المدونة

  • وفاء عبد الغفور – نافذة مكسورة

    -1-

    رَجُلٌ واحدٌ يساوي وردة
    ماذا أفعلُ برَجُلٍ أثمنُ مِنَ الجَنّة؟ !

    -2-
    على المقعدِ تجلِسُ المنفضة ،
    السجائرُ أكفانٌ فارغة
    الفتاةُ التي تنتحبُ في الانتظار
    أكثرُ بؤساً من فنجان قهوةٍ
    يبرُد /
    على المقعدِ سؤالُ نادِلٍ :
    أينَ جثّةُ الفتاةِ التي رأيتُها
    تحترقُ كُلّما نظرتْ إلى ساعتِها ؟!

    -3-
    تخلِطُ البنتُ الفراولة بالسُكّر
    حبيبُها فراغُ حبّاتِ الفاكهة إذاً :
    كيفَ تُصبِحُ كثيرةً
    – لأجلِهِ –
    وأحلى مِن قطعِ السُكّر
    المُلتصقةِ به ؟

    -4-
    تُغنّي للعصافيرِ صباحاً
    الفتاةُ التي تشبِهُ وجهَ
    الشمسِ ،
    لم تُدرِك بأنها تنتظرُ
    رَجُلاً كرياحِ نيسان ،
    يكسرُ النافذةَ
    ويختفي !

  • استراحة الموتى – محمد بدر

    استراحة الموتى – محمد بدر

    طاهر البني – سوريا

    رسالة إلى الأرض والتي لن تصل أبدًا: لقد انتحرت، كان اللقاء رائعًا مع الموت بعكس ما كان يتصور معظمكم عن أهواله، كان لطيفًا، حنونًا وجميلاً، أخذ بيديّ بكل عاطفة وحب، قبلني ومن ثم احتضنني حتى دلفت في جسده.

    في البداية كانت هناك ظلمة حالكة ثم خرج نور صغير بالمنتصف وبعد دقيقة انتشر النور وحاوطني ببياضه الباهر من كل الجهات مثل السماء ورأيت كل البشر الذين ماتوا، وقابلوني بفضول، وأخذوا يسألون عني، أرادوا أن يعرفوا كل شيءٍ حيالي وعن العالم.

    أخبرتهم عن كل ما استطعت تذكره، فالذكريات تصبح ضبابية بعد الموت وكل شيء تحاول استرجاعه عن الحياة أشبه بحلم متقطع، ذلك النوع من الأحلام الذي يجعلك تستيقظ وأنت تتصبب عرقًا وتنسى غالبية تفاصيله عدا ما أثر فيك بقوة.

    كان هنالك طابور كبير من الرجال والنساء والأطفال الذين يتناوبون في سؤالي، وفئة منهم كانوا غير مبالين بوجودي ولم يتكلفوا حتى النظر إليّ، وفئة أخرى كانوا ينظرون إليّ من البعيد.

    أجبت على ما استطعت الاجابة عنه حتى فرغوا مني، ولا أعلم تحديدًا كم قضيت من الوقت لأجيبهم، ربما شهر أو شهرين ولكن لم يتملكني النعاس أو التعب إطلاقًا.

    سألتهم عن الجنة والنار وأخبروني أنهم لم يشاهدوها ولا علم لهم إذا كانت حقيقية أم لا، سألتهم عن الله وقالوا أننا لم نشاهده ولا علم لهم إذا كان حقيقياً أم لا، سألتهم عن الحيوانات فقالوا أنهم لم يشاهدوا حيوانًا واحدًا منذ أن أتوا إلى هذا المكان الذي كان يطلقون عليه: “استراحة الموتى”.

    سألتهم: “إذن كل ما تشاهدونه هنا هو البياض هذا؟” قالوا نعم منذ أن متنا وهذا كل ما نشاهده، ونحن لا ننام ولا نشتهي الأكل ولا نمارس الجنس ولا نموت وليس لدينا شيء نفعله سوى سماع قصص القادمين الجدد ونسألهم عمّا حصل في الحياة وعن أشخاص معينين.

    كنت سأكمل حديثي لكن جميعهم تركوني وذهبوا ليستقبلوا أمواتًا جُددًا ولم يعودوا يهتمون بي، حينها مباشرةً وقفت بالصف وانتظرت دوري للسؤال، وبعد شهور من الانتظار أخيرًا جاء دوري.

    سألت الوافدة الجديدة عن أمور عديدة تتعلق بالبشر وطريقة عيشهم ثم أخذت أسأل القادمين الجدد ذات الأسئلة واكتشفت في كل مرة، وفي كل زمن مختلف؛ أن البشر لم يتغيروا أبدًا، وأن الحياة لا زالت بشعة، ظالمة، كريهة وفي حرب دائمة.

    في النهاية أصبحت مع تلك الفئة التي تنظر من البعيد للقادمين الجدد ثم تطور الأمر وأصبحت مع الفئة الأخرى التي لا تبالي بأي شيء.

    ومع مرور الوقت أصابني اليأس ولم أعد أتحدث مع أحد، وانتحرت لأكثر من مرة في الموت لكنني أجد أنني أعود إلى ذات المكان مرةً أخرى لذا توقفت، مَن كان يفكر أنه من الممكن أن ينتحر المرء في الموت؟ الأمر مضحك جدًا، الموت لم يحمني أو ينقذني بل زادني بؤسًا.

  • قصيدة للشاعر الدنماركي: نيلس هاو.

    نيلس هاو

    خلال المجازر
    نتمشى على طول البحيرات غافلين.
    تحدثت أنت عن سيمونسكي،
    وراقبتُ أنا غراب القيظ
    يلتقط فضلات الكلب.
    كل واحد منا منغمس في نفسه
    مطوقٌ بقوقعة جهلٍ
    تقِي أهوائنا.
    *
    يؤمن الهيوليون
    أن فراشة في جبال الهيمالايا
    بخفقةٍ من جناحها
    بوسعها التأثير على الطقس في القطب الجنوبي.
    قد يكون هذا صحيحاً.
    ولكن
    حيث الدبابات تزحف
    والأشلاء والدماء
    تتقاطر من الأشجار
    فليس ثمة ما يتأثر.
    *
    البحث عن الحقيقة
    كاصطياد السحالي في الظلام.
    العنب من جنوب أفريقيا،
    الأرز من باكستان،
    البلح ينمو في إيران.
    نحن مع فكرة الحدود المفتوحة
    من أجل الفواكه والخضروات،
    لكننا مهما نلف وندور
    فالمؤخرة تظل في الخلف.
    *
    الموتى يدفنون عميقاً في طيَّات الصحف،
    لهذا، دون أن نتأثر،
    بوسعنا الجلوس
    على مقعد في ضواحي الفردوس
    حالمين بالفراشات.

