المدونة

  • محمد السادات – لم يكن يعلم بطل الحكاية اننى أسطر تاريخه الأزلى منذ البداية

    محمد السادات – لم يكن يعلم بطل الحكاية اننى أسطر تاريخه الأزلى منذ البداية


    لم يكن يعلم بطل الحكاية أننى من يسطر تاريخه الأزلى منذ البداية سطورا من الحبر على ورق ، حاله كحال جميع أبطال الروايات المكتوبة لهم أدوارا محددة فى السياق الذى أضعه أنا الكاتب حتى تمردت على إرادتى الكلمات وإرتعشت يداي أحسست بشد عضلى فى أنحاء جسدى و أصابنى الإعياء، تركت مكتبى وانصرفت مترنحا لسريرى ألقيت سيجارتى على الأرض ثم دعستها وسقطت على السرير فاقدا القدرة على الحراك كنت أعى كل ما يدور حولى ولكن هذا الجسد لا يتقبل من عقلى اى نوع من الأوامر حتى أغلقت عيناى فحل الصباح . حين استيقظت أعددت القهوة و دخنت بضعة سجائر فى الشرفة ثم إرتديت ملابسى و ذهبت فى نزهة صباحية علنى استعيد نشاطى ولكن حين وصلت إلى القهوة ، رأيته جالسا على مقعدى المفضل فى هذه القهوة بجوار النافذة متأملا فى شوارع المدينة ومبانيها المتهالكة وكأنه غريبا عنها ، للوهلة الاولى منذ رأيته تسمرت فى مكانى قليلا فقد كان الأمر من أعجب الصدف أن أخلق بطلا لروايتى فألتقى شخصا شبيها له فى الطرقات او الحانات الرخيصة التى أعددت الذهاب إليها ، هذا وراد نوعا ما فنحن لا نستطيع ان نتصور شيئا ما فى خيالاتنا من وحى أخر دون هذا العالم المادى الذى نحيا فيه اننا مسيرين مسبقا بمجموعة من الأشكال التى نراها طوال حياتنا فتنعكس داخل عقولنا ومن ثم تتشكل من جديد خالقة لدينا شيئا جديدا مبتدعا وليس بالجديد ان الحقيقة هو مخلوق هجين .
    فما كان منى إلا ان تجاوزت الأمر ولكن قررت ان أجلس على مقربة منه مراقبا إياه علّ هذا ينفعنى فى قصتى الجديدة و ما أثار الدهشة فى عقلى انه اشعل سيجارة من نفس النوع الذى وصمت به بطل روايتى ، ربما كان هذا ايضا شئ وراد فقد كتبت قصة أحداثها تدور فى مدينتى هذه و ماركات السجائر هنا محدودة جدا ، ولكن هل من المصادفة ايضا أن يكون أعسرا كما بطل الرواية ؟ ، حدقت إليه كثيرا حتى انتبه إلى ثم ابتسم غير مبال و هب واقفا مغلقا سترته ناحية الصدر والرقبة ثم رحل . فى هذة اللحظات أصابتنى علتى المسائية من جديد فسقط من بين أصابعى فنجان القهوة وانكسر اما هو فرحل ماضيا فى الطريق حتى انى لم أعد أراه.
    عدت إلى منزلى سكيراً فى المساء مثقلاً بالفضول و محملا بالأفكار وقررت ان انهى هذه القصة التى ملئتنى بالحيرة والفضول ولربما أنتابنى الخوف منها فهذه العلامات اعجز على تفسيرها وكل هذا الغموض يزيدنى احساسا بالريبة، دخلت الى مكتبى مسرعا وللوهلة الأولى لم ألحظ ان الفصل الذى لم أنهيه البارحة مساءا قد اكتمل منتهيا ب ” لم يكن يعلم الكاتب انى اراه”…
    إنتابنى الهلع فقد صدمت بموقف لا يرقى إلى التفسير أو حالات التأويل المريح فكل محاولات التفسير هى بلا طائل ففى داخل نفسى يغرقنى الخوف والتشتت واللافهم ، لقد صارت قصتى سيناريو سينمائيا حديثا فإذا ما قصصتها على أحد لظنها إحدى أعمالى الجديدة ولن تؤخذ كلماتى على محمل الجد ولو للحظة. إننى الأن قد اصبحت محاصرا فى غرفتى بتلك الوساوس اللامعقولة ولفرط ما أحسست بالوحدة المفزعة والعجز عن أى تأويل أراضى به ذاتى المشوشة فى هذة اللحظات.
    أعددت كوبا من القهوة السوداء اعتزمت أن أنهى هذه القصة الليلة لا محالة فما هنالك من حل لكل هذ الغموض إلا بانهائها وطيها فى طيات النسيان كما جرت العادة ، أمسكت بالقلم وبدأت بالكتابة مكملا إياها بفصل جديد أصف فيه إضطرابات البطل النفسية وصفاته الإنعزالية التى ورثها عن جده والتى تطبع بها فطريا منذ الطفولة و أن علاقاته الاجتماعية والعاطفية انتهت بشكل مأساوى او لا تستمر وللحق لست اعلم ايهما اسؤء على كل أثارتنى هذه العبارات للضحك فلم يكن بينه وبين جده أى حالة من الوفاق أو حتى الود المألوف فى هذه الاوضاع الأسرية ولشد ما كان يكره الصغير جده العملاق خشن الطباع شديد الهدوء والعزلة ففى جنازة هذا العجوز الصلب لم يسر فيها اى صديق له ،انها لسخرية القدر ان يشب الصغير رجلا حادا شديد الهدؤء بلا أصدقاء بلا حياة تذكر الا ظلال المأساة تجاورة فى الطرقات … شعرت بوعكة أخرى واختل نظرى ولكننى مصر على استكمال القصة ولكن يداى لا تملكان سلطة على القلم من شدة الإرتعاد حيث بدأ الدم يسيل من انفى متساقطا على الصفحات البيضاء وتسقط القطره تلو الاخرى وتبدأ فى إحتلال الأبيض غزوات من الاحمر ذى الجمال ، احمل القلم بشكل لا