المدونة

  • سنية صالح – الوحش فى الروح

    لم يكن هناك من شهود

    كلها في المخيلة

    وحش متفوق

    ظهر فجأة في أحراش الروح،

    في أوطان الغانية وتحت مصابيحها الساهرة.

    قذف القصائد في الريح

    وجلد الأطفال على العتبات،

    ثمَّ اعتَلَى مِنَصّات الوطن،

    وأخذ يغني كالأبرياء.

    ها هو القلب ينفجر،

    والوحش يتمادى في أحضان الوطن،

    والوطن مكسور،

    ومطوي تحت الأجنحة العالية.

    وطني أسير خلف كمامات الإرهاب،

    عكر كنهر تخوضه الجياد.

    وطني يعوزه الماء والجنون،

    تعوزه الضغينة.

    كي يصير ذئباً ضارياً على الانكسارات.

    ***

    أخافتني ظلمة الهجر وبرودته،

    والحياة المتسخة داخل البيوت المكتظة العليلة

    والحمامات بلا ستائر أو مواقد

    والجلاد يدخل ويخرج كزوج وديع.

    الفجر العليل يركض على ضلفات النوافذ.

    لم يكن أكثر رقة من أماكن التعذيب.

    فجر مليء بالجري والقذف والتدافع والغبار.

    أنام في رحابه

    فتموت نقاوتي.

    لقد تداخلت السنون

    وانهزمت الطفولة.

    طبقة كثيفة من الحب موطن

    مقذوفة على بلاط المباغي،

    حيث الأفخاذ العارية

    خدم وبغايا،

    سافرات ومستترات..

    والعيون المائلة تشنجت من الرغبة.

    كيف أتحدث عنها

    وأنا لا أجرؤ على النظر إليها؟

    ولكن كم غَمَرتَها بالقبلات

    يا قلبي العليل:

    حملت عنها آلاماً قاسية

    أعطيتها روحي

    فوجدتها مبصوقة في الجحيم.

    ***

    هناك في الغرف الواطئة

    والمنسية،

    حيث تبدو جذور العالم سوداء،

    حيث ملاءات المسارح العتيقة،

    الملاءات الحمر الممزقة،

    شهدت جنون الحب،

    وتشهد الآن انهياره.

    ***

    أمي،

    أيتها القديسة،

    ارحميني.

    منذ أجيال وأنتِ تنامين في أعماقنا،

    تحلمين بالمعجزات…

    ومع كل مساء

    أسمع حشرجتك الدنيوية

    تختلط مع خطوات القدر المترهل،

    وهو يتهادى في الخارج

    وينتظرك بعقاله المرقط.

    ***

    تختبئين في قبور الأولياء

    لتطيلي فرارنا

    تتكاثرين،

    فنخرج من جسدك نساء ميتات.

    تطاردين سرباً من الملائكة

    كاشفة عن جراحك العميقة،

    فيلاحقك بائعو البخور

    بدخانهم العقيم.

    ***

    أراك هابطة سلالم الروح

    وأنت بلا حراك. تموتين ثم تبعثين فينا

    نساء فانيات.

    فلأتهاو كشراع لا أمل له بالإقلاع،

    يبقى الوحش في روحي

    يرفس ويضرب

    خبط عشواء،

    والمضخة الصدئة تستغيث:

    ما لهذا الدم يسيل؟!

    ونحن على الأسرَّة والأرائك

    وفي الأرحام،

    لم يعد السيِّد سيِّداً،

    ولا الحب حباً.

    ولاحت لي الحياة الساقطة المتدنية من بعيد

    مسرعة

    مسرعة

    كل شيء يدور فيها.

    من قذف بها

    إلى قلب تلك الغابة الهادئة؟

    الأطفال يصرخون

    ويرتجفون

    كأن ريحاً عاتية صفعتهم.

    رياح كانون، تدفعها رياح الغانية.

    ***

    هُزَّني أيها الغضب.

    أنا شجرة الدهشة،

    وهذا خريفي.

    الحب والشعر يدعوانها

    لكي تكون غباراً.

