المدونة

  • عندما أرى هِرًّا تحت الشمس – فرناندو بيسوا

     

         حقيرٌ مثل نهايات الحياة التي نعيشها بدون أن نرغب في مثيلاتها.

         أغلب الرجال، إنْ لم يكن جميعهم، يحيا حياةً حقيرة، حقيرة في كل أفراحها، حقيرة في كل آلامها تقريبًا، باستثناء تلك المتعلقة بالموت، حيث يتدخَّل السر والحياة ذاتها تفقد حقيقتها.

    أستمع، إلى الجلبات الصاعدة/ سيالةً ومتفرقة، مصفاةً عبر تسليتي في موجاتٍ سيالة داخليًا بلا قصد ومن الخارج، كما لو أنها قدمت من عالمٍ آخر: صيحات باعةٍ يبيعون أشياء طبيعية، مثل الخضروات، أو اجتماعية، مثل ورق اليانصيب، المرور المدور للعجلات -عربات وثابة- سيارات مسموعة من خلال الحركة أكثر من الدوران؛ اهتزاز أيّما قماش في أيما نافذة؛ صفير الصبي؛ قهقهة الطابق العالي؛ أنين الترام المعدني في الشارع الآخر؛ ما ينشأ عن العرضي من خليط؛ تصعيدات، انحدارات، أشكال الصمت المتولِّدة عن المتنوع؛ أصوات النقل الرعناء؛ بضع خطوات؛ بدايات أوساط  ونهايات أصوات. وهذا كله موجود بالنسبة إلي، أنا الذي أنام مفكِّرًا فيه، مثل حجرٍ وسط العشب، ومراقبًا، كل شيءٍ من خارج أيّ مكان.

    بعدئذٍ، داخل البيت بالقرب من المكان، تلتقي الجلبات بمثيلاتها: بالخطوات، الصحون، المكانس، الغناء المُوقَف – ( نصف فادو ) – العشية المتفق عليها في الشرفة؛ صوت الغضب ممّا ينقص المائدة؛ طلب السجائر التي تُركت موضوعةً فوق المائدة. هذا هو الواقع، الواقع المعنِّن الذي لا يدخل في حساب تخييلي.

    الخطوات الرشيقة للفتاة، خُفّاها المزدانان بشريطٍ أحمر وأسود، هكذا أستعيد رؤيتهما، صوتها يستعير بعضًا من ذلك الشريط الأحمر والأسود، الخطوات الواثقة، الثابتة لجزمة ولد العائلة وهو يخرج مودِّعًا بصوتٍ عالٍ، صافقّا باب المنزل قاطعًا بذلك الصدى الذي يأتي حتى بعد…؛ ثمة سكونٌ يحلّ، كما لو أنَّ العالم قد انتهى في هذا الطابق الرابع العالي؛ صوت آنية الخزف في طريقها إلى التنظيف؛ جريان الماء “وإذن ألم أقل لك إن..”… ويصفر السكون من خلال النهار.

    لكنني وسنان، وخلاق خيالات… وإنه لَعجيبٌ أن تفكر في أنني لست راغبًا، لو طرح عليّ السؤال في هذه اللحظة، في تفضيل حياةٍ قصيرةٍ، على هذه الدقائق البطيئة، وهذا التفكير الباطل، وهذه العاطفة، وهذا الفعل المبدّد للإرادة. وإنني لأتأمَّل تقريبًا بدون تفكير، كيف أنَّ غالبية الناس، بل مطلقهم، في أعلى الهرم كانوا، أم في أسفله، واقفين أم راجلين، يحيون بالدوار نفسه في الغايات الأخيرة، التخلي نفسه عن الأهداف المرسومة، الإحساس نفسه بالحياة. دائمًا عندما أرى هرًا تحت الشمس أذكر الإنسان. دائمًا عندما أراه نائمًا أتذكر أنَّ كل شيء منام. دائمًا عندما يحدثني أحدهم عن أحلامه، أفكِّر فيما لو لم يكن قد فعل شيئًا آخر غير الحلم. صخب الشارع يزداد، كما لو أنَّ بابًا قد فتح، فشرع في دقّ الباب.

    ما حدث ليس بشيء لأنّ الباب أغلق على الفور. الخطوات تتوقف عند نهاية الممر، الصحون المأخوذة للتنظيف تُعلي من صوت الماء وآنية الخزف […].

    أنهض من الكرسي بمجهود هائل، لكنني أملك انطباعًا بأنني أحمل الكرسي معي، وبأنه أثقل ممّا هو بالفعل، لأنه كرسي الذاتية.

     

  • أويا: إلهة الريح-أوليف سنيور

    أويا: إلهة الريح-أوليف سنيور

     

    Tom Thomson
    Tom Thomson

    تشهقين
    تحبس الأرض أنفاسها
    تزفرين
    ترتجف المدن
    تتنهدين
    نولد نحن
    تهمسين
    تعلو جوقة المسبحين
    تصفرين
    يتشعب البرق
    تعطسين
    يهدر الرعد
    تتجشئين
    تمخض المحيطات
    تطلقين الريح
    تُصعق الغابات
    تنفخين أشداقك
    تزأر المنافخ
    تضحكين
    تزهر الأبواق
    تدخلين الأسواق
    نتبادل اللمحات
    تصفرين
    نرقص
    تجتاحين
    نطير
    تتثاءبين
    يخشخش الموت

    أيّتها المرعبة
    لا حاجة لأن تظهري وجهك
    فطالما أننا نتنفس
    نعرف أنك ما تزالين هناك
    ***
    ترجمة: مأمون الزائدي

  • نهرٌ راءٍ-مأمون التلب

    Abdullah El-Taib
    Abdullah El-Taib

    (1)
    حيواناتٌ في حبٍّ جائر،
    يأتي من زمنٍ ماضٍ،
    يَنبُشُ بوَّابةَ حائر
    أَغْلَقَ محَّارةَ جنيٍّ ماتَ،
    وكالَ الكَونَ بقلبٍ سَائِر.

    في الأعمَاقِ البَاقِيَةِ على الأرضِ تجلَّى؛
    رَهْطُ جحيمِ الأرضِ تَحلَّى،
    بأَسَوارِ نايٍ معصوبِ العينينِ يُغرِّدُ في أعماق النهرِ،
    وفي أعصاب القهرِ يُولولُ مكلومَ القلب.

