المدونة

  • غبار كونيّ ثقيل أقوم بلملمة ذراته – محمود وهبة

    https://soundcloud.com/antolgy/emdqomqnok39

    -1-
    أدخلُ في عزلتي
    في يدي خمسون وردة وقبلة
    القمر فوق الأرض
    وجلسة في خيمةِ
    الخشب .
    النّور يخبو / الشاطئ المغناج
    يتدلّى كالسّكران على أعتاب
    سفينته ./
    أدخلُ في عزلتي
    في يدي نايٌ كأنّه قصب
    لستُ أدري
    أنفخُ في النّاي ؟!
    أدركُ أنّ العالم موسيقى /.

    -2-
    الشمسُ تستيقظ وتتبّرج
    لونها البرتقالي مثيرْ
    تتحرّك ببطء شديدْ
    في جوفِ سماءٍ ملبّدة ./
    يظهرُ الغراب / يمشي فوق شعري
    وصدري
    أتحسَّسُ نافذتي
    أعلمُ أنّ الموتَ قريب .
    أطفئ الضوء
    أتعرّى أمام المرآة
    متأسّف لا أبصرُ شيئاً . /

    ……..
    ….

    -3-
    يقولُ لي صاحبي:
    الوجهُ مرآة الأشياء
    كمدينة تشعرنا بالأمان /
    أغطّي وجهي بالمنديل
    البحرُ هائمٌ في ثريّاته
    عالقٌ في ورطة / ينتزعٌ ُ أسماكهُ
    سمكةً سمكة
    البحر قنديل أزرقْ
    ….
    يقولُ لي صاحبي :
    كلُّ شيء كان خمراً في الأصل /
    حتّى ذلكَ الرّجل / الماردُ
    كانَ خمراً ، أو جرذَ حديقة
    أو أيّ شيء ينبىء بمصيبة ما
    على قارعة القلب جلسَ صاحبي
    استراح من عناء السّفر /
    أرخى أكمامهُ البيضاء فوق ظهري
    وراحَ يتلو عليّ شيئاً من أشعار العيدْ .

    -4-
    القلبُ الذي يعيش على
    بقايا حب
    لن يحتفلَ قبل مرورِ خمسينَ عاماً .

    -5-
    الوردة التي أسرقها كلّ صباح
    من وجنتيكِ
    بخيلة / …
    مثل فاسق في معبد آمون .

    -6-
    أيها الأحمق
    طموحاتك التي ترسمها
    بيدك
    لن يأتيك بها بابا نويل
    أرجوك !
    إبحث عنها في سلال القمامة
    أو في غلال الفلاحين .

    -7-
    أتخيلني
    أستاذا لمادة الألم
    في طوكيو .

    -8-
    كيتيم
    إمسحي على رأسي
    كصلاة لا تصل إلى الله .

    -9-
    القبلة التي تخفينها فوق عنقك
    الخراف التي تقدمينها على مذبحي
    تظهرك أكثر سخافة .

    -10-
    ملاحظة: لا تقلقي
    ستبقين عذراء
    لمدة وجيزة
    مدى الحياة
    فقط .

    -11-
    علامات الإستفهام التي أزرعها في النص
    تجعله أكثر تماسكا .

    -12-
    طعنة في أسفل الخاصرة
    لا تكفي
    كي تزيل عني كل هذه الأوساخ .

    -13-
    أشك بأني شاعر

    -14-
    أحبك
    لأنك قصيدة نثر

    -15-
    انتهى.

  • ما أغرب أن تكون ميتًا – راينر ماريا ريلكه

    ما أغرب أن تكون ميتًا – راينر ماريا ريلكه

    ما أغربَ أن تكونَ حيّاً،
    أن تُحسَّ ذاتك محاطاً
    بكائناتٍ أخرى
    غريبةٍ أيضاً
    وبأشياءَ خامدةٍ
    تشدُّكَ
    إلى صمتها فقط.
    ما أغرب أن تسمعَ
    الأصواتَ الأكثرَ خفاءً،
    أن يتحولَ اللا مرئيُّ
    مرئياً،
    أن تلمسَ المنفلتَ
    أبدًا
    يباغتك أن يكون هذا
    الذي يلفُّكَ
    في الحقيقة واقعاً،
    وأن تكون أنتَ ذاتك، كذلك.
    فحياتُك لربما تدعمُهَا
    هذه الغرابة.

  • أنا لستُ أنا (من الشعر الإسباني) – خوان رامون خيمينيث – ترجمة: بهجت عباس

    أنا لستُ أنا (من الشعر الإسباني) – خوان رامون خيمينيث – ترجمة: بهجت عباس

    1- أنا لست أنا

    أنا لست أنا .
    أنا هذا الواحد
    السائر بجنبي الذي لا أراه ،
    الذي أحياناً أستطيع أن أزوره ،
    وأحياناً أنساه ؛
    الواحد الذي يبقى صامتاً بينما أتكلم ،
    الواحد الذي يسامح بلطف عندما أكره ،
    الواحد الذي يتمشّى عندما أكون في البيت ،
    الواحد الذي يبقى واقفاً على قدميه حين أموت .


    2- الشارع ينتظر الليل

    الشارع ينتظر الليل.
    كلّ شيء تأريخ وسكون .
    الأشجار المحاذية للرصيف
    نائمة مقابل السماء.

    والسّماء الحزينة بنفسجيّة.
    سماء نيسان، سماء
    جميلة بنفسجيّة باستهلال رقيق
    من ضياء النجوم .

    الآن المصابيح مضيئة
    عند النوافذ المُحروسة بالقضبان . يعوي
    كلب على باب موصَدة. قطة سوداء
    تدور في السّماء الملساء …
    آه! ذاك المصباح الأصفـر،
    طمأنينـة الأطفـال العُميان ،
    حنين الأرامل،
    سيماء الموتى !

    والقصص التي رَويْـنـا
    في أماسيّ نيسان
    التي لم تعدْ أبداً ،
    عندما حدّقـنـا في السّماء .

