
أفقٌ من البلور يبسطُ شمسَه
لتمرَّ أسرابٌ من البط العراقىّ الذى هجر الفراتَ وظن أن ستكون فى مصر الوليفةُ حيث يضبط موسماً ويصير فى كل المشاهد بهجةً للماء ، قد يصل التواريخ التى فرت ويسكب فى التضاريس التى قرت سماءً باتساع جناحه ويمر من أفقٍ من البلور يبسط همسه بالسر فى أذنيك ، أنت مكررٌ فى الشرق ، تلمع هازئاً
والشمسُ تصعدها فيضربك الحجابُ فلا تمر وليس من بابٍ لترجعَ ، هاهى الأسرابُ تهذى فى تشكلها وسوف تظنُّ أن لها طريقَتها لتخبركَ الرسالةَ ، أنت من سبكَ الحجارةَ ثم ألقيتَ العلاماتِ التى ضلَّلتَ عن عمدٍ هُداةَ السربِ ثم علقتما فى هذه الصحراء
هل ستمر من قفصٍ زجاجىٍ ليسمعك الشهودُ وليس من ماءٍ على طول الطريقِ فأنتَ تعلم بالمتاهةِ كيف تفقد وجهةً بتشابه الجدران والأبواب زائفة وأنت طمست سلسلة النجوم وصرت تعبثُ بالبريق مقهقهاً حين ارتطام الرأس بالجدرانِ
هل سيمر سربُ البط فوق بحيرةٍ جففتها ليراك فى الأفلاكِ موحولاً بتنظير الرؤى والقيد فى أفقٍ ستجذب خيطه ليصيدَ طيراً ملَّ من عنتِ الفراتِ لكى يذوق النيل
المدونة
-

هشام حربي – مرَّ من عنت الفرات
-

هشام حربي – بعض الضوء

سيعودُ بعضُ الضوء للصورِ القديمةِ
ليسَ يكفى أن تهزَّ إطارَها لتفككَ الحزنَ الذى ينمو على الجدرانِ
من بعض الزوايا سوف تلمح بسمةً عجلى تغادرُ ، واشتباكُ الضوءِ ترتيلٌ يُخدر عينَ قارئٍ استهلّ طقوسَه بالحمدِ واستدعى صريفَ الجنِّ كى يهبَ المعانى زرقةً ليُطل كالسحب الملولة حزنُه
قد يستظلُّ بظلهِ وسيجمعُ الأحجارَ من كلماتِ من سبقوا
سيبحثُ فى معاجمهم لعل النارَ يُمسكهَا إذا خرجتْ تفتشُ فى تراثِ القوم ، هل سيعيدها لفظاً يفكِّكُه على مهلٍ ليوغلَ فى طوائفهم يعيدُ الضوءَ للحرفِ الذى ذَبُلتْ شرارتُه ليقنعهم بأن الحرفَ موصول بآلته ولن يجديك ترديد المقاطع نفسها لتغير الحال التى وصلوا إليها
أنت ذاكرةُ الجموعِ
ولستَ تذكرُ كيف كانت عثرة أدمنتها لتعود للصور القديمة
كان بعضُ الضوءِ يكفى كي تصححَ خطوةً وتمر -

عسر هضمٍ في الروح – فرناندو بيسوا
من يريد أن يصنع قائمةً بكائناتٍ مسوخية لن يكون عليه سوى أن يصور فوتوغرافيًا تلك الكلمات التي يحملها الليل إلى الأرواح الوسنانة العاجزة عن النوم. إنها لتطير كالخفافيش فوق خضوع الروح، أو مثل عوالق تمصّ دم الخضوع.
إنها يرقانات السقوط والضياع، الظلال التي تملأ الوادي، الآثار المتبقية من القدر، هي أحيانًا ديدانٌ مغثية للروح التي تغذيها وتتعهّدها، وهي أحيانًا أشباحٌ تحوم، يسارًا حول لا شيء، وأحيانًا أخرى، هي، كذلك، حنشات، تولد من المغارات الخرافية للانفعالات المفقودة.
صابورات الباطل هي، لا تفيد إلّا فيما يجعلنا لا نفيد في شيء. هي شبهات الهاوية مدسوسةٌ في الروح، تجرّ تجاعيد وسنانة وباردة. دخانٌ يبقى، آثارٌ تمرّ، وليس ثمة غير وجودها في الجوهر العقيم لإمكانية امتلاك وعي بها. الواحد منها مثل قطعةٍ حميمةٍ من نارٍ صناعية تتفرقع لحظة بين الأحلام، وما يبقى هو لا وعي الوعي الذي نحيا به.
الروح، مثل شريطٍ محلول لا توجد في ذاتها. المشاهد الطبيعية الكبرى موجّهة إلى الغد، نحن عشنا ما عشناه. الحديث المقطوع باءَ بالإخفاق. مَن قال إنَّ الحياة كان ينبغي أن تكون هكذا؟
إذا ما عثرت عليّ أفقد ذاتي، إن رأيتُ رأيًا أتشكَّك، معدمًا أصير إن امتلكتُ. وكما لو كنتُ أتنزه، أنام، لكن مستيقظًا أبقى. كما لو كنت نائمًا. أستيقظ، ولا أتعلق بشيء. الحياة، بذاتها، في النهاية، أرقٌ هائل، وثمة سباتٌ متواصل ثاقبٌ في كلّ ما نفكره ونفعله.
سأكونُ سعيدًا إنْ استطعتُ النوم. هذا رأيٌ يخصّ هذه اللحظة لأنني لا أنام. الليل ثقلٌ شاسع من وراء اختناقي باللحاف الأخرس لما أحلم به. لديّ عسر هضم في الروح. دائمًا، فيما بعد بعد، سيأتي النهار، سيأتي متأخرًا، كما يحدث دائمًا. الكل ينام، الكل سعيد، إلّا أنا. أستريح قليلاً، بدون أن أتجاسر على النوم. ورؤوسٌ هائلة لمسوخٍ بلا كينونة تبرز مبهمةً من عمق كينونتي. إنها تنينات شرق الجحيم، بألسنةٍ مجسّدة على هامش المعقول، بأعينٍ تنظر إلى حياتي الميتة التي لا تراها.
دثروني، بربكم، دثِّروني! ثمة لحسن الحظ خيطٌ كئيب من ضوءٍ شاحب، عبر النافذة الباردة، بالبويبات المفتوحة إلى الوراء، يشرع في إخراج الظلال من الأفق. لحسن الحظ، ما سيبزغ هو النهار. طمأنينةٌ تكاد تتخلق من تعب اللاطمأنينة. ديكٌ يصيح، في وسط المدينة. النهار الداكن يبتدئ رحلته في نومي الغامض. ذات مرة سأنام. ضجيج عجلات يصنع عربة. جفوني، لا أنا، تنام. الكل، في النهاية. القدر.
-

