-1-
أدخلُ في عزلتي
في يدي خمسون وردة وقبلة
القمر فوق الأرض
وجلسة في خيمةِ
الخشب .
النّور يخبو / الشاطئ المغناج
يتدلّى كالسّكران على أعتاب
سفينته ./
أدخلُ في عزلتي
في يدي نايٌ كأنّه قصب
لستُ أدري
أنفخُ في النّاي ؟!
أدركُ أنّ العالم موسيقى /.
-2-
الشمسُ تستيقظ وتتبّرج
لونها البرتقالي مثيرْ
تتحرّك ببطء شديدْ
في جوفِ سماءٍ ملبّدة ./
يظهرُ الغراب / يمشي فوق شعري
وصدري
أتحسَّسُ نافذتي
أعلمُ أنّ الموتَ قريب .
أطفئ الضوء
أتعرّى أمام المرآة
متأسّف لا أبصرُ شيئاً . /
…
……..
….
-3-
يقولُ لي صاحبي:
الوجهُ مرآة الأشياء
كمدينة تشعرنا بالأمان /
أغطّي وجهي بالمنديل
البحرُ هائمٌ في ثريّاته
عالقٌ في ورطة / ينتزعٌ ُ أسماكهُ
سمكةً سمكة
البحر قنديل أزرقْ
….
يقولُ لي صاحبي :
كلُّ شيء كان خمراً في الأصل /
حتّى ذلكَ الرّجل / الماردُ
كانَ خمراً ، أو جرذَ حديقة
أو أيّ شيء ينبىء بمصيبة ما
على قارعة القلب جلسَ صاحبي
استراح من عناء السّفر /
أرخى أكمامهُ البيضاء فوق ظهري
وراحَ يتلو عليّ شيئاً من أشعار العيدْ .
-4-
القلبُ الذي يعيش على
بقايا حب
لن يحتفلَ قبل مرورِ خمسينَ عاماً .
-5-
الوردة التي أسرقها كلّ صباح
من وجنتيكِ
بخيلة / …
مثل فاسق في معبد آمون .
-6-
أيها الأحمق
طموحاتك التي ترسمها
بيدك
لن يأتيك بها بابا نويل
أرجوك !
إبحث عنها في سلال القمامة
أو في غلال الفلاحين .
-7-
أتخيلني
أستاذا لمادة الألم
في طوكيو .
-8-
كيتيم
إمسحي على رأسي
كصلاة لا تصل إلى الله .
-9-
القبلة التي تخفينها فوق عنقك
الخراف التي تقدمينها على مذبحي
تظهرك أكثر سخافة .
-10-
ملاحظة: لا تقلقي
ستبقين عذراء
لمدة وجيزة
مدى الحياة
فقط .
-11-
علامات الإستفهام التي أزرعها في النص
تجعله أكثر تماسكا .
-12-
طعنة في أسفل الخاصرة
لا تكفي
كي تزيل عني كل هذه الأوساخ .
ما أغربَ أن تكونَ حيّاً، أن تُحسَّ ذاتك محاطاً بكائناتٍ أخرى غريبةٍ أيضاً وبأشياءَ خامدةٍ تشدُّكَ إلى صمتها فقط. ما أغرب أن تسمعَ الأصواتَ الأكثرَ خفاءً، أن يتحولَ اللا مرئيُّ مرئياً، أن تلمسَ المنفلتَ أبدًا يباغتك أن يكون هذا الذي يلفُّكَ في الحقيقة واقعاً، وأن تكون أنتَ ذاتك، كذلك. فحياتُك لربما تدعمُهَا هذه الغرابة.
أنا لست أنا . أنا هذا الواحد السائر بجنبي الذي لا أراه ، الذي أحياناً أستطيع أن أزوره ، وأحياناً أنساه ؛ الواحد الذي يبقى صامتاً بينما أتكلم ، الواحد الذي يسامح بلطف عندما أكره ، الواحد الذي يتمشّى عندما أكون في البيت ، الواحد الذي يبقى واقفاً على قدميه حين أموت .
