المدونة

  • قريبًا تخضرُّ الأشجار كلّها (من الشعر السويدي) – آرنه يونسون –  إبراهيم عبد الملك وجاسم محمد

    قريبًا تخضرُّ الأشجار كلّها (من الشعر السويدي) – آرنه يونسون – إبراهيم عبد الملك وجاسم محمد

    1- معراج

    ليس لديّ متسعُ من الوقت

    ولا حتى ما يكفي لستر جسدي

    – مبتَلعٌ حتى النصف

    قريبًا سيمسي الصيف علينا

    الأشجار مصدّاتُ موج هائلة تصدُّ كُتلًا خضراء

    تموج أوراق الأشجار فاتحةُ الخضرةِ رقائقَ ذهبٍ

    في الماء.

    مخملٌ مضيءٌ أخضر رماديٌّ بشرةُ طفل

    لامعة كالفضة الجميلة

    ترحل عنكِ حين أداعب التحوّل.

    لا تَجِفّي مني

    احفظيني في كل ما هو ليس بوَعْد

    ولكنه وعدٌ مع ذلك

    احفظيني في وجهكِ

    في التجاعيد الرقيقةِ

    كالإبر تحت لسانكِ اللاذع في عينيكِ اللتين

    تحسبينها مُبصرتين

    احفظيني في سيارتك الزرقاء.

    وفي كل ما حولكِ

    انظري

    سأموت ولن أعود أبدًا.


    2- رسالة من زجاج وماء

    رسالة من زجاج وماء

    لستُ أكثر من طيف مُدبَّرٍ ذائبٍ في المطر

    مسكوبٍ على نافذتكِ افتحي

    فأحل حبرَ دفتر يومياتكِ

    وماسكارتكِ

    ولوحاتكِ المائية وسماءكِ الزرقاء

    اقرأي شفافيتي.


    هكذا إذن،

    إن احتجتِ إليّ

    اشربيني مع النبيذ

    العقي ملحي لا تقولي شيئًا دعيني وحسب

    حيوانًا

    أحسُّ بلسانكِ، بثقلكِ، وظلكِ، دعيني أقتنص

    كأضعف ما في قطيعٍ افتحيني

    لا تُقدسي الحب

    احمليه مع القشور والعظام

    دعيه يسيل كدم السمك تحت الحنفية

    كُليهِ قَبليهِ العَقيهِ

    احفظيني

    من كؤوس خزانتكِ

    في بحيرتكِ

    في ملابسكِ

    احفظيني مطرزًا ومخيطًا.


    أيتها الطفلة

    أضمكِ بين ذراعي

    أنتِ خفيفة كما يجب أن يكون عليه الأطفال

    تلعنينني لأني أهجركِ

    تلعنينني لأنني باقٍ

    ليس فيكِ شيءٌ من القداسة

    تُفرغين ذاتكِ عليّ

    خذي بيديّ

    احفظينني لا تغسلي ثيابكِ

    كوني قرى الضيوف الصغار

    أحوّلكِ.

    اغسلي، أوصدي

    احفظي في كؤوس نظيفة

    نبيذكِ

    ملحكِ

    وأمونياكِ

    اغسلي، أوصدي

    وسخي ثانية

    عبر نوافذ مُشرعةٍ يأتي سبيلٌ آخر

    أبيض كالقطن بلا سكاكين بلا كلمات بلا خلاص.


    سيأتي الخريف

    يقطع فيه السواد ويحلّ

    بلى، ولا حتى أنتِ، أنا، يمكننا منع السواد

    عن التفشي

    غدًا تتفتحُ الغابات بتيجان معتمة وارفة الظلال

    قريبًا تخضرُّ الأشجارُ كلُّها.

    الانتظار يُطلقُ الداءَ

    فطر أصفر، طفحٌ، جراحٌ مفتوحة تُزيِّنُ

    البيتَ الأشجارَ الأوراقَ

    أحدهم يجمع أعشابًا طيبة

    يعبئ العدوى في زجاج وكأنها حيوانات ناقصة:

    أجنحةٌ مشدودة

    جلد سحلية مجرّح

    أفواه دامية

    لا شفاء هناك، تعالي وانظري..

    هذا أنا.


    مساكنُ حُفَرٌ مصاعدُ جلدُ سحالي شرشفٌ للهجر

    لإخفاء الرحيل ثانية إلى المسالك المهجورة

    إلى الأكواخ الرمادية

    إلى الحديد الصدئ آجام القُرّاص

    تذوقي لساني، يدي، الآثار ظلال الأجساد الكبيرة

    ( يمكثون غير مقسمين محفوظين

    كحبوب هوائية غير مضاءة تحت الأرض)

    تعالي بعدها إلى هنا

    لحمُ الألم الدامي جسدٌ

    أسكنه.


    يأتي المساء بالرطوبة

    قادمًا من البحيرة مغطيًا

    كثياب لم تخيّط كشبكة صيد

    أعطني فرصة كي أعلق في النسيج البرّاق

    في النجوم في ماء بيض الضفادع في شباك الصيد

    في قطر ندى جلدكِ

    أعطني فرصة للنجاة من اليباس

    العدم

    شُقي جسدي المتحول

    دعيني أنَم.


    أن لا يفيق المرء، أن يُغسّل، أن يُشرّح

    أن تنتزع أحشاءه، أن تُفحص، أن يُصدّق عليها

    ثم يُعاد كل شيء ثانية

    ويخيط حتى الرقبة

    كل هذا في الظلام.

    كانوا يبحثون عن ذهب سينير

    “هكذا نفعل مع الجميع، بحكم الشرع”

    احفظيني مخبأ بين السكاكين

    في الدرج القريب منكِ

    في كل اللقاءات

    اغسليني وقطّعيني

    بيعيني لمربي الكلاب

    عضّات الكلاب هي عضاتكِ

    كل تلك الليالي التي ظنناها الأخيرة.

    تعالي، انظري أنا مشرّح

    كُلي حبي

    الذي هو أنتِ، إنه حماض الغنم والبيقة

    ارقدي عندي أنا قراصٌ خرفيشٌ

    يهبط النور في وركي

    املأي جسدي بخرَقٍ وقش

    ادعكي جلدي بالأصباغ

    هذا ليس ألمي

    ادفنيني واحفظي ألمكِ معي.

    احفظيني بعد

    احفظيني قبل أن تمسكي بي وبالشق الأحمر

    شق الوجع، المصابيح التي أُكِلت

    لأجلكِ نومي والسحالي في صدري

    لُفي ارمي بيعي كل شيء إلا النفيس لديكِ

    أنزليه ضعيه بين الخزف في الدكان

    احفظيني في جوريَّتكِ في ترقبكِ

    حرري جسدي مما رأيتِ

    قبل أن تعرفيني.


    صغار الطيور تتدفق من الشرخ

    سوداء

    حامت دون حماية

    تهجر طفولتها

    يعثر المرء على الريش الصغير بين تشعبات الأغصان بين الصخور

    على الرفة في كتب الصبيان

    ألبوم القصائد غَطّي الموتَ بالريش

    دعيه يغني مع أنغام العندليب

    لا تفقدي الطفولة

    أما إحساس الجناح الرهيف

    فاحفظيه هو الآخر.


    منفى

    والغيوم هي الأخرى مختلفة

    ليست غريبة

    بل كأول طائر مهاجر يراه المرء في الربيع

    إذ كل شيء لم يزل

    في تبرعم

    بلى، المرء هنا في وطنه.

    دون مشاعر يرسل المذياع التوق

    انثريني الآن

    بيْنا، أنا في نومي

    فوق هذا البلد

    احفظيني وأنا في ضياعي

    قريبًا تخضرُّ الأشجارُ كلُّها

    قريبًا تخضرُّ الأشجارُ كلُّها.


    *نص: آرنه يونسون
    *ترجمة: إبراهيم عبد الملك، جاسم محمد
    *من كتاب: أنطولوجيا الشعر السويدي

  • مختارات من مجموعة” بينما السمّ يسري” لبرونو ك. أوير

    مختارات من مجموعة” بينما السمّ يسري” لبرونو ك. أوير

    في باطن مشط قديم بياضه كالعظام
    تكمن ذرات شرر كهربائي متبقية من شخوص
    مشطوا شعرهم عند النافذة
    وحبسوا أنفسهم في الداخل
    إبتكروا مفتاحًا للظلام الكبير تاذي نستحق.