مختارات من قصيدة الهايكو اليابانية
١- الآن وأنا هنا، بنوبة الحراسة في هذا الكوخ الهش
في ليل الخريف، عند طرف حقل الأرز
أجد كم ثوبي مبتلًا بالندى
حيث سقيفة الكوخ أيضًا تعيسة
لا تتعدى الليف والخيش.– الإمبراطور تينجي
٢- يبدو أن الربيع قد مضى
وحل الصيف بزهوه هناك
فها هو جبل “كاجوياما” الشامخ في السماء
يتناثر البياض على قمته
وكأن أثوابًا ناصعة البياض قد نشرت فوقه لتجف!
-الإمبراطورة جيتووه
٣- وحيد هنا
لا سلوى لديّ
سوى محاولة الكلام
في هذا الليل الطويل
الذي يشبه ذيل طائر الجبل!
– الشاعر ” كاكي نوموطو نو هيتومارو”
٤- حين قصدت شاطئ خليج “تاجو”
ونظرت بعيدًا
إلى قمة جبل “فوجي” الشامخة
وجدت البياض لا يزال يكسوه
آه.. لا يزال الليل يسقط هناك!
الشاعر “يامابيه نو أكاهيتو”
٥- في أذني الآن
يردد صيحة الغزال
وهو يشق أكوام الشجر الخريفية
في عمق هذه الجبال
فأشعر أكثر من ذي قبل بتوغل الخريف.
-” سارو مارو دايوو”
٦- حين أرى الصقيع يفترش درجات سلم القصر
مثل نجيمات ليلة السابع من شهر يوليو
ترصع سماء الليل في صف طويل
ومثل طائر ال”كاسا ساجي” فاردًا جناحيه
أدرك أن الليل في هذا الشتاء قد أوغل!
– “تشووناجون ياكاموتشي”
٧- حين أتطلع إلى تلك السماء الممتدة
مثل سهل فسيح
أرى البدر المضيء جميلًا ورائعًا
إنه مثل القمر الذي اعتدت رؤيته
في سماء ليل جبل ” ميكاسا” حيي موطني.
-“أبيه ناكامارو”
٨- ما بال الناس بحالي يشفقون
يصفونني بالغزال الوحشي المعتزل في جبل ” أوجي”
بينما أنا في كوخي المتواضع
بطرف العاصمة الجنوبي الشرقي
أستمتع بالعيش في سكون!
– الراهب كيسين.
٩- مالي أرى زهرة الساكورا ” تلك
يذهب لونها!
لعلي أنا أيضًا مثلها
مع الزمان يخبو رونقي
ويزول شبابي.
– الشاعرة “او نونو قوماتشي”
١٠- هذا هو معبر ” أووساكا” عند نقطة التفتيش
حيث يغادر من يغادر ويعود من يعود
حيث سلام شمل الأحبة
وحيث الغرباء يلتقون
والبعض يفترق.
– الشاعر ” سيمي مارو”
١١- أمانة يا قارب الصيد الطافي هناك
حين أمر بك وأنا في هذا هذا القارب
أشق صفحة الماء
في طريقي إلى المنفى
أن نتقل للحبيب سؤالي وشوقي وأحزاني.
-“سانجي تاكامورا”
١٢- أيتها الرياح التي تعبر هذا الفضاء الفسيح
أغلقي مسارك الكوني هذا لبرهة
عساك تحتجزين مليكة السماء تلك
كي أتأمل حسنها
مثلك تمامًا يا نهر ” هينا”!
– الراهب ” صووجوه هينجووه”
١٣- يا نهر العاشقين
المنساب من قمة جبل “تسو كوبا”
ما بال مياه نهر عشقي ولوعتي راكدة
وكأنه يصير جبًا عميقًا مع الأيام
لا ترى العيون منتهاه!
– الإمبراطور “يووزي إين”
١٤- يا ثوب بلاد ” ميتشي نوكو”
بخطوطك المتشابكة المجنونة
من جعل فؤادي مثلك
حائرًا.. متداخل الخطوط والثنايا؟
أنتِ!
– ” كاوارا نو سارداي جين”
١٥- خرجت اليوم من أجلك
إلى مفترق السهول الفسيحة
وبينما كنت سارحًا في ذكراك
أفقت على الصقيع وقد تجمد
بكم ثوبي!
– الإمبراطور “قووقوو”
ترجمة: د. أحمد فتحي. -
افروديت – الغريب ” إلى السعيد عبدالغني “
* حملت الأكوان بروحه ، قبل البداء بيوم ، لكن رحمها لم يسعه ،
فأجهضته في بوتقة الفناء الشاسعة* غازلت عينيه – جنيناً – أجنحة الملائكة ، داعبت خديه قرون الشياطين ،
لكن أياً منها لم يفلح بأن يخيط له قماط دفء* نما – رضيعاً – على زنود الموسيقى ، على ساعد الألوان الرقيق ، رضع من ثدي اللغة ،
نام في حجر الظلام
فابتلعه مهد العدم* دعاه المعنى – طفلاً – فلم يستجب لدعوته ، تمسكت به أيدي الانتماء فقطع أصابعه ، لاحقه التاريخ فغاب في غار اللازمان
عندئذ شهق الله وأفضى إلى السماء ؛ “آتيناه الرؤية صبيًّا”* اليوم شابٌ ، بقلبٍ قد شاب
أشبه ما يكون بجذع شجرة معمّرة رطبة ، مثلما تنبت عليها أزهار السيلفيا الطفيلية ، ينمو السأم المميت على هيكله* اليوم أنا على شجرة قريبة ، فراشةٌ لقيطة سجينة ، تناظره عينيّ عبر ثقب أحدثه شعورٌ عابر في شرنقتي
أغبطه لحريته ، تلاحق نظراتي جذوره المتمردة التي بخلاف أي شجرة أخرى ، لم تمتد في الأرض بل امتدت للأعلى ، اخترقت فضاء غابتنا ، ثارت على استكانتها ، حطمت سلسلة الرضوخ النتنة فيها.
* اليوم أرقبه بحرارة وأنفاسي تحرقُ الشرنقة الضيقة ، أشاهد كيف أن الله يقطف ثمرة قلبه من على الشجرة ليودعه في صدفة زرقاء ، ليلقي بها غداً بحرٌ هائج على شاطئ العزلة الذي سيكون مرسى سفن المعذبين والمنفيين* غداً يحترق ما تبقى من شرنقتي
ولأني لا أرغب في أي سماء قد تحركني جناحيّ نحوها ، سأصلي للإله كي يحيلني موجة مالحة في ذلك البحركي أترامى بين مد الحرية وجزر القيود ،
كي ألوح لقلبه الحزين من بعيد ،
كي يتكسّر كياني كلما ارتطم بصخور المسافة ،
كي أحمل إليه حيرة موسى وصليب عيسى ودموع محمد ،
والرؤوس الطاهرة التي نحرتها ترهات رجال المنابر ، والدماء التي أريقت فداءً للحقيقة ،كي أتزين بالبنفسج …
كلما لمع لقلبي وميضُ أسرار قلبه -
منى بدوي – باقية بقائي زهرة الأضاليا