2- الشارع ينتظر الليل
الشارع ينتظر الليل. كلّ شيء تأريخ وسكون . الأشجار المحاذية للرصيف نائمة مقابل السماء.
والسّماء الحزينة بنفسجيّة. سماء نيسان، سماء جميلة بنفسجيّة باستهلال رقيق من ضياء النجوم .
الآن المصابيح مضيئة عند النوافذ المُحروسة بالقضبان . يعوي كلب على باب موصَدة. قطة سوداء تدور في السّماء الملساء … آه! ذاك المصباح الأصفـر، طمأنينـة الأطفـال العُميان ، حنين الأرامل، سيماء الموتى !
والقصص التي رَويْـنـا في أماسيّ نيسان التي لم تعدْ أبداً ، عندما حدّقـنـا في السّماء .
لديّ إحساس بأنّ قاربي اصطدم ، أسفلَ هناك في الأعماق ، بشيء عظيم . ولم يحدثْ أيُّ شيء … سكون…أمواج…
لم يحدث أيُّ شيء ؟ أمْ أنَّ كلَّ شيء حدث ، وهل نحن متَّخذون مواقعنا الآن ، بهدوء ، في الحياة الجديدة؟
4- من يدري ما الذي يجري
من يدري ما الذي يجري على الجانب الآخر من كلّ ساعة ؟ كم مرّةٍ كان شروق الشمس هناك ، خلف جبل! كم مـرّةٍ كان الغيم المدهش المتراكم بعيداً عالياً ، جسماً ذهبياً ممتلئاً رعـداً ! هذه الوردة كانت سمّاً . ذاك السيف أعطى حيـاةً . كنتُ مفـكِّـراً في مَـرجٍ مُـزهِـرٍ في نهاية الطريق ، ووجدتُ نفسي في الوحـل . كنتُ أفكِّـر في عظمة ما كان بشراً ، ووجدت نفسي في عالم الكهنـوت.
كنت أودّ أن أخرج إلى شوارع أوروك مثل أي بشريّ صياد ليبكي طرائد الزَّمان والمكان. أو أن أعيش في غفلةٍ من ذاتي فأقول للحزن: لا أراكَ حتَّى لو جئتَ ممتطياً ظهرَ بغلٍ وعلى جنبيك أسنَّة وحراباً وكلَّ ما ينفع لإهراق الدَّم والحب. ثم أحبُّ أن أفصفص قليلاً من البزر على تخوم تدمر. متسلِّياً بعجاج المعركة التي أثارها أورليانو الأحمق بلا مبرِّر.. أو أن أخرج من أحد شوارع دمشق ضاحكاً كدومريّ وجد سعادة غامرةً في آخر الليل: كلُّ الأزقّة لي ولي كل الفناءات الخلفية.
ما الذي يعنيه إن أنا اقتحمتُ قلاع المستحيل ثم سكبَ عليَّ جنودٌ مقدَّسون زيتاً حارقاً وقطَّعوا أوصالي لأكون عبرة ومدعاةً لفخرهم في ليالٍ ماجنةٍ يسكرون فيها ويقولون: كان فارساً ويصلح لامتطاء الريح. ما الذي يعنيه إن خلعت نعليَّ ومشيت في «ماكوندو»- مدينة ماركيز الاستثنائية- ثمَّ نسيت اسمي مثل سكانها، ثم علَّقوا لي ورقة في عنقي ليعرفونني: أنت لا أحد.. لكنتُ عدتُ بعدها إلى حلب وأسرْتُ نفسي إلى جوار أبي فراس الحمداني وبكينا الحريَّة والثُّغور معاً. لكنني وجدتُ نفسي ابن بريَّة ومفازات قفراء.. ومع ذلك، لم أقتل غزالاً ولم أجرحْ عصفوراً، وبالكاد آكل إذا اجتمعنا على مائدة الله..
إلهي: ألم يكن هذا اللّحم يسير على سيقان في براري الجحيم، ألم يكن لهذي الطّيور أعشاشٌ تأوي إليها، فكيف أنهش دمها بأسناني وكيف أمدُّ يدي إلى صحنٍ فيه ذبيحةٌ كانت تضجُّ بالحريَّة والهواء الطَّلق؟!.