    ***
    آثار يديك
    قرب الباب
    على ورق الجدران
    الباهت الزرقة
    كما لو انك اتكأت
    وأردت أن تلفظي عنك جسدك وبقايا جوهرك

    ***

    حلقت في شعور
    ليس بمقدورك فيه
    تمييز النور من العتمة لكنك ما زلت
    تحسن بدوامات تيار من عيون
    احتمت في الوجه المريع

    ***
    في الحلم
    صعدت في ريح مديدة
    وأضرمت النار في البيت
    خشيت بعدها أن يصلوا في الوقت
    ويأخذوا معهم
    لهبًا يقحمونه في السائل
    ليحمضوه
    ويروا ملامحك
    تبرز من الصورة

    ***
    لماذا أراها
    جلية، عطر بنفسج
    يقودني إلى مكان السرير
    هناك برأس مطاطئ فوق الجسد
    تقبض بأسنانها على قلبها
    دون ندم

    ***
    ربما انقضت أصياف
    صوت طير قوي على ظهره
    والشعور بالاشمئزاز بعد أن حمل بعيدًا
    العشب ينهض ثانية
    ويختب منتظرًا

    ***

    بعد منتصف الليل
    تعبث بحقائبي
    المرأة الشاحبة الخجول
    ذات الرئتين السوداوين
    تجلس ساكنة
    وترقبني
    ماذا تريد ثانية؟
    لم أخل بعقدنا
    ألست أحمل نسخًا من صوتها
    حيث تقول بوضوح
    إن هناك ظلالًا مزيفة
    وإن الظلال الحقيقية فحسب لها أن تعتني بالجسد
    الميت.

    * برونو ك. أوير – شاعر من السويد.
    ترجمة: إبراهيم عبد الملك/ جاسم محمد.

  • مها دعاس – ما من شىء يستوجب هذا العنف

    مها دعاس – ما من شىء يستوجب هذا العنف


    ما من شيء يستوجب كل هذا العنف
    بين مخلب العمر و الحطاب
    تقول الشجرة التي نزفت دما أسودا على الأرض الميتة
    ظل يتدفق من شرايينها حتى حفرت فيها ساقية تئن كلما مر من قربها فأس
    احتطب روحها ذلك المتمرس يعشق صوت أنينها المقهور

    عند الساعة السابعة صباحا
    حينما يمر الموت من هنا
    يعود الحطاب سكرانا بعد ليلة ساخنة
    تستيقظ قطة مسكينة لم تنم جيدا بالأمس بعد أن أزعجها أنين الشجرة المذبوحة

    الشمس تفتح عيونها بخجل
    نصف استيقاظ
    على عجل تجدد الشروق

    ذلك الكلب ينبح بحنان بعد أن قضى ليلة دافئة قرب مدفئة لا تهدأ نارها
    أطفال عاديون يذهبون إلى المدارس
    بشكل عادي مثل أي يوم عادي
    يوميات بلا كوارث قيد الحدوث أو الإنتظار
    بلا ترقب لأي نوع من أنواع الموت
    أي رفاهية تلك ؟
    أي يوم عادي بامتياز لا تتوارى فيه خلف كوابيسك ؟

    أدخل الآن إلى الشارع الخلفي
    الممرات مرصوفة بآثار العابرين مسرعين دون أن يتركوا حزنا خلفهم

    عصفور يعانق المدى و يسقي الصباح طهر صوته
    بين حبيبات الندى المتساقطة على أجنة الورد يغفو كائن صغير جدا يغازل النسمة بنعومة
    منوال دفء الكون يجدد انتماءه للملكوت

    أبحث عني
    عن أنثى نسيتها ربما على حبل الغسيل معلقة قرب حزنها القديم الذي لا يزال مبللا يقطر وجعاعلى أفكارها الساذجة و أوهامها التي تجددها كل يوم
    الأمر لا يتعلق بالهراء
    ربما هو هذا
    أن تكتشف أنك هراء ،هذا أمر في غاية الأهمية

    هي هناك معلقة في الخزانة قرب ذلك الفستان الأحمر،الفستان الذي
    كان يرقص على لحن الشانيل عندما أرتديه
    الأحمر القاني المزركش بخرز أسود و حبة كهرمان بقلب صورة للزباء و كمشة زيزفون
    متروكة في صندوق للأشياء الفائضة عن الحياة تلك التي لا
    تلزمنا ولا نرميها
    كدمعة غافية على زند شباك مهجور
    بين نزق الوقت و تلاشي الغد
    بين تباين الزهر و ما يحيط به من أشواك

    أبحث عن روحي
    ارتدت وشاح الضوء
    ثم تاهت مني

    أعد الأرصفة و حجارة الشارع الرتيبة
    أصغي لهذا التناغم المثالي بين روح الوجود و مخلوقاته
    بين مكنونات الجرح الغائر وهذا الجمال
    من أين يأتي كل هذا القبح للانسان ؟
    حجرة حجرة
    أقف عند الرقم عشرة
    عند الرقم عشرة تماما قال لي النهر العابر لجسد المكان وهو يرمقني باستغراب
    ماذا تفعلين هنا أيتها النشاز ؟

  • مها دعاس – سمكة

    مها دعاس – سمكة


    الأسماك التي عادت متأخرة من نزهتها على الشاطىء
    تجمعت كلها قربي و صوت البحر
    هانحن نحاول التنفس خارج الماء
    علي فقط أن أفكر مرارا بمنطق سمكة تحرس دموع الزرقة
    أصيبت بذبحة قلبية في صباح أعزل
    علي أن أصغي لصوت الأمواج في قلبي لأنجو
    العائدون من البحر يحملون رائحة الملح
    طعم المد والجزر
    رقصة أعشاب البحار حول أفكارها المبهمة التي تمد يدها لحلم عن اليابسة البعيدة هناك
    لهفة الحصى التي تحمل في عينيها
    لون القاع
    قلب حبات الرمل الصغيرة يعانق
    انتظار الشاطىء لموجة تحمل حبة لؤلؤ
    اختبأت داخل صدفة في أعماقه
    أحزن مافي الأمر أنني لا أملك ذاكرة سمكة

  • ميموزو – سيلفينا أوكامبو – ترجمة: عبدالله ناصر

    ميموزو – سيلفينا أوكامبو – ترجمة: عبدالله ناصر

    ظل ميموزو يحتضر لخمسة أيام. كانت ميرثيدس تسقيه الحليب والعصير والشاي بملعقةٍ صغيرة. هاتفتْ محنط الحيوانات، وزودته بطول الكلب وعرضه، وأخذت تستفسر عن الأسعار. كان تحنيطه سيكلف راتب شهرٍ كامل. أنهت المكالمة وخطر في ذهنها أن تأخذه هناك في الحال كي لا يتعفن. وعندما نظرتْ إلى المرآة رأت عينيها المتورمتين من البكاء، وقررت أن تنتظر حتى موت ميموزو. جالسةً بجوار موقد الكيروسين، أخذت تملأ الطبق وتمد الكلب مرةً أخرى بملعقة مليئةٍ بالحليب، ولكنه ما عاد قادراً على أن يفتح فمه، فانسكب الحليب على الأرض. عاد زوج ميرثيدس في الثامنة، بكيا معاً وأخذا يعزيان نفسيهما بفكرة التحنيط. تخيلا الكلب بعينين زجاجيتين واقفاً عند المدخل، كما لو أنه يقوم بحراسة المنزل.

    في الصباح التالي، وضعت ميرثيدس الكلب في كيس. ربما لم يمت تماماً حتى الآن. غلفته بالقنب والجرائد حتى لا تلفت انتباه أحدٍ في الباص، وحملته نحو المحنط.

    وفي خزانة العرض في منزله تأملتْ العديد من الطيور والقردة والثعابين المحنطة. كان عليها أن تنتظر. ظهر الرجل رافعاً أكمامه وهو يدخن سيجاراً إيطالياً. حمل الكيس قائلاً: ” ها قد أحضرتِ الكلب؟ كيف تريدينه؟ ” لم يبدُ على ميرثيدس أنها فهمت، فأخرج ألبوماً مصوراً. ” هل ترغبين بأن يكون جالساً أم مستلقياً؟ أم واقفاً على قاعدةٍ خشبيةٍ مطلية باللون الأسود أو بالأبيض؟”

    نظرت إليه ميرثيدس لوهلةٍ دون أن تتفوه بكلمة قبل أن تجيب:

    – “جالساً وكفاه الصغيرتان فوق بعضهما البعض.”

    – ” وكفاه الصغيرتان فوق بعضهما البعض؟” أعاد الرجل ما قالته كما لو أنه لم يستحسن الفكرة.

    – ” كما تشاء ” أجابت بخجل.

    كان الجو حاراً، شديد القيظ، خلعت ميرثيدس معطفها. ” فلنلقِ نظرةً على الحيوان.” فتح الكيس وحمل ميموزو من قدميه الخلفيتين مواصلاً حديثه: ” لا يبدو ممتلئاً مثل صاحبته ” وضحك بصوتٍ عالٍ. تفحصها من الأعلى للأسفل، فأخفضت رأسها ونظرت إلى صدرها من خلال سترتها الضيقة. ” عندما ترين الكلب في المرة القادمة سيكون في حالٍ جيدة إلى درجةٍ يمكنه حتى أن يأكل.”

    وفجأة، ارتدت ميرثيدس معطفها، وضغطت على قفازها الاسود القصير وقالت، حتى تمنع نفسها من صفعه، ” أود أن يجلس على مثل هذه القاعدة الخشبية”، وأشارت بيدها نحو قاعدة فوقها حمامة زاجل.

    دمدم الرجل: ” للسيدة ذوقٌ رفيع، ماذا عن العينين؟ العيون الزجاجية غالية نوعاً ما.”

    – ” لا بأس “، عضت ميرثيدس قفازها.

    – ” خضراء أم زرقاء أم صفراء؟”

    – ” صفراء ” أجابت بعنف وأردفت ” كانت عيناه صفراوين مثل الفراشات.”