باقية بقائي زهرة الأضاليا
تعاليت عما تقولوه يا صلاة الحضن
يا زهرة الأضاليا
لما توهلنا المرايا أصدى رنين الزجاج
أنفثة عطر قديم
في بحران من الفقم
…………..
أشتدت النغمة من غير سوء
و ليعمر الصدر
وكفت تويجة القلب
أناقة طائر القرقف
شدهنا بثغر الحضور
بثغر الغياب
قد تحزمنا نوالا
……………
بله خوفنا و قد بلغ الجمال أشده
عن مواضي الأيام لكم تغيرنا !!!
و كمن يعترف بقدسه في صلاة
لا قاع لها و لا ضفاف
لم ينبس الوجه
لم تنبس الشفة بكلمة
و نحن في شرك مكين
………….
ما انفك منجل الهلال
يجز حشائش السحب
كل وفى دينه لمدينه ربوا
أنظر الى عل فأراك
لأبعد مما ينهيه الموت
وصل صوتان مهتزان
فوق قيثاره. -

فاسكو غراسا مورا – أعرف بكل كينونتى ترجمة السعيد عبدالغني

أعرف بكل كينونتى أن شجيرات الزيتون
كانت هناك منذ التكوين الأول
تمتزج مع الوقت وتسكنه كالتوأم ، تنتظرك .
أعرف اسوداد السحب فى زهرة الليلك
وكيف تدور فى مدارات بطيئة
حول أدق أدق خيوط الشفق البعيدة
أعلم أنك تريدينها كذلك .
أعرف أننا نستطيع أن نسمع شهقات الشمس فى الشمال الغربي
وماذا تقول الجزيئات الدقيقة للملح ، ممتدة إلى الصدف
، إلى الأفق تتذبذب بصدى ينبعث من البحر
بينما تتأرجح تلك السحب غير مبالية ،
متحولة من اللون الأرجواني إلى الليلك ،
إلى ذلك السواد فى ظلمة الليل الأسطورية
حينها سوف تتشابك أيدينا عند سكون الأطلسي
وأعرف أن الرياح ترتعش داعية الآلهة
للشجرة المقدسة تلك الحاملة للاوراق الخضراء
والتى ترتعد خوفا من الزيز
التى كانت متحدة معها منذ التكوين
فى هذا العالم ، عالمى وعالمك ، اُكتشف أو لم يُكتشف ،
فى حكمة معذبة ومضطربة ،
كتلك الخيبات المنحنية على بعضها
كنوع من تلك السعادة الخيالية
والتى نعطيها أسماءا مختلفة
تكوينات روحية تتوق للحرية
تنتظر القمر ، تتمنى لو تمسك به .
أعرف كيف تتفتح زهرة الياسمين
والزهرة المتناقضة الفواحة التى تحمل لونين
وكيف تتداخل روائح الصيف فى أحلامي
حول السيقان الناعمة ،
عند الشفق
فى الموسيقى التى تنبعث من أحلامي
سأجدك هناك . -

أرشيبالد لامبمان – عزلة الشتاء ترجمة السعيد عبدالغني
رأيت مشهدا تكون فيه أبراج المدينة
بها مس من سماء رمادية مضيئة
ورائها تل به سديم أخضر
فقط ندف الثلج وذلك الليل القادم بينها .
شريحة رقيقة طويلة من الغيمة معلقة
على ذرة أغسطس
جلست أنا جاثيا ركبتي على حذائى الملىء بالثلج
تلفح وجهى تلك الرياح البسيطة
وتدحرجت الثلوج بعنف من العلالى
كالارض الغاضبة من البحر الكاسد .
وقطعة غريبة منحرفة عبرت روحى فأشرقت
منعكسة منى
فى عالم عادل بقدرية
بى سكون كالموت ، غدوت وحيدا فى النهاية . -