    إذا ما جلَّدكَ النيلُ بنار جمالِهِ،
    وحَاصَرَتِ الحيونات مَخَازِنَهَا الشتويّة بالليل؛
    وأكوانُ نجومٍ لم يُعرَف عن خالِقِها جِسْمٌ،
    وسهامُ جلالٍ يَنْطِقُهَا مَا جَلَّ ونَالَ ظِلالاً مِن ظِلِّ كَيَانِ النيل؛
    فستحرثُ أكوانُ الأرضِ سَلامَتَها باسمٍ يُنطق،
    ولن يَسْلَم حيٌّ إلا ورَمَتْهُ سهامُ الاسم بجيشِ جمالِه،
    وتَلَتْهُ تِلالُ الويل.

    حيواناتٌ في الحبِّ تُراقصُ وَتَر السيل.

    (2)
    الوترُ على سَطْحِ بِحَارِه،
    مالَتِ القافلة العمياء بشهَابِه،
    في صحراءٍ لن تَذِرَ واذِرَتُها وِذرَ أخرى.

    الكون بآلائه لن يَسكُتَ عن جِنانِه،
    والغيبُ، وإن صَعَقَ الناسَ بحبِّ سِهامِه،
    وَجَبَ عَلَيهِ الشَدوَ بحلوِ غنائه.

    (3)
    بجوارِ النيلِ ستسقُط حيوانات الحب،
    يحتفلُ الظلّ بكَوْنِ حياةِ الظلِّ،
    ويَطلُب إذناً لولوجِ الكون،
    من نافذةٍ تُدعى عينُ الإنسان.

    ذاك السابح بخلاياه خلال الماءِ
    وقد سجَّلَ، بكثافةِ مَوجٍ، بصمةَ عُريٍ من تقييد التعريفِ
    وزهرةَ سَلبٍ يخطفها الطيرُ الجارح وهو يعاركُ طيراً أَجْرَح…
    ….
    أجرحَ كي يتنكَّلَ حبُّ الحيوان.

    (4)
    النّار النَيِّرةُ تُراقب أعقاب خلاياها:
    تنتظرُ اللَّحد المشقوقَ القلبِ يعاني من أنحاء الماء الساكنةِ بعُمقَ دموعٍ خانَته؛ وفي أيَّامٍ لم يَعرِف عنها شيئاً، لم يُخلق لجمال سلامتها مِثْلٌ: لم يَجْتَزْ شَارَتَهَا المنقوشةُ في المِعْصَمِ، في العَرَقِ المُمتدَّ على سطحِ الفخْذِ؛ وبالشامةِ نارَت عُريَ الُأذْنِ، وبالكلمة:
    (تعالجُ مَشْيَ الناسِ،
    تهاجمُ ألوانَ سلامتها).

    النّار النيّرة تُهاجمُ كلَّ مناطقنا الذهنيّةْ،
    وتُثيرُ هواجسَ ناسٍ تُخرِجها مرآةٌ تَنتصبُ أمامك.
    لتناولها من نفسِكَ شيئاً،
    يوميّاً،
    ومتاحاً ومُباحا،
    ها هامات الناسِ تُلامسُ وَتَرَ جمَالِكَ،
    فبأيّ الآلام تُسافر، وبأيّ الغَدرِ تُساوم؟
    ها السوقُ تبدَّى في كلّ الأسماء:
    في السُّهدِ تجنَّى من كلّ سلاحٍ يَخلقهُ يوميّاً في آلاء النّهر.
    …..
    نَهرُ النيل.
    نهرٌ راءٍ،
    نهرٌ أعمَى.

    ـــــــــــــ
    سبتمبر 2016م – 4 أبريل 2017م
    اللوحة من أعمال: عبد الله محمد الطيب (أبسفّه)

  • ومضات للشاعر اليوناني يانيس ريتسوس

    ومضات للشاعر اليوناني يانيس ريتسوس

    ** عري الجسد**

    تحت كلّ الكلمات

    جسدان يتصلان

    وينفصلان

    ****

    ما نفع النّجوم

    إن لم تكوني هنا؟

    ****

    في النّافذة المقابلة

    ضوءان:

    تخلعين ملابسك

    وها انّك أنت على الدّوام.

    ****

    السرير، السّجائر،

    جسدك يملأ المكان كلّه-

    تمثال دمي.

    ****

    ما من إسمنت.

    فقط فراغ

    تقطعه

    عارضة حديد

    ****

    آخذ المطرقة

    أنحت الهواء

    أدع تمثالك

    مفتوحا،

    أدخل

    وأبقى هناك.

    ****

    أتحسس زوايا اللّيل-

    مرفقك، ركبتك،

    ذقنك.

    أحجار تتدحرج

    دون أدنى ضجيج .

    أينك؟

    ****

    خمس كؤوس

    تملتئ، تفرَغ.

    أنقر بقلم رصاص –

    نقرة بعد نقرة:

    التّاريخ

    ****

    الآن

    السّماء

    هي أرضي.

    آرضي الواسعة

    هي السّماء .

    ****

    يداي:

    ذكرياتهما عنك

    أشد غورا من الذّاكرة

    ****

    الأجساد

    تنكر الكلمات.

    عارية ودون قول شيء،

    تتفاهم.

    زوج من  أبي هول حجري

    يتبادل النظرات

    وعلى الشفاه يسيل

    ماء أزرق.

    *

    إتحاد عميق.

    مدن تنهار في الخراب،

    أحصنة تعدو،

    أعمدة نور تسقط

    دون ضجيج ، ودون صوت

    *

    حفرت باليدين،

    بالشفتين،

    بالعينين.

    والجدار،

    لم يتزحزح قيد أنملة

    *

    صارعت الشّجرة

    وطرحتها أرضا

    أوراقها الكثيفة

    غطتني إلى آخري

    *

    كان زمن حرب

    كان زمن حبّ.

    وكنّا أنا وأنتِ ميتين.

    جمعنا الموتى والجرحى.

    خلعنا ثيابهم

    ونمنا.

    *

    كنت تقولين:

    أحبّ شعرك،

    أظافرك،

    لسانك.

    وعلى بلاطة الرّدهة،

    في الظّلمة،

    كنا نسمع

    خطى الحرّاس.

    *****

    المغمورون والمشهورون

    سيجتمعون ذات يوم

    في نفس النبضة.

    الحبّ

    لا يمارس التّمييز

    ****

    بحر قوي

    بزرقة عميقة،

    أضاء وجهك.

    كلّ الموتى

    طردتهم الشّمس

    *****

    مرّ الصّيادون

    بسلال فارغة.

    بينما كان القمر

    ينبض على ركبتيك.

    ما من شيء بعد

    يفصل

    الفراغ عن الملاء

    ****

    يستلقي الزمن،

    وتستلقين أنت:

    جامدة صورتك

    على الجدار الدّاخلي

    *****

    هذا الخوف

    من نسيان شيء

    كان يجب أن آخذه معي.

    الخوف

    من أن تكون شساعة كهذه

    بلا نهاية.