    – ” وهل رأيتِ يوماً عيون الفراشات؟”

    – ” مثل أجنحتها ” بنبرة احتجاج، ” مثل أجنحة الفراشات.”

    – ” صحيح، لا بد أن تدفعي قبل ذلك.”

    – ” أعرف، لقد أخبرتني على الهاتف.”

    فتحت محفظتها وأخرجت بعض النقود، قامت بعدّها ثم تركتها على الطاولة. سلّمها الرجل الإيصال. ” متى سيكون جاهزاً لأستلمه؟” دست الإيصال في المحفظة.

    – ” لا حاجة لذلك، سأحضره إليك في العشرين من الشهر القادم.”

    – ” لا، سآتي لأخذه برفقة زوجي.” وخرجت على عجلةٍ من المنزل.

    علِم أصدقاء ميرثيدس بموت الكلب، وسألوها عما فعلته بالجثة. أخبرتهم ميرثيدس بأنهم يقومون بتحنيطه، فلم يصدقها أحد، وضحك الكثير منهم. فكرت ميرثيدس، ربما كان من الأفضل لو أنها قالت إنهم تخلصوا منه في مكانٍ ما. جلست مثل بينلوبي، تحوك الصوف في انتظار قدوم الكلب المحنط. ولكن الكلب لم يأتِ. مازالت ميرثيدس تبكي وتجفف دموعها بمنديلها المزهر.

    وفي اليوم الموعود اتصلوا بميرثيدس، انتهوا من تحنيط الكلب وليس عليهما سوى المجيء لأخذه. كانا يقيمان في مكانٍ ناءٍ وبعيدٍ عن المواصلات. ذهبت مع زوجها بالتاكسي لإحضار الكلب. قال زوجها وهو ينظر إلى العداد: ” لقد صرفنا الكثير من المال على الكلب.” فقالت: ” لو أنجبنا طفلاً لما كلفنا هذا القدر.” وأخرجت من جيبها المنديل لتمسح دموعها. ” حسناً، هذا يكفي، لقد بكيتِ كثيراً حتى الآن.”

    كان عليهما أن ينتظرا عند المحنط. لم تقل ميرثيدس شيئاً ولكن زوجها أخذ يمعن فيها النظر. ” ألن يقول الناس إنكِ مجنونة؟” سألها وهو يبتسم. ” ذلك شأنهم “، ردت بعنف: ” إنهم قساة، وحياة أولئك الذين لا قلب لهم تعيسة جداً، لا أحد يحبهم.”

    ” فعلاً، أعتقد ذلك أنا أيضاً يا عزيزتي.”

    جاء المحنط بالكلب على الفور. كان ذلك ميموزو، مقعياً على منضدةٍ من الخشب الداكن والملمع، بعينين زجاجيتين وفمٍ مطليّ. لم يبدُ يوماً بصحّةٍ أفضل. كان لامعاً، سميناً، وحسن المظهر. الشيء الوحيد الذي لا يمكنه القيام به هو الكلام. داعبته ميرثيدس بيديها المرتعشتين، وانهمرت الدموع من عينيها فسقطت على رأس الكلب.

    ” لا تبلليه واغسلي يديك ” قال المحنط. ” يبدو كما لو كان قادراً على الكلام ” قال زوج ميرثيدس وأضاف: ” كيف يمكنك صنع هذه المعجزات؟”

    ” بالسمّ يا سيدي، قمت بكل هذا بواسطة بالسم. ولولا أنني أرتدي النظارة والقفازات لسممت نفسي. هذا هو عملي. لديكم أطفال في المنزل؟”

    ” لا.”

    سألته ميرثيدس: ” هل ثمة خطر علينا؟”

    ” إذا حاولتما أكله فقط.”

    ” لا بد أن نقوم بتغليفه ” قالت ميرثيدس بعد أن مسحت دموعها.

    قام المحنط بتغليف الحيوان بأوراق الجريدة وسلّمهُ زوج ميرثيدس. خرجا تغمرهما النشوة، وفي الطريق تشاورا حول المكان الذي يجب أن يضعا فيه ميموزو حتى وقع الخيار على ردهة البيت، بجانب طاولة التلفون حيث كان ميموزو ينتظرهما عندما يكونان في الخارج.

    في البيت اختبرا عمل المحنط، وضعا الكلب في المكان المتفق عليه. جلست ميرثيدس إلى جواره بإعجاب. هذا الكلب الميت سيرافقها كما رافقها أثناء حياته، وسيحميها من اللصوص ومن المجتمع. داعبت رأسه بأصابعها وعندما تأكدت من أن زوجها لا ينظر نحوها أعطته قبلةً سرِية.

    ” ماذا سيقول أصدقاءك عندما يرونه؟ ما الذي سيقوله بائع الكتب في ميرلوشي؟” سألها زوجها.

    ” عندما يأتي إلى العشاء سأضع ميموزو في الخزانة أو سأخبره بأنه هدية من السيدة التي تعيش في الطابق الثالث.”

    ” يجب أن تخبري السيدة بذلك.”

    ” نعم، سأخبرها.”

    احتسيا نبيذاً خاصاً في تلك الليلة وذهبا إلى الفراش في وقت متأخر على غير العادة.

    ابتسمت السيدة التي تعيش في الطابق الثالث عندما استمعت إلى طلب ميرثيدس. تفهمت هذا العالم السيء الذي لا يمكن فيه لامرأةٍ أن تحنط كلبها دون أن يتهمها الناس بالجنون.

    كانت ميرثيدس أكثر سعادةً مع الكلب المحنط، من الكلب الحيّ. لم تكن بحاجةٍ إلى أن تطعمه أو تحممه أو تقوم بتنزيهه. ولم يكن يعبث بالمنزل أو يقضم السجاد. ولكن السعادة لا تدوم. جاءت النمائم عبر رسالةٍ من مجهول، موضحةٍ برسومات بذيئة. ارتعش زوج ميرثيدس من السخط حتى بدا أن الفرن الساخن أبرد من قلبه. حمل الكلب على ركبته وقام بتحطيمه إلى قطعٍ صغيرة كما لو كان حطباً، وألقاه في الموقد.

    ” لا يهم، سواءٌ أكان هذا الكلام صحيحاً أم لا، المهم أنهم صاروا يقولونه.”

    – “لن تمنعني من أن أحلم به.” بكت ميرثيدس، ذهبت إلى سريرها دون أن تغير ملابسها. ” أعرف من هو المنحرف الذي يبعث هذه الرسائل المجهولة. لا بد أنه بائع المجلات الإباحية. لن يطأ هذا المنزل مرةً أخرى.”

    – ” عليكِ أن تستقبليه اليوم، فهو مدعوٌ على العشاء الليلة.”

    – ” الليلة؟ ” قفزت ميرثيدس من فراشها وركضت إلى المطبخ لإعداد العشاء، ترتسم الضحكة على شفتيها. وضعت شريحة اللحم في الفرن مع قطع الكلب. وأعدّت العشاء أبكر من المعتاد.

    – ” عشاؤنا الليلة شرائح لحم محمّرة. وقبل أن يلقي التحية قرب الباب، فرك الضيف يديه عندما شم الرائحة القادمة من الفرن. وحين قُدِّم له الطعام لاحقًا قال: تبدو هذه الحيوانات كأنها محنطة”، وهو ينظر بدهشة إلى عيني الكلب.

    – ” سمعتُ أنهم يأكلون الكلاب في الصين؟ هل القصة حقيقية أم أنها مجرد دعابة؟”

    –  ” لا أعرف، على أية حال، لن آكلها مقابل أي شيءٍ في العالم؟”

    – ” لا داعي لهذا القول ، لا يأكل الكلب كلباً آخر” ردت ميرثيدس وعلى محياها ابتسامة ساحرة.

    تعجب الضيف من ميرثيدس وصراحتها في الحديث عن الكلاب. قال ” لا بد أن ندعو الحلاق.” بعدما شاهد بعض الشعيرات في طبقه، وأخذ يضحك بحرارةٍ وبشكلٍ معدٍ، ثم سأل ” هل تأكلين شرائح اللحم مع الصلصة؟”

    ” إنها وصفة جديدة.” أجابت ميرثيدس.

    قام الضيف ليملأ طبقه من جديد، شريحة لحم مغطاة بالصلصة، مضغها وسقط ميتاً.

    ” مازال ميموزو يدافع عني.” حملت ميرثيدس الأطباق ومسحت دموعها التي انهمرت من الضحك والبكاء في الوقت نفسه.

