أتوق إلى أن أصير عجوزًا
إلى أن أصير بليدة
وخرفة
بذوق
لا تثيره
إلا البهارات
القوية
وبعينين
لا تريان
سوى الأنقى
من الألوان
وبأذنين
تسمعان
من الأصوات
أعلاها.
أتوق
إلى نسيان
أحزان الحياة
كلها
إلى وهن
المشاعر
والتمسك
بما مات
وغاب
ولا يتذكره أحد
وليس في وسع أحد
ملامسته
أو تغييره
البتة.
أتوق إلى الهشاشة
والوجع في
كل العظام،
في مأمن
حتى الموت
من كل الرغبات.
في مأمن
من فورة الدماء
الساخنة اللعينة
ومن آلام
الشوق الشاحبة
في
فرجي المتعب.
كم طويلة
تبدو الحياة
في ليالي
الربيع المبكرة هذه،
المبللة بتلك
الرقة الشريرة،
كم طويلة تبدو
لمن هو وحيد.
آه دعوني
أصير عجوزًا بسرعة
فلا أرغب
شيًا
ولا يرغبني أحد
بعد الآن
سوى موتي.
لا أستطيع: الطبخ اعتمار قبعة مواساة الناس التزين بالحلى ترتيب الرهور تذكر المواعيد شكر المانحين على هداياهم أعطاء البخشيش اللازم التمسك برجل إدعاء الاهتمام في اجتماعات الأهل والمعلمين.
لا أستطيع الكفّ عن: التدخين شرب الكحول أكل الشكولاه سرقة المظلات نسان تذكر أعياد الميلاد وتنظيف أظافري قول ما يود الناس سماعه البوح بالأسرار حب أماكن غريبة وأشخاص مضطربين نفسيًا.
أستطيع البقاء وحيدة غسل الأطباق قراءة الكتب تركيب الجمل الإصغاء والشعور بالسعادة من دون الإحساس بالذنب.
من خلال تسريبات الضوء والظلّ، في القرية -أو النور، بالأحرى- حلَّ الصباح بالمدينة. يبدو أنه لم ينبع من الشمس، بل من المدينة. من الجدران ومن السطوح انبعث النور من الأعالي…
أحسّ، مع هذا الصباح، بأملٍ كبير غير أنني أعرف أنَّ الأمل مخلوقٌ أدبي. الصباح، الربيع، الأمل عناصر توجد متّحدة موسيقيًا للمقصد النغمي نفسه؛ متحدةً في الروح بفعل التذكر نفسه وللغاية ذاتها. لا: لو راقبت ذاتي، كما أراقب المدينة، لعلمتُ أفضل أنَّ ما ينبغي أن أتوقعه هو أن ينتهي هذا اليوم مثلما انتهت كلّ الأيام. العقل بدوره يرى الفجر. الأمل الذي علقته عليه، لم يكن يخصني ولو ظفرت به: كان من نصيب الرجال الذين يحيون اللحظة الماضية، والذين من خلالهم، جسَّدتُ، بدون إرادةٍ مني، الإدراك الخارجي لهذه اللحظة.
أن أتوقع؟ ماذا لي أن أتوقع؟ النهار لا يعدني بأكثر من النهار. وأنا أعلم أنه عابرٌ ومنتهٍ، النور ينشطني لكنه لا يجعلني أفضل. إذن سأمضي من هنا مثلما جئت هناك، أكثر شيخوخةً زمنيًا، مع إحساسٍ أكثر فرحًا، وتفكيرٍ أشدّ حزنًا. بإمكاننا أن نحس كثيرًا بما يولد مثلما بإمكاننا التفكير فيما سيموت. الآن، مع النور الشاسع والعالي، يبدو مشهد المدينة مثل مشهد حقلٍ مؤثثٍ ببيوتات، يبدو طبيعيًا، فسيحًا، مركبًا، لكن هل أستطيع حتى في رؤيتي لهذا كله، نسيان أنني موجود؟ أنَّ وعيي بالمدينة، من الداخل ليس سوى وعيي بي.
