المدونة

  • عيسى مخلوف: تأملات في الشعر والإبداع والحياة الثقافية المعاصرة

    عيسى مخلوف: تأملات في الشعر والإبداع والحياة الثقافية المعاصرة

    عيسى مخلوف :
    تناولتُ في مُداخلتي، في “المعرض الدّولي للنّشر والكتاب” في الدار البيضاء، الوضعَ الذي آل إليه الشعر، مع تغيُّر المعنى الثقافي في العالم ومع التقدّم التكنولوجي وهيمنة رأس المال ومعاييره على أحوال الدنيا والآخرة !
    هنا، في ما يأتي، بعض النقاط:
    الشعر، بدايةً، ليس فقط كلمات وأسلوباً وبُنيَة فنّيّة، وإنّما هو أيضًا رؤية خاصّة ومتميّزة للإنسان والطبيعة، للحياة وللعالم. من هذا المنطلق، فإنّ الشعريّة لا توجد في القصيدة فحسب، بل تتجاوزها إلى كافّة أنواع الكتابة والفنون.
    *
    الشعر في أزمة، نعم. لكن ما هي أسباب هذه الأزمة؟ هل تمسّ الشعر وحده؟ ومن الذي يتحكّم في طبيعة النتاجات الإبداعية وفي أنماط إنتاجها وتوزيعها، بل وفي شروط وجودها بالذات؟
    *
    أختصر وجوه الأزمة في ثلاثة أسباب (وأتوسّع، هنا، في سببين اثنين فقط): أوّلًا، مستوى التلقّي الذي يزداد تدهورًا ضمن مشهد ثقافي جماعي مُتراجع، يُقابله تَراجُع شعري يطالعنا في نسبة كبيرة من النتاجات المنشورة. ثانيًا، الثورة العلمية والتكنولوجية وانعكاساتها على الإبداع. ثالثًا، المال. كلّ ما يتعذّر تحويله إلى سلعة تُباع وتُشترى لا مكان له في السّباق.
    *
    يُلقي الاقتصاد ظلالاً كبيرة على أحوال التربية والتعليم، ومن خلالها على التوجّهات الجديدة التي تعمل على تهميش الجماليّات والمعارف الإنسانية وكلّ ما لا يمتّ بصلة إلى عالم المال. إنّها المرّة الأولى التي يجتاح فيها رأسُ المال، وبهذه الحدّة، الثقافة ويُحكم قبضته عليها ويُخضعها لشروطه ومعاييره.
    *
    كَثُرَ الحديث في السنوات الأخيرة عن موت الشعر؟ هل يمكن الحديث عن “موت الشعر” بدون الالتفات إلى التحوّل الذي طرأ على العالم منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتّى الآن؟ ما حالُ بعض المجالات الإبداعية الأخرى التي تعيش اليوم، وإن بنسب متفاوتة، المصير نفسه الذي يعيشه الشعر؟ ثمّ، هل يمكن إغفال التحدّي الذي يفرضه التقدّم العلمي وهل بالإمكان إشاحة النظر عن الإنجازات التقنية التي تجسّد بعض الرؤى وتعطي الحدس شكلاً فتسبق بذلك، في أحيان كثيرة، روايات الخيال العلمي، بل وتفتح أمام الحلم آفاقًا جديدة لم تكن موجودة من قبل؟ هل يمكن ألاّ يؤخذ في الاعتبار التطوّر التكنولوجي وأثره في التغيّر العميق في المجتمعات الإنسانية وعلاقة البشر في ما بينهم، وكذلك مع محيطهم والبيئة التي يقيمون فيها؟
    *
    لا يتحرّك الشعر وحده في المشهد الثقافي الراهن، شرقاً وغرباً. إنّه جزء من منظومة ثقافيّة تتغيّر ملامحها كما تتغيّر طريقة التعاطي معها والنظرة إليها ضمن الحياة العامّة ككلّ.
    *
    لم تكن القصيدة غريبة كما هي الآن. غريبة ليس فقط عن الآخر، وإنّما أيضًا عن نفسها. وإن خرجت من مخبئها فلا أحد يعرفها ولا تعرف أحدًا. ليس فقط القصيدة بل الأدب الجادّ. بل الإبداع الجادّ بأكمله. ولأنه خارج دورة الاقتصاد، فهذا يعني أنه خارج الشاشة الصغيرة وخارج الحيّز الاجتماعي العامّ…
    *
    ينحسر الشعر، إذاً، وتتصدّر الرواية المجال الأدبيّ في العالم. يصدر في باريس وحدها، خريف كلّ عام، أكثر من ستمئة رواية. بعض هذه الروايات يموت لحظة ولادته، وبعضها الآخر لا يعيش في المكتبات أكثر من شهر أو شهرين. ضمن هذا المناخ التسويقيّ الذي لا يرحم، تصبح الكتابة التي تبلغ النجاح المادّي والإعلامي أشبه بالنُّطفة الأولى التي تُخَصِّب بُوَيضة رأس المال، وما دونها يتخلّف وراءها ويضيع.
    *
    الأدب الرّائج اليوم ينطلق، في الغالب، من قضايا اجتماعية وسياسية وإنسانية عامّة. يثير فضول القارئ ويكون، في معظم الأحيان، أدبًا مسلّيًا لا تتطلّب قراءته جهدًا. وهذا ما يفسّر نجاح بعض الروايات على المستوى العالمي. لكن، هذه العالميّة لا تعني شيئًا في زمن العولمة، ونَقل عمل روائي إلى الكثير من اللغات لا يعكس دائمًا، بالضرورة، مدى قيمته وأهمّيته…
    الروائي مارك ليفي يتناوله بعض النقد بصفته الكاتب الفرنسي الأكثر مبيعًا والأكثر ترجمة. أمّا التعريف به فغالباً ما يكون بالأرقام، على الصورة الآتية: «بدأ الكتابة منذ عشر سنوات. له عشرة كُتب نُقلت إلى إحدى وأربعين لغة، وبيع منها أكثر من عشرين مليون نسخة. روايته الأخيرة «سارق الظلال» بيع منها أربعمئة وخمسين ألف نسخة. معدّل المسافة التي يجتازها خلال شهرين ونصف الشهر للترويج عن كتاب جديد له تبلغ مئة ألف كلم» (نقلًا عن صحيفة “لوفيغارو”).
    *
    يقول الكاتب الفرنسي باسكال كينيار في كتابه “ظلال تائهة” الحائز على جائزة غونكور إنّ “الكتاب الوحيد الذي يُقرأ في معرض فرنكفورت الدولي للكتاب هو دفتر الشيكات”.
    *
    يكشف هذا الواقع الوجه الآخر للكتابة في الوقت الراهن. إنّ ما يحدّد أهمّية الكتاب ونجاحه وشهرته هو، في المقام الأول، قيمته الشرائية. التجارة هي الأساس بعدما أصبحت الروايات تشكّل صناعة قائمة بذاتها في الغرب. صناعة تستخدم قنوات محدّدة وجيوشاً من المتواطئين، من وسائل الإعلام والنقّاد وسوق النشر إلى المهرجانات والجوائز. هذا لا يعني أن ليس ثمة روايات تستحقّ التقدير والجوائز، لكن مثل هذه الأعمال الأدبية أصبح ينتمي إلى النّدرة والاستثناء…
    والحال هذه، أليست الرواية، وعلى الرغم من شيوعها وانتشارها، هي أيضًا في أزمة، كما الفكر والفلسفة والعلوم الإنسانية، فضلاً عن الفنون التشكيلية؟
    *
    يُعلَن عن الأدب بالأرقام، وبالأرقام يتمّ التداول مع الفنّ التشكيلي. مئة مليون دولار كان سعر الجمجمة المرصّعة بالألماس التي أنجزها الفنّان البريطاني داميان هورست، وخمسون مليون دولار ثمن بالون البلاستيك الأحمر المنفوخ على شكل كلب صغير ويحمل توقيع الفنّان الأميركي جيف كونز…
    إنّ الفنّ الذي يدغدغ العين ويستميل العواطف ويستقطب الاهتمام هو تجسيد لانحطاط المشروع الحداثي مثلما كان الفنان الفرنسي فرنسوا بوشيه في القرن الثامن عشر تجسيدًا لتردّي القيم الكلاسيكية، ومثلما رأينا ما آلت إليه النهضة الإيطالية وأين استقرّت بعض الأشكال والأساليب الفنية التي عُرفت باسم «مانييريسم» (التكلّف في الفنّ)، ومثلما تحوّلت الرومانسية والكلاسيكية الجديدة في القرن التاسع عشر، في إنكلترا وفي فرنسا على السواء، إلى فنّ أكاديمي صرف.
    *
    إنّ الوهج الذي عرفه الغرب، وفرنسا بالأخصّ، في الفكر والفلسفة والعلوم الإنسانية، والذي بلغ أوجه في النصف الأول من القرن الماضي، يشهد تراجعًا كبيرًا اليوم. تضؤل الأصوات التي بلوَرها الفكرُ النقديّ وصقلتها النزعة الإنسانية، تلك النزعة التي تعاني في الزمن الراهن من عزلة قلّما شهدتها في تاريخ الفكر، منذ الفلاسفة الإغريق حتى اليوم.
    *
    منطق الرأسمالية المتوحّشة لم يترك آثاره فقط على الاقتصاد والاجتماع والبيئة والمناخ والثروات الطبيعيّة، وإنما أيضًا على المسار الثقافي وإنجازاته عبر الزمن. هناك، الآن، نظام بيئيّ مهدَّد وأجناس حيّة تنقرض أو هي مهدّدة بالانقراض، وهناك، في المقابل، كائنات من طبيعة فكرية وجمالية، على طريق الزوال. هناك مجالات إبداعية كانت أساسية في الثقافة الإنسانية طوال مئات السنين، وفي مقدّمها الشعر والفكر والفلسفة، وأضحت اليوم في موقع الهامش لأنها غير قابلة للتسليع ولا يمكن إخضاعها لمعادلة العرض والطلب.
    *
    حيال هذا الواقع، وفي موازاة ما تُطلقه ثقافة الإعلان والدعاية والاستعراض، وتسليع كلّ شيء بما في ذلك الأحاسيس والعلاقات الإنسانية، ثمّة أصوات لا تزال تمثّل التجربة المتوهّجة صاحبة البُعد الكوني. أصوات تؤمن بأنّ الاقتصاد وحده لا يكفي للنموّ، وأنّ التقدّم التقني والتكنولوجي لا يستقيم فعلاً بدون تقدّم على المستوى المعرفي والإنساني، وأنّ الجماليات والفنون والعلوم الإنسانية تساعد أيضًا على مُقاربة نوازع البشر وفهمها حتى لا يصبح الإنسان نفسه فريسةَ تلك النوازع. صحيح أنّ هذه الأصوات باتت قليلة، غير أنّ أهمّيتها تزداد في مقدار ندرتها، وفي عدم انصياعها للأنساق السائدة، وفي قدرتها على أن تكون، على الرغم من التهميش المفروض عليها الآن، نُواة حيّة لأزمنة آتية…
    ألا يقول جلال الدين الرومي إنّ «الجوهرة تحت الأنقاض»؟