  • شهریار قنبري – آه ترجمة سكينة شكر


    آه للدُّروبِ التي لا عابر لها
    آه للبلادِ التي لا شاعر بها
    آه للنّهار الذي لا صومَ فيه
    آه للطُّرُقِ المليئة بقطاع الطُّرُق

    آه للرّيح التي لا تحملُ النبيذ
    آه لشجيراتِ السَّرو المنهارة
    آه للسَّيفِ الذي ، دون أيِّ رحمة ،
    يحزُّ مكان القُبُلاتِ في الرقبة

    آه للظّلّ الذي بدون أيِّ وجهة
    يتماوجُ فوق ميناءِ الآلام
    آه لنقصكَ أنت.. آه لنقصي أنا

    آه للشُّعلةِ الأخيرة
    الّتي تُقاتلُ الرّيح والرّماد
    فموقدُ اللّيل لم يَشتَعلْ
    من أجنحةِ الفراشةِ المرفرفة

    آه من النَّهار
    الّذي لا بحر فيه
    آه من الغُرُوب
    الذي يستحضرُ الموت
    آه من المئةِ ثُقب
    في طيّات ذلك القميص

    أمطِرْ يا خير البارحة
    على محرقة الذَّات
    فهذا المأتمُ الّذي لا خمر فيه
    أصبح خالياً من الهيام

    ارقُصي يا سيّدة الأشباح
    تمايلي يا سيّدة الأشباح
    ما بين النُّطقِ والرُّقُود
    ما بين البقاءِ والرَّحيل

  • دارين نور – نصوص دومينو


    وعلى الرف أعمدة
    الإنارة ديسكات من ورق الكتب.


    السكير والبرتقال
    في الجهة الخلفية من المسجد
    يلعنها نعم
    أنوثتها الروح
    عطرها الزغب
    دون النساء مالون البرتقال حين
    تغلفه الغيرة.
    الإثنين 9/7/2018
    9صباحا

    مضبوط الحين.
    الدمقس هجيع النافذة المستيقظ
    الرؤية أفعال شاحبة التلفاز
    الوسادة فراشة دون ضوء
    السرير قنفذ الحقل
    الشفاز حلم الفم بمذاق حار
    الشيطان اين الرزيلة الحلال الملائكة في حداد الصدقة
    الكربون الجسد علبة المكياج
    خارج القيد هما القلم محكم
    العطاء.
    الإثنين 9/7/2018.
    11:45صباحا.

    من يغذي الشمس بصهدها؟
    من يرمم الريح بقضم كم المسافة ورفع ضمة قلق؟
    من يلضم نشيج الجيتار بتوقيع
    سري أن الليل ولمبات النهار وجدائل الشمس وعناقيد القمر
    وسلاسل الغناء ولحن الشجر ذو
    القافية الحسناء ثرثرة ساعة مائية للسيد القلب لوإستطاع
    المغفرة أو ربما تقبل الحب.
    الثلاثاء10/7/2018.
    11:50مساءاً.

    هذا الصباح
    علق الضوء على الحائط
    من دون بطارية في غرفة
    الإستقبال
    الشبابيك أطول من الصحراء
    العقل معمل ناشط دون ارجيلة
    الهواء مغيب
    الالوان غرف ترتديها الحوائط
    فيما الصبغة أهداب ترسم ضمة
    المفعول
    حيث قوانين القضاء لاتجلس
    على الطاولة المستديرة.

    الريح خاصرة
    لرقص الإحتراق
    سولارا في الهواء
    المارق في بوابات
    الرماد.

    المحرف لكرسي الإرادة
    قافل لشهية النظرة
    قاتل دانتيل القشعريرة
    فيما المرح يلعب العشب بين
    ركض أصابعك وعطرها
    أزمنة الدفء الوهمي.

    لو انحزت لمغطس
    أفكارها الخصوصي
    كن عابرا من كل فكرة
    لاتلعب غناء الرقص
    حين يتوسدك الدفتر بنعومته
    أوصمت يعول عليه.

    اليوجا وجها واحد
    لهدنة توسعية النمط
    على مقربة وتر
    وقطع وريد
    كمأذن بين الوهم والوهم.

    سيجارة الحشيش
    قضيب يعجل بحذف الرأس
    وقربان الأله مخصي المخيلة.

    هو الموت
    بين مفتاح الحياة على صدرك
    كالروح تسافر بين العنب
    فيما العيب وسن عينيك المعتق
    وصهريج الكف إتحاده بذاكرة
    اللمس.

    بين تفكيك المشاعر وتركيب
    شجنك المايسترو جدار
    كلما أعطيته أعطيته ظهري تركب طلتك قبرة بين الضلوع.

    ليس لقاء عابر
    دخان أنفاسك المجرة
    ونيران إحتراق السكون بين
    وريقات شرودك
    وغضبك الطفل الكبير
    حتى شعرك اللهب بين الأصابع
    مؤسسة أيله السقوط بينها روحي.

    أنه التاريخ
    إنها الساعة
    إنه الضوء
    حتى الليل غفى مكانه
    يدشنون الأن إلتحام أفكارنا
    وكورال الكرز بين الشفائف
    لحظة أعيد كتابة إسمك من
    أول الماء.

    ابن أمك ولست بأمك
    عالق بين المريا العيون
    وحصن الحقل الروح أقف
    عارية الخوف
    من سوء حظي أني مستيقظة
    من حسن حظي اللهفة مدفع
    خلقت نصوصه من بين عينيك
    أنظر للخلف أحطم تمثالك
    أنظر للامام أحطم نقانق تفاحتي الباقية
    ترسم زعانف مرور الإستنشاق
    بفاصل أمل ونقطة ألم.