هايكو العزلة – السعيد عبدالغني
في العُزلة
ألامس حدود المكان الغائب
في المعنى والقيمة والجدوى.
***
أقرأ نسب عزلتي
على صوفية البدد
في برزخ حيوة الحيرة.
***
أسقي الصمت أيتها العزلة
لأباطيل الفراشات
التي تُقبّح البوح.
***
العزلة فاسدة
إن لم تكن
في اللغة أيضاً.
***
سرد العزلة على كوز السؤال
يُقيد
خوف الصدفة.
***
أيّتها العزلة الناجية من سوء الخواء
احترقي في لجة الربيع
حتى لا أسمع شهوة الألم.
***
يستفيق النباح الثخين
من مقاصد العزلة
التي تحك بنفسج الأورجازم.
***
حلمي وحيد
في عزلتي
وبلا مأوى.
***
الصدفة المسطحة الحلزونية
تتفادى
قبة العزلة التي يُهدم فيها السديم.
***
أبحث عن العزلة
في اضطراب الداخل
الذي يمور بنفي كل شيء.
***
هناك حرب بين الفكرة والشعور
في عزلتي
ودائما ينتصر الشعور.
***
مخلفات الغيوم
تُلقى
في عزلتي البريئة.
***
أرض شخوصي
على أرض عزلتي فيناموا سريعاً
بدون أن أعلمهم كيف يزرعون فسائل القرنفل في العدم.
***
أيّها القيد
المليء بالمجازات
تعال إلى عزلتي.
***
أدلل اللامكان
واللازمن
لأنهم أبعاد عزلتي.
***
أستحضر عزلة مليئة بالبجع
الذي يلتحف
بجلد الأبدية الداكن.
***
كل شيء أبدي في عزلتي
حتى الفناء
والهباء.
***
دموع أصابع المطر
تركت
خريف العزلة المكتوم في العفن.
***
دم المسيح في عزلتي
يروى كستناء
ثورتي على تجلي الظلام.
***
عزلتي بدون مكان
لأنّها محض
بردية خافتة تضفر الله.
***
أضلل شفقة عزلتي على العالم
بأن أنشر ملح الفسوق
على خيوط الكآبة.
***
عزلتي لا تخضع لأي قانون
سوى لتسول
الموت في زريبة الحياة.
***
صدى الزمن
يمشي في نفق المكان
ويحكم على عزلتي بالردة.
***
العزلة المأجورة
سلامها
دمامل السماء.
***
العزلة درب السراب
الذي يأكل
ثكنات الأقفال.
***
العزلة
طين
الجرح الذي ليس له ظل.
***
العزلة
مقام
استعارة الحلم.
***
العزلة تستفيق
من مهبل
المرأة التي تنسى رغبتها.
***
العزلة
تكون
في صبوات المنتأى.
***
العزلة
محطة
النافذة الماجنة في حقيبة الهواء.
***
العزلة تنام
وتوقظني
لكي أمتنع عن المعنى المنغلق.
***
العزلة
تأويل
للباطن المتجدد من الانفعال.
***
العزلة
استجابة لتضاعف اللامقول
في الصرخة.
***
العزلة
تصرخ بالعثور على ميت
في فراغ منيي.
***
العزلة
قراءة لحدود اللامحدود
بدون عنونته بأي شيء.
***
العزلة
غياب عن الزمن
في عمودية المكان.
***
لم أشكل عزلتي
في ارتباك الكلمة
إلا لكي أسيطر على الألم.
***
ما تفتحه العزلة
فيّ
لا يفتحه العالم.
***
كدت أعرف جيوب الأمس
في حزبية الآن
في العزلة.
***
عُزلتي وحيدة
بين عزلات الآخرين
ولا تكتظ سوى بالمطلقات.
***
جئت إليكم
من غيب العزلة
لأحدثكم عن حماقة الهويّة.
***
العزلة تستر كآبتي
ولكنها
ماء الخطوة إلى الله.
***
أحاول وخز الهاجس
الذي يرتجف من تيه عيوني
التي تتنزل في لجين العزلة.
***
لا أرتدي شيئاً في عزلتي
سوى جبة العدم
التي تتضور جوعاً للمرآة.
***
لا أكون نفسي
إلا في عزلتي، لا في العالم، ولا في أي عزلة أخرى
لذلك الموسيقى وشايتي عليّ.
*نصوص: السعيد عبدالغني
-
السعيد عبدالغني – لو كنت أنت ، لكنت ( إلى أنسى الحاج )
أنسى ، أعانى جزءا من ألمك
وأشعر بدفء ولادتك
وبالضوء الأرجواني الذى يصاحب ولادة الشعراء
كأنك سقف السماء
وأرض العزلة المكتملة للسؤال
وطين غير مملوك لأى شىء
يعرف كيف يفكر فى موسيقى بيتهوفن
وينجب عسل الأجنحة للظلمات .
***
أظنك خارج الأبدية الآن
تتمشى فى الفراغ
وتنادى فيه ” أنا الألم المسيج فى الصمت ”
وتنبش جدرانه
التى تصيح بصدى صلوات اللانهاية .
***
أقتسم معك الغبش
والمرايا العمياء الملطاء المعافاة من سرد البواطن
فتعال إلى انكفاء الورقة
واضغط زر الغياب
لكى تخرج أحلامى قوافلا للبحر .
***
لست أدرى أي شىء عن نفسي
إلا عن لحظة قاسية
تتكدس فيها المشاعر والأفكار
وتبزغ فيها أنت من وطن التيه .
***
لم أدخل جسد الأرض بعد
ولا جسد السماء
ولكنك سلمت حقيبتك لى
وقلت ” ارمها فى مدبغة الفناء ” .
***
أتخيلك تجلس ، تكتب الان
والجروح الذهنية تتطاير فى الغرفة
والسكون يصرخ لكى يمزقك
وأرز لبنان يبحث عن رطوبة صوتك
والأيائل تصلى لمجازك .
***
أنا وأنت ، كيف اخترنا أنفسنا
من بين شخوصنا
ونحن ضيعنا كل شىء
حتى ملح سدرة الحياة ؟ .
***
أنت الرحلة المزدوجة بالوصول
مرة ، أصل إلى لصوصية مجهولك
ومرة ، أصل إلى كابوسك .
***
تقف الان على طبلة مقلوبة
وجسدك ملفوف بالقماش الأسود
إلا عورتك
وحولك رجال ونساء عرايا
يبتسمون
وأنت تبكى
من كثرة الصدف المهجورة
التى أتت بك إلى الحب .
***
من سيأتى إلي الليلة غيرك
بزمن فارغ من القبل
وغضب يظلل السأم
شاطئك هو جفني
والنبع الذى كنت تستحم به هو وعيي .
***
لا أنتظر أحدا ليدخل علي عزلتي
لأنها بلا عنوان
فى الضياع
غيرك .
***
بالتأمل أستطيع الحلول بك
وبالله وبكل شىء
فأنا مسجون فى ماهيتى
والمطلق يمشى فى مخيلتي
فارفع عنى السأم
واسدل اللامكان .
***
لو كنت أنا الزمن لفنيت
ولو كنت الله لانتحرت
ولو كنت أنا لتقززت
ولو كنت أنت ، لكنت .
***
أريد الفناء بك
بدون خوف من لقائك
وبدون معنى من طيفك
وبدون قيمة للامحدوديتك .
***
طاقة الفوضى الداخلية التى لديك هى طاقة أدبية كامنة فى وجدانك وتكونت من لجوءك إلى المقدس والمدنس فى لاوعيهم الذى ينتقد كل شىء .
وجودك بى يجعل لى شرعية أن أكون فى العدم بواسطة مخيلتي ويجعلنى أقدر على الانفصال من الآن والأمكنة المنطوية بى .
لغتك تجربة لمقاربة الذات التى هى محطة غيابها أيضا ومساءلة شرف الصراع بين كل شىء وكل شىء .
إلى أنسى الحاج -