    والظلام مترامٍ ساقطٌ ،
    عذباً وعظيماً وهادئـاً ،
    وسط التمتمات غيرِ الودّيـة
    للقرى الصّغيرة …


    3- المحيطات

    لديّ إحساس بأنّ قاربي
    اصطدم ، أسفلَ هناك في الأعماق ،
    بشيء عظيم .
    ولم يحدثْ
    أيُّ شيء … سكون…أمواج…

    لم يحدث أيُّ شيء ؟ أمْ أنَّ كلَّ شيء حدث ،
    وهل نحن متَّخذون مواقعنا الآن ، بهدوء ، في الحياة الجديدة؟


    4- من يدري ما الذي يجري

    من يدري ما الذي يجري على الجانب الآخر من كلّ ساعة ؟
    كم مرّةٍ كان شروق الشمس هناك ، خلف جبل!
    كم مـرّةٍ كان الغيم المدهش المتراكم بعيداً عالياً ،
    جسماً ذهبياً ممتلئاً رعـداً !
    هذه الوردة كانت سمّاً .
    ذاك السيف أعطى حيـاةً .
    كنتُ مفـكِّـراً في مَـرجٍ مُـزهِـرٍ في نهاية الطريق ،
    ووجدتُ نفسي في الوحـل .
    كنتُ أفكِّـر في عظمة ما كان بشراً ،
    ووجدت نفسي في عالم الكهنـوت.

    *نص: خوان رامون خيمينيث
    *ترجمة: بهجت عباس

  • المادريجال الثاني – آنا سفير

    المادريجال الثاني – آنا سفير

    Lela Kay

    ليلة حب

    جميلة

    كعزف بآلات ساحرة

    في ليالي البندقية القديمة،

    نضرة

    كعجيزة ملاك صغير،

    رشيدة

    كقرية نمل،

    صاخبة

    كهواء يعبر بوق،

    باذخة

    كبلاط زوج ملكي زنجي

    يجلسان على عرشين من الذهب.

    ليلة حب معك؛

    معركة موسيقية مجيدة

    وانتصاران.

    .

    – ترجمة: ضي رحمي.

    المادريجال: نوع من الغناء تتخلله فواصل ورقصات وغناء جماعي، ويعد البذرة الأولى لفن الأوبرا.

  • السندباد الذي يريد أن يجد اسمًا لمدينته المتخيلة – قيس مصطفى

    السندباد الذي يريد أن يجد اسمًا لمدينته المتخيلة – قيس مصطفى

    كنت أودّ أن أخرج إلى شوارع أوروك مثل أي بشريّ صياد ليبكي طرائد الزَّمان والمكان. أو أن أعيش في غفلةٍ من ذاتي فأقول للحزن: لا أراكَ حتَّى لو جئتَ ممتطياً ظهرَ بغلٍ وعلى جنبيك أسنَّة وحراباً وكلَّ ما ينفع لإهراق الدَّم والحب. ثم أحبُّ أن أفصفص قليلاً من البزر على تخوم تدمر. متسلِّياً بعجاج المعركة التي أثارها أورليانو الأحمق بلا مبرِّر.. أو أن أخرج من أحد شوارع دمشق ضاحكاً كدومريّ وجد سعادة غامرةً في آخر الليل: كلُّ الأزقّة لي ولي كل الفناءات الخلفية.

    ما الذي يعنيه إن أنا اقتحمتُ قلاع المستحيل ثم سكبَ عليَّ جنودٌ مقدَّسون زيتاً حارقاً وقطَّعوا أوصالي لأكون عبرة ومدعاةً لفخرهم في ليالٍ ماجنةٍ يسكرون فيها ويقولون: كان فارساً ويصلح لامتطاء الريح. ما الذي يعنيه إن خلعت نعليَّ ومشيت في «ماكوندو»- مدينة ماركيز الاستثنائية- ثمَّ نسيت اسمي مثل سكانها، ثم علَّقوا لي ورقة في عنقي ليعرفونني: أنت لا أحد.. لكنتُ عدتُ بعدها إلى حلب وأسرْتُ نفسي إلى جوار أبي فراس الحمداني وبكينا الحريَّة والثُّغور معاً. لكنني وجدتُ نفسي ابن بريَّة ومفازات قفراء.. ومع ذلك، لم أقتل غزالاً ولم أجرحْ عصفوراً، وبالكاد آكل إذا اجتمعنا على مائدة الله..

    إلهي: ألم يكن هذا اللّحم يسير على سيقان في براري الجحيم، ألم يكن لهذي الطّيور أعشاشٌ تأوي إليها، فكيف أنهش دمها بأسناني وكيف أمدُّ يدي إلى صحنٍ فيه ذبيحةٌ كانت تضجُّ بالحريَّة والهواء الطَّلق؟!.

    أنا إذا جئتُ من بعيد فلأنني لستُ قريباً، أجول مدن الحلم فكل «مدن الملح لي» ولكني أفضِّل ضفاف بحيرة طبرية- التي لم ألمحها قط- حين خرجت منها عرائس بأثواب مزركشةٍ. غير أنني متوافر حالياً في كل ضواحي الأرض وعشوائياتها. وبالأصل، لا أجيد الحياة خارج نطاق هذا التوصيف!

    ما الذي تحتاج إليه حكاية لتكتمل عن مدينة لم توجد بعد؟ وما الذي يحتاجه قلب ليستمرَّ في الخفقان؟ وما الذي يلزم كاتدرائيَّة، لتصدح أجراسها كلَّ يوم بلا آحاد. ومن بعد، إذا غنَّى المغنِّي وكنا ثملين لدرجة لا نفهم فيها، ثم جاءت سيدات فاضلات ورقصنَ على تخومِ أحلامنا، فما الذي نقوله لهنَّ بعد أن نصفِّق ككلِّ الأغبياء. ليس هناك سوى الصَّمت الذي نبذخه على عتبات أرواحنا التي تجمَّدت من صقيع الآخرين. فهل يقول لي أحد كيف نبني مدينة هدَّتها زلازل وجيوش؟..