    المصدر: مجلة رسائل الشعر ( العدد العاشر، تمّوز 2017، ص 76-74).

  • الجَلَّاد – خورخي طوريسْ ميدينا

    الجَلَّاد – خورخي طوريسْ ميدينا

    ناصر نعسان اغا

    الشّاعر الكولومبيّ: خورخي طوريسْ ميدينا (1956)

    الجَلَّاد:
    إلى صديقي (كـ)

    الجَلَّادُ ليسَ مُتعجِلاً
    إنَّه يأكلُ، يَنامُ، يُحِبُّ مِثلَ العادَة
    يُصَلي كلَّ ليْلةٍ منْ أجلِ خَلاصِه
    يُزَيِّتُ الحَبلَ ليَنْسابَ بلُطْفٍ
    يحْفَظُ الفَتاوى عنْ ظَهرِ قَلبٍ
    يَعرِفُ المُدانَ أفْضَلَ منْ أيِّ شَخْصٍ آخَر.

    يُؤمِنُ بالله لأنَّه صارمٌ ولا يَرحَم
    يُقلِّدهُ ليَقتِلعَ الخَطيئَةَ.
    إنَّه يتعاونُ معَ زمَلائِهِ ويَنصَحُهم.

    رَجُلٌ مِثاليٌّ
    يَكسِبُ قوتَه بِعَرقِ المَوْت.

    ترجمة. Ghada Laghzaoui

  • قصيدتان للشاعر اليوناني كوستاس كاريوتاكيس

    قصيدتان للشاعر اليوناني كوستاس كاريوتاكيس

    1-
    كانت أزهار الأقحوان تموت في الحديقة..

    كانت أزهار الأقحوان تموت
    في الحديقة
    كمثل رغبات،عندما أتيتِ.
    بهدوء
    ضحكت، كأزهار بيضاء
    صغيرة.
    بصمت صنعت أغنية رقيقة
    من عتمة
    أعماقي
    وجعلت البتلات تغنيها
    فوقكِ.

    2-
    شجرة

    بجبين هادئ ولا مبال
    سوف أحيي الأصيل والفجر.
    كمثل شجرة سأقف وأحدق
    في العاصفة كما في زرقة السماء.

    وسأقول إن الحياة هي التابوت
    الذي يموت فيه فرح الناس
    وحزنهم.

    ترجمة: جمانة حداد.

  • مقاطع من رحلة حج بوذية  – سانتوكا تانيدا – ترجمة: محمد عيد إبراهيم

    مقاطع من رحلة حج بوذية – سانتوكا تانيدا – ترجمة: محمد عيد إبراهيم

    1

    لا درب غير هذا

    أمشي وحيدًا.

    2

    استجداء: رضايَ

    بوقدة الشمس.

    3

    أغصان الصنوبر مائلة

    يثقلها ترتيل:

    مرحبًا بالهيكل الحاني.

    4

    الريح ما بين الصنوبر

    صباحًا مساءً

    تدفع أصوات جرس الهيكل.

    5

    القادوس ممتلئ بالمطر

    هذا كاف اليوم.

    6

    بلل في ندى الصبح.

    أذهب في الجهة التي أريد.

    7

    العتمة،

    بلل بصوت الموج.

    8

    وحدي أرقب القمر

    وهو يغطس خلف الجبال.

    9

    في صمت، أرتدي

    خفي القش نهارًا

    10

    هذا الدرب المنبسط

    كله عزلة.

    11

    أمد بقدميّ،

    لا يزال بعض من نهار باق.

    12

    دونما هدف،

    أمضي على العشب وهو ذابل.





    *: نص: سانتوكا تانيدا

    *ترجمة: محمد عيد إبراهيم

  • فتحت بابًا حديديًا – فياض خميس

    فتحت بابًا حديديًا – فياض خميس

     

    فتحت بابًا حديديًا،
    صريره تسلل إليّ، ثم وطأت جذر شجرة،
    وأبصرت نافذة مشتعلة، لكن الفجر
    كان يلتهم الأوراق ولم تكوني هناك لتقولي لي
    إن العالم قد تمزق وغدا مسمومًا. دخلت،
    صعدت درجات السلم في صمت، فتحت بابًا آخر،
    تجردت من الجوال، وجلست، قلت إني أتصبب عرقًا،
    ثم شرعت في ضرب ماكينة الكلام،
    ماكينة الشخير والموت (وأنتِ كنتِ نائمة، وأنتِ نائمة، وأنتِ لا تعرفين
    كم أحبك)، تجردت من ربطة العنف والقميص،
    ارتديت روحًا جديدة كنتِ صنعتِها لي هذه الظهيرة،
    وواصلت الكتابة واللعنات، واصلت حبك وعض
    قبضتي. ثم فجأة بلغتني
    أصوات أخرى:
    كانت تغني لأشياء مستحيلة وجميلة، وكانت
    تشعل
    الصباح، وتذكر قبلات تعفنت
    على النهر،
    شفاه قوّضت الغياب. وأنا لا أرغب في قول شيء آخر:
    لا أرغب في الكلام، حتى صرير الباب ربما خدش بعنف
    هواء حلمك.
    ما أهمية أن أخرج أو أدخل أو أكف عن الحركة.
    أخلع حذائي
    وألقي به كأعمي، وبحب، في وجه العالم.

    ترجمة: أحمد عبد اللطيف.

  • القمر هذه الليلة –  كوستاس كاريوتاكيس

    القمر هذه الليلة – كوستاس كاريوتاكيس

    القمر هذه الليل سينزل
    على الشاطيء، كمثل لؤلؤة ثقيلة.
    وفوقي سوف تتراقص
    أشعته المجنونة المجنونة.

    الموجة الياقوتية ستنكسر
    عند قدمي، وتبعثر النجمات
    كلها.

    ومن راحتيّ سوف تولد
    يمامتان.

    سترتفعان – كطائرين فضيين-،
    ستطفحان – ككأسين – بأشعة
    القمر،
    وستنثرانها على
    كتفيّ،
    على شعري.

    البحر سبيكة ذهب.

    سوف أطلق أشرعة حلمي لكي يبحر
    على متن زورق. سوف أطأ
    ماسة
    تلتمع في الحصى.

    النور المحيط سيبدو كأنه
    يخترق
    قلبي، كمثل لؤلؤة ثقيلة.
    وسوف أضحك. ثم سوف
    أبكي.. وهاهي،
    أشعة القمر.