    أثينا / 80.12.24

    ______

    على حبل

    *

    بعصفور كوسادة، أسهر لليال بأكملها.

    *

    الكلمات التي بقيت خارج القصيدة تشعر بالخوف.

    *

    إذا كان الضّوء يزعجك، فهي غلطتك أنت.

    *

    منذ زمن بعيد : السيف، ومنذ زمن بعيد : الشفقة

    *

    ملاءات مبعثرة ومصابيح مضيئة . في البيت، لا أحد.

    *

    عند رؤيتك، تملكني الغضب إزاء القصائد

    *

    كلمة تم تجديدها بالتكرار

    *

    الحس بمعزل عن المعنى: ورقة.

    *

    كان يرفع العقيرة بالصياح لكي لا ننتبه الى انه قد لزم الصمت منذ أعوام .

    *

    هذه الشجرة ظننتها إنسانا، لم أكن مخطئا.

    *

    إنه يصعد أعلى فأعلى كي يلمس الأرض

    *

    المركب الّذي رحل عند الغروب، كان قد جاء للبحث عنّي

    *

    كرسيي وأنا – نحن على وفاق تام

    *

    معكم ، نعم ( وليس في الوحدة بالمرة) أشعر بأنني وحيد .

    شمس؛ مقهى؛ درّاجة هوائية؛ واجهات محطّمة.

    *

    خاتم الخطوبة؛ لقد أخفاه في أشد الثقوب غورا

    *

    كانوا يغنّون أفضل عندما يغمضون عيونهم

    *

    سيجارة. وها هو القمر على الصّدر

    *

    الأسطورة قناع جيد في الأيام العصيبة

    *

    خطاياهم،  وضعوها على ظهور الآخرين وصاروا قديسين

    *

    أنا الّذي لطالما أحببت التماثيل…

    *

    البحر الذي أخذ بيدي وأخذت بيده…

    *

    وحدها يد رخام مقطوعة تسندك في أوج المعجزة

    *

    بصداع في الرأس، المطر والأبواب مغلقان

    *

    حتّى قعر الهاوية، العرفان بالجميل .

    *

    ربّما الصّمت وحده  بوسعه قول الحقيقة

    *

    لاتحطّم الزجاج بقبضتك

    *

    يا للعسر الّذي تضخّ به الكلمة الدّم في القصيدة

    *

    أيها القمر المكتمل، لا تقوّلني ما لم أقل

    *

    فلينم الموتى بسلام أخيرا حتّى يكون بمقدورنا نحن أيضا أن ننام

    *

    ثم يبدأ تسمّع أجساد الغائبين

    *

    النّدم على هذا اللاشيء الذي تهجره

    *

    أصفر، أصفر، أصفر – يصيح عصفور الجنوب

    *

    في اللامفسّر، كان يقول، ( يوجد) تفسيري

    *

    لقد دخلت في الحصان الخشبي حاملا سيفا ومرآة

    *

    يونان( Grec).لا، ليس استعراء. عري

    ء

    هناك حيث رفعوا الصمت إلى صارية المركب

    .

    هكذا انقضت السّنون، ذئاب، كلمات وأقمار

    *

    أنت، يا بلاد الإغريق، التي تصلبين خبزي وأراقي

    *

    في هذه الشّفافية اللانهائية تتأرجح كماشة من فولاذ

    *

    النشارة التي سقطت من شعرك، وجدتها اليوم في القصيدة

    *

    ضوء سرّي، مضاعفا على المرايا المتشظّية

    *

    التكرار: تفقد للمعنى المجهول

    *

    يجيد تقليد نفسه، كما لو كان شخصا آخر

    *

    الكلمات بكاملها لا تكفيه لقول العدم

    *

    تتفاهم جيدا مع الحلم؛ إنه لا يطلب منك أدلة

    *

    في الليل يدخل البحر إلى غرفتي بقواربه

    *

    أهو الجرح الذي يتكلم؟ إنه يقول الحقيقة

    *

    هكذا إذن، فما لا يوجد موجود

    *

    لقد وضعنا قناعا ذهبيا على وجه العبث

    *

    ربما الصمت وحده يستطيع قول الحقيقة

    *

    لقد مد حبل مشنقته، وأخذ يرقص عليه حاملا مظلة صفراء

    *

    ما سرقوه منه سرقه بدوره ليقدمه لهم كهدية.

    *

    لقد أبحرت السفينة مبتعدة فيما بقيت أنا مع المسدس.

    *

    صوت قرع الطبول، أصوات بعيدة، دخان. والتماثيل في ردهات المستشفيات

    *

    صوامت وصوائت،أصواتهم ترن، تتوافق، ثم تصمت بنزاهة عميقة

    *

    ليكن في علمك، هذه الألحان على الحبل، هي مفاتيحي. خذها.

    *

    والآن، وقد سحبوا الحشاكة من فمه، ما الذي عليه ان يفعله ليتكلم؟

  • موسيقى تعلو أصواتنا – أحمد سالم

    موسيقى تعلو أصواتنا – أحمد سالم

    ‏في هواء الغرفة

    ‏حيث تموج نغمات الأغنية

    ‏مثل ذكريات عميقة

    ‏لا يسعنا لمسها

    ‏أو رميها إلى أبعد من ذلك.

    ‏تتذكرين أن تسأليني شيئاً

    ‏بينما تضيع أسئلتي في النغمات الخافتة

    ‏وهي تضرب جداراً بشكل عشوائي،

    ‏أحاول أن أجيبك

    ‏لكنك لا تريدين حقا سماع الإجابة

    ‏تودّين فقط

    ‏تشتيت انتباهي

    ‏عن النغمة الصامتة في صوتك الساكن

    ‏وهي تنشز باردةً

    ‏بعيداً عن هواء الصيف

    ‏وهو يدخل ويغادر الغرفة

    ‏مثل زائر غريب

    ‏وسط موسيقى صاخبة جداً

    ‏وعالية جداً

    ‏لم نعد نسمع بسببها

    ‏أصوات بعضنا.

    من ديوان: الغرق باستخدام امرأة.

  • التزام الهدوء – بابلو نيرودا

    التزام الهدوء – بابلو نيرودا

    الآن سنعدّ حتى اثنيْ عشر

    ثم نهدأ.

    لمرةٍ واحدةٍ على وجه الأرض،

    دعونا لا نتكلّم بأيّة لغة؛

    دعونا نتوقّف لثانيةٍ واحدة،

    ولا نحرّك أذرعَنا كثيرا.

    ستكون لحظةً غريبةً

    من دون اندفاع، من دون محرّكات؛

    سنكون جميعًا معًا

    تلفُّنا غرابةٌ مفاجئة.

    الصيّاد في البحر البارد

    لن يؤذي الحيتانَ،

    وجامعُ الملْح

    سينظر إلى يديه المجروحتين.

