المدونة

  • ياسين عاشور – المالينخولي السّعيد (9) – تلك الصّخرة الّتي لن يرثها أحدٌ من بعدي

    “لماذا خرجْتُ من الرّحمِ، لأرى تعبًا وحُزنًا فتَفْنى بالخزي أيّامي؟” – سفر إرميا

    “يومُ المماتِ خيرٌ من يومِ الولادةِ” – سفر الجامعة

    “ألهاكُم التّكاثرُ حتّى زُرتُم المَقَابِرَ” – سورة التّكاثر

    لا يُعادي المالينخولي السّعيد أمرًا مثلما يُعادي الإنجاب/التّكاثر/التّناسل البشريّ، ولا يخفي اشمئزازه من التّكاثريين ولا استحقاره لكلّ من يدعو إلى الرمي بالمزيد من الحطب/الأطفال في هذه المحرقة/الحياة.  يمثّل الإنجاب في نظر صاحبنا  الجريمة الأصليّة، أمّا بقيّة الجرائم على فظاعتها فلا تزيد عن كونها مجرّد تنويعات على ذلك الأصل. لقد أقرَّ إميل سيوران بأنّ الشيء الوحيد الذي يفتخر به هو أنّه اكتشف في سنّ مبكّرة جدًّا أنّه لا يتعيّن على المرء أن يُنجب، واعتبرَ الآباء كلّهم مجرمين وغير مسؤولين، بل ذهب إلى اعتبار أنّ لقب “والد” هو أبشع الألقاب وأكثرها وحشيّة.

    انتهى ألبير كامو في مقاله “أسطورة سيزيف” إلى أنّ الحياة تستحقّ أن تُعاش على عبثيّتها وخلوّها من كلّ معنى، وإلى أنّه يجب علينا أن نتخيّل سيزيف سعيدًا على شقائه الرّتيب وبؤسه الأبديّ، وذلك  -تقريبًا- ما يسعى إليه المالينخولي السّعيد محاولًا جعل تجربته الخاصة محتملةً، لكنّهُ لا يقبل أبدًا أنْ يُوَرِّثَ تلك الصخرة السيزيفيّة أحدًا،  إنّ الحياةَ ميراثٌ ثقيلٌ وليس من الأناقة الوجوديّة أن نفرْضه  على كائنات/مُصادفات منويّة أخرى.

    تفتحُ الحياةُ فوهتها مثل بالوعة تستقبلنا ثمّ تُصرّفَنا في ثناياها، لنشرع في الرّكض واللّهاث، نُشبه قوارض المجاري في تيهها بحثًا عن نقطة ضوءٍ، لكنّنا في النّهاية لن نظفر بغير الموت. يُقذفُ بنا إلى هذه المتاهة كي نموت ببطئٍ وسط ضجيج الوعّاظ الّذين يُبشّروننا بأنّ كلّ شيءٍ يحدث لسببٍ مّا، وبأنّ حكمةً مّا تكمنُ خلف كلّ تفصيلٍ، كأنّ هذا الكون يُبالي بنَا أو يقيم لنا حسابًا. لقد خٌيّل إلينا في لحظة مّا أنّ وجودنا على سطح هذا الكوكب أهمّ من وجود حفنة من القراد والبراغيث على ظهر كلب، لقد بالغنا كثيرًا في تقدير أنفسنا، وأظنّ أنّ الوقت قد حان كي نُراجعَ سُوءَ تقديرنَا مُراجعةً جذريّة تكفي لأن نقرّر التوقّف عن إعادة إنتاج نوعنَا، وأن ننصرف عن هذا الكون بكلّ أناقة قبل أن نُلفظَ منهُ بالقوّة.  لن يُشفى الإنسان من إنسانويّته/مركزيّته إلا حين يقوم باختراق وعيه الواهم بنفسه وينسفه كُليًا؛ حين نتساوى أنطولوجيًا بالبقّ والعثّ والبراغيث وحين ندرك أنّ خلوّ الكون من نوعنَا ليس مأساة كوسمولوجيّة، لن ترثينا النجوم ولن تبكينا الكواكب ولن تُعلن المجرّات الحداد علينا.

    كلّنا جئنَا من الخطيئة، لا أقصد “الجنس” باعتباره شبقًا/متعةً خالصةً، بل أتحدّث عن مآل تلك المتعة حين تُصيّرُ مسخًا بشريًا جديدًا، نسخة أخرى من فساد الطّبيعة، توقيعًا آخر على سجلّ المعاناة. ما الخطيئة الأصليّة إن لم تكنْ خطيئة الإنجاب؟ لماذا نُصرُّ على تأبيد الشّقاء؟ ألمْ يُلعنْ آدم في سفر التكوين حتّى عُوقبَ بالكدح والتّعب في سبيل العيش حين قيل لهُ “ملعونةٌ الأرض بسببكَ؟ ألمْ يُحكمْ على حوّاء بوظيفة الإنجابِ حكْمًا يوضع في مقام العقاب لا الهديّة حين قيل لها “تكثيرًا أكثّر أتعابَ حبَلكِ، بالوجعِ تلدينَ أولادًا”؟ ألم يُخلقْ “في كبدٍ”  وفق العبارة القرآنيّة؟ ألم يُوصف بأنّهُ ظلومٌ جهولٌ حين تحمّل ما لا طاقة له بتحمّله؟ … ثمّة حُدوسٌ كامنةٌ في السرديّة الإبراهيميّة تُنبئنا بأنّ الحياة نفسها غلطة وخطيئة تحمّلها الإنسان ولا يزال مصرًّا على تحمّلها حتّى تأتيه السّاعة بغتة…

    إنّ ما هو كامنٌ عند الإبراهيميين الرسميين، يظهرُ بجلاءٍ في قصصيات الشرق الأقصى وفي تعاليم الغنوصيين، لقد اعتبر بوذَا أنّ جوهر الحياة معاناة، فالولادة في الأدبيات البوذيّة هي منبع الألم الأوّل ومصدر الشّرور جميعها. واتّفقت كثيرٌ من مدارس أهل الغنوص على أنّ هذا العالم لا يمكن أن يكون من فعل إله خيّرٍ، بل هو من صنع/اختلاق قوى شرّيرة، دعا النّبي البابلي ماني إلى تجنّب الإنجاب، معتبرًا ذلك خطوة كبرى نحو الخلاص النهائيّ، واعتبر الانكراتيون (جماعة مسيحيّة غنوصيّة) أنّ وسيلة البشر لقهر الموت هي التوقّف عن الإنجاب. فالتكاثر في نظرهم وسيلة تغذّي الموت بتكثير المواليد الميتين حتمًا.

    تُحذّر التعاليم الأبيقوريّة من اللّذّة التي يعقُبها ألم، مثل لذّة الخمر التي قد يعقبها ألم الصداع والغثيان، ما فات أبيقور هو أنّ الجنس أيضًا لذّة قد يعقبها كائنٌ جديدٌ، قربانٌ حيٌّ مجبول من الانتشاء لكنّهُ مُكرّس للألم وللمعاناة، معاناة لا تدوم سويعات قليلة مثل صداع الكحول، بل تدوم حياةً كاملةً، ولا تُؤذي صاحبها فحسبُ، بل تمتدّ إلى الكائنِ الجديد الذي أفرزته تلك العمليّة المتعويّة.

    كلّ متعة تُؤدّي إلى إعادة إنتاج الإنسان، لا يُعوّل عليها؛ تُعتبرُ متعة الجنس -من وجهة نظر تطوّريّة- مُكافأة تمنحها إيّانا الطّبيعة حتّى يُحبّب إلينا الإنجاب وبالتّالي نضمن بقاء النّوع واستمراره، لقد تفطّنَ آرثر شوبنهاور إلى هذا الفخّ الطّبيعي الّذي تقعُ فيه الأنواع الحيّة، وأقرّ بأنّ الطّبيعة تضحّي بالفرد في سبيل النّوع، إنّ كلّ ذلك يجري من خلال قوّة “الإرادة” العمياء الّتي تدفعنا إلى التشبّث بالحياة وإلى تمريرها إلى الأجيال اللّاحقة،  لكن وحده النّوع الإنساني قادرٌ على أن يغنمَ متعة الجنس دون أن يُحقّق غرضَ حفظ النّوع من الانقراض، والميزة الوحيدة الّتي يحقّ للإنسان أن يعتدّ بها أمام بقيّة الأنواع هي ميزة الرّفض؛ رفض “الإرادة” وبرنامجها البيولوجي العبثي الّذي لا يفضي إلّا إلى المزيد من شقاء الأحياء.

    المصدر: الأوان
  • تشارلز بوكوفسكي – آمِنْ

    تشارلز بوكوفسكي – آمِنْ

    يَجْعَلُنِي حَزِينًا الْبَيْتُ الْمُجَاوِر.
    يَصْحُو الرَّجُلُ وزوجته باكراً ويَذْهَبَانِ إِلَى الْعَمَل.
    يَصِلَانِ الْبَيْتَ عِنْدَ الْمَسَاءِ الْبَاكِر.
    لَدَيْهِمَا وَلَدٌ صَغِيرٌ وبِنْتٌ.
    مَعَ التَّاسِعَة مساءً تُطْفَأُ كُلُّ الْأَنْوَارِ بالْبَيْتِ.
    فِي الصَّبَاحِ التَّالي، يصحو الرَّجُلُ والزَّوْجَةُ باكِرًا ويَذْهَبَانِ إِلَى الْعَمَل.
    يَعُودَانِ بَاكِرًا فِي الْمَسَاءِ .
    مَعَ التَّاسِعَة مساءً تُطْفَأُ كُلُّ الْأَنْوَارِ بالْبَيْتِ .
    يَجْعَلُنِي حَزِينًا الْبَيْتُ الْمُجَاوِر .
    هَؤُلاَءِ النَّاس طَيِّبُون.
    أُحِبُّهُمْ.
    لَكِنَّنِي أَشْعُرُ أَنَّهُمْ يَغْرَقُون
    وَلَا يُمْكِنُنِي إِنْقَاذَهُمْ.
    فهُمْ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةْ.
    لَيْسُوا بِلَا مَأْوَى.
    لَكِنَّ الثَّمَنَ فَظيع.
    أَحْيَانًا، خِلَالَ النَّهَار
    أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْتْ
    وَالْبَيْتُ يَنْظُرُ إِلَيّْ.
    وَينْحَبُ الْبَيْتُ .
    أَجَلْ..
    كَذَلِك.
    أَشْعُرُ بِه.