    في بغداد، أنازل هارون الرشيد، أو يقاسمني سماع الغناء والتمتُّع بالجواري- قسمة على الطريقة الاشتراكية-.. وفي القاهرة، أمدُّ يدي سداً آخر على النيل، فيما أدخِّن سيجارة بيدي الأخرى.. وأيضاً تجدونني في مراكش، وفي صحراء الأمازيغ… أريد مدينة أدخل فيها كلَّ بيت وكأني ألبس قبعة الاختفاء.

    المدن والصّحارى والبلدان والمِلل والأعراق، تتداعى أمام مخيلة عاجزة لا ترى إلا أمواج البحر الأبيض المتوسط. لذلك أخفي نفسي كقزم في جيب السندباد، علّه ينقلني إليك لأهمس:

    أنت مدينتي التي لم أجد لها اسماً حتى الآن.

  • إلى صالح الأحمد – عيسى الشيخ حسن

    إلى صالح الأحمد – عيسى الشيخ حسن

    سمعتُ أنّك عدت إلى الشعر

    وتكتب القصائد من جديد

    أيها الولد العاقّ

    ما ذا فعلنا لكَ

    كي تحبّ؟

    ماذا فعلنا؟

    كي تتركنا في الحرب

    وتنشر قلبك على حبال الغسيل

    الحبال التي لا تتسع إلّا لقمصان مغسولة بالدم

    تحبّ؟

    يا لهف قلبي عليك

    أيها الطفل النبيل

    كيف ستعبر الحاجز

    وفي يدك قلب لا بطاقة شخصية؟

    .

    أيّها العاقّ

    كيف تمسي عاقلًا

    وأنت تكتب القصائد

    بدل أسماء المفقودين؟

    خذ أغنامك إلى التلال البعيدة

    خذ قمر الصيف إلى رابيةٍ بعيدة

    قل للموت:

    جاء أنكيدو قبل يومين

    وأشر إلى الجنوب

    خذ عصا جدّك

    قل له أحفادك أحوج إليها

    خذ صور الغائبين

    إلى مراعي الذاكرة

    .

    تحبّ؟

    عمّا قليل سيكبر الولد أمام المرآة

    عمّا قليل سينبت العشب في المرآة

    عمّا قليل سيهطل الثلج على المشهد

    عمّا قليل ستعتذ لقلبك

    ذاك الذي كان في يدك

    وأنت تعبر الحاجز

    .

    عندما أعود

    سأقرأ لك فصلًا

    من “لمن تقرع الأجراس”

    لأقول لك: هذا هو المجنون همنغواي

    أطلق النار بهدوء

    لأن الحرب خطفت منه حبيبته

    .

    عندما أعود

    سأشتمك أكثر

    ولكن كيف تحبّ يا ولدي

    وأنت قد كسرت جرّة العطر

    قبل أن تلد الحرب سنواتها العجاف؟

    كيف؟

    كيف يا خال؟

  • البريد – راينر كونتز – ترجمة: بكاي كطباش

    حينَ يمرّ البرِيدُ

    خَلْفَ النَّافِذَة

    صَفْراء تستَحِيل

    أزْهَار الثَّلج

    أَيَّتهَا الرِّسَالَة يا بَابَا يُفتح

    لـمِلِيمِترَين عَلَى العَالم

    أَّيتُهَا الإنفِتَاحُ المَفتوح

    أنتِ أيَّتُها الشّعَاع

    المتَألّق

    هَا قَد وصَلتِ أخِيراً

    وَأنتِ يَا بُنَيَّتِي

    يَاساعِيةَ البَرِيد

    مٍن الصُّندوقِ إلى المائِدَة

    كَمْ يُشبِهُ صَوتُكِ

    بوقَ البَرِيد

    أوه ، لقد أرسلوها

    مِن بَلدٍ بَعِيد

    أنْظُر إلَى الطَّابَعِ

    مَا اسمُ هذَا البَلَد ؟

    ألْـمَانْيَا يَابُنَيَّتِي

    أوه، يالجَمَال الطَّابَعِ :

    الذِّئب والأقزَامُ السبْعَة

    يَا لَبَيَاضِ خٌفِّه يَا أَبِي … مَنْ

    يَاتُرى كَتَبَ الرِّسَالَة ؟

    رُبَّمَا

    الأَقزَامُ السَّبعَة

    رُبَّمَا

    الذِّئب

    … لَكنَّ الذئْبَ ميِّتُ يَا أبِي

    في الحِكَايَة يَا بُنيَّتِي

    فِي الحِكَاية فقط.

  • سعيد العساسي – بمفردى


    بمفردي
    أكتب بدم بارد
    كقاتل مأجور.

    بمفردي
    كنت أقف أمام المرآة
    لا أنتظر أحدا ليدلني على نفسي.

    بمفردي
    أعجن خبز بلادي
    بحكمة
    وبالتي هي أحسن
    كنت أنادي:
    تعالوا إلى قسمة سواء.

    بمفردي
    نذرت ما في بطني
    لليلة الظلماء.

    بمفردي
    كنت لا أحد
    ثم صرت لا شئ
    تحت قدمي أمي.

    بمفردي
    عرفت أن الحياة اختيار
    وأن الحب أكبر اختبار
    وأن الموت لمن لا يعرفه
    إنتصار بطعم الهزيمة.

    بمفردي
    تعلمت كيف أبكي
    من دون دموع
    كالنزيف.

    بمفردي
    أربت على كتف المساء
    أمسح على رأس السماء
    وأبتسم في وجه الله.

  • دارين نور – نانو

    دارين نور – نانو


    فئ القصيدة على الشاطئ
    تقنين النزق.
    2-
    النوم على بؤبؤ السطر
    إستيقاظ بالمؤخرة.
    3-
    مبحوح الحركة مسترسين
    القصيد النائم.
    4-
    البوك في التفاحة
    ممحاة لنظرة بالعقرب.

  • كل كُتب هذا العالم- هيرمان هيسه

    كل كُتب هذا العالم- هيرمان هيسه

    كل كتب هذا العالم،

    لا تجلبُ لك السعادة،

    *لكنها تُحيلك سراً إلى نفسك.