أنا إذا جئتُ من بعيد فلأنني لستُ قريباً، أجول مدن الحلم فكل «مدن الملح لي» ولكني أفضِّل ضفاف بحيرة طبرية- التي لم ألمحها قط- حين خرجت منها عرائس بأثواب مزركشةٍ. غير أنني متوافر حالياً في كل ضواحي الأرض وعشوائياتها. وبالأصل، لا أجيد الحياة خارج نطاق هذا التوصيف!
ما الذي تحتاج إليه حكاية لتكتمل عن مدينة لم توجد بعد؟ وما الذي يحتاجه قلب ليستمرَّ في الخفقان؟ وما الذي يلزم كاتدرائيَّة، لتصدح أجراسها كلَّ يوم بلا آحاد. ومن بعد، إذا غنَّى المغنِّي وكنا ثملين لدرجة لا نفهم فيها، ثم جاءت سيدات فاضلات ورقصنَ على تخومِ أحلامنا، فما الذي نقوله لهنَّ بعد أن نصفِّق ككلِّ الأغبياء. ليس هناك سوى الصَّمت الذي نبذخه على عتبات أرواحنا التي تجمَّدت من صقيع الآخرين. فهل يقول لي أحد كيف نبني مدينة هدَّتها زلازل وجيوش؟..
في بغداد، أنازل هارون الرشيد، أو يقاسمني سماع الغناء والتمتُّع بالجواري- قسمة على الطريقة الاشتراكية-.. وفي القاهرة، أمدُّ يدي سداً آخر على النيل، فيما أدخِّن سيجارة بيدي الأخرى.. وأيضاً تجدونني في مراكش، وفي صحراء الأمازيغ… أريد مدينة أدخل فيها كلَّ بيت وكأني ألبس قبعة الاختفاء.
المدن والصّحارى والبلدان والمِلل والأعراق، تتداعى أمام مخيلة عاجزة لا ترى إلا أمواج البحر الأبيض المتوسط. لذلك أخفي نفسي كقزم في جيب السندباد، علّه ينقلني إليك لأهمس:
يعد فردريش هولدرلين* (1770 1843 -*) *من بين أشهر شعراء ألمانيا.
آمن *هذا الشاعر الكلاسيكي *بالسعي إلى المثل العليا *التي تتجلى ـ حسب رأيه ـ *في تحقيق الانسجام المنشود بين “الإله” (Gott) و”الإنسان” (Mensch) و”الطبيعة” (Natur) على أرض اليونان القديمة.
اشتغل هولدرلين في منزل المصرفي ياكوب غونتارد (Jakob Gontard) *معلماً لأولاده في فرانكفورت ، حيث وقع في حب زوجة المصرفي زوزيت (Susette) *والتي ظهرت في ما بعد في البعض من أعماله الأدبية تحت الاسم اليوناني: ديوتيما (Diotima) , لكن سرعان ما اضطر هولدرلين إلى مغادرة المنزل بعد افتضاح علاقتهما, لكن رغم ذلك *استمرت بينهما رسائل كثيرة.
في سنة 1802 أصيب هولدرلين بانهيار عصبي قاده فيما بعد إلى الجنون بعد تلقيه خبر وفاة زوزيت. *عاش *هولدرلين إلى حين وفاته سنة 1843 في توبينغن حيث تكفل برعايته نجار بسيط *وخصص له مسكناً على نهر النيكار أُطلِقَ عليه: “برج هولدرلين”
لماذا الغبار يملأ الكون ؟! أين رحل الصبح ؟! إلى أين يغادر والعطن يفترش الأطباق؟!
الصبح الذي كان ينضخ الماء في فم الناعورة فتصدح فوق أجنحة اليمام قبل أن تتكيء بظمأ فوق صدغها دفنوا صمتها في صدر الصفيح الصديء قبل أن يُقلِع منطادُ من الأتربة فيكسو النوافذ مزقوا أثداء الخبز كانوا يحتفون فوق قمائن العطن
حينها تطايرت أعناق السنابل تحت هتامة المنجل الكبير أين كان حينئذ؟! أين ذهب الشقيّ ؟!