إرادى منى واكتب..” بئس تلك الحياة ” فيكتمل السياق دونما إرادة منى وإنما بإرادة اخرى حركت أناملى عنوة ليكتمل النص بلغز اخر ” بئس تلك الحياة التى يتهرب منها الكاتب واصفا معاناته على انها محض خيالات تروى على السطور” تصيبنى الدهشة لا الخوف ثم يتبعها تشتت فإستسلام تام لسلطة القلم لا لا ليس هذا فحسب بل انه الخضوع لسلطة اخرى حركت القلم بيداى وتعلم ما يسرى بين هذه الجفون وباطنى اكثر منى اضع النقطة بملء إرادتى ثم اترك لهذه السلطة العنان فى التحكم والسيطرة كأنما انا دمية موثوقة بأوتار تحركها لكنها خفية تحرك يداى وتكتب بلا توقف تنهى الفصول الواحدة تلو الأخرى ، يستعصى الأمر عن الفهم ولكننى كتبت كل سطور تاريخى فى رواية مكتملة الفصول تشرف على الإنتهاء والان أصبحت أراه بكل وضوح لقد كنت انا القصة فى كل الحكايات ولكننى لم أكن اعلم إلا فى هذة اللحظة أن بطل هذه القصة الذى رسمته فيها قد كان هو الراوى الحقيقى ممسكا بالأوتار واقفا خلفى كظلال الموت تدنوا منك فتركض للحياة أكثر . ان كل ما يصحب الإدراك هو الألم كجلدات السياط تشق اللحم عن عظامى لا أملك له من رادعا إلا البكاء والهروب إلى أحضان امى فاتفجع بين نهديها باكيا ولكننى للحق لا اتذكرها بهذا الوضوح ولست أدرى لهذا سببا ،إن علتى هى اننا من اصحاب مبدأ يعتمد على التناسى تظاهرت بالنسيان ولكن الأيام تمضى وكلما منيت نفسى بالنسيان تحولت إلى مخلوق آخر لست أعلمه. هذه الأوتار تؤلمنى بشدة تمزق اللحم عن العظم ولكن هذه الألام توقظنى لست ادرى لماذا يشتعل فى داخلى شعلة أمل ، إن هذه المدينة التى تدور احداث قصتى بها ممتلئه بالفقر .. بالظلم.. انها تخلق من امثالى الكثير والكثير تنشر الوباء فى الهواء على الطرقات بأتربة الأرض فى شقوق الجدران بأنوار المصابيح المتضررة فلا تنير عدة أمتار كما هو حال سكانها من أمثالى الجاحدين على الذكرى منساقين عنوة إلى دوائر مغلقة كإنها سجون بلا قضبان تزيد شقائنا ونستمر بالتناسى حتى ينتهى فينا الإنسان. تتصاعد انفاسى مرهقا لكم سعيت أن انحت الجبال بكلماتى ولكن الأحجار لا تلين فتصير فنا متجسدا فى تماثيل او منحوتات اخرى تتلون تنثنى تعطيك انطباع بليونة الصلابه فتتشتت من هذين النقيضين ولكن ابدا أن تنكسر الاحجار ، لطالما حملت احجارى فى خزانتى واخفيها نعم اخفيها ولكنها ستظل هنا فى جوارى على مقربة منى فى الذاكرة ربما اتطرق إليها وافتح هذه الخزانة بين حين وحين خفية من نفسى ، لقد أخفيت عن نفسى طموحاتها فى إحدى الزوايا حتة ضلت الطريق . قد كان غضبى مستعراً يحيلنى نارا وقادة للعمل رغم الجوع والوحدة والهزيمة و جروح الخذلان التى لا تندمل تتشابه فيها شقوق جدران هذه المدينة المتألمة صباح مساء . سحقا للأوتار لست مسيرا كالكلمات اننى اغضب كلما أدركت حقائق الأمور كلما علمت أننى محتجز نعم أتناسى ولكننى افيق بين حين وحين من الألم ، رفعت القلم فسحب البطل أوتاره فزعا لقد كان هذا الموقف غريبا عليه رغم انه يعلم ما بداخلى من قبل و بدأت الكتابة من جديد لفصلا جديد قد ينهى المأساة لم أعلم حينها ماذا قد يمكن ان يكتب فيه ولكن للكلمات قوة فى الإنسياب تنتهى بالطوفان ولهذا زمجر البطل وشد أوتاره بقوة فشعرت بالألم فصرخت تمزق اللحم عن أصابع يدى اليسرى التى اكتب بها فسقط الخاتم زى الحجر الأخضر ارضا نظرت الى انعكاس صورتى على الحجر الأخضر فرأيت عينى جدى تنظرانى إلى قد كان يقتلهما الشقاء لقد تناسيت لمن هذا الخاتم الأن فقد انتبهت تتعاود الى ذهنى الصور عما مضى فانتزعت القلم ثانية وأكملت كتابة ” أن الأوتار متتابعة التجدد كلما سقطت من ذاتى أجزاء فى النص كلما سيطرت هذه الأجزاء على البطل مثل الأوتار تلتقطه هى رغم مقاومته تجذبه إلى أحضان المأساة ولكن لا خوف فى هذه الأقات ها نحن سواسية يقاوم كل منا مأساة الأخر ،اسمع صراخه وهو يقاوم أوتارى فتزيد أوتاره قسوة يتخشب جسدى تتصب عضلاتى اتحول تدريجيا إلى إحدى عرائس المسرح بأوتاره تلك ولكننى لا أترك القلم لوهلة أراه يتصلب يفقد ليونته فى المفاصل و الإنحناء أراه يتحرك بشكل هندسى يخضع لى لإرادتى لكنه يتمرد ما يزال يتمرد فيؤلمنى فأكمل كتابتى على الرغم من الدماء السائلة على الورق ” إن الأوتار لا تنتهى كلما انتقصت وترا حل آخر مكان له تجذبنى إلى النسيان أحيانا و إالى التمرد احيانا آخر” . أمضيت الليل اكتب لن ينتهى أوتارا منه توثقنى و اخرى توثقه كلما اصر على كتمانى تمردت ولكنه لم يتوقف عن التمرد على ايضا ابداء سطورا أخرى .