    *عيسى مخلوف، كاتب وشاعر لبناني مقيم في باريس. درس في جامعة “السوربون” وحاز منها على شهادة الدكتوراه في الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية، وهو يعيش على مفترق بين الثقافات المختلفة. له مؤلفات عدة في الأدب (شعراً ونثراً)، وفي البحث. وقد نقل إلى اللغة العربيّة الكثير من النصوص الأدبيّة والفكريّة من اللغتين الفرنسيّة والإسبانية.

  • مبادلة – خوان إدواردو ثيرلوت

    مبادلة – خوان إدواردو ثيرلوت

    في ماء البحيرة
    أتأمل بياض الجسد السماوي،
    الجسد العاري تحت حقول السحاب،
    المحاط بخصرة الأحراش.

    ليس بعيدًا عن البحر
    يتحلل بين الرمال الرمادية
    بين الحشائش
    أيد بين الأحجار البارزة،
    عيونك الزرقاء سماوات.

    الأجنحة تقترب من الأمواج،
    تضيع في صفحات النار،
    قلبي، والنجوم
    على الأرض السوداء، الرمادية.

    السحاب في الحشائش،
    في الصفحات نجوم ضائعة في رسوم بارزة،
    قلبي في الرمال الرمادية،
    أيد بين الأحجار النارية.
    الأمواج تقترب منها الأجنحة،
    تقترب من جسدك العاري تحت الحقول،
    أنتِ، على الأرض السوداء
    تحت البياض السماوي والرمادي.

    عيناك الزرقاوان في الأحراش.
    في السماوات ينحل البحر،
    ليس بعيدًا عن البحيرة
    أتأمل المياه الفوارة الخضراء.

    نجوم تقترب
    تحت حقل الأمواج،
    الأيدي النجومية، في الرمادي،
    الأجنحة البيضاء عارية وضائعة
    بين الأحجار النارية.

    أتأمل زرقتك في الأخضر
    في مياه الأحراش في السماوات
    في رمال البحيرة، في البحر
    عيناك، رمادية بين الحشائش.

  • ليلة في مدينة الزهراء – كونتشا لاجوس

    ليلة في مدينة الزهراء – كونتشا لاجوس

    كان الحلم يأخذ شكل الرخام الوردي،
    تغنيه النوافير والأباريق،
    ترسمه على فراغات وجه الهلال.

    العطر يوحي بالسكينة
    يرسمه رعشات حميمة
    هكذا كان بعثك.

    جارية مشرعة النهود
    من العسل والسمسم
    كانت وليمتك للعرس.

    ثم ترفعين الكأس بالشراب الطيب
    لتزيدين من الشوق
    الوضع الجسدي
    موشى بالظلال المضيئة.

    لا ليل يشبهك، لا لحظة أجمل
    تغزو الأحاسيس بالاشتياق

    تسقط العباءة الرهيفة عن كتفيك
    لا يكشف عنك سوى سقوط الحجاب.

  • أوكتافيو باث – أيام عمل

    أوكتافيو باث – أيام عمل

    1-الفجر

    أيدي عجالٍ باردة
    تسحب واحدةً فواحدة
    عصاب الظلمة
    افتح العينين
    ما زلتُ
    حيّاً
    في قلب
    جرحٍ ما زال طريّاً
    ***
    2-هنا

    خطواتي في هذا الطريق
    ترن
    في آخرٍ
    حيث
    أسمع خطواتي
    تسير في هذا الطريق
    حيث
    لا واقع إلا الضباب
    ***
    3-وقفة

    تصل
    بعض الأطيار
    وفكرة سوداء.

    حفيف الأشجار
    ضجيج محرّكات وقطار،
    هذه اللحظة، أتغدو أم تروح؟

    صمت الشمس
    يخترق ضحكاتٍ وأنّات
    يغمد رمحه
    حتى يصرخ قلب الأحجار.

    الشمس قلبٌ، حجرٌ يخفق،
    حجرٌ من دمٍ يصير ثمرة
    تتفتّح الجروح، لا تؤلم،
    تنسابُ حياتي شبيهة بحياة.

    ***

    ترجمة محمود السيد علي

  • قصيدة لـ ألويسا الميتة – فيدريكو جارثيا لوركا

    قصيدة لـ ألويسا الميتة – فيدريكو جارثيا لوركا

    **كلمات تلميذ.

    “كنت ميتة”
    كما يحدث في نهاية
    كل الروايات.
    لم أكن أحبك، يا ألويسا، وأنت كنت صغيرة جدًا.
    مع موسيقى الربيع
    الخضراء،
    كنت تحلمين بي
    جميلًا،
    وبشعر مسترسل.

    وكنت أقبلك أنا
    دون أن أنتبه،
    بأنك لا تقولين:
    ” يا لها من شفاه من كرز”.
    أنت رومانتيكية، كنت تشربين الخل خفية
    دون أن تدري الجدة.
    فتحولت زهرا بريا
    في الربيع،
    و أنا كنت عاشقًا
    لأخرى.
    أليس ذلك محزن؟
    عاشقًا لأخرى كنت أكتب
    اسمها على الرمال.

    عندما وصلت إلى بيتك
    كنت ميتة،
    ترقدين بين الشموع
    وزهور الحبق،
    تماما كما في الروايات.
    أحاط أطفال المدرسة
    بقاربك،
    وأنت شربت زجاجة
    الخل كلها.

    تيلين تالان
    كانت الأجراس الطيبة
    تبكيك.
    تالان تيلين
    وشعرت في المساء
    بألم في الرأس.
    ربما كنت تحلمين في نومك،
    بأنك” أوفيليا”
    على سطح بحيرة زرقاء
    من مياه محمومة.

    تيلين تالان
    فلتبكين
    الأجراس الصغيرة.
    تالان تيلين
    وتشعرين في المساء
    بألم في الرأس.

  • مختارات لفيدريكو جارثيا لوركا

    ١-الكرز المزهر

    في شهر مارس
    تذهبين إلى القمر
    وتتركين ظلك هنا

    تصير المروج
    وهمية،
    وتمطر
    طيورًا ملونة

    أضيع أنا في غاباتك
    صارخًا:” افتح يا سمسم”
    أتحول طفلًا، يصرخ:
    “افتح يا سمسم”.