كل هذا اللهو في فسحات الديار وثمة من يلوح من الجهة المقابلة يُسقط الشمس تحتَ عباءتِه ويمضي كعادته تاركا رفقة الشقاء وفيًّا كان يمضي كأنه الصباح!
في الثامن من شهر أكتوبر عام 1993 في جزيرة واهيكي في نيوزيلندا، أنهى شاعرٌ موهوبٌ حياةَ زوجتِه بوحشية مستخدماً فأساً، ثم أنهى حياته بالانتحار شنقاً.
كان “قو تشنغ” وزوجته الشاعرة “شِيا يي” قد تقابلا في القطار عام 1979، وتبادلا رسائل قبل زواجهما، كانت الرسائل في متنها بسيطة، إلّا أنها عبّرت عن عواطف جياشة بين الحبيبين، بحيث تجعلنا نتعجب من مصيرهما بالقتل والانتحار.
يُعتبر الشاعر “قو تشنغ” الذي وُلِدَ في الرابع والعشرين من شهر سبتمبر عام 1956 في بكين، من أهم الشعراء الصينيين المعاصرين، ومن جيل الشعراء الذين تأثروا بأساليب الشعر الغربي وشعرائه كبودلير وريلكه وغيرهما، وهو أحد مجموعة الشباب الذين ظهروا في الثمانينات وأطلقوا على أنفسهم اسم “الشعراء الضبابيون” ومثّلهم الشاعر الصيني “بي داو” الذي رُشح لجائزة نوبل للآداب، ومع تأسيس مجلة “اليوم” أُتيحت للشاعر “قو تشنغ” فرصة السفر والتجول في أوروبا ليستقر في النهاية في جزيرة واهيكي في نيوزيلندا عام 1988.
قبل ذلك وفي عام 1969، نُفي والده إلى الريف أثناء الثورة الثقافية لمدة خمس سنوات كنوعٍ من إعادة التأهيل، حيث عاش الشاعر في عالم وتجربة مختلفين، ولعلّ تجربته تلك كانت السبب الذي دفعه إلى كتابة الشّعر، وقد بدأ كتابته في سن السابعة عشرة.
في الثامن من أكتوبر عام 1993 بلغت مأساة الشاعر “قو تشنغ” ذروتها، حين قتل زوجته “شِيَا يي” بفأس، ثم هرع إلى منزل أخته وأخبرها بما اقترفه، وبعدها شنق نفسه على شجرة. أما زوجته فقد وُلِدت عام 1958، وهي من بكين، وكانت محبة للأدب، وتكتب الشعر والنثر.
الزوجان المنتحر والمقتولة، تبادلا قبل زواجهما سبعةَ عشرَ رسالة، ترجمت منها ستَّاً ونشرَها الاتحادُ الثقافي من قبل، وها هي خمسُ رسائل أخرى مترجمة، على أمل ترجمة ونشر الرسائل الباقية، وإن صح التعبير أو التأويل، فإن هذه الرسائل، تحمل نوعاً من استباق المصائر بالحديثِ عنها، حتى أنّ “شِيَا يي” تصف “قو تشنغ” قائلة: إنّك شخصٌ غريب.
الرسالة السابعة: من قو تشنغ إلى شِيَا يي
شِيَا يي
إنك ترينني شخصاً طيباً للغاية، وهذا يسعدني ويقلقني في الوقتِ ذاته، لأنني في الواقع إنسانٌ تافه. أود لو أكون إنساناً طيباً، ذا قيمة، طيباً وذا قيمة، وأقصد بذي قيمة أولاً القيمة الداخلية؛ كتبتُ هكذا في صغري: سأسيرُ صوبَ الشمسِ لأغسلَ روحي، وبالإصرارِ والإرادةِ أطرحُ الظلالَ خلفي. إنّ العيشَ ونحنُ مُحمّلون بالإثمِ أكثر رعباً من الموت، ومن بين الألم، الشك، والذنب، فأكثر ما لا أتحمله هو الذنب. ولأنني خنت ذاتي، فأنا أحتقرُ نفسي، ومهما جنيتِ وحققتِ من مكاسبَ في هذه الحياة، فسيتبعكِ هذا الاحتقارُ إلى نهاية حياتكِ. أعرفُ حقّ المعرفة أنّ ثمة سعادة وحيدة في الدنيا، هي السعادةُ النابعةُ عن راحة الضمير، عن أن تكوني شخصاً طيباً.