سوسن الغزالي – تداعيات الغروب
شمسٌ تخلعُ آخرَ ألوانِها
وكالتّركةِ
تتنازَعُها غيومُ المساءشمسٌ كسيِّدةٍ عصريةٍ
تُغوي كلَّ ما حولَها
حدَّ الأحلامِ
عاريةٌ إلّا من حزنِها
أسلمَتْ نفسَها للبحرِ
لحظةُ انعتاق
حلمٌ كالضّوء
ضوءٌ كالماءلم تعُدْ شمساً تماماً
و لا بحراً ..شرفةٌ وبحرٌ
ومشهدٌ يحتفلُ بكَ
لأنّكَ تصرّ على البقاءِ
على قيدِ الوقتدمع ينسلُّ من جدرانِ المساءِ
ويحاصرُ آخرَ قلاعِ النورِتشرِّدُك رائحةُ النّعناعِ
وتضيءُ فسحةً للعيشِ الهنيءِ
وتفتحُ أمامَك بوابةً سريّةً
فيندلِقُ الأخضرُ عليكمن أجلِ حياةٍ أكثرَ اتساعاً
أمتدُّ غابةً تحتَ الماءِ
من أجلِ حياةٍ أكثرَ سعادةً
أخبّئُ الرّيحَ في جيبي الصّغيرِفي السماءِ قمرٌ حزين
فزاعةُ العشّاقِ والخائفينهناكَ على الرّمالِ
جسدٌ وليد الرّغباتِ اللّقيطةِ
شراهةُ البحرِ في المدّسمكةٌ ترفو جسدَ الموجةِ
موجةٌ يرتعدُ لها البحرُ
بحرٌ هو العاشقْرمالُ الوقتِ تنفَدُ
الوقتُ ينهبُك من الدّاخلِ
تتآكلُ من حولك الدوائرُ
ولا وقتَ لك يا صاحبي
لتنجو من الوقت -
منتهى فرحو _ ارتحلت الألوان

ارتحلت الألوان , فتغطت هي بالمكان , واستلقت على فراش البرد , وأستغرقت في دنياها الباهتة ..
تركت جسدها نائما , واقفلت على نفسها إحدى غرف البيت , وتوجهت هي إلى نافذتها المطلة على الحياة ..
كانت جلسة العصر المعتادة لنساء حارتها , منشغلات بالحديث , وأطفالهن في الساحة القريبة يتبادلون الأذى , كان هذا المشهد يشعرها أن الوقت لازال يسير , وأن الأمور ما تزال بخير ..
يتهامسن , فتعلو ضحكاتهن , مدغدغة أذنيها , ليترآى الحنين أمامها , ولكنها لا تستطيع مصافحته , أطرافها متجمدة ميتة ..
كانت أصوات المكان ترسم لها في الأعلى لوحة , ظهر لها أول لون في أزهارها المفضلة بالبتلات الأربع , وهي تستقبل أمطار الشتاء الأولى ..
وظهر لون آخر مع موسيقى الحجل الصباحية ..
وظهر آخر مع أنغام عاصفة خريفية , وقد اقيمت مأدبة من رائحة الارض ..
أطفال يتمايلون كأقمشة شفافة , يتسابقون الضوء والريح , إنها هي مختباة والجميع يبحث عنها , اركضي اركضي ….
لطالما أحبت تلك اللعبة …
وتسارعت الالوان بالظهور , حتى أسرت عيناها في زهوة السكون ..
ابتسمت , فذاب الجليد , وافاق جسدها كبحيرة منهكة , سرعانما تحولت خلاياها غيوما …
ثم تسربت نفسها من الباب , بخطوة مهدهدة وأخرى مهلهلة , كطفل يندفع لأمه بشوق , وتارة كعجوز كبلته الآثام , يرتقب غفرانا للعنة الزمن على انحناءته ..
ارتدت هي فستانا من الدفء , وجملته بريقا من السواد المتبقي ..
احتضنت أجزاءها الغائبة , فذابت اناملها هلاما , وانطلقت إلى لوحة الحنين لتلتقي ألوانها الراحلة , وتنسج من ديمومة الذكرى توحد وجودها مع الأزل -