  • نجمة حيّة – تاديوش روجيفتش

    نجمة حيّة – تاديوش روجيفتش

    لكم تضفرني الأيام
    ليّنة عطرة
    مثل لحى تجار آشور
    الأيام يا لكثرتها يا لكثرتها
    وكيف هي مرتبّة بصورة فذة
    وكيف تلتهمني الليالي
    مظلمة مثل الجهاز الهضمي
    متخمة بالأغشية المخاطية
    ولونها وردي
    كم من الليالي كم من الليالي
    في بطن الحوت
    جاء صديقي
    وثقب في جبينه
    سلخ اللحى بحذاقة
    مزّق بطن اللذة
    وانتزع مني
    المصارين العمود الفقري الحيوان البرمائي
    وزرع فيّ الهندباء
    مثل نجمة من فضّة خالصة.

    تاديوش روجيفتش – شاعر بولندي (1921– 2014)
    ترجمة: عدنان المبارك

  • لون العينين والأسئلة – تاديوش روجيفتش

    لون العينين والأسئلة – تاديوش روجيفتش

    Mario Giacomelli
    Caroline Branson (from Spoon River series), 1978
    Wright

    عند حبيبتي
    عينان زرقاوتان
    ذات شرارات فضيٌة ؟
    -كلا.
    +++
    عند حبيبتي
    عينان سوداوان
    دون شرارات نارية ؟
    -كلا.
    +++
    عند حبيبتي
    عينان غريبتان
    تتزاحمان
    كالمطر الرمادي
    في الخريف..

    *تاديوش روجيفتش – شاعر بولندي (1921– 2014)

    **ترجمها عن الروسية – أ.د. ضياء نافع

  • بعد الحرب – فالديمار فيبير

    بعد الحرب – فالديمار فيبير

    بعد الحرب

    جميع التلاميذ في صفنا

    كانوا يتامى –

    بلا أب،

    عداي انا

    اذ كان لي اب،

    ولهذا السبب

    ضربني الجميع مرّة

    ضربا شديدا مبرحا،

    ولحد الآن

    لم أنس

    طعم الدم في فمي،

    ولم أنس

    من الذي ضربني،

    ولم أنس

    كيف ضربني،

    لكني أعرف الآن –

    أنهم

    أكثر مني

    يتألمون،

    عندما هم

    يتذكرون…

    …………………….

    ولد فالديمار فيبير عام 1944 في سيبيريا بالاتحاد السوفيتي، وهو من اصول المانية، وانتقل الى موسكو حيث تخرّج في قسم اللغة الالمانية بجامعة اللغات الاجنبية، وأخذ يترجم الشعر الالماني الى الروسية، ثم بدأ بالعمل تدريسّيا لمادة ترجمة الشعر في معهد غوركي للادب، ثم انتقل للعيش في المانيا واستعاد جنسيته هناك، وهو الان يحمل الجنسيتين الروسية والالمانية، ويعيش بين المانيا وروسيا .

    أصدر فيبير العديد من المجاميع الشعرية المؤلفة و المترجمة وباللغتين الروسية والالمانية، و ينشر نتاجاته المتنوعة (شعرا ونثرا (في المجلات الروسية الادبية الشهيرة، وقد تم ترجمة بعض نتاجاته الى الفرنسية والانكليزية والبلغارية وغيرها من اللغات .

    القصيدة هنا، وهي منشورة عام 2017، بلا عنوان في الاصل، والعنوان من وضعنا، وهو مستمد من الشطر الاول للقصيدة كما هو واضح، والحرب التي يقصدها الشاعر في قصيدته هنا هي الحرب العالمية الثانية، والتي يسميها الروس – الحرب الوطنية العظمى