  • خورخي لويس بورخيس – إلى قطة

    خورخي لويس بورخيس – إلى قطة

    لم تعد المرايا أكثر صمتًا
    ولا الفجر الزاحف أكثر سرية،
    أنت في ضوء القمر ذلك النمر
    نرمقه من بعيد.
    وبأفعال قانون سماوي مبهمة،
    نبحث عنك دون جدوى،
    أنت أبعد حتى من الأقاصي أو الشمس الآفلة،
    لك العزلة ولك السر
    ليسمح ظهرك لملاطفات يدي المتأنية.
    لقد رضيت منذ ذلك الماضي المنسي البعيد،
    بحب تلك اليد المريبة.
    أنت تنتمين لزمن آخر.
    أنت سيدة مكان مكبل كالحلم.

    *ترجمة: جميل عزيز محمد

  • باول لورانس – نرتدى القناع

    باول لورانس – نرتدى القناع

    نرتدى قناعاً يبتسم ويكذب

    هو يخفى وجناتنا ويظلل أعيننا

    ذاك الدَّين الذى نقضيه لخداع البشر

    بقلوب ممزقة نازفة نبتسم

    وثغر يحمل ما لا حصر له من الرقة واللطف

    لِمَ يجب أن يكون العالم هكذا

    يحسب جميع آهاتنا ودموعنا

    لا .. دعهم يرونا فقط ونحن نرتدى القناع على وجوهنا

    نبتسم ولكن – أيها المسيح – صرخاتنا إليك تخرج للوجود من قلوبنا المعذبة

    نغنى ولكن – آآآهٍ – الوحل الخسيس تحت أقدامنا يمتد لأميال طويلة

    ولكن دع العالم يحلم … وألا

    نرتدى القناع .

  • وليم شكسبير – ليس الحبّ حباً – ترجمة محمد عيد إبراهيم


    I Am you
    by Delawer-Omar

    دعوني لا أعترف بعائقٍ
    أمامَ زواجِ العقولِ. ليسَ الحبّ
    حُباً، حينَ تُبدِلُه النوباتُ، أو
    تُخضِعهُ النوائبُ: آهِ، لا،
    فهو غايةٌ لا تَحولُ
    مرتاباً للعواصفِ ينظرُ، فلا
    يهتزّ؛ هو النجمُ
    لدى كلّ نُباحٍ ضالّ،
    قامتهُ مجهولةٌ، تبعاً لسُموّهِ.
    وليسَ الحبّ مولعاً بالزمنِ،
    برغمِ خدّيهِ وشفتيهِ الورديتَين
    داخلَ بوصلةِ مِنجلهِ المعقوفةِ،
    يأتي: لا يتغيّرُ الحبّ
    بساعاتهِ الوجيزةِ وأسابيعهِ،
    بل يحملُ الزمنَ إلى حرفِ
    المصيرِ. وإن ثبتَ لي خطأُ
    هذا الظنّ، فلن أكتبَ،
    ولا أحبّ إنسانٌ.

  • مايا أنجيلو – الحياة لا تخيفني – ترجمة عبير الفقي

    مايا أنجيلو – الحياة لا تخيفني – ترجمة عبير الفقي

    take me in to your arms
    by Delawer-Omar

    ظلال على الجدار

    ضوضاء أسفل الردهة

    الحياة لا تخيفني على الإطلاق

    كلاب سيئة تنبح بصوت عال

    أشباح كبيرة في سحابة

    الحياة لا تخيفني على الإطلاق

    إوزة أم عجوز بخيلة

    أسود طليقة

    انهم لا يخيفونني على الإطلاق

    تنين يتنفس لهبا

    على لحافي

    هذا لا يخيفني على الإطلاق.

    أخيفهم أنا

    أجعلهم يهربون

    أسخر

    من طريقة هروبهم

    أنا لن أصرخ

    حتى يختفوا

    أنا فقط أبتسم

    فيجنون.

    الحياة لا تخيفني على الإطلاق.

    برغم أن رجالا يقاتلون

    بمفردهم في الليل

    الحياة لا تخيفني على الإطلاق.

    فهود في الحديقة

    غرباء في الظلام

    لا، إنهم لا يخيفونني على الإطلاق.

    تلك الفصول الدراسية الجديدة حيث

    فتيان يشدون شعري

    (فتيات صغيرات ذوات شعر مجعد

    تُقبل)

    إنهم لا يخيفونني على الإطلاق.

    لا تظهر لي ضفادع وثعابين

    ثم تستمع لصراخي،

    إذا خفت مطلقا

    إنها فقط في أحلامي.

    لدي سحر

    أبقيه في كمي

    يمكنني السير في قاع المحيط

    و لا أحتاج للتنفس مطلقا.

    الحياة لا تخيفني على الإطلاق

    على الإطلاق

    على الإطلاق.

    الحياة لا تخيفني على الإطلاق.

  • في .جي كوهيلي – من تنتظر؟ ترجمة شروق حمود

    في .جي كوهيلي – من تنتظر؟ ترجمة شروق حمود

    من تنتظر

    يا قلبي العزيز؟

    من تنتظر؟

    لا أحد هنا غيري..

    تُسمَعُ خطوات الأقدامِ

    قد عبرتِ الباب

    سقط الليل وسافر طويلاً..

    والفجرُ قريبٌ من يدي

    والغيم… يجهز نفسه

    للمطر من جديد

    من تنتظر قلبي العزيز ؟

    من تنتظر ؟

  • قيصر باييخو – اكتشاف الحياة – ترجمة أحمد يماني

    قيصر باييخو – اكتشاف الحياة – ترجمة أحمد يماني

    أيها السادة! اليوم هي المرة الأولى التي أنتبه فيها لوجود الحياة. أيها السادة! أتوسل إليكم أن تدعوني حرا للحظة، كي أتذوق هذا الشعور المهول والعفوي والطازج للحياة، فاليوم، للمرة الأولى، يفتنني ويجعلني سعيدا حتى البكاء.

    إن فرحي يأتي من مجهولية عاطفتي واغتباطي يرجع إلى أنني من قبل لم أستشعر وجود الحياة. لم أشعر به من قبل. يكذب من يقول إنني شعرت به من قبل. يكذب وكذبه يجرحني إلى درجة أنه يجعلني بائساً. إن فرحي يأتي من إيماني بهذا الاكتشاف الشخصي للحياة ولا يمكن لأحد أن يذهب ضد هذا الإيمان. كائنا من كان ليسقط لسانه، لتسقط عظامه وليتعرض لخطر أن يجمع عظاما أخرى، غريبة، كي يقف على قدميه أمام عينيّ.

    لم يحدث أبدا، إلا الآن، أن كانت هناك حياة. لم يحدث أبدا، إلا الآن، أن عبر بشر. لم يحدث أبدا، إلا الآن، أن كانت هناك منازل وشوارع وهواء وأفق. إذا جاء الآن صديقي بِيْراه فسأقول له إنني لا أعرفه وإن علينا أن نبدأ من جديد. متى عرفتُ، حقيقة، صديقي بِيْراه؟ اليوم ستكون المرة الأولى التي سنعرف فيها بعضنا. سأقول له أن يذهب ويعود وأن يدخل ليراني، كما لو كان لا يعرفني، أي، للمرة الأولى.

    أنا الآن لا أعرف أحدا ولاشيئا. أنتبه في بلد غريب، حيث الجميع يتجسد في الولادة من جديد، ضوء لا يخفت لعيد الظهور. لا يا سيدي، لا تتحدث إلى ذلك الرجل. أنت لا تعرفه وكلام فارغ غير متوقع كهذا سيفاجئه. لا تضع قدمك فوق هذه الحصاة الصغيرة: من يعرف قد لا تكون حصاة واذهب لتضرب في الفراغ. كن حذرا فنحن في عالم مجهول تماما.

    يا لقلة الوقت الذي عشته! إن مولدي من القرب بحيث أنه لا توجد وحدة لقياس عمري. إذا كنت قد ولدت لتوي! إذا لم أكن قد عشت إلى الآن! أيها السادة: أنا من الصغر لدرجة أنني أسع اليوم بالكاد.

    لم يحدث أبدا، إلا الآن، أن سمعت هدير العربات حاملة أحجارا من أجل إنشاء بوليفار هاوسمان. لم يحدث أبدا، إلا الآن، أنني تقدمت موازيا الربيع، قائلا له:

    «لو كان الموت آخر… »

    لم يحدث أبدا، إلا الآن، أن رأيت أشعة الشمس الذهبية على قباب كنيسة القلب المقدس. لم يحدث أبدا، إلا الآن، أن اقترب مني طفل ونظر إليّ عميقا بفمه. لم يحدث أبدا، إلا الآن، أن عرفت أن ثمة بابا، بابا آخر والغناء القلبي للمسافات.