    ٢- قصيدة

    على جناحيك
    ينام القمر المكتمل

    بلا غابة
    ولا قيثارة

    في ريشك
    ينزلق الليل

    بلا لحم أشقر
    ولا قبلات

    تسحبين النهر
    أمام
    قارب الموتى

    ٣- ابتكارات

    **نجوم من الثلج

    هناك جبال
    تريد أن تكون
    ماء،
    وتبتكر نجومًا
    على سطحها.

    ** سحاب

    وهناك جبال
    تريد أن يكون لها
    أجنحة،
    فتبتكر سَحَابًا
    أبيض.

    ** جليد

    تتعرى
    النجوم
    فتسقط على الحقل
    قمصانًا من النجوم،
    مؤكد سيكون هناك
    غرباء،
    وصراخ
    يبحث عن المكان الميت،
    الذي انزاح فيه الماء.

    ** إشراقة الصباح

    تظهر
    غرة النهار

    غرة بيضاء
    لديك من ذهب

    غرة من ذهب
    لديك شارد.

  • آلان بوسكيه – يكفي أن نلعق المدينة لتختفي كقملة

    آلان بوسكيه – يكفي أن نلعق المدينة لتختفي كقملة

    اكنسوا الكلام
    لأنني شجرة
    لأن السماء تتخذني عنقاً، والنجوم
    شفاهاً موشومة،
    لأنّ رجوليّتي تقلّ كلّ يوم
    ولأنني ثلجٌ أكثر من الثلج
    البحر النائم.
    أقولُ لكم
    اكنسوا الكلام، هذا القذر!
    ***
    في كلّ عصفورٍ
    كان جبلٌ ينام
    في كلّ يدٍ كانت زاحفةٌ مقدّسةٌ تأكلُ ملحاً.
    في كلّ شارعٍ من المرفأ
    كان مطرانٌ هرِمٌ يسألُ شجرةً ما.
    كانَ النبيذُ عارياً، وقربَ النهر
    بكاءٌ على براري اختفت
    منذ لقائها الأول مع الثلج.
    لأنّ النار قليلةٌ،
    تزوّج الشاعرُ المدينة التي كانت تشتعل.
    ***
    حتى الوردة
    تعلمت الكذب
    حتى حبر الحمام الوديع
    كان يستخدم لتزوير الفجر.
    ***
    لأن البراكين كانت تحرّك جفونها
    لأن العصافير كانت تلعقُ أشجار الحامض
    لأن رياح السموم كانت تحملُ أشباه الجزر
    لأن الشلالات كانت تمزّقُ كتف غاباتها
    أيّها المسافر، المسافر
    عندما ستشبعُ من أساطيرنا
    لا تنسَ أن تحفر الأوقيانوس حتى هيكله العظمي جالساً أمام جمجمته
    وستفهمُ لماذا نرفض المعرفة.
    ***
    يكفي أن نلعق المدينة لتختفي كقملة.
    ***
    أيّها العابر الجميل، أترك لي ظلّك النضر:
    كم هي حارّةٌ أبديّتي.
    ***
    أخيراً، عندما خلع القمرُ ثيابه
    أصبحتِ الشجرةُ ريحاً موسميّة
    والجبلُ كلب بحر
    والشلالُ التائهُ مذنباً أليفاً.
    كان العالم ناضجاً للتحوّل
    سوف تعتزل الأوقيانوسات الشابّة والهرمة
    وتعاد الجزر إلى اللقالق
    ستملَّكُ التماثيل على العصور المؤنّثة
    وعلى العصور المذكّرة ستملّك أفراسٌ مقدّسة.
    في تلك اللحظة أزاح الفقير خطّ الإستواء
    بقي العالم كما هو، خائباً من الإنسان.
    ***
    تلك حالة الذين يعيشون وحيدين
    حتى جلدُهم يطردهم.
    كقشرة الشجر، كالورق
    كحبر، ككلمة
    كشبه جزيرة، كبحر
    كحب، كموسيقى
    نحن واحد
    كشجرة، كورقة
    كحبر، كفعل
    كجزيرة، كأوقيانوس
    كحب، كرسمٍ زيتي
    كحبرٍ في قاعة الحبر
    كجزيرة تحت الجزر
    كحبٌّ دون حب.
    ***
    من قمحةٍ إلى قمحة
    من كتابٍ إلى كتاب
    كلّ الأطفال-لو تعلمون-زوارقٌ
    تقودهم أمثالٌ تشبهُ الغيوم
    لفظة بعد لفظةٍ حتى اليابسة
    حتّى البطارق الذهبية التي تلهج بالقصائد
    كلّ الأطفال-لو تعلمون-أشجار
    يفتحون أغصانهم ليلاً، ويرقصون
    حتى الدوار على الساحة الكبرى
    كلّ الأطفال-لو تعلمون-كواكبٌ
    يكرّموننا باسم حقيقةٍ أخرى
    أسطورة أخرى
    ونحنُ الكبار، هل سنقنعهم بالتباطؤ هنا
    قبل أن يرجعوا إلى النجوم المجنونة.
    ***
    المدينة تجرّ سكّانها
    كقرص أناناسٍ مقطوع الرأس.
    ***
    الدماغ الإلكتروني موزار يطوّع الموسيقى
    الدماغ الإلكتروني فيرمير يعطي أمثولات بالرسم
    الدماغ الإلكتروني رمبو يمحو كلّ أشعارنا.
    ***
    نحنُ أصغرُ من ذواتنا
    ***
    عندما ستضيّع وجهك المئة
    عندما سيصبحُ جسدك نهراً
    مغطّى بالنمل الأخضر
    ونفسك أضعفُ من الريح
    سجينة السفن
    ستقرب من المملكة
    حيث المادة تحتقر المادة
    ستمنح أحفادنا الشرف
    بولادتكَ عندهم
    بصورة فعلٍ يصعبُ لفظه.
    ***
    السفن لا تفرّق
    بين النجمة والقبطان.
    ***
    دمُ أيّ حائطٍ؟
    والأفق دفين القبر
    أفكارٌ كثيرة
    ورغباتٌ أكثر من يعاسيب
    تجرّأت على اختيار بين وردتين
    الروح هنا تحرّرت من ثقلها
    سنغيّر الجنس البشري
    وآخر إله
    سيتحوّلُ إلى خلد.

    ***

    مختارات من آلان بوسكيه

    ترجمة فينوس منصور

  • بول شاوول – غالباً بطء الموت

    بول شاوول – غالباً بطء الموت

    غالباً بطء اليدين

    يغلقُ مسافة الشجرة

    كي تبقى

    واقفةً

    على شريانها.

    غالباً بطء العينين

    من فريسةٍ طويلةٍ

    إلى نهرٍ مطمئن

    هنا اللحظة المطويّة

    على وريفها

    هنا الظلّ السائب

    ولا جسد.

    غالباً بطء الكلمات

    في حريقٍ بلا يدين

    في حريقٍ ينسى

    في الحريق.

    غالباً البطء

    مستورتان عينا النمر

    بصباح المخمل

    مستورٌ وبره

    بحروفٍ خلّابة.

    غالباً البطء

    كأن تقول من ينتظر

    ها هو الشفاف

    حاملاً شفرة الورد.

    غالباً بطء الموت

    من نقطةٍ أولى

    إلى نقطةٍ أولى

    إلى

    نقطة

    تتقدّم قاماتٌ

    تلمس المعدن بأجفانٍ

    تحضن الجسورَ

    كمن لا يعرفُ غير الهواء

    تتقدّم قامات

    كمن يبتعد

    ولا فتاتَ ظلالٍ

    على الرمل

    غالباً بطء الموت…

  • موازي الغامض – كمالا سريا

    موازي الغامض – كمالا سريا

    موازي الحياة الغامض هو الموت
    كثيرًا ما أسأل نفسي: هل ما أفعله هو الحياة أم الموت؟
    يوجد شيء من كليهما في كل حركة، سواء أكانت لعقلي او جسدي.
    في حنجرتي يصارع الشهيق الزفير.
    والمشاهد التي أراها لا تسكن في الخارج، بل في داخلي.
    المخاوف القابعة في عقلي
    تهبط عليّ من رؤوس الأشجار عند الغسق
    وفي زوايا المطبخ المظلمة تجثم بمخالب لها حفيف،
    وتحديق عيون من يعرف كل شيء.
    ويرتفع عويل آكلات اللحوم أعلى فأعلى
    حتى يتلاشى من الحياة بكاء الطفل الذي نحاول دائمًا تذكره
    تمامًا مثلما يبتلع الألم الكبير الآلام الصغيرة
    وكما تمحو الذكريات المبهرجة الذكريات الأكثر سعادة ولذة
    هل هناك طفل في سريري يومًا من الأيام
    كانت تملأ له طاسات الصدور محملة بالحليب والحب؟
    يبدو أن جفاف مفاجئا قد حط رحاله
    على مصبات دمائي التي بيضت لونها لفحة الشمس!