    *

    فهناك كل ما تحتاجه،

    شمس ونجم وقمر،

    *لأن الضياء الذي تسأل عنه،

    يسكن بنفسه فيك.

    الحكمة التي كنت تبحث عنها طويلاً

    في المكتبات،

    تسطع السَّاعَة من كل ورقة،

    لأنها الآن لك.

    ترجمة: زهير سوكاح

  • إلى ديوتيما ـ *فريدريش هولدرلين

    إلى ديوتيما ـ *فريدريش هولدرلين

    Pat Steir
    Calming Waterfall, 1989

     

     

     

    ترجمة: زهير سوكاح

    28 ماي 2007 / دسلدورف

    ـ* إلى ديوتيما* ـ

    أيتها المخلوقة البهية!

    إنك تَحيين,

    مثلما تَحيا في الشتاء الأزهار الغضة:

    في عالم مُتهَالِكٍ تُزهِرين,

    بصمتٍ و في عزلة.

    و بِحُبٍ, نحو الأعلى تتطلعين,

    لِتَتَدَفَّئِي بشعاع الشمس الربيعية,

    و في دفئه عن صَبَاءِ العالم* تبحثين.

    لكن شمسكِ, الأمدُ الأبهى, قد دَلَكَت بغير رجعة.

    فالآن الحَاصِبَات يُعربدن,

    في لَيلةٍ هوجاء باردة.

     

    * ديوتيما: إسم الكاهنة التي علمت سقراط الحكمة.

    نبذة عن الشاعر الألماني *هولدرلين

    يعد فردريش هولدرلين* (1770 1843 -*) *من بين أشهر شعراء ألمانيا.

    آمن *هذا الشاعر الكلاسيكي *بالسعي إلى المثل العليا *التي تتجلى ـ حسب رأيه ـ *في تحقيق الانسجام المنشود بين “الإله” (Gott) و”الإنسان” (Mensch) و”الطبيعة” (Natur) على أرض اليونان القديمة.

    اشتغل هولدرلين في منزل المصرفي ياكوب غونتارد (Jakob Gontard) *معلماً لأولاده في فرانكفورت ، حيث وقع في حب زوجة المصرفي زوزيت (Susette) *والتي ظهرت في ما بعد في البعض من أعماله الأدبية تحت الاسم اليوناني: ديوتيما (Diotima) , لكن سرعان ما اضطر هولدرلين إلى مغادرة المنزل بعد افتضاح علاقتهما, لكن رغم ذلك *استمرت بينهما رسائل كثيرة.

    في سنة 1802 أصيب هولدرلين بانهيار عصبي قاده فيما بعد إلى الجنون بعد تلقيه خبر وفاة زوزيت. *عاش *هولدرلين إلى حين وفاته سنة 1843 في توبينغن حيث تكفل برعايته نجار بسيط *وخصص له مسكناً على نهر النيكار أُطلِقَ عليه: “برج هولدرلين”

  • ترنيمة الجوع – كيورك فيرت

    ترنيمة الجوع – كيورك فيرت

    ياصاحب الجلالة… يا أيها الملك المبجل،

    ألم تعلم بالنبأ الوبيل؟

    إننا نقتات يوم الإثنين من القليل،

    وفي الثلاثاء لا نأكل شيئا.

    وفي يوم الأربعاء نتضور جوعا،

    وفي الخميس نكابد في عناء،

    وفي الجمعة نكاد نموت من الجوع!

    لأجل هذا دَعْ الخبز النقي

    يُعجن في يوم السبت

    وإلا فسوف نمسك بك في يوم الأحد

    ونلتهمك أنت… أيها الملك!

    قصيدة : (ترنيمة الجوع), قصيدة شهيرة للشاعر السياسي الألماني گيورگ فيرت (1822-1856) *ظهرت*إبان *ثورة النساجين في ألمانيا سنة 1844

    ترجمة: زهير سوكاح.

  • مقايضة – سارة تيسدايل

    مقايضة – سارة تيسدايل

    لدى الحياة فتنة للبيع:

    أشياء جميلة ورائعة،

    أمواج زرقاء تبيض على جرف،

    نار محلقة تترنح وتغني

    ووجوه أطفال يرفعون أنظارهم

    حاملين الدهشة كفنجان.

    لدى الحياة فتنة للبيع:

    موسيقى كمثل منحنى من ذهب،

    ورائحة أشجارالصنوبر في المطر،

    عينان تحبانك، ذراعان

    تحضنانك،

    وأفكار مقدسة تنجم الليل

    من أجل أن تدوم بهجة روحك.

    أنفق كل ما لديك على الفتنة،

    اشترها ولا تسل عن الثمن؛

    فبمقابل كل ساعة سلام

    أحسب سنة ضائعة من الكفاح

    ومقابل تنهيدة نشوة واحدة

    أَعْط كل ما كنت، أو ما يمكن أن تكون.

  • لن أهتم – سارة تيسدايل

    لن أهتم – سارة تيسدايل

    ١- لن أهتم

    عندما أموت ومن فوقي نيسان

    المتلألئ

    سينفض خصلات شعره المبلولة

    بالمطر،

    ستنحني عليّ بقلب مفطور،

    لكني لن أهتم.

    سأنعم بالسلام، مثل الأشجار

    المورقة

    عندما يحني المطر أغصانها؛

    وسأكون أكثر صمتًا

    وبرودة

    مما أنت عليه الآن.

    ٢- وردة الفناء

    لقد جئت الطريقة نفسها

    نحو الباب نفسه:

    السنون تركت الورود هناك

    مشتعلة كما كانت.

    وبينما أتأملها في الريح

    سريعًا تنهمر دموعي الساخنة:

    غريب أن يصمد لهب ضعيف كهذا

    أكثر من النار في القلب.

    ٣- أغنية أمالفي الليلية

    سألت جنة النجوم

    ماذا ينبغي لي أن أعطي حبيبي.