أتذكرني فجأةً عندما كنت طفلاً يرى -كما لا أستطيع أن أرى اليوم- الصباح ينشر أشعته في المدينة. حينئذٍ لم يكن ليُشيع ضوءه لأجلي، بل لأجل الحياة، لأنني حينئذٍ (ليس بفعل الوعي) كنت أرى الصباح فأحس بالبهجة؛ واليوم أرى الصباح، فأحسّ بالبهجة، ثم تعتريني الكآبة. لقد بقيت الطفل نفسه، لكنه الآن أبكم. أرى مثلما كان يرى، لكن من وراء العينين أراني رائيًا إلى الأشياء؛ وبذلك فقط تتعتم الشمس لديّ ويشيخ اخضرار الأشجار والأزهار تذبل قبل ظهورها. أجل، أنا من قبل كنت من هنا، واليوم، أصبحتُ، بالنسبة إلى أي مشهدٍ طبيعي، مهما كان جديدًا علي، غريبًا، يتيمًا، أجنبيًا عمّا أراه وأسمعه، عجوزًا بالنسبة إلي.
لقد رأيتُ كل شيء حتى ما لم أره قط وما لن أراه أبدًا. في دمي يجري أفضل المشاهد المستقبلية، بينما ضجرُ ما لا بدَّ لي من رؤيته من جديد هو بمثابة رتابةٍ مسبقة أضجر وأغمّ.
ومطلاً من مسند النافذة، مستمتعًا بالنهار، على المدينة بكاملها، ثمة تفكيرٌ واحد يملأ الروح: الرغبة الحميمة في الموت، في الانتهاء، في عدم رؤية مزيدٍ من النور فوق أي مدينة، في عدم الإحساس، في أن أترك ورائي مثل ورق التلفيف، مجرى الشمس والأيام، في أن أنتزع، مثل بدلةٍ ثقيلة، على حافة السرير الأكبر، المجهود اللاإرادي للكينونة.
… والحقيقةُ أنني عاطفيٌّ وأحمِلُ فوقَ ظِلِّي قلوبَ الفرسانِ الحارقةِ وفي عَيْني بهاءَ العهودِ المبللةِ بالرحيقِ، أتهكَّمُ على البطل الذي قَبَّلَ حبيبتهُ في العاصفةِ وعلى التي باحت بمقلتَيْها بالرعشةِ وأكرههم، أمامكم، بينما أنا في الداخل ضَاجٌّ بالزهورِ والصمتِ المنقوشِ بالهمساتِ والشتاءِ… وعندما تغادرون أقول لنفسي لأنكَ بلا ظلال أردتَ أن تنفلتَ روحكَ وتحطَّ عندهم وتعودَ لكَ متخمةً بالحكاياتِ… ثم لا أنسى اكتشافَ أنهم مغفلونَ كباراً، صدقوا لعبة “الأبد” وكأنهُ في الجيوبِ وليسَ عجوزًا مخرفاً
يقيمُ وراء السورِ العالي…
… والحقيقةُ أن السماءَ مُدانةٌ والشجرَ متهمٌ واللمسةَ مجرمةٌ بامتياز، وما أنا إلا حَطَّابٌ ينكسرُ فأسهُ كل مساءٍ فيصير عاريًا حتى من دفئهِ الذي ربَّاهُ داخل عظامِهِم ووحيدًا مثل ذكرى سَقَطَت من عربةٍ مسرعة… أما البهجةُ فتشبهُ رجلَ مرورٍ لا يقتفي إلا الطيور الشائهةَ
لِيُحْكِمَ قبضتَهُ على الرسائلِ والدموع…
ثمة مؤامرةٌ فعلاً والحقيقةُ لا أجراسَ هنا فافتحوا سِكَّةً للخطواتِ المصممةِ على بلوغِ نشوتها وشيلوها في الحقيبةِ…
ينفجرُ الحَسَدُ ككرةٍ مضغوطةٍ
في ظِلِّي
فأتفتتُ أنقاضاً
يفتشها الشحاذُ في الصباحِ
ثم يدوسها ويمضي.