    أولئك الذين يجهّزون الحروبَ الخضراء،

    حروبًا بالغاز، وحروبًا بالنار،

    وانتصاراتٍ بلا ناجين،

    سيرتدون ملابسَ نظيفةً

    ويسيرون مع إخوانهم

    في الظلّ من دون أن يفعلوا أيّ شيء.

    ما أريده ينبغي ألّا يُخلط

    مع الجمود المطلق.

    فالحياة هي ما هي عليه؛

    لا أريد مقايضةً مع الموت.

    لو لم نكن أحاديّي التفكير إلى هذا الحدّ

    بصدد إبقاء حيواتنا مستمرّةً،

    لو أننا لا نفعل شيئًا ولو لمرةٍ واحدةٍ،

    فلربّما يقاطع صمتٌ عظيمٌ هذا الحزنَ

    لعدم فهم أنفسنا أبدًا

    ولتهديد أنفسنا بالموت.

    لربّما يمكن للأرضَ أن تعلّمنا

    كما هو الحال عندما يبدو كلُّ شيء ميتًا

    ليتّضح لاحقًا أنّه حيّ.

    الآن سأعدّ حتى اثنيْ عشر
    وعليك أن تلتزم الهدوءَ
    وأنا سأرحل.

    نص: بابلو نيرودا
    ترجمة: عبير الفقي.

  • “العبء غير المحتمل للبقاء (نهاية العلاقة)” – ورسان شير

    robert motherwell

    ______________________

    أنا لا أعرف متى صارالحب بعيد المنال.

    كل ما أعرفه، هو أن لا أحد آلفه يملكه .

    أذرع أبي حول عنق أمي

    ثمرة ناضجة جداً لتأكل ، و باب نصف مفتوح.

    عندما يكون أسمك هو مجرد يد لا يمكنني التمسك بها أبدًا،

    يصبح كل شئ آمنت به يومًا ، سحرًا.

    أفكر في العشاق كأنهم أشجار ، تنمو من

    بعضها بعضاً بحثًا عن ذات الضوء،

    ضحكات أمي في غرفة مظلمة،

    صورة تشيب أسفل لمستي،

    هذا هو كل ما أعرف فعله، تحمل الخسارة حتى

    أبدأ في أن أشبه كل ذكرى سيئة،

    كل رعشة خوف،

    كل كابوس رآه أحد يومًا.

    أسألك هل أحببتني أبدأ؟

    فتقول سريعًا: بالطبع، بالطبع

    للدرجة التي تبدو بها كشخص آخر.

    أسألك أمصنوع أنت من الفولاذ ؟ أمصنوع أنت من الحديد؟

    تبكي على الهاتف ، فتؤلمني معدتي.

    لقد تركتك ترحل ، لأني في حاجة إلى شخص يعرف كيف يبقى.

    ___________________________________________

    ورسان شير: شاعرة بريطانية من أصول كينية-صومالية حاصلة على العديد من الجوائز الشعرية.

  • إيميلي ديكينسون – أنا لا أحد! فمن تكونُ أنت؟

    إيميلي ديكينسون – أنا لا أحد! فمن تكونُ أنت؟

    أنا لا أحد!

    وأنتَ

    من تكون؟

    هل أنت أيضًا، لا أحد ؟

    وإذًا

    فثمة اثنان منّا-

    إيّاكَ أن تخبر أحدا!

    وإلا

    ألقوا بنا في المنفى

    كما تعلم.

    كم هو موحشٌ وكئيب

    أن تكون شخصا ما.

    كم هو شعبيٌّ وعموميٌّ ومُشاع،

    مثل ضفدع.

    أن أناديك باسمك اليومَ بطولِه

    في ذلك المستنقع البديع.

    *

    ترجمة: فاطمة ناعوت

  • ينحني الموتُ عليّ (قصائد هايكو) – توماس ترانسترومر – ترجمة: تحسين الخطيب

    ينحني الموتُ عليّ (قصائد هايكو) – توماس ترانسترومر – ترجمة: تحسين الخطيب

    ريحُ اللهِ وراءَ ظهري.
    الطّلقةُ التي تأتي بلا صوتٍ
    حلمٌ مديدٌ لا ينتهي.
    *
    العشبُ الصّاعدُ . . .
    وجههُ، حجرٌ رُوْنِيٌّ
    منتصبٌ في الذّاكرة.
    *
    عالياً، على طولِ المنحدراتِ
    أسفلَ الشّمسِ: كانَ الماعزُ
    يرعى النّار.
    *
    ينحني الموتُ عليّ
    مسألةٌ في الشِّطرنجِ أنا،
    والحَلُّ لديهِ.
    *
    محمولاً بالعتمةِ.
    أقابلُ ظلاً هائلاً
    في عينينِ اثنتينِ.
    *
    واقفاً في الشّرفةِ
    في قفصِ أشعّةِ الشّمسِ:
    كقوسِ قزح.
    *
    البحرُ جدارٌ
    أسمعُ النّوارسَ تصرخُ
    إنّها تُلوّحُ لنا.
    *
    صمتٌ رماديٌّ
    يعبرُ الماردُ الأزرقُ،
    نسيمٌ باردٌ من البحر.
    *
    شيءٌ ما قد حدثَ.
    أضاءَ القمرُ الغرفةَ.
    والله يعرفُ.
    *
    ريحٌ أكّالةٌ
    تعصفُ عبر البيتِ في اللّيلِ:
    اِسمُ الشّياطينِ.
    *
    يشربُ الصبيُّ حليبَهُ
    وينامُ آمِناً في زنزانتهِ،
    أُمّاً من حجر.
    *
    شاحنةٌ هائلةٌ
    تدمدمُ بعدَ أنْ حلّ الليلُ. ترتعشُ
    أحلامُ النزلاءِ.
    *
    ركلوا كُرةَ القدمِ
    فجأةً عمّتِ الفوضى:
    الكرةُ تطيرُ فوقَ الجدارِ.
    *
    مُهمهماً في السّديمِ
    قاربُ صيدٍ في الخارجِ هناكَ:
    نصبٌ تذكاريّ على المياهِ.
    *
    جدارُ اليأسِ
    يأتي ويرحلُ،
    حماماتٍ بلا وجوهٍ.
    *
    ديرُ رهبانٍ لامييّنَ
    بحدائقَ معلّقةٍ.
    صورُ معركةٍ.
    *
    ساكنةً تقفُ الأفكارُ
    كبلاطات فسيفساءٍ
    في باحةِ القصر.
    *
    يتشمّسُ الأيّلُ في الشّمسِ
    يطيرُ الذبابُ بسرعةٍ ويخيطُ الظلَّ
    على الأرضِ.
    *
    صنوبراتٌ شعثاءُ
    في السّبخةِ الفاجعةِ
    إلى الأبدِ إلى الأبد.
    *
    عَقْعَقٌ أسودُ أبيضُ
    حَرُوناً يقفزُ، يتعرّجُ
    في الحقولِ.
    *
    ظلالٌ منكمشةٌ . . .
    نحنُ ضائعون في هذهِ الغابةِ
    بينَ عشائرِ الفِطر.
    *
    في ساعةٍ محدّدة
    ستستريحُ الريحُ العمياءُ
    أمامَ الواجهاتِ.
    *
    شمسٌ وهّاجةٌ هنا
    صاريةٌ بأشرعةٍ سوداء
    من الأيّامِ العتيقةِ.
    *
    ينشقُّ السقفُ
    فيراني الرجلُ الميّتُ
    هذا الوجه . . .
    *
    أسمعُ أنينَ المطرِ . . .
    أهمسُ بسرّ
    كي أدخل.
    *
    هَا لوحةٌ معتمةٌ
    رُسمَ فوقها الفقرُ
    أزهاراً في السّجنِ.
    *
    لقد كنتُ هناك
    وعلى جدارٍ مُبيّضٍ
    يحتشدُ الذبابُ.
    *
    راقداً على رفٍّ
    في مكتبةِ الحمقى
    كتابُ المواعظِ، لم يُلمَس.