    أجابتني بصمت:

    أعطيه صمتًا فحسب.

    سألت البحر المعتم

    في الأسفل حيث يذهب الصيادون،

    فأصابتني بصمت:

    أعطيه صمتًا فحسب.

    آه، في وسعي أن أعطيه بكائي،

    في وسعي أن أعطيه أغنيتي،

    ولكن كيف أن أعطيه الصمت

    طوال حياتي؟

    ترجمة: جمانة حداد.

  • أغنيات للوحدة – سارة تيسدايل

    أغنيات للوحدة – سارة تيسدايل

    1- المحدقة في الكريستال.

    سوف أجمع نفسي من جديد

    سوف ألملم النواة المبعثرة وأجعلها

    واحدة،

    سوف أصهرها داخل كرة كريستالية

    مصقولة

    حيث يمكنني أن أرى القمر ووميض

    الشمس.

    ثم سوف أجلس كمثل عرافة، ساعة

    بعد ساعة،

    أراقب المستقبل آتيًا والحاضر

    يغيب،

    والصور الصغيرة المتحولة للناس

    المستعجلين،

    معتدين بأنفسهم، ذهابًا وإيابًا.

    2- الوحيدة.

    ليظنوا أني أحبهم

    أكثر مما أحبهم حقًّا،

    ليظنوا أني أهتم

    رغم أني ذاهبة وحدي،

    إذا كان ذلك يعزز غرورهم، ما

    همّي أنا

    المكتملة بذاتي كمثل زهرة أو

    حجر؟

    لا فرق عندي إذا جاؤوا أو رحلوا

    ما دمت أملك نفسي

    واندفاعة رغبتي،

    والقوة لكي أتسلل ليلة

    صيف

    وأتأمل النجوم تحتشد فوق الهضبة.

    لقد ازداد قلبي غنى على مرّ

    السنين،

    وتقلصت حاجتي

    لأن أتقاسم نفسي مع كل قادم

    جديد،

    أو لأن أصوغ أفكاري في كلمات

    بلساني.

    ترجمة: جمانة حداد.

  • لارا ياسين  – زمنٌ قادمٌ آخر

    لارا ياسين – زمنٌ قادمٌ آخر

    زمنُ الرّقص لا يتوقف
    الأغنيةُ تَصدح
    نَسمعها مِن بعيد
    وَ النّوافذِ مغلقة .

    زمنُ الذكرياتِ يتجدد
    الليالي تطير
    تُحط على غيمةِ الأمس
    وشفافيتها قليلة .

    زمن الحبِّ كالشِّعر
    عيدُ فرح
    يُعرج بطيني لقوسٍ مُندّى
    فوق القُبةِ السّماوية
    زمنُ القُبلِ والقصائدِ إعجاز .

  • نجلاء حسين – يمضي كأنه الصباح..

    نجلاء حسين – يمضي كأنه الصباح..


    لماذا الغبار يملأ الكون ؟!
    أين رحل الصبح ؟!
    إلى أين يغادر والعطن يفترش الأطباق؟!

    الصبح الذي كان ينضخ الماء في
    فم الناعورة فتصدح فوق أجنحة اليمام
    قبل أن تتكيء بظمأ فوق صدغها
    دفنوا صمتها في صدر الصفيح الصديء
    قبل أن يُقلِع منطادُ من الأتربة
    فيكسو النوافذ
    مزقوا أثداء الخبز
    كانوا يحتفون فوق قمائن العطن

    حينها تطايرت أعناق السنابل
    تحت هتامة المنجل الكبير
    أين كان حينئذ؟!
    أين ذهب الشقيّ ؟!

    كل هذا اللهو في فسحات الديار
    وثمة من يلوح من الجهة المقابلة
    يُسقط الشمس تحتَ عباءتِه
    ويمضي كعادته تاركا رفقة الشقاء
    وفيًّا كان يمضي كأنه الصباح!

  • ماهر نصر – وقفة

    أقف كعامود إنارة

    أستند على وردة وحيدة

    أقف على جثتي شاهدا عليك

    وأنت هناك تقفين حول آبار جراحي

    تزرعين طيورا غاضبة

    وتحصدين ريشها ببراعة منجل

  • محمد عيد إبراهيم – انهمار الضحية

    محمد عيد إبراهيم – انهمار الضحية

    Veronica’s Veil
    Oskar Kokoschka

    أحبّ “هناءَ البدوي”
    أحبّ أن أضُمَّ أمري
    أحبّ أن تبذُرَ لي يداً فأمضُغَها
    أحبّ أن أتسلّى كالثعبانِ في نورِ عَضلاتِها وأبكي
    أحبّ مُديةَ لحمٍ مُروراً بكَنزِ المَصيرِ
    أحبّ الألوهةَ في أن تُغَشّ بنارِ الطبيعة
    أحبّ أوعيةَ الثدي طيلةَ لَمعَتهِ
    أحبّ حيوانَها رأسُهُ الكاملُ يضحكُ مني
    أحبّ هنا لا أستطيعُ
    أحبّ أنا جانبكَ
    أحبّ لا أضجَرُ حتى تعيشَ
    أحبّ تقاطُعَ عامٍ جديدٍ
    أحبّ على كِتفِها الرُّعيانَ تطلُبني .
    .
    أحبّ قِطّةَ شَمعٍ دائماً في المساءِ
    أحبّ لُعبةَ إن سكتَ القلبُ عن فُحشِهِ
    أحبّ لا مَفَرّ أو تُحكِمُ الصندوقَ دونَ صَيدٍ
    أحبّ حَبةَ شَوكٍ على فَخذِها نيئاً أَلعَقُه
    أحبّ عَضّةَ مِلحٍ آخرَ اللّسانِ
    أحبّ تمثالَ رقَبتِها الزانيةِ
    أحبّ أن تُغمِضَ ما بينَ أسنانِها فأُجدِّف
    أحبّ السماءَ على سَعَةِ الصَلصالِ
    أحبّ البُقولَ مُقابلَ نَهرٍ
    أحبّ نَزيفيَ لا يشتريهِ أحَد
    أحبّ أن أَغمِسَها بالدبابيسِ لأرقدَ عندَها حيثُ تنكَمِشُ الغابة
    أحبّ الحروبَ بأن تنحني
    أحبّ سَحابَتي السوداءَ فوقَ العقوبة
    أحبّ الطبولَ على بطنِها قد تَحَنَّت بفَخرِ الهَدَف
    أحبّ أَكوِيها بمِحوَرِها .
    .
    أحبّ ضُمّني كي أراهُ
    أحبّ حَواليكَ أرغفتي خِلسَةً
    أحبّ الفَضِيحةَ في شَعرِها بارتجالٍ
    أحبّ على ظَهرِها التّبرَ بالمُنحَدَرِ إلى أن يتحَرّرَ
    أحبّ تَقبَّضْ على بَشْرَتي مثلَ ذئبي الصغيرِ
    أحبّ أن أَمُرَّ في فَمِها المَشقوقِ بالراحة
    أحبّ لَعَلّكَ بالعِبءِ من مَدفَنِه
    أحبّ إلى رحلتي وَثَنيةَ البَتولِ
    أحبّ وَحدي بحُبكَةِ عَظمَتِها كحِصانِ الرَّغَد
    أحبّ توسّلْ مِن وَحشَتي بأشدّ
    أحبّ بأن أحبّ أُهَيمِن فقَط
    أحبّ امتَهِنْ
    أحبّ آمينَ في وَتَرِ الصَلْبِ
    أحبّ نِظامَ الطيورِ على بُقعَةٍ بهُجومِ الزمَن.
    ………………………………..
    من ديوان (فحم التماثيل)، 1992، دار شرقيات

