقت متأخر على غير العادة.

    ابتسمت السيدة التي تعيش في الطابق الثالث عندما استمعت إلى طلب ميرثيدس. تفهمت هذا العالم السيء الذي لا يمكن فيه لامرأةٍ أن تحنط كلبها دون أن يتهمها الناس بالجنون.

    كانت ميرثيدس أكثر سعادةً مع الكلب المحنط، من الكلب الحيّ. لم تكن بحاجةٍ إلى أن تطعمه أو تحممه أو تقوم بتنزيهه. ولم يكن يعبث بالمنزل أو يقضم السجاد. ولكن السعادة لا تدوم. جاءت النمائم عبر رسالةٍ من مجهول، موضحةٍ برسومات بذيئة. ارتعش زوج ميرثيدس من السخط حتى بدا أن الفرن الساخن أبرد من قلبه. حمل الكلب على ركبته وقام بتحطيمه إلى قطعٍ صغيرة كما لو كان حطباً، وألقاه في الموقد.

    ” لا يهم، سواءٌ أكان هذا الكلام صحيحاً أم لا، المهم أنهم صاروا يقولونه.”

    – “لن تمنعني من أن أحلم به.” بكت ميرثيدس، ذهبت إلى سريرها دون أن تغير ملابسها. ” أعرف من هو المنحرف الذي يبعث هذه الرسائل المجهولة. لا بد أنه بائع المجلات الإباحية. لن يطأ هذا المنزل مرةً أخرى.”

    – ” عليكِ أن تستقبليه اليوم، فهو مدعوٌ على العشاء الليلة.”

    – ” الليلة؟ ” قفزت ميرثيدس من فراشها وركضت إلى المطبخ لإعداد العشاء، ترتسم الضحكة على شفتيها. وضعت شريحة اللحم في الفرن مع قطع الكلب. وأعدّت العشاء أبكر من المعتاد.

    – ” عشاؤنا الليلة شرائح لحم محمّرة. وقبل أن يلقي التحية قرب الباب، فرك الضيف يديه عندما شم الرائحة القادمة من الفرن. وحين قُدِّم له الطعام لاحقًا قال: تبدو هذه الحيوانات كأنها محنطة”، وهو ينظر بدهشة إلى عيني الكلب.

    – ” سمعتُ أنهم يأكلون الكلاب في الصين؟ هل القصة حقيقية أم أنها مجرد دعابة؟”

    –  ” لا أعرف، على أية حال، لن آكلها مقابل أي شيءٍ في العالم؟”

    – ” لا داعي لهذا القول ، لا يأكل الكلب كلباً آخر” ردت ميرثيدس وعلى محياها ابتسامة ساحرة.

    تعجب الضيف من ميرثيدس وصراحتها في الحديث عن الكلاب. قال ” لا بد أن ندعو الحلاق.” بعدما شاهد بعض الشعيرات في طبقه، وأخذ يضحك بحرارةٍ وبشكلٍ معدٍ، ثم سأل ” هل تأكلين شرائح اللحم مع الصلصة؟”

    ” إنها وصفة جديدة.” أجابت ميرثيدس.

    قام الضيف ليملأ طبقه من جديد، شريحة لحم مغطاة بالصلصة، مضغها وسقط ميتاً.

    ” مازال ميموزو يدافع عني.” حملت ميرثيدس الأطباق ومسحت دموعها التي انهمرت من الضحك والبكاء في الوقت نفسه.

  • شهریار قنبري – آه ترجمة سكينة شكر


    آه للدُّروبِ التي لا عابر لها
    آه للبلادِ التي لا شاعر بها
    آه للنّهار الذي لا صومَ فيه
    آه للطُّرُقِ المليئة بقطاع الطُّرُق

    آه للرّيح التي لا تحملُ النبيذ
    آه لشجيراتِ السَّرو المنهارة
    آه للسَّيفِ الذي ، دون أيِّ رحمة ،
    يحزُّ مكان القُبُلاتِ في الرقبة

    آه للظّلّ الذي بدون أيِّ وجهة
    يتماوجُ فوق ميناءِ الآلام
    آه لنقصكَ أنت.. آه لنقصي أنا

    آه للشُّعلةِ الأخيرة
    الّتي تُقاتلُ الرّيح والرّماد
    فموقدُ اللّيل لم يَشتَعلْ
    من أجنحةِ الفراشةِ المرفرفة

    آه من النَّهار
    الّذي لا بحر فيه
    آه من الغُرُوب
    الذي يستحضرُ الموت
    آه من المئةِ ثُقب
    في طيّات ذلك القميص

    أمطِرْ يا خير البارحة
    على محرقة الذَّات
    فهذا المأتمُ الّذي لا خمر فيه
    أصبح خالياً من الهيام

    ارقُصي يا سيّدة الأشباح
    تمايلي يا سيّدة الأشباح
    ما بين النُّطقِ والرُّقُود
    ما بين البقاءِ والرَّحيل

  • دارين نور – نصوص دومينو


    وعلى الرف أعمدة
    الإنارة ديسكات من ورق الكتب.