    نص: توماس ترانسترومر
    ترجمة: تحسين الخطيب
    المصدر: موقع القدس العربي

  • توق / توفا ديتلفسون

    Mel McCuddin

    أتوق إلى أن أصير عجوزًا
    إلى أن أصير بليدة
    وخرفة
    بذوق
    لا تثيره
    إلا البهارات
    القوية
    وبعينين
    لا تريان
    سوى الأنقى
    من الألوان
    وبأذنين
    تسمعان
    من الأصوات
    أعلاها.

    أتوق
    إلى نسيان
    أحزان الحياة
    كلها
    إلى وهن
    المشاعر
    والتمسك
    بما مات
    وغاب
    ولا يتذكره أحد
    وليس في وسع أحد
    ملامسته
    أو تغييره
    البتة.

    أتوق إلى الهشاشة
    والوجع في
    كل العظام،
    في مأمن
    حتى الموت
    من كل الرغبات.
    في مأمن
    من فورة الدماء
    الساخنة اللعينة
    ومن آلام
    الشوق الشاحبة
    في
    فرجي المتعب.

    كم طويلة
    تبدو الحياة
    في ليالي
    الربيع المبكرة هذه،
    المبللة بتلك
    الرقة الشريرة،
    كم طويلة تبدو
    لمن هو وحيد.
    آه دعوني
    أصير عجوزًا بسرعة
    فلا أرغب
    شيًا
    ولا يرغبني أحد
    بعد الآن
    سوى موتي.

    توفا ديتلفسون، شاعرة من الدنمارك.

  • أوتوبورتريه – توفا ديتلفسون – ترجمة جمانة حداد

    أوتوبورتريه – توفا ديتلفسون – ترجمة جمانة حداد

    لا أستطيع:
    الطبخ
    اعتمار قبعة
    مواساة الناس
    التزين بالحلى
    ترتيب الرهور
    تذكر المواعيد
    شكر المانحين على هداياهم
    أعطاء البخشيش اللازم
    التمسك برجل
    إدعاء الاهتمام
    في اجتماعات الأهل والمعلمين.

    لا أستطيع الكفّ عن:
    التدخين
    شرب الكحول
    أكل الشكولاه
    سرقة المظلات
    نسان تذكر أعياد الميلاد
    وتنظيف أظافري
    قول ما يود الناس
    سماعه
    البوح بالأسرار
    حب أماكن غريبة
    وأشخاص مضطربين نفسيًا.

    أستطيع البقاء وحيدة
    غسل الأطباق
    قراءة الكتب
    تركيب الجمل
    الإصغاء
    والشعور بالسعادة
    من دون الإحساس بالذنب.

    ترجمة: جمانة حدّاد.

    توفا ديتلفسون، شاعرة من الدنمارك.

  • من قبل كنت من هنا – فرناندو بيسوا

    من قبل كنت من هنا – فرناندو بيسوا

         من خلال تسريبات الضوء والظلّ، في القرية -أو النور، بالأحرى- حلَّ الصباح بالمدينة. يبدو أنه لم ينبع من الشمس، بل من المدينة. من الجدران ومن السطوح انبعث النور من الأعالي…

         أحسّ، مع هذا الصباح، بأملٍ كبير غير أنني أعرف أنَّ الأمل مخلوقٌ أدبي. الصباح، الربيع، الأمل عناصر توجد متّحدة موسيقيًا للمقصد النغمي نفسه؛ متحدةً في الروح بفعل التذكر نفسه وللغاية ذاتها. لا: لو راقبت ذاتي، كما أراقب المدينة، لعلمتُ أفضل أنَّ ما ينبغي أن أتوقعه هو أن ينتهي هذا اليوم مثلما انتهت كلّ الأيام. العقل بدوره يرى الفجر. الأمل الذي علقته عليه، لم يكن يخصني ولو ظفرت به: كان من نصيب الرجال الذين يحيون اللحظة الماضية، والذين من خلالهم، جسَّدتُ، بدون إرادةٍ مني، الإدراك الخارجي لهذه اللحظة.

         أن أتوقع؟ ماذا لي أن أتوقع؟ النهار لا يعدني بأكثر من النهار. وأنا أعلم أنه عابرٌ ومنتهٍ، النور ينشطني لكنه لا يجعلني أفضل. إذن سأمضي من هنا مثلما جئت هناك، أكثر شيخوخةً زمنيًا، مع إحساسٍ أكثر فرحًا، وتفكيرٍ أشدّ حزنًا. بإمكاننا أن نحس كثيرًا بما يولد مثلما بإمكاننا التفكير فيما سيموت. الآن، مع النور الشاسع والعالي، يبدو مشهد المدينة مثل مشهد حقلٍ مؤثثٍ ببيوتات، يبدو طبيعيًا، فسيحًا، مركبًا، لكن هل أستطيع حتى في رؤيتي لهذا كله، نسيان أنني موجود؟ أنَّ وعيي بالمدينة، من الداخل ليس سوى وعيي بي.