    ترجمة: جمانة حداد.

  • قصائد مختارة للشاعر الكردي: عبد الله بشيو

    قصائد مختارة للشاعر الكردي: عبد الله بشيو

    يعد عبد الله بشيو، على نطاق واسع، واحداً من أهم الشعراء الكرد المعاصرين وربما يكون أشهر الشعراء الأحياء وأكثرهم حضوراً وانتشاراً إذ تتميز جلسات قراءاته الشعرية بحضور كبير يتجاوز الآلاف ولا تبقى كتبه المطبوعة طويلاً في الأسواق إذ سرعان ما تتلقفها أيدي القراء (وهو ما يشكل ظاهرة نادرة في كردستان وفي الشرق الأوسط عموماً)

    ولد عام 1946 في قرية صغيرة قريبة من مدينة أربيل. نشر أولى قصائده عام 1963 وأصدر عام 1967 ديوانه الأول “جرح ودموع”. وفي عام 1968 دخل معهد إعداد المعلمين وأصدر مجموعته الشعرية الثانية “الصنم المحطم” التي وجد فيها النقاد تأثرا رومانسيا وسيكولوجيا.

    مع بداية السبعينات شرع عبد الله به شيو يطور عدته الشعرية ويعبر عن نفسه بمزيد من النضج الفني فلفت انتباه الأوساط النقدية كشاعر مبدع، وأثار ضجة لجرأته وشقه لنفسه طريقا مميزة عن الآخرين. واحتوى ديوانه الثالث “يوميات شاعر ظامئ” الصادر عام 1973 قصائد جميلة ومعبرة عن ما كان يعتمل في صدور الناس في تلك المرحلة مما ساعده على كسب المزيد من القراء والمستمعين في الأمسيات الشعرية.

    في عام 1973 غادر إلى موسكو للدراسة والتحق بمعهد موريس توريس للترجمة فدرس اللغتين الإنكليزية والروسية، ونال شهادة الماجستير في التربية ثم الدكتوراه في فقه اللغة وكانت أطروحته عن الأدب الكردي تناول فيها “بيره ميرد” الشاعر الاصلاحي من القرن التاسع عشر. في عام 1985 سافر الى ليبيا لتدريس الأدب العربي المعاصر في جامعة الفاتح بطرابلس الغرب، ثم عاد في عام 1991 إلى موسكو من جديد، ليهاجر بعدها إلى فنلندا حيث يعيش الى الآن. نشر حتى الآن ثمان مجموعات شعرية كان آخرها أشعاره المجموعة في جزأين (صوب الغسق) و(حصاني الغيوم، ركابي الجبال). وعبد الله بشيو، علاوة على كونه شاعراً، مترجم بارع قدم للمكتبة الكردية ترجمات لأعمال والت ويتمان وألكسندر بوشكين.

    (1)

    خيال

    في خيالي هويت عالماً

    تعيش فيه الأسماك

    دون ماء

    دون هواء

    بل بالأمل.. بالأمل فحسب !

    (2)

    أطفال

    يا جياع الزمن المر

    غداً إذا كبرتم

    وسمعتم في الأغاني

    في الجوامع

    في المضائف

    في الحكايات

    في القصائد

    شاعراً رعديداً

    يملأ أسماعكم بأحاديثَ

    عنا وعن شجاعتنا

    عنا وكورديتنا

    فلا تصدّقوه

    كلها أكاذيب.. كلها محض أكاذيب !

    (3)

    المؤخرات والكراسي

    حين أضجرُ من البيت

    أبدّل الأثاثَ والديكور

    من الخزانة الى الدولاب

    الى ممسحة الأقدام.

    حينَ أسأمُ من نفسي

    أبدلُ بعض الأشياء:

    قلماً، أزراراً، ثوباً، لباساً داخلياً.

    لكنني لا أعرف ماذا أفعل بشاشة التلفاز؛

    عشرات السنين وأنا أرى

    نفس المؤخرات والكراسي

    نفس الأصوات والمعازف والوجوه

    نفس الثرثرة والشراهة.

    محكوم أنا

    أن أرى الشاشة نفسها

    لآخر يوم في العمر

    حائرٌ أنا

    كيف أبدل المؤخرات

    والكراسي التي تحتلها !؟

    (4) الجنديُّ المجهول

    حينَ تزورُ الوفود بلاداً أجنبية

    تحطُّ أكاليلَ وردٍ

    على قبورِ جنودها

    جنودها المجهولين.

    غداً إن زارَ وفدٌ بلادي

    وسألني أين قبر جنديّكم المجهول

    سأجيبهُ: يا سيدي

    في حوافِ كلِّ ساقيةٍ

    على دكّة كل مسجد

    على عتبة كل بيت

    على باب كل كنيسةٍ

    ومدخل كل كهفٍ.

    على جنادل كل جبلٍ

    على أشجارِ كلِّ غابٍ في هذهِ البلاد،

    على كلِّ شبرٍ من أرضها

    تحتَ كل ذراعٍ من سمائها

    إحنِ رأسك قليلاً
    وضع إكليلَ وردك!

  • (طالب مجهول. من هوامش كتاب “محاضرات في الأدب” لنابوكوف)

    (طالب مجهول. من هوامش كتاب “محاضرات في الأدب” لنابوكوف)

    قطع نابوكوف محاضرته فجأة. اجتاز القاعة بصمت. نزل الدرج، وأطفأ المصابيح الثلاثة التي كانت تنير المدرج. بعدها أسدل الستائر كافة، تتبعه الأعين المستفسرة لأكثر من مئتي طالب. كنا آنذاك داخل القاعة التي غرقت في الظلام.
    صعد نابوكوف الدرج، مقتربًا من مفاتيح الكهرباء.
    “في أفق الأدب الروسي – هذا بوشكين”، فاشتعل مصباح الزاوية اليسرى.
    “وهذا غوغول”، فأضاء المصباح في منتصف القاعة.
    “وهذا تشيخوف”، وأضاء مصباح الزاوية اليمنى.
    بعدها، اقترب نابوكوف من الستائر؛ أزاحها كلها، وبصوت عالٍ صرخ: “بووم ..وهذا تولستوي”.
    وعلى وقع صرخته هذه، غمرت الشمسُ القاعة.

    (طالب مجهول. من هوامش كتاب “محاضرات في الأدب” لنابوكوف)

  • للأبد! – محمد بدر

    للأبد! – محمد بدر

    لا أستطيع النوم

    النوم بالنسبة لي مثل أمنية

    والأماني لا تتحقق

    بعد أن يمضي عليها عشرين عام

    إنها تغدو حينها من المخلفات.

