*نارين شيام من كبار المجددين في الشعر باللغة السندية. وقد أدخل الأساليب الغربية كما استعمل الأساليب الكلاسيكية. له إحدى عشرة مجموعة شعرية وحصل على جوائز، منها جائزة أكاديمية الآداب عام ١٩٧٠.
لقد مررت أجنبيًا بينهم، لكن ما من أحدٍ رآني كذلك. لقد عشتُ جاسوسًا بينهم، ولا أحد، حتى أنا، أرتاب في كوني كذلك. جميعهم حسبوني قريبًا لهم: ما من أحدٍ عرف أنهم غلطوا بحقي منذ الولادة. هكذا، كنت مماثلاً للغير بدون مشابهة، أخًا للجميع بدون أن أكون من العائلة.
أتيتُ من أرضٍ عجيبة، من مشاهد أجمل من الحياة، لكنني عن الأراضي لم أتحدَّث إلّا مع نفسي، وعن المشاهد المرئية في الحلم، لم أعطِ خبرًا قط. خطواتي كانت تشبه خطواتهم على الأرضيات الخشب والبلاطات، لكن قلبي كان نائيًا، رغم أنه كان يخفق قريبًا، سيدًا مزيفًا لجسدٍ منفيّ وغريب.
ما من أحد تعرَّف عليّ في قناع مماثلتي للغير، ولا عرف قطّ أنه كان مجرد قناع، إذ ما من أحدٍ علم بوجود مقنّعين في هذا العالم. ما من أحدٍ افترض وجود آخر بجانبي، هو أنا في النهاية. اعتبروني على الدوام متطابقًا مع ذاتي.
لقد استقبلوني في منازلهم، أيديهم صافحت يدي، شاهدوني أمرّ عبر الشارع كما لو كنت هناك؛ لكن أنا الحقيقي لم يكن قطّ في تلك الصالات، مَن به أحيا لا يملك يدين ليصافح الآخرين، مَن أعرفه فيّ لا شوارع لديه ليمرّ منها…
…
الصمت حلم إدراك للألم، مصباح لعتمة القلب، هو كلمات لم تشكلها الشفاه ولم تذقها الألسن، وبلابل لا تغني إلا عند مقدم الربيع لحدائق الرغبة. اليوم كلمات هي مجرد كلمات لم تلفظ، ولم تتكون، رقصة للأصابع على قيثارة الروح أغنية للرغبة بدون صوت أو شكل.
2- أخي أيها الزنجي
في هذه الغابة من العاج، جسده الأسود مثل سحابة سوداء تلتف كالدوامة مثل لمعة برق أسود، مثل بحر من الأعضاء السوداء له جزر ومد وتمعج، يلتمع تحت الشمس المتوهجة يمكن أن يستحيل إلى رمح يرقص على أصوات الطبول يجابه العدو. أخي: أيها الزنجي يقطف زهرة من كل غابة. أقدام أخي حمراء مثل الورد.
3- قصيدة.
الظلام لابسًا رداء دم الإنسان يقدم سراب الأمل لأولئك الذين لا يستطيعون أن يروا.
* علي سردار جافري، شاعر من الهند ( 1912 – 2000) **ترجمة: شهاب غانم.
عاريًا يدخل المجنون في حديقة الأزهار، وفي روحه تتوغل جمرة متقدة، حيث لا وجه للجنة سوى وجه ليلى، وجسدها كلمة عشق، الحب عريه، وغطاؤه الجنون، والسحر، والمطلق، والوعي.
2- قصيدة اللقاء
التقت عيونهما وانهارت في اللحظة ذاتها، وأصاب الخرس صوت البلبل الذي كان يجذب أنفاسهما، وضاقت بهما الأشجار، وأصابت المجنون غابة العطس ورسم ملامحه على وجه ليلى، فلم يفلح الماء ولا الشذى: أفق حارق محا شعاع النهار عن الأزهار، وسكن ذاكرتها.
3- المجنون يتأمل العناصر الخاصة للاحتفال بالعام الجديد، بعد شفائه، بعيدًا عن ليلى.