ثم إنْ كان المرء مبدعاً، لا بُدّ أن يُعاقب، لأنه يتجاوزَ شرّ الواقع ويَمنحُ ذلك الإيمانَ، إلى العالم، ويُخبرَ الآخرين أن تلك السعادةَ موجودةٌ فقط عند ذاك الشاطئ الذي تحدثتِ عنه، شاطئُ الخلاص، الذي تلمع أرضه بإشراقة، أما هنا فليس ثمة سعادة، لا في المتاجر، ولا السيارات الملونة، ولا منصات العرض الشامخة التابعة للجيش حيث وقف هناك وأدّى حركةً بسيطة، ومُنِح قيمة، وعُوقِب بسبب ذلك.
لا أدري ما ينبغي عليّ فعله، لكني أعلم أنه يجب أن أفعلَ شيئاً، هل ستمدين يدَكِ لي وأبوابُ العالم كلها تُغلَقُ أمامي؟
لا أخافُ العالم، أخافكِ أنتِ، بصيرتي وسيطرتي على نفسي عديمتا الجدوى. لقد كان من الصعبِ إيذاء أخيل بطل الميثولوجيا الإغريقية، لأنّ أمه عند ولادته غمرته من كعبِ قدمِه في ماءِ النهر، فلم يصبح من الهالكين، لكن كعبه كان نقطةَ ضعفه والسبيلَ الوحيدَ إلى تدميره.
قو تشنغ ـ رسالة بدون تاريخ
الرسالة الثامنة: من قو تشنغ إلى شِيَا يي
شِيَا يي
شاهدتُ فيلماً منذ قليل، وفكرتُ بكِ، كلّما أرى شيئاً أفكّرُ بكِ، ثم ما عُدتُ أتحمل، فخرجت واطئاً درجاتِ السلّم الواسعة إلى أن وصلت الجسر، وهتفتُ باسمك، حيث كانت مياه النهر تتدفقُ في العتمةِ الهائلة. وثمة لحظةٌ، لحظةٌ واحدةٌ فقط أحسست نفسي مُثقلاً بالهم، إلّا أن تلك اللحظة رافقتني، وصار صوتُ النهر من بعيد رقيقاً، وأنا أحيا داخل دَفقِه، وأرى يدي تتحركان في العتمةِ وتحجبُ نجوماً، ومصابيحَ، وأناشيدَ حشرات الليل.
أشعرُ بخيبةِ أملٍ شديدة لأني لم أتلقَ خطابكَ اليوم!
قو تشنغ ـ 29 أغسطس 1979
الرسالة التاسعة: من شِيا يي إلى قو تشنغ
قو تشنغ
الخطابُ في الطريق. إن رسائلنا كمثل قطارين، قطار يمضي إلى الشمال، والآخر إلى الجنوب، يقتربان من بعضهما ويزمجران ثم يتجاوز قطارٌ الآخر.
لِمَ تغمر يدَكَ في ماء الليل؟ سيصيبك الإنهاك هكذا، وستتعذب إذا غمرتها أكثر، ثم إن لديكَ الكثيرَ من الأشياء التي تريد فعلها، لقد جئنا إلى هذا العالم، ولم يدم إلّا أكثر من شهرين على تعارفنا، ولا زلت لا تعرفني، ولا تفهم نفسك، كما أنّكَ شخصٌ عصيٌ على الفهم.