ولاء الأجرد – تأمل
-
عندما أرى هِرًّا تحت الشمس – فرناندو بيسوا
حقيرٌ مثل نهايات الحياة التي نعيشها بدون أن نرغب في مثيلاتها.
أغلب الرجال، إنْ لم يكن جميعهم، يحيا حياةً حقيرة، حقيرة في كل أفراحها، حقيرة في كل آلامها تقريبًا، باستثناء تلك المتعلقة بالموت، حيث يتدخَّل السر والحياة ذاتها تفقد حقيقتها.
أستمع، إلى الجلبات الصاعدة/ سيالةً ومتفرقة، مصفاةً عبر تسليتي في موجاتٍ سيالة داخليًا بلا قصد ومن الخارج، كما لو أنها قدمت من عالمٍ آخر: صيحات باعةٍ يبيعون أشياء طبيعية، مثل الخضروات، أو اجتماعية، مثل ورق اليانصيب، المرور المدور للعجلات -عربات وثابة- سيارات مسموعة من خلال الحركة أكثر من الدوران؛ اهتزاز أيّما قماش في أيما نافذة؛ صفير الصبي؛ قهقهة الطابق العالي؛ أنين الترام المعدني في الشارع الآخر؛ ما ينشأ عن العرضي من خليط؛ تصعيدات، انحدارات، أشكال الصمت المتولِّدة عن المتنوع؛ أصوات النقل الرعناء؛ بضع خطوات؛ بدايات أوساط ونهايات أصوات. وهذا كله موجود بالنسبة إلي، أنا الذي أنام مفكِّرًا فيه، مثل حجرٍ وسط العشب، ومراقبًا، كل شيءٍ من خارج أيّ مكان.
بعدئذٍ، داخل البيت بالقرب من المكان، تلتقي الجلبات بمثيلاتها: بالخطوات، الصحون، المكانس، الغناء المُوقَف – ( نصف فادو ) – العشية المتفق عليها في الشرفة؛ صوت الغضب ممّا ينقص المائدة؛ طلب السجائر التي تُركت موضوعةً فوق المائدة. هذا هو الواقع، الواقع المعنِّن الذي لا يدخل في حساب تخييلي.
الخطوات الرشيقة للفتاة، خُفّاها المزدانان بشريطٍ أحمر وأسود، هكذا أستعيد رؤيتهما، صوتها يستعير بعضًا من ذلك الشريط الأحمر والأسود، الخطوات الواثقة، الثابتة لجزمة ولد العائلة وهو يخرج مودِّعًا بصوتٍ عالٍ، صافقّا باب المنزل قاطعًا بذلك الصدى الذي يأتي حتى بعد…؛ ثمة سكونٌ يحلّ، كما لو أنَّ العالم قد انتهى في هذا الطابق الرابع العالي؛ صوت آنية الخزف في طريقها إلى التنظيف؛ جريان الماء “وإذن ألم أقل لك إن..”… ويصفر السكون من خلال النهار.
لكنني وسنان، وخلاق خيالات… وإنه لَعجيبٌ أن تفكر في أنني لست راغبًا، لو طرح عليّ السؤال في هذه اللحظة، في تفضيل حياةٍ قصيرةٍ، على هذه الدقائق البطيئة، وهذا التفكير الباطل، وهذه العاطفة، وهذا الفعل المبدّد للإرادة. وإنني لأتأمَّل تقريبًا بدون تفكير، كيف أنَّ غالبية الناس، بل مطلقهم، في أعلى الهرم كانوا، أم في أسفله، واقفين أم راجلين، يحيون بالدوار نفسه في الغايات الأخيرة، التخلي نفسه عن الأهداف المرسومة، الإحساس نفسه بالحياة. دائمًا عندما أرى هرًا تحت الشمس أذكر الإنسان. دائمًا عندما أراه نائمًا أتذكر أنَّ كل شيء منام. دائمًا عندما يحدثني أحدهم عن أحلامه، أفكِّر فيما لو لم يكن قد فعل شيئًا آخر غير الحلم. صخب الشارع يزداد، كما لو أنَّ بابًا قد فتح، فشرع في دقّ الباب.
ما حدث ليس بشيء لأنّ الباب أغلق على الفور. الخطوات تتوقف عند نهاية الممر، الصحون المأخوذة للتنظيف تُعلي من صوت الماء وآنية الخزف […].
أنهض من الكرسي بمجهود هائل، لكنني أملك انطباعًا بأنني أحمل الكرسي معي، وبأنه أثقل ممّا هو بالفعل، لأنه كرسي الذاتية.
-

أويا: إلهة الريح-أوليف سنيور
تشهقين
تحبس الأرض أنفاسها
تزفرين
ترتجف المدن
تتنهدين
نولد نحن
تهمسين
تعلو جوقة المسبحين
تصفرين
يتشعب البرق
تعطسين
يهدر الرعد
تتجشئين
تمخض المحيطات
تطلقين الريح
تُصعق الغابات
تنفخين أشداقك
تزأر المنافخ
تضحكين
تزهر الأبواق
تدخلين الأسواق
نتبادل اللمحات
تصفرين
نرقص
تجتاحين
نطير
تتثاءبين
يخشخش الموتأيّتها المرعبة
لا حاجة لأن تظهري وجهك
فطالما أننا نتنفس
نعرف أنك ما تزالين هناك
***
ترجمة: مأمون الزائدي -
نهرٌ راءٍ-مأمون التلب
(1)
حيواناتٌ في حبٍّ جائر،
يأتي من زمنٍ ماضٍ،
يَنبُشُ بوَّابةَ حائر
أَغْلَقَ محَّارةَ جنيٍّ ماتَ،
وكالَ الكَونَ بقلبٍ سَائِر.في الأعمَاقِ البَاقِيَةِ على الأرضِ تجلَّى؛
رَهْطُ جحيمِ الأرضِ تَحلَّى،
بأَسَوارِ نايٍ معصوبِ العينينِ يُغرِّدُ في أعماق النهرِ،
وفي أعصاب القهرِ يُولولُ مكلومَ القلب.إذا ما جلَّدكَ النيلُ بنار جمالِهِ،
وحَاصَرَتِ الحيونات مَخَازِنَهَا الشتويّة بالليل؛
وأكوانُ نجومٍ لم يُعرَف عن خالِقِها جِسْمٌ،
وسهامُ جلالٍ يَنْطِقُهَا مَا جَلَّ ونَالَ ظِلالاً مِن ظِلِّ كَيَانِ النيل؛
فستحرثُ أكوانُ الأرضِ سَلامَتَها باسمٍ يُنطق،
ولن يَسْلَم حيٌّ إلا ورَمَتْهُ سهامُ الاسم بجيشِ جمالِه،
وتَلَتْهُ تِلالُ الويل.
…
حيواناتٌ في الحبِّ تُراقصُ وَتَر السيل.(2)
الوترُ على سَطْحِ بِحَارِه،
مالَتِ القافلة العمياء بشهَابِه،
في صحراءٍ لن تَذِرَ واذِرَتُها وِذرَ أخرى.الكون بآلائه لن يَسكُتَ عن جِنانِه،
والغيبُ، وإن صَعَقَ الناسَ بحبِّ سِهامِه،
وَجَبَ عَلَيهِ الشَدوَ بحلوِ غنائه.(3)
بجوارِ النيلِ ستسقُط حيوانات الحب،
يحتفلُ الظلّ بكَوْنِ حياةِ الظلِّ،
ويَطلُب إذناً لولوجِ الكون،
من نافذةٍ تُدعى عينُ الإنسان.ذاك السابح بخلاياه خلال الماءِ
وقد سجَّلَ، بكثافةِ مَوجٍ، بصمةَ عُريٍ من تقييد التعريفِ
وزهرةَ سَلبٍ يخطفها الطيرُ الجارح وهو يعاركُ طيراً أَجْرَح…
….
أجرحَ كي يتنكَّلَ حبُّ الحيوان.(4)
النّار النَيِّرةُ تُراقب أعقاب خلاياها:
تنتظرُ اللَّحد المشقوقَ القلبِ يعاني من أنحاء الماء الساكنةِ بعُمقَ دموعٍ خانَته؛ وفي أيَّامٍ لم يَعرِف عنها شيئاً، لم يُخلق لجمال سلامتها مِثْلٌ: لم يَجْتَزْ شَارَتَهَا المنقوشةُ في المِعْصَمِ، في العَرَقِ المُمتدَّ على سطحِ الفخْذِ؛ وبالشامةِ نارَت عُريَ الُأذْنِ، وبالكلمة:
(تعالجُ مَشْيَ الناسِ،
تهاجمُ ألوانَ سلامتها).النّار النيّرة تُهاجمُ كلَّ مناطقنا الذهنيّةْ،
وتُثيرُ هواجسَ ناسٍ تُخرِجها مرآةٌ تَنتصبُ أمامك.
لتناولها من نفسِكَ شيئاً،
يوميّاً،
ومتاحاً ومُباحا،
ها هامات الناسِ تُلامسُ وَتَرَ جمَالِكَ،
فبأيّ الآلام تُسافر، وبأيّ الغَدرِ تُساوم؟
ها السوقُ تبدَّى في كلّ الأسماء:
في السُّهدِ تجنَّى من كلّ سلاحٍ يَخلقهُ يوميّاً في آلاء النّهر.
…..
نَهرُ النيل.
نهرٌ راءٍ،
نهرٌ أعمَى.ـــــــــــــ
سبتمبر 2016م – 4 أبريل 2017م
اللوحة من أعمال: عبد الله محمد الطيب (أبسفّه) -