وكيفَ لا يطيرُ الحسَدُ في السماءِ
وأنا الذي هرولتُ لأهربَ من
الصراخِ
كأيِّ فهدٍ كلاسيكيٍّ
وأبصرتُ على بُعْدِ شخصيْنِ
ومددتُ يدي
وربَّتُّ على المقطوعةِ
كي تسكنَ حضرةُ ذكرياتِها؟!
ضَحِكتُ لمجذومٍ
واقتربَ سمعي من وردةٍ
ولَثَمها
ولم يتسمم…
… كلُّ هذهِ الخوارق
فعلتُها في الطريقِ الواسعِ ،
أمامهم ..
وإزاءَ قلبهِم ذاتِهِ ..
فخرَجَت السهامُ من العِظامِ
وهَبَطَ الإناءُ من أعلى الغَيْمةِ
وابتدأوا يدورونَ…
وكلما خرجت رأسي من الصندوقِ ،
يُقَلِّبونَ لأختنقَ
أحُوِّمُ في جِلْدي
وأصيرُ
غراباً
………………….
أنا الخائفُ الذي هناك
أنا السارحُ فوقَ الخرائبِ ..
يُبَدِّلُ الربُّ ريشي كلَّ
ساعةٍ
وتعيدني شهقةُ جرْذٍ…
أنا الذي لا يحزن أبداً
لكنهُ كلما دارت الريح من حولِهِ
يرمي تنهيدةً
ويهزُّ صورتهُ ببطءٍ
ويقولُ
علَّها تفوتُ
عَلَّها تدوسُ على
ظِلِّ شجرةٍ…
………
كُلُّ شيءٍ يفلتُ منّي. حياتي كُلها، ذكرياتي، مُخيّلتي بما تحتويه، شخصيّتي، الكُل يتبخّر، أحسّ باستمرار أنني كنتُ شخصًا آخر، وأنني أحسستُ وفكرت بأنّني آخر. وذلك الذي أعانيه هو مشهدٌ من سيناريو آخر. ذلك الذي أعاينهُ هو أنا بالذّات.
أحيانًا أعثر في الفوضى الخاوية لأدراجي الأدبيّة، على أوراق كتبتها منذ عشر سنوات، منذ خمس عشرة سنة، وربما أكثر. والكثير من هذه الأوراق يبدو لي مُنتميًا إلى رجل غريب. إذ لا أتعرّف على نفسي فيها. لا بد أنّ أحدًا قد كتب هذه الأوراق. وهذا الكاتب هو أنا. أنا الذي عايشها بإحساسه، لكن ذلك حدث في حياة أخرى سبق أن استيقظتُ منها كما لو من حلم ينتمي إلى الغير.
يحدث مراراً أن أعثر على أشياء كتبتها وأنا شابّ صغير، مقاطع تعود إلى سنّ الثامنة عشرة، مقاطع تعود إلى العشرين. وبعضها يمتلك قوّة تعبير لا أتذكر كيف كنت قادرًا على امتلاكها في تلك المرحلة من عمري. ثمّة مقاطع تخصّ أمورًا مكتوبة بُعيدَ مراهقتي، تبدو لي من ثمار شخصي الرّاهن الذي حَنَّكتهُ سنوات وتجارب وأحداث. أعرفُ أنني لستُ ذلك الذي كان. ومع إحساسي بأنني أعرف تطوّرًا كبيرًا بالمُقارنة مع كنته. أسأل أين يوجد هذا التّطور إن كنت حينئذٍ الشخص نفسه الذي أنا اليوم.
ثمّة في هذا كلّه لغز محيّر يحبطني ويغمّني. منذ أيّام عانيتُ من إحساسٍ مرعب، بسبب نصّ مكتوب قصير لي يعود إلى الماضي. أتذكّر تمامًا وسواسي البارز فيه تجاه اللغة التي تعود إلى سنوات قليلة خَلَتْ. ثم في أحد الأدراج عثرتُ على نصٍّ مكتوب لي، يعود إلى تاريخ أقدم، يبدو فيه وسواسي ذلك مُبرزًا بقوة. لم أدرك في الماضي إدراكًا إيجابيًا، كيف أمكنني أن أتطوّر لأصبح ما كنت بالفعل حينئذٍ؟ كيف عرفت ما كنت أجهله بالأمس؟ والكلّ متداخل عندي داخل متاهة أنا التائه في ذاتي فيها.