تضيع الدنانير في الحشائش، النبيذ العلقم، السماق، طرح الزيتون البري يتلاشى العقيق والتفاح، وريح حارقة تعصف بضوء الشموع، وتعتم المرايا، وتفسد بذر القمح فلا الثوم ينمو ولا الأسماك تسبح في الماء الصافي، هي الرقم السابع بلا نيروز، بلا عينين، يتيمة، أرض لا تعرف ميلاد الحقول، لا تعرف انبثاق الزهور في نهديها، نسميها مستحيل.
*كلارا خانيس: شاعرة أسبانية كتبت عن الأسطورة العربية ( المجنون وليلى) في ديوان: حجر النار. ** ترجمة: د. طلعت شاهين.
لم يرد والداه أذيته؛ بل أرادا أن يحباه، وقد كانا كذلك. لكن أوليفر أتى متأخرًا في زواجهما، أي في وقت كان فيه تحدي تربية طفل أمرًا غير مرغوب بالمرة. وقد أثبت أنه عرضة للمصائب، إذ وُلِدَ بقدمين مشوهتين وتعلم الحبي بقالبي تقويم يصلان إلى كاحله؛ وحين نُزِعَا منه أخيرًا، بكى رعبًا لأنه ظن أن تلك الجبيرتين الضخمتين التي كانتا تضربان الأرض وتحتكان بها جزءًا منه.
أثناء طفولته، ذات يوم، وَجَدَاه في خزانتهما مع صندوق مليء بكرات النفثالين[1]، وكانت بعضها ملطّخة بالساليفا[2]. وقياسًا على ما مضى، فقد تساءلا عما إذا كانت هناك حاجة فعلًا إلى الإسراع به إلى المستشفى وغسل معدته الصغيرة المسكينة، فصار وجهه رماديًا مخضرًا بعدها. في الصيف التالي، حين تعلم المشي، قام والداه بأخذه والسباحة جميعًا في الشاطئ بينما يبحثان عن جو رومانسي بعد صحوة أعقبت حفلة متأخرة ليلًا وشجارًا بينما كانا ثملَين، ولم يكونا بوعيهما إلى أن رأيا حارس الإنقاذ يذرع الشاطئ ركضًا تجاه أوليفر الذي كان يدرج خلفهما ثم صار يطفو على بطنه لمدة بضع دقائق مميتة بحسب المنقذ الذي لم يلمّح كثيرًا. كان وجهه أزرق هذه المرة وطالت كحَّته لعدة ساعات.
كان أقل أطفالهما شكوى، ولم يلم والديه أو إدارة المدرسة على أنهما لم يلاحظهما عينه اليمنى “الخَدِرَة” في الوقت المناسب لعلاجها إلى أن نتج عن إغلاق تلك العين كون كل شيء معتمًا بقدر عضال. كان مرأى الصبي وهو يحمل كتابًا بزاوية غريبة تجاه الضوء فقط يجعل والده يرغب بالبكاء عجزًا.
وحدث أنه كان في العمر الخطأ والحساس تمامًا حين انفصل والداه وشرعا بالطلاق. كان إخوته الكبار خارج المنزل في مدارس وجامعات خارجية وفي مقتبل الرجولة وأحرارًا من العائلة. أما أخته الأصغر فكانت صغيرة بما يكفي لتلاحظ التغيرات الجديدة – كالوجبات في المطعم مع أبيها ثم الرجال الودودين الذين يظهرون ويأخذون أمها إلى الخارج -. لكن أوليفر، في الثالثة عشر من عمره وقتها، قد أحَسَّ بثقل الاهتمام بالبيت وحمل شعور الهجران من أمه. ومرة أخرى، اغتمّ والده عجزًا؛ فقد كان السبب بالفعل – وليس الولد – عندما بدأ ظهور الدرجات المتدنية في المدرسة ثم الجامعة، ثم كسْر أوليفر ذراعه إثر انزلاقه من الدرج – أو إثر القفز منه، حسب مرويّة أخرى لتلك الحادثة الغريبة من نافذة فتاة -. ولم تلق سيارة واحدة من عائلته مصيرًا شنيعًا، بل العديد منها بينما كان خلف المقود، وقد خلت كلها من الإصابات ما عدا ركبتين مليئتين بالرضوض وسنّين أماميين مهتزين. نمت الأسنان مستقيمة مجددًا – حمدًا للرب – في ابتسامته البريئة التي تمتد ببطء عبر وجهه بينما بدأت تشيع الأنباء المضحكة حول مصيبته الأخيرة، إذ كانت تلك الابتسامة إحدى أجمل صفاته، لأن أسنانه كانت صغيرة ودائرية وتبتعد عن بعضها بمسافات، كأنها ابتسامة طفل.