  • “حالما أستيقظ أفكّر بك” – رسائل حب بين الشاعر قو تشنغ وزوجته شِيَا يي

    “حالما أستيقظ أفكّر بك” – رسائل حب بين الشاعر قو تشنغ وزوجته شِيَا يي

    قو تشنغ

    في الثامن من شهر أكتوبر عام 1993 في جزيرة واهيكي في نيوزيلندا، أنهى شاعرٌ موهوبٌ حياةَ زوجتِه بوحشية مستخدماً فأساً، ثم أنهى حياته بالانتحار شنقاً.

    كان “قو تشنغ” وزوجته الشاعرة “شِيا يي” قد تقابلا في القطار عام 1979، وتبادلا رسائل قبل زواجهما، كانت الرسائل في متنها بسيطة، إلّا أنها عبّرت عن عواطف جياشة بين الحبيبين، بحيث تجعلنا نتعجب من مصيرهما بالقتل والانتحار.

    يُعتبر الشاعر “قو تشنغ” الذي وُلِدَ في الرابع والعشرين من شهر سبتمبر عام 1956 في بكين، من أهم الشعراء الصينيين المعاصرين، ومن جيل الشعراء الذين تأثروا بأساليب الشعر الغربي وشعرائه كبودلير وريلكه وغيرهما، وهو أحد مجموعة الشباب الذين ظهروا في الثمانينات وأطلقوا على أنفسهم اسم “الشعراء الضبابيون” ومثّلهم الشاعر الصيني “بي داو” الذي رُشح لجائزة نوبل للآداب، ومع تأسيس مجلة “اليوم” أُتيحت للشاعر “قو تشنغ” فرصة السفر والتجول في أوروبا ليستقر في النهاية في جزيرة واهيكي في نيوزيلندا عام 1988.

    قبل ذلك وفي عام 1969، نُفي والده إلى الريف أثناء الثورة الثقافية لمدة خمس سنوات كنوعٍ من إعادة التأهيل، حيث عاش الشاعر في عالم وتجربة مختلفين، ولعلّ تجربته تلك كانت السبب الذي دفعه إلى كتابة الشّعر، وقد بدأ كتابته في سن السابعة عشرة.

    في الثامن من أكتوبر عام 1993 بلغت مأساة الشاعر “قو تشنغ” ذروتها، حين قتل زوجته “شِيَا يي” بفأس، ثم هرع إلى منزل أخته وأخبرها بما اقترفه، وبعدها شنق نفسه على شجرة. أما زوجته فقد وُلِدت عام 1958، وهي من بكين، وكانت محبة للأدب، وتكتب الشعر والنثر.

    الزوجان المنتحر والمقتولة، تبادلا قبل زواجهما سبعةَ عشرَ رسالة، ترجمت منها ستَّاً ونشرَها الاتحادُ الثقافي من قبل، وها هي خمسُ رسائل أخرى مترجمة، على أمل ترجمة ونشر الرسائل الباقية، وإن صح التعبير أو التأويل، فإن هذه الرسائل، تحمل نوعاً من استباق المصائر بالحديثِ عنها، حتى أنّ “شِيَا يي” تصف “قو تشنغ” قائلة: إنّك شخصٌ غريب.

    الرسالة السابعة: من قو تشنغ إلى شِيَا يي

    شِيَا يي

    إنك ترينني شخصاً طيباً للغاية، وهذا يسعدني ويقلقني في الوقتِ ذاته، لأنني في الواقع إنسانٌ تافه. أود لو أكون إنساناً طيباً، ذا قيمة، طيباً وذا قيمة، وأقصد بذي قيمة أولاً القيمة الداخلية؛ كتبتُ هكذا في صغري: سأسيرُ صوبَ الشمسِ لأغسلَ روحي، وبالإصرارِ والإرادةِ أطرحُ الظلالَ خلفي. إنّ العيشَ ونحنُ مُحمّلون بالإثمِ أكثر رعباً من الموت، ومن بين الألم، الشك، والذنب، فأكثر ما لا أتحمله هو الذنب. ولأنني خنت ذاتي، فأنا أحتقرُ نفسي، ومهما جنيتِ وحققتِ من مكاسبَ في هذه الحياة، فسيتبعكِ هذا الاحتقارُ إلى نهاية حياتكِ. أعرفُ حقّ المعرفة أنّ ثمة سعادة وحيدة في الدنيا، هي السعادةُ النابعةُ عن راحة الضمير، عن أن تكوني شخصاً طيباً.