         أتذكرني فجأةً عندما كنت طفلاً يرى -كما لا أستطيع أن أرى اليوم- الصباح ينشر أشعته في المدينة. حينئذٍ لم يكن ليُشيع ضوءه لأجلي، بل لأجل الحياة، لأنني حينئذٍ (ليس بفعل الوعي) كنت أرى الصباح فأحس بالبهجة؛ واليوم أرى الصباح، فأحسّ بالبهجة، ثم تعتريني الكآبة. لقد بقيت الطفل نفسه، لكنه الآن أبكم. أرى مثلما كان يرى، لكن من وراء العينين أراني رائيًا إلى الأشياء؛ وبذلك فقط تتعتم الشمس لديّ ويشيخ اخضرار الأشجار والأزهار تذبل قبل ظهورها. أجل، أنا من قبل كنت من هنا، واليوم، أصبحتُ، بالنسبة إلى أي مشهدٍ طبيعي، مهما كان جديدًا علي، غريبًا، يتيمًا، أجنبيًا عمّا أراه وأسمعه، عجوزًا بالنسبة إلي.

         لقد رأيتُ كل شيء حتى ما لم أره قط وما لن أراه أبدًا. في دمي يجري أفضل المشاهد المستقبلية، بينما ضجرُ ما لا بدَّ لي من رؤيته من جديد هو بمثابة رتابةٍ مسبقة أضجر وأغمّ.

         ومطلاً من مسند النافذة، مستمتعًا بالنهار، على المدينة بكاملها، ثمة تفكيرٌ واحد يملأ الروح: الرغبة الحميمة في الموت، في الانتهاء، في عدم رؤية مزيدٍ من النور فوق أي مدينة، في عدم الإحساس، في أن أترك ورائي مثل ورق التلفيف، مجرى الشمس والأيام، في أن أنتزع، مثل بدلةٍ ثقيلة، على حافة السرير الأكبر، المجهود اللاإرادي للكينونة.

  • مؤمن سمير – مقدمةٌ لسهمِ الأسلاف

    مؤمن سمير – مقدمةٌ لسهمِ الأسلاف

    … والحقيقةُ أنني عاطفيٌّ وأحمِلُ فوقَ ظِلِّي قلوبَ الفرسانِ الحارقةِ وفي عَيْني بهاءَ العهودِ المبللةِ بالرحيقِ، أتهكَّمُ على البطل الذي قَبَّلَ حبيبتهُ في العاصفةِ وعلى التي باحت بمقلتَيْها بالرعشةِ وأكرههم، أمامكم، بينما أنا في الداخل ضَاجٌّ بالزهورِ والصمتِ المنقوشِ بالهمساتِ والشتاءِ… وعندما تغادرون أقول لنفسي لأنكَ بلا ظلال أردتَ أن تنفلتَ روحكَ وتحطَّ عندهم وتعودَ لكَ متخمةً بالحكاياتِ… ثم لا أنسى اكتشافَ أنهم مغفلونَ كباراً، صدقوا لعبة “الأبد” وكأنهُ في الجيوبِ وليسَ عجوزًا مخرفاً

    يقيمُ وراء السورِ العالي…

    … والحقيقةُ أن السماءَ مُدانةٌ والشجرَ متهمٌ واللمسةَ مجرمةٌ بامتياز، وما أنا إلا حَطَّابٌ ينكسرُ فأسهُ كل مساءٍ فيصير عاريًا حتى من دفئهِ الذي ربَّاهُ داخل عظامِهِم ووحيدًا مثل ذكرى سَقَطَت من عربةٍ مسرعة… أما البهجةُ فتشبهُ رجلَ مرورٍ لا يقتفي إلا الطيور الشائهةَ

    لِيُحْكِمَ قبضتَهُ على الرسائلِ والدموع…

    ثمة مؤامرةٌ فعلاً والحقيقةُ لا أجراسَ هنا فافتحوا سِكَّةً للخطواتِ المصممةِ على بلوغِ نشوتها وشيلوها في الحقيبةِ…

    علَّها تنفعُ مخلصاً

    أو حتى تقتله…

     

  • مؤمن سمير – أَوْرَادُ الأسْوَد

    مؤمن سمير – أَوْرَادُ الأسْوَد

    ينفجرُ الحَسَدُ ككرةٍ مضغوطةٍ
    في ظِلِّي
    فأتفتتُ أنقاضاً
    يفتشها الشحاذُ في الصباحِ
    ثم يدوسها ويمضي.
    وكيفَ لا يطيرُ الحسَدُ في السماءِ
    وأنا الذي هرولتُ لأهربَ من
    الصراخِ
    كأيِّ فهدٍ كلاسيكيٍّ
    وأبصرتُ على بُعْدِ شخصيْنِ
    ومددتُ يدي
    وربَّتُّ على المقطوعةِ
    كي تسكنَ حضرةُ ذكرياتِها؟!
    ضَحِكتُ لمجذومٍ
    واقتربَ سمعي من وردةٍ
    ولَثَمها
    ولم يتسمم…
    … كلُّ هذهِ الخوارق
    فعلتُها في الطريقِ الواسعِ ،
    أمامهم ..
    وإزاءَ قلبهِم ذاتِهِ ..
    فخرَجَت السهامُ من العِظامِ
    وهَبَطَ الإناءُ من أعلى الغَيْمةِ
    وابتدأوا يدورونَ…
    وكلما خرجت رأسي من الصندوقِ ،
    يُقَلِّبونَ لأختنقَ
    أحُوِّمُ في جِلْدي
    وأصيرُ
    غراباً
    ………………….
    أنا الخائفُ الذي هناك
    أنا السارحُ فوقَ الخرائبِ ..
    يُبَدِّلُ الربُّ ريشي كلَّ
    ساعةٍ
    وتعيدني شهقةُ جرْذٍ…
    أنا الذي لا يحزن أبداً
    لكنهُ كلما دارت الريح من حولِهِ
    يرمي تنهيدةً
    ويهزُّ صورتهُ ببطءٍ
    ويقولُ
    علَّها تفوتُ
    عَلَّها تدوسُ على
    ظِلِّ شجرةٍ…
    ………

  • من أنا؟ – فرناندو بيسوا

    من أنا؟ – فرناندو بيسوا

    كُلُّ شيءٍ يفلتُ منّي. حياتي كُلها، ذكرياتي، مُخيّلتي بما تحتويه، شخصيّتي، الكُل يتبخّر، أحسّ باستمرار أنني كنتُ شخصًا آخر، وأنني أحسستُ وفكرت بأنّني آخر. وذلك الذي أعانيه هو مشهدٌ من سيناريو آخر. ذلك الذي أعاينهُ هو أنا بالذّات.

    أحيانًا أعثر في الفوضى الخاوية لأدراجي الأدبيّة، على أوراق كتبتها منذ عشر سنوات، منذ خمس عشرة سنة، وربما أكثر. والكثير من هذه الأوراق يبدو لي مُنتميًا إلى رجل غريب. إذ لا أتعرّف على نفسي فيها. لا بد أنّ أحدًا قد كتب هذه الأوراق. وهذا الكاتب هو أنا. أنا الذي عايشها بإحساسه، لكن ذلك حدث في حياة أخرى سبق أن استيقظتُ منها كما لو من حلم ينتمي إلى الغير.