ثم تزوّج، وهذا ما بدا مصيبة أخرى عبر مرورها بليالٍ ملأى بالسهر ووظائف متروكة وفرص حياتيّة مهدرة بالنسبة لشخص بالغ. كانت الفتاة، واسمها أليشيا، عرضة للحوادث بقدره، وذلك للعنف المستمر وعدة حوادث حمل غير مرغوبة. خلفت اضطراباتها العاطفية الكثير من الكدمات فيها وفي غيرها. وبالمقارنة، فقد كان أوليفر حذرًا ورزينًا، وكانت تتطلع له باحترام. وهذا السر، فالآخرون يحاولون منح ما نتوقعه منهم. تمسك أوليفر بوظيفة ما، أما هي فأبقت على حملها. والآن يجب أن تروه مع طفليهما، فتاة بملامح لطيفة وصبي بشعر غامق، بينما قد كبر طولًا وعرضًا ويحملهما دفعة واحدة، وكأنهما طائران في عش وهو شجرة أو صخرة واقية. صار حاميًا آخر للضعفاء.
بما أنّكم تسألون، فأنا لا أتذكّرُ معظمَ الأيّامِ.
أسيرُ في لباسي، ولا أشعرُ بزخمِ الرّحيل.
هكذا يعاودُني ذاك الشّبقُ الذي لا يُسمَّى.
حتّى إن لم يكن لديَّ شيءٌ ضدّ الحياةِ حينَها،
فأنا أعرف جيّدًا شفيرَ الأعشابِ التي تذكرون،
وذلك الأثاثَ الذي وضعتموه تحتَ لهبِ الشّمسِ.
غير أنّ الانتحاراتِ لها لغتُها الخاصّةُ.
تمامًا كالنّجَّارِ
الذي يريدُ أن يعرفَ كيفَ يستخدمُ الأدواتِ،
دون أن يسألَ مطلقًا: لماذا يبني؟
لمرَّتَينِ وببساطةٍ أعلنتُ عن نَفْسي،
امتلكتُ العدوَّ، ابتلعتُ العدوَّ،
وعلى مَرْكبِهِ أخذتُ معي سِحْرَه.
وفي هذه الطّريقِ، مُثقلةٌ ومُستغرقةٌ
أدفأُ منَ الزّيتِ أوِ الماءِ،
استرحتُ،
وسالَ مِن فوَّهةِ فمِي اللُّعابُ.
لم أفكّرْ في جسدي عند وخزِ الإبرةِ.
حتّى قرَنيَّتيّ وما بقِي فيَّ من بَوْلٍ، اختفيا.
الانتحاراتُ كانت قد خانتِ الجسدَ مسبقًا.
الصّغارُ لا يموتونَ عادةً،
غير أنهم ينتشونَ،
لا يستطيعون نسيانَ لذَّةَ مُخدِّرٍ
حتّى أنّ الأطفالَ سينظرونَ ويبتسمون.
أن تَسحَقَ تلكَ الحياةَ كلَّها تحتَ لسانِك!
ذلك وحده يستحيلُ شغَفًا.
ستقول: عَظْمةُ بائسةُ للموتِ، كَدمةُ حزينةُ.
مع ذلك ستنتظرُني هي عامًا بعد عامٍ،
لتمحوَ برقَّةٍ جُرحًا قديمًا،
لتُخلّصَ شهقتي من سجنِها الكريهِ.