  • ضوضاء – عبدالله الباحوث

    ضوضاء – عبدالله الباحوث

    استيقظت من نومٍ كان الفراغ التام عنوانًا له دون منبهات أو أصوات اعتدت أن أسمعها لكي تقتحم قلعة أحلامي، نهضت من سريري دون أن تصدر النوابض أصوات دهسها مِن الجسم الإنساني، ولم تعلو أصوات ضرب الأقدام للأرضية الخشبية، كان كل شيءً في غاية الهدوء، كان الصمت سيد المشهد، دفعت باب الحمّام دون أن يصدر ذلك الصرير الذي ينخر فصوص المخ، لم يصدر الماء خريرة المعتاد، ولم تصدر فرشاة الأسنان صوتها المعتاد عند ملاقاتها لأسناني وإلقاء التحية اليومية عليها، بدأت بالشك، هل أنا أحلم؟ فبكل هذا التلوث الضوضائي الذي نعيشه يكاد يستحيل حدوث مثل هذا الشيء، فكرت لربما اُذناي تلعبان لعبتهما علي، فلقد كنت أسبح مع خيالاتي وأفكاري في الماء، فهززت رأسي يمينًا ويسارًا لكي أخرجَ ما ترسب إلى أذنيّ…لا شيء، لا يوجد أي ترسب ولا أي قطرة، هززت رأسي في ارتباك وفكرت لو أن انقطاعي عن الكافيين كان السبب الرئيسي في هذا الشيء، فذهبت إلى المطبخ ذو الرخام الأبيض المنقط بالنُقط السوداء والجِدار الصفراوي الذي كان يجعل القيء أول أفكاري عندما أراه، اقتربت مِن أحد الرفوف التي كانت تحتوي على العِلاج، القهوة المملوءة بالكافيين الذي أحتاجه في هذه اللحظة كحاجة المدخن لسيجارة عند إقلاعه عن التدخين، فتحت الرف…لا شيء، لاصوت لفتح الرف أو وجود القهوة، واحِدًا تلو الأخر بتدرجٍ كتدرج عازف البيانو عندما ينتهي مِن معزوفته كنت افتح الرفوف كالمجنون حتى فوجئت بالحقيقة المرّة، أنه لا يوجد العلاج المليء بالكافيين هنا، كدت اُجن، شتمت القهوة بكل الشتائم التي وجدتها في قاموسي، هدأت نفسي قليلًا فقررت قرارًا مثيرًا للاشمئزاز، أن أفتح التلفاز، التلفاز المليء بالترهات والسخافات والفن الهابط، التلفاز الذي لم أتكبد العناء مرةً واحدة لكي أتلاعب بجهاز الاستقبال لأجل تشغليه، ضغطت جهاز التحكم، ظهرت لي القنوات، اخترت واحدة على عَجَل، لا شيء أيضًا، سوف أجن لا يوجد أصوات على الإطلاق، قَلَبت القنوات كالذي يقلب غرفته رأسًا على عَقِب لكي يبحث عن هاتفه، لا يوجد أي صوت على الإطلاق، صرخت، عاد صوت الصرخة لي، إذن لم تكن أذناي تلعبان بعقلي، جلستُ أفكر بالأصوات مِن حولنا، أي صوت بسيط هو جزءًا من يومنا، صوت ضرب الحروف بلوحة المفاتيح لكي تطبع الكلمات والجمل على الشاشة، صوت فتح قفل الهاتف، صوت التنبيهات الذي يفرز هرمون الدوبامين لدينا، هل نستطيع العيش دون هذه الأصوات؟ وما حال الموسيقى والأغاني هل تختفي ايضًا؟، كيف كانت الأصوات في حياة الأسبقين، أصوات البشر والدواب فقط، هل كان صوت الإنسان سيد الأصوات؟، كانت كل هذه الأسئلة بدون إجابات، جلست على الوثير واستلقيت، أحلم بكل الأصوات التي فقدتها اليوم، حتى فقدت صوت أفكاري.

  • حكت لي الأخشاب – عبد الله حمدان الناصر

    حكت لي الأخشاب – عبد الله حمدان الناصر

    حين انتهيتُ من نقل الأثاث للبيت، نمتُ من الإعياء على خشب الباركيه. كنتُ نائماً ومكشوفاً للحكاية فحدثتني الأخشاب.
    أخبرتني عن العائلة التي كانت تسكن البيت
    حكت لي عن يقظة الأب المبكرة بلا هدفٍ واضحٍ كل يوم
    والمثانة العصبية التي كانت تعذب الأم
    ورقصة الطفلة الكبيرة في الغرفة الضيقة على موسيقى السبعينات

    حكتْ لي الأخشاب
    عن شجاراتٍ كانت تمتد طيلة الليل
    في منزل الجارة العجوز التي عاد ابنها من الحرب
    وعن أشباحٍ مهذبة لا تستطيع مغادرة البيت منذ عقود،
    وأخبرتني أن البيت الإنجليزي قبرُ خشبي صغير، لا يمكن استخدامه مطلقاً للنجاة.

    حكتْ لي الأخشاب عن الألم الذي تسببه لها ساعة الحائط
    والجرح الذي تتركه قطرة الماء في الحوض
    والقرف الذي تشعر به من تسكع الفئران فوقها آخر الليل

    وأخبرتني عن خطوات ثلاث سبقتْ وصولي إلى البيت
    خطوة الأب الثقيلة فوقها كمرساة
    خطوة الأم المائلة في أيام الطمث
    وخطوة البنت المليئة بالموسيقى والبروزاك

    وقالت إن الناس خطوات، وإن أقدام الناس هي الشيء الحقيقي الوحيد الذي لا يغادر الأرض.