  • محمد السادات – لم يكن يعلم بطل الحكاية اننى أسطر تاريخه الأزلى منذ البداية

    محمد السادات – لم يكن يعلم بطل الحكاية اننى أسطر تاريخه الأزلى منذ البداية


    لم يكن يعلم بطل الحكاية أننى من يسطر تاريخه الأزلى منذ البداية سطورا من الحبر على ورق ، حاله كحال جميع أبطال الروايات المكتوبة لهم أدوارا محددة فى السياق الذى أضعه أنا الكاتب حتى تمردت على إرادتى الكلمات وإرتعشت يداي أحسست بشد عضلى فى أنحاء جسدى و أصابنى الإعياء، تركت مكتبى وانصرفت مترنحا لسريرى ألقيت سيجارتى على الأرض ثم دعستها وسقطت على السرير فاقدا القدرة على الحراك كنت أعى كل ما يدور حولى ولكن هذا الجسد لا يتقبل من عقلى اى نوع من الأوامر حتى أغلقت عيناى فحل الصباح . حين استيقظت أعددت القهوة و دخنت بضعة سجائر فى الشرفة ثم إرتديت ملابسى و ذهبت فى نزهة صباحية علنى استعيد نشاطى ولكن حين وصلت إلى القهوة ، رأيته جالسا على مقعدى المفضل فى هذه القهوة بجوار النافذة متأملا فى شوارع المدينة ومبانيها المتهالكة وكأنه غريبا عنها ، للوهلة الاولى منذ رأيته تسمرت فى مكانى قليلا فقد كان الأمر من أعجب الصدف أن أخلق بطلا لروايتى فألتقى شخصا شبيها له فى الطرقات او الحانات الرخيصة التى أعددت الذهاب إليها ، هذا وراد نوعا ما فنحن لا نستطيع ان نتصور شيئا ما فى خيالاتنا من وحى أخر دون هذا العالم المادى الذى نحيا فيه اننا مسيرين مسبقا بمجموعة من الأشكال التى نراها طوال حياتنا فتنعكس داخل عقولنا ومن ثم تتشكل من جديد خالقة لدينا شيئا جديدا مبتدعا وليس بالجديد ان الحقيقة هو مخلوق هجين .
    فما كان منى إلا ان تجاوزت الأمر ولكن قررت ان أجلس على مقربة منه مراقبا إياه علّ هذا ينفعنى فى قصتى الجديدة و ما أثار الدهشة فى عقلى انه اشعل سيجارة من نفس النوع الذى وصمت به بطل روايتى ، ربما كان هذا ايضا شئ وراد فقد كتبت قصة أحداثها تدور فى مدينتى هذه و ماركات السجائر هنا محدودة جدا ، ولكن هل من المصادفة ايضا أن يكون أعسرا كما بطل الرواية ؟ ، حدقت إليه كثيرا حتى انتبه إلى ثم ابتسم غير مبال و هب واقفا مغلقا سترته ناحية الصدر والرقبة ثم رحل . فى هذة اللحظات أصابتنى علتى المسائية من جديد فسقط من بين أصابعى فنجان القهوة وانكسر اما هو فرحل ماضيا فى الطريق حتى انى لم أعد أراه.
    عدت إلى منزلى سكيراً فى المساء مثقلاً بالفضول و محملا بالأفكار وقررت ان انهى هذه القصة التى ملئتنى بالحيرة والفضول ولربما أنتابنى الخوف منها فهذه العلامات اعجز على تفسيرها وكل هذا الغموض يزيدنى احساسا بالريبة، دخلت الى مكتبى مسرعا وللوهلة الأولى لم ألحظ ان الفصل الذى لم أنهيه البارحة مساءا قد اكتمل منتهيا ب ” لم يكن يعلم الكاتب انى اراه”…
    إنتابنى الهلع فقد صدمت بموقف لا يرقى إلى التفسير أو حالات التأويل المريح فكل محاولات التفسير هى بلا طائل ففى داخل نفسى يغرقنى الخوف والتشتت واللافهم ، لقد صارت قصتى سيناريو سينمائيا حديثا فإذا ما قصصتها على أحد لظنها إحدى أعمالى الجديدة ولن تؤخذ كلماتى على محمل الجد ولو للحظة. إننى الأن قد اصبحت محاصرا فى غرفتى بتلك الوساوس اللامعقولة ولفرط ما أحسست بالوحدة المفزعة والعجز عن أى تأويل أراضى به ذاتى المشوشة فى هذة اللحظات.
    أعددت كوبا من القهوة السوداء اعتزمت أن أنهى هذه القصة الليلة لا محالة فما هنالك من حل لكل هذ الغموض إلا بانهائها وطيها فى طيات النسيان كما جرت العادة ، أمسكت بالقلم وبدأت بالكتابة مكملا إياها بفصل جديد أصف فيه إضطرابات البطل النفسية وصفاته الإنعزالية التى ورثها عن جده والتى تطبع بها فطريا منذ الطفولة و أن علاقاته الاجتماعية والعاطفية انتهت بشكل مأساوى او لا تستمر وللحق لست اعلم ايهما اسؤء على كل أثارتنى هذه العبارات للضحك فلم يكن بينه وبين جده أى حالة من الوفاق أو حتى الود المألوف فى هذه الاوضاع الأسرية ولشد ما كان يكره الصغير جده العملاق خشن الطباع شديد الهدوء والعزلة ففى جنازة هذا العجوز الصلب لم يسر فيها اى صديق له ،انها لسخرية القدر ان يشب الصغير رجلا حادا شديد الهدؤء بلا أصدقاء بلا حياة تذكر الا ظلال المأساة تجاورة فى الطرقات … شعرت بوعكة أخرى واختل نظرى ولكننى مصر على استكمال القصة ولكن يداى لا تملكان سلطة على القلم من شدة الإرتعاد حيث بدأ الدم يسيل من انفى متساقطا على الصفحات البيضاء وتسقط القطره تلو الاخرى وتبدأ فى إحتلال الأبيض غزوات من الاحمر ذى الجمال ، احمل القلم بشكل لا إرادى منى واكتب..” بئس تلك الحياة ” فيكتمل السياق دونما إرادة منى وإنما بإرادة اخرى حركت أناملى عنوة ليكتمل النص بلغز اخر ” بئس تلك الحياة التى يتهرب منها الكاتب واصفا معاناته على انها محض خيالات تروى على السطور” تصيبنى الدهشة لا الخوف ثم يتبعها تشتت فإستسلام تام لسلطة القلم لا لا ليس هذا فحسب بل انه الخضوع لسلطة اخرى حركت القلم بيداى وتعلم ما يسرى بين هذه الجفون وباطنى اكثر منى اضع النقطة بملء إرادتى ثم اترك لهذه السلطة العنان فى التحكم والسيطرة كأنما انا دمية موثوقة بأوتار تحركها لكنها خفية تحرك يداى وتكتب بلا توقف تنهى الفصول الواحدة تلو الأخرى ، يستعصى الأمر عن الفهم ولكننى كتبت كل سطور تاريخى فى رواية مكتملة الفصول تشرف على الإنتهاء والان أصبحت أراه بكل وضوح لقد كنت انا القصة فى كل الحكايات ولكننى لم أكن اعلم إلا فى هذة اللحظة أن بطل هذه القصة الذى رسمته فيها قد كان هو الراوى الحقيقى ممسكا بالأوتار واقفا خلفى كظلال الموت تدنوا منك فتركض للحياة أكثر . ان كل ما يصحب الإدراك هو الألم كجلدات السياط تشق اللحم عن عظامى لا أملك له من رادعا إلا البكاء والهروب إلى أحضان امى فاتفجع بين نهديها باكيا ولكننى للحق لا اتذكرها بهذا الوضوح ولست أدرى لهذا سببا ،إن علتى هى اننا من اصحاب مبدأ يعتمد على التناسى تظاهرت بالنسيان ولكن الأيام تمضى وكلما منيت نفسى بالنسيان تحولت إلى مخلوق آخر لست أعلمه. هذه الأوتار تؤلمنى بشدة تمزق اللحم عن العظم ولكن هذه الألام توقظنى لست ادرى لماذا يشتعل فى داخلى شعلة أمل ، إن هذه المدينة التى تدور احداث قصتى بها ممتلئه بالفقر .. بالظلم.. انها تخلق من امثالى الكثير والكثير تنشر الوباء فى الهواء على الطرقات بأتربة الأرض فى شقوق الجدران بأنوار المصابيح المتضررة فلا تنير عدة أمتار كما هو حال سكانها من أمثالى الجاحدين على الذكرى منساقين عنوة إلى دوائر مغلقة كإنها سجون بلا قضبان تزيد شقائنا ونستمر بالتناسى حتى ينتهى فينا الإنسان. تتصاعد انفاسى مرهقا لكم سعيت أن انحت الجبال بكلماتى ولكن الأحجار لا تلين فتصير فنا متجسدا فى تماثيل او منحوتات اخرى تتلون تنثنى تعطيك انطباع بليونة الصلابه فتتشتت من هذين النقيضين ولكن ابدا أن تنكسر الاحجار ، لطالما حملت احجارى فى خزانتى واخفيها نعم اخفيها ولكنها ستظل هنا فى جوارى على مقربة منى فى الذاكرة ربما اتطرق إليها وافتح هذه الخزانة بين حين وحين خفية من نفسى ، لقد أخفيت عن نفسى طموحاتها فى إحدى الزوايا حتة ضلت الطريق . قد كان غضبى مستعراً يحيلنى نارا وقادة للعمل رغم الجوع والوحدة والهزيمة و جروح الخذلان التى لا تندمل تتشابه فيها شقوق جدران هذه المدينة المتألمة صباح مساء . سحقا للأوتار لست مسيرا كالكلمات اننى اغضب كلما أدركت حقائق الأمور كلما علمت أننى محتجز نعم أتناسى ولكننى افيق بين حين وحين من الألم ، رفعت القلم فسحب البطل أوتاره فزعا لقد كان هذا الموقف غريبا عليه رغم انه يعلم ما بداخلى من قبل و بدأت الكتابة من جديد لفصلا جديد قد ينهى المأساة لم أعلم حينها ماذا قد يمكن ان يكتب فيه ولكن للكلمات قوة فى الإنسياب تنتهى بالطوفان ولهذا زمجر البطل وشد أوتاره بقوة فشعرت بالألم فصرخت تمزق اللحم عن أصابع يدى اليسرى التى اكتب بها فسقط الخاتم زى الحجر الأخضر ارضا نظرت الى انعكاس صورتى على الحجر الأخضر فرأيت عينى جدى تنظرانى إلى قد كان يقتلهما الشقاء لقد تناسيت لمن هذا الخاتم الأن فقد انتبهت تتعاود الى ذهنى الصور عما مضى فانتزعت القلم ثانية وأكملت كتابة ” أن الأوتار متتابعة التجدد كلما سقطت من ذاتى أجزاء فى النص كلما سيطرت هذه الأجزاء على البطل مثل الأوتار تلتقطه هى رغم مقاومته تجذبه إلى أحضان المأساة ولكن لا خوف فى هذه الأقات ها نحن سواسية يقاوم كل منا مأساة الأخر ،اسمع صراخه وهو يقاوم أوتارى فتزيد أوتاره قسوة يتخشب جسدى تتصب عضلاتى اتحول تدريجيا إلى إحدى عرائس المسرح بأوتاره تلك ولكننى لا أترك القلم لوهلة أراه يتصلب يفقد ليونته فى المفاصل و الإنحناء أراه يتحرك بشكل هندسى يخضع لى لإرادتى لكنه يتمرد ما يزال يتمرد فيؤلمنى فأكمل كتابتى على الرغم من الدماء السائلة على الورق ” إن الأوتار لا تنتهى كلما انتقصت وترا حل آخر مكان له تجذبنى إلى النسيان أحيانا و إالى التمرد احيانا آخر” . أمضيت الليل اكتب لن ينتهى أوتارا منه توثقنى و اخرى توثقه كلما اصر على كتمانى تمردت ولكنه لم يتوقف عن التمرد على ايضا ابداء سطورا أخرى .

  • أسامة الجارحي – شذرات شعرية

    أسامة الجارحي – شذرات شعرية

    مقيد أنا بفراغ العالم،
    مقيد بذاتي، مقيد بك
    مقيد بجسدي وجسدك
    بالموت، بالألم، بالاشتياق
    بما لم اعرفة ، وما عرفته
    بالخوف ، بافكاري النسبية ،
    بشكوكي مقيد بين نهديك
    ومتحرر ايضا ، تفاصيلك
    تسكنني بجنون .أحقد على
    وجودي ووجودك أيضا .مقيد
    بتحطيم ما أرغب فيه.
    ***
    في عيونك زرعت اشجار
    العدم لأستظل تحتها ، فشمس
    الوجود تؤذيني والظل الحزين
    تحت نهدك وعطش شفاهك الذي
    لا يكف عن الارتواء من عدميتي .
    ***
    اليوم نظرت الى شفتاكِ كثيرا
    فانا اخلق منها عالم بداخلي
    من الخيالات المريضة والشبق
    المسموم والرغبات الجامحة
    لاسكنها بداخلي واهذي بها
    فانا دائما اخلق شياطيني
    واتبع تعاليمها جيدا .
    ***
    ابقيني سرا في عيناكِ
    وحياه على الحلمه النافرة
    ورغبة عند الشق الوردي
    وجمرة في قلبك وروحا في روحك
    فلا احب الظهور لغيرك .
    ***
    عندما لا يجري بدمي الا الفراغ
    استحضر الشياطين لتجري به
    فانا اكره الفراغ.
    ***
    افقديني واتركيني افقد نفسي
    عند حدود جسدك هل تخافي مني
    ام علي ؟ ، هل تعلمي اني افتقد جسدك،
    رائحتك ، لون جلدك ، ملمس نهدك ، صوتك
    الذي لا يهدأ بداخلي ، نبضك الذي يسرع
    من نبضي ، شفتاك ، طعم لسانك ، شقك الوردي
    انه جحيمي الذي لا ينتهي واستلذ به
    نهدك الذي لا يكف عن مداعبة لساني
    .عيونك التي بلا نهاية ، نحافتك كم كل هذا مؤلم ؟ .