نتساوَى هناك، الانتحاراتُ تلتقي أحيانًا،
نحتدمُ عند فاكهةٍ وقمرٍ منتفخٍ،
تاركينَ كِسرةَ الخبزِ التي أخطأتْها قبلاتُهم.
تاركينَ صفحةَ كتابٍ مفتوحةً مُهملةً،
وسمَّاعةَ هاتفٍ معلَّقةً
لشيءٍ لم يُلفظْ بعد،
أمّا الحبُّ، أيًّا يكونُ، فليس سوى وباءٍ.
* آن سكستون (١٩٢٨-١٩٧٤) شاعرةٌ أمريكيّةٌ
** ترجمة: د. شريف بقنة
*** كتبت آن سكستون هذه القصيدةَ للإجابةِ عن السّؤال الذي وجّهه العالم إليها وإلى صديقتها سيلفيا بلاث وغيرهما ممن حاولوا الانتحار: «لماذا تريد قتل نفسك»؟
”Wanting to Die” from The Complete Poems by Anne Sexton, 1981 by Houghton Mifflin Company. Copyright by Linda Gray Sexton
Norman Rockwell Fair Use last edit: 11 Jul, 2013 by xennex max resolution: 1614x2183px Southern Justice (Murder in Mississippi) Norman Rockwell
استطعت رؤية السماء
مكسية بالنجوم
التي تعكس أضواءها الوامضة
على امتداد الأزرق الشاسع
في ليلة عاصفة
حين تنزع الريح الغاضبة
آخر أوراق الشجر
عن الأغصان الباردة
أسمع في صمت الليالي القاتمة
عزف الكمنجات
لو استطعت فقط أن أرى
أن الشغف الذي كان يومآ
لا يزال مشتعلآ في عينيك
أمشي حافية القدمين عبر الأراضي البور
أتسلق الجبال
وإذا كنت هناك
تنتظرني
أعبر طرق العالم
مثل صليبي يبحث عن الكأس المقدسة
لأستعيد ذاك الحب الذي
منحتني إياه يومآ.
كل ما حدث لعبةٌ، ﻻ أدرك بدايتها رصاصةٌ منطلقةٌ ﻻ تقفُ، ضجيجٌ ﻻ أمسك منه كلمةً كل ما يحدث فخٌ دخلته بقدمي، وأعجز عن الخروج فكيف أغير الأرصفة أستبدل الحوائط؟ ﻻ شيء يقدم حقيقته الشجر جريمةٌ، والمصابيح فضيحة الليل، الهواء حمله اللصوص، والنهر جثةٌ… الأشياء تتحول الشجرة قوقعةٌ… والرصيف علبةٌ فارغةٌ… الحافلات نقاطٌ في سطرٍ خاوٍ، ورسالتي إلى الله وقعت في يد الشرطي، خطوتي مرهونةٌ لدي تاجر الخضروات، وظلي يجلس في المقهي، وينظر بغضبٍ إلى الوقت، والحائط مزينٌ بخيوط عنكبوتٍ هاربٍ… إنها الحياة حيث الأحذية ﻻ تختلف كثيرًا عن القبعات، وشاشة الحاسوب تشبه لعبة الدومينو، والأغنيات تتسلق القطار هربًا من المحصل، والجميلة تترك الشارع وحيدًا يتأبط الهواء ويحلم باصطدام ثديها بيده، بلا تعمدٍ كل شيء يتحول المياه تتبخر، المواقد تشتعل، والأكواب تتلون قبل استعادة شفافيةٍ تميز جسدها الهش، والأصدقاء يواصلون الخديعة، والنميمة ضروريةٌ ﻻستكمال المشهد، والطبيب مغرمٌ بانتقاد زميله، والتصريح بخطأٍ جسيمٍ، يحمل الأصحاء نحو ثلاجة المستشفى، والعالم ليس سيئًا في وجود مشتبهٍ بهم، أو في اندفاع قتلةٍ نحو مجمعٍ تجاريٍ، أو سيطرة رأسماليٍ على صناديقَ التبرعات، اعتقال ماركس في قبوٍ مظلمٍ، وجيفارا في صندوقٍ بقاع البحر، مع الترحيب بقراصنةٍ طيبين جدًا، يتقدمون من الشاطئ إلى مستودعات الطعام… العالم ليس رديئًا مع انتشار اللصوص بأزياء رسميةٍ واختفاء القمر في ظروفٍ غامضةٍ، واغتيال المومياوات في حادث طريقٍ، ووجود رجلٍ يتجول في غرفته باحثًا عن حائطٍ خامسٍ يلجأ إليه …
كان علي أن أقود آﻻف الأشجار
إلي الميادين ؟
وأزرع فمي بمكبر للصوت،
أنا من يحشو جيبه بالفراغ،
ويقتطف دموعًا ضائعًة
من هواءٍ مريبٍ
ويخفي كلماته المراوغة
على حوائط معتمةٍ…
أكان على أن أضع قبلة
على شفاهٍ صغيرةٍ ؟
وتركتها فى الفضاء،
تتجول في وسط القاهرة..