    دعوني! لقد ضربتني الحياة الآن في موتي كله.

     

  • سكوت ودوورد – أحتاج أبي – ترجمة ميرفت صالح

    سكوت ودوورد – أحتاج أبي – ترجمة ميرفت صالح

    نظرة خاطفة ألمحها فى عين فتاة صغيرة

    تلك التى تحاول أن تخفيها داخل قضبان حديدية وقلعة من طوب

    وكثير من خوف بداخلها

    صرخات تتصارع تتوسل إلى أب لطالما عشقت أن يأتي ليحررها من هذا الأسر .

    فى ركن هناك تحتضن آلام الماضى بفكر شارد

    وبقلب يائس يحدق باحثا عن أب يعنيه هذا الأمر

    .

    متى سيأتى؟ ماذا سيرى؟ وكيف سأعرف أنه ما زال يحبني؟

    هل سيتوقع أنى تغيرت ؟هل سيرضى عما فعلت ؟ أم كان يريدني شيئا آخر؟

    هل سيجفف دموعي ويجيب تساؤلاتي؟

    .

    أبي

    مضت ليالى بت وحدى ووسادتى يبللها دمعى قلبى مكسور وحضنى فارغ

    أبى.. ألا تسمع ؟

    أبيلا…

    تلك القتاة ما زال ضوء قلبها يشرق

    ما زالت تسير بكبرياء .. ما زال قلبها يلمع كحبات الكريستال.

    لكن مازال شرخ فى القلب يبحث عن أب .

    آه لو كنت تناديني كى أشعر أني لست وحيدة

    آه لو تحضنني ساعتها سأجد لقلبى مأوى

    وسيسكن قلبي .

    .

    أبي …

    تلك الصغيرة بداخلى تحدق كل يوم فى مرآتى

    ما زالت تحيا بداخلي .. تتذكر دوما كلماتك : “أحبك فى كل حالاتك”

    يبدو أن قلبها ما زال بداخلي

    تلك البنت التى طالما عشقتها وعشقت قلبها

    تحتاجك يا أبي .

  • رسائل فينسنت فان غوخ (2)

    رسائل فينسنت فان غوخ (2)

    Peasant Sitting by the Fireplace (Worn Out)
    Vincent van Gogh

    أمستردام ٢٧ تموز ١٨٧٧

    تيّو العزيز
    شكراً على رسالتك الأخيرة. سمعتُ من الأهل بأنك قد زرتَ مَوف في مرسمه. أظنهُ كان يوماً مميزاً بالنسبة لك، أرجو أن أسمع منك عن تفاصيل هذا اللقاء في أقرب فرصة. ستجد مع هذه الرسالة ثلاثة أعمال ليثوغرافية صغيرة، مساهمة مني _وأرجو أن تكون جيدة_ لمجموعتك من الأعمال الطباعية.
    العمل الأول للفنان بوسبوم* والأثنان الآخران للفنان فيسمبروخ*، وجدتها مطبوعة ضمن كتاب اشتريته هذا الصباح. أظن أن بوسبوم قد رسم هنا الكنيسة التي في منطقة سخيفيننغن، هل ترى هذا أيضاً؟ العمل الآخر هو للكنيسة الكبيرة في بريدا، أما الثالث، فقد أعاد فيسمبروخ فيه رسم لوحته التي عُرِضَتْ في معرض باريس. وبالنسبة لأعمال فيسمبروخ، فهي تثير إهتمامي دائماً بسبب رهافتها، إنها تَمِسُّ مشاعري كلما أتطلع إليها. لا أعرف إن كنتَ تراها أيضاً بالطريقة ذاتها. في كل الأحوال، إمض في طريقك لإحتضان كل عمل غرافيكي يتاح لك، سواء كان مطبوعاً بشكل منفصل أو تجده ضمن كتاب.
    بالنسبة لي فقد أعطيت إهتمامي في الفترة الأخيرة للمواضيع اللاتينية والإغريقية، كذلك أُرَكِّزُ كثيراً على المواضيع الأخرى التي تتعلق بالتاريخ. وهذه الأيام بالتحديد إنشغلت بتفاصيل حول الإصلاح الديني، وهذا سيأخذ مني بعض الوقت. وقد تعرفت الآن على شابٍ نجح قبل بضعة أيام في امتحان القبول بجامعة لايدن، وهذا ليس سهلاً كما تعرف، وقد تحدث معي بنفسه عن نوع الاسئلة والامتحان الذي تجاوزه بتفوق. أنا متأكد بأني سأوفق أيضاً بهذا الامتحان، وأرجو أن يستجيب الله لدعائي. وقد تحدثتُ مع الأستاذ مندس، وكان متفائلاً بهذا الخصوص، وأكَّدَ أن بإمكاني الظفر بذلك بعد ثلاثة أشهر من متابعة دروسه. لا أعرف إن كنت سأستجيب لذلك أم لا، لأني أرى أن دروسه الاغريقية التي يعطيها أقرب للعامة وتغلب عليها شعبية حارات امستردام وبالذات لكنة أهالي يوردان* وهم يتجولون في ظهيرة صيف قائظ وسط العاصمة. لا تشغل بالك، فهناك الكثير من الأساتذة البارعين والمُجَرَبينَ الذين يمكنهم المساعدة في ذلك. والمسألة في كل الأحوال تحتاج إلى مثابرة، إنها جديّة ولا تشبه التجوال على الساحل أو التنزه بين حقول القمح في براباند. قصدتُ من ذلك هو إننا يجب أن لا نتوقف، نمضي إلى الأمام مادمنا على قيد الحياة ونبقى طموحين كما يقول العم يان.
    قبل يومين تعثر طفل أثناء لعبه على جسر كاتنبروخ وسقط في الماء، وقتها شاهد العم يان ذلك، وفي لمح البصر أخذ قارباً من مرفأ تصليح القوارب وانتَشَلَهُ بصعوبة من الماء، قمتُ بعدها مع شابين من طبابة المرفأ بتجفيف الصبي وتدفئته، لكن دون فائدة مع الأسف، فقد مات الصبي ولم نستطع فعل أي شيء حيال ذلك. وقد حضر والده الذي يعمل مُشَغِّلاً لمحركات السفن ولَفَّهُ ببطانية صوفية قديمة ومضى به إلى البيت. بعد ساعة ونصف إنشغل الناس هنا أيضاً بإنتشال طفلة صغيرة زلت قدمها وسقطت في ذات النهر، لكن لحسن الحظ، أنهم استطاعوا إنقاذها في اللحظة المناسبة.
    في المساء ذهبتُ إلى عائلة الطفل الذي غرق. كان بيتهم مظلماً، بينما جثمان الطفل يتمدد برفق على سرير صغير في غرفة جانبية، وكم بدا لي ودوداً رغم شحوبه. ما أثار ألمي وقتها، هو أن هذا الصبي الذي كان يضيء البيت ببهجته، قد إنطفأ نوره وبريقه، وغدا أهله في حالة ذهول وتوسل وانكسار. هنا رأيت كيف تُطيحُ خشونة الحياة بالكرامة وتُهينُ عزة النفس. لقد تأثرتُ حقاً بمنظر الأم المُطرِقَة والمفجوعة وسط ظلام البيت. بعدها تجولتُ كثيراً، نحو منتصف الليل، لأخفف من وطأة العتمة التي ملأت نفسي. وللتقليل من هذه المشقة، إستعدتُ صورة العم يان وهو يحاول إنقاذ الطفل، وقد التمعت عيناه وظهرت العزيمة على ملامح وجهه الذي لفحته الشمس. لحظتها رأيت عمي على حقيقته وبانَ لي معدنه الطيب. صورته تلك المليئة بالإيثار، أعادت لي ثقتي بالناس، وإستعدتُ معها رباطة جأشي.
    في صباح يوم الأحد قمت بجولة طويلة، بدأتها من كنيسة الشمال إلى جزيرة بيكرس، بعدها عبرتُ السد لأصل إلى آي*، لأكمل طريقي بعدها نحو كنيسة آيلاند، حيث إلتقيت بالعم ستريكر. عدنا سوية بعد ذلك، وقد مضى الوقت سريعاً، وقررنا أن نكرر الجولة في الاسبوع القادم.
    اكتب لي وحدثني عنك وعن احوالك يارجل، أغلب الوقت كنتُ مشغولاً بك. أدعو الله أن يساعدنا ويجعلنا في أفضل حال. مدهش إنك صرت أكثر تعلقاً بالفن والفنانين. أنا أيضاً كما تعرف ملتصق ومتمسك بعالم الفن وما يصنعه الفنانون. في النهاية فإن الأشياء الجميلة هي التي تنتصر وتدوم، سواء كانت هنا أو في أي مكان آخر. علينا فقط أن نسعى، والله يساعدنا في النهاية.
    الآن اقترب وقت ذهابي إلى العمل، لكني في كل الأحوال، سأملأ هذه الورقة بالكتابة. آنّا ذهبت كما تعرف إلى لايدن، وستأتي هذه الأيام إلى أمستردام بصحبة الشاب الذي أحبته، صهرنا المستقبلي. كم أنا متشوق للقاء هذا الشاب الذي أحبته أختنا. لقد كتب لي أبي بحماسة وشغف حول علاقتها بهذا الشاب، وهو يرى إن كل شيء سيكون رائعاً، وما علينا جميعاً سوى أن نبارك لأختنا ونجعلها سعيدة. فهذا مهم جداً لترابطنا.
    في الاسبوع القادم سيأتي العم والعمة بومبه لزيارتي والمبيت عندي، وسيأتي معهم فَنِي وبَتْ. لقد مرَّ وقت طويل لم ألتقيهم فيه. وبالنسبة لتفاصيل حياتي الباقية، مازلت أنهض مبكراً من النوم، لأراقب الشمس وهي تشرق بهدوء رويداً رويداً وتنسكب فوق حوض تصليح السفن، ليعلن النهار خطواته الصفراء الفتية التي تتعثر برؤوس العمال. ياله من مشهد جليل، هذا الذي أراه من خلال النافذة. تمنيت أن تكون بجانبي لترى ذلك معي، إنه شيء مقدس، هنا رأيت الله في نور الشمس ياتيّو.
    إن كان تحت يديك طابع بريد، وتوفر عندك بعض الورق، فإكتب لي بسرعة.
    لقد شاهدت في متجر العم كور كتاباً فيه تخطيطات حول الكتاب المقدس للفنان بيدا*، ياللجمال، ويالها من لذة حقيقية شعرت بها وأنا أتابع الخطوط التي نَفَّذَ بها هذه الرسومات. كيف لي أن أصف لك ذلك؟ يكفي أن هذه الرسوم جعلتني أفكر سريعاً بريمبرانت.
    والآن أشد على يدك وأتمنى لك كل ماهو جميل.
    تحيات العم يان لك.
    ابق على ثقتك بي.
    أخوك المحب فنسنت