    *شاعرة وكاتبة قصة قصيرة من كيرالا.
    **ترجمة: د. شهاب غانم.

  • «متعة المشيب (بلا مزاح)» – أوليفر ساكس

    حلمتُ البارحة بالزئبق على هيئة قطرات هائلة تصعد وتهبط. الزئبق هو العنصر الثمانون <في الجدول الدوري>، وقد كان حلمي مجرد تذكيرٍ بأنني سأبلغ الثمانين يوم الثلاثاء.

    لطالما اختلطت العناصر وأعياد الميلاد بالنسبة لي منذ الصبا، ففي الحادية عشر من عمري كنت أقول “أنا صوديوم” (الصوديوم هو العنصر 11)، والآن أنا ذهبٌ في التاسعة والسبعين. قبل بضع سنوات، حين أعطيت أحد الأصدقاء قنينة من الزئبق في عيد ميلاده الثمانين – وكانت قنينة مميزة بحيث لا تسرّب أو تتكسر –، رمقني بنظرة غريبة، لكنه أرسل رسالة ساحرة فيما بعد، وقد كتب فيها نكتة “آخذ قليلًا منها كل صباح لأجل صحتي”.

    إنها ثمانون عامًا! أكاد لا أصدق ذلك. أحس أحسانًا أن الحياة تتعلق بابتداءها، ثم الإحساس بها قرب النهاية فقط. كانت أمي الطفلة السادسة عشر من ثمانية عشر ابنًا وابنة، وأنا كنت أصغر أبناءها الأربعة وأكاد أكون الأصغر بين أبناء الخؤولة الكثر من جهتها، كما كنت أصغر ولد في صفي خلال المرحلة الثانوية. وقد استعدت هذا الشعور بكوني الأصغر عمرًا، حتى وإن كنت أشيب من أعرف الآن.

    ظننت أنني سأموت في الحادية والأربعين حين مررت بفصل خريفٍ سيء وكسرت أحد ساقي أثناء تسلق الجبال وحيدًا. ضمدت تلك الساق بأفضل ما يمكن ثم بدأت أدفع نفسي بحمق باستخدام ذراعيّ نحو أسفل الجبل. في الساعات التي تلت ذلك، ساورتني الذكريات بخيرها وشرها، وكان أغلبها مشوبًا بالامتنان تحديدًا لما منحني الآخرون، وكذلك لأني صرت قادرًا على منح شيء بالمقابل؛ فقد نُشِرَ كتاب «يقظات»[1] قبل ذلك بعام.

    أشعر وأنا في الثمانين تقريبًا – مع قليل من الاعتلالات الطبية والجراحية دون أن تعيقني أي منها – بالسعادة لأني حي، حتى أن جملة من نوع “أنا سعيد لأنني لست ميتًا” تخرج عفويًا حين يكون الجو مثاليًا. (وهذا ما يناقض قصة سمعتها من صديق حين كان يتمشى مع سامويل بيكيت[2] في باريس خلال صباح ربيعي مثالي، فقال له “ألا يجعلك نهار كهذا سعيدًا لأنك حي؟” فأجابه بيكيت “لن أذهب بأحاسيسي بعيدًا إلى حيث تقول”). أنا ممتن لكوني خضت عدة تجارب – بعضها رائع والآخر فظيع – وقدرت على كتابة دزينة من الكتب، واستقبال رسائل بلا عدّ من أصدقاء وزملاء وقراء، والاستمتاع بما سمّاه ناثانيال هاوثورن “معاشرة العالم”.

    وأنا نادم على أنني ضيعت (وما زلت أضيع) الكثير من الوقت، وعلى أنني ما زلت خجولًا بقدر ممض في الثمانين مثلما كنت في العشرين، وأنني لا أتحدث أي لغة أخرى سوى لغتي الأم، ولم أرتحل أو أجرب الانخراط بوسع في ثقافات أخرى بقدر ما كان عليّ ذلك.

    أشعر بأن علي محاولة إتمام حياتي، مهما كان يعني “إتمام الحياة”. فبعض مرضاي ممن تخطوا التسعينات من أعمارهم ومن تعدى المئة يقولون ما يشبه صلاة سمعان في إنجيل لوقا[3] عبر جمل من نوع “لقد عشت حياة كاملة، والآن أنا مستعد للرحيل”. بالنسبة لبعضهم، ذلك يعني الرحيل إلى الجنة – ولطالما كانت ]الوجهة[ الجنة بدلًا عن الجحيم، رغم أن سامويل جونسون[4] وجيمس بوزويل[5] ارتجفا حين التفكير في الذهاب إلى الجحيم وغضبا من ديفيد هيوم[6] الذي عاش هانئًا بلا معتقدات كهذه؛ فأنا لا أؤمن بوجودٍ لما بعد الموت إلا في ذكريات الأصدقاء، وأمل بأن بعض كتبي ستبقى “ناطقة” للناس بعد مماتي.

    غالبًا ما كان يحدثني و. هـ. أودن[7] عن ظنه أنه سيعيش إلى الثمانين ثم “يرحل” (وقد عاش حتى السابعة والستين فقط). وعلى الرغم من أنه مات منذ أربعين سنة، إلا أنني أحلم به كل فترة، وبوالديّ ومرضى قدامى قد ذهبوا كلهم، لكنهم ما زالوا محبوبين ومهمين في حياتي.

    في الثمانين، يلوح طيف الجلطة أو الخرف، كما أن ثلث من يعرفهم المرء قد ماتوا – وغيرهم الكثير – إثر إصابة جسدية أو عقلية عميقة، ليحاصروا <بعد ذلك> في حيز مأساوي وضيق. كما تصبح أمارات الرحيل بيّنة للغاية، وانفعالات المرء أبطأ بقليل، والأسماء في الغالب أكثر تملصًا، وعلى طاقاته أن تصير مقتصَدة أكثر. لكن برغم ذلك، قد يحس المرء أحيانًا بأنه ممتلئ بالنشاط والحياة وليس “عجوزًا” بالمرة. لربما أكمل بالحظ سنوات أكثر – بحال سليمة أكثر أو أقل – وسأوهب حرية استمرار المحبة والعمل، أهم شيئين في الحياة، كما يصر <سيغموند> فرويد.

    وحين يزف أجلي، أرجو أن أموت أثناء عملي كما فعل فرانسيس كريك[8]. فحين قيل له أن سرطان القولون عاد، رد على ذلك بصمت مطبق، فقد نظر ببساطة إلى المدى لمدة دقيقة ثم استمر بقطار أفكاره. ولما ضُغِطَ بسبب التشخيص عقب أسابيع، قال “ما كان لشيءٍ بداية إلا وله نهاية”. وحين مات في الثامنة والثمانين من عمره، كان ما يزال مندمجًا بالكامل في أقصى أعماله إبداعًا.

    كان أبي – الذي عمّر حتى الرابعة والتسعين – يقول على الدوام إن الثمانينات كانت أحد أكثر عقود عمره متعة، إذ لم يشعر بضيق حياته العقلية وتصوراته، بل بتوسعها؛ مثلما بدأت أحس تجاه نفسي. فالمرء لا يخوض تجربة الحياة الطويلة عبر معيشته فقط، لكن مع حيوات الآخرين أيضًا. وقد رأى أفراحًا ومآسي، وانفجارات وعدة إعلانات إفلاس، وثورات وحروب، وإنجازات عظيمة وشكوكًا عميقة كذلك. كما شهد صعود نظريات كبرى حتى انهيارها بفعل حقائق لا تتزحزح، وصار أكثر وعيًا بسرعة زوال الأشياء وربما بالجمال أيضًا. في الثمانين، يمكن للمرء أن يتّخذ مطلًا عاليًا فيمتلك حسًا حيًا وأبهج بالتاريخ لم يقدر على امتلاكه في عمر أقل. أستطيع أن أتخيل ما يبدو عليه قرن من الزمان شاعرًا به في عظامي، وهذا ما لم أقدر عليه حين كان عمري 40 و60 عامًا. لا أفكر بالمشيب على أنه مرحلة أمر وتتطلب من المرء أن يتحملها بشكل ما ويجني أفضل ما بها، بل كمرحلة من الدعة والاستقلال، متحررًا من صدوف الأيام الأُوَل، وأيضًا لأجل استكشاف ما أود، ولربط أفكار ومشاعر حياة كاملة معًا.

    أتطلع قدمًا لبلوغ الثمانين.

    [1]  أحد أشهر كتب أوليفر ساكس. جمع فيه بين المذكرات والطب النفسي، وقد تحول إلى فيلم شهير من بطولة روبن ويليامز وروبرت دي نيرو.

    [2]  كاتب إيرلندي (1906-1989)، وأحد أشهر أدباء العدمية في الأدب الأوروبي. أشهر مؤلفاته “في انتظار غودو”.