ومضات للشاعر اليوناني يانيس ريتسوس
** عري الجسد**
تحت كلّ الكلمات
جسدان يتصلان
وينفصلان
****
ما نفع النّجوم
إن لم تكوني هنا؟
****
في النّافذة المقابلة
ضوءان:
تخلعين ملابسك
وها انّك أنت على الدّوام.
****
السرير، السّجائر،
جسدك يملأ المكان كلّه-
تمثال دمي.
****
ما من إسمنت.
فقط فراغ
تقطعه
عارضة حديد
****
آخذ المطرقة
أنحت الهواء
أدع تمثالك
مفتوحا،
أدخل
وأبقى هناك.
****
أتحسس زوايا اللّيل-
مرفقك، ركبتك،
ذقنك.
أحجار تتدحرج
دون أدنى ضجيج .
أينك؟
****
خمس كؤوس
تملتئ، تفرَغ.
أنقر بقلم رصاص –
نقرة بعد نقرة:
التّاريخ
****
الآن
السّماء
هي أرضي.
آرضي الواسعة
هي السّماء .
****
يداي:
ذكرياتهما عنك
أشد غورا من الذّاكرة
****
الأجساد
تنكر الكلمات.
عارية ودون قول شيء،
تتفاهم.
زوج من أبي هول حجري
يتبادل النظرات
وعلى الشفاه يسيل
ماء أزرق.
*
إتحاد عميق.
مدن تنهار في الخراب،
أحصنة تعدو،
أعمدة نور تسقط
دون ضجيج ، ودون صوت
*
حفرت باليدين،
بالشفتين،
بالعينين.
والجدار،
لم يتزحزح قيد أنملة
*
صارعت الشّجرة
وطرحتها أرضا
أوراقها الكثيفة
غطتني إلى آخري
*
كان زمن حرب
كان زمن حبّ.
وكنّا أنا وأنتِ ميتين.
جمعنا الموتى والجرحى.
خلعنا ثيابهم
ونمنا.
*
كنت تقولين:
أحبّ شعرك،
أظافرك،
لسانك.
وعلى بلاطة الرّدهة،
في الظّلمة،
كنا نسمع
خطى الحرّاس.
*****
المغمورون والمشهورون
سيجتمعون ذات يوم
في نفس النبضة.
الحبّ
لا يمارس التّمييز
****
بحر قوي
بزرقة عميقة،
أضاء وجهك.
كلّ الموتى
طردتهم الشّمس
*****
مرّ الصّيادون
بسلال فارغة.
بينما كان القمر
ينبض على ركبتيك.
ما من شيء بعد
يفصل
الفراغ عن الملاء
****
يستلقي الزمن،
وتستلقين أنت:
جامدة صورتك
على الجدار الدّاخلي
*****
هذا الخوف
من نسيان شيء
كان يجب أن آخذه معي.
الخوف
من أن تكون شساعة كهذه
بلا نهاية.
أثينا / 80.12.24
______
على حبل
*
بعصفور كوسادة، أسهر لليال بأكملها.
*
الكلمات التي بقيت خارج القصيدة تشعر بالخوف.
*
إذا كان الضّوء يزعجك، فهي غلطتك أنت.
*
منذ زمن بعيد : السيف، ومنذ زمن بعيد : الشفقة
*
ملاءات مبعثرة ومصابيح مضيئة . في البيت، لا أحد.
*
عند رؤيتك، تملكني الغضب إزاء القصائد
*
كلمة تم تجديدها بالتكرار
*
الحس بمعزل عن المعنى: ورقة.
*
كان يرفع العقيرة بالصياح لكي لا ننتبه الى انه قد لزم الصمت منذ أعوام .
*
هذه الشجرة ظننتها إنسانا، لم أكن مخطئا.
*
إنه يصعد أعلى فأعلى كي يلمس الأرض
*
المركب الّذي رحل عند الغروب، كان قد جاء للبحث عنّي
*
كرسيي وأنا – نحن على وفاق تام
*
معكم ، نعم ( وليس في الوحدة بالمرة) أشعر بأنني وحيد .
شمس؛ مقهى؛ درّاجة هوائية؛ واجهات محطّمة.
*
خاتم الخطوبة؛ لقد أخفاه في أشد الثقوب غورا
*
كانوا يغنّون أفضل عندما يغمضون عيونهم
*
سيجارة. وها هو القمر على الصّدر
*
الأسطورة قناع جيد في الأيام العصيبة
*
خطاياهم، وضعوها على ظهور الآخرين وصاروا قديسين
*
أنا الّذي لطالما أحببت التماثيل…
*
البحر الذي أخذ بيدي وأخذت بيده…
*
وحدها يد رخام مقطوعة تسندك في أوج المعجزة
*
بصداع في الرأس، المطر والأبواب مغلقان
*
حتّى قعر الهاوية، العرفان بالجميل .
*
ربّما الصّمت وحده بوسعه قول الحقيقة
*
لاتحطّم الزجاج بقبضتك
*
يا للعسر الّذي تضخّ به الكلمة الدّم في القصيدة
*
أيها القمر المكتمل، لا تقوّلني ما لم أقل
*
فلينم الموتى بسلام أخيرا حتّى يكون بمقدورنا نحن أيضا أن ننام
*
ثم يبدأ تسمّع أجساد الغائبين
*
النّدم على هذا اللاشيء الذي تهجره
*
أصفر، أصفر، أصفر – يصيح عصفور الجنوب
*
في اللامفسّر، كان يقول، ( يوجد) تفسيري
*
لقد دخلت في الحصان الخشبي حاملا سيفا ومرآة
*
يونان( Grec).لا، ليس استعراء. عري
ء
هناك حيث رفعوا الصمت إلى صارية المركب
.
هكذا انقضت السّنون، ذئاب، كلمات وأقمار
*
أنت، يا بلاد الإغريق، التي تصلبين خبزي وأراقي
*
في هذه الشّفافية اللانهائية تتأرجح كماشة من فولاذ
*
النشارة التي سقطت من شعرك، وجدتها اليوم في القصيدة
*
ضوء سرّي، مضاعفا على المرايا المتشظّية
*
التكرار: تفقد للمعنى المجهول
*
يجيد تقليد نفسه، كما لو كان شخصا آخر
*
الكلمات بكاملها لا تكفيه لقول العدم
*
تتفاهم جيدا مع الحلم؛ إنه لا يطلب منك أدلة
*
في الليل يدخل البحر إلى غرفتي بقواربه
*
أهو الجرح الذي يتكلم؟ إنه يقول الحقيقة
*
هكذا إذن، فما لا يوجد موجود
*
لقد وضعنا قناعا ذهبيا على وجه العبث
*
ربما الصمت وحده يستطيع قول الحقيقة
*
لقد مد حبل مشنقته، وأخذ يرقص عليه حاملا مظلة صفراء
*
ما سرقوه منه سرقه بدوره ليقدمه لهم كهدية.
*
لقد أبحرت السفينة مبتعدة فيما بقيت أنا مع المسدس.
*
صوت قرع الطبول، أصوات بعيدة، دخان. والتماثيل في ردهات المستشفيات
*
صوامت وصوائت،أصواتهم ترن، تتوافق، ثم تصمت بنزاهة عميقة
*
ليكن في علمك، هذه الألحان على الحبل، هي مفاتيحي. خذها.
*
والآن، وقد سحبوا الحشاكة من فمه، ما الذي عليه ان يفعله ليتكلم؟
-