مفكّرًا أغرق في الهذيان، موقنًا بأنَّ ما أكتبه الآن قد كتبته بالفعل من قبل. أتذكر ذلك. وأسأل هذا الموجود المزهوّ فيّ أين يوجد إنْ لم يكن في أفلاطونيّة الأحاسيس ذاكرة أخرى، ذاكرة أخرى من حياةٍ سابقة تنتمي بالكاد إلى هذه الحياة…
يا إلهي.. يا إلهي. مَن أكون؟ كم من ذواتٍ أنا؟ ما هو هذا الفاصل الموجود بيني وبيني؟
التّاريخُ يضَاعِفُ سرعته
قريبا سيدركنا
ثمّ ، على عجل، يتخَطّانا
عندئذ، سوف نرى العصر الجليدي
من الخلف، الإغريق
روما، الثّورة الفرنسية
رقبة ستالين، سيارة هتلر
وأضواءها الخلفية.
من الغريب ألا يتملّكه التعب
فيسقط.
أحيانا يحدث أن يلتفت
ليرينا وجهه:
فم فاغر
بأسنان منخورة
* كًانت أميرة طروادة كَاساندرا الوحيدة التي توقعت هزيمة مدينتها في حربها مع الإغريق. لكن لا أحد حمل تحذيراتها محمل
الجد. ومنذ ذلك الوقت صار عبارة ” نداء كاساندرا ” تحيل على التحذيرات غير المجدية . توازيها
منذ أكثر من عشرين سنة، وأنا أجمع كلمات لرجل يقول دائماً أقل مما يجب أن يقال، أفتش مثل جروٍ جائع عن كل كلمة يحتمل أنه قالها في مكانٍ ما على هذه الأرض، حتى أنني اضطررت لأن انتشل الكلمات التي لم يقلها في حضوري، بالأخص تلك التي خبأها عني وأودعها لدى آخرين، من أعين الآخرين سرقت، وتخيلت كثيراً ما يمكن أن يقوله لو أنه هنا أو هناك على بُعد آلاف الأميال، ولو أنه صار أنا وحياتي حيلته الوحيدة.
كنت فتاة مطيعة جداً للفم الذي لم يقل، الفم الذي حلمت كل هذه السنوات أنه يقول، أنني لا بد قد فقدت أهم كلمة، ربما قالها قبل أن أولد فهو أكبر منا جميعاً، أو أنه حين قالها نهبتها الريح ونثرتها بعيداً عني، لا بد قد قال شيئًا هربوا به المساكين وأطعموا به صغارهم…
الآن كل شيء يتلاشى، وخزينتي منه فارغة، تلك التي كنت سأصوب بها أعدائي، فالرجل الذي خرجت من فمه كنت كلمته الأخيرة والحقيقية، ورثت عنه الصمت والطاعة وأورثني عذاباً سرمدياً لم يكن لأحد قبلي، عذاب اللهاث خلف كلمة لن تقال ابداً.
إنه لمؤسف، أنا حقا آسفة أنني لن أبلغ الساعة القصوى في ثوب من الروح الصافية. ضباب يلف حاضري و يغرقني في العدم، بلا عظمة اوه، أتمنى لو أستطيع النطق بحرف و بصوت عال يخرق أذن السمكة أن أفزع البومة البيضاء في نومتها أتمنى لو أستطيع أن أرسم في الهواء وصيتي الاخيرة بيدي اليمنى، و أغمض عينيّ طوعا على آخر نظرة حب.
هناك ضباب. فأنا لا أستطيع أن أرى. و لا أن أتكلم. و قد أدار لي العالم ظهره.
***
لا تترك الشمس ظلا، و لا أيّ أثر على جسدي الباهت. أظل باردة و جامدة مثل منحوتة ديكور في مكان عادي.