    ثم قالت لي أخشاب الأرض إنها شعرتْ بفراغٍ وأسى كبير
    مذ مشيتُ فوقها بالأمس
    وإنها وجدتْ خطايَ بيضاء تماماً كالصحراء
    لا تتركُ صوتاً ولا ثقلاً ولا حكايات
    وإننا موعودان معاً بصمت أبيضٍ طويل

    وقالت لي بوضوح: ما جدوى أن يقوم شبحٌ مثلك بدفع الإيجار؟
    كان بإمكانك أن تجلس مجاناً أمام النافذة، وتنتظر بلا طائل، مثل أشباح كل البيوت.

  • سميح القاسم – غرباء

    سميح القاسم – غرباء

    و بكينا.. يوم غنّى الآخرون

    و لجأنا للسماء

    يوم أزرى بالسماء الآخرون

    و لأنّا ضعفاء

    و لأنّا غرباء

    نحن نبكي و نصلي

    يوم يلهو و يغنّي الآخرون

    ***

    و حملنا.. جرحنا الدامي حملنا

    و إلى أفق وراء الغيب يدعونا.. رحلنا

    شرذماتٍ.. من يتامى

    و طوينا في ضياعٍ قاتم..عاماً فعاما

    و بقينا غرباء

    و بكينا يوم غنى الآخرون

    ***

    سنوات التيهِ في سيناءَ كانت أربعين

    ثم عاد الآخرون

    و رحلنا.. يوم عاد الآخرون

    فإلى أين؟.. و حتامَ سنبقى تائهين

    و سنبقى غرباء ؟!

  • أمل عبد الحميد بنّود – وجهي ايضاً لا يخلو

    أمل عبد الحميد بنّود – وجهي ايضاً لا يخلو

    Face with both hands
    Fernand Leger

    كل قبلة أطبعها على كتف الزمان أعنيها كخطوة سلام باتجاه ما فات..

    أكاد أكون من أولئك الذين يعجزون عن التقدم نحو الآتي فيما يظل ماضيهم يحمل من آثارهم لحظة ضعف أو كلمة قاسية أو نظرة استحقار كان قد التقطها لي أحدهم وأنا أشتمه في سري.

    لقد بصقت في وجوه كثيرة من دون أن تنتبه لي، وهذا ما يجعل جزئي المسالم بحاجة للتراجع من أجل الإعتذار عن هذا الفعل المشين بيد أن الغلبة دائما ما تكون لجزئي الوقح الذي يمتلك قدرة متينة على إقناعي بالتقدم بعد أن يثبت لي بطريقة أنساها فيما بعد ! أن وجهي أيضا لا يخلو من بصقاتهم.