موسيقى تعلو أصواتنا – أحمد سالم
في هواء الغرفة
حيث تموج نغمات الأغنية
مثل ذكريات عميقة
لا يسعنا لمسها
أو رميها إلى أبعد من ذلك.
تتذكرين أن تسأليني شيئاً
بينما تضيع أسئلتي في النغمات الخافتة
وهي تضرب جداراً بشكل عشوائي،
أحاول أن أجيبك
لكنك لا تريدين حقا سماع الإجابة
تودّين فقط
تشتيت انتباهي
عن النغمة الصامتة في صوتك الساكن
وهي تنشز باردةً
بعيداً عن هواء الصيف
وهو يدخل ويغادر الغرفة
مثل زائر غريب
وسط موسيقى صاخبة جداً
وعالية جداً
لم نعد نسمع بسببها
أصوات بعضنا.
من ديوان: الغرق باستخدام امرأة.
-

التزام الهدوء – بابلو نيرودا
الآن سنعدّ حتى اثنيْ عشر
ثم نهدأ.
لمرةٍ واحدةٍ على وجه الأرض،
دعونا لا نتكلّم بأيّة لغة؛
دعونا نتوقّف لثانيةٍ واحدة،
ولا نحرّك أذرعَنا كثيرا.
ستكون لحظةً غريبةً
من دون اندفاع، من دون محرّكات؛
سنكون جميعًا معًا
تلفُّنا غرابةٌ مفاجئة.
الصيّاد في البحر البارد
لن يؤذي الحيتانَ،
وجامعُ الملْح
سينظر إلى يديه المجروحتين.
أولئك الذين يجهّزون الحروبَ الخضراء،
حروبًا بالغاز، وحروبًا بالنار،
وانتصاراتٍ بلا ناجين،
سيرتدون ملابسَ نظيفةً
ويسيرون مع إخوانهم
في الظلّ من دون أن يفعلوا أيّ شيء.
ما أريده ينبغي ألّا يُخلط
مع الجمود المطلق.
فالحياة هي ما هي عليه؛
لا أريد مقايضةً مع الموت.
لو لم نكن أحاديّي التفكير إلى هذا الحدّ
بصدد إبقاء حيواتنا مستمرّةً،
لو أننا لا نفعل شيئًا ولو لمرةٍ واحدةٍ،
فلربّما يقاطع صمتٌ عظيمٌ هذا الحزنَ
لعدم فهم أنفسنا أبدًا
ولتهديد أنفسنا بالموت.
لربّما يمكن للأرضَ أن تعلّمنا
كما هو الحال عندما يبدو كلُّ شيء ميتًا
ليتّضح لاحقًا أنّه حيّ.
الآن سأعدّ حتى اثنيْ عشر
وعليك أن تلتزم الهدوءَ
وأنا سأرحل.نص: بابلو نيرودا
ترجمة: عبير الفقي. -
“العبء غير المحتمل للبقاء (نهاية العلاقة)” – ورسان شير
______________________
أنا لا أعرف متى صارالحب بعيد المنال.
كل ما أعرفه، هو أن لا أحد آلفه يملكه .
أذرع أبي حول عنق أمي
ثمرة ناضجة جداً لتأكل ، و باب نصف مفتوح.
عندما يكون أسمك هو مجرد يد لا يمكنني التمسك بها أبدًا،
يصبح كل شئ آمنت به يومًا ، سحرًا.
أفكر في العشاق كأنهم أشجار ، تنمو من
بعضها بعضاً بحثًا عن ذات الضوء،
ضحكات أمي في غرفة مظلمة،
صورة تشيب أسفل لمستي،
هذا هو كل ما أعرف فعله، تحمل الخسارة حتى
أبدأ في أن أشبه كل ذكرى سيئة،
كل رعشة خوف،
كل كابوس رآه أحد يومًا.
أسألك هل أحببتني أبدأ؟
فتقول سريعًا: بالطبع، بالطبع
للدرجة التي تبدو بها كشخص آخر.
أسألك أمصنوع أنت من الفولاذ ؟ أمصنوع أنت من الحديد؟
تبكي على الهاتف ، فتؤلمني معدتي.
لقد تركتك ترحل ، لأني في حاجة إلى شخص يعرف كيف يبقى.
___________________________________________
ورسان شير: شاعرة بريطانية من أصول كينية-صومالية حاصلة على العديد من الجوائز الشعرية.