شكرا للمايسترو، فعين العالم لازالت تتأملني كما تفعل أنت أيها الخيالي، و عاشقي الأثيري
***
كتبت تعهداً على أن أدفع كل ديوني. حتى و إن لم يبق لي سوى طفولتي الميتة في نعشها الضيّق
و بما أني لم أكن ديماغوجية في مراهقتي فقد وعدتُ الإنسانية بوجود متناغم، مثلما في تناغم عظيم أو توافق – لكني لم أستطع أن أفي بكلمتي فساسة هذه الأرض جميعهم طرشان … الآن، و أخيرا، أعد نفسي – طالما ما بقي لي من نسائج حياتي ينفك باستمرار – على أن أموت بامتياز، في سلام
بعد أن ولدتُ
علمتُ أنّ طبيب ولادتي الشرعيّ سحبَني بخفّة المهرّج
فوصلتُ بسرعة كبرقيّة مستعجلة إلى جبهة القتال
وعلمتُ أيضاً أنّي كنتُ موجوداً قبل أن آتي إلى هنا
أو هكذا قيل لي ذات مرّة على الطريق حين كنتُ في السيّارة مع أهلي مزروعاً كنبتة في المقعد الخلفيّ
قال أبي إنّي كنتُ شهوة في أمّي
وقالت أمّي إنّي كنتُ شهوة في أبي
كما لو أنّهما يتبادلان تهمة جميلة باليد
لذلك عندما التقيتُ بالحياة
وبعد أنْ قلتُ لها مرحبا فقالتْ مرحبا
سألتُها: أين رأيتُكِ من قبل؟
هكذا وجدتُ نفسي
أنا الآدميّ
كائناً من شهوة
كلّ ليلة
أسهر لأتوّج النّار ملكة على عرش عمري
عمري القصير كنشوة
كقَذْفٍ أثيريّ
وكلّ صباح
أقف لأرتعش في المرايا
مُتمتِماً بفرح عظيم:
تذكَّرْ يا إنسان أنّكَ من الرّغبة وإلى الرّغبة تعود.
-1-
أدخلُ في عزلتي
في يدي خمسون وردة وقبلة
القمر فوق الأرض
وجلسة في خيمةِ
الخشب .
النّور يخبو / الشاطئ المغناج
يتدلّى كالسّكران على أعتاب
سفينته ./
أدخلُ في عزلتي
في يدي نايٌ كأنّه قصب
لستُ أدري
أنفخُ في النّاي ؟!
أدركُ أنّ العالم موسيقى /.
-2-
الشمسُ تستيقظ وتتبّرج
لونها البرتقالي مثيرْ
تتحرّك ببطء شديدْ
في جوفِ سماءٍ ملبّدة ./
يظهرُ الغراب / يمشي فوق شعري
وصدري
أتحسَّسُ نافذتي
أعلمُ أنّ الموتَ قريب .
أطفئ الضوء
أتعرّى أمام المرآة
متأسّف لا أبصرُ شيئاً . /
…
……..
….
-3-
يقولُ لي صاحبي:
الوجهُ مرآة الأشياء
كمدينة تشعرنا بالأمان /
أغطّي وجهي بالمنديل
البحرُ هائمٌ في ثريّاته
عالقٌ في ورطة / ينتزعٌ ُ أسماكهُ
سمكةً سمكة
البحر قنديل أزرقْ
….
يقولُ لي صاحبي :
كلُّ شيء كان خمراً في الأصل /
حتّى ذلكَ الرّجل / الماردُ
كانَ خمراً ، أو جرذَ حديقة
أو أيّ شيء ينبىء بمصيبة ما
على قارعة القلب جلسَ صاحبي
استراح من عناء السّفر /
أرخى أكمامهُ البيضاء فوق ظهري
وراحَ يتلو عليّ شيئاً من أشعار العيدْ .
-4-
القلبُ الذي يعيش على
بقايا حب
لن يحتفلَ قبل مرورِ خمسينَ عاماً .
-5-
الوردة التي أسرقها كلّ صباح
من وجنتيكِ
بخيلة / …
مثل فاسق في معبد آمون .
-6-
أيها الأحمق
طموحاتك التي ترسمها
بيدك
لن يأتيك بها بابا نويل
أرجوك !
إبحث عنها في سلال القمامة
أو في غلال الفلاحين .
-7-
أتخيلني
أستاذا لمادة الألم
في طوكيو .