    ثم إنْ كان المرء مبدعاً، لا بُدّ أن يُعاقب، لأنه يتجاوزَ شرّ الواقع ويَمنحُ ذلك الإيمانَ، إلى العالم، ويُخبرَ الآخرين أن تلك السعادةَ موجودةٌ فقط عند ذاك الشاطئ الذي تحدثتِ عنه، شاطئُ الخلاص، الذي تلمع أرضه بإشراقة، أما هنا فليس ثمة سعادة، لا في المتاجر، ولا السيارات الملونة، ولا منصات العرض الشامخة التابعة للجيش حيث وقف هناك وأدّى حركةً بسيطة، ومُنِح قيمة، وعُوقِب بسبب ذلك.

    لا أدري ما ينبغي عليّ فعله، لكني أعلم أنه يجب أن أفعلَ شيئاً، هل ستمدين يدَكِ لي وأبوابُ العالم كلها تُغلَقُ أمامي؟

    لا أخافُ العالم، أخافكِ أنتِ، بصيرتي وسيطرتي على نفسي عديمتا الجدوى. لقد كان من الصعبِ إيذاء أخيل بطل الميثولوجيا الإغريقية، لأنّ أمه عند ولادته غمرته من كعبِ قدمِه في ماءِ النهر، فلم يصبح من الهالكين، لكن كعبه كان نقطةَ ضعفه والسبيلَ الوحيدَ إلى تدميره.

    قو تشنغ ـ رسالة بدون تاريخ

    الرسالة الثامنة: من قو تشنغ إلى شِيَا يي

    شِيَا يي

    شاهدتُ فيلماً منذ قليل، وفكرتُ بكِ، كلّما أرى شيئاً أفكّرُ بكِ، ثم ما عُدتُ أتحمل، فخرجت واطئاً درجاتِ السلّم الواسعة إلى أن وصلت الجسر، وهتفتُ باسمك، حيث كانت مياه النهر تتدفقُ في العتمةِ الهائلة. وثمة لحظةٌ، لحظةٌ واحدةٌ فقط أحسست نفسي مُثقلاً بالهم، إلّا أن تلك اللحظة رافقتني، وصار صوتُ النهر من بعيد رقيقاً، وأنا أحيا داخل دَفقِه، وأرى يدي تتحركان في العتمةِ وتحجبُ نجوماً، ومصابيحَ، وأناشيدَ حشرات الليل.

    أشعرُ بخيبةِ أملٍ شديدة لأني لم أتلقَ خطابكَ اليوم!

    قو تشنغ ـ 29 أغسطس 1979

    الرسالة التاسعة: من شِيا يي إلى قو تشنغ

    قو تشنغ

    الخطابُ في الطريق. إن رسائلنا كمثل قطارين، قطار يمضي إلى الشمال، والآخر إلى الجنوب، يقتربان من بعضهما ويزمجران ثم يتجاوز قطارٌ الآخر.

    لِمَ تغمر يدَكَ في ماء الليل؟ سيصيبك الإنهاك هكذا، وستتعذب إذا غمرتها أكثر، ثم إن لديكَ الكثيرَ من الأشياء التي تريد فعلها، لقد جئنا إلى هذا العالم، ولم يدم إلّا أكثر من شهرين على تعارفنا، ولا زلت لا تعرفني، ولا تفهم نفسك، كما أنّكَ شخصٌ عصيٌ على الفهم.

    كنت أحب شعري الطويلَ في صغري، وأجدله ضفيرةً على الدوام، ولم أكن أود قصّه مجدداً، إلا أنني لم أكن قادرةً على تمشيطِه، وإذ كان على أمي أن تذهبَ إلى عملها يومياً، فلم يكن لديها الوقت الكافي لتضفير شعري الطويلِ بخصلاتِه الناعمة، وصار الأمرُ عبئاً يَثقلُ عليها، إلى أن جاء يومٌ وتجاهلت رفضي، وقصت شعري بكل بساطة. كنت أشبه الصبيان، واقفة هناك في باحة المنزل بنفسٍ مغتمّة، وقلبي مفعمٌ بكراهيةٍ مطلقة للمقص، وكراهيةٍ مطلقةٍ لأمي، ونويت ألَّا أتحدث معها.

    أمي جنديةٌ تعمل في مستشفى عسكري، وحينها لم أكن أظن أنّ الجنودَ جميعاً قساةٌ مثلها، لأنَّ والدة يارو “صديقتي في المدرسة الابتدائية” جعلتها تُبقي على ضفيرتِها، ووالدة ليانغ جوان كانت تضحك على الدوام، حتى أنّه يمكنك سماع ضحكاتها من بعيد، كما أنها أعدّت لي أطباق المخلل وجذور نبات الأرز البري من قبل، كنتُ حمقاءَ إلى حد أنني بدأتُ التفكيرَ في تغييرِ أمي، واختيارِ أمٍ من أفضلِ الأمهات، ومضيت أنتقي من أمهات أصدقائي، إلّا أنني لم أحس بالرضا، وكنت قد نسيتُ أمرَ شعَري، إلّا أنّ كرهاً غامضاً كان قائماً لأمي، ولا بد أن أقر أنني لم أجد أماً تحلّ مكانها، لا يمكن لأخرى أن تكون أمي، لأنني ابنتها، هكذا كان، منطقاً في غاية البساطة وبلا أسباب أدركته فيما بعد. ورغم أنني حينذاك فكرتُ في الكثير من الأسباب المضحكة للأمر، إلّا أنّ ذلك لم يكن الجانبَ الوحيدَ في تفكيري، فقد اكتشفت بفضلها شيئاً عن نفسي، أمراً كان مقدراً قبلاً، أدركتُ أن جُلّ ما أريده مطبوعٌ في قلبي، وأنّ كلّ معاناة، ورغبات ومطالب مجردةٍ من ذاتِها هي مساعٍ بلا طائل.