    هوامش المترجم:
    يوهانس بوسبوم: فنان هولندي (١٨١٧-١٨٩١) ينتمي الى مدرسة لاهاي في الرسم. اشتهر بمائياته التي تعكس ضوء المناخ الهولندي، وعُرِفَ ايضاَ بأعماله الليثوغرافية الرائعة.
    يان هندريك فيسنبروخ: فنان هولندي (١٨٢٤-١٩٠٣) واحد من أهم أعمدة مدرسة لاهاي. اشتهر بأعمال الليثوغراف ومناظره الطبيعية مذهلة ويشع منها الضوء، ومرصعة بغيوم شفافة وفضاء مفتوح.
    يوردان: أشهر حي في امستردام، ويُعرَفُ سكانه بلكنتهم الهولندية الخاصة وتصرفاتهم التي تقترب من تصرفات الشارع ذات الوقاحةالمحببة.
    جزيرة بيكرس: جزيرة صغيرة جداً، وهي واحدة من ثلاث جزر تابعة لمدينة امستردام.
    آي: نهر صغير شمال امستردام
    بيدا: فنان رومانتيكي فرنسي (١٨١٣-١٨٩٥)، تتلمذ على يد الفنان ديلاكروا. يعتبر من الفنانين المستشرقين، ويُعَدُ من أعظم المخططين في تاريخ الرسم.

    ترجمة: ستار كاووش

  • قصيدة سيرة ذاتية – محمد القليني

    (1)
    اسْمي محمد القليني
    أكْتُبُ الشِّعْرَ
    وأعْمَلُ في شَرِكةِ مَلابِسَ.
    لَيسَ في الأمْرَينِ أيُّ تَعارُضٍ
    فثَمّةَ مَخْزَنٌ كَبيرٌ
    أُكَدِّسُ فيهِ قُمْصانًا مُسْتَورَدةً
    يتَهافَتُ الناسُ علَى شَرائِها.
    وثَمّةَ قلْبٌ أكْبَرُ
    أُخَزِّنُ داخِلَهُ قصائدَ
    لا تَجِدُ لها مُشْتَرِيًا.
    (٢)
    تَقولُ زَوجَتي: إنَّ بَيتَنا قَديمٌ جِدًّا
    وإنَّ حُجْرةَ الأطْفالِ
    لا تتَّسِعُ لسَريرَينِ صَغيرَينِ
    فَكَتَبْتُ بَيْتًا شِعْرِيًّا ذا مَجازٍ رَحْبٍ
    وقُلْتُ وأنا أُشيرُ إليه:
    “يُمْكِنُنا أنْ نَنامَ ها هُنا اللَيلةَ”.
    (٣)
    دائمًا أحْمِلُ إبْرةً وخَيطًا
    لأُرَقِّعَ قَلْبي كُلَّما خَرَجَتْ مِنْهُ قَصيدةً
    كِرْشي الصَّغيرُ لا يَمْنَعُني
    مِن الاخْتِلاطِ بالنّاسِ
    وَحْدَهُمُ الشُّعَراءُ يُعايِرونَنِي بِهِ كَثيرًا
    رَغْمَ أنَّهُ قَدْ نَشَأَ
    بِسَبَبِ الْتِهامي لقَصائدِهِمُ السَّمينةِ.
    (٤)
    صوِّبوا بَنادِقَكُمْ إليَّ، واضْغَطوا الزِّنادَ
    كُلُّ ما سَيَحْدُثُ أنَّ الموسيقَى ستنْفَجِرُ مِن شَرايِيْني
    لا تُصَدِّقوا أنَّ شاعِرًا يُمْكِنُ أنْ يَموتَ
    بهذِهِ الأساليبِ التقليديّةِ.
    في مَرّةٍ حاوَلَ لِصٌّ أنْ يطْعَنَ صدْري بِسِكّينٍ
    لنْ يُصَدِّقَ أحَدٌ أنَّ هذا اللِّصَ
    أصْبَحَ الآنَ مُطْرِبًا عَظيمًا!!
    أنا أيضًا لَمْ أُصَدِّقْ عَينَيَّ
    حينَ رأيتُهُ يُلَمْلِمُ كُلَّ أغاني (حليمٍ)
    التي نَزَفَها قلْبي
    ويُعَبِّئُها بِحِرْصٍ في حَنْجَرَتِهِ الخَشِنةِ
    صَدِّقوني: شاعِرٌ مِثْلي لَنْ يَموتَ
    إلا حينَ يكْتُبُ قَصيدةً سَيِّئةً.

  • في أحلامي – إيدن بانوتس أوبيستا

    في أحلامي – إيدن بانوتس أوبيستا

    أريد أن أحيا حياة بسيطة معك

    لا أكثر

    أنت، وحياة معك،

    لأحبك، لأدللك، لأرعاك!

    تذكر – دائمًا – أنني أحبك

    هذا وعد أبدي

    والليلة، سأنام معك.. في خيالي

    لأنه، لا أحد إلا أنت.

    تركض في رأسي أفكار مجنونة

    بعد يوم طويل وعصيب

    لكن صدقني، أنت هنا، لم تغب لحظة أبدًا!

    حياتنا ستكون وردية مزهرة

    سنظل دومًا نضرين ومضيئين

    أحب أن أتخيلنا في عناق حار

    حين تحلّ لحظة النهاية

    كم سيكون هذا جميلًا!

    .

    – ترجمة: ضي رحمي.

  • كتابة – 5 – صلاح فائق

    الشاعر صلاح فائق.

    أخرجُ من متاهةٍ إلى أخرى

    أجدني في إحداها في بيت خافت الاضواء

    يناقش فيه ديكارت شاعرنا المعري في أمور فكرية

    يبدوانِ في تآلفٍ مفرح : يندهشُ ديكارت من اسلوب المعري

    في عرضِ افكاره شعراً ، بينما يستحسنُ شاعرنا طريقة فهم

    ديكارت لاشعاره .

    أدخلُ متاهة جديدة فأصادفُ غراباً مشنوقاً

    بربطة عنق معلقة على باب، وهناك أحدهم يحاولُ

    الحصول على ربطة العنق تلك، لكن كلباً يهددهُ بنباحٍ رهيب

    *

    فجأةً أنا في معبدٍ مهدم، رجال يرقصون ببطء

    وتظهرُ نساء جميلات وينضمن إلى الراقصين

    على أنغام أرغن قديم، أحدقّ جيداً فأشاهد

    باخ هو العازف. ثم يدخل المكان ضباط نازيون

    وهم يحملون أطباق طعام وقناني النبيذ. الغريب

    أن الضباط حفاةٌ وبلا خوذات.

    – أستيقظْ، أسمعُ، أقومُ فإذا هو أبي

    – إنه وقت ذهابك إلى الثكنة .

    كنتُ جندياً آنذاك في كركوك .

    *

    ملاك الموت جمعَ ضحاياه، عمل في هذا لأسابيع،

    قرر أن يلمّهم في طائرة. وبينما يأكلون ويضحكون

    ضرب الطائرة بجناحه الفولاذي، فسقطوا في المحيط

    أنتظر حتى اختفوا تماماً. حينئذ اتجه إلى ربه

    وطلب إجازة لأسبوع، فوافق

    *

    البحر المتوسط صغيرٌ مقارنة ببحارٍ كثيرة

    تحيط هذا البحر 16 دولة ترمي فيه كافة قذاراتها،

    وما في تواليتاتها، عوادم المعامل، وزبالة المدن.

    حين تصل إلى أية دولة من هذه الدول، في الصيف،

    تجد آلاف الناس يسبحون في هذه المياه الملوثة وهم سعداء،

    يلوح بعضهم للبعض الآخر، وهناك ألعاب، سفن

    وقوارب سريعة: أي غباء!

    *

    في بدايتي سالني أبي ـ هل تستطيعُ بيع قصيدة لك ؟

    أجبتهُ بالنفي. لم تكتبها إذن؟ سأل.