-8-
كيتيم
إمسحي على رأسي
كصلاة لا تصل إلى الله .
-9-
القبلة التي تخفينها فوق عنقك
الخراف التي تقدمينها على مذبحي
تظهرك أكثر سخافة .
-10-
ملاحظة: لا تقلقي
ستبقين عذراء
لمدة وجيزة
مدى الحياة
فقط .
-11-
علامات الإستفهام التي أزرعها في النص
تجعله أكثر تماسكا .
-12-
طعنة في أسفل الخاصرة
لا تكفي
كي تزيل عني كل هذه الأوساخ .
ما أغربَ أن تكونَ حيّاً، أن تُحسَّ ذاتك محاطاً بكائناتٍ أخرى غريبةٍ أيضاً وبأشياءَ خامدةٍ تشدُّكَ إلى صمتها فقط. ما أغرب أن تسمعَ الأصواتَ الأكثرَ خفاءً، أن يتحولَ اللا مرئيُّ مرئياً، أن تلمسَ المنفلتَ أبدًا يباغتك أن يكون هذا الذي يلفُّكَ في الحقيقة واقعاً، وأن تكون أنتَ ذاتك، كذلك. فحياتُك لربما تدعمُهَا هذه الغرابة.
أنا لست أنا . أنا هذا الواحد السائر بجنبي الذي لا أراه ، الذي أحياناً أستطيع أن أزوره ، وأحياناً أنساه ؛ الواحد الذي يبقى صامتاً بينما أتكلم ، الواحد الذي يسامح بلطف عندما أكره ، الواحد الذي يتمشّى عندما أكون في البيت ، الواحد الذي يبقى واقفاً على قدميه حين أموت .
2- الشارع ينتظر الليل
الشارع ينتظر الليل. كلّ شيء تأريخ وسكون . الأشجار المحاذية للرصيف نائمة مقابل السماء.
والسّماء الحزينة بنفسجيّة. سماء نيسان، سماء جميلة بنفسجيّة باستهلال رقيق من ضياء النجوم .
الآن المصابيح مضيئة عند النوافذ المُحروسة بالقضبان . يعوي كلب على باب موصَدة. قطة سوداء تدور في السّماء الملساء … آه! ذاك المصباح الأصفـر، طمأنينـة الأطفـال العُميان ، حنين الأرامل، سيماء الموتى !
والقصص التي رَويْـنـا في أماسيّ نيسان التي لم تعدْ أبداً ، عندما حدّقـنـا في السّماء .
لديّ إحساس بأنّ قاربي اصطدم ، أسفلَ هناك في الأعماق ، بشيء عظيم . ولم يحدثْ أيُّ شيء … سكون…أمواج…
لم يحدث أيُّ شيء ؟ أمْ أنَّ كلَّ شيء حدث ، وهل نحن متَّخذون مواقعنا الآن ، بهدوء ، في الحياة الجديدة؟
4- من يدري ما الذي يجري
من يدري ما الذي يجري على الجانب الآخر من كلّ ساعة ؟ كم مرّةٍ كان شروق الشمس هناك ، خلف جبل! كم مـرّةٍ كان الغيم المدهش المتراكم بعيداً عالياً ، جسماً ذهبياً ممتلئاً رعـداً ! هذه الوردة كانت سمّاً . ذاك السيف أعطى حيـاةً . كنتُ مفـكِّـراً في مَـرجٍ مُـزهِـرٍ في نهاية الطريق ، ووجدتُ نفسي في الوحـل . كنتُ أفكِّـر في عظمة ما كان بشراً ، ووجدت نفسي في عالم الكهنـوت.
كنت أودّ أن أخرج إلى شوارع أوروك مثل أي بشريّ صياد ليبكي طرائد الزَّمان والمكان. أو أن أعيش في غفلةٍ من ذاتي فأقول للحزن: لا أراكَ حتَّى لو جئتَ ممتطياً ظهرَ بغلٍ وعلى جنبيك أسنَّة وحراباً وكلَّ ما ينفع لإهراق الدَّم والحب. ثم أحبُّ أن أفصفص قليلاً من البزر على تخوم تدمر. متسلِّياً بعجاج المعركة التي أثارها أورليانو الأحمق بلا مبرِّر.. أو أن أخرج من أحد شوارع دمشق ضاحكاً كدومريّ وجد سعادة غامرةً في آخر الليل: كلُّ الأزقّة لي ولي كل الفناءات الخلفية.