    يحدث مراراً أن أعثر على أشياء كتبتها وأنا شابّ صغير، مقاطع تعود إلى سنّ الثامنة عشرة، مقاطع تعود إلى العشرين. وبعضها يمتلك قوّة تعبير لا أتذكر كيف كنت قادرًا على امتلاكها في تلك المرحلة من عمري. ثمّة مقاطع تخصّ أمورًا مكتوبة بُعيدَ مراهقتي، تبدو لي من ثمار شخصي الرّاهن الذي حَنَّكتهُ سنوات وتجارب وأحداث. أعرفُ أنني لستُ ذلك الذي كان. ومع إحساسي بأنني أعرف تطوّرًا كبيرًا بالمُقارنة مع كنته. أسأل أين يوجد هذا التّطور إن كنت حينئذٍ الشخص نفسه الذي أنا اليوم.

    ثمّة في هذا كلّه لغز محيّر يحبطني ويغمّني. منذ أيّام عانيتُ من إحساسٍ مرعب، بسبب نصّ مكتوب قصير لي يعود إلى الماضي. أتذكّر تمامًا وسواسي البارز فيه تجاه اللغة التي تعود إلى سنوات قليلة خَلَتْ. ثم في أحد الأدراج عثرتُ على نصٍّ مكتوب لي، يعود إلى تاريخ أقدم، يبدو فيه وسواسي ذلك مُبرزًا بقوة. لم أدرك في الماضي إدراكًا إيجابيًا، كيف أمكنني أن أتطوّر لأصبح ما كنت بالفعل حينئذٍ؟ كيف عرفت ما كنت أجهله بالأمس؟ والكلّ متداخل عندي داخل متاهة أنا التائه في ذاتي فيها.

    مفكّرًا أغرق في الهذيان، موقنًا بأنَّ ما أكتبه الآن قد كتبته بالفعل من قبل. أتذكر ذلك. وأسأل هذا الموجود المزهوّ فيّ أين يوجد إنْ لم يكن في أفلاطونيّة الأحاسيس ذاكرة أخرى، ذاكرة أخرى من حياةٍ سابقة تنتمي بالكاد إلى هذه الحياة…

    يا إلهي.. يا إلهي. مَن أكون؟ كم من ذواتٍ أنا؟ ما هو هذا الفاصل الموجود بيني وبيني؟

    ترجمة: المهدي أخريف

  • قصائد من الشعر الألماني المعاصر – ترجمة بكاي كطباش

    Robert Motherwell

    راينر كونتز

    مَكْتَبَه

    الحُروف الكَثِرَة
    العَاجزَة عنِ التخَلّص مِن كلِمَاتها

    الكَلِمَات الكَثيرَة
    العَاجزَة عنِ التخلّص من جُمَلِها

    الجُمَل الكثِيرة
    العَاجِزة عن التخَلّص مِن نُصُوصِهَا

    النّصُوص الكَثِيرة
    العاجِزة عنِ التخَلّص مِن كُتبِها

    الكُتب الكَثيرة
    التِي يُغطّيهَا الغُبَار

    الخَادِمَة النّشطَة
    بِمنفضَةِ الغُبار فِي يَدهَا

    __

    راينر مالكوفسكي

    وَسطَ بَيتِ شِعرِ

    وَسطَ بَيتِ شِعر
    بِشَأنِ لاَجدْوى العَلاَقَات البشَرِية
    رَنّ التّلِفون.
    هَلْ نَستطِيعُ المَجِيء ؟ يَسْأَلُنِي الأصْدِقاء
    نَعَم ، هَتَفْتُ بلَهْفٓة ، نَعَمْ !
    وظَلَّ الْبَيتُ مُمَدّداً عَلَى المَكْتَب
    حَيثُ بدأَ يَعْلوهُ الغُبَار

    __

    أندريا نوكا

    مِن فضْلِكُم
    لاَتُفَكّروا الآن
    فِي لَيْمونَة

    أوْ فِي مَذاقِ
    الشّوكُولاَطَة

    أيضاً لاَ تُفَكّروا
    فِي تُفَّاحةً حمْرَاء

    تَنْظرُونَ إلَيَهَا مِن الأسْفَل
    رُبَّمَا هَوَتْ عَلى وُجوهِكُم فَجَأة

    فَكّروا بالأَحرَى
    فِي قَصِيدَة

    لكِن مِن فضلِكُم
    لَيسَ فِي هذه
    القَصِيدَة

    __

    زيپ مال

    هُنَاكَ مِنْ حيثُ أتَيت
    الشّتاء ليَسَ فَصلا
    بَل حَالة

    الألسنة المتجمّدة
    في اللّعاب
    لا تَتَحرّر إِلا مرّة في السّنة

    كَيف
    أستَطِيع تَفسِير
    ما تَعنِيه لي كَلمَة
    مثْل رَبِيع

    الحيوانَات
    الّتي تدبّ عَلَى الأَرض
    وتَموت
    دونَما جَلَبة
    هي الأقرب إلينا

    والأشيَاء
    دونَمَا تأثّر
    داخل صَمتها
    تغنّي أغنيتَك

    __

    ميكائيل كريگر

    خطبة الرّجل البطيء

    التّاريخُ يضَاعِفُ سرعته
    قريبا سيدركنا
    ثمّ ، على عجل، يتخَطّانا
    عندئذ، سوف نرى العصر الجليدي
    من الخلف، الإغريق
    روما، الثّورة الفرنسية
    رقبة ستالين، سيارة هتلر
    وأضواءها الخلفية.
    من الغريب ألا يتملّكه التعب
    فيسقط.
    أحيانا يحدث أن يلتفت
    ليرينا وجهه:
    فم فاغر
    بأسنان منخورة

    __

    هانس ماغنوس إنتسنزبرغر

    كَاسَاندرَا* المِسكِينَة
    كَانَت الوَحِيدَةُ التِي اسْتَشعَرتِ الأمْر
    هِي وَحْدهَا : كلّ هَذا، كانَت تَقولَ، سَينْتهِي
    نِهَايَة سيّئة. بالطَّبعِ
    لَم يُصَدِّقهَا أحَد.
    حَدثَ هَذَا مُنْذ زَمَن بَعِيد. ولكِن مذَّاك
    والجَمِيعُ يَقُولُ ذَلك. تكْفِي نَظْرَة
    عَلَى سُوقِ البُورصَة، عَلَى اختنَاقَات المُرور
    وآخِرِ الآخْبَار. يَبقَى فَقَط
    ما الذِي يَعْنِيهِ ” كُلُ هَذَا”، وَمَتى ؟
    وَبالطَّبْع إلَى ذَلِكَ الحِين لَنْ يُصَدِّق
    أحَدٌ مَا يَقُولُه الجَمِيع.
    تَكْفِي نَظْرَة علَى السّيَارَات ذَات المَقعَدَين
    عَلَى حَدَائِقِ البِيرَة وإعْلاَنات الزّواج

    * كًانت أميرة طروادة كَاساندرا الوحيدة التي توقعت هزيمة مدينتها في حربها مع الإغريق. لكن لا أحد حمل تحذيراتها محمل
    الجد. ومنذ ذلك الوقت صار عبارة ” نداء كاساندرا ” تحيل على التحذيرات غير المجدية . توازيها

  • الفم الذي لم يقُل – هند الغريب.