    [3]  وردت كمصطلح واحد nunc dimittis ولم أستطع العثور على مقابل معجمي باللغة العربية. لكن المقصود هو صلاة سمعان الواردة في الآيات 29 إلى 32 من الإصحاح الثاني في إنجيل لوقا («الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، ** لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، ** الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. ** نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ».)

    [4]  كاتب إنجليزي (1709-1784)، وأحد أهم رمز الأدب الإنجليزي.

    [5]  محامي وكاتب سير ومؤرخ إنجليزي (1740-1795)، وكان صديقًا عزيزًا لدى سامويل جونسون وكتب سيرة حياته، التي تعد أحد أهم كتب الأدب باللغة الإنجليزية.

    [6]  فيلسوف اسكتلندي (1711-1766).

    [7]  شاعر إنجليزي أمريكي كبير (1907-1973)

    [8]  باحث كيمياء حيوية بريطاني (1916-2004)

  • بول شاوول-أيها الطاعن في الموت (مختارات من الكتاب)

    بول شاوول-أيها الطاعن في الموت (مختارات من الكتاب)

    I

    رأيته وافداً بين أسراره
    أي ظلام في الكون
    خلف الظلال العين الراعبة
    والوجه المشقق يملأ الجذوع
    تلك القامة الوافدة تخرج من الجدران
    ألحان حجرية تواكب خروجها من
    الأشياء إلى الأشياء

    رأيته وافداً والطير تهرب من
    قرع خطواته
    انه حجر انه حجر
    ماذا سنفعل بوجوهنا المحفّرة على الحديد
    قد نتقاطر أمام دفع المركبات
    لكنه الصهيلُ الذي يجمِّد المرتفعات
    تلولبْ! الرمل عميق

    لكنه يأتي مع العواصف الحجرية
    هاجس في دوران الأرض
    هاجس في حدود البحر
    ساقط بين العناصر والنسيان
    قامة تتسع للطيور والفضاء

    من سيخفي أجنحته أمام
    نذير قدومه
    من سيكسر الكؤوس حتى لا تبقى
    دمعة للذكرى

    رأيته وافداً بين أسراره
    يطوّق المدينة بذراعيه ويمحو بنظره
    طرقاتها وأحزانها

    II

    وقف بين المنعطفات بعدما فقد الدرب الواحدة
    «ماذا يعني أن ننتظر الشهب»

    حملق أمامه لكنه ارتدّ
    «ماذا يعني الانهيار»

    بسط كفيه ورفع عينيه إلى الفضاء
    «هل يمكن أن تعلق عيناي هناك»

    وماذا يمكن أن ترسم خطاه
    بعدما أغلق على جسده بوّابة الوهم
    تقدم كي يحفر أكثر في الرمل
    ومن دون أصوات تمدد على خطاه
    هنا الأرض بلا جماهير
    والرمل غزير
    فلأتعمقْ في الرمل

    ماذا في يديك أيها الواقف بين
    المنعطفات
    عاجزاً في الوحدة وأمام العيون
    كيف ستحزم خبايا الحدائق أو بعاد
    الأجنحة
    وتوّحد أصواتاً غلغلت في القاع
    والأجساد

    مسبوقاً تجري وبلا أنفاس
    هنا الأشجار للذكرى والواحات تعد
    بالرحيل
    والطفل الذي يقطع من هضبة إلى
    حزن يحلم بالوقوف
    لكن أرق اليقظة يخطف المسافة من
    دون انبهار
    ماذا عن اشتعال الصبح والنساء
    والجري
    سبقناك حتى انتفاضِ الرقصة
    الخطرة
    سوف نلقاكَ تحت مطر السكون
    والحشرجاتِ الطويلة.

    III

    بعدما انحدر آفلاً مع الثلوج
    راثياً أيام الضفاف والأجنحة
    (لكم ارتفعت جبهته بين البروق
    واللحظات)
    (لكم انتصب بين الأوراق والدموع
    العالية)

    «تدجين الموت في الركض بين
    الضفاف»

    الثقب في الصخر كيف لا يفتح
    السماء والكلمات

    مدٌّ على وجه البحر
    حفرٌ في النهر
    أي عين تنسدل على ايقاع الجسد
    بين الفصول
    أي ثانية لا تشق الثمرة حتى الندامة
    أي زمن لا يرفع بوق الظهيرة ويلمّ
    الأطفال.

    IV

    تندسّ في صراخك نجمةٌ كانت
    قد سقطت طويلاً على وجهك
    كل هذه العصافير تتشقلب غاويةً
    طيرانَك
    وسهوبَك على مدّ السنابل والجبال

    هذه الطعنة في جريك هذه الطعنة في جريك
    وماذا لو تمددت على أطراف الحلم
    أو نفضت أرق اليقظات من عينيك
    بعدما تتهاوى على مدارك أعمار

    أو قرع للصمت في كفاياتك أو اضغاث
    بسمات تبقّع الفجر وتتلو المراثي

    آه لو تعرف قبل أن تسقط

    سبحان اليقظة المتهوّرة والمشاعل
    المشرعة
    سبحان الخطوة التي تتمدد عليها
    بعد الورود التي تملأ الصخر والجذوع
    تشك في مسراك النجمة الهاتفة
    بالخطر

    وستنخطف أنت من بلقع الرمل كي
    ترسم
    أشكالاً للزمن والذاكرة
    (الموت لا يعرف المراثي كأنه صديق
    الرايات والجباه)
    وستحفّر في تربتك كلماتٍ لا تنتهي
    وأنفاساً تسحّب من المواقد
    حتى تنتصب
    رافعاً رأساً كالجرس بين الرؤوس
    المنكّسة

    رافعاً أطفالاً يشهقون من اليأس
    والقطعان تغطي ثلوجك
    تفلت على المرتفعات أحصنةً لا تعرف
    المسافة
    وطيوراً أكبر من الشموس
    ولو هتفت أن انتهيت انتهيت
    تصبح واحداً بين المرايا
    حتى تتسمَّى الأشياء من جديد
    نهباً للنار.

    V

    وسموّ الأزمنة في لفتاتك آن تشرئب
    ثقيلاً بين الحرائق والينابيع
    ذاك الجسد الفلتان عبر مجاريه
    ويقظاته حتى يتلامس النبض

    خفراً مع مسرى الينابيع واهتزاز
    الثمر الملآن
    ما أعظم السقطة التي تنهض مع
    الأوراق

    سموّ في المنحدرات
    يا ساحب الذكرى بعد الضفاف والهينمات

    تنضمّ إلى حجارتك وعيناك مغلقتان
    على
    أعز الأموات والورود
    فلننشطر في وحدة المأساة
    على كل جبهة بريق نهاية.

    وكل الجباه حزمة تحت الفؤوس واللمع

    سموّ في الانتكاسة والرعب
    ملحمة تواكب الشعوب الساقطة
    وحدها الدموع العالية بين الأمطار

    قرع واحد أو موت أو يقظة بل كل الهتاف
    جرف كالأسلحة يحدد حركاتك
    كأنما سوف ترفع سياجاً للماء والسنين
    والأغمار تتلو المراثي والصلوات

    VI

    ولا تتحمّل الظلمة في عينيك
    آن تهوي عليك طيور تغرز في الأعماق
    أو صيحاتٌ تفسّخ بياض الثلج
    كأنما برق لا ينقطع فوق السرو والبلاد
    آه لو انحنيت
    ولكم أخفيتَ مقتلة في الليل
    وعيناً رازحة تحت الجمر
    ومن الجسد اللاصق بالرمل كيف
    تولّع الزهرة
    أو تُذيب العبرة
    لترفع عنقاً للموت والمرثاة
    حتى الحلم لو كنت من خفاياه
    لاستدار على الحرائق والخسوف

    VII

    الشجرة المخمورة والظل السادر
    اقترب في انحداره حتى التصق
    بالضفاف فأي سكون يرفع حركاته
    حتى الأشياء المعطوبة تهيأت لكلمات
    عالية
    (هنا تحترق الأجساد وتنتصب في رمادها)
    ولو تقدّم الوجه الملآن على لمع
    القامات والهواء
    هل ستفزع إليك حرقات غصَّت بحنين القمم
    أو ترسل بين الأغمار أعلام المدن
    وحدك رمح الريح في تناسل العناصر
    تحفر في الرمل وتحدّق في الجباه

    لعلَّ تنبسط على القسمات سعادة
    البحيرات

    كيف تروي أنك تحصى الجوع
    وتنتحب
    كيف تروي أنك ترثي الجسور

    الشجرة المخمورة اشتعلت في الموت
    وهزت أغصانها أصواتٌ أيقظت الخشب والتراب
    الشجرة المخمورة دارتْ وامتزج
    الحلم بالسكون
    حتى هتفت أنت الشعلة الشعلة
    ولن تجرؤ شفة أن تزرقّ أمام الهتاف
    أو تغلق عين

    الظل السادر يعزف في غرف النوم
    والمقاهي
    وعلى الأرصفة ويلملم أوراق الكلمات
    خذ – خطوط مستقيمة توجز الركض
    خذ – أصابع تتحرك على الأعمدة

    الشجرة المخمورة والظل السادر
    اقترب في انحداره حتى صار
    واحداً مع الضفاف
    فأي دمعة جديدة ستنسلّ بين السواقي
    وتسبق السهل والمنحدرات

  • القتل في جدول الأعمال – رامكانتا راث

    القتل في جدول الأعمال – رامكانتا راث

    أعلم أن على يديّ دماء
    وأعلم أيضًا أن يدي ستتلطخ
    بدماء أخرى كثيرة.
    ولكن لم يكن هدفي من المجيء هنا
    أن أقف بين الجمهور
    وأرمي باقات الزهور على الطغاة.