كنت أحب شعري الطويلَ في صغري، وأجدله ضفيرةً على الدوام، ولم أكن أود قصّه مجدداً، إلا أنني لم أكن قادرةً على تمشيطِه، وإذ كان على أمي أن تذهبَ إلى عملها يومياً، فلم يكن لديها الوقت الكافي لتضفير شعري الطويلِ بخصلاتِه الناعمة، وصار الأمرُ عبئاً يَثقلُ عليها، إلى أن جاء يومٌ وتجاهلت رفضي، وقصت شعري بكل بساطة. كنت أشبه الصبيان، واقفة هناك في باحة المنزل بنفسٍ مغتمّة، وقلبي مفعمٌ بكراهيةٍ مطلقة للمقص، وكراهيةٍ مطلقةٍ لأمي، ونويت ألَّا أتحدث معها.
أمي جنديةٌ تعمل في مستشفى عسكري، وحينها لم أكن أظن أنّ الجنودَ جميعاً قساةٌ مثلها، لأنَّ والدة يارو “صديقتي في المدرسة الابتدائية” جعلتها تُبقي على ضفيرتِها، ووالدة ليانغ جوان كانت تضحك على الدوام، حتى أنّه يمكنك سماع ضحكاتها من بعيد، كما أنها أعدّت لي أطباق المخلل وجذور نبات الأرز البري من قبل، كنتُ حمقاءَ إلى حد أنني بدأتُ التفكيرَ في تغييرِ أمي، واختيارِ أمٍ من أفضلِ الأمهات، ومضيت أنتقي من أمهات أصدقائي، إلّا أنني لم أحس بالرضا، وكنت قد نسيتُ أمرَ شعَري، إلّا أنّ كرهاً غامضاً كان قائماً لأمي، ولا بد أن أقر أنني لم أجد أماً تحلّ مكانها، لا يمكن لأخرى أن تكون أمي، لأنني ابنتها، هكذا كان، منطقاً في غاية البساطة وبلا أسباب أدركته فيما بعد. ورغم أنني حينذاك فكرتُ في الكثير من الأسباب المضحكة للأمر، إلّا أنّ ذلك لم يكن الجانبَ الوحيدَ في تفكيري، فقد اكتشفت بفضلها شيئاً عن نفسي، أمراً كان مقدراً قبلاً، أدركتُ أن جُلّ ما أريده مطبوعٌ في قلبي، وأنّ كلّ معاناة، ورغبات ومطالب مجردةٍ من ذاتِها هي مساعٍ بلا طائل.
وربما تلك الأنهار والنجوم التي نحسها هي الخطوات التي تأخذنا صوب أنفسنا، فحين تكونُ ذاتَك، ستفهم نفسك، وتفهمني، وتُكملني، وسأكون حينها أنتَ، وسننسى الظلام، ونصعد درجات السلّم، ونقترب من موعدِ لقائنا.
شِيَا يي ـ 2 سبتمبر 1979
الرسالة العاشرة: من قو تشنغ إلى شِيَا يي
شِيَا يي
أستيقظ مع بزوغ الفجر، وحالما أستيقظ أفكّرُ بك، لقد اعتدتُ الأمر. وكنتُ أتحدثُ بصوتٍ خفيضٍ بينما أتخيلُ إجاباتك، لقد كنتِ تجيبينني بالفعل. هل سيصلني خطابُك اليوم؟
أحسّ بالغرابةِ الشديدةِ دائماً حين أكتبُ لكِ. ستراكِ تلك الكلماتُ بعد عدة أيام، ويا لها من كلماتٍ سعيدة، سأكونُ راضياً كلّ الرضا إذا تحولتُ إلى كلمةٍ، حتى لو تحولتُ إلى كلمةٍ مكتوبةٍ على نحو خاطئ.
أريدُ أن أفعلَ شيئاً، أريدُ أن أراكِ، ولن يمنعني المرضُ أو السجنُ أو الموت، أريدُ أن أدفعَ البشرَ بهدوءٍ وأراكِ. إنّ ذاتي الحقيقةَ تُسَرّحُ شَعرَها الآن.
على وشك أن تدق الساعة الثالثة، على وشك أن يصل خطابُك، يراودني إحساسٌ أنه سيصلني خطابٌ منكِ اليوم، سأعرفُ بعد قليل.