  • محمد بنيس – الحبّ نهرُ الأبد

    محمد بنيس – الحبّ نهرُ الأبد

    Aurelie Nemours

    لا شيء غير جداول

    تتواصل

    في عرائها

    هذا هو الحب

    أنا الذي يقول

    المثلُ إلى مثله يسكُنُ

    أنا الذي يقول

    أجزاء النّفوس تتجانس

    وفي الأنداد

    التّوافق

    أنا الذي يقول جرّبت

    وشاهدت

    خُذ بما علمت عنهنّ وعنّي

    هو الحب مزّاج النّفوس المتشابهة

    سرّ الطّوق فيك

    سرّ التبدّد

    فيك

    يا هذه النّفس

    ذات العوالم الخفيفةْ

    أنا الذي يقول

    ما تمكّن من النّفس لن يفنى إلاّ بالموت

    وأنت

    طيري عالياً

    وطيري

    في فضاء الوشم

    تقصّدي

    نداء الماء

    أنت

    بشهوةٍ طوّقتك أيتها الحمامة

    وأنت هكذا أيّتها النفس

    غمامةٌ تدفعها غمامةْ

  • غادة مصطفى الشريف – أشياء لم يخبروني بها

    غادة مصطفى الشريف – أشياء لم يخبروني بها

    Rosso Fiorentino

    كبرت يا أبي؛ وأصبح لي اثنان وثلاثون سنا؛ كسرت سني الأمامية حين كنا نلعب في المطر وأنا طفلة، تبللت كثيرا ووبختني يا أبي وبرغم حزني على منظر فمي ووجهي بشكلها الجديد، لكنك لم تخبرني يا أبي أن سني هذه تعادل وجود أقرب الاحبة لي، بعدما تكسر الحياة وجودهم فينا! حين كنت طفلة كنت أقتطع الطعام بسن أخرى؛ كنت أرتبك حين أضحك، وأضع يدي على فمي لألا تظهر سني المكسورة أمامهم، لكنني حين كبرت يا أبي اضعها لكي اخفي خجلي وبحة صوتي وخوفي .. كبرت يا أبي ولم تخبرني أن كسر سني من اقل ما يمكن ان يحدث لي؛ وأن كسرة قلبي أعمق وأكثر هلعا وأن هذا الفراغ لا يظهر للناس .. لكنني أحاول باستمرار أن أخفيه عنهم ؛ وحتى عنك يا أبي ! كان لسني بديل لكن لا بديل لوجود اشخاص تحمل الحياة بداخلنا لهم اماكن لا يمكن ان يملأها غيرهم .. وبعد ان كبرت قليلا عالجت سني الامامية المكسورة وحشوت مكان كسرها فباتت كأنها حقيقية! لكنني لا اجد شيئا يشفي شق روحي ويملئ فراغ وجدي كم هي قاسية الحياة يا ابي ؛ كم هي قاسية.. و حارقة جدا فلا برد الشتاء ؛ ولا الماء يستطيع إطفاء حريق قلبي حين يشعلني الحزن … لم تخبرني يا أبي أن ظمأ العطش أقل ضررا من ظمأ العاطفة و الاحتياج ومن ظمأ الأمان .. آه لو تدري كيف تبدو صحراء روحي قاحلة؛ وكيف يغزوها صبار الاشتياق الشوق الذي يعتريني لأبسط الأشياء .. حتى لتوافه الامور.. اه لو تدري أنني حين سأطفئ شمعة عمري العشريني .. ابدو أكبر بكثير من عمري لماذا لم تخبرني؟ أن العمر لا يقاس بالزمن؟ بل بالأحداث والمحطات في الحياة فنحن نبدو اكبر بكثير ، حين يمر علينا أناس ثم يرحلون لأي سبب تاركين خلفهم ندبة من سنين العمر .. لم تخبرني يا أبي أنني كلما أطفأت شمعة، طفيت في أعماقي شيئا كان يمثل ابتسامتي ! ولم تخبرني أيضا يا ابي أن الابتسامة لها أكثر من نوع وأكثر من حالة فهنالك ابتسامات عابرة، لأشخاص عابرين فلا نستخدم الا عضلات فمنا لنكون اكثر لباقة معهم .. وهنالك ابتسامات قاتلة؛ لأناس كانوا يوما لنا نصف حياة ونصف روح لكننا نبتسم لصورهم ؛ لذكراهم . وهنالك ابتسامات ماكرة، لأناس عبرونا ولم يعبرونا بسلام بل طعنوا ظهورنا أكثر من مرة ! بنفس السكين ونفس المكان و نفس الابتسامة لكنها تبدلت ؛ كما مواقعهم في قلوبنا. وهنالك ابتسامات نادرة ؛ لأناس طيبين ومؤثرين؛ يتركون خلفهم طيب الاثر وجميل السيرة ويوقعون حسن السلوك بامتياز فنتأثر بهم، ونفرح بهم ، ويكون الحديث معهم عميق ونبتسم لهم ابتسامات عميقة؛ وليست مجرد ابتسامات .. انت لم تخبرني يا أبي أنني سأواجه الحياة وحدي .. مع كل هؤلاء “
    عن موقع: فسانيا