    سوف يموتون يومًا ما. وكذلك أنا
    ولذلك يبث قلق الليالي بأمطارها التي لا تنقطع،
    ضراوته في كل يوم من أيامي
    وكل ليلة من لياليّ
    فحياتي، بوضوح، تعتمد على موتهم
    ولا شك أنني سأموت من العار
    من البقاء حيًّا، إلا إذا انتهوا بسرعة.

    إذا لم يموتوا بسرعة
    فكيف يمكنني أن أشرح للقمر
    السر في تحول ضحكي إلى تكشير؟
    كيف سأشرح لتلك المرأة النائية
    لماذا تحولت إلى حجر؟

    إذا قتلوني فبالتأكيد سيخترعون حكاية
    تأكد للناس أن موتي كان ضروريًا
    وأنه ما أن سقطت حتى ارتفعت أصوات في السماء
    عالية وواضحة،
    تعبّر عن امتنانها للمغتالين.

    أن يصدقهم الناس أم لا يصدقونهم
    أمر ليس له أهمية.
    لم يحاولوا أبدًا أن يفهموا لماذا يصلي المواطنون طل يوم
    بأن تكون حياتهم هذه آخر حياة لهم على هذه الكوكب.

    أما إذا قتلتهم،
    فعلى العكس،
    لن تكون هناك ضرورة لاختراع قصة.

    حتى أراملهم خلال عويلهن
    لن يحرضن أولادهن أبدًا
    على الانتقام لمقتل آبائهم.

    وحالما يموتون، فسوف أرحل بعيدًا
    ولكن إلى أين؟ ليست لديّ أدنى فكرة.
    ربما سيوجهني وجه تلك المرأة مثل نجم
    إلى مكان السيف الذي حملته لأقتل نفسي
    ليشحذ نفسه من جديد
    استعدادًا لقتل شخص آخر.

    *رامكانتا راث، شاعر من أوريسا.
    **ترجمة: د. شهاب غانم

  • فيروز العوكلي – ظل

    فيروز العوكلي – ظل

    الشمس التي دسستها في غرفتي
    يوم كنت خائفة
    لم تعد لي..
    والعقد الذي قبلت حباته
    حبة حبة
    تبعثر
    وتسربت منه رائحتك
    ورائحتي..
    والخوف!
    آه! لم أحدثك عن الخوف
    حين يحدق بي ظلي
    ويتمايل
    ويكبر ويصغر
    ويتلاشى في عقد الحب
    تحت شمس نافذتي
    وأهرب منه إليه
    فتضيع مني الطريق
    وينكمش الخوف في حضني
    والشمس
    التي
    لم تعد لي،
    ليست
    لي.

  • امرأة ضائعة – كمالا سريا

    امرأة ضائعة – كمالا سريا

    لست وحيدة يا سريا
    إن حب الله العميق مثل نور القمر الناعم
    لقد كسبته مثل مجنّ،
    أنت وحدك تسمعين قوافي الألحان الصامتة
    مثلما البحار عند جزر التيار.

    لقد اغمي عليك عند الباب
    وأنت تجاهدين لترتقي تلك الدرجات الشاهقة
    بأقدامك الناعمة الدامية
    بحثًا عن رضى الحافظ الذي ليس كمثله شيء.

    لن يجرؤ أحدًا أن يرميك بالحجارة بعد الآن
    لا تبقي على آلام الحسرة في صدرك،
    الهدوء الساحر
    المخبأ في أعماق البحر المضطربة
    أصبح ملكك منذ الآن.
    اللون الناعم للغروب
    حيث يلتقي اليوم الآفل
    بالليل الوليد
    أصبح ملكك منذ الآن.
    لقد عبرت البراري والقفار
    والتلال والأنهار
    لتصلي هنا.

    وعندما أصبحت تحت الشجرة المزهرة
    هطلت عليك الأمطار
    ثم هطلت الأزهار،
    وأشرق وجهك بابتسامة بهجة
    ألا تعيش هذه الذكرى فيك؟
    إنها مثل فرحة الوصول للبلوغ،
    هل تحسين في نفسك صدى نفس الحالة.

    *شاعرة وكاتبة قصة قصيرة من كيرالا.
    ** ترجمة: شهاب غانم.

  • فيديل سبيتي – أشجار الرأفة

    فيديل سبيتي – أشجار الرأفة

    افتح النافذة
    دع الأشجار تدخل
    تتعشّق في الزوايا
    تتعرش في السقف وعلى البلاطات الشاحبة
    تعال من حيث تكون
    اترك قلمك
    افتح النافذة ودع الأشجار تدخل
    وأطعمها
    ربّت على أوراقها
    خذها في حضنك وقل لها انك تحبها
    الأشجار
    الأشجار
    الأشجار
    دعها
    إلى المرحاض
    إلى المكتبة
    إلى طاولة الجلوس
    دعها تواسي خشبا منزوعاً عنوة كان قريبها
    ولك أن تتسلق
    أن تغفو فوق غصن منها
    أن تأكل أوراقها
    لك أن تضمها طوال الليل
    لن تتأفف
    وستحسبك شجرة مثلها
    تركها أهلها في الأرض ورحلوا
    عُدْ الآن
    الأشجار تطرق زجاج النوافذ
    تنتظرك
    مذ صرت تمثالاً من الإسمنت
    وتريدك قريباً منها
    لأنها مثلك
    عاطفية
    ومقبلة على الموت

    سيرة
    الحياة جميلة
    أيها المكتظ بالشعارات
    والأفلام الإباحية
    أيها المهجوس بوحدتك
    وكأن سيرتك أبقى من سيرة
    كافكا

    وهن
    في الكهرباء يسيل العسل
    وفي دموعك
    أرق سنوات قديمة
    الأبنية المصطفة كتفاح الأشجار
    لا يأكلها الدود
    وحدهم البشر أقرباؤك
    يتقهقرون
    عند اقتراب
    ضوء الصباح

  • أيها الأسير هل أنت مستيقظ؟ – سونل جانجو بهادهيايا

    أيها الأسير هل أنت مستيقظ؟ – سونل جانجو بهادهيايا

    1- أيها الأسير هل أنت مستيقظ؟

    بين السماء المظلمة والأرض
    ترتفع صرخة خلال الليل الصامت:
    “أيها الأسير، هل أنت مستيقظ؟”
    هل يستطيع النوم؟
    أم أن اليقظة ه سجنه؟
    شيء ما يحترق في دماغه.
    في كل لحظة.. كل ثانية من عمره
    يسمع قرقعة الأغلال، عزلته.
    إلى داخل الحفرة العمياء
    زنزانته
    تأتي الشمس مثل الحلم
    لتأكد وجوده.
    أية قسوة
    أن تسأل المحروم أبديًا من النوم:
    ” أيها الأسير، هل أنت مستيقظ؟”
    مستيقظ عبر الزمن
    يوجه وجهه الرهيب القاسي
    تحديقة خلال القضبان
    وتحت حواجبه
    يحترق سهمان من الأسئلة.
    معزولًا تمامًا عن الطبيعة،
    تحرق عيناه العتمة.
    ونحو فنون الحب الخاصة،
    والتجارية، والظمأ، والطمع
    ونحو النعاس العميق لمسرح البشر
    يقذف سؤاله ذا الصدى:
    ” هل أنت حر؟ حر؟”.

    2- مدينة الذكريات 13

    الناس عند الحدود يتكلمون النثر
    وفي الأحياء الفقيرة والمصانع يتحدثون بالنثر
    وخلال النهار تتحدث المدينة بالنثر
    كل المآسي المعاصرة تتحدث بالنثر
    الحقول القاحلة، والرجال الخشنون الشعث يتكلمون بالنثر.
    حضارة المقاص والسكاكين عن بكرة أبيها تتحدث نثرًا

    عماذا إذن سيكون الشعر؟!