إنني أحمقُ للغاية، وليس بمقدوري السيطرة على مشاعري، وأعلم أنني أسيرُ في دربٍ عتيق، لماذا لا أسيرُ في دربٍ آخر غيره؟ دربٌ يتداخلُ ويختفي دائماً.
حاولتُ أن أتخيلكِ في الحقيقة، وأعود إلى الأوقاتِ القصيرةِ التي قضيناها معاً في القطارِ والميدان، كانت أوقاتاً مبهجةً حقاً! أتخيلكِ، ما أن لمحتني، أضاءت حياتي، غدت هادئةً وعظيمة، حين تخيلتكِ تنظرين إليّ بعينيكِ اللتين بلونِ الكهرمان، فاتني الباص، فاتتني عدةُ باصات.
وإذ أسيرُ في هذا الدربِ العتيق، فلدي أمنية، أتمنى أن يمرّ الوقت، يمضي بسرعة، يمضي بسرعة إلى أن يمّحي، لكني خائف، فلم أفعل شيئاً يُذكر حتى الآن، فلم أرتدِ إلّا هذه الثيابَ وذهبت بعينين خاويتين لمقابلتِك. إنّ هاتين العينين عاجزتان عن الرؤية، لا تريا إلّا لوحةً مرسومة.
قو تشنغ ـ 5 سبتمبر 1979
الرسالة الحادية عشرة: من شِيا يي إلى قو تشنغ
قو تشنغ
لَكَم أُحبّ خطاباتك وهيئتك وأنتَ تتحدث، إلّا أنني من فرط ما قرأتُها، أحسست فجأةً أننا لا بد أن نكسر الروتين، لِمَ لا نأخذ استراحة ونفعل شيئاً مختلفاً؟ أفكر متى سأذهب إلى بكين، فإذا ذهبت في الشتاء لا بد أن أتعلم التزلج على الجليد، وأطلب من أختكَ الكبيرة أن تعلمني، هكذا فكرت.
كنت أعيش في تشنغدي في صغري، وهي مدينة لا تبعد كثيراً عن بكين وشتاؤها باردٌ مثلها. كنت أستيقظُ في الصباح الباكر وأغسلُ أسناني خارجاً، وحين عدتُ في إحدى المرات وأمسكتُ بمقبض الباب التصقت يدي بالمقبض، وتملكني ذعرٌ شديد. للأسف لم أكن أجيد التزلج على الجليد آنذاك، ربما لأنني كنتُ لا أزال صغيرة. كان ثمة أرض خالية أمام المنزل تتسع مساحتُها لمائدةٍ وعدة كراسي، فأحطناها بسياجٍ خشبي فصارت كفناءٍ صغير، ثم حددنا الأرضَ لنزرعها، وإذ لم يكن ثمة ما يُزرع في الشتاء، فقد أصبح هذا المكان حلبةَ التزلج الخاصة بي في الهواء الطلق، حيث كنت أحمل عصا السقّا بدلوين وقت المغيب وأصبّ الماءَ فيتجمَّد في لحظات، ثم يتجمّد تماماً طيلةَ الليل وتصبح الأرض مسطحةً تلمع بضياء، وكيفما وطأتها خلال النهار وخلفت آثاراً، يكفي أن تصب الماء ليلاً لتصير مسطحةً ملساءَ من جديد.
لا أجيد التزلج على الجليد رغم أنني أملك زلاجة صغيرة صنعها لي أبي، كنتُ أجلسُ أعلاها وأتزلج في حلبة التزلج الصغيرة. هل رأيتَ حلبةَ تزلجٍ صغيرةٍ كهذه من قبل؟ كان ثمة حلبة صغيرة لكل منزل حيث كنت أسكن. هذا شتائي فيما مضى، أما فيما بعد سأتعلم التزلج على الجليد، وأرتدي حذاء التزلج ذا سكين التزلج الحادة، فلا أحب التزلج بالعجلات.
أود أن أذهب إلى بكين في الشتاء.
ربما بإمكاننا أن نذهب إلى مكانٍ آخر، فإن كانت تلك الحلبة الصغيرة لا تزال موجودة يمكننا أن نذهب، ربما ستجد شياو يي أخرى لم ترها من قبل.