أي ذنب ارتكبه هاتفي،
وما الذى فعلته صفحتي بالفيس بوك،
وكيف أحتمل مرواغة عرافةٍ،
وخديعة الفنجاين،
وخطوط كفي مريبةٌ،
والمقاهي تتسع لأغنيةٍ مفقودةٍ،
لنشرب الشاي وندخن السجائر،
وننتظر مهبطًا للطائرات ينمو على الطاولة….
كيف يمكن اكتشاف العلاقة
بين ثمرةٍ وفرعٍ؟
بين الجذور والأرض ؟
ولماذا يستريح القمر على صفحة النهر
حيث كانت الشمس تندفع بقسوةٍ ؟
وأسباب التوتر بين المارة والتماثيل..
حقيقة الأضواء الكاذبة للمصابيح،
والكلمات الكبيرة فوق الأفواه واللافتات،
وسر سخرية الجميلة من قصيدةٍ فى الفيس بوك،
أعرف أنها تفكر فى خراب العالم، هى من تخاف المواجهة وترتبك فى الزحام،
وتبادلني الابتسام بصور على الشات
وتحلم بعالم وديع وتضحك من طفولتي المستمرة، أنا التائة فى أرض غربتي أبحث عن مستقر وأغيب فى أعماق عينيها الوديعتين،
وأواصل أسئلتي كمشاغب فاشل ومراهق متعب ….
أخبرتك بخطوة تدق فى رأسي،
ببهجة أحاول تسلق غيمة لأجدها،
وأرسم حديقة علي حائط متهدم،
وطيورا من الورق المقوي،
وأنني لا أصلح كقاطع طريق،
حتى لو اختطفتك فى قارب على النهر،
أوبساط من فراشات،
أنا الهارب من الألم،
توقفت سيارة جانبي،
وقفز نعش،
تأملته بحدة لأتأكد أنني لست داخله،
أريد فرحة ما،
لعبة أغني معها،
أرجوحة تقفز معي بعيدا،
طائرة ورقية أحلق فوقها على حقول خضر،
وأريد ابتسامتك الحزينة،
فى صباح شتوي دافئ كعينيك،
واحتضان نظرتك الحانية ….
أحيانًا أفكّر، بمتعةٍ حزينة، فيما لو كتب ذات يوم لهذه العبارات التي أكتبها، في مستقبلٍ منذ الآن لا أنتمي إليه، أن تحيا مقرونةً بالثناء، فَسَأكْتَسِبُ في النهاية الناس الذين “يفهمونني”، العائلة الحقيقية التي سأولد فيها وفيها سأغدو محبوبًا، لكن بعيدًا عن الوصول إلى الولادة فيها، سأكون قد متّ من زمنٍ طويل. سأغدو مفهومًا في الصورة المطبوعة فقط، حين لا يكون بإمكان الحبّ أن يعوّض مَن مات تلك المجافاة التي وحدها كانت من نصيبه عندما كان على قيد الحياة.