    *شاعر وروائي ومسرحي وكاتب مقال وقصص أطفال باللغة البنغالية.
    ** ترجمة: د. شهاب غانم.

  • أنشودة الجسر – جانين فيرلي

    أنشودة الجسر – جانين فيرلي

    ب

    إلى آنجيل نافيس

    عزيزتي آنجيل:

    الرجالُ، يأتونَ باندفاعٍ وقوةٍ، كحباتِ

    رمالٍ في عاصفة.

    في الآونةِ الأخيرة، لم أكن أنا؛

    كنت أعبرُ الأنهار، أجمع السكاكين والمهدئات،

    أستخدم لساني للصيد من حلوق الرجال،

    فأجد جثثًا ميتة بين أسنانهم.

    فتحت قميصي، كشفت عن صدري، شرعت الأبواب

    والخزائن والشبابيك، كشفت جلدي وأردافي،

    قلتها بصدق كما تعلمت:

    هذه أنا، وهذا كل شيء، وهو ليس بالكثير.

    أنا قلب وأنفاس وجلد ونزيف.

    عاصفة أحيانًا.. وتهويدة أحيانًا أخرى.

    يقبلون، يا آنجيل،

    يقبلون.

    يقولون الكثير، كلمات من فولاذ:

    زواج

    أطفال

    اليوم

    الحب

    مستعد

    أجل

    آنجيل، لماذا يرحلون؟

    تجاهلوني بقسوة حتى استحال جلدي خشبًا، ولساني ملحًا.

    يبقون عليّ، كمجوهرات منسية في درج، حلي في صناديق،

    كأس بطولة قديم في قبو.

    نامي على الملاءات يا امرأة، فقط ارقدي في هدوء.

    سأعود إليك بعد أن تعلني توبتك، بمجرد أن تكرهي نفسك بالقدر الكافي.

    (مضحك كيف لا يؤلمك الهجر حين تكون فاعله)

    آنجيل، حين غمستُ الألواح الخشبية في الكيروسين

    وذهبتُ حاملة الشعلة،

    بعدما سُحبت الجثث ودفنت على نحو سليم،

    ظننت أن بقاءك سويًا يعني بقاءك صادقًا.

    فقط كن صادقًا ولن تُجرح أبدًا، أليس كذلك؟

    قالتها فتاة مصنوعة من شظايا لم تخلق للحب.

    لكنهم حاولوا، على أيه حال.

    حاولوا، وتبين، أني أستطيع،

    أستطيع أن أحب بقوة شظية.. شظية تذيب الجلد.

    ذات ليلة على الملاءات – الملاءات التي كانت له –

    كنا، حرارة رجل آخر وأنا، كومة من التشنجات، خذلان وأنين،

    بكيت لأنه رحل، لأنه تركني لهذا الرجل.

    مشينا معًا تحت المطر. قال إن بشرتي مثالية كأوراق الأقحوان.

    حدثني عن ذلك الجسر. جلعني أضحك،

    أضحك – حتى والمدينة ووجهي يأكلهما اللهب.

    أرقد فوق ملاءاتي، دائمًا الملاءات، رقع الكتان الملطخة القديمة.

    أسطّح نفسي إلى أقصى حد، أسطّح الأرداف والنهدين أتركهم

    ينسكبوا للخارج كزبد ذائب.

    أصير أرق وأرق وأرق، ألامس حواف الفراش،

    أدعو أن أصبح في نحافة ورقة، في هشاشة جسم خفي.. هشاشة من لم يكن أبدًا.

    آنجيل، المكان فارغ هنا، فارغ على الدوام.

    ليس هناك من يرغب في الحطام، ليس هناك من هو قوي بما يكفي.

    أخاف النهر، أخاف أن يبدأ في مناداتي ثانية.

    أخاف أن أصحو غدًا لأجد بابي الأمامي يفتح مباشرة على ذلك الجسر.

    أخاف الأسماك، أخاف ذيولها التي ستدفعني للقاع.

    أخاف القوارب، أخاف محركاتها، وسترات نجاتها.

    أخاف الجثث، الفتيات كلهن اللاتي لم يعثر عليهن.

    أخاف الرجال، أخاف انجذابهم لللحم،

    أخاف أسنانهم الحادة.

    .

    *ترجمة: ضي رحمي.

  • مراحل الحزن الخمس – ليندا باستان

    مراحل الحزن الخمس – ليندا باستان

    ليلة أن خسرتك، أشار لي أحدهم

    نحو مراحل الحزن الخمس

    قال: اذهبي من هنا، إنه أمر بسيط

    مثل تعلم صعود السلالم بعد البتر

    وهكذا صعدت.

    الإنكار أولًا،

    بعناية جهزت مائدة لشخصين

    وجلست لتناول الإفطار،

    دفعت بالخبز نحوك- أنت جالس هناك.

    ناولتك الجريدة- أنت مختبئ خلفها.

    ثم الغضب، الذي بدا أكثر منطقية،

    أحرقت الخبز، انتزعت الجريدة وقرأت

    العناوين بنفسي.

    لكنهم ذكروا شيئًا عن رحيلك،

    فانتقلت للمفاوضة.

    بماذا أقايضك؟

    بالسكون بعد العاصفة؟

    بأصابعي التي تكتب؟

    قبل أن أقرر، جاء الاكتئاب متمايلًا،

    في يده علاقة بائسة شدت مصارع حقيبتها بحبل لتنغلق،

    في الحقيبة؛ أغطية للعيون وعقاقير للنوم.

    ركلتها بما فيها إلى أسفل الدرج،

    وأنا لا أشعر بشيء.

    طوال الوقت كان الأمل يومض

    كمصباح نيون تالف، كلافتة تشير رأسًا نحو الفراغ،

    الأمل كان الاسم الأوسط لعمي، وسبب موته.

    بعد عام مازلت أتسلق،

    رغم انزلاق قدمي فوق وجهك الحجري.

    اختفى خط الأشجار منذ فترة طويلة؛

    الأخضر هو اللون الذي نسيته.

    لكنني الآن أعرف ما أتسلق نحوه:

    التسليم.

    عنوان استثنائي، بحروف غليظة، ومضيئة:

    التسليم.

    أقاوم، ألوّح وأصرخ

    بينما بالأسفل، تضرب حياتي بأمواجها العاتية

    الأماكن كلها التي عرفتها أو حلمت بها.

    بالأسفل سمك يقفز: النبض في عنقك.

    التسليم؛ أخيرًا بلغته.

    لكن، مهلًا!

    هناك خطأ ما؛ الحزن سلم حلزوني

    لقد خسرتك.

    .

    – ترجمة: ضي رحمي.

  • كلّما أهديتك كوكبًا – سوزان عليوان

    كلّما أهديتك كوكبًا – سوزان عليوان

    الرابعة والربع فجرًا

    بيروت بعد المطر:

    شوارع بعيونِ غرقى

    ليل مورق بـإشارات مرور

    كلب يتعكّز على كتف ظلّه

    بائعة مناديل

    بسبات مصطبة على رصيف.

    “رقّ الحبيب”

    وأشواق بـإلحاح أطفال

    متشعلقين بأكمامي

    أتّصل لسماع صوتك

    رنّة، ومضتان..

    الوسن ملاك يكلّمني.

    *

    لطالما طاردتْني

    في البلاد التي لم تبادلني وردةً أو كلامًا

    هذه الشوارع الممطرة.

    بقطعة قمر من طبشور،

    بزهر بنفسجيّ

    يبتسم لكعوب عابرين

    سنوات من الأوتاد والأوتار

    مقاعد بين المنافي متفرّقة

    مُتحف بمنمنماته ملء روحي

    ظِلّ ظَلّ على الأسفلت طفلًا،

    مدن وناس من أسمال الدمى

    غرفة سوداء تسعها حقيبة سفر.

    ثمّ جاء وجهك من أرض غريبة.

    حدّثني عن الحبّ والأشجار.

    بكتاب بيننا، كشف أوراقه كلّها.

    ضحك لي

    كما لم تفعل نجمة.

    *

    الذين أصغَوا، سمعوا دمعةً

    وأسرعوا نحو الينابيع بمناديلهم.

    وجدوا صفصافة تضحك،

    وجدوا أنفسهم

    وسط ورق أصفر

    نصفه في الماء نجوم.

    لو صدّقوني…

    يا أصدقائيَ الطيّبين

    كأهداب أطفال على عصفور يتألّم

    حيث المعانيَ نحنُ

    كلُّ نَدْبَةٍ نافذةٌ لنور

    والعاشق بحر

    بوسعه أن يكون ما يشاء.

    *

    كلّما هممت بهجرانك

    إستوقفتني زهرة تسأل:

    أحقًّا تصل الأنهار؟

    لسنا أسماءنا.

    جِلْدي صلاتي

    وجهك الكتاب.