    المفروض أن تعيشَ على موهبتك، كالرسامين

    الموسيقيين والمغنين. أخبرك بأنك إذا كتبتَ كل عمرك شعراً

    فانك لن تحصل على مالٍ يحصل عليه أحد المغنين

    من حفلة واحدة. هل تفهم؟ هذا يوضح ايضاً

    تفاهة الجمهور، قال

    *

    في الصباح الباكر أستمع إلى موسيقى كلاسيكية

    أو بلوز بي بي كنغ، أو أغنية لفيروز

    بدون هذا لا أستطيع القيام، حلاقة ذقني أو ترتيب قهوتي

    إنما أنام حتى اليوم الثاني

    *

    طرق ساعي البريد بابي، فتحته، أعطاني علبة

    طلب مني أن أوقع على إستمارة استلامها

    – حسناً، ما فيها، سالتُ

    – ثعبان من نوع كوبرا

    – لكن من أرسله؟

    – العنوان داخل العلبة.

    حين رأى كلبي العلبة، تقدم منها وبضربة قوية

    حطم غطاء العلبة، فهرب الثعبان إلى الجبل .

    اسم وعنوان المرسل، أخي من دبي:

    مات في مدينتي قبل سنوات

    *

    إلتقيتُ جاري اليهودي، العجوز، في احد المتاحف

    اخبرني بأنه يبحث عن زوجته، التي تزور القاعات

    السومرية والبابلية، لأنها تظن بأن أصلها من هناك

    *

    حين مات باخ، الموسيقي العظيم

    أخذت زوجته الغبية رزمة كبيرة من أعماله الموسيقية

    وأعطتها إلى قصاب المنطقة ليلفّ بها اللحوم التي يبيعها .

    هكذا فقدت الإنسانية مأثرة موسيقية عظمى

    بزوجة حمقاء وبقصاب جاهل

    *

    هناك قتلة ومجرمون في كل دور العبادة

    *

    كتب كثيرة لي مطبوعة من قبل دار أشباح

    في الفليبين. حتى أنا لا اعرفُ عنوان هذه الدار

    هي تطبع مجموعاتي بدون موافقتي،

    تجمعها من الفيسبوك ومن الانترنيت ومن أشخاص مجهولين .

    لا أستطيعُ أن أفعل شيئاً لاني لا أدري أين هي

    *

    هناك صياد يغني في الساحل، صوته ساحر

    أبحثُ عنه في كل مكان ولا أعثر عليه .

    ألتقي أناساً من بلدتي وزواراً لا أعرفهم

    كلهم يثنون عليّ ويهنئونني لجمال صوتي

    *

  • آخرُ الورّاقين العظام – أجود مجبل

    نعمت بدوي

    مرثاة نعيم الشطري

    الصيفُ صديقُكَ القديم

    يُبَذِّرُ مُدَّخراتِه مِن السابلة

    وأنتَ تلمعُ في ظهيرةِ الكُتُب

    كفارسٍ قوقازيٍّ نبيل

    تقفُ على حجرٍ نادرِ الحدوث

    وتهتفُ :

    أيُّ ماءٍ مؤلمٍ هذا ؟

    العميقونَ أصدقاؤك

    طوالَ التوحُّشاتِ السابغة

    يُغدقونَ عليكَ مصائرَهم

    وأنتَ منذ خمسينَ رصيفاً

    تنتظرُ البرابرة

    إذّاك

    كنتُ تُسَقِّفُ شارعِ النهرِ بالضحِكات

    وتقترِضُ سيجارةً من المتنبّي

    تتركُ كأساً لزائرٍ قد يأتي آخِرَ الليل

    وتبحثُ عن حفيدٍ لحزنِكَ الأبيض

    كي يسرِدَ وجهَكَ للأرصفة

    مُتَّهمٌ بالبلادِ أنتَ

    ومأخوذٌ بوسامةِ الغياب

    فمَن أوصيتَهُ (برأسِ المالِ) أيها الرفيق ؟

    من أوصيتَه بالمتنبّي

    و (فاتكُ ) يكمُنُ له في نهايةِ القصيدة

    مَرةً قلتُ لك

    : الجبالُ دماملُ الأرض

    والمطّاطُ دمعُ الأمَزون

    فمن سيعطيكَ سهولاً

    تتأكدُ فيها مِن غزارتِك ؟

    جنودُ الإمبراطوريّاتِ مرّوا عليك

    يتعثّرونَ بحروبِهم الأليفة

    فوجدوكَ ملتحِفاً بالغمامِ الشهيِّ

    يطوفُ عليكَ وُلْدانٌ مُفَنَّدون

    وتتّخذُكَ الأنهارُ بوّاباً لأحزانِها الطويلة

    …………………………………………

    أجود مجبل/كانون ثاني/ 2012

  • شذرات لجنانا كوثان

    شذرات لجنانا كوثان

    عدنان حميدة

    ١-

    لأنني ولدت في الماء

    لا تخلف أقدامي آثارًا في الوحل.

    ٢-

    سأل أحدهم في الليل

    على أرضية الشرفة:

    “أين يمكن أن أضع رأسي؟”

    “بجانب يدك.. كي لا يسرقه أحد!”

    ٣-

    أقبل رجل نحوي،

    كما لو يريد أن يسألني سؤالًا:

    السوق؟ عنوانًا؟ منزلًا؟ معبدًا؟

    وبينما كنت أقف هناك

    أفكر فيما سيسأل

    فتح فمه عدة مرات.

    ولم يسأل عن شيء، ورحل.

    ترى أي عالم نعيش فيه؟!

    *شاعر وناقد يكتب بالتاميلية والاسم أعلاه اسم مستعار.

  • المشهد الأول / فارس الظلام – علي سباع

    المشهد الأول / فارس الظلام – علي سباع

    اتّفقنا على جريح واحد في خطّة الموت، حرماً آمناً كوردةٍ في معطفِ مقاتل، واتّفقنا بأن يكون جسدهُ خارطةً لدمنا، اليدُ بأكمامها والقدمُ بخطواتها والعيون بمجازها، وأننا سنهرب وننسى، كما يترك خيطٌ ميقاته على حلمٍ ممزق سننسى، سنتركه معلقاً بمسمارٍ معوجّ النهاية، يظن العالمُ بأننا نخطط لإنقاذه من الحياة، أو تظن الآخرة بأننا تركناه أملاً في العودة..

    وذلك لا يهم

    أشياء كثيرة لا تهم، أشياء نمتْ بألم الفضاء الواسع لا يمكن تفاديها بالقراءة، حين نقف عليها لا نرى الهاوية، تتشابه مواضع النجوم في سماء الغائب، يعضّ الحياء مؤخرةَ القلقِ، كأنك تسجدُ على حفرةِ النداء، وقلبكَ لا يجيبُ سؤالك، لهذا ستنسى، وحين الفكرةُ تصبح في النسيان ستتذكّر الفرحَ، تتذكره بأثرٍ قديم، بكل جريحٍ عالق في مسبحة الموتِ، ولكن ..

    أو ولكنهمُ اختلفوا في وصف الطقوس، فلكلّ قاتل بيننا جرحهُ المناسبُ لألمه، ولكلٍّ منّا ألمه الوجيه

    متزيّنين بأقراط الهواجس

    ومشغولين بكنسِ العتب

    متوحّدين كحدائق عبّاد الشمس

    وواثقين كدائرة محكمة الشكّ تحاصر فأر اليقينِ

    مشرّدين كأيام خاوية وسائحين في سرقة الألم

    متلفتين بأثر الماء وعابرين بخرائط السكينة

    متجاوزين كسائقي طيش ومنعزلين كحفلة اكتئاب، وحدي أتزيّن بجروحي وأضمّخ كواعب قصيدي برشّةِ الصفاء، وأقتل من أقتل كأنّي أقطف وردةً وأتركها حرزاً في إناءٍ مكسور، قتلايَ إنِ اتفقتم معي هم بخوري في استنطاق الغيب، تطوف به على جمر الغيابِ هفهفات التمرّدِ، وتخرج الغصّةُ من الصراحةِ أو يخرجُ الحلمُ من اليقظةِ أو يكسرون العظمَ من أوسطه ويتأملون ابتسامتي كجرحٍ جميل.

    تلك جمرتي منذ زهت على منابع مزاجي تفاهة العطش

    وتلك طعنة صمتي التي تؤلمُ ولا تُرى

    نظرةُ الثور الهائجِ

    لحمرة السرير

    يشخبُ عمري كنهاية بريئةٍ لعاشقين

    ولا أحتملُ أن تسقط شعرةٌ من رأسي على سطح أملس

    أعدّ بيتمي فقرات الحياة وأعض برأس الأصابع شهقات المكان، أيّكم سيكون الجريحَ؟ فلم يجبني أحد؟ وأيكم سيعدلُ عن طلقةٍ في الماء؟ فلم يجبني أحد، وأيكم ترك خلفه سكّة بلا حِديد؟ فلم يجبني أحد، بمجموع ما بلع الرمل الناعمُ من تأمّلٍ صمتوا، وبمجموع هذا الكائن الغائر في الحداثة بصقتُ، كنت أبصق كجنديٍّ يرمي قنبلة يدوية على أصدقائه في الحرب، وكانوا يخرجون من بين الأصابعِ بكلماتٍ فصحى غامضةٍ، صار ينقصني ضحكةٌ ومقعدٌ خشبيٌّ ولفافة تبغ، وينقصني جرسٌ ودراجة هوائية ومتاهةُ غيب، وربّما ظنٌ وبندقية صيدٍ وكاتمُ حظ، وربّما لا شيء ينقصُ من كبرياء الخيبةِ حين يذوب جليد الزمن، يا أصدقاء دعونا نبدأ المشهدَ كما تراهُ الحقيقة:

    الخدعةُ ليست خطةً، وأثر الرصاصة ليس جرحاً، وسقوط الفارس في الحب ليس كبوةً، لهذا العالمِ صورتان بخمسةِ فروقٍ كلها متشابهةٍ حدّ الكذب، آمنّا بالقيادة، ووضعنا أصابعنا على الخارطة، كزوجين حديثين رمينا الدنانير الذهبية في البحر، وربطنا أفراسنا في رهان الغيم، وقلت لهم: اقفزوا بلا مظلةٍ كي تصلوا قبل المساء، وداعبتُ شعورهم الناعمة بأبوة حانيةٍ، وسألت: من منكم الجريح ؟

    الجريحُ لثغة في رصاصة تائهة، بلا تورية تصيبُ اللغز في قلبه، أما القتلى فتمويهُ فاشل لسمكةٍ تصادف حوتاً أبيض، وجميعنا في سفينةٍ واحدةٍ فدعونا نغرق معاً ولو نجت السفينة، وابتسمتُ كأمي، حين تقابل قطاً أسود.