    لا أعرف كيف نمت في السنوات الماضية مثلَ طفلٍ رضيع! كيف كنت أغمض عيني ببساطة ولا أرى سوى الظُلمة؟ لا أعرف كيف كنت لا أسمع سوى أسطُح الأحاديث دون أن أغوص في أغوارها؟ لا أعرف كيف كنت أغمض عقلي ببساطة وأنام دون أن أفهم وأفسر وأدرك وأعي كل شيء يحدث حولي؟

    أخ يا تلك السنوات المُريحة!

    انتهت بسرعة البرق

    كليلة جميلة كاملة.

    أحاول النوم من جديد كما عهدتني ولكن يبدو الأمر من المحال! عيني وعقلي يرفضان الخضوع، يرفضان الامتثال لأوامري كما لو أنني غير المتحكم بتصرفاتهم؟!

    هل هذه العين عيني؟

    هل هذا العقل عقلي؟

    هل هذا الجسد جسدي أنا؟

    أم أني مجرد زائر غير مرحب به في جسدي؟!

    آخٍ وألف آخ!

    سأظل مستيقظًا للأبد

    هل من المعقول للأبد؟!

    اللعنة على الاستيقاظ!

  • النساءُ غيرُ المرغوبات – وداد نبي

    النساءُ غيرُ المرغوبات – وداد نبي

    لجسدكِ شكلُ أجاصةٍ ممتلئة

    ‎ساقاكِ أقلُّ لمعاناً

    ‎صوتكِ أخشنُ ممّا يجبُ أن يكون عليه صوتُ النساء

    ‎يدكِ ليست ناعمة كفاية

    ‎بالخدوشِ التي عليها تشبهُ يد امرأةٍ مزارعة

    ‎الطلاءُ الأحمر الذي تضعينه مقشَّر نصفهُ عن أظافرك

    ‎لا تجيدين رسمَ حاجبيك بالقلم

    ‎يبدوان طفوليّان في غالبِ الأوقات

    ‎شفتاكِ رقيقتان جدّاً

    ‎لم تفكّري يوماً بإبرةِ سيليكون لتصبحا أكثرَ امتلاءاً

    ‎هما كما كانا في مراهقتكِ

    ‎خيطانِ رفيعانِ كخيوطِ الدانتيل التي كانت تغزلُّ بها جدُّتك

    ‎تنسينَ دوماً أن تزيلي شعرةً سوداءَ أسفلَ ذقنك

    ‎حين تغرقين في البحث عن عملٍ يلبّي جموح أحلامك الكثيرة

    ‎ترفعينَ صوتكِ في النقاشات التي يخوضُها الرجال

    ‎تهتمين بالسياسة، والاقتصاد

    ‎تقرأين الفلسفة

    ‎وتخوضين في كل الأحاديث التي تلوي عنق العالم

    ‎تنسين دوماً أن تكوني المرأة المشتهاة

    ‎المرأةَ المرسومةَ صورتُها في ذهنِ الرجال

    ‎لكنِّك حين تجلسين أرضاً

    ‎بشعركِ غير المصفَّف

    ‎وقدميك المتشقِّقتان

    ‎بزرِّ قميصِك المفتوح

    ‎ماسكةً كتاباً بين يديك

    تجعلين الأخرين يتمنون

    لو كنتِ البيت الذي ولدوا فيه أطفالاً.

  • في الشرفة – د. هـ. لورنس – ترجمة محمد عيد إبراهيم

    في الشرفة – د. هـ. لورنس – ترجمة محمد عيد إبراهيم

    أمامَ الجبالِ الداكنةِ، وشاحٌ

    واهنٌ ضاعَ من قوسِ قُزَحٍ،

    بيننا وبينهُ الرعدُ، وتحتهُ

    وسطَ القمحِ الأخضرِ، يقفُ العمالُ

    كأشباحِ جذوعٍ معتمةٍ

    في القمحِ الأخضرِ.

    قريبةٌ مني، قدمُها العاريةُ

    بصندلِها، وعبرَ أريجِ شجرِ

    الشرفةِ العاري، أميّزُ شذا شَعركِ؛

    ويهمي الآنَ برْقٌ

    من السماءِ رشيقٌ. فيغمرُ

    نهرُ الجليدِ الأخضرُ الشاحبُ

    قارباً معتماً عبرَ الظلامِ ـ

    إلى أين؟ يهدرُ الرعدُ

    لكن لا يزالُ أحدُنا للآخرِ!

    تهيجُ بروقٌ عاريةٌ في السماواتِ

    وتختفي ـ فماذا لدينا

    غيرُ بعضنا الآخر؟ والقاربُ راحَ.

    نص: د. ه. لورانس

    ترجمة: محمد عيد إبراهيم

  • ت. س. إليوت – البشر الجوف – ترجمة محمد عيد إبراهيم

    ت. س. إليوت – البشر الجوف – ترجمة محمد عيد إبراهيم

    I believe that we built a hell on the earth
    by Delawer-Omar

    نحنُ البشرُ الجوفُ

    حُشِينا حَشواً

    نميلُ معاً

    أسَفاً، رؤوسُنا مِن قَشٌّ!

    أصواتُنا خَشِنة،

    حينَ نهمِسُ معاً

    سُكونٌ ولا معنىً

    كالريحِ في عُشبٍ حَصِيدٍ

    أو أرجُلِ جِرذانٍ على زُجاجٍ مُكَسَّر

    في سِردابنا الأجوفِ

    .

    شَكلٌ ولا شَكلٌ، ظِلٌّ ولا لَونٌ،

    قوّةٌ شُلَّت، فنُومئ ولا حركة؛

    .

    يا مَن تَعبرونَ، بعيونٍ صريحةٍ،

    إلى ملَكوتِ الموتِ الآخرِ

    لا تذكُرونا، كأرواحٍ

    ضالّةٍ، صارخةٍ، بل

    بشرٍ جوفٍ

    حُشينا حَشواً.

    .

    2

    لا تلتقي العيونُ في الأحلامِ

    في ملَكوتِ الموتِ الحالمِ

    لا ترى النورَ:

    عيونٌ

    كضوءِ الشمسِ على رِتْلٍ مُحَطَّمٍ

    شَجرةٌ تتَطَوّحُ

    وأصواتُنا

    في صَفِيرِ الريحِ

    شاردةٌ مَهِيبة

    أكثرَ من نَجمٍ مُطفَأ.

    .