    وردة النهايات التي تربكها تقطيبة يديك،

    هذه التي كانت في أرضها الأولى بئرًا

    يعرّيها عطر

    كما يخلع إنسان كلامه،

    لأيّ لهب تَهَبُ ذهبها؟

    إثنان، كلّ آخر ثالثهما:

    البحر الذي لا يكرّر نفسه،

    وزهر لوز برفّة معطف

    من كتفيك حتّى الركبتين.

    *

    لا اللغة ولا الطيور،

    وحدها الغيوم حاورتني.

    في الغربة

    وشّحتني الأغاني،

    وكنتُ كلّما أعبر جسرًا

    أفكّر مليًّا في أنين الأشجار.

    كيف أكون جلدك

    والجرح بيننا أرجوحة؟

    أعرني دمعتك لأراني،

    خذ خطوتي.

    لنختبر لمرّة

    ما تكابده مرآة.

    *

    من كُتْر شوقي”

    “سبقت عمري

    لكنّ الدرب على قدميك

    رحلة مركب يتلكّأ

    أنت الذي تقتسمك المفارق

    وكلّ كأس في يدك

    نداء غريق

    أيّها الغريب في متاهة من الورد،

    يا من تشيخ لأجل الحبّ

    بعيدًا عن أهلك،

    أنت النهر نفسه الذي يهدر

    .كلّ مرّة في رمالي

    *

    كلّما أهديتك كوكبًا، كسرتَه

    القمر الخامس ونُدْفة الأرض،

    وتلك الأسطوانة المغلولة

    بأحرف ذهبيّة ذائبة

    كما يعبث طفل بلعبة.

    مثلما يلعب طاغية

    بوطن وأطفال

    النجوم حصًى صغيرة في جيبي

    رامي السهام نحوي

    ملاك بأكمام واسعة.

    بجِلْدي، بتقطيبة جرح

    على دروب لا يقوى على قطعها

    حزن على ساقين من خيزُران.

    ألا تضجر من ضربة الفأس

    والدمعة عينها؟

    ألا يكفي ما فعلته بضحكتنا هذه البلاد؟

    *

    حيث لا ارتواء

    .واليأس فأس لا تَكْسِرُنا

    مثلما بأهدابنا نسافر

    بمجاز نهر أو سحابة

    كما نتلمّس الماء بلا دمعة

    بسياج مائج من ملامحنا

    لكنّ الضفاف لصفصاف وبيوت

    والعاشق جسر

    *

    بتأويلات لوحة

    يتّسع الليل

    توقيع غامض لا أتبيّن رموزه

    تاريخ يتغيّر

    متتاليًا مثل صفحات روزنامة

    النجوم حمّالة أوجه

    .للنوافذ حصّة الرذاذ من أرقي

    .شجرة تحت المطر تتعرّى

    لو أنّ يدي فرشاة

    والملامح فراشات

    لو أنّ أطفاليَ الورقيّين

    ألوان تطير.

    لولا الجوهرة في الدمعة

    لما كان الانكسار مزدوجًا.

    *

    هذا وجهنا بعد العاصفة،

    الورق أقوى من الجذوع.

    كنهار لا يكفّ عن النسيان نفسه

    سها عن صورتنا النهر

    مهرولًا بركام مدينة.

    ترك بَوْصَلةً على ضفّة

    بطاقتين لحفل مضى

    وصلةً من أصداء أليفة

    وشاحًا من أصل منديل.

    لسنا وحلنا.

    ثمّة نجم

    كملاك واجم فوق الغيوم،

    بين جناحيه يكتم ضحكة

    لطفلة في حضنك ترسم نفسها

    معقودة الحاجبين.

    *

    أيُّ حوار بين غيمة ونجمة؟

    وما الذي بتَكرار الكلام

    بأكثر من نغمةٍ

    تحاول أن تؤكّده

    لليل يجفّف جناحيه كخفّاش على حافّة شرفتي

    جوهرة لا تنكسر في حَنْجَرَة أمّ كلثوم؟

    منذ مطلع الأغنية

    وأنا في رجاء رسالة،

    والنجوم أكفّ على أحبار تلوّح

    تمامًا كما يرسُمها الصغار.

    من أدعو إلى طاولتي

    والأرق قطار فارغ؟

    لشبح القصبجيّ مَقعد شاغر.

    عروش في روحي

    لرامي الذي عاش عاشقًا ذليلاً

    نصف الحكاية دمعة.

    كلّ الحكاية

    وجهك الذي لا يرويه نهر

    وضحكته مدينة

    لا تتذكّر أحدًا.

  • قراءة أحمد صالح عن الرسام تحت المجلى- أفونسو كروش

    هي القصة التي كانت حاضرة في طفولة أفونسو كروش، الكاتب البرتغالي الذي صدرت له أعمال عدة عن دار ميسكلياني للنشر. إنها حكاية الجدّة التي احتفظت برسام في منزلها خشية عليه من العيون التي تترصده، حيث يشير أفونسو إلى أننا جميعاً حين ننظر في حياة أجدادنا نجد قصصاً تفتح الباب على قصص. إنها قصة الرسام جوزيف سورس، الرسام المفتون بالدائرة؛ ذلك أن الدائرة هي أول شيء يرسمه المرء. إنها أكثر الأشكال طبيعية، وهي قادرة على احتواء كل شيء، بل هي رحم الأشكال كافة.
    تبدأ الحكاية بولادة جوزيف في بيت لعقيد متقاعد من الجيش، بين أبٍ يعمل ككبير للخدم، وأم تساعده في الكيّ. وعلى الفور ازدادت حظوظه في أن يتبناه العقيد بجانب ولده ويلهلم جامعاً بينهما على طاولة معلم واحد. وُلد سورس طفلاً جميلاً، قوياً كمياه البحر، معافىً كمياه المطر، وبعين يسرى شبيهة بقمرٍ متناقص، تشير إلى أنه سيصير فناناً. وإنه لأمر محزن؛ إنها التعاسة أن تُولد كفنان؛ لأنك حين تنظر إلى العالم سوف تنظر إليه وكأنك تراه للمرة الأولى في كل مرة، فهل قُذف سورس عالياً في الفراغ ولم يلتقطه أحد؟
    تخطى سورس سنواته وهو يحمل بين يديه دفترين، واحداً للأعين المفتوحة، والآخر للمغمضة. أحب فرانتيشكا ابنة الجيران مثل من يسقط في حافة، ويستمر في سقوطه غير مدركٍ أن النهاية لا بد أن تكون ملطخةً بالدماء. أحبها بجنون وصدق؛ لأنها كانت ذلك التفرع الذي يمكن أن يؤدي إلى ضياعه، وفعلاً أدت إلى ذلك؛ إذ تعرض والده إلى نكبة، أودت بحياته؛ ليستفيق بعدها من سباته الداخلي مسحوباً إلى الحرب التي دقت طبولها بلا استئذان. غاب في الحرب وهو لا يعلم إن كان سيعود أم لا، إن كان سيقتل أم يُقتل معذباً تحت فكرة من ينتصر فعلاً في الحرب؟ لا بد أنهم أولئك الذين لا يقترب الرصاص منهم أو حتى لا يخرج من فوهات بنادقهم. عاد بعد الحرب إلى البيت وسرعان ما استقبلته فرانتيشكا بخبر أودى بقلبه مثقوباً؛ لقد تمت خطبتها على ويلهلم ابن العقيد، ذلك الطفل الذي حصر في الحكاية مجرد ظلٍ لا يربط بنيه وبين الفن أي شيء. وحيث إن سورس كان يحتفظ بالمسافة بينهما كما هي الحال بين ابن الثري وابن البواب لم يفعل شيئاً سوى أنه هجر البيت بأذن ويلهلم اليسرى كأنه بذلك وافق على العقد بالدم، وحين ينبثق الدم من أجل العقود لا عودة في ذلك. هاجر بعدها سورس إلى براغ، بين أمه ووالده الذي رفضت الأم أن تعتبره ميتاً، مما أودى بها إلى الجنون؛ لذلك تركها سورس في مصحة، وقرر أن يعيش من أجل نفسه. وبعد مضي القليل من الوقت التقى صديقاً له في الحرب، وهاجر برفقته إلى أمريكا، وهناك تحت وطأة الأيام السريعة تاهت به الدروب حتى انتهت به إلى الحنين لأمه. عاد بعدها إلى براغ رساماً يختبئ تحت المجلى.

    الرواية من ذلك النوع الذي يهيم بك في رحلة تتخللها فلسفة الفن والأشكال الهندسية، حكاية جدّة لكنها تقاطعات حيوات أخرى.. عمل فني يستلزم المثابرة في القراءة حتى تستطيع أن تُمسك بخيوطه، فمن نحن حقاً؟ هل نحن هذا الجسد الذي يراه الناس أم ذلك الجوهري الذي لا يُرى؟!