  • أسامة الجارحي – شذرات شعرية

    أسامة الجارحي – شذرات شعرية

    مقيد أنا بفراغ العالم،
    مقيد بذاتي، مقيد بك
    مقيد بجسدي وجسدك
    بالموت، بالألم، بالاشتياق
    بما لم اعرفة ، وما عرفته
    بالخوف ، بافكاري النسبية ،
    بشكوكي مقيد بين نهديك
    ومتحرر ايضا ، تفاصيلك
    تسكنني بجنون .أحقد على
    وجودي ووجودك أيضا .مقيد
    بتحطيم ما أرغب فيه.
    ***
    في عيونك زرعت اشجار
    العدم لأستظل تحتها ، فشمس
    الوجود تؤذيني والظل الحزين
    تحت نهدك وعطش شفاهك الذي
    لا يكف عن الارتواء من عدميتي .
    ***
    اليوم نظرت الى شفتاكِ كثيرا
    فانا اخلق منها عالم بداخلي
    من الخيالات المريضة والشبق
    المسموم والرغبات الجامحة
    لاسكنها بداخلي واهذي بها
    فانا دائما اخلق شياطيني
    واتبع تعاليمها جيدا .
    ***
    ابقيني سرا في عيناكِ
    وحياه على الحلمه النافرة
    ورغبة عند الشق الوردي
    وجمرة في قلبك وروحا في روحك
    فلا احب الظهور لغيرك .
    ***
    عندما لا يجري بدمي الا الفراغ
    استحضر الشياطين لتجري به
    فانا اكره الفراغ.
    ***
    افقديني واتركيني افقد نفسي
    عند حدود جسدك هل تخافي مني
    ام علي ؟ ، هل تعلمي اني افتقد جسدك،
    رائحتك ، لون جلدك ، ملمس نهدك ، صوتك
    الذي لا يهدأ بداخلي ، نبضك الذي يسرع
    من نبضي ، شفتاك ، طعم لسانك ، شقك الوردي
    انه جحيمي الذي لا ينتهي واستلذ به
    نهدك الذي لا يكف عن مداعبة لساني
    .عيونك التي بلا نهاية ، نحافتك كم كل هذا مؤلم ؟ .

  • ما من مهرب – فرناندو بيسوا

     

    ثمة لحظاتٌ يُتعبنا فيها كلّ شيء، حتى ذاك الذي يريحنا. ما يُتعبنا يُتعبنا لأنه يُتعبنا؛ ما يريحنا يتعبنا لأنَّ فكرة نيله تُتعبنا. ثمة قنطٌ يسكن الروح تحت مستوى كل قلقٍ وكلّ ألم، قنطٌ لا يعرفه، فيما أعتقد، إلا أولئك الذين يتجنبون أنواع القلق والآلام الإنسانية، ولهم من الديبلوماسية مع أنفسهم ما يتيح لهم تفادي ضجرهم الخاص بدون أن يعني ذلك تحولهم إلى كائناتٍ محصنةٍ ضدّ العالم، إنهم، في لحظةٍ معينةٍ من وعيهم بأنفسهم، لا يعانون من وطأة هذه الحصانة، فالحياة بالنسبة إليهم أصبحت قلقًا معكوسًا، وألمًا مفتقدًا.
    أجد نفسي الآن داخل لحظةٍ من تلك اللحظات، وأكتب هذه السطور كمن يريد أن يعرف بالأقل أنه يعيش. لقد اشتغلتُ مثل شخصٍ منوّم، مجريًا حسابات خاصة بإجراءات النوم، مواصلاً الكتابة طوال إغفاءتي. طيلة اليوم شعرتُ بما يثقل العينين والصدغين، شعرتُ بثقل النوم في العينين، بضغطٍ حتى خارج الصدغين، وبوعي هذا كله في المعدة، فيما يشبه الغثيان والخور.
    يبدو لي العيش خطأ ميتافيزيقيًا فادحًا في المادة، زلّةً من زلات العماء. لا أنظر إلى النهار، كيما أرى ما يمكن أن يمنحنيه من عزاء، كاتبًا إياه هنا بأسلوبٍ وصفيّ. لأغطي بالكلمات الفنجان الفارغ لعدم رغبتي، لا أبصر النهار، وأجهل بظهري المُنحني، ما إذا كانت الشمس موجودةً في الخارج أم لا، في الشارع الحزين ذاتيًا، في الشارع المقفر… أجهل كلّ شيء والصدر يؤلمني. لقد كففتُ عن العمل ولا أرغب في التحرُّك من هنا. أنظر إلى النشافة البيضاء المُتسخة، التي تتمدَّد ملصقةً من الجهتين فوق المكتب المائل. أنظر بتيقُّظٍ إلى الخطوط الممتصّة الممحوّة فيها… أرقامٌ هنا وهناك. رسوم للاشيء من صنع تسلياتي. أنظر إلى هذا كلّه نظرة قرويٍّ إلى نشافات، بانتباه من يرى أشياء جديدة، بالدماغ الخامد كله من وراء المراكز الدماغية المنتجة للنظر.
    لديّ من النوم الباطني ما يفوق طاقة استيعابي. ولا أرغبُ في شيء، لا أفضّل شيئًا، ليس ثمة مهرب.

     

     

     

  • ريتا الحكيم – قليل من الغَزَل يحرِّك ركودَ الأرواح

    أنا امرأة ترجم ذنوبها بالقُبل
    تعيد تدوير الزمن إلى لحظة التقاء جسدين
    لا تثق بالمرايا
    ولا بألبوم صوركَ بالأبيض والأسود
    ربما ملامحكَ تخون ذاكرتها
    وتنسى اسمكَ
    وحتى لون عينيكَ
    لكنها لا تنسى أبدًا ريق قبلتكَ

    أنا امرأة تقيس المسافات بالقُبل
    تنظم الشعر على شفتيكََ
    وتوقع دوواينها على افترار ثغرك بعد كل قبلة
    يكفي أنها تكتبكَ عنوانًا واحدًا لكلِّ قصائدها

    أنا امرأة يتَّهمونها بالعشق
    وبأنكَ أكبر جنحة ارتكبتْها حين امتدَّ عناقها لكَ
    إلى ساعةٍ متأخرةٍ من الشِّعر
    امرأة تستمع إلى أغنية embrasse- moi
    وتدندن منذ ساعات الحُبِّ الأولى أغنية
    je suis une femme amoureuse et je brûle d’envie
    لن يُحكمَ عليها بالموت
    ستلدُ للعالم فرقة كورال تُنشد الحُبَّ بدلَ الأناشيد الوطنية
    سيذكرها التاريخ
    وتخضع لها جغرافيا الجسد

    أنا امرأة تولي ظهرها لأواني المطبخ..
    تمسح عن جسدها روائح الطعام..
    بقصيدة قصيرة جدًا (أحبكَ)
    تدوس حافية على رماد شجاراتها مع الأفكار
    أعرف أنكَ تستنشق أنفاسي المتلاحقة على صدر صباحاتكَ..
    على فنجان قهوتكَ..
    وعطركَ..
    ولهذا أقرُّ وأعترف أنكَ أوَّل الشَّوق وآخرُهُ
    لكن لا بأس إن تقاسمنا شقاوة الأطفال
    وحنكة النضوج
    وخَرَفَ النهايات