  • ما من مهرب – فرناندو بيسوا

     

    ثمة لحظاتٌ يُتعبنا فيها كلّ شيء، حتى ذاك الذي يريحنا. ما يُتعبنا يُتعبنا لأنه يُتعبنا؛ ما يريحنا يتعبنا لأنَّ فكرة نيله تُتعبنا. ثمة قنطٌ يسكن الروح تحت مستوى كل قلقٍ وكلّ ألم، قنطٌ لا يعرفه، فيما أعتقد، إلا أولئك الذين يتجنبون أنواع القلق والآلام الإنسانية، ولهم من الديبلوماسية مع أنفسهم ما يتيح لهم تفادي ضجرهم الخاص بدون أن يعني ذلك تحولهم إلى كائناتٍ محصنةٍ ضدّ العالم، إنهم، في لحظةٍ معينةٍ من وعيهم بأنفسهم، لا يعانون من وطأة هذه الحصانة، فالحياة بالنسبة إليهم أصبحت قلقًا معكوسًا، وألمًا مفتقدًا.
    أجد نفسي الآن داخل لحظةٍ من تلك اللحظات، وأكتب هذه السطور كمن يريد أن يعرف بالأقل أنه يعيش. لقد اشتغلتُ مثل شخصٍ منوّم، مجريًا حسابات خاصة بإجراءات النوم، مواصلاً الكتابة طوال إغفاءتي. طيلة اليوم شعرتُ بما يثقل العينين والصدغين، شعرتُ بثقل النوم في العينين، بضغطٍ حتى خارج الصدغين، وبوعي هذا كله في المعدة، فيما يشبه الغثيان والخور.
    يبدو لي العيش خطأ ميتافيزيقيًا فادحًا في المادة، زلّةً من زلات العماء. لا أنظر إلى النهار، كيما أرى ما يمكن أن يمنحنيه من عزاء، كاتبًا إياه هنا بأسلوبٍ وصفيّ. لأغطي بالكلمات الفنجان الفارغ لعدم رغبتي، لا أبصر النهار، وأجهل بظهري المُنحني، ما إذا كانت الشمس موجودةً في الخارج أم لا، في الشارع الحزين ذاتيًا، في الشارع المقفر… أجهل كلّ شيء والصدر يؤلمني. لقد كففتُ عن العمل ولا أرغب في التحرُّك من هنا. أنظر إلى النشافة البيضاء المُتسخة، التي تتمدَّد ملصقةً من الجهتين فوق المكتب المائل. أنظر بتيقُّظٍ إلى الخطوط الممتصّة الممحوّة فيها… أرقامٌ هنا وهناك. رسوم للاشيء من صنع تسلياتي. أنظر إلى هذا كلّه نظرة قرويٍّ إلى نشافات، بانتباه من يرى أشياء جديدة، بالدماغ الخامد كله من وراء المراكز الدماغية المنتجة للنظر.
    لديّ من النوم الباطني ما يفوق طاقة استيعابي. ولا أرغبُ في شيء، لا أفضّل شيئًا، ليس ثمة مهرب.

     

     

     

  • ريتا الحكيم – قليل من الغَزَل يحرِّك ركودَ الأرواح

    أنا امرأة ترجم ذنوبها بالقُبل
    تعيد تدوير الزمن إلى لحظة التقاء جسدين
    لا تثق بالمرايا
    ولا بألبوم صوركَ بالأبيض والأسود
    ربما ملامحكَ تخون ذاكرتها
    وتنسى اسمكَ
    وحتى لون عينيكَ
    لكنها لا تنسى أبدًا ريق قبلتكَ

    أنا امرأة تقيس المسافات بالقُبل
    تنظم الشعر على شفتيكََ
    وتوقع دوواينها على افترار ثغرك بعد كل قبلة
    يكفي أنها تكتبكَ عنوانًا واحدًا لكلِّ قصائدها

    أنا امرأة يتَّهمونها بالعشق
    وبأنكَ أكبر جنحة ارتكبتْها حين امتدَّ عناقها لكَ
    إلى ساعةٍ متأخرةٍ من الشِّعر
    امرأة تستمع إلى أغنية embrasse- moi
    وتدندن منذ ساعات الحُبِّ الأولى أغنية
    je suis une femme amoureuse et je brûle d’envie
    لن يُحكمَ عليها بالموت
    ستلدُ للعالم فرقة كورال تُنشد الحُبَّ بدلَ الأناشيد الوطنية
    سيذكرها التاريخ
    وتخضع لها جغرافيا الجسد

    أنا امرأة تولي ظهرها لأواني المطبخ..
    تمسح عن جسدها روائح الطعام..
    بقصيدة قصيرة جدًا (أحبكَ)
    تدوس حافية على رماد شجاراتها مع الأفكار
    أعرف أنكَ تستنشق أنفاسي المتلاحقة على صدر صباحاتكَ..
    على فنجان قهوتكَ..
    وعطركَ..
    ولهذا أقرُّ وأعترف أنكَ أوَّل الشَّوق وآخرُهُ
    لكن لا بأس إن تقاسمنا شقاوة الأطفال
    وحنكة النضوج
    وخَرَفَ النهايات

  • ريتا الحكيم – أنتَ البدءُ والمُشتهى

    ريتا الحكيم – أنتَ البدءُ والمُشتهى

    ما مصيرُ الصراخِ الذي لم نجرؤ على إطلاقِ سراحهِ
    من حناجرِنا..
    الوجوه التي سكنت مخيلتنا، ولم نُعانقها..
    الشفاهُ التي أضرمت حرائقَ شهوتِنا ولم نطفئ أتونَها بالقُبلاتِ..
    الأحلام التي أغرقنا بها وسائدَنا ومفارشَ أسرَّتنا.. ولم ترَ النُّور.. ما مصيرُها
    الأوطان التي آثرتِ الرَّحيلَ وتركتنا نبحثُ في كتبِ التاريخِ عن جذورِنا المقطوعة..
    وضحكاتِنا المكتومة..
    عن دموعِنا..
    عن أنفاسِنا اللاهثة..
    وأسمائِنا..

    كأنَّ الوقتَ لم يمهلِ الطريقَ حتى يُغيِّرَ ملابسهُ ويُسرِّحَ شِعرهُ
    كأنَّ الطريقَ تعطَّر لأستهديَ إليكَ..
    ليعلِّمني كيف أمارسُ خوفي جهرًا
    أنا الشَّغوفة بالعودةِ إلى أصلِ الحكاية
    إلى أوَّل نظرةٍ..
    إلى أوَّل لقاءٍ..
    إلى أوَّل وطنٍ..
    منذ هذه اللحظة، سأعزفُ عن الحواراتِ إمعانًا في طيِّ صفحةِ الحياة..
    الحياة التي اقترفناها سويًّا
    مارستْ معنا الخوفَ
    من الحُبِّ..
    من الحريَّة..
    وأقفلتِ الشَّبابيك على ذاك الوطنِ البعيد

    كيف سنُقلعُ عن تخمينِ وقعِ خُطى الغائبين..
    الحاضرين منهم والمنسيين
    ونقتنعُ أنَّ الحياةَ نوتةٌ موسيقيةٌ يلزمها مايسترو خبير بالصُّعودِ والهبوطِ على سُلَّمِها
    أنا حين تسلقتهُ بُترت ساقيَّ وتاهَ عن حُضني طفليَّ
    وأنتَ.. مُرغمًا دفنتَ ذاكرتكَ فيهِ
    ووقَّعتَ للغربةِ إيصالًا على بياض

  • ريتا الحكيم – وحده بيت القصيد صمد

    ريتا الحكيم – وحده بيت القصيد صمد


    النهر لا يغير مجراه
    لكنكَ ببساطة مائه تُبدِّل خفق قلبك
    النهر مقتنع بثرثرة الحصى
    وأنتَ صامت

    للموت أزياء مزركشة
    وأحذية من ماركات عالمية
    لكنه ممثل مغمور وفي كل عروضه
    لا يلقى تشجيعًا من الجمهور

    للحُب ثأر قديم
    فشل مراتٍ ومرات في الأخذ به
    علقوه من حروفه على شجرة
    وفي ليلة شغفٍ حمراءَ أحرقوها