    لا تدَعني أدنو

    من ملَكوتِ الموتِ الحالمِ

    بل أتَقلَّدُ

    في تَمويهٍ مدروسٍ

    جِلدَ غُرابٍ، فِراءَ فأرٍ، أو نَصلُبَ هِرَاواتٍ

    وَسطَ حقلٍ

    كما تفعلُ الريحُ نفعلُ

    فلا تَدنُ ـ

    .

    لن يكونَ اللقاءَ الأخيرَ

    في ملَكوتِ الغُروبِ

    .

    3

    هذهِ دولةُ المَوتَى

    هذهِ دولةُ الصَبّارِ

    وها هنا تُرفَعُ

    صُوَرُ الحَجرِ، لِتَسلُّمِ

    استِرحامِ يدٍ مَيْتَةٍ

    تحتَ وَمِيضِ نَجمٍ مُطفَأٍ.

    .

    نَسهرُ

    وَحدَنا

    في ملَكوتِ الموتِ الآخرِ

    ساعةَ

    نرجُفُ في حنانٍ

    لِتَنظِمَ شِفاهُنا التي قد تُقبّلُ

    صَلواتٍ إلى حَجرٍ مُحَطَّمٍ.

    .

    4

    ما مِن عيونٍ هنا

    ولا مِن عيونٍ هناكَ

    في وادي الأنجُمِ الفانيةِ

    في الوادي الأجوفِ

    في المُدخَلِ المُتَصدِّعِ من ملَكوتنا الضائعِ

    .

    نتلَمَّسُ بعضَنا الآخرَ

    في مَحلّ اللقاءِ الأخيرِ

    نتَحاشَى الكلامَ

    إلى أن نلتَئِمَ على شَطّ نهرٍ رَغِيدٍ

    .

    حاسِري النّظرِ، إلا

    لو عادَت العيونُ

    كنَجمِ مُخَلَّدٍ

    وَردَةٍ مورقةٍ

    في ملكوتِ الموتِ الغاربِ

    ويظلّ الرجاءُ

    في مَن هُو سَاهٍ.

    .

    5

    ندورُ على كُمّثرى شائكةٍ

    كُمّثرى شائكةٍ كُمّثرى شائكةٍ

    ندورُ على كُمّثرى شائكةٍ

    في الخامسةِ صباحاً.

    .

    بينَ الفكرةِ

    والواقعِ

    بينَ الشارةِ

    والصَّنيعِ

    يرتَمِي الظِلّ

    لكَ الملَكوتُ

    .

    بينَ الفَهمِ

    والخَلقِ

    بينَ عاطفةٍ

    والجَوابِ

    يرتَمِي الظِلّ

    والحياةُ إلى أجلٍ

    .

    بينَ الرغبةِ

    والهَياجِ

    بينَ القُدرةِ

    والوجودِ

    بينَ الجَوهرِ

    والنَّسَبِ

    يرتَمِي الظِلّ

    لكَ الملَكوتُ

    .

    لكَ

    الحياةُ

    لكَ الـ…

    .

    وهكذا ينتَهي العالَمُ

    وهكذا ينتَهي العالَمُ

    وهكذا ينتَهي العالَمُ

    .

    من دونِ قَرقَعةٍ، في أنينٍ.

  • مختارات للشاعر صلاح فائق.

    مختارات للشاعر صلاح فائق.

    سعيدٌ لأني لم أتعلمْ بلاغة موتى

    وجدتُ التجوال في السواحلِ أجمل

    هناكَ، ذات مرة، في احدها

    صادفتُ فلاحاً، خرجَ من قصيدة لي قبل أيام

    ليبحثَ عن شجرة زيتونٍ أخفى عندها بعض النقود

    كان الوقتُ ظهيرةً والمطرُ في كل مكان.

    *

    سئمتُ حياتي اليومية: تنظيف البيانو صباحًا

    زيارة شجرة تين صديقة لي

    إرسال باقة زهر الى مأتمٍ أو عرس

    يغالبني نعاسٌ مفاجىء كلما أقومُ بهذا أو ذاك:

    طفلاً كنتُ حين أخبرتني أمي الشمس تشرقُ لي

    وأن لا أسلّمَ نفسي للأحزان

    فكل حزنٍ نشالٌ ما، قالت.

    لم أصدقها آنذاك، رأيتُ نصائحها بلا جدوى

    لكنها تعودُ الان، كل مرة، ولا تختفي.

    بقي ذهابي، بعد هذه الظهيرة، لأستلفّ بدلة جديدة

    للقاءِ صديقتي في حانة

    *

    أذهبُ الى دكانِ مراهناتٍ كل مرّة

    لأقامرَ على أيائلَ في سباقِ

    من المصادفاتِ الغريبة لقائي اليوم، هناك،

    بنشالٍ انقذني من الغرقِ، أثناء هروبي من سجن

    إعطاني مفتاحَ بيتهِ لأختفي فيه وقتما أشاء:

    كان يعرفني محكوماً بالإعدام

    *

    أفحصُ، بمجهرٍ، ما هو مفيدٌ لي هذه ألأيام

    تلفزيوني يشتغلُ ويعرضُ نتائج سباق مسافة طويلة،

    وفجأة يظهر اسمي فائزاً أول

    حقاً؟ لم اكن هناك،

    الأغرب فوزي في ركضِ سريعٍ

    بينما يصعبُ عليّ المشي لربع ساعة.

  • ملائكة الألوان المائيّة – سوزان عليوان

    ملائكة الألوان المائيّة – سوزان عليوان

    1

    من رخام الخطوة

    إلى مِدفأة فارعة المرآة،

    جدران بلون صوف على صيف

    سقف يعلو بعصافير بيضاء.

    مصراعان موصدان على مدينة

    صورة لأحضانك بوجوه صغار

    والهواء ملاك فاغر جَناحيه

    مروحة حول ملامحنا.

    صفحتان من كتابِ نافذة،

    نصف سطورنا نور نافذ عبر المسام.

    ضحكات أشجار إلى عروقنا تتسلّل

    في نسمة جسر ترتق الشوارع.

    باريس عربة هدايا تضيء أعيننا.

    حارس وردة وسط سرير

    سهرنا الذي لا يأخذه يباس،

    والحبّ طفل مجنون على عناقٍ عارٍ

    علّق عنُقَه بوتر.

    2

    بأغلالٍ مضفورةٍ بظلالِ أغصان

    تؤلمنا الجذور،

    والشجر في غير أرضنا

    أخضر يضحك

    بعضه أزرار في أكمام نهر

    كلّه زهر يضيء الشوارع.

    أستيقظ كبلاد على رمادي

    أستيقظ كرماد على بلادي.