  • ريتا الحكيم – أنتَ البدءُ والمُشتهى

    ريتا الحكيم – أنتَ البدءُ والمُشتهى

    ما مصيرُ الصراخِ الذي لم نجرؤ على إطلاقِ سراحهِ
    من حناجرِنا..
    الوجوه التي سكنت مخيلتنا، ولم نُعانقها..
    الشفاهُ التي أضرمت حرائقَ شهوتِنا ولم نطفئ أتونَها بالقُبلاتِ..
    الأحلام التي أغرقنا بها وسائدَنا ومفارشَ أسرَّتنا.. ولم ترَ النُّور.. ما مصيرُها
    الأوطان التي آثرتِ الرَّحيلَ وتركتنا نبحثُ في كتبِ التاريخِ عن جذورِنا المقطوعة..
    وضحكاتِنا المكتومة..
    عن دموعِنا..
    عن أنفاسِنا اللاهثة..
    وأسمائِنا..

    كأنَّ الوقتَ لم يمهلِ الطريقَ حتى يُغيِّرَ ملابسهُ ويُسرِّحَ شِعرهُ
    كأنَّ الطريقَ تعطَّر لأستهديَ إليكَ..
    ليعلِّمني كيف أمارسُ خوفي جهرًا
    أنا الشَّغوفة بالعودةِ إلى أصلِ الحكاية
    إلى أوَّل نظرةٍ..
    إلى أوَّل لقاءٍ..
    إلى أوَّل وطنٍ..
    منذ هذه اللحظة، سأعزفُ عن الحواراتِ إمعانًا في طيِّ صفحةِ الحياة..
    الحياة التي اقترفناها سويًّا
    مارستْ معنا الخوفَ
    من الحُبِّ..
    من الحريَّة..
    وأقفلتِ الشَّبابيك على ذاك الوطنِ البعيد

    كيف سنُقلعُ عن تخمينِ وقعِ خُطى الغائبين..
    الحاضرين منهم والمنسيين
    ونقتنعُ أنَّ الحياةَ نوتةٌ موسيقيةٌ يلزمها مايسترو خبير بالصُّعودِ والهبوطِ على سُلَّمِها
    أنا حين تسلقتهُ بُترت ساقيَّ وتاهَ عن حُضني طفليَّ
    وأنتَ.. مُرغمًا دفنتَ ذاكرتكَ فيهِ
    ووقَّعتَ للغربةِ إيصالًا على بياض

  • ريتا الحكيم – وحده بيت القصيد صمد

    ريتا الحكيم – وحده بيت القصيد صمد


    النهر لا يغير مجراه
    لكنكَ ببساطة مائه تُبدِّل خفق قلبك
    النهر مقتنع بثرثرة الحصى
    وأنتَ صامت

    للموت أزياء مزركشة
    وأحذية من ماركات عالمية
    لكنه ممثل مغمور وفي كل عروضه
    لا يلقى تشجيعًا من الجمهور

    للحُب ثأر قديم
    فشل مراتٍ ومرات في الأخذ به
    علقوه من حروفه على شجرة
    وفي ليلة شغفٍ حمراءَ أحرقوها

    للفرح ذبذبات لا يتلقاها
    حزن يحكم البلاد
    منذ أن بكى النهر على جثتها
    وقدَّم لذويها على مضضٍ كلَّ الأعذار

    للمدن المنسية حكايات
    تختبئ خلف الأبواب
    غادرتها البيوت ومعها كل الأقفال
    وحده بيت القصيد صمد

  • أردلان سرفراز – مصلوب – ترجمة سكينة شكر

    أردلان سرفراز – مصلوب – ترجمة سكينة شكر


    أيها الحبيب
    على صليب الصوت
    صلبوني
    أتدري أيها الحبيب
    كم أنا مثقل؟

    لكن هذا القفص مجدي
    فقد بنوه
    لأني تمردت على الصمت
    وها أنا أرتحل الآن ،
    حتى دون كفن

    وقتها قالوا
    أن تمردي خطيئة
    تشبه خطايا العين والأذن
    قالوا تلك اللحظة
    التي قيدوني فيها بالأصفاد
    “معنى الخطيئة.. هو أن تحلق”

    لو أعطوني فرصة
    لآخذ نفساً أخيراً
    كنت سأقول ما يجب قوله
    لكن حينها
    حتى وأنا في عزلتي
    مجرد تفكيري بالتحليق
    كان كفيلاً بأن يبني لي هذا القفص

    لكنما ولو ذبلتُ على الصليب
    بخطيئة صوتي
    بجرم نطقي
    فسأكون فخوراً بقفصي
    وبأنني لم أرضخ للصمت
    كي لا أرتحل بلا كفن

    بليالي السكوت
    كانت صرختي
    تشق طريقاً لليقظة
    في عمق غابات السبات

    كانت صرختي
    منذ غروب الخوف
    حتى الصباح الموعود
    تشبه خنجر غضب الخليل
    المغروس في قلب النمرود

    في خضم عذاب القحط
    كان القمح يفوح بعطر حسرتي
    وكان قلبي مدمى لعذابات البشر المريرة

    لكنني حين وجهت سؤالاً بسيطاً
    للشخص الذي ألقى بظله
    كجنيّ داخل ليلي
    اعتبروا أن استنفاري هذا
    خطيئة أبدية

  • ايرج جنتي عطايي – الغابة ترجمة سكينة شكر


    لا شيء خلفي
    سوى جهنم
    لا شيء أمامي
    سوى مذبح الآدميين

    روح الغابة السوداء
    تجتثّ مني روحي
    بيديها المتجعدتين

    والبوم تهمس في آذان بعضها
    أنّ نمراً جريحاً سيسلك درب رحيله
    لو أنا بقيت هنا لحظةً أخرى

    حجرةُ قبلاتي
    غابةٌ عجوز
    قلب القمر منحنٍ
    تأسره الطرق المتفرّعة

    أراقب غروبه
    وجسدي يرتعش من خوف الرحيل
    وقلبي يفيض بوحشة البقاء
    وعيني تمتلئ من حلم الرجوع

    لكنني خطوةً بعد خطوة
    لحظةً بعد لحظة
    ألمح طيف عدوي هنا

  • من سيأتي إلى هنا باحثًا عني؟ – إيفا رونفلت

    من سيأتي إلى هنا باحثًا عني؟ – إيفا رونفلت

    إن كان هذا حلمًا لآخر
    لا يتوق إليه سواي،
    واقفًا هنا في الفضاء دون نعاس،
    حكاية ليلة، ذاهلًا..