    *نص: علي سباع

  • محمد ناصر الدين – الحرب

    محمد ناصر الدين – الحرب

    1-
    كلّ مساءٍ يقومُ الأطفال من نومهم
    يحملونَ قواميس صغيرة في أكفّهم
    إصبع يسرى، عين يمنى، كبد صغير،
    عينٌ زرقاءُ، شعرٌ أشعثُ
    يبحثون عن اليد التي امتدّت إلى المعاني
    دون جدوى، يطفئون فوانيسهم
    يرجعونَ بصمتٍ إلى التراب.

    2-
    أيّها الربّ العظيم
    حين تتطايرُ الأجسادُ نحوكَ
    في الإنفجارِ
    أعدها إلى الأرض
    مثلَ كرةٍ ترتطمُ بالعارضة،
    ثمّة متفرّجونَ كثرٌ هنا،
    ستلوّحُ لك الأمهات بالعباءاتِ السودِ
    وسيضعُ الأطفالُ صورتك مع الرقم 1
    فوق قمصانهم،
    ويدقّ الرجال أحرف اسمك الأربعة
    أو أسمائك الحسنى بلا نقصان
    فوق سواعدهم وعلى الطبول
    كلّ ما عليك فعله الآن
    أن تعيد الكرة كاملةً
    إلى الملعب الأخضر.

    3-
    قلوبُ الأنبياء قويّة كالحديد
    لذلك يكلّم الأنبياء الربّ بثقةٍ في مناماتهم،
    ثمّة امرأةٍ من حلب
    تتردّد قليلاً قبل أن تكلّم الله في صحوها
    عن زهرةٍ تركتها في الحديقةِ،
    تقولُ الحكاية:
    كان ياما كان
    ماتت “وردُ” على أسوار حمص
    برصاصةٍ طائشة
    لم يبقَ ديكٌ في الحكاية
    أو نفرٌ من الجنّ يستمع:
    الرمادُ ساوى القاتل بالقتيل.

    4-
    كانوا يصوّبونها إلى وجهي
    إلى النقطة على منتصفِ الجبينِ تماماً
    يسندونَ إلى أكتافهم
    ويحنون رقابهم على مقبضها الخشبي
    وكنت مثل كلّ الأطفال
    أدفنُ رأسي بين الكتفين
    وأتمتمُ بالمعوّذتين واسم أمّي
    الرجلُ الذي يجلسُ في المقعد المجاور
    يهمسُ في أذني:
    إنّها كمنجاتٌ يا بني
    وليست بنادق.

    5-
    قاسيةٌ هذه الجبال بما يكفي
    لتغفو تحتها المدنُ الجاهزة للمجازر،
    التاريخُ رجالٌ مستعجلون للركضِ في الجنازة.

    6-
    بلى يا أدورنو
    نريدُ حصّتنا كاملةً
    من المشي إلى الموتِ
    مثلَ عارضاتِ الأزياء،
    لنصلَ معاً خطّ النهاية
    قتلةً ومقتولين.

  • الوحدة – كادامانيتا راماكريشنان

    الوحدة – كادامانيتا راماكريشنان

    الوحدة قوة

    حتى الجبال ستتحرك

    ويمكن أن نروي درسين

    لتوضيح هذه الحقيقة:

    الدرس الأول:

    أي صبي في إمكانه أن يكسر

    أغصانًا صغيرة جافة واحدة واحدة

    ولكن إذا ما ربطت معًا

    حتى الفيل لا يستطيع كسرها

    ولكن دع كل فرد

    يصير أولًا عودًا يابسًا

    ويمتد في حزمة

    ناسيًا كل شقاء:

    “الوحدة قوة؛

    قول عظيم، أعجوبة كبرى”

    الدرس الثاني:

    هل يمكن لعود واحد

    أن يصنع مكنسة بكاملها؟

    إذا ما اتحدت عيدان مئة

    فذلك سيشكل مكنسة

    ولذلك أيها الناس اتحدوا

    واستحيلوا مكنسة!

    “الاتحاد قوة

    حتى الجبال يمكن تحريكها”.

    الخلاصة:

    ربطة من العيدان في مكنسة

    ستجعل مستقبلكم زاهرًا

    أي من هذين إذن؟ لا تقلقوا

    أي منها سينجح.

    *شاعر ومترجم من كيرالا يكتب بلغة الماليالم.

  • أغنية البجعة أو سباعيات الإبل – ميثم بولند

    أغنية البجعة أو سباعيات الإبل – ميثم بولند

    ١

    عادت اليمامات.. كن يحملن في مناقيرهن إكليل الياسمين..

    ما إن عقدن حول عنقي.. ذاك الاكليل..

    حتى انفرجت حولي السماء.. فسمعت:

    ”بإسم يسوع المسيح.. أرسمك كاهنًا.. أو معلمًا..

    لتبشر بالتوبة.. وبغفران الخطايا..

    لتقيم الحجّة.. ويثبت الإيمان..

    بإسمه.. إلى المنتهى..“

    ٢

    ها هو السؤال..

    سؤال دفن تحت تسعة طبقات من الوهم..

    السؤال الذي عقّد اللغز..

    السؤال الذي ثبت الحواس..

    يهتز كأس الخمر.. رشفة منه..

    فنظرة لعينيها على سبيل التمني..

    ” هل الذين استقبلوا النور يهبون النور ؟“

    ٣

    إنني أقوم بما عجزت عنه الملائكة..

    كتبت بأهدابي تلك القصيدة..

    قصيدة حرّم وزنها..

    أهرطق.. وأنا أخطها..

    على خدها.. بإباحية..

    و أطلب لها الرحمة.. أداريها بالعناق..

    أصلي.. لسكينة نفسها..

    ٤

    هذه هي.. محاولة أخيرة..

    للملمة الذات..

    أو رغبة.. بالتجول بين عالمين..

    رغبة باعتناق الموت.. أريح عليه رأسي..

    إبتذال الكائنات المتعبة البلهاء..

    إلى متى أتحرك عبر الزمن ؟

    أريد جمال الخالق..

    ٥

    كنت ميتًا.. وعدت إلى الحياة..

    أخذني أصدقائي إلى الصحبة..

    أننا نتسكع.. تُقرأ السطور..

    أُرضي نفسي.. فأصنع شخصيات أخرى..

    الموت.. كالحب.. ينزل بالمرء فيتملكه فجأة..

    تجربة جميلة كنت احلم بها..

    ” أماه.. ها قد وصلت..“

    ٦

    نصّ.. فصراع.. من ثم انسحاب..

    نتائج لأفكار متأصلة..

    لا يمكن تغييرها..

    أزمة.. ليست في طبيعة هذه المشكلة..

    وإنما في كيفية تفسيرها..

    وهذه دعوة أساسية..

    لاعتناق مذهب ابن آدم الأول..

    ٧

    الغسق يحمّر.. يخّط الدم.. والثور يمشي..

    يحرث الارض.. دون كلل..

    ينشب الحبل في فم الفتى..

    لا يقف الثور.. يجر الحبل.. بأريحية..

    تتكسر أضراس الفتى..

    يغرق بدمه..

    يخيّم الليل.. ويبكي الفلاح ابنه..

    ٨

    يختفي هذا الركام..

    و طيور الليل.. صداحة..

    تُنشد مايمليه عليها ضمير الغراب..

    تسّلي روحي المحترقة..

    فيصبح زُهدي.. ضروريًّا..

    أتصوّف على طريقتي.. وأستسهل الصعب..

    أغيب.. بعد إعلان اغترابي المطلق عن الواقع..

    ٩

    اعتليت القمر.. هربًا من مبالاتي..

    كنت أتجنب واقعية الحياة..

    و هذه الواقعية القاتلة هي ما نهرب منه جميعنا..

    أليس كذلك ؟

    وهي.. من غربلت روحي.. ورسمت تاجًا على رأس الموت..

    تظهر.. وتكرر بصوتها الخمري..

    ” إن لم يعذبك الحب.. لا تكن هنا.. معي..“

    ١٠

    إنها مملكة لارفقة فيها ولا عشق..

    أرضها تبتلع النساء.. و قداستهن..

    الحب محرّم هنا.. يا للخسارة..

    مملكة لا بدء لها ولا انتهاء..

    لاطرق فيها ولاسبل..

    تركت قلبي فيها ليصدأ بالأسى..

    و تهت.. مع الراحلين..

    ١١

    تخمّر النهار.. والعيون تبتّل بالسحب..

    الريح تهز ثيابي.. وتضحك..

    شيء في داخلي يدور.. صراخ أم..

    إنها الارض التي تموت عندها الأساطير..

    أرض تترنح من تحتي.. سر الكون يتقلّب فيني..

    إختفى عبق الزهور.. و لا إسم لي..

    صرخت : ” على عينيّ ألا تبصرا..“

    ١٢

    ناولتني الخمر في كأس غير ذاك الكأس الذي أفضله..