    للفرح ذبذبات لا يتلقاها
    حزن يحكم البلاد
    منذ أن بكى النهر على جثتها
    وقدَّم لذويها على مضضٍ كلَّ الأعذار

    للمدن المنسية حكايات
    تختبئ خلف الأبواب
    غادرتها البيوت ومعها كل الأقفال
    وحده بيت القصيد صمد

  • أردلان سرفراز – مصلوب – ترجمة سكينة شكر

    أردلان سرفراز – مصلوب – ترجمة سكينة شكر


    أيها الحبيب
    على صليب الصوت
    صلبوني
    أتدري أيها الحبيب
    كم أنا مثقل؟

    لكن هذا القفص مجدي
    فقد بنوه
    لأني تمردت على الصمت
    وها أنا أرتحل الآن ،
    حتى دون كفن

    وقتها قالوا
    أن تمردي خطيئة
    تشبه خطايا العين والأذن
    قالوا تلك اللحظة
    التي قيدوني فيها بالأصفاد
    “معنى الخطيئة.. هو أن تحلق”

    لو أعطوني فرصة
    لآخذ نفساً أخيراً
    كنت سأقول ما يجب قوله
    لكن حينها
    حتى وأنا في عزلتي
    مجرد تفكيري بالتحليق
    كان كفيلاً بأن يبني لي هذا القفص

    لكنما ولو ذبلتُ على الصليب
    بخطيئة صوتي
    بجرم نطقي
    فسأكون فخوراً بقفصي
    وبأنني لم أرضخ للصمت
    كي لا أرتحل بلا كفن

    بليالي السكوت
    كانت صرختي
    تشق طريقاً لليقظة
    في عمق غابات السبات

    كانت صرختي
    منذ غروب الخوف
    حتى الصباح الموعود
    تشبه خنجر غضب الخليل
    المغروس في قلب النمرود

    في خضم عذاب القحط
    كان القمح يفوح بعطر حسرتي
    وكان قلبي مدمى لعذابات البشر المريرة

    لكنني حين وجهت سؤالاً بسيطاً
    للشخص الذي ألقى بظله
    كجنيّ داخل ليلي
    اعتبروا أن استنفاري هذا
    خطيئة أبدية

  • ايرج جنتي عطايي – الغابة ترجمة سكينة شكر


    لا شيء خلفي
    سوى جهنم
    لا شيء أمامي
    سوى مذبح الآدميين

    روح الغابة السوداء
    تجتثّ مني روحي
    بيديها المتجعدتين

    والبوم تهمس في آذان بعضها
    أنّ نمراً جريحاً سيسلك درب رحيله
    لو أنا بقيت هنا لحظةً أخرى

    حجرةُ قبلاتي
    غابةٌ عجوز
    قلب القمر منحنٍ
    تأسره الطرق المتفرّعة

    أراقب غروبه
    وجسدي يرتعش من خوف الرحيل
    وقلبي يفيض بوحشة البقاء
    وعيني تمتلئ من حلم الرجوع

    لكنني خطوةً بعد خطوة
    لحظةً بعد لحظة
    ألمح طيف عدوي هنا

  • من سيأتي إلى هنا باحثًا عني؟ – إيفا رونفلت

    من سيأتي إلى هنا باحثًا عني؟ – إيفا رونفلت

    إن كان هذا حلمًا لآخر
    لا يتوق إليه سواي،
    واقفًا هنا في الفضاء دون نعاس،
    حكاية ليلة، ذاهلًا..

    أدخل في الفكرة
    تصاعد من الأرض
    متوترة، مع صفحة بيضاء

    أستريح قرب لمعان الغطاء الأحمر
    أسمع هذي الظلمة الصبية
    تحت خصلات الطفل الشقر

    أرقد هنا
    في بلاد الليل
    مبهورة

    أطفو على ظهري
    في هواء المنقار
    أطفو أعلى

    من سيأتي إلى هنا باحثًا عني؟ أتحلم أنت في نومي؟

    إيفا رونفلت – شاعرة من السويد
    المصدر: أنطولوجيا الشعر السويدي
    ترجمة: إبراهيم عبد الملك/ جاسم محمد

  • في الظل، تبكي زهور عباد الشمس – تركي علي

     

    HOKUSAI

     

    خلف السماء اللامعة،

    ‏اليرقات الصغيرة التي تضيء وتنطفئ،

    ‏أصبحت نجومًا فضية.

    ‏وطيور الكركي التي كنت تظنها ورقيةً،

    ‏أصبحت من دم وريش.

    ‏وخيالك المنسكب بعبثية كقهوة سوداء على الرصيف،

    ‏أصبح آدميًا كاملًا،

    ‏يرقص الفالس

    ‏كلما شعر بالحزن.

    ******

    الشمس، لا تظهر مشاعرها

    ‏أبدًا، أبدًا، أبدًا.

    ‏لأنها، في الزمن البعيد،

    ‏وحين قال القمر نكتة بلهاء،

    ‏ضَحِكَتْ،

    ‏فغلت المحيطات،

    ‏وانفجرت سبع براكين،

    ‏وهلك مئات البشر

    ‏وصلت احتضاراتهم،

    ‏متبوعة باتهامات ذويهم:

    ‏الشمس قاتلة، الشمس قاتلة.

    ‏بينما لم تقترف، تلك البريئة،

    ‏سوى..

    ‏أن ضحكت.

    *****

    أقاتل حقيقة أن القارب..

    ‏إذا كان قبطانة طفل، سيغرق.

    ‏أقاتل حقيقة أن شجرة السرو..

    ‏ستشيخ يومًا، وتسقط.

    ‏أقاتل حقيقة أن القلب..

    ‏أذا أحب غاوية الخصر، سيُكسر.

    ‏أقاتل حقيقة أن الزيتون..

    ‏إذا ظل عربي، لن يثمر.

    ‏أقاتل، أشيخ، أقاتل، أغرق،

    ‏أقاتل، أنكسر، أقاتل

    ‏ولا أثمر.. لكن.. أقاتل.

    *****

    راقصًا..

    على غصن زيتون أعوج

    قصد فاكهة.

    الفاكهة التي أقصدها خضراء.

    وحين تنضج..

    ستكون بيضاء،

    أما نحن،

    سيكون لوننا أحمر.

    والسماء التي حلمتُ بأكل الفاكهة تحتها..

    ستصبح بلا لون.

    الأسود وحده في يدي،

    ألوح به،

    راقصًا..

    على غصن زيتون أعوج.

  • دانتِيل – جُمان الوليد

    دانتِيل – جُمان الوليد

     

    Georgia O’Keeffe

    إن الأمر الذي جعلني أبدأ بالكتابةِ الآن هو تفكيري في وَجه الشبه الماثل بين الدانتِيل و بين تعدّد الشخوص الإنسانيّة. طفائِف اختلافاتها و جلائِل تشابُهاتها في قدرتها على تكوين وجه قِماشٍ واحدٍ يستحضر واجهةَ الإنسان الأصلية، ثم و تجمُّعها في هيئة نسِيج تملؤه ترتيبات الوقت.

    أذكُر بأني قد قرأت نصًا منذُ مدّة، لشخصية تصِف المجتمع بقطعة دانتِيل . جمعٌ من ثقُوب، في صدر واحِد، في تكوينٍ واحد، تصنع كيانًا من مادّة و منفذًا لاستجداء ضوء عاتِم .. وساوَرني ذات الإعتقاد نحو مانملك من تعدُّد، أو بالأحرى ما يملكنا نحنُ من تعدُّد. تكوّن على بِناه بأننا جميعًا محض قِطع قماش ملونٌ أو أحادي، على سطَح منزل في غيّهب العالم، مُعلَّقين من رُؤوسنا أو أكتافنا، نتفَاوت في خوَامنا، و ألواننا. نُناشد عَطف الوجود، أو الماهيّة التي تشكّل أكناهنا، نحُور في أماكننا إستمنَاح غِوى التحرُّر .. نجتمع كمجمُوعة أفعال، حول ما يؤثر على فهمنا . حول ماهية الضوء الذي يمر من خِلالنا، الأمر الذي جعل من واحدنا معدُودًا يندّد، و من فُراديتنا جمعًا يثُور و يطلب، و من قلقنا أنصافًا توزَّع على شكل إنسيابات تناغِي حيّز أمكنتنا.. في سبيل التعرُّف على حقيقتنا، و القبض على إجابات الأسئلة التي تؤرّق مضاجعنا، عن جدوَانا، عن إكتفاء الوقت بالطيّ و الثني أو عدمهمَا، عن طول تعلّقنا، أو سقوطنا، أو واسِع صمودنا . عنّا نحن، عن وجُوهنا، و عن استبقاء أثرنا هذا، في محض قِطعة ملوّنة أو أُحادية، من قِماش دانتِيل.

     

  • الموت في رأسي – شوق عبدالعزيز

    الموت في رأسي – شوق عبدالعزيز

    تلك اللحظة العابرة التي تمنّيت فيها أن ينتهي كل شيء، أصبحت اللحظة التي لا تعيش سواها.