    أدخل في الفكرة
    تصاعد من الأرض
    متوترة، مع صفحة بيضاء

    أستريح قرب لمعان الغطاء الأحمر
    أسمع هذي الظلمة الصبية
    تحت خصلات الطفل الشقر

    أرقد هنا
    في بلاد الليل
    مبهورة

    أطفو على ظهري
    في هواء المنقار
    أطفو أعلى

    من سيأتي إلى هنا باحثًا عني؟ أتحلم أنت في نومي؟

    إيفا رونفلت – شاعرة من السويد
    المصدر: أنطولوجيا الشعر السويدي
    ترجمة: إبراهيم عبد الملك/ جاسم محمد

  • في الظل، تبكي زهور عباد الشمس – تركي علي

     

    HOKUSAI

     

    خلف السماء اللامعة،

    ‏اليرقات الصغيرة التي تضيء وتنطفئ،

    ‏أصبحت نجومًا فضية.

    ‏وطيور الكركي التي كنت تظنها ورقيةً،

    ‏أصبحت من دم وريش.

    ‏وخيالك المنسكب بعبثية كقهوة سوداء على الرصيف،

    ‏أصبح آدميًا كاملًا،

    ‏يرقص الفالس

    ‏كلما شعر بالحزن.

    ******

    الشمس، لا تظهر مشاعرها

    ‏أبدًا، أبدًا، أبدًا.

    ‏لأنها، في الزمن البعيد،

    ‏وحين قال القمر نكتة بلهاء،

    ‏ضَحِكَتْ،

    ‏فغلت المحيطات،

    ‏وانفجرت سبع براكين،

    ‏وهلك مئات البشر

    ‏وصلت احتضاراتهم،

    ‏متبوعة باتهامات ذويهم:

    ‏الشمس قاتلة، الشمس قاتلة.

    ‏بينما لم تقترف، تلك البريئة،

    ‏سوى..

    ‏أن ضحكت.

    *****

    أقاتل حقيقة أن القارب..

    ‏إذا كان قبطانة طفل، سيغرق.

    ‏أقاتل حقيقة أن شجرة السرو..

    ‏ستشيخ يومًا، وتسقط.

    ‏أقاتل حقيقة أن القلب..

    ‏أذا أحب غاوية الخصر، سيُكسر.

    ‏أقاتل حقيقة أن الزيتون..

    ‏إذا ظل عربي، لن يثمر.

    ‏أقاتل، أشيخ، أقاتل، أغرق،

    ‏أقاتل، أنكسر، أقاتل

    ‏ولا أثمر.. لكن.. أقاتل.

    *****

    راقصًا..

    على غصن زيتون أعوج

    قصد فاكهة.

    الفاكهة التي أقصدها خضراء.

    وحين تنضج..

    ستكون بيضاء،

    أما نحن،

    سيكون لوننا أحمر.

    والسماء التي حلمتُ بأكل الفاكهة تحتها..

    ستصبح بلا لون.

    الأسود وحده في يدي،

    ألوح به،

    راقصًا..

    على غصن زيتون أعوج.

  • دانتِيل – جُمان الوليد

    دانتِيل – جُمان الوليد

     

    Georgia O’Keeffe

    إن الأمر الذي جعلني أبدأ بالكتابةِ الآن هو تفكيري في وَجه الشبه الماثل بين الدانتِيل و بين تعدّد الشخوص الإنسانيّة. طفائِف اختلافاتها و جلائِل تشابُهاتها في قدرتها على تكوين وجه قِماشٍ واحدٍ يستحضر واجهةَ الإنسان الأصلية، ثم و تجمُّعها في هيئة نسِيج تملؤه ترتيبات الوقت.

    أذكُر بأني قد قرأت نصًا منذُ مدّة، لشخصية تصِف المجتمع بقطعة دانتِيل . جمعٌ من ثقُوب، في صدر واحِد، في تكوينٍ واحد، تصنع كيانًا من مادّة و منفذًا لاستجداء ضوء عاتِم .. وساوَرني ذات الإعتقاد نحو مانملك من تعدُّد، أو بالأحرى ما يملكنا نحنُ من تعدُّد. تكوّن على بِناه بأننا جميعًا محض قِطع قماش ملونٌ أو أحادي، على سطَح منزل في غيّهب العالم، مُعلَّقين من رُؤوسنا أو أكتافنا، نتفَاوت في خوَامنا، و ألواننا. نُناشد عَطف الوجود، أو الماهيّة التي تشكّل أكناهنا، نحُور في أماكننا إستمنَاح غِوى التحرُّر .. نجتمع كمجمُوعة أفعال، حول ما يؤثر على فهمنا . حول ماهية الضوء الذي يمر من خِلالنا، الأمر الذي جعل من واحدنا معدُودًا يندّد، و من فُراديتنا جمعًا يثُور و يطلب، و من قلقنا أنصافًا توزَّع على شكل إنسيابات تناغِي حيّز أمكنتنا.. في سبيل التعرُّف على حقيقتنا، و القبض على إجابات الأسئلة التي تؤرّق مضاجعنا، عن جدوَانا، عن إكتفاء الوقت بالطيّ و الثني أو عدمهمَا، عن طول تعلّقنا، أو سقوطنا، أو واسِع صمودنا . عنّا نحن، عن وجُوهنا، و عن استبقاء أثرنا هذا، في محض قِطعة ملوّنة أو أُحادية، من قِماش دانتِيل.

     

  • الموت في رأسي – شوق عبدالعزيز

    الموت في رأسي – شوق عبدالعزيز

    تلك اللحظة العابرة التي تمنّيت فيها أن ينتهي كل شيء، أصبحت اللحظة التي لا تعيش سواها.

    والأيام التي تنهار فيها لتعود أقوى.. تصبح أعوام. فلا تقوى النهوض، وتهوى.