    وربما تلك الأنهار والنجوم التي نحسها هي الخطوات التي تأخذنا صوب أنفسنا، فحين تكونُ ذاتَك، ستفهم نفسك، وتفهمني، وتُكملني، وسأكون حينها أنتَ، وسننسى الظلام، ونصعد درجات السلّم، ونقترب من موعدِ لقائنا.

    شِيَا يي ـ 2 سبتمبر 1979

    الرسالة العاشرة: من قو تشنغ إلى شِيَا يي

    شِيَا يي

    أستيقظ مع بزوغ الفجر، وحالما أستيقظ أفكّرُ بك، لقد اعتدتُ الأمر. وكنتُ أتحدثُ بصوتٍ خفيضٍ بينما أتخيلُ إجاباتك، لقد كنتِ تجيبينني بالفعل. هل سيصلني خطابُك اليوم؟

    أحسّ بالغرابةِ الشديدةِ دائماً حين أكتبُ لكِ. ستراكِ تلك الكلماتُ بعد عدة أيام، ويا لها من كلماتٍ سعيدة، سأكونُ راضياً كلّ الرضا إذا تحولتُ إلى كلمةٍ، حتى لو تحولتُ إلى كلمةٍ مكتوبةٍ على نحو خاطئ.

    أريدُ أن أفعلَ شيئاً، أريدُ أن أراكِ، ولن يمنعني المرضُ أو السجنُ أو الموت، أريدُ أن أدفعَ البشرَ بهدوءٍ وأراكِ. إنّ ذاتي الحقيقةَ تُسَرّحُ شَعرَها الآن.

    على وشك أن تدق الساعة الثالثة، على وشك أن يصل خطابُك، يراودني إحساسٌ أنه سيصلني خطابٌ منكِ اليوم، سأعرفُ بعد قليل.

    إنني أحمقُ للغاية، وليس بمقدوري السيطرة على مشاعري، وأعلم أنني أسيرُ في دربٍ عتيق، لماذا لا أسيرُ في دربٍ آخر غيره؟ دربٌ يتداخلُ ويختفي دائماً.

    حاولتُ أن أتخيلكِ في الحقيقة، وأعود إلى الأوقاتِ القصيرةِ التي قضيناها معاً في القطارِ والميدان، كانت أوقاتاً مبهجةً حقاً! أتخيلكِ، ما أن لمحتني، أضاءت حياتي، غدت هادئةً وعظيمة، حين تخيلتكِ تنظرين إليّ بعينيكِ اللتين بلونِ الكهرمان، فاتني الباص، فاتتني عدةُ باصات.

    وإذ أسيرُ في هذا الدربِ العتيق، فلدي أمنية، أتمنى أن يمرّ الوقت، يمضي بسرعة، يمضي بسرعة إلى أن يمّحي، لكني خائف، فلم أفعل شيئاً يُذكر حتى الآن، فلم أرتدِ إلّا هذه الثيابَ وذهبت بعينين خاويتين لمقابلتِك. إنّ هاتين العينين عاجزتان عن الرؤية، لا تريا إلّا لوحةً مرسومة.

    قو تشنغ ـ 5 سبتمبر 1979

    الرسالة الحادية عشرة: من شِيا يي إلى قو تشنغ

    قو تشنغ

    لَكَم أُحبّ خطاباتك وهيئتك وأنتَ تتحدث، إلّا أنني من فرط ما قرأتُها، أحسست فجأةً أننا لا بد أن نكسر الروتين، لِمَ لا نأخذ استراحة ونفعل شيئاً مختلفاً؟ أفكر متى سأذهب إلى بكين، فإذا ذهبت في الشتاء لا بد أن أتعلم التزلج على الجليد، وأطلب من أختكَ الكبيرة أن تعلمني، هكذا فكرت.

    كنت أعيش في تشنغدي في صغري، وهي مدينة لا تبعد كثيراً عن بكين وشتاؤها باردٌ مثلها. كنت أستيقظُ في الصباح الباكر وأغسلُ أسناني خارجاً، وحين عدتُ في إحدى المرات وأمسكتُ بمقبض الباب التصقت يدي بالمقبض، وتملكني ذعرٌ شديد. للأسف لم أكن أجيد التزلج على الجليد آنذاك، ربما لأنني كنتُ لا أزال صغيرة. كان ثمة أرض خالية أمام المنزل تتسع مساحتُها لمائدةٍ وعدة كراسي، فأحطناها بسياجٍ خشبي فصارت كفناءٍ صغير، ثم حددنا الأرضَ لنزرعها، وإذ لم يكن ثمة ما يُزرع في الشتاء، فقد أصبح هذا المكان حلبةَ التزلج الخاصة بي في الهواء الطلق، حيث كنت أحمل عصا السقّا بدلوين وقت المغيب وأصبّ الماءَ فيتجمَّد في لحظات، ثم يتجمّد تماماً طيلةَ الليل وتصبح الأرض مسطحةً تلمع بضياء، وكيفما وطأتها خلال النهار وخلفت آثاراً، يكفي أن تصب الماء ليلاً لتصير مسطحةً ملساءَ من جديد.

    لا أجيد التزلج على الجليد رغم أنني أملك زلاجة صغيرة صنعها لي أبي، كنتُ أجلسُ أعلاها وأتزلج في حلبة التزلج الصغيرة. هل رأيتَ حلبةَ تزلجٍ صغيرةٍ كهذه من قبل؟ كان ثمة حلبة صغيرة لكل منزل حيث كنت أسكن. هذا شتائي فيما مضى، أما فيما بعد سأتعلم التزلج على الجليد، وأرتدي حذاء التزلج ذا سكين التزلج الحادة، فلا أحب التزلج بالعجلات.

    أود أن أذهب إلى بكين في الشتاء.

    ربما بإمكاننا أن نذهب إلى مكانٍ آخر، فإن كانت تلك الحلبة الصغيرة لا تزال موجودة يمكننا أن نذهب، ربما ستجد شياو يي أخرى لم ترها من قبل.

    ترجمة: يارا المصري

    عن مجلة: رُمان