  • جاسم محمد الصحيح – جائع يأكل أسنانه

    M.F. Husain

    ما كان مني كان

    وما لم يكن لن يكون

    فيا شجر العمر .. مات الربيع الأخيرُ

    فلا تنتظر من طيور الهواجرِ

    شدواً يطيل الغصون

    أنا وهج الكائنات الخفي

    وأول من عشقوا الأرض أو ضيعوها…

    هي الأرض لؤلؤة في بحار الخليقةِ

    زرقاء ضيعها العاشقون

    لم أزل طازجاً

    منذ أولى الرغائب في الحمأ الفجَّ

    تسكنني شهوة لاكتشافي…

    أُقلم أسئلة الشك

    قبل تصلب أظفارها في دمائي…

    كأني في مشهد البدء

    وحشيةٌ روضتها الفنون

    لقد كنت أحملُ جرحي إلى عيد ميلاده الألف

    حين تعثرتُ في سلة من حكايا الصغار…

    تساقطتٌ .. أو قُل تساقط بعضي…

    غدي فر من ساعتي هارباً من تقاويمها الصم َّ

    حيث التقاويمُ بعض السجون

    يدي شقَّ فيها الزمان

    ممراً له باتجاه الخلاص…

    ووجهي سرير الكوابيسِ

    في شر شفِ من غضون

    أنا موعد أكلتهُ السنون

    يُواعدني الموج لكنه لا يجيء…

    برئتُ إلى البحر من كل موج ٍ يخون

    أنا واحدٌ شطرته الشعارات :

    نصفي جنونٌ ونصفي جُنًون

    تأرجحت في جبل اسميهما دون إ سم ٍ

    أُ حاول أن أستقر على ضفة تنتمي لي

    وما زلتُ أُرجوحة الضفتين.

    أُصيخ إلى رئة النهر في الشهقات الأخيرة ..

    و اخجلتاه ُ!!

    سأعرف الآن أني من جفف النهر

    غدراً بأسماكه

    غير أني ظمئتُ .. ظمئتُ.

    وأدركتُ كم هي مسكينة قطرة الماء

    حين تشردُ من نهرها في مهب الضياع.

    وأني أحقرُ من صارم ٍ

    خان ميثاقهُ في احتدام الصراع ِ.

    أنا الآن لا توأمٌ لي غير الخطيئة ِ

    تقطف كفارةً من ثميرات حزني.

    وحزني أشبهُ مني بنفسي.

    ونفسي قُبرةٌ شجونْ

    ونفسي دمع تنكب درب الجفون

    ألا عالم بالتفاسير يقرأ ُ رؤياي.

    إني أراني أعدو على الحبر‘‘

    أهمزهُ باتجاه البياض القديم ِ

    ولكن حبري حرون

    ويحدث أن أغتدي راعيا ً

    في مروج التوسل أرعى قطيع الظنون

    يعلمني الشعر كيف أشم ُّ الزهور بأسمائها ..

    وأقود الخيول بإيماءة ٍ للوراء

    تنبه فرسانها من سبات القرون

    يعلمني الشعر .. و الشعر وحي السماء.

    ألم تقرؤا قولهُ في الرجاء :

    ألا إن من شاء صون الحجاب ِ

    وحجب نافذةً بالستائر ِ

    فالنار مثواهُ يا أيها اليائسون

    يُعلمني الشعرُ .. لكنني لرغيف الكلام ِ ..

    فمي الآن يأكل آخر أسنانه

    غارقاً في خضم السكون

    وثمة طوفانُ صمت ٍ يفورُ

    وقد بلغ الماءُ حنجرتي.

    أين (نوح) الحوار ؟!

    أنا ابنك يا (نوحُ ).

    لا جبل يعصمُ الآن

    من موجة الخرس المستبد.

    وقد جاوز الماءُ حنجرتي.

    آه .. ما عاد الفم متسعٌ للحوار ِ

    فهل ثم مُتسعٌ في العُيُونْ ؟!

  • الريح- بابلو نيرودا – ترجمة: بول شاوول

    الريح- بابلو نيرودا – ترجمة: بول شاوول

    الريح تمشطني، يدها تمر
    أمومية، على شعري
    للذكرى افتح الباب
    وفكرتي تخرج وتمضي
    إنها أصوات أخرى احملها
    غنائي من شفاه أخرى
    لمغارة تذكاراتي
    – ضوء غريب!
    ثمار أراض غريبة،
    أمواج زرق من بحر آخر،
    عشق آخرين، أحزان
    لا أجرؤ على تذكرها
    والريح الريح التي تمشطني،
    على شعري يد أموية!
    حقيقتي أكملها القمة
    ليس لي لا عتمة ولا حقيقة!
    نائما وسط الطريق،
    يجب دعسي لأمشي.
    قلوبهم تطأني، قلوبهم
    السكرى بالخمر والحلم
    جسر جامد، أصل
    قلبك بالأبدية
    إن مت فجأة
    فلن أكف عن الغناء!
    مياه راكدة
    أريد أن أقفز إلى الماء
    لأسقط في السماء