    السكير والبرتقال
    في الجهة الخلفية من المسجد
    يلعنها نعم
    أنوثتها الروح
    عطرها الزغب
    دون النساء مالون البرتقال حين
    تغلفه الغيرة.
    الإثنين 9/7/2018
    9صباحا

    مضبوط الحين.
    الدمقس هجيع النافذة المستيقظ
    الرؤية أفعال شاحبة التلفاز
    الوسادة فراشة دون ضوء
    السرير قنفذ الحقل
    الشفاز حلم الفم بمذاق حار
    الشيطان اين الرزيلة الحلال الملائكة في حداد الصدقة
    الكربون الجسد علبة المكياج
    خارج القيد هما القلم محكم
    العطاء.
    الإثنين 9/7/2018.
    11:45صباحا.

    من يغذي الشمس بصهدها؟
    من يرمم الريح بقضم كم المسافة ورفع ضمة قلق؟
    من يلضم نشيج الجيتار بتوقيع
    سري أن الليل ولمبات النهار وجدائل الشمس وعناقيد القمر
    وسلاسل الغناء ولحن الشجر ذو
    القافية الحسناء ثرثرة ساعة مائية للسيد القلب لوإستطاع
    المغفرة أو ربما تقبل الحب.
    الثلاثاء10/7/2018.
    11:50مساءاً.

    هذا الصباح
    علق الضوء على الحائط
    من دون بطارية في غرفة
    الإستقبال
    الشبابيك أطول من الصحراء
    العقل معمل ناشط دون ارجيلة
    الهواء مغيب
    الالوان غرف ترتديها الحوائط
    فيما الصبغة أهداب ترسم ضمة
    المفعول
    حيث قوانين القضاء لاتجلس
    على الطاولة المستديرة.

    الريح خاصرة
    لرقص الإحتراق
    سولارا في الهواء
    المارق في بوابات
    الرماد.

    المحرف لكرسي الإرادة
    قافل لشهية النظرة
    قاتل دانتيل القشعريرة
    فيما المرح يلعب العشب بين
    ركض أصابعك وعطرها
    أزمنة الدفء الوهمي.

    لو انحزت لمغطس
    أفكارها الخصوصي
    كن عابرا من كل فكرة
    لاتلعب غناء الرقص
    حين يتوسدك الدفتر بنعومته
    أوصمت يعول عليه.

    اليوجا وجها واحد
    لهدنة توسعية النمط
    على مقربة وتر
    وقطع وريد
    كمأذن بين الوهم والوهم.

    سيجارة الحشيش
    قضيب يعجل بحذف الرأس
    وقربان الأله مخصي المخيلة.

    هو الموت
    بين مفتاح الحياة على صدرك
    كالروح تسافر بين العنب
    فيما العيب وسن عينيك المعتق
    وصهريج الكف إتحاده بذاكرة
    اللمس.

    بين تفكيك المشاعر وتركيب
    شجنك المايسترو جدار
    كلما أعطيته أعطيته ظهري تركب طلتك قبرة بين الضلوع.

    ليس لقاء عابر
    دخان أنفاسك المجرة
    ونيران إحتراق السكون بين
    وريقات شرودك
    وغضبك الطفل الكبير
    حتى شعرك اللهب بين الأصابع
    مؤسسة أيله السقوط بينها روحي.

    أنه التاريخ
    إنها الساعة
    إنه الضوء
    حتى الليل غفى مكانه
    يدشنون الأن إلتحام أفكارنا
    وكورال الكرز بين الشفائف
    لحظة أعيد كتابة إسمك من
    أول الماء.

    ابن أمك ولست بأمك
    عالق بين المريا العيون
    وحصن الحقل الروح أقف
    عارية الخوف
    من سوء حظي أني مستيقظة
    من حسن حظي اللهفة مدفع
    خلقت نصوصه من بين عينيك
    أنظر للخلف أحطم تمثالك
    أنظر للامام أحطم نقانق تفاحتي الباقية
    ترسم زعانف مرور الإستنشاق
    بفاصل أمل ونقطة ألم.