    Rebecca Crowell

    منذ أكثر من عشرين سنة، وأنا أجمع كلمات لرجل يقول دائماً أقل مما يجب أن يقال، أفتش مثل جروٍ جائع عن كل كلمة يحتمل أنه قالها في مكانٍ ما على هذه الأرض، حتى أنني اضطررت لأن انتشل الكلمات التي لم يقلها في حضوري، بالأخص تلك التي خبأها عني وأودعها لدى آخرين، من أعين الآخرين سرقت، وتخيلت كثيراً ما يمكن أن يقوله لو أنه هنا أو هناك على بُعد آلاف الأميال، ولو أنه صار أنا وحياتي حيلته الوحيدة.

    كنت فتاة مطيعة جداً للفم الذي لم يقل، الفم الذي حلمت كل هذه السنوات أنه يقول، أنني لا بد قد فقدت أهم كلمة، ربما قالها قبل أن أولد فهو أكبر منا جميعاً، أو أنه حين قالها نهبتها الريح ونثرتها بعيداً عني، لا بد قد قال شيئًا هربوا به المساكين وأطعموا به صغارهم…

    الآن كل شيء يتلاشى، وخزينتي منه فارغة، تلك التي كنت سأصوب بها أعدائي، فالرجل الذي خرجت من فمه كنت كلمته الأخيرة والحقيقية، ورثت عنه الصمت والطاعة وأورثني عذاباً سرمدياً لم يكن لأحد قبلي، عذاب اللهاث خلف كلمة لن تقال ابداً.

  • الهضبة العالية – سارة تيسدايل

    الهضبة العالية – سارة تيسدايل

    سيف وانلي

    لابد أني تجاوزت القمة منذ

    فترة

    والآن أنا أنزل.

    غريب أني عبرت القمة من دون أن

    أنتبه،

    لكن العليق كان يلتصق باستمرار

    بحاشية ثوبي.

    طيلة الصباح فكرت كم ينبغي لي أن

    أفخر

    عندما سأقف هناك كمثل ملكة،

    تلفتب الريح والشمس، والعالم

    من تحتي

    لكن الجو كان غائمًا، ولم أر

    الكثير.

    كانت الدروب المطروقة شبه

    منبسطة

    وكان العليق يلتصق بثوبي.

    لا جدوى الآن من أن أفكر في

    الرجوع:

    بقية طريقي نزولٌ

    فحسب.

    ترجمة: جمانة حداد.

  • أسف في أذن السمكة – نينا كاسيان

    أسف في أذن السمكة – نينا كاسيان

    إنه لمؤسف، أنا حقا آسفة أنني لن أبلغ الساعة القصوى في ثوب من الروح الصافية.
    ضباب يلف حاضري و يغرقني في العدم،
    بلا عظمة
    اوه، أتمنى لو أستطيع النطق بحرف و بصوت عال يخرق أذن السمكة
    أن أفزع البومة البيضاء في نومتها
    أتمنى لو أستطيع أن أرسم في الهواء وصيتي الاخيرة بيدي اليمنى،
    و أغمض عينيّ طوعا على آخر نظرة حب.

    هناك ضباب. فأنا لا أستطيع أن أرى. و لا أن أتكلم.
    و قد أدار لي العالم ظهره.

    ***

    لا تترك الشمس ظلا،
    و لا أيّ أثر على جسدي الباهت.
    أظل باردة و جامدة
    مثل منحوتة ديكور في مكان عادي.

    شكرا للمايسترو،
    فعين العالم لازالت تتأملني
    كما تفعل أنت أيها الخيالي، و عاشقي الأثيري

    ***

    كتبت تعهداً
    على أن أدفع كل ديوني.
    حتى و إن لم يبق لي
    سوى طفولتي الميتة
    في نعشها الضيّق

    و بما أني لم أكن ديماغوجية
    في مراهقتي
    فقد وعدتُ الإنسانية
    بوجود متناغم،
    مثلما في تناغم عظيم أو توافق
    – لكني لم أستطع أن أفي بكلمتي
    فساسة هذه الأرض
    جميعهم طرشان …
    الآن، و أخيرا، أعد نفسي
    – طالما ما بقي لي من نسائج حياتي
    ينفك باستمرار –
    على أن أموت بامتياز، في سلام


    بابتسامة

    ——————

    ترجمة: الخضر شودار    

  • سیرة ذاتية-فوزي يمين

    سیرة ذاتية-فوزي يمين

    Michelangelo Buonarroti
    Michelangelo Buonarroti

    بعد أن ولدتُ
    علمتُ أنّ طبيب ولادتي الشرعيّ سحبَني بخفّة المهرّج
    فوصلتُ بسرعة كبرقيّة مستعجلة إلى جبهة القتال
    وعلمتُ أيضاً أنّي كنتُ موجوداً قبل أن آتي إلى هنا
    أو هكذا قيل لي ذات مرّة على الطريق حين كنتُ في السيّارة مع أهلي مزروعاً كنبتة في المقعد الخلفيّ
    قال أبي إنّي كنتُ شهوة في أمّي
    وقالت أمّي إنّي كنتُ شهوة في أبي
    كما لو أنّهما يتبادلان تهمة جميلة باليد
    لذلك عندما التقيتُ بالحياة
    وبعد أنْ قلتُ لها مرحبا فقالتْ مرحبا
    سألتُها: أين رأيتُكِ من قبل؟
    هكذا وجدتُ نفسي
    أنا الآدميّ
    كائناً من شهوة
    كلّ ليلة
    أسهر لأتوّج النّار ملكة على عرش عمري
    عمري القصير كنشوة
    كقَذْفٍ أثيريّ
    وكلّ صباح
    أقف لأرتعش في المرايا
    مُتمتِماً بفرح عظيم:
    تذكَّرْ يا إنسان أنّكَ من الرّغبة وإلى الرّغبة تعود.