    روحي مريضة.. ومعشوقتي ترقص.. يا للخزي..

    يسقط الكأس.. و يتكسر..

    الحرية تفسّر بتلك التفاسير الخاطئة..

    و تصاب الأخلاق بأكبر نكسة..

    أين كأسي؟

    يا للأسف.. سُكب الخمر ولم أذقه..

    ١٣

    لاأحد يستطيع كتابة هذه القصيدة..

    بعد رحيلكِ..

    لاأحد سينقذ كلماتها..

    من الظلام.. من المنافي..

    إنه الموت العبوس..

    ما أبشع صورته..

    صورة تبعث في نفسي النفور..

    ١٤

    أطرد كل الخيالات الحقيرة.. الدنيئة..

    سيثيريا.. الهة الحب.. أم إنها ممثلة إباحية ؟!

    تغسل نهديها بماء النهر..

    تذكرت بأنها لم تولد من دم ومني..

    كما تقول الأساطير..

    بل ولدت من هوّس.. الهوس يولّد الحب..

    كما أن من عادة الحزن أن يولّد الجنون..

    ١٥

    كل ما هو غير مفهوم معجزة..

    إذًا فالحياة نفسها.. معجزة..

    ما الذي رمى بي الى هذا المكان ؟

    طنين خافت يُثقل اذني..

    إنني أسمع قصف مدافع السماء.. في حومة الوغى..

    جلجلة الابواق.. دوي رعد.. صوت امرأة..

    إنه الموت.. ”هيت لك..“

    ١٦

    قديمًا.. عندما كانت النمور تدخن التبغ والحشيش..

    و بعدما تخلصت من شخصيتي وعقلي وانويّتي..

    نُفيت الى الوعي.. و غدًا الجهل لي وطن..

    طرقت بابًا لأحد الدور..سمعت :

    ”تدري أنهم رحلوا..“

    أشعلت سيجارتي.. ودفعت الباب بتأن..

    فتاة على كرسي خشبي.. مكبلة.. تبتسم..

    ١٧

    لن تستطيع كسر الوصايا العشر.. لأنها هي التي ستكسرك..

    بعدما يأكل الزنجي ذاك القرد..

    فيأخذ منه حب الطرب..

    يرقص مع بنت آصف..

    يتغنون بمقامات تروي حكايا محرمة..

    عن مملكة بائدة.. كان يُذبح فيها الهراطقة..

    ١٨

    أحسست بقرب الفراق..

    فتعلقت بمعشوقتي بعنف غير مسبوق مني..

    هذه حالة منكسرة..

    تنقض جل دعواي..

    تهدم بنيان ديني وعقيدتي..

    انقرض بعدها و يمحى كل ما هو مسطور..

    يا ليتني لم أنشدها.. يا ليتني لم أردها..

    ١٩

    كيف أخبر تلك التي تخلت عني انها اصابتني بأذى شديد ؟

    كيف اخبر التي افلتت يدي في منتصف الطريق..

    عن خيبة الامل التي شعرت بها حين وجدت نفسي وحيدا ؟

    تلك التي اعتقدت انني سأراها تقاتل معي في معاركي الشخصية..

    التي خيّل لي انها ستقوم بحماية ظهري من الطعنات..

    التي ستقبل ندباتي.. و تخفف عن قلبي التآكل..

    كيف أخبرها ان الخذلان لا ينسى ؟

    ٢٠

    طيور تحلق في رأسي..

    هيجان مزعج و غريب.. عالم عاجز على ان يولد..

    ادور و يدور كل شيء..

    الوشاة يبحثون عن روحي..

    في حانة الصعاليك..

    ادور.. و لا جواب لهذا السؤال..

    هل من احب في كل مكان ؟

    ٢١

    الايام تمضي.. اعدها على اصابعي..

    و اعد كذلك.. اصحابي و خليلاتي..

    و اليوم لا اعد على اصابعي..

    سوى اصابعي..

    ضعت انتِ مني..

    و كان ضياعك المشؤوم..

    كارثة.. بلا دليل..

    ٢٢

    روحي تتعفن.. تسمم..

    و الغضب يحرق جسدي..

    الحب يغتال المراثي..

    قلبي وكر للجرذان..

    و فمي مصيدة للفراشات الصارخة..

    الموت.. يا ياسمينتي..

    ينبغي ان يكون كنوع من الاجلال للحياة..

    ٢٣

    العشق اذا استحكم..

    فلا علاج له.. الا الموت..

    و هذا الناي يقصّ علي..

    حكاية الطريق.. الذي اتخذته..

    مهربي الذي صادفت فيه قدري..

    بعدما قدّمت قرباني المنكوب..

    ”لن اقبل هذا منك.. يابن آدم..“

    ٢٤

    احيا و انتمي الى المجتمع..

    بهذا الفن.. ارجع الى ذاتي..

    بلا تابوت.. و لا قبر.. و لا كفن..

    افكر بشجن و انا اقضم اظافري..

    ” لماذا لم اعد اراك ؟“

    رحلت و تركتِ.. يا امرأة.. على قميصي..

    صوتك الحزين..

    ٢٥

    كان القمر قد ارتقى كبد السماء..

    القمر يمر بأسنانه على قلبي القريح..

    يأكل بنهم آخر أيامي..

    روحي البسيطة.. تعاني..

    مع مرور الوقت.. من الخوف..

    انا قلت.. و انتهيت..

    و سوف انتهي.. و انتم ايضا على خير..

    ٢٦

    يقفز على قدميه.. يصل الى حيث النور..

    ما الذي سيحدث له عند النهاية ؟

    ماذا لو ضربوه.. و زجروه ؟

    لم يعد خائفا من أي شيء..

    بعدما عاش الخوف.. وحيداً..

    يُقتل صاحب ارقى مذهب..

    يُقتل ابن آدم الاول..

    ٢٧

    لمّ على الحياة ان تضع حياة اخرى ؟

    لماذا هذا الاصرار على الاستمرار في الحياة ؟

    لماذا – طالما لا شيء يهم – لا ننقرض ؟

    تراب يغطيني حتى نهاية الزمن..

    و الاسوء ان يُكمل ضميرك الرحلة..

    و انت في العدم.. مدفون..

    كنت حيا مرةً.. معها..

    ٢٨

    ايها الانسان..

    يا اجمل اشاعة دنيوية..

    كرّس العلوم في البحث عن الاسم الاعظم..

    انني بحاجة الى الالهاء..

    لا اريد ان اتركني لهذه الافكار..

    انها تفترسني.. و تهبط بي..

    الى اشنع مزحة.. الى الحياة..

    ٢٩

    تربطني علاقة غريبة بالزمن..

    انني لا اعي بمروره..

    لا اضيّعه.. بل استغلّه..

    لكنني غير منتبه له.. و هو يمضي..

    و يأخذني معه..

    حيث ابدأ بتدميري المعتدي..

    لذاتي البعيدة..

    ٣٠

    امّر بالياسمين..

    بأغان مكسورة..

    حزينا.. اعبر الطرقات..

    كمجنون.. او كشاعر..

    و كلاهما يولدان..

    لا يصنعان..اقصد ان :

    ” المجنون كالشاعر.. يولد و لا يصنع..“

    ٣١

    الكاريزما.. الجاذبية..

    اعتقد انها تعتمد على الحضور..

    اعني.. ان تكون حاضرا ذهنيا..

    في هذه اللحظة.. و على الدوام..

    احاول إلتقاط الحلم بكفيّ..

    لكنه هرب.. لمكان ما..

    ” لماذا تصير كل الطرق الى فراق ؟“

    ٣٢

    هذا العالم المظلم..

    العالم الذي لا قاع له..

    صديقي القديم.. العالم الفوضوي..

    العالم الأخرس.. الجاهل.. الصامت..

    هذا العالم هو جزء حقيقي مني..

    سمعت نواح الأرامل عند الكهف القاتم..

    ” ان القلب اذا صفا.. ضاقت به الارض حتى يسمو..“

    ٣٣

    كل ما ترغب به.. هناك..

    عليك السفر اليه..

    تعبر هذه القارة الموحلة..

    تسافر بعيدا.. جدا.. جدا..

    لتجد ما هو قريب من قلبك..

    من ثم تنتحر..

    الآن عليك ان تحب..

    ٣٤

    تنبأ هيرميس..

    في عيد القتل..

    ” انني اهم بالترنم بمدائح الواحد الكل..

    ايتها العدالة سبّحي للحق في ذاتي..

    ايها الصدق سبح للقدس في روحي..

    ايتها الأثرة سبحي للمهيمن في صلاتي..

    هي كلماتك التي تتغنى بمديحك من خلالي.. فالكل منك.. و الكل اليك..“

    ٣٥

    عيناي تنتظران بيأس..

    تجلّيها و قدومها.. و هي تنبض بالعشق..

    من بين النوارس و الطواويس..

    عيناي تنتظران بحزن مظلم..

    مشهد عودتها المباركة..

    تمشي بين اكاليل الغار..

    تتخطى فيض وجودي كله.. و تستقر في اعماقي..

    ٣٦

    ”عمّ يتحدث الموتى..

    في هذه المساء الهاديء ؟“

    عن الزمن و تدميره للانسان..

    الزمن عجلة دوارة للابد..

    عن التغيير المستمر.. و استحالة كيان الحقيقة..

    عن مولد الوعي مع مولد الانسان..

    عن نهاية هذا الوعي.. عن تغيّر حالة الميلاد.. عن انفسهم..

    ٣٧

    خاطبني الجني.. و انا اهرب اليها..

    و قد كشف خلجات نفسي..

    و لمس عطشي الى عبق انوثتها..