    والأيام التي تنهار فيها لتعود أقوى.. تصبح أعوام. فلا تقوى النهوض، وتهوى.

    كنت تهرب من الليل الطويل بالنوم، وتستيقظ فتقول “بالأمس كنت عالقًا بالوحدة”. أما الآن أنت لا تنام.  حياتك كلها أصبحت ليلة واحدة معتمة، تفيض بالأسى، ومؤلمة. لم تعد الذكريات وحدها مايؤلمك، بل حقيقة عدم نهوضك. عدم الوصول إلى مكان. أنت عالق وبشكلٍ أبدي، فيك. وهذا مايرعبك، مايَنخَر عظامك. لم تكن يومًا بهشاشة كافية لتظن بأن الحب سوف يشفيك، لكن ومن شدة اليأس، تتشبّث به وكأنه طوق النجاة الوحيد، وتثور غضبًا إذ لم ينجيك. إذ لم يقف بينك وبين نفسك. يجب أن تفهم أن أحدًا لن يفعل ذلك. لن يفتح لك باب الخروج سواك. أنا أفهم ذلك.. لكن هنالك جدار منيع، بين عقلي وكل ما أشعر. الجدار بين مايجب فعله، وبين إرهاقي.. كم أود لو أن أجد سببًا واحدُا أتمسك به للنهاية. لكن شغفي بكل شيءٍ، مؤقت. لا أنفك عن الإفلات. كل ما أشعر به لحظي. لا أثق برغباتي. أنا أصل لكل شيءٍ وأنا منهك، ناسيًا لذة الوصول، ومتعب من الرحلة، التي كنت فيها أتوق لهذه اللحظة. كل مايجب عليه أن يُفرحني ينتهي دون أن يحرّك بيَ شيء. كل الأشخاص يمضون من خلالي، لا يستقرّون فيني. أصبحت أتمنى الموت يوميًا، رغم أني لم أعش. أنا فقط لا أشعر برغبة في أن أُكمِل. مللت من الإنتظار. إنتظار اللحظة التي ستقلب حياتي. المعجزة التي ستجعلني أشعر. لقد مللت من الساعات الثلاث التي أقضيها على السرير، محاولاً إيجاد سبب يدفعني للنهوض، أريد أن أرغب بالنهوض، لا أن أُجبَر بحكم العادة. ومللت أيضًا من الساعات الطويلة التي أقضيها محاولاً النوم، محاولاً طرد كل أفكاري. مللت من الخدر، ومن الشعور أكثر من اللازم أيضًا. أنهكني عيشي بعالم يسحق صدري ويرفض وجودي، أنهكني البكاء على حقّي بالعيش. أعجز عن الوقوف، دون أن أنهار. أريد أن أرفع راية بيضاء في وجه العالم، لكن العالم الذي لم يعترف بوجودي، لن يرى رايتي. سيستمر كل شيءٍ في دهسي، وفي إنكار حقيقيّتي. أنا الذي كنت أرفض أن أقول ولو لنفسي بأني متعب، اليوم أغنّيها. أنا مُتعب، مُتعَبٌ جدًا، ومُثقَل. وأسعى لأن أجد شيئًا يساعدني، وشخص يعترف بألمي، دون أن يظن أن لي يدًا فيه، أو أن بإمكاني النهوض لكنني لا أرغب.. من يرغب بأن يعيش الموت بشكلٍ روتيني!؟ من سوف يسمح للأيام بدفنه؟ صدّق أو لا تصدّق، أنا حاولت، كثيرًا. أنا كنت أدفع نفسي للعيش. أسحبها للحياة. كنت أحشر يومي بكل مايمكن أن يخفف عني ثقل صدري.. لكني فشلت كما ترى. أنا لم أختر أن أتوقف، لكني أحاول الحفاظ على كرامتي ربما، حين أقفل على نفسي الباب، لأنهزم أمام الاكتئاب. ولأكون صادقًا أكثر.. أنا لا أحتاج أن أتوحّد بنفسي لأنهار، أصبحت أنهار واقفًا، أمام العديد!

    لا أحتاج أن يشهد الجميع موتي. لهذا اخترت العزلة.. أريد أن أعيش هذا الاحتضار وحدي. لا أستطيع أن أفهم ماذا يحدث بداخلي، رغم أنه قد مكث طويلاً. لا أستطيع أن أجد وسيلة للنجاة.. لا أقدر على أن أظهر وبشكلٍ كامل، وواضح، إليك. كل ما أخبرتك به إلى الآن، قليل. قليل جدًا وسطحي، بالنسبة إلى ما أعانيه حقًا. لن أتوقع منك أن تفهم، وسأكرهك كثيرًا إن سألتني عن سبب سقوطي؛ لأني لا أعلم.

    أحيا مُحاولاً أن أستوعب حقيقتي، وحقيقة أن أحدًا لن يطيل النظر إلى هذا الخراب، إلى شخصي المُجرَّد. أفهم ذلك. لكنهم أقنعوني.. أقنعوني بأني نجوت، جعلوني أقذف أسلحتي بعيدًا، كيف فاتني أن العدو من خلفي، والجيوش تنهشني بأعينها؟ لم أنجو بعد، وليس بمقدوري أن أحارب. أداروا ظهورهم عني، محتلفين بانتصاري. لقد مضوا بعيدًا، تاركيني أحاول أن أمسح دمي، بأيدٍ مبتورة، محاولاً أن أناديهم، لست أدري، هل أنا أبكم، أم هُم صُم؟ هل أنا أهذي، أم وحدي المستيقظ؟ كنت طفلاُ عندما أخبروني بأن الله قد خلقنا في أحسن تقويم، وأنا هنا أتساءل، هل من الممكن أن تكون جميع مخلوقاته معطوبة بقدري، أم أني خطأ الله الوحيد؟ رأسي لن يهدأ، ربما قد حان وقت تفجيره، وتحويله إلى قطع. لا أفهم كيف لجسدٍ هش أن يرفع حِمل العالم على كتفيه. وكيف لشخصٍ يحتضر أن يقف بكل ثبات أمام بشاعة العالم، ووحشية الوحدة. إني مرعوب، ومُنهك. أرهقني كل هذا الخوف، التوجّس، التفكير بأسوأ الاحتمالات. إني حين أستيقظ أستاء.. لماذا أُعطيت يومًا جديدًا، شبيهًا بالأمس. لماذا يستمر الله بتزويد رصيد أيامي، رغم أني قضيت حياتي أطلب منه نقيض هذا.

    شوق عبد العزيز

  • قصيدتان للشاعر الهندي رابندرانات طاغور – ترجمة: شهاب غانم.

    قصيدتان للشاعر الهندي رابندرانات طاغور – ترجمة: شهاب غانم.

    1- الهدية.

    أريد أن أهبك شيئًا يا فتاتي
    إذ بينما يجرفنا تيار الحياة
    سوف تتفرق بنا السبل
    وسيطوي حبنا النسيان.
    ولكن لم تبلغ بي السذاجة أن آمل
    أن أتمكن من أن أشتري قلبك بهداياي.

    أنت في مقتبل العمر والطريق أمامك ما زال طويلًا
    فأنت تشربين كأس العمر الذي نقدمه لكِ دفعة واحدة
    ثم تديرين ظهرك لنا وتمضين بعيدًا عنا لا تلوين على شيء.
    إن لك ألعابك وزملاك في اللعب
    فما الضير في ألا يكون لديك وقت لنا
    وألا نخطر ببالك.

    نحن بالتأكيد نمتلك الكثير من وقت الفراغ في شيخوختنا
    لنحصي الأيام التي ولت
    ونحتفظ في قلوبنا بذكريات عزيزة
    أفلتت من أيدينا إلى الأبد
    مخترقًا كل المواقع ولكن الجبل يبقى ويتذكر،
    ويتبعه بنظرات الحب.

    2- المساومة الأخيرة.

    ناديت في الصباح وأنا أسير على الطريق المرصوف بالأحجار:
    “تعال واستأجرني”
    وجاء الملك شاهرًا حسامه وهو على عربته الحربية التي تجرها الخيل.
    أمسك بيدي وقال:” سأستأجرك بقوتي”
    ولكن قوته كانت لا تعد شيئًا، فمضى على عربته
    في حرارة الظهيرة كانت المنازل مغلقة الأبواب
    ومضيت على الدرب الملتوي.
    وجاء رجل عجوز يحمل كيسًا مليئًا بالذهب
    فكر مليًا وقال” سأستأجرك بنقودي”
    وزن عملته قطعة قطعة، ولكني أشحت بوجهي.
    جاء المساء، وكان سياج الشجيرات حافلًا بالأزهار.
    ظهرت فتاة حسناء وقالت:” سأستأجرك بابتسامي”.
    شحبت ابتسامتها واستحالت إلى دموع وعادت
    وحيدة إلى العتمة.
    التمعت الشمس على الرمال وتكسرت أمواج البحر بتمرد.
    وقعد طفل يلعب بالمحارات على الساحل
    رفع رأسه وبدا كمن يعرفني وقال
    ” سأستأجرك بلا شيء”.
    ومنذ تلك اللحظة والمساومة التي عقدت في لعب طفل
    جعلتني رجلًا حرًا.