    *بابلو نيرود: شاعر تشيلي

    **ترجمة: بول شاوول

  • صلصة الطماطم – بروين شاكر -ترجمة نزار سرطاوي

    صلصة الطماطم – بروين شاكر -ترجمة نزار سرطاوي

    في بلادنا،
    المرأة التي تكتب الشعر،
    يُنظر إليها على أنها سمكة غريبة.
    كل رجل يَفترض
    أنه هو الموضوع الذي تتحدث عنه
    في قصائدها!
    ولأن الأمر ليس كذلك،
    فإنه يُمسي عدوًا لها.
    وبهذا المعنى،
    فإن سارة لم تجلب لنفسها الكثير من الأعداء.
    لم تكن تؤمن بتقديم التبريرات،
    قبل أن تغدو زوجة كاتبٍ فقير،
    كانت قد أصبحت بالفعل
    سِلْفةً لأهل البلدة جميعًا.
    حتى أدناهم منزلةً
    زعموا أنهم عاشروها!
    وطوال النهار،
    كان المثقفون العاطلون عن العمل في المدينة
    يتجمهرون حولها.
    حتى أولئك الذين لديهم وظائف،
    كانوا يتركون ملفاتهم النتنة وزوجاتهم المرهقات
    ليأتوا إليها،
    تاركين وراءهم فاتورة الكهرباء،
    ورسوم أطفالهم المدرسية وأدوية زوجاتهم.
    فهذه هي هموم
    البشر الفانين الأصغر شأنًا.
    من الصباح إلى ساعة متأخرة من الليل،
    تدور مناقشاتٌ ساخنة
    حول الأدب والفلسفة وما يجري في الساحة.
    وعندما يطرق الجوع في بطونهم الخاوية،
    يشترون الخبز والبقوليات المسلوقة
    بشكل جماعي.
    كبار المفكرين
    كانوا عندئذ يطلبون بالشاي
    مُعْلنينها أمريتا برتام الباكستان. 1
    سارة الساذجة
    كانت راضية عن نفسها كل الرضا.
    ربما كانت ثمة أسباب وراء ذلك.
    فالمسؤولون عن مساندتها،
    ما برحوا يغذّونها بقهوة كافكا
    وبسكويت نيرودا.
    وبسبب المجاملات الغارقة في اللعاب،
    تسنّى لها أن تحصل على وجبةٍ واحدةٍ على الأقل،
    كل يوم!
    ولكن إلى متى؟
    كان عليها أن تتخلص
    من براثن الذئاب.
    فضّلت سارة أن تترك الغابة نفسها.
    وطيلة حياتها،
    ظل المتمرسون في الفنون
    يُرضعونها.
    في دائرتهم
    ولا تزال تُعتبر لذيذة،
    لكن مع فارق واحد
    هو أنّه لم يعد من الممكن أخذ قَضمةٍ منها!
    بعد وفاتها
    تمّت ترقيتُها
    إلى مقام صلصة الطماطم!

    ***
    هوامش:
    1. أمريتا برتام (1919 – 2005) شاعرة وكاتبة هندية كانت تكتب باللغتين البنجابية والهندية. وتعتبر أبرز شاعرة بنجابية في القرن العشرين.
    ترجمة: نزار سرطاوي

  • نحن النساء الخاطئات – كيشوار ناهيد

    نحن النساء الخاطئات – كيشوار ناهيد

    نحن النساء الخاطئات
    اللواتي لا تعترينا الرهبة أمام أبّهة هاتيك اللائي يرتدين العباءات

    نحن اللواتي لا نبيع حياتنا
    اللواتي لا نحني رؤوسنا
    اللواتي لا نطوي أيدينا معاً.

    نحن النساء الخاطئات
    بينما أولئك الذين يبيعون محاصيل أجسادنا
    يغدون أجلّاء
    يغدون متفوقين
    يغدون الأمراءَ العادلين للعالم المادي.

    نحن النساء الخاطئات
    اللواتي نخرج وقد رفعنا راية الحقيقة
    في وجه متاريس الأكاذيب القائمة على الطرق السريعة
    اللواتي نجد حكايات الاضطهاد مكدّسةً على كل عتبة
    اللواتي نجد الألسنة القادرة على الكلام قد قُطعت.

    نحن النساء الخاطئات.
    الآن، حتى لو كان الليل يطاردنا
    فلن تُطفَأ هذه العيون.
    فالجدار الذي هدم
    نُصر الآن على ألّا يقام مرة أخرى.