    بلادنا الحزينة،

    بلاد العيون والأعمار العارية

    بأبواب مسجّاة

    على سطر طويل من حطب

    في زاويةٍ، ملحمةٌ على نصل مدينة

    طاولة من صحنين متلامسين

    شمعة زجاجة ومقعدان خشبيّان

    لغريبين بوجهينا

    سواطيرُ تلوح

    جزّارون بسَمْت ملائكة.

    لون آخر للدم.

    3

    برميلانْ:

    واحد للسُّلوانِ

    آخر للضحك،

    وسلالم خشب مخمور تطول وتـئنّ

    كلّما هبط إلى قبو الحانة ملاك.

    كيف يضيء كمان

    كنجمة على كتف؟

    ما الذي يُعْتِم دموعنا في الجيوب؟

    وبغير حضنك حول كوكب

    هل يُشفى من نفسه غريب؟

    هواء واشٍ بوهَن أجفان

    سَجّادة معتّقة بعقيق عابرين

    ريش على مدينة من مرايا

    عصافير زُقاق

    تدرك ظلالها.

    بين السقف الشاهق

    وألواح زجاج بملامح زحام

    وجه مضاء بك.

    أوسكار وايلد الذي يشبه كلّ غمامة ونبع

    عدا نفسه.

    ذلك الذي مثلك

    عاش عدوًّا لنفسه.

    غمّازتك زهرة على خدّه.

    بين شفتيه قطرة من نبيذك

    تروي ما في صورة مصفرّة

    تُخفيه تنهيدة من أبد.

    4

    نُدْفة ثلج على صيف.

    زهرة لوز

    .هكذا لوحدها

    منديل يحدّث ملاكه عن حجر.

    نورس نهر

    جَنَحَ بعيدًا.

    الفندق الصغير ذو السقف الزجاجيّ المطير،

    بشبابيك بصُلبان خشبيّة بلا أنبياء

    تصفِق مصاريعها في فِناء غائم

    على أمل عصافير من إطاراتها تتطاير

    بعيون متلصّصة على طاولتنا.

    ركن متوارٍ بأعواد خيزُران

    أريكة لزرقة عاشقين

    أصيص من حصى،

    صحن نُفرغه،

    كؤوس تملؤنا.

    كلّ قطرة على أجفان القرميد

    حمامة متّشحة بكحل مدخنة:

    وسادة بفضّة عيوننا

    معطفك المتطاير في عاصفة عناق وسط مطار

    قميصي وقد نقلتُ إلى أكمامه

    قصيدة يديك الصامتة.

    5

    ليل، والقمر قُمريّة على قشّ قرميد

    .نهر وملامحك منديل يلوّح بروحي.

    ألف طفل في عينيك يضحك،

    ووسط قلبي طفل في السابعة من نبضه

    بطرف ظلّه يجسّ الطريق.

    في محلّ الأزهار

    أنت الورد.

    في دكّان العطر

    وحدك الحواسّ.

    وسط مكتبة عتيقة على شفا نهر

    خطوتك شجرة من أشباح شكسبير،

    بحَفنة تمثال من رماد كنيسة

    رسّام رصيفٍ يسألني:

    أليست الرحمة

    أعظم من الحبّ؟

    عصافير بحبرها،

    أنت وأنا،

    أنت أنا

    وأنا أضحك،

    نجوم غزيرة

    وباريس بسروة إيفل

    لوحة تعبَثُ بأقدارها

    خيوط مطر.

    6

    بقطرات أشواقنا على سلالمَ خلفيّة

    بأصداء عصفور من رذاذ

    أصواتنا مفاتيح نهر

    أكياس تكلّل أيدينا.

    عريشة شمس على باب وجدران

    على قطع أثاث قديم

    وأقواس أعيننا.

    البيت مروحة من نسيم ستائر

    بوسع أغصان

    خلف الزجاج غاربة.

    قميص بنفسجيّ كرسالة وسط سريري.

    على رفّ الموقد

    زجاجة نابضة بعطرك،

    في الشارع الملامس لملامحنا على نافذة

    شجر كستناء يغلق شبابيكه

    يمام قرميد إلى قشّه يأوي

    والليل طفل ناعس سهران

    في بيجامة منقّطة بنجوم من حرير،

    لمسائنا معًا مسامرة سجينين

    ألفة ناجيين من سفينة في الأعماق

    دفء عنقود من حبّـتي كرز،

    لفرط ما السعادة ابتسامة بروست بين كفّيَّ

    قطعة من الجبنة بعود خشبيّ من حنانك

    استكانة سمكة سلمون لعصرة من الليمون

    وجهك الساهر على وسني بعينين منهكتين

    مصباح أصابعنا المتشابكة في الممرّ المعتم الطويل،

    العالم في مرآته لا يعرف من يكون

    هذا العاشق الذي ملء حضنه

    ضمّة ورد.

    7

    هذا وجهك

    قلادة على مدينة غاربة،

    وهذا عمري

    كأس طلّ،

    ألوان لأوّل مرّة تبصرنا،

    وها هو الليل الذي لا يعرف سقفًا سوانا

    عن الساعة يسألني

    عن حانة يطول سهرها على الطريق.

    سرب سروات حارسات لخطوة

    خاتم جرس بين أصابع أغصان

    وسادتي استدارة القمر في كتفك

    حصّة هلال من زهرة آفلة.

    في مقهى المرايا المائجة

    خطر ببالي أن أسألك:

    لماذا العابرون كربيعنا القاني على جسر

    همُ الأجمل؟

    لكنّ ألواح الخشب الشاحبِ

    لوّحت بالتماعات فأس

    بعصافير أصيرها حول حزمة من حطب.

    العمر سائح يلتقط أنفاسه في ساحة ضحكتك

    والدمعة ذاتها لا تذرف مرّتين.

    8

    عشّاق من ريش

    بريشة ذلك العاشق

    أكمام ساهية على أزقّة

    باقات شمع حول منازل.

    أسطح رماديّة تتلألأ

    بتبر يتقاطر على مدينتنا

    على شمس شوارعنا الخلفيّة

    أُطِلُّ بنظّارةِ نافذة

    من طابق أخير لمتجر

    منه أوّل قمصاني.