ما الذي يعنيه إن أنا اقتحمتُ قلاع المستحيل ثم سكبَ عليَّ جنودٌ مقدَّسون زيتاً حارقاً وقطَّعوا أوصالي لأكون عبرة ومدعاةً لفخرهم في ليالٍ ماجنةٍ يسكرون فيها ويقولون: كان فارساً ويصلح لامتطاء الريح. ما الذي يعنيه إن خلعت نعليَّ ومشيت في «ماكوندو»- مدينة ماركيز الاستثنائية- ثمَّ نسيت اسمي مثل سكانها، ثم علَّقوا لي ورقة في عنقي ليعرفونني: أنت لا أحد.. لكنتُ عدتُ بعدها إلى حلب وأسرْتُ نفسي إلى جوار أبي فراس الحمداني وبكينا الحريَّة والثُّغور معاً. لكنني وجدتُ نفسي ابن بريَّة ومفازات قفراء.. ومع ذلك، لم أقتل غزالاً ولم أجرحْ عصفوراً، وبالكاد آكل إذا اجتمعنا على مائدة الله..
إلهي: ألم يكن هذا اللّحم يسير على سيقان في براري الجحيم، ألم يكن لهذي الطّيور أعشاشٌ تأوي إليها، فكيف أنهش دمها بأسناني وكيف أمدُّ يدي إلى صحنٍ فيه ذبيحةٌ كانت تضجُّ بالحريَّة والهواء الطَّلق؟!.
أنا إذا جئتُ من بعيد فلأنني لستُ قريباً، أجول مدن الحلم فكل «مدن الملح لي» ولكني أفضِّل ضفاف بحيرة طبرية- التي لم ألمحها قط- حين خرجت منها عرائس بأثواب مزركشةٍ. غير أنني متوافر حالياً في كل ضواحي الأرض وعشوائياتها. وبالأصل، لا أجيد الحياة خارج نطاق هذا التوصيف!
ما الذي تحتاج إليه حكاية لتكتمل عن مدينة لم توجد بعد؟ وما الذي يحتاجه قلب ليستمرَّ في الخفقان؟ وما الذي يلزم كاتدرائيَّة، لتصدح أجراسها كلَّ يوم بلا آحاد. ومن بعد، إذا غنَّى المغنِّي وكنا ثملين لدرجة لا نفهم فيها، ثم جاءت سيدات فاضلات ورقصنَ على تخومِ أحلامنا، فما الذي نقوله لهنَّ بعد أن نصفِّق ككلِّ الأغبياء. ليس هناك سوى الصَّمت الذي نبذخه على عتبات أرواحنا التي تجمَّدت من صقيع الآخرين. فهل يقول لي أحد كيف نبني مدينة هدَّتها زلازل وجيوش؟..
في بغداد، أنازل هارون الرشيد، أو يقاسمني سماع الغناء والتمتُّع بالجواري- قسمة على الطريقة الاشتراكية-.. وفي القاهرة، أمدُّ يدي سداً آخر على النيل، فيما أدخِّن سيجارة بيدي الأخرى.. وأيضاً تجدونني في مراكش، وفي صحراء الأمازيغ… أريد مدينة أدخل فيها كلَّ بيت وكأني ألبس قبعة الاختفاء.
المدن والصّحارى والبلدان والمِلل والأعراق، تتداعى أمام مخيلة عاجزة لا ترى إلا أمواج البحر الأبيض المتوسط. لذلك أخفي نفسي كقزم في جيب السندباد، علّه ينقلني إليك لأهمس:
نقوم بإحصاء الزيارات واستقراء البيانات العامة، وقد يفعلُ شركاؤنا أيضًا وبعضُ الأدوات التي نستعين بها.
الموافقة اختيارية لكننا نحب لو توافقون، وبيننا وحي الأدب، وهذه سياسة الخصوصية (تُفتح في لسانٍ جديد).