    نحن النساء الخاطئات
    اللواتي لا نتهيّب أمام هيبة هاتيك اللائي يرتدين العباءات

    نحن اللواتي لا نبيع أجسادنا
    اللواتي لا نحني رؤوسنا
    اللواتي لا نطوي أيدينا معا.

  • عكس عقارب الساعة – كيشوار ناهيد

    عكس عقارب الساعة – كيشوار ناهيد

    حتى لو أن عينيّ أصبحتا نَعليْ قدميك
    حتى لو حدث ذلك، فإن الخوف لن يتركك
    وحتى لو كنت فاقدة البصر
    فما زلت أستطيع أن أحسُّ بالأجساد والجمل
    كما الرائحة العطرة.

    حتى لو أنني، حفاظاً على سلامتي، أمرغ أنفي في التراب إلى أن يختفي
    حتى لو حدث ذلك، فإن هذا الخوف لن يتركك
    وحتى لو كنت فاقدة الشّم
    فما زال في مقدوري أن أقول شيئا.

    حتى لو أن شفتيّ، اللتين تلهجان بالثاء على تقواك
    اعتراهما الجفاف وأمستا بلا روح
    حتى لو حدث ذلك، فإن هذا الخوف لن يتركك
    وحتى لو كنت فاقدة النطق
    فما زال في مقدوري أن أمشي.

    حتى بعد أن أحكمت وثاق الحياة العائلية بالأصفاد،
    الخجل والحياء اللّذان يطوّقان قدميّ أصاباني
    من بعدك بالشلل
    فإن هذا الخوف لن يتركك
    وحتى لو كنت فاقدة القدرة على المشي
    فما زال بمقدوري أن أفكر.

    خوفك من كوني حرّة طليقة، ومن كوني على قيد الحياة
    ولديّ القدرة على التفكير قد تقودك، من يدري، إلى أيّة متاعب.

  • فوزية أبو خالد – قصيدة النساء

    فوزية أبو خالد – قصيدة النساء

    أيُّ فردوسٍ انسَلَّ منه النساء

    وسكبنَ السَّرابَ

    على…

    سُبات السابلة؟

    نُهرِّب ماءَ السماء في سواد المساء

    نُقطِّر شمساً نحاسيّةً على شحوبِ الصحراء

    نشكّ الأصابعَ بماسِ العسيب

    أيّ نعاسٍ يغالب صحوَ الصبايا؟

    نستمطر القلبَ أشواقاً حييّةً ورحيقاً يفور

    نستمطر الوقتَ عمراً وصبراً جميلْ

    نستمطر الطرقاتِ.

    وطناً

    يبدّد الوحشةَ المشتركَة

    أيُّ رياح تُخاطف الأشرعة؟

    نُمازج الطوفانَ بأطياف تطير

    ونُؤلِّف من كل زوجين اثنين

    مَهْراً للمُهرة الهاربة

    أيُّ قمر علَّقتْه شهرزادُ على ليل اللقاء؟

    قلنا اقتربْ

    قلنا عصافيرُ تحترق

    قامةٌ تُورق

    قلنا زرقاءُ تقرأ إشارات المَحاق

    غابةُ سِدْر تُشْجِر مُكعَّبات الفراغ

    قلنا.

    هيّأنا الأَهلَّة للعيدِ

    الأكفَّ للحنّاء هيّأْنا

    هيّأْنا

    عرساً لبلاد

    آخيْنا بين القمح والمستحيل

    الجرحَ بالملح وَضّأْنا

    وهبنا خميرةَ الروح لأجنّة المطلَق

    ونقضْنا في الصباح غَزْلَ المساء

    أيُّ حُلم تبتدي منه المليحة..؟

  • جمعة عبد الله الموفق – أنا الهراوة العظيمة على اقفيتكم

    Self Portrait in Profile
    Marc Chagall

    لا تنزعجوا
    أحاول ان أكون هادئا
    وودودا
    وإنسانيا جدا
    وطيبا ما استطعت
    واتصنع أني أحيي الورد على جانبي الرصيف
    وأقول صباح الخير للطيور التي تصادفني
    أحاول جدا أن أكون صديقا
    للغيوم الناشفة التي تعبر السماء
    مثل قطيع خراف
    منذ زمن وأنا أحاول
    لكني لم أستطع أن أكون طيبا كما يجب
    لم يترك القتلة واللصوص الكبار