    لمعاطفه أَدين بخيط

    لا يخطر ببال قدر

    حضننا وسط مشاجب

    كأغصان يجنّحها ثلج

    حقيبة بعجلات متباطئة

    طفلة تجرّها يدك

    جوارب ملوّنة لدروب

    تثقل دونك خطاها

    نصف يوم معلّق

    صيف أقصر من ظلالنا

    كم على تلك الضحكة مضى

    من أسوار أعمارنا؟

    كم من الوردة تبقّى؟

    كم الساعة في نَبْضِنا؟

    من شرفة شاغال على مدًى

    إلى موقف السيّارات السحيق

    حيث دمية قبو تبتسم

    لوقع أقدام على دموع.

  • أسئلة تموت من الملل – حمزة حسن

    محمد الوهيبي

    لن يفتح لك العالم بابه، دون أن تطرقه بالأسئلة. وحدك خارج الحجرة، فئرانك هاربة من خوفك، قططك بدأت تفضّل الموز، وحجارتك الأسئلة. كن مزعجًا، ارجم عدمك، ارجم حضورك المشوّش، واقتل علامات استفهامك بمطرقة التيه.

    في حجارة أسئلتي، كنت أفتش عن منزلٍ للإجابة. كم سؤالًا يا هامش الحياة، كم سؤالًا تريده الإجابة كي تكشف عن ساقها؟

    أريد صورة أخرى لي، أريد أن أكشفني أمامي، أن أتعرى وسط جهالتي: كيف أعزف البيانو دون كرسيّ؟ كيف أصبح بائع أحذية في يومين؟ لست عاطلًا عن العمل، أنا بائع أحذية، ينتظر أقدام الناجين من الحرب.

    كيف لي أن أحتضن القلق مع أولاده الصغار؟ كيف أكون وقحًا مع الألم؟ كيف أفهم لغة الكتف؟ وجدت أعشاشًا على كتفيّ، فيها الكثير من السُّعال.

    كيف أغني مثل غراب؟ كيف لي أن أحمل الأسماء الممتلئة؟ كاسم حبيبتي. كيف أكون صديقًا لامرأة دون أن أنظر إلى صدرها؟

    من حق أسئلتي، أن تعرف ردهة الإجابة.

    كيف يهرب اليوم من التقويم؟ كيف تنظم الأصابع وقتها؟ وأي ساعة ينحني سقف الفراغ؟ كيف تشعر الأخطاء بذنبها؟ أريد أن أشعر بذنبي. كيف ينام الأسفلت وراء الليل؟ كيف يصبح البلاستيك طريقة للاختباء؟ متى تتوقف الثرثرة عن الأكل؟ متى تذهب السينما إلى مشاهدة الناس؟

    الميت الذي يسير داخلي، يتساءل: من صنع شاهدة قبر لموت اللغة اللاتينية؟

    من يسمع بكاء الورق أولًا: الطاولة أم سلة المهملات؟ ولماذا لا توجد نقابة لسلة المهملات؟

    السمكة والبحر

    من يلتصّص على الآخر؟

    من يجيد مصارعة الشَّطرنج؟ الملك يستغلنا جنسيًّا.

    طائرة ورقية تصرخ:

    “لا أريد الانتحار”

    من أقنعها بفكرة الحبل؟

    أريد أن أعرف

    هل سأكون حاضرًا عند موتي؟

    من حقي أن أكون هناك

    أريد أن أقول لي وداعًا.

  • “ب” لو أن لي ابنة – سارا كاي

    “ب” لو أن لي ابنة – سارا كاي

    لو أن لي ابنة، بدلًا من أم، ستسميني النقطة “ب”

    بهذه الطريقة ستعرف أنها ستجد

    دائمًا طريقها إلي، مهما حدث.

    سأرسم النظام الشمسي على ظهر كفيها

    هكذا سيكون عليها أن تتعرف على الكون بأكمله

    قبل أن تقول:

    “أعرف هذا مثلما أعرف يدي”.

    ستتعلم أن الحياة سوف تضرب

    بقوة

    في الوجه

    وتنتظرك لتنهض من جديد، فقط لتركلك في بطنك

    لكن خروج الريح منك هي الطريقة الوحيدة التي ستذكرك

    كيف أن رئتيك تحبان بشدة مذاق الهواء.

    الأذى والخوف موجودان، ومن المستحيل علاجهما

    بالضمادات الطبية أو الأشعار

    لذا في أول مرة تدرك فيها أن المرأة الخارقة لا وجود لها

    سأتأكد من أنها تعرف

    أنها ليست مضطرة لارتداء معطفها بمفردها

    فمهما كانت استطاعة أصابعك على التمدد

    ستظل يداك دومًا أصغر جدًا من أن تمسك بالآلام كلها

    التي ترغبين في شفائها.

    صدقيني، لقد حاولت.

    سأقول لها، ابنتي، لا ترفعي أنفك عاليًا في الهواء هكذا

    أعرف تلك الحيلة، لجأت لها مليون مرة

    أنت تتشممين الدخان حتى تتبعين مساره

    إلى حيث بيت محترق لتعثري على الفتى الذي

    افقدته النيران كل شيء

    لترين لو بإمكانك إنقاذه.

    أو لتبحثي عن الفتى الذي أشعلها في البدء لترين لو بإمكانك تغييره.

    أعرف أنها ستفعل في الأحوال كلها

    لذا عوضًا عن ذلك

    سأحرص على وجود المزيد من الشكولاتة

    وأحذية المطر بالقرب منها دائمًا.

    لأنه ما من حسرة تعجز الشكولاتة عن مداوتها.

    حسنًا!

    بعض الحسرات تعجز الشوكلاتة عن مداوتها

    لكن لهذا نحتفظ بأحذية المطر

    لأن المطر سيغسل كل شيء ويطرده بعيدًا

    لو سمحت له.

    أريدها أن تنظر للعالم من خلال قاع قارب زجاجي

    أن تفحص بالمجهر المجرات الدقيقة التي يحويها العقل البشري

    لأن هذه هي الطريقة التي علمتني أمي.

    ستكون هناك أيام كتلك

    ستكون هناك أيام كتلك، هكذا قالت أمي

    عندما تفتحين يديك لتمسكين، وتأتي الرياح بالبثور والكدمات فحسب.

    عندما تخرجين من كابينة الهاتف وتحاولين الطيران

    وأكثر من ستريدين إنقاذهم هم من سيقفون على معطفك

    حين يمتلئ حذاؤك بماء المطر

    فتقعين على ركبتيك يائسة

    تلك هي الأيام التي ستحتاجين فيها أسبابًا أكثر لتقولين شكرًا

    لأنه ليس هناك ما هو أجمل من محيط يرفض التوقف عن تقبيل الشاطئ

    مهما كان عدد المرات التي يُدفع فيها يعيدًا

    ستحرزين الفوز ببهاء

    سترفعين نجمة البدايات مرارًا ومرارًا

    لا يهم كم لغمًا ينفجر في الدقيقة

    – فقط –

    تأكدي من أن عقلك بجمال هذا المكان المضحك المسمى حياة

    وأجل

    على مقياس من واحد إلى الثقة المفرطة

    أنا شديدة السذاجة.