    ” انك مسكون بالغواية.. حتى في هذه اللحظة..

    لحظة الانهيار القصوى.. و في هذا الوطن..“

    لماذا يصفعني الحزن كلما نادتني صيحات البهجة ؟

    ماذا عندي لادافع عن نفسي امامها ؟

    ٣٨

    مررت بطيف روحها و صحت :

    ” يا من هجروا و غيروا احوالي..

    ما لي جلد على جفاكم ما لي..

    جودوا بوصالكم على مدنفكم..

    فالعمر قد انقضى و حالي حالي..“

    نحرتني بجديلتها.. هي.. انا..

    و الانتحار اكثر الافعال انانية..

    ٣٩

    يظلمون و يتكلمون باستعلاء.. يجعلون افواههم في السماء..

    و ألسنتهم تسعى في الارض..

    اسمع بكاي يا خالق الخلائق..

    و الطف بنجواي و صياحي.. من عند نهاية هذه الارض..

    ها هي نبضاتي تتوقف.. و ها هو فؤادي يختفي..

    ” كلمتك مصباح لخطاي.. و نور سبيلي..“

    و هذا هو الاصحاح الثالث.. هبط على ظهري قبل بعثي.. بساعة..

    ٤٠

    ” ما اسمك ؟“

    ” ياسمين..“

    صرخت.. ”لا احب هذا الاسم..

    هل من الممكن ان اناديك بإسم آخر ؟“

    وقفت و قالت بتردد : ”بريجيت هيلم – “Brigitte Helm

    ابتسمت.. ” لا اعتقد ذلك.. هي اعظم امرأة عرفها التاريخ..

    اما انتِ فـ.. انكحي نفسك.. ياسمين..“

  • ياسين عاشور – المالينخولي السّعيد (8) – العالمُ عينُهُ الهاوية

    “خسِستِ، يا أمّنا الدّنيا، فأفّ لنا، – بنو الخسيسة أوباشٌ، أخسّاءُ ! ” – أبو العلاء المعرّي

    “تاريخ العالم هو تاريخ الشرّ، جرّب أن تستثني الكوارث من التطوّر البشري- ستكون كمن يتصوّر الطّبيعة من دون فُصول.” – إميل سيوران

    “تتأرجحُ الحياةُ كرقّاص السّاعة بين الألم والضّجر.” – آرثر شوبنهاور

    كثيرًا ما يتردّد على مسامع صاحبنَا أنّ العالم في هذه الأيّام يتّجه نحو الهاوية، وأننّا نُزامنُ حقبةً رديئةً وأنّ أيّامنا هي الأسوأ على الإطلاق. لكنّ ما يلفت الانتباه حقًّا هو تردّد هذه العبارات تقريبًا في العصور كلّها وعلى ألسنة الأمم جميعها، حتّى أنّ الشاعر الرّوماني “جوڤـِنال” (توفي ق2م) ذكر في إحدى هجائياته “أنّنا وصلنا إلى الدّرجة القصوى في الرّذيلة، وأنّ من يأتون بعدنا لن يستطيعوا أن يتفوّقوا فيها علينا”.  فهل يتّجهُ العالمُ  صوب الهاويّة حقًّا؟ وهل النّكباتُ التي تحلّ بنا خاصّةٌ بعصرنا دون بقيّة العصور؟

    … للمالينخوليّ السّعيد رأي آخر، إنّ العالم عينُهُ الهاوية، ونحنُ نقطنُ في قعرها، تلك الحُفرة السّحيقة التي نُدفعُ إليهَا دفعًا بالقوّة لا بالفِعل، بقوّة الآلة الطّبيعيّة العمياء التي تشتغل وفقًا لدوافع لا نُدركُها، لأنّها تقعُ خارج حُدود التمثّل الإنساني، كلّ ما ندركهُ أنّنا موجودون في قعر هذه الهاوية، منخرطون في طرق اشتغالها، تائهون في ثناياها، نخبطُ خبط العشواء في اللّيلة الظلماء ونُشاركُ في صناعة آلامنا وتأبيد معاناتنا، نُمنّي أنفسنا بغدٍ أفضل ونرفض الإقرار بأنّ بُؤسنا لن ينقضي إلّا بانقضاء نوعنا.

    إنّ العالمَ مصنعٌ كبيرٌ لتكرير المعاناة وتأبيدها في عود أبديّ رتيب، تتغيّر الأزمنة وتتنوّع الأعراق وتتمايز الظّروف التّاريخيّة والثقافيّة، قد تتعدّد صيغ البؤس وتتفرّع معادلات الألم لكنَّ المعاناةَ واحدةٌ، إنّ هذا العالم ليس مكانًا للّراحة ولا للطُّمأنينةِ، إنّما هو ساحةٌ لخلق الحاجات والرّغبات التي لا تنتهي ولا تُشبع أبدًا، لا يكتفي الإنسانُ بالمُتاح ولا يشعر بالرّضا  ولا يقرّ لمتطلّباته قرارٌ، بدءًا من أبسط احتياجاته وصولًا إلى أكثر رغباته ترفًا وفُحشًا، سيتألّمُ إنْ لم يُشبعها، وسيضجرُ سريعًا إذا قضى منها وَطَرًا، ليزداد من بعد ذلك تحرّقه إلى المزيد من مشتهيات نفسه ومآربها، لأنّ لحظة تحقيق الارتياح وملامسة اللّذّة تمرّ كلمح البرق . لقد أحسن شوبنهاور وصف هذا الوضع الوجوديّ حين قال:” تتأرجحُ الحياةُ كرقّاص السّاعة بين الألم والضجر. ”

    يكُونُ العالم بمقتضى قانون الحاجات والرّغبات مسرحًا يخوض فيه الجميع الحرب ضدّ الجميع، حرب الأفراد على الأفراد والفرد على نفسه والنوع الاجتماعي على نظيره والأمم على الأمم والطوائف على الطّوائف والطبقات على الطبقات والنوع الإنساني على بقيّة الأنواع الحيّة، يتصارع الجميع من أجل سدّ حاجاتهم الجسديّة وإشباع رغباتهم المتجدّدة وانتزاع النّفوذ والهيمنة والمكانة والتفوّق وضمان ديمومة المصالح وتحقيق الأمن النفسي، إلى غير ذلك من متطلّبات النوع الإنساني التي تتجاوز منطق الحاجات الأساسيّة البسيطة، ذلك أنّ للإنسان رغبات بالغة التركيب ، مُشِطّة التعقيد ، يتعالق فيها العجيبُ والغريبُ واللّامُتوقّعُ، مثل أن يجلس سفّاحٌ إلى ضحيّته، يُقطّع أوصالها بدمٍ باردٍ، أو أن يُضحّي ملكٌ بجيش يُعدّ بالآلاف كي يحقّق رغبته في احتلال مدينة مجاورة أو أن يتلذّذ أحدهم بإلحاق الأذى بمن هم أضعف منه حالًا أو أن يستحمّ شخصٌ فاحش الثراء في حوض من الحليب والعسل كلّ يوم في حين يموتُ جارهُ جُوعًا وفقرًا…

    ستطول القائمة إذا تمادينا في ذكر رغبات الإنسان الفاحشة، ذلك أنّ أنّها ليست من قبيل الشواذ من الأمور، بل هي مُحرّك التّاريخ الإنساني الرّئيس، ذلك التّاريخ الذي تحكمه الرّغبات والأهواء والأحلام والأمنيات الشخصيّة والمُصادفات والغباء وسوء التقدير، ذلك التاريخ الذي يُكتبُ في مقصورات الجواري وفي مجالس اللّهو والطرب وفي صالات القُمار وفي طموحات الزعماء الجامحة وفي هوامات المُجاهدين الجنسيّة وفي رُؤى الأنبياء الهاذية وفي مآرب أرباب الأموال الجشعة…

    يُدركُ المالينخوليّ السّعيد أنّهُ عالقٌ في قعر هذا العالم/الهاويّة، ويعلمُ جيّدًا أن لا سبيل إلى تغييره أو إصلاحه، لذلك فهو لا يتّبع خطواته، بل يقبعُ آمنًا مُطمئنًّا في جحره الوجوديّ لا يغادره، يستيقظ كلّ يوم دون وجهة ولا هدف ولا غاية ولا سبب يدعوه إلى الانخراط في الحياة العامة، لقد قرّر الاكتفاء بتسطير الهجائيات، مهنته الوحيدة هي هجاء العالم وتعداد رذائله والتبرّؤ منه، وفي الأثناء يُصادِقُ الموت ويُغازلهُ، ويجدُ العزاء والسلوى في فكرة الفناء الأبديّ والعودة إلى ظلمات العدم، ف”لا مطلوب أبلغ من الموت”  كما جاء على لسان ابن عربي.

    إنّ هذا العالم سفينة سكرانة بلا ربّان، تتقاذفها أمواج الاحتياجات والرّغبات والأهواء والجُنون، وتُحاصرها شتّى العذابات والآلام، لا وجهة تنحو إليها ولا غاية تنشدُّ صوبها، لذلك فإنّ الانسحاب من الحياة العامة في هدوء لن يكلّفنا الكثير، بل إنّه المجد الوحيد الباقي، مجد الاستقالة من الوظائف الاجتماعيّة الباهتة، مجد الخروج من دوّامة الالتزامات التي لا تلزم، مجد الفرار من معركة نستبقُ خسارتها، مجد الحياة دون خوف ولا أمل ولا خيبات…

    “نحنُ عبيدٌ ونبقى عبيدًا طالما لم نُشْفَ من عادة الأمل”… هكذا تحدّث الحكيم سيوران !

    المصدر: الأوان