ذات يوم ربما يدركون أنني، أكملت، كما لم يفعل أيّ شخصٍ آخر، واجبي منذ الولادة كترجمانٍ لجانب من قرننا هذا؛ وعندما يفهمون ذلك عليهم أن يسجِّلوا أنني لم أكن مفهومًا في الحقبة التي عشتها، وأنني عشت، مع الأسف، بين أشكالٍ من الجفاء واللامبالاة، وأنه من المؤسف أن يكون هذا ما حدث لي. والذي يكتب هذا سيكون، في الحقبة التي يكتبه فيها، غير فاهمٍ ولا مدرك، مثل مَن يحيطون به، لشبيهي في هذا الزمن المُستقبلي، ذلك لأنَّ الناس فقط يتعلمون من أجدادهم الذين ماتوا. ووحدهم الموتى من نعرف تعليمهم القواعد الحقيقية للحياة.
في العشية التي أكتب فيها، توقّف المطر، مسرّة الهواء منعشةٌ للجلد. النهار آيلٌ للانتهاء، لا في الرماديّ، وإنما في زرقةٍ شاحبة. زرقةٌ غامضة تنعكس، حتى، في أحجار الشارع. يؤلم العيش، لكن من بعيد. لا يهمّ أن نحسّ، واجهةٌ أخرى تُضاء.
في نافذةٍ أخرى عالية هناك أناسٌ يشاهدون انقضاء الأعمال. المتسوّل الذي يلامسني لا بدّ أن يُصاب بالذهول لو عرفني.
في الأزرق الأقلّ شحوبًا والأقل زرقةً الذي يلتمع في المباني، تميل ساعة النهار اللامحدَّدة أكثر قليلاً نحو المساء.
رويدًا رويدًا، تهبط خفيفة، نهاية النهار الأكيدة… خفيفة، تنزل موجة الضوء الذي انقطع، كآبة المساء اللامجدي، ضبابٌ بلا غيمة ينفذُ إلى قلبي. خفيفًا، ناعمًا يسقط الشحوب اللامحدَّد اللامع للمساء /المائي/ – خفيفًا، ناعمًا فوق الأرض البسيطة والباردة. خفيفًا يسقط، رمادٌ لا مرئي، رتابةٌ ممضة، ضجرٌ بلا راحة.
Letter K (I Don’t Know Fantastic Aventures Lacking the Howl of the Wolves) Vasile Dobrian
هذا الحقل لا يعلم
أنني غرسـة
لو كنتُ فيه لأثمرتُ
فيه أوجاعاً
تشبهنــي
هذه الأنثى لا تدري
أني حباً
لن يروها
لن يكسو عري
روحــــاً
مــكتظة
بويلات رجل
لا يعلم من هو ..
هذا القلب لم يشعر بي
يوم كنت نبضه
و تلك العين تبكي
و لا تعلم
كيف صرت فيها
مجرد دمعة
تنفقها مع كل وابل
آهاتٍ أو شوق..
الحرب تجهل أني نازح
تجهل
ما معنى نازح
تجهل
لماذا و كيف نزحت
لا تعلم
أن بيتنا مهجوراً
تسكنه أشباح الذكرىٰ
و قذائفها الصماء
لها دويٌ فاجر
لا تعلم
أن الجوع كافر ..
هذا العاقل لا يعلم
أنني مجنون
و أشرعة عقلي
لا تمنع كل جنوني
من الشوق لعقلٍ
يفقدني صوابي
لا تعلم كل الدنيا
ما معنــىٰ
أن أسأل بقايا حذائي
لماذا أركض دونك
و هو لا يعلم
أنـــه رث
منذ أكلته أصابع
قدميْ كل وجبة
ذهابٍ أو عودة
أنا لا أعلم
لِمَ تتيمم روحي
بتراب القلب
و عيناي تسرف
بالماء المالح
و لماذا أكتب
نصوصاً رثة
لأنثى لا تدري
ما معنى
أن تزدان بها
كلما لبستها
فساتين ويلٌ
أو خيبة
هذا العالم كله
لا يعلم
أني خيبة وحين
كبرتُ
صرت غرسة
صرت حباً أحمق
صرت نبضاً
صرت دمعةً
صرت نازحاً
صرت مجنوناً
يحاكي حذاؤه
صرت أبكــي
حين كبرتُ
لا أعلم أني
صرتُ لعنــــــــــة ..