    أريدها أن تعرف أن هذا العالم مصنوع من السكر

    يمكن أن ينهار بسهولة

    لكن لا تترددي في أن تمدي لسانك لتتذوقيه

    سأقول لها، صغيرتي، تذكري أن أمك محاربة وكذلك أباك.

    أنت الفتاة ذات الكفين الصغيرين والعينين الواسعتين

    التي لن تتوقف عن طلب المزيد.

    تذكري أن الأشياء الجميلة تأتي ثلاثات

    وكذلك السيئة.

    اعتذري إذا ما اقترفت خطأ ما

    لكن لا تعتذري أبدًا عن الطريقة التي ترفض بها عيناك ألا تلمعان،

    صوتك ضعيف، لكن لا تتوقفي عن الغناء أبدًا.

    وفي نهاية المطاف، حين يتسببون في كسرة قلبك

    حين يدفعون بالحرب والكراهية أسفل بابك ويقدمون لك صدقات من السخرية والهزيمة على ناصية كل شارع

    أخبريهم بأن عليهم حقًا أن يقابلوا أمك.

  • زبدة الفستق – أيلين مايلز

    زبدة الفستق – أيلين مايلز

    أنا دوما جائعة

    وراغبة في ممارسة الجنس

    هذه حقيقة

    إذا كان عليك مناقشة الأمر

    فزبدة الفستق الخام الجديدة ليست جيدة

    عليك شراؤها في برطمان

    كما في المحلات الكبيرة

    تعلم أني لا أحب التغيير

    وكل الأشياء التي أعتنقها الآن

    هي، في الحقيقة، قديمة؛

    إعادة نشر الكتب

    السباحة

    الإحساس بقذارة جسدي وعقلي

    الصيف كوقت لعدم فعل أي شيء

    لعدم جني المال

    الصلاة كملاذ أخير

    المتعة كمعنى

    مرة بعد مرة وبلا نهاية مرئية

    مؤكد أنني على نقيض أي نوع من الأهداف

    ليست لدي أي رغبة لمعرفة مكانها حتى

    أي شيء يصل إليّ

    عندما يغلي الماء أحصل على كوب الشاي

    مصادفة قرأت كل أعمال بروست

    كان الوقت صيفًا

    كنتُ هناك، وكذلك هو!

    أكتب لأني أود أن أظل مستخدمة لسنوات بعد موتي

    ليس جسدي فقط الذي سوف يستخدم سمادًا عضويًا

    بل الأفكار التي خلفتها طول حياتي

    في أثناء حياتي كنت امرأة بعينين بنيتين

    خارج النافذة صومعة غلال مائلة

    وأفكر في بعض أجزاء من جسدك عارية

    كما تعلمت أن أحبها طويلاً

    كنا نعوم في البركة

    ومن خلف ظهرك

    كتبت أفكاري، عديمة الجدوى،

    حول أنك لست مُحرمًا تمامًا، لكنك سامٍ

    ليس في نيتي امتلاكك،

    لأنك لي بالفعل

    وتحبني

    كملعب كنت ألعب فيه مع أفكاري عنك حتى تعود

    غرقت في حقيقتك

    عرفت كيف أسترخي

    كم كان جميلاً أن أعمل من ورائك

    وبينما كانت الطبيعة الجميلة خارج السيطرة

    قلت لي إن هذا شيء جيد

    وقعت في حبك بجنون

    أطاحت بي شعيراتك البيضاء التي شابت للتو

    لم لا يكون شيء عرفته دوما هو الأفضل على الإطلاق!

    أحبك منذ الطفولة

    عندما كان كل يوم مثل بقية الأيام

    النمو العشوائي

    والنسائم

    والحب الدائم

    وساندوتش في منتصف اليوم

    خطوة صغيرة في طريق الشمس التقليدي الشاسع

    أضيّق عينيّ

    أغمز

    أركب السيارة.

  • أحبّني – كيم أدونيزيو

    أحبّني – كيم أدونيزيو


    أحبني مثل منعطف خطأ على طريق وعر في وقت متأخر من الليل
    بلا قمر وبلا وجهة للوصول
    بينما يتحرك حيوان ضخم جائع على مهل بين الأشجار.
    أحبني بغمامة على عينيك وبصوت مياه تتساقط
    من صنبور المطبخ،
    وتتسرب عبر ألواح الأرضية نحو الإسمنت الحار.
    دون أن تسأل
    دون أن تتعجب أو تفكر في أي شيء، أحبني بينما تغلق
    المحال أبوابها ويسقط الحارس في النوم أمام الشاشة الصغيرة التي تراقب
    الجراج الفارغ والممرات المهجورة،
    بينما يتسلل اللصوص عبر السياج بالمقاريض المعدنية.
    أحبني حين تفشل في العثور على مطعم مناسب،
    وأنت وحيد في عشاء محبط
    راهباتان تتجادلان من خلفك، طبق البيض دسم للغاية
    والبطاطس غير ناضجة.
    انزع أزرار ثوبي الأمامية وألق بها واحدًا تلو الآخر
    نحو البركة حيث ينتظر السمك بزعانف باردة متماوجة
    تحت السطح مباشرة.
    أحبني في شاحنة لم يقودها أحد لسنوات،
    غمرتها الأعشاب وزهور عباد الشمس الذابلة
    والزنابق، فمك على عنقي الأبيض،
    بينما تجر السلاحف بطونها عبر الطين اللزج، فوق
    آثار أقدام البط وطيور الكركي.
    أحبني حين يندلع الشغب وتستعد الطائرات،
    عندما لا يلتفت أحد، حين تعبر حافلة الحاجز فيضغط
    السائق الفرامل حتى تلتصق الدواسة بالأرض،
    أحبني بينما يلقي شخص ما بطبق نحو الحائط ويلتقط آخر.
    أحبني مثل جرعة فودكا مثلجة، مثل صبار خام
    أحبني وأنت وحيد
    ونحن متعبان من الكلام
    حين تكفر بكل شيء..
    اسمع، ما من شيء، غير مهم، ارقد جواري واغمض عينيك
    الطريق ينعطف هنا
    سأدير الراديو
    وننطلق
    لن نعود أبدًا طالما أنكَ تحبني
    لن نعود أبدًا ما دمت تفعل

    تمامًا هكذا.