من بعيد ألمح حياتي
تتحول لفيلم كرتون
بلا ممثلين ولا
كومبرس يعيش دور الرجل الخفي
ولا امراة تظن نفسها مهمة لهذه الدرجة
تأتي وتنصرف متى شاءت
فيلم كرتون مختلف
به بطل واحد
يحب، ويترك.. ينام
يغني داخل الحمام دون ان يكترث
لأمه التي تخيفه بالشياطين اللذين
لن يفارقوه
من بعيد أراقب كل شيء
وأضحك..
من يا ترى سيشاهد رجل مثلي
فقير، ذو ملابس بالية ممزقة
يأكل خبز العصافير،ويخرج في الليل
لينشف زجاجات البيرة المركونة بجانب الارصفة
من سيكترث لفيلم، لا توجد فيه امرأة
تحك مؤخرتها بزجاج الكاميرا، فيغدوا
المشهد.. مشهدا حقا.
أنا فيلم نفسي
انا تتر البداية وتتر النهاية
أنا الاستراحة السريعة بين المشاهد
وأنا كلمة ” كاات ” ثقيلة الدم التي سرعان
ما تخرج، اذا رفت عين ما
أنا عطل الكاميرا، انقطاع الكهرباء
انا هذه الدعاية التي تأتي مثل خبر عاجل
” سنعود بعد قليل ”
انا بطل الفيلم/ فيلمي ..أنا لا شيء.
المدونة
أحمد أبو عواد – كومبرس اللاشيء

الربيع المشرقي والفنون الاستهلاكية
معرض احذية اللاجئين في بهو البرلمان الأوروبي 2018

معرض احذية اللاجئين في بهو البرلمان الأوروبي 2018 عندما نتكلم عن فناني عصر النهضة الأوربية Renaissance فإننا نقصد عملياً صناع النهضة، وأبنائها الفاعلين لا راكبي موجتها، وهذا الطرح حقيقة متطرف في أخلاقياته خفيف في واقعيته، وبالتالي إذا أردنا الحديث عن فناني الربيع العربي (الثورة) وجيلها، فإنه للأسف يظهر السواد الأعظم بمظهر سيء لا يليق بالفن ولا يمت بصلة إلى جمالية الثورة وقيمتها حيثُ يظهر السواد الأعظم بمظهر البراغماتي الوصولي ولو على حساب آلام الآخرين وهو توجه يدعمه اقتصاد السوق.
وعليه، بالطبع لا أقصد هنا سوق الفن بأي حال إذ أن سوق الفن، تجاراً ومقتنيين أعمق، والعلاقات المنظمة لهذا السوق أكثر تعقيداً من أن يراهنوا على موجة استهلاكية وظيفية، بل سوق المال والأعمال العالمية بأغلب أشكالها من الإعلام إلى الأعمال التي اصطلح على تسميتها بالأعمال الإنسانية، والتي تجمع على أن متضرري الحرب سلعة مجدية ومربحة اقتصادياً، وهذا التوجه بالتحديد هو فعل غير جميل – ذو رد فعل غير جميل هو الآخر – والذي يتجلى في حالة السكينة والابتعاد الناتج عن القرف من قبل القلة القليلة من الأخلاقيين الذين يستحقون لقب الفنان وظيفياً وجمالياً.
لوحة جرينيكا للفنان بابلو بيكاسو 1881 1973 رسمت عام 1937

لوحة جرينيكا للفنان بابلو بيكاسو 1881 1973 رسمت عام 1937 وبالحديث عن الحرب والدعاية من جهة، والفن واحترافيته من جهة آخرى، لا بد من ذكر تجربة أحد عباقرة الفن وأساتذته في القرن الماضي، الإسباني بابلو بيكاسو (1881 – 1973)، ولوحته الشهيرة غرينكا التي رسمها كأكبر عمل له بطلب من مناهضي الحرب الذين أرادوا استغلال شهرة الفنان العالمية وعبقريته الفنية في خدمة مشروعهم الأخلاقي، ورفع سوية الدعاية وصولاً لحالة فنية حقيقة فاعلة ومؤثرة، وهو الرهان الذي قبله الفنان.
واللوحة؛ وإن لم تغير من مجريات الحرب أكثر مما كان بيكاسو نفسه اشتراكياً، والرجل كحالة اجتماعية، وعلى النقيض من نتاجه الفني لا يعتبر شخصاً أخلاقياً. إلا أن اللوحة نفسها تعتبر واحدة من أهم نتاجات القرن الماضي الفنية، وهو بطبيعة الحال عكس الحالة الراهنة لدى فناني الربيع العربي، الذين وللأسف لا يتعدى إنتاجهم في أغلبه حالة إعادة تدوير لمخلفات اللجوء ومأساة ضحايا الحرب بطرق مبتذلة تؤدي إلى تقزيم مأساة وقيمة الإنسان خصوصاً في حالة الصخب والضجيج مما يذكر بمقولة فرانسيس بيكون “عندما تنظر إلى كل تلك الأشياء فإنك لا ترى شيئاً”.
وبالتالي فإن النتيجة هي التصالح مع واقع اعتباره سلعة استهلاكية، والعمل الفني نفسه ليس أكثر من إعلان يحاول توظيف الصدمة أو المشاعر الإنسانية ممثلة بالشفقة في تسويق المنتج ومحاولة إيصاله إلى أكبر شريحة ممكنة بغض النظر عن القيمة الفنية في الطرح أو الأسلوب الدعائي، ولا يتوانى عن استهداف وتضخيم (أنا المستهلك) على حساب (أنا المادة المسوقة).
لوحة خلق آدم أو “خلق الإنسان”. للفنان ميكيلانجيلو بوناروتي 1475 1564 تم رسمها العام 1511 سقف كنيسة سيستين في الفاتيكان

لوحة خلق آدم أو “خلق الإنسان”. للفنان ميكيلانجيلو بوناروتي 1475 1564 تم رسمها العام 1511 سقف كنيسة سيستين في الفاتيكان وبالعودة إلى المقاربة الأولى، أي عصر النهضة الأوروبية، وتاريخه الطويل الذي يقدر بأربعة قرون كما يرى أغلب المؤرخين والنقاد الذين يقسمونها إلى عدة أقسام منذ بداية القرن الرابع عشر تقريباً، حيث تم تصميم نمط جديد من الفنون البصرية والأدبية والوظيفية كالهندسة المعمارية في سلسلة متتالية من الطراز القوطي والتحرر، أو الانتقال من الثقافة الكلاسيكية القديمة إلى خلق ثقافي جديد طبعاً بمقاييس تلك الفترة باختصار فترة الانتقال من العصور الوسطى إلى العصر الحديث.
وقد بلغت هذه الفنون ذروتها فيما اصطلح على تسميته بالنهضة العليا إبان فتح القسطنطينية أو سقوطها حسب وجهة النظر التي يتبناها المرء، أو كما يعرفها بعض النقاد بظاهرة قصيرة اقتصرت أساساً على إيطاليا في بداية القرن الـ16 وهي الفترة التي اتسمت بصراع النفوذ ومحاولات التوحيد بين عائلات إيطاليا ومناطق سيطرتها التي كانت تشكل شبه ممالك، كآل مديتشي عرابي النظام البنكي الجديد وإحدى أغنى عائلات أوروبا وقتها وأكثرها نفوذاً، أسياد فلورنسا مدينة الفنون، والذين اقترن اسمهم ودعمهم بظهور عدد من عباقرة الفنون مثل ليوناردو دافينشي، ومايكل أنجلو، ورافاييل وغيرهم ممن كان لهم دور في مجريات الصراع المفاهيمي المقترن بصراع النفوذ من خلال بعض الأعمال الفنية التي أخذت منزلة كبيرة في تاريخ الفن حتى أنها أصبحت التجسيد الأهم عن النهضة الفنية العليا، والتي أسست لحركات وعصور لاحقة.
وهنا تجدر الإشارة إلى أنه عند دراسة تاريخ الفن، ومقارنته بالتاريخ السياسي والاجتماعي نجد جلياً أن التاريخ هو إعادة اجترار لتاريخ الفن، وأن الحركات والمدارس تعتمد في قيمتها على تموضعها التاريخي والحالة هذه لا يعود استهجان الأخلاقيين مستغرباً، إلا أن ذلك الاستهجان لا يبرر بأي شكل حالة السكينة، إذ أن أحلك الأماكن في الجحيم هي لأولئك الذين يحافظون على حيادهم في الأزمات الأخلاقية كما يعتقد دانتي أليغييري.
كتبه: شيروان أسعد

باول تسيلان – أغنية سيدة في الظل
مَتَى تَأْتِي المَرْأَةُ الصَّامِتَةُ وَتَقْطَعُ رَأسَ أَزْهَارِ التُّولِيبِ؟ مَنْ يَرْبَحُ؟ وَمَنْ يَخْسَرُ؟ مَنْ يَتَقَدَّمُ نَحْوَ النَّافِذَةِ؟ وَمَنْ يُنادِي أَوَّلًا علَى اسْمِه؟ هُنَاكَ شَخْصٌ واحِدٌ، يَحْمِلُ شَعَرَاتِي، يَحْمِلُهَا كَمَا نحْمِلُ المَوْتَى عَلَى أطْرَافِ أذرُعِنا. يَحْمِلُهَا كَمَا حَمَلَتِ السَّمَاءُ شَعَرَاتِي في السَّنَةِ، الَّتِي كُنْتُ فِيهَا مُغْرَمًا. عَلَى هَذَا النَّحْوِ كَانَ يَحْمِلُهَا مَزْهُوًّا. ذَاكَ الشَّخْصُ يَرْبَحُ. وَذَاكَ لَا يَخْسَرُ. ذاكَ لَا يَتَقَدَّمُ نَحْوَ النَّافِذَةِ. وَذاكَ لَا يُنادي على اسْمِه. كَانَ هُنَاكَ شَخْصٌ وَاحِدٌ، كَانَتْ لَهُ عَيْنَايَ. كَانَتَا لَهُ، مُنْذُ أَنْ أُغْلِقَتِ الأَبْوَابُ الكَبِيرَةُ ثَانِيَةً. كَانَ يَحْمِلُهُمَا كَخَاتَمٍ في الأَصَابِعِ. كَانَ يَحْمِلُهُمَا كَبَرِيقٍ مِنَ السَّعَادَةِ وَمِنَ الياقوتِ الأَزْرَقِ. لَقَدْ كَانَ بِالفِعْلِ أَخِي فِي الخَرِيفِ؛ يُحْصي بِالفِعْلِ أَنْهُرًا وَليَالي؛ ذاكَ الشَّخْصُ يَرْبَحُ. وَذاكَ لَا يَخْسَرُ. ذاكَ لَا يَتَقَدَّمُ نَحْوَ النَّافِذَةِ؛ وَذاكَ يُنادي على اسْمِهِ فِي الآخِرِ. هُنَاكَ شخصٌ وَاحِدٌ، يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ قَوْلِي. يَحْمِلُهُ تَحْتَ إِبْطِهِ كَعُلْبَةٍ.. يَحْمِلُهُ كَمَا تَحْمِلُ سَاعَةٌ حَائِطِيَّةٌ أَسْوَأَ سَاعَتِهَا. يَحْمِلُهُ مِنْ عَتَبَةٍ إلى عَتَبَةٍ، لَا يَقْذِفُ بِهِ فِي البَعِيدِ. هَذَا لَا يَرْبَحُ، وَهَذَا يَخْسَرُ، ذاكَ الشَّخْصُ يَتَقَدَّمُ نَحْوَ النَّافِذَةِ، وَذاكَ يُنادي على اسْمِهِ أَوَّلًا. ذاكَ سَيُقَطَعُ رَأْسُهُ مَعَ أَزْهَارِ التُّولِيبِ.
ترجمة: محمد العرابي

أمين حمزاوى – دورات

يمر الناس
يتهامسون
يتسامرون في نهايات الأسبوع
يسمعون رنين هواتفهم
يجيبون
يتسائلون كيف تمضي الأيام
يتضاحكون
يتسكعون في دورات لا نهائية
يعرفون طرق للعودة
للنوم
والذهاب للعمل
يحبّون
يكتبون القصائد
يتزوجون
يتشاجرون على أمور تافهة
يمارسون الحب
ينتشون
ينجبون صغارًا يمنحونهم الحب
وأخيرًا -لو كانوا محظوظين كفاية-
فإنهم يموتون سويًا
ويدُفنون في تربة واحد.
تشارلز بوكوفسكي – دفقة – ترجمة ضي رحمي
الوهم ببساطة هو
أن تقرأ
هذه القصيدة
الحقيقة إنها
أكثر من مجرد
قصيدة.إنها سكين متسول.
وزهرة تيوليب،
وجندي في مسيرة تعبر مدريد
إنها أنتَ على فراش موتك.
إنها الشاعر الصيني القديم “لي بو”
يضحك في قبره.اللعنة، إنها ليست قصيدة
بل حصان نائم
فراشة ترفرف داخل رأسك
ساحة الشيطان
أنت لا تقرؤها
بل هي التي تقرؤك
ألا تشعر بذلك؟
إنها مثل أفعى الكوبرا، نسر جائع يحوم في الغرفةهذه ليست قصيدة، القصائد مملة،
وتدفعك للنوم.
أما هذه الكلمات فتأخذك إلى جنون جديدلقد كنت محظوظًا، ودُفعت نحو تخوم الضوء الباهر.
الفيل يشاطرك الحلم
الآن
ينثني مُنحنى الفضاء
وتضحكالآن يمكنك أن تموت
الآن يمكنك أن تموت كما ينبغي
للبشر أن يموتوا :
عظماء
منتصرين
يسمعون الموسيقى
يكونون الموسيقى
يقهقهون،
يقهقهون،
يقهقهون.
تشارلز بوكوفسكي – الصبية الغامضة – ترجمة فاطمة بوصوفة
الصّبيّة الغامضة
صاحبة العينين الطيّبتين
عندما يحين الوقت
لاستخدام السكّين
لن أتردّد
لن ألومك,
حين أعبر الشاطئ وحيدا
حين ترتجف اليدان
اليدان البشعتان الثّقيلتان
حين لا تُقْبِلُ الحياة
حين لا يَرْحَلُ الموتى,
لن ألومك,
بل,
سَأذكُرُ الْقُبَلْ
شفاهنا الخام مع الحبّ
وكيف أعطيتني
كلّ ما كان لديك
وكيف أهديتك ما تبقّى منّي
وسأذكر غرفتك الصّغيرة
ملمسك
النّور عند النّافذة
تسجيلاتك
كتبك
قهوتنا الصّباحية
ظَهائِرنا مساءاتنا
جسدينا المنسكبين معا
ونحن نيام
التيّارات الرّفيعة المتدفّقة
فورا ودوما
ساقك ساقي
ذراعك ذراعي
بسمتك ودفأك
الذي أعاد لي ضحكي.
الصّبيّة الغامضة
صاحبة العينين الطيّبتين
لاَ سِكِّينَ لَدَيْكِ
السكّين لي
ولن أستخدمه بعد.
.

إدواردو غاليانو – النكرات
تحلمُ البراغيثُ أن تَبتاعَ كلباً
كما يحلمُ النكِراتُ بالخلاصِ من رِبقَةِ فَقرهم،
ذاتَ يومٍ سِحريّ
أن يمطرَ عليهم الثراءُ الكريمُ فجأةً
أن تسيلَ عليهم الدِلاءُ مفعمةً بالحظّ السعيدِ.
لكنّ الحظّ السعيدَ لن يمطرَ اليومَ
ولا غداً أو أبداً،
ولن يخِرّ من السماءِ حتى رَذاذٌ منهُ.
لا يهمّ أن النكِراتِ تَضرَع إليهِ
ولو حَكّتهم أيديهمُ اليُسرى
أو نَهضوا على قوائمِهم اليُمنى،
أو بدأوا العامَ بشراءِ مِكنَسةٍ جديدةٍ..
النكِراتُ: ليسَوا أبناءَ أحدٍ،
ولا يملكونَ شَروَى نَقِيرٍ.
النكِراتُ: لا يُعامَلونَ كأنهم بشرٌ،
يجرونَ وراءَ المَوعودِ، مُتَحرّقينَ للحياةِ، فتنكَحُهم،
تنكَحُهم مرّتَين..
هم ليسَوا كذلكَ، وإن كانوا كذلكَ.
لا يتحدّثُون اللّغاتِ، بل لَهَجاتٍ فَرعيةً.
لا يتّبِعون الدياناتِ،
بل خرافاتٍ نوعيةً.
لا يمتَهنونَ فنّاً، بل حِرَفاً.
لا يمارِسونَ ثقافةً، بل مأثوراتٍ شَعبيةً.
هم ليسَوا آدمِيّينَ،
بل مواردُ آدميّةَ.
لا وجهَ لهم، بل أذرعٌ.
لا اسمَ لهم، بل رقمٌ.
وليسَ لهم ذِكْرٌ في كتبِ التاريخِ الجامعةِ،
بل في صفحاتِ الجرائمِ بالصُحفِ المحليةِ.
فالنكراتُ،
سِعرُهم أقلّ
من الرصاصةِ التي تورِدُهم التَهلُكةَ.
شذرات – ستانسلاف جرزي ليك – ترجمة: بول شاوول
** الأهم أن البق لا يدخل الى أحلامنا.
** الحرائق لا تضيء الظلمات.
** والجبال أيضاً منفصلة بهاويات.
** لكن النيات الشفافة تصنع ظلاً.
** الجروح تلتئم في ندوب، لكن الندوب تكبر معنا.
** أدخل الى ذاتك من دون أن تقرع!
** وللخفة أيضاً وزنها الخاص.
** وماذا لو لم نكن سوى ذكرى شخص آخر؟
** هاك كاتباً جريئاً. إنه يضع نقطة على جملة غير مكتوبة.
** علينا أن نتحلى بكثير من الصبر لنتعلم كيف نكون
صبورين.
** يمكننا إغماض عيوننا على الحقيقة لكن ليس على
ذكرياتنا.
** إعرف كيف تتذوّق الكلمات! فكل منها قد تكون، بالنسبة
إليك، الأخيرة.
** رأيت أقفاصاً طائرة في داخلها نسور.
** كم من تراجيديات رائعة قد تغيرت الى كوميديات
بتصفيقة واحدة.
** في بعض ينابيع الإلهام تغسل ربات الشعر أقدامها .
** الشعراء كالأطفال؛ عندما يجلسون الى طاولة عملهم، لا
تلمس أقدامهم الأرض.
** كنت أمسك بالسعادة من ذنبها؛ أفلتت تاركة في يدي
ريشة، أكتب بها.
** نختنق! إفتحوا النوافذ، وليشعر به أيضاً من هم في
الخارج.
** في الأوقات الخطرة، لا تدخل الى ذاتك فهناك يمكن
إيجادك بسهولة أكثر.
** الويل لمن لا يرى النجوم عندما يتلقى لطمة على وجهه.
** شخصيات أحلامك تأكل من صحنك.
** لا تثر جلبة بمفاتيح الأسرار!
** حتى في صمته كان يرتكب أخطاء في الإملاء .
** على بعضهم أن يعيش حياة ثانية، كمكافأة أو كعقاب .
** يمكن حتى أن نحلم مستيقظين، من وقت الى آخر،
بإغماضنا عيناً واحدة.
** حتى عندما يكون الفم مغلقاً، يبقى السؤال مفتوحاً.
** كانوا يعذبونه. كانوا يبحثون فيه عن أفكارهم الخاصة.
** يفوت الأوان لنخبط بقبضتنا على الطاولة، عندما نكون قد
تحوّلنا الى طبق.
** ما أنضر ألوان الذين كانوا في الظل.
** ما أصعب إخفاء عدم وجودنا؟
ستانسلاف جرزي ليك ، شاعر بولندي ( 1966_1909)
حين جاء الحب حاملًا وجهك – ليلى عيد
لو أنني جميلة مثلكَ
أقود بوله رعاة الضوء
إلى قطيع من نجمات
أئنّ لصهيل وحدة الجبل الأزرق
فأهديه غرّة المهرة البيضاء
أضمّخ غربة العيون الملهوفة
بمناديل من ماء زهر
ورسائل شغف
أروح مع نهدة النهد العاشق
بسمة
دمعة
أو سيرة آهة ساخنة
كأنك للتوّ تقبلني
لو أنني جميلة
مثلكَ…
لا أجيد لغة الكون
لأستعير نجمة تواسيني
ثلج الصمت انهمر فجأة
أطفا لمعة البوح
ونامت سواقي جسدي العتيقة
يا وردة العشق
يا وردة العشق تفتّحي
كيف أعبر وديان الفقد وحيدة؟؟
صعدتُ الى أعلى جبل
كي أسترد نجمتي
رأيتهم يفركون النار
ويلمّعونها
آنيات تبرق بفضّة الحيرة
وتوابيت ذهبية صغيرة
لقصص حب لم تكتمل
كان الرماد يطير من أفواههم
غبار شعراء وشهداء
عشاق وملائكة
اقتربت
لم أحترق
ولم تجفّ المياه في يديّ
أهديتهم آخر عينين معي
وجلست أمامهم أنتظر…
قلبي..المعقود على جديلة غيم
يتسلل حيث وجهك البعيد
يتلو عليه سيرة القبلة الواحدة
ويذكّره بأول عاشقة خطّت كلمة “الشوق”
ثم يطير مبتعدا عن شدو أنفاسك
مثقلا بوهم القطن
تاركا على فمك ريشتين
أو ثلاث
ونسمة خفيفة وراءه
تغلق الشباك…
حين جاء الحب
حاملا وجهك
كنت أخبز حياتي
وأطعمها للعصافير
ما كنت أعلم
ان الرياش المتروكة كذكرى
لملائكة عشق انتحرت
تلمع كل ليلة بشدة
فتضيء خيطا
كالحليب أبيض
بين قلبي وقلبك
أينما كنتَ…
■■♧■■
ليلى عيد، كاتبة وشاعرة من لبنان
مثل سمكة – منير الإدريسي
تسبحُ القصيدة مثل سمكة
تحت جليد الورقة.
فيه تتنفّس
وهذا ما يُبقيها حيّة زمناً أطول
زعانفها من ينبوع الحقيقة، تُبقي حركتها خيالاً..
أتصوّرُ صنّارة قارئ
وهي تُلقى
عميقاً جدّاً.. جدّاً.
أتصوّرُ السّمكة تُرفع، ثمّ تنزلقُ بعيداً في روحه، تظلُّ هناك
تتنفّسُ كأنّها عادت، لتوّها
إلى نهر.
♧♧♧♧ مجرّة
في هذا الليل
السيمفونية تتقدّم إلى ذروتها محجوزة في اسطوانة كمجرّة
بعيدة بمليارات السنوات الضوئية
إنّي أستمعُ إلى موتسارت.
الموسيقى تهدّئني بلطف، كأخت تفرك رأسي بالشامبو
وأنا لا أملُّ.
حين أغمضُ عينيَّ
داخلي يصيرُ أجوف لتشيلو كبير.
بيدٍ تعزفُ بدقّة، يمرُّ في وعيي الوجودُ ذائبا سلساً كدوزنة.
يدٌ تعرف جيّداً ما تفعله
أكيد هي من يكسو الجبال بالثلج
في الشتاء..
في هذا الليل الذي يلمسُ جبهتي هواؤه البارد
خلال النافذة،
السيمفونيات
تركت يديَّ مشلولتين تماما منذ زمن موسيقيٍّ بعيد
على ذراعيْ الكرسيِّ
حتى سوّستا كالخشب.
♧♧♧♧ لجعل الحياة تسلية
حين أمشي على الجسر
أتمنّى سمكة في النّهر
تظهر لي وتختفي..
كالوُعود المتملّصة
التي تسلك السلوك ذاته، فتسلّيني.. وتوسّعُ صدري للهواء.
عندما أتطلع فوق، إلى قبّة السماء
أتمنّى مزيدا من الخدع لأندهش
عن الفيزياء
التي تجعل الواقع حلُما
والمستقبل لحظة محايثة للحاضر الذي نعيش..
يسهل معها أن أجلس مع العجوز الذي سأكونه في حديقة
أعتذر له وأنا أطأ سهواً قدمهُ، ثمّ نكمل حوارا حول موسيقى يوهانس برامز.
أتمنّى أن أحيا بلا وجعٍ، وبلا مهدّئات، ولا حبوب السّعادة
ناظراً إلى الحياةِ من خلف نافذةٍ
متابعاً خُدعا كثيرة تحصل، وكأن النّاس الذين يمرّون تحتها ليسوا سوى ملابسهم،
أو ظلاًّ للّه.
كأن درّاجة النّهار، عجلتاها كبيرتان بما يكفي
لتكون مهيّأة لسرك.
*منير الإدريسي ، شاعر من المغرب (1976 )

الأَشْيَاءُ وَالأَسْمَاءُ – مهدي حلباس
.. وَبَعْدَ تَارِيخٍ مِنَ الخَنَاجِرِ وَالمَسَامِيرِ وَرَائِحِةِ الجِلْدِ البَشَرِيِّ يُشْوَى بِجَمْرِ الحَنِينِ وَاللَّحْمِ المُمَزَّعِ… المِلْحُ… الجَماجِمُ… المَنْفَى… وَبَعْدَ… وَبَعْدَ… حَتَّى مَا عَادَتِ الإِبَرُ وَلَا زُجَاجُ الخَطْوِ والمَمْشَى، وَلَا الخَنَاجِرُ والمَسَامِيرُ… مُؤْلِمَةٌ. ها قَدْ اسْتنفذ مَا فِي وُسْعِِهِ الحُزْنُ وَالأَلْم. وصارَ البُكاءُ مَسْخَرَةً لِمَنْ تَأَبَّطَ طُولَ عُمرِهِ الجَمْرَ. وصارَ الدَّمُ النَّافِرُ مِنَ الدَّبْحِ فَرَاشَاتٍ مُلَوَّنَة. يَوْمَهَا فَقَطْ بَاحَتْ بِأَسْمَائِهَا الأَشْيَاءُ وانْكَشَفَ سِرُّ الكَلِمَات، انْفَضَحَتْ أَسْرَارُ البَلَاغَةِ، وغَدا الشِّعْرُ كَسِيحًا كَالأَعْزَلِ.
كَمْ أَنْتَ وَحِيدٌ أَيُّهَا الشِّعْرُ
كَمْ أَنْتَ جَمِيلٌ فِي عُزْلَتِكَ
فَلَا تَحْفَلْ بَعْدَ اليَوْمِ بِالكَلِمَاتِ وَلَا بِاللُّغَةِ وَلَا بِالمَعْنَى
فَالأَشْيَاءُ أَبَدًا لا تُشْبِهُ أَسْمَاءهَا
فَقُل الأَشْيَاءَ عَارِيَّةً مِنَ الأَسْمَاءِ
قُل الأَشْيَاءَ عَلَى حَقِيقَتِهَا
قُلْ:
أَهَذَا التَّوَحُّشُ هُوَ العَالَمُ؟
أَهَذِهِ المَتَاهَةُ هِيَ مَا يُسَمِّيهِ النَّاسُ الحَيَاةَ؟
مَا اسْمُ ظِلٍّ صَغِيرٍ خَلْفَ حَجَرٍ وَحِيدٍ في أَمَاسِي الشِّتَاءِ؟
مَا اسْمُ رَشْرَشَاتِ المَاءِ في ذَاكِرَةِ نَخْلَةٍ شَاخَتْ في أَقاصِي الظَّمَإ؟
ما اسْمُ الدَّمِ النَّازِفِ مِن ثُقُوبٍ في الأُغْنِيَاتِ؟
مَا اسْمُ الأُمْسِيَاتِ الهَارِبَاتِ ذَاتَ مَصِيفِ لِلذِّكْرَيَاتِ؟
ومَن يَنْتَظِرُونَ جُرْعَةَ الأَنْسُولِينِ؟
وجَحَافِلِ العَائِدِينَ مِن مَعاصِرِ الزَّيْتِ؟
وَظَلَامِ اليِقِينِ؟
ما اسمُ كَتِيبَةِ الإِعْدَامِ
وَكَيْفَ كَانَ مَذَاقُ الرَّصَاصِ
وَهُوَ يُحْرِقُ تَرَدُّدَ القَافِيَّةِ فِي شِعْرِ لوركا؟!
سَيِّدَتِي اللُّغَة، عَفْوًا، بِرَبِّكِ
تُرَى مَا اسْمُ هَذَا الوَطَنِ؟
*نص: مهدي حلباس

إنسان يعيش على أفكار قديمة – شادي سامي
حسنًا.. سأعترف للجميع:
أشعر بالتهديد
كوني إنسانًا يعيش على أفكار قديمة.
أخاف صوت الريح،
أنغلق على حزني
مخافة أن تفسده عبارات العزاء الطرية،
وحين تهاجمني القصيدة
أفكر في الهرب..
التلفاز في الصالة يأخذني بعيدًا،
بعيدًا عني.
يا للأفكار المرعبة التي تجتاحني.
الموت هذه الأيام
صار يتخذ شكلًا حداثيًّا،
يرتدي بنطال الدهشة،
وبمجرد المرور
يخلع عن اللحظة
جلالها القديم،
حتى ذلك الأزلي
صار مثلنا
دميمٌ، ساذجٌ،
ومهووسٌ بالعري.
لا أثق في العلم كثيرًا،
لا أعرف من أيّ كارثةٍ انحدرنا،
ولا أثق في رواية السمكة الأولى
البحر لا ينجب مثل هذه القسوة.
لا أثق في العلم،
وأتشكك الآن في حياد اللغة،
الخراب ليس مرادفًا للتطور
التحضر أن لا نعود لبدائية الغاب!
نصفق في الموت
كما نصفق في الفرح
حتى القردة في الأقفاص
تملك الفاصلة.
منذ خمسين عاماً
صادف جدي الموت،
ولأربعين ليلة
ظلَّ وحيدًا يرعى
حزنه والألم،
ولأربعين ليلة
كان العالم يتوقف لمغادرٍ.
آه للمرارة التي يتذوقها المصابون بلعنة الذاكرة،
آه لأولئك الفارين من مطبعة الأنماط البشرية،
آه يا دموعي الحبيسة، وَيا أنفاسي المرتعبة.
اليوم أعترف:
أشعر بالتهديد،
وأعيش على الهامش،
حيث يلاحقني هناك أيضًا
المدعون والحمقى،
أعيش
وما من أحدٍ يقبل دعوتي على العشاء،
وما من أحدٍ يقبل قلبي كهديةٍ رمزيةٍ.
أشعر بالتهديد
كون العالم محض سخريةٍ،
وكوني جاٌد وأحمقٌ.
لم تعلمني الكتب:
التحضر الأمريكيّ،
ثقافة الحياة التي أسس لها آلهة الحرب والجنس،
لم تعلمني الكتب:
مواجهة الموت بابتسامة،
ولَم أقابل في الرحلة أسبابًا للفرح.
أشعر بالتهديد
كوني إنسانًا يعيش على أفكار قديمة.
*نص: شادي سامي

أراكِ الآن – فيصل خرمي
أراكِ الآن، تبحثين بين الأرفف، عن رواية دسمة تسد جوعك الأدبي. تجدين كتاباً يملؤه الغبار، تمسحينه، يأتي أسمي في أعلاه، حينها يقبل وجهي عبر دهاليز الذاكرة، وتقولين في نفسك “لقد فرقتنا الأيام” وتضعينه على الرف، وتمضين، وأتلاشى من ذاكرتك مثلما يتلاشى السراب عندما نظنه حقيقة.
أراكِ الآن، تنظرين للركن المهجور من الغرفة، ذلك الركن الذي كنت آوي إليه، مثلما يأوي المؤمن إلى محرابه. لا تتغير ملامحك حزناً على فراقي، تقولين في نفسك “كان ابناً سيئاً” ربما كنت كذلك، وتهشين وجهي الذي يأتي في ذاكرتك كما يهش أحدهم الذباب.
أراك الآن، تتذكرني للمرة الأولى منذ رحيلي، عندما سألك احدهم عن ابنك، قلت له بحزنٍ مصطنع، لقد مات منتحرًا. ثم اصطنع المواساة، وتحاول بدورك أن تتحدث في أمرٍ آخر، كما لو أن سيرتي أصبحت مدعاة للضجر والفضيحة.
أراك الآن، وأنت تعد القهوة التي كنت أطلبها دائماً. يلوح في رأسك سؤال مفاده “كيف ينتحر من كان يأتي بالحياة معه في كل مرة؟” لا تجد الجواب، ولكنك تقول : هذه الحياة غريبة. ثم تنظر للمقهى وتشعر أنه ناقصاً منذ أن هجرته، تتذكرني ثم تبتسم بحزن وتقول : كان اكثر من زبون.
أراني الآن، أقف على حافة الحياة، أرى الموت بالأسفل، وأتمنى لو كان هناك من يوقفني. ألقي نظرة للسماء، لقد كان الله يراني، ورأيته لوهلة، ولكن كلانا أشاح بنظره.

لا تشرح لأحد – وداد نبي
لا تشرح لأحدٍ
لماذا ترحل حين ينبغي أن تبقى
لماذا تضحكُ حين يجب أن تبكي
لماذا تصمتُ حين يجب أن تتحدث
لماذا ترتسمُ انتفاخات تحت عينيك
لماذا تتوقّفُ عن الكتابة
لماذا تدير ُظهرك للأصدقاء والحياة على حدٍّ سواء
لا تشرح لأحدٍ
لماذا تجفّفُ قلبكَ كاللحم المقدّد في أزمنةِ المجاعة
لماذا تفقأُ عينَكَ السليمة بإصبع من تحب
لماذا ترمِ ذكريات جسدكَ في البحر لأسماك البيرانا المتوحشة
لماذا تسقط باستمرار في جرحِ الحياة المفتوح
لماذا تنسى مفاتيحك على الباب خارجاً
لماذا تفضّلُ المشي حافياً في حين لديك عشرات الأحذية
لماذا توقّفت عن العتب والسؤال
لماذا تملكُ كل شيء وأنت لستَ سعيداً
لا تشرح لأحدٍ
شيئاً لم تعد تملكُ أسبابه
لأنّكَ حين خرجتَ من بلدك بحقيبةٍ صغيرة
تركتَ وراءك هناكَ
جميع أسبابكَ ..

قصيدتان – مريم شريف
قلْ شيئاً للصُدفة، لتغدو طريقاً
قل الكلمات التي دفنَتها الرمال،
خُلقتُ لِأُصغي،
إن لم يكن لكَ، للخفقان الخفيف
الذي يؤرجحُ الهواء ..
المسافاتُ ليست على الأرض
المسافاتُ ما ننسى أن نقوله ثمّ يسقط في النسيان
الشوارعُ تغادر المدن في كل لحظة
تأخذُ وتُعيد،
تأخذُ وتؤلمُ ..
الأبواب أيضاً تُفتحُ وتُغلق آلاف المرّات
من تلك الحركة المستمرّة كالزمن
تتعلّم البيوت الحنين
هل لمست الباب لتغلقه خلفك؟
يصرّ كالألم، أنا أسمعهُ
محفورٌ في أيامي منذ الأزل
ذلك الصدى…
■■♧■■
ثمّة حزنٌ يجب أن يُعاش
أن ينطبع في العينين
ما دامت النظرة لا توجع نافذةً أو شجرة
أن يسير في الخطوات
ما دامت الدرب لا تسمع
ثمّة حزن بلا دويّ
فقط، هذه الهشاشة.
■■♧■■
مريم شريف ،شاعرة من الأردن
أمين حمزاوى – البوذي الوحيد في الشقة

استيقظت في عتمة دمائي الغارقة في كابوس أحمق، قبعة تغطي عيني ، وفي رأسي ثعلب، غرفتي بلا نافذة. أدرت أغنياتي نحو الحائط، أخرجت القمامة، وعندما زرت صديقي كان بصحبة ماريا وأربعة حلقات جديدة من “لاكاسّا دو بابل” ، الشمس في القميص كانت تزداد زرقة، أقفلت على نفسي المطبخ وتفحصت الثلاجة عدة مرات، غفوت لحظات. من رقعة في معطف السماء قفز القط بلانكو وشاكسني، تعلق بلحيتي البيضاء في سترتي والسوداء في حقيبة ظهري. قط صاحبي الذي يحب الريال ويكره باكو فرانكو. وبينما كانت السماء تنزلق بين أنامله الصغيرة كنت أقرأ سفر الخروج بينما ابن عمران يقبل شابة عبرانية خائفة بأسلوب هوليوودي قبل أن يضرب بعصاه البحر، حدث ذلك لكن الله أخفاه ببراعة، زرت سيناء العام الماضي والقبلة هناك تغازل البحر، ماريّا صدقتني وهي تصب لنا الشاي، انزعج صديقي وكان يظنني سكرانا ، بينما ذَهبتُ لأتأمل في ركن من الصالة، حاولت تقليد بوذا لكنني فشلت، ماريا تخبرني بأنني أثرثر كثيرًا كبائعات السمك في السوق بينما أشعر بالجوع، وبأن بلانكو هو البوذي الوحيد في الشقة..
عن الشعر والسينما – أندريه تاركوفسكي
“أجد أن الروابط الشعرية – منطق الشعر في السينما – هي مرضية على نحو رائع، إنها تبدو لي ملائمة على نحو مثالي لإمكانية السينما بوصفها أكثر الأشكال الفنية صدقًا وشعرية. يقينا أشعر بالتوافق والانسجام معها أكثر مما أشعره مع الكتابة التقليدية المتكلفة التي تربط الصور من خلال التنامي الطولي، المنطقي على نحو صارم، للحبكة. هذه الطريقة المتفقة على نحو ضاج مع العرف في ربط الأحداث هي عادة تقتضي ضمنًا فرض الأحداث، على نحو استبدادي، امتثالًا لمفهوم نظري تجريدي بشأن الترتيب والنظام. حتى عندما لا يكون الأمر كذلك، حتى عندما تكون الحبكة محكومة وموجهة من قبل الشخصيات فإن المرء يكتشف بأن الروابط، التي توحدها وتجعلها متماسكة، تتكئ على تأويل سطحي لتعقيدات الحياة.
لكن مادة الفيلم يمكن أن تتزاوج معًا بطريقة أخرى والتي تعمل، قبل كل شئ، على كشف منطق التفكير عند شخص ما. هذا هو الأساس المنطقي الذي سوف يملي تعاقب الأحداث، والمونتاج الذي يصوغها في وحدة كاملة. إن ولادة وتطور الفكر خاضعان لقوانين خاصة بهما، وأحيانا يقتضي ذلك أشكال تعبير مختلفة تمامًا عن أنماط التأمل المنطقي.
في رأيي، الاستنباط الشعري هو أقرب إلى القوانين التي بواسطتها يتطور الفكر، وبالتالي أقرب إلى الحياة نفسها، من منطق الدراما التقليدية. مع ذلك فإن طرائق الدراما الكلاسيكية هي التي كان ينظر إليها باعتبارها النماذج الوحيدة، والتي لسنوات طويلة قد حددت الشكل الذي فيه يتم التعبير عن الصراع الدرامي.
من خلال الصلات الشعرية يتم تصعيد وتعميق الشعور، ويصير المتفرج فعالا أكثر. أنه يصبح مشاركا في عملية اكتشاف الحياة، بلا عون أو دعم من قبل الاستنتاجات الجاهزة من الحبكة أو من تلميحات المؤلف المتعذر مقاومتها. تحت تصرفه فقط ما يساعد على اختراق المعنى الأعمق للظواهر المركبة المعروضة أمامه. إن تعقيدات الفكر والرؤى الشعرية للعالم لا ينبغي أن تكون مقحمة في بنية ما هو واضح وجلي. المنطق المعتاد، منطق التعاقبية الطولية، هو على نحو غير مريح مثل إثبات نظرية هندسية. كمنهج هو، على نحو غير صالح للمقارنة، أقل خصوبة فنيًا من الإمكانيات المتاحة من قبل الربط المتصل بالتداعي، والذي يبيح التقييم العاطفي والعقلاني معا. وكم هي مخطئة هذه السينما التي لا تستفيد إلا قليلًا جدا من الإمكانيات المتاحة، والتي لديها الكثير منها لتقديمه. إنها تملك سلطة داخلية تتركز داخل الصورة وتعبر إلى الجمهور في شكل مشاعر، محدثة توترًا في استجابة مباشرة إلى المنطق السردي للمؤلف.
المنهج الذي بواسطته يرغم الفنان الجمهور على أن يبني من الأجزاء المنفصلة وحدة كاملة، وأن يفكر أبعد مما هو مقرر له، هذا المنهج هو الوحيد الذي يضع الجمهور في مستوى متكافئ مع الفنان في إدراكه للفيلم. وعبر الاحترام المتبادل فقط يكون ذلك النوع من التبادل جديرًا بالممارسة الفنية”.

الأصوات – محمد بدر
هنالك صوتٌ
يشكو لي وأشكو له..
هنالك صوتٌ آخر
يتجنبني وأتجنبه..
وهنالك صوتٌ
لا يدع لي مساحةً
لأتكلم.
أُفكر بالأصوات: مِن أين تصدُر؟ مِن قبل مَن؟ هل أنا الذي يهمس ويصرخ بها داخلي؟ أم أن هنالك من يسكنني؟ كائنًا ما ساديًا ومازوخيًا يتسلى بتعذيبي وتوتري؟ يتسلى بحزني وإضعافي؟
يا ترى ما الذي يحصل للأصوات عندما لا أسمعها؟ ما الذي يحصل لها عندما أكون نائمًا؟ إلى أين تذهب؟ من الذي تزوره؟ هل تتحول إلى كوابيس لتزعجني؟
كومة مِن الأصوات التي تستلقي على جسدي وتتسرسر فيما بينها متجاهلةً وجودي، أحيانا تبدو لي جادةً وأحيانا أخرى تبدو لي أنها تتحدث عني بتهكم ولكن دون أن أفهم، فقط أستشعر حديثها في قلبي الذي يرجف خوفًا منها.
الأصوات كثيفة، تلازمني ملازمة لصيقة، إنها لا تموت ولا تنتهي، بل تزيد في كل مرة، وتأتي دومًا أصوات جديدة ومختلفة، تتزاحم وتتنافس على إظهار أصواتها قبل البقية الذين لا يهدأون ولا يتوقفون عن التنافس.
كل الأصوات
تنتصر بداخلي
ليلاً ونهارًا
نائمًا ومنتبهًا
عدا صوتي أنا
خاسرًا بفداحة.
اللعب في لحية المستقبل تحت شجرة قصيرة – محمد مقصيدي
المستقبل مغارة قديمة يخزّن فيها المعتوهون
مثلي كلمات تافهة.
عليك أن تكون عاليا مثل جبل كي
تستطيع الصعود إلى
المستقبل مستعملًا سلم الندم، أما
الذين يصعدون بالأسانسور
فهم الوزراء وملائكتهم فقط.
المستقبل هو الخروج في الصباح من المنزل
كالعادة.
المستقبل هو الرغبة في قبلة صغيرة على فم
حبيبتي.
المستقبل هو الأسود الفاحم،
الأسود الأبيض ربما..
المستقبل بعد أن تقابل الملائكة في غرفة ضيقة،
المستقبل نوع ناذر من الأسماك يعيش
في بحر حماقاتنا.
أوه، لماذا أشعر بالخوف من الوطن إلى هذا الحد؟
ربما لأن المستقبل هو الخوف.
ولأنني أحبك جدًا،
المستقبل هو أنت.
المستقبل هو المستقبل، وكفى.
المستقبل نشرة الأخبار، الراتب الشهري، ربطة العنق، الهاوية …
المستقبل باقة قرنفل تزرعها فتاة جميلة بانحناءة
وديعة على قبرك.
المستقبل هنا، وأشار النبي إلى..
وأشارت الملكة إلى…
والعاشق إلى…
والفيلسوف إلى…
وأشار الأعمى ناحية البحر..
المستقبل.
يبدو أن المستقبل هو أن أنتهي من كتابة هذه
القصيدة اللانهائية
بسلام ..
**
– من ديوان سماء تسقط بلا ملائكة –
■■♧■■
محمد مقصيدي، شاعر مغربي ( 1979)

الأشياء الطامحة إلى العودة – شادي سامي
إنني وإذ ودعت أحلامي كلها،
فإنني قد استبقيتكِ بداخلي،
وحصنتكِ من الخيبة والأمل.
تجولين كفكرةٍ،
والفكرة تأخذ في القِدم،
وتقدمين،
وتقدمين،
فتستحيلي إلى أسطورة
يرددها قلبي الثمل كأغنية..
الموسيقى ليست ملجأ يا سيو
وقلبي لم يعرف السعادة.
السعادة كانت في الصباح مرة،
وكانت لوردةٍ نادية
تردد اسمي في تفتحها
في تفتح الصباح
نادت الوردة اسمي.
أنا يا نجمة ليلي،
وشمسي، ونهاري،
يا موسيقاي العذبة،
ويا لمعة عيناي،
يا سَكينتي،
ويا حلمي الأخضر
أتوق:
إلى وشوشة حين يأتي النعاس،
إلى ضمة حقيقية،
وإلى أرنبة أنفكِ الباردة
أتوق..
الهواجس تعصف بي
المطر ينهمر من غيمة تسكنني
تفاصيلي تتداعى
تاركة لي
ندوب أبدية وغامضة..
ليسامحني أبي
لأنني أودعته الرمل في خيالي المرتعب،
بكيت قبل أن يحين الموعد،
وزففته ذات ليلة
إلى السماء وأمي والأجداد.
والبحر هذا المساء يا صاحبتي وحيد
لا نورس، لا حيتان،
والسرطانات ميتة على الشاطئ،
جحورها- بيوتها المؤقتة
مردومة بالحصى والفارغات،
وأحلام السرطانات بيوت من قواقع بيضاء
والقواقع على الشاطئ
مهجورة، ومنسية..
قهوتي يتيمة
إذ لم تهيأها أمي لي من قبل..
والرمال قشرة عجوز
سقطت من رأس القمر
والطفل إذ تهدهده أمه
يسعر الآخر بالملل
الغيرة تولد
كما الحب
يكبران معًا
وكبقية الأشياء التي تكبر معًا
يتزاوجا/ ويتفارقا
والطفل إذ صار شيخًا
نحس ناحيته بالشفقة
لأننا أصحاء وعديمي البصر.
الأوراق التي في حوزتي
لها قصص مأسآوية
لذا تأبى أن تسجل الفرح
الأوراق تحب أن تكتب عن الشجرة،
الظل، والثمرة،
والزجاجة التي بها الماء
كانت من قبل
أكياسًا تتراقص في الهواء
بحرية
الأشياء / الأشياء
تناديني
الأشياء الطامحة إلى العودة ..
العريش- فبراير ٢٠١٧





