    كنت تهرب من الليل الطويل بالنوم، وتستيقظ فتقول “بالأمس كنت عالقًا بالوحدة”. أما الآن أنت لا تنام.  حياتك كلها أصبحت ليلة واحدة معتمة، تفيض بالأسى، ومؤلمة. لم تعد الذكريات وحدها مايؤلمك، بل حقيقة عدم نهوضك. عدم الوصول إلى مكان. أنت عالق وبشكلٍ أبدي، فيك. وهذا مايرعبك، مايَنخَر عظامك. لم تكن يومًا بهشاشة كافية لتظن بأن الحب سوف يشفيك، لكن ومن شدة اليأس، تتشبّث به وكأنه طوق النجاة الوحيد، وتثور غضبًا إذ لم ينجيك. إذ لم يقف بينك وبين نفسك. يجب أن تفهم أن أحدًا لن يفعل ذلك. لن يفتح لك باب الخروج سواك. أنا أفهم ذلك.. لكن هنالك جدار منيع، بين عقلي وكل ما أشعر. الجدار بين مايجب فعله، وبين إرهاقي.. كم أود لو أن أجد سببًا واحدُا أتمسك به للنهاية. لكن شغفي بكل شيءٍ، مؤقت. لا أنفك عن الإفلات. كل ما أشعر به لحظي. لا أثق برغباتي. أنا أصل لكل شيءٍ وأنا منهك، ناسيًا لذة الوصول، ومتعب من الرحلة، التي كنت فيها أتوق لهذه اللحظة. كل مايجب عليه أن يُفرحني ينتهي دون أن يحرّك بيَ شيء. كل الأشخاص يمضون من خلالي، لا يستقرّون فيني. أصبحت أتمنى الموت يوميًا، رغم أني لم أعش. أنا فقط لا أشعر برغبة في أن أُكمِل. مللت من الإنتظار. إنتظار اللحظة التي ستقلب حياتي. المعجزة التي ستجعلني أشعر. لقد مللت من الساعات الثلاث التي أقضيها على السرير، محاولاً إيجاد سبب يدفعني للنهوض، أريد أن أرغب بالنهوض، لا أن أُجبَر بحكم العادة. ومللت أيضًا من الساعات الطويلة التي أقضيها محاولاً النوم، محاولاً طرد كل أفكاري. مللت من الخدر، ومن الشعور أكثر من اللازم أيضًا. أنهكني عيشي بعالم يسحق صدري ويرفض وجودي، أنهكني البكاء على حقّي بالعيش. أعجز عن الوقوف، دون أن أنهار. أريد أن أرفع راية بيضاء في وجه العالم، لكن العالم الذي لم يعترف بوجودي، لن يرى رايتي. سيستمر كل شيءٍ في دهسي، وفي إنكار حقيقيّتي. أنا الذي كنت أرفض أن أقول ولو لنفسي بأني متعب، اليوم أغنّيها. أنا مُتعب، مُتعَبٌ جدًا، ومُثقَل. وأسعى لأن أجد شيئًا يساعدني، وشخص يعترف بألمي، دون أن يظن أن لي يدًا فيه، أو أن بإمكاني النهوض لكنني لا أرغب.. من يرغب بأن يعيش الموت بشكلٍ روتيني!؟ من سوف يسمح للأيام بدفنه؟ صدّق أو لا تصدّق، أنا حاولت، كثيرًا. أنا كنت أدفع نفسي للعيش. أسحبها للحياة. كنت أحشر يومي بكل مايمكن أن يخفف عني ثقل صدري.. لكني فشلت كما ترى. أنا لم أختر أن أتوقف، لكني أحاول الحفاظ على كرامتي ربما، حين أقفل على نفسي الباب، لأنهزم أمام الاكتئاب. ولأكون صادقًا أكثر.. أنا لا أحتاج أن أتوحّد بنفسي لأنهار، أصبحت أنهار واقفًا، أمام العديد!

    لا أحتاج أن يشهد الجميع موتي. لهذا اخترت العزلة.. أريد أن أعيش هذا الاحتضار وحدي. لا أستطيع أن أفهم ماذا يحدث بداخلي، رغم أنه قد مكث طويلاً. لا أستطيع أن أجد وسيلة للنجاة.. لا أقدر على أن أظهر وبشكلٍ كامل، وواضح، إليك. كل ما أخبرتك به إلى الآن، قليل. قليل جدًا وسطحي، بالنسبة إلى ما أعانيه حقًا. لن أتوقع منك أن تفهم، وسأكرهك كثيرًا إن سألتني عن سبب سقوطي؛ لأني لا أعلم.

    أحيا مُحاولاً أن أستوعب حقيقتي، وحقيقة أن أحدًا لن يطيل النظر إلى هذا الخراب، إلى شخصي المُجرَّد. أفهم ذلك. لكنهم أقنعوني.. أقنعوني بأني نجوت، جعلوني أقذف أسلحتي بعيدًا، كيف فاتني أن العدو من خلفي، والجيوش تنهشني بأعينها؟ لم أنجو بعد، وليس بمقدوري أن أحارب. أداروا ظهورهم عني، محتلفين بانتصاري. لقد مضوا بعيدًا، تاركيني أحاول أن أمسح دمي، بأيدٍ مبتورة، محاولاً أن أناديهم، لست أدري، هل أنا أبكم، أم هُم صُم؟ هل أنا أهذي، أم وحدي المستيقظ؟ كنت طفلاُ عندما أخبروني بأن الله قد خلقنا في أحسن تقويم، وأنا هنا أتساءل، هل من الممكن أن تكون جميع مخلوقاته معطوبة بقدري، أم أني خطأ الله الوحيد؟ رأسي لن يهدأ، ربما قد حان وقت تفجيره، وتحويله إلى قطع. لا أفهم كيف لجسدٍ هش أن يرفع حِمل العالم على كتفيه. وكيف لشخصٍ يحتضر أن يقف بكل ثبات أمام بشاعة العالم، ووحشية الوحدة. إني مرعوب، ومُنهك. أرهقني كل هذا الخوف، التوجّس، التفكير بأسوأ الاحتمالات. إني حين أستيقظ أستاء.. لماذا أُعطيت يومًا جديدًا، شبيهًا بالأمس. لماذا يستمر الله بتزويد رصيد أيامي، رغم أني قضيت حياتي أطلب منه نقيض هذا.

    شوق عبد العزيز

  • قصيدتان للشاعر الهندي رابندرانات طاغور – ترجمة: شهاب غانم.

    قصيدتان للشاعر الهندي رابندرانات طاغور – ترجمة: شهاب غانم.

    1- الهدية.

    أريد أن أهبك شيئًا يا فتاتي
    إذ بينما يجرفنا تيار الحياة
    سوف تتفرق بنا السبل
    وسيطوي حبنا النسيان.
    ولكن لم تبلغ بي السذاجة أن آمل
    أن أتمكن من أن أشتري قلبك بهداياي.

    أنت في مقتبل العمر والطريق أمامك ما زال طويلًا
    فأنت تشربين كأس العمر الذي نقدمه لكِ دفعة واحدة
    ثم تديرين ظهرك لنا وتمضين بعيدًا عنا لا تلوين على شيء.
    إن لك ألعابك وزملاك في اللعب
    فما الضير في ألا يكون لديك وقت لنا
    وألا نخطر ببالك.

    نحن بالتأكيد نمتلك الكثير من وقت الفراغ في شيخوختنا
    لنحصي الأيام التي ولت
    ونحتفظ في قلوبنا بذكريات عزيزة
    أفلتت من أيدينا إلى الأبد
    مخترقًا كل المواقع ولكن الجبل يبقى ويتذكر،
    ويتبعه بنظرات الحب.

    2- المساومة الأخيرة.

    ناديت في الصباح وأنا أسير على الطريق المرصوف بالأحجار:
    “تعال واستأجرني”
    وجاء الملك شاهرًا حسامه وهو على عربته الحربية التي تجرها الخيل.
    أمسك بيدي وقال:” سأستأجرك بقوتي”
    ولكن قوته كانت لا تعد شيئًا، فمضى على عربته
    في حرارة الظهيرة كانت المنازل مغلقة الأبواب
    ومضيت على الدرب الملتوي.
    وجاء رجل عجوز يحمل كيسًا مليئًا بالذهب
    فكر مليًا وقال” سأستأجرك بنقودي”
    وزن عملته قطعة قطعة، ولكني أشحت بوجهي.
    جاء المساء، وكان سياج الشجيرات حافلًا بالأزهار.
    ظهرت فتاة حسناء وقالت:” سأستأجرك بابتسامي”.
    شحبت ابتسامتها واستحالت إلى دموع وعادت
    وحيدة إلى العتمة.
    التمعت الشمس على الرمال وتكسرت أمواج البحر بتمرد.
    وقعد طفل يلعب بالمحارات على الساحل
    رفع رأسه وبدا كمن يعرفني وقال
    ” سأستأجرك بلا شيء”.
    ومنذ تلك اللحظة والمساومة التي عقدت في لعب طفل
    جعلتني رجلًا حرًا.

  • تموت القطرة في النهر – ميرزا غالب – ترجمة: شهاب غانم

    تموت القطرة في النهر – ميرزا غالب – ترجمة: شهاب غانم

    تموت القطرة في النهر
    من فرحتها
    ويرحل الألم بعيدًا إلى الحد الذي يشفي فيه نفسه

    في الربيع بعد الأمطار الغزيرة
    تختفي السحب
    التي لم تكن سوى دموع

    في الربيع تستحيل المرآة إلى اللون الأخضر
    وهي تحمل معجزة.
    غير الرياح المتألقة.

    لقد قادتنا الوردة إلى عيوننا

    فلتدع كل ما هو كائن يتفتح
    الوردة ببتلاتها العبقة
    زنبقة الماء بثوبها البتولي الأبيض
    لا شك أن هاتين قد جاءتا إلينا مهاجرتين
    قلة فقط من هاتيك المخلوقات
    هي التي وهبت الجمال السامي والجلال
    بعضها تحتضن الموت لتنبت من جديد
    ولكن الأكثرية تبقى في التراب إلى الأبد.



    *نص: ميرزا غالب
    *ترجمة: شهاب غانم

  • مها دعاس – حلم

    مها دعاس – حلم


    الحمى و هذا الهذيان الذي يتهجى الذاكرة
    المرض و هذا الضعف العابر على جسدي العائد من تلاشيه
    الذي يذوي في زنزانة الأيام
    على عتبة المسافات التي تتبناني كقصيدة ظالمة في حنجرة البلاد و أتبناها كأم تحرس الظلال

    كيف كنت أمطر و أنا أرسم للغيمة سيرة سماوية
    يا حكمة الألوان في الإنهمار
    في زركشة قوس قزح و ما تلألأ من زهو المعنى
    غير مرئية
    شفافة
    لامعة
    لا أشبه الحرير و لا أشبه الضوء
    ثمة ما لا اسم له
    ثمة ما كان يكبر كزهرة برية سرمدية
    الفراشات تتطاير بين أصابعي ثم تصير أقراطا أضعها في أذني لتردد أغنية للفرح
    أرتدي النجمات خواتما و ترتديني دهشة فتبعث الحياة في الكون المترامي بين يدي لهفة

    لم يكن علينا أن نطلق على المسميات أسماءها
    بينما نعيش الكون من أصدق قلب للضوء
    عند التقاء الأوقات بظلالها

    ألف حياة في ذاك الزمن الذي كنت أحرس فيه فكرة الروح
    كيف كان الزهر ينبت على وجنتي فتذوي الأوقات بين تحالف السحر مع اليقين
    كان هدي الوقت
    لإنبلاج الفجر و حركة المجرة

    الأجنحة التي كانت تنمو على كتفي
    دليل الطيور المهاجرة
    للحياة على شفاه الفرح التي تبتكر ألف ألف ذريعة للبقاء

    عيون السماء سهول الأيائل و ما فيهما من سر خجول وتوق وحيد لمعانقة الصوت الذي كان يراقص الملائكة في ساعات التحليق
    أول نبوءة الدفء و لحظات الخلق
    أولى ساعات التكوين للحلم
    الذي كان يشرق
    خلف الجبال البعيدة
    والذي غاب
    خلف الجبال البعيدة …

  • مها دعاس – الأموات يجيدون الغناء

    مها دعاس – الأموات يجيدون الغناء


    في البدء كان الصمت فضاء
    حتى شوهته الكلمة
    كانت البساطة حرية
    حتى تصاعد العقل على حساب الروح
    ماذا لو كنا وهما ؟
    ماذا لو كانت الحياة
    أضغاث أيام تسعى للإنفلات من قيدها
    للإنعتاق من منوالها ؟
    تسير بخطى قهرية نحو فنائها القسري
    ماذا لو كان هذا الوقت نتيجة حتمية للعدم ؟
    ماذا لو كان كل هذا من صنع بنات أفكاري المتمردة على السكون ،المرهونة للأسئلة ؟
    عند إلتقاء الفكرة بضدها
    الضد بظله
    الشيء باللاشيء
    الليل بالنهار
    كيف يبذرون أنفسهم بين أصابعي ؟
    كيف ينبتون على سواعدي كغابة مخيفة ؟
    كيف يرشح كل هذا العويل
    من بين مسامات جلدي ؟
    كيف أنجو من صرختين
    أحدهما صامتة
    والأخرى خرساء
    هذا الكون الأعمى صغير جدا
    لا زوايا و لا حدود
    دائرة مغلقة ندور داخلها بلا جدوى
    الناجون يرقصون رقصة الذئاب
    حول انتصاراتهم
    على الضفة الأخرى من جسد النار
    يواصل الميتون الغناء
    وهم ينفرجون من وهج أكفانهم الملونة
    أنتم تظنوني مجنونة
    الأموات أيضا يجيدون الغناء….

  • رنيم نزار – المرأة الوحيدة فى تخوم الوجدان

    رنيم نزار – المرأة الوحيدة فى تخوم الوجدان


    عشيقاته
    نتشارك ليلة واحدة
    أرق يأكلنا
    ورجل قاسٍ يهجر..
    ***
    كنت اقول أحبك
    كان يفسرها
    أرحل..
    ***
    قلبي علاقة الاحزان لهذا العالم
    خزانته
    كلما رمت امرأة وشاح حبيبها
    علقته واوجاعها فيّ..
    ***
    اعاقب حبة المنوم التي تسبح في جسدي
    بدلة قهوة
    وليل طويل ينفجر في وجه النوم ..
    ***
    لا اجد لليل باب
    ادخل من ابواب للهرب منه
    هنا ليل يشع بالعتم ..
    ***
    من يسمع آنين المرايا
    كلما طلت وجوه
    عابسة طويلا بها !
    ***
    يتأمل وجهي
    تكتب عيونه
    مئات القصائد ..

    اقول اهلا
    تولد في صدره اجنة حب ..

    ارحل
    تاركة له القصائد
    والاجنة
    القاه صاعدا قبالتي
    ينتظر هدية مجانية
    بسمة في احمر شفاة
    لتصير
    قبلة تغسل جذور تعبه ..
    ***
    رجل عابر
    لا يحتفظ بالوقت
    ويهدر الحب
    ولا يشرب الخمر مجازا كلما قبل وجهي وسقطت في فمه دمعة
    لم يصير شاعرا واصفا عيوني
    يبحث عن العمل في مكان اخر
    بعيدا عن عدد المرات التي اسأل فيها
    كم عمر حبنا ؟
    لساعات طويلة يغني امام المساجد
    يدور الشوارع راقصا
    ويلعب امام الكنائس
    يدق ابواب الخوف
    ويهرب
    لا تأويل لخوفه
    لا
    لا
    ليس مختلف
    ابدا
    اقل من كل شيء
    له قلب من فرط المشاعر
    طوال النهار
    يركض صوب الليل لينام
    له وجه
    كوجه ابي
    في اوج حنانه
    لكن
    لا يملك قلبه
    مثقال ذرة شبه
    شبع من الحب
    بوجبة واحدة
    وراح يبحث عن مرتع
    ليخبئ كل ما جناه
    مني فيه
    خشية ان يفنى
    سرق
    قلبي
    تركه في بئر
    كيوسف
    تركة وقربان
    لشيطان الراحة
    كان هو كل اخوته
    وليس لي نصير..
    ***
    علاقتي بالحب
    كعلاقة الطائر بقفص
    في الافق يلوح قلبي..

  • سامي المسلماني – لون


    هنا،على هذه البقعة
    الصغيرة من الارض،
    مازلت ابحث عن لون
    الحياة،
    قال لي الحكيم:
    لن ترى شيئا،سيصيبك العمى.
    لكني لم أيأس،
    مازلت افرك عينيّ كل صباح
    وامسح لعاب الذهول
    السائل على ذقني
    كالفضيحة.
    قال لي الطبيب:
    من ينظر الى الجموع لا يرى احدا.
    لكني لم أيأس،
    رسمت الحروف في هيئة بشر
    وفصلت بينها
    بفواصل غليظة،
    انظر مليّا الى كل حرف انسان،
    استنطق ملامحه
    مستعينا برؤى الرائي
    ونبوءات
    الفراشات.
    قال لي الراعي:
    لقد ذهبت شاتك بعيدا ياولدي.
    لكني لم اكفر بغواية الالوان،
    اخذت ارعى غيمات بيضاء
    في حقل ازرق
    تحت قبة ذهبيّة.
    لن افكر طويلا في الغبار
    الذي يحارب بصري….
    لن اشتري شيئا من باعة الوهم،
    لاني فقير
    واخاف عمى الالوان.

  • سامى المسلماني – تعب


    اسير في الغابة على غير هدى،
    الذبول يمسح المكان،
    اغصان جرداء جاءت من زمن القحط،
    جذوع مقطوعة،
    لا شك ان بعضها،الان،كراس تحت مؤخرات كبيرة لا تحب الاشجار،
    وبعضها الاخر طاولات فوقها طعام لن يفلح في ارجاء الموت،
    وبعضها ابواب توصد على الفضائح،
    وبعضها نوافذ تفتح على الفراغ
    ……..
    من بعيد لحت لي غصنا مورقا مثمرا
    مثل شمس تبزغ في ظلام،
    لكنك بعيدة جدا
    وانا متعب جدا..!

  • سامي المسلماني – راع


    قال الراعي وهو يسند ظهره الى جذع زيتونة:
    تأكدت،بفضل حنكة النايات،من أنّ زمن البدايات قد انتهى.الدوران الدائري لم يترك لي الوقت الكافي كي اهمس الى العشب بكل اسراري لكنّ الفضائح المسطّحة يزداد رنينها بعد ان اصبحت اجراس خرفاني خرساء…لست حزينا ولست مسرورا،انا جامد كصخرة فاجأها مطر حامض،كيف اوقف كلّ هذا الدوران العكسيّ؟كيف اكفّ عن الحلم؟كيف اصعد فوق النوم؟قال لي احدهم”الخمر الخمر”.قالت لي نفسي”الخمر لا يطفئ جمرا”.وداعا ايتها الخرفان…انتهى وقت الجداول تنحدر من الجبل،مات الوادي مختنقا بحجره،تلاشت النايات مشنوقة بحبال النعيق،
    لم يعد الفجر يسكن بيننا….

    لا ادري هل صمت الراعي ام حملت الريح بقية حروفه الى مصبّ النهر لكنّي،على كلّ حال، بقيت مشدودا الى قمّة الجبل وهي تغازل بعض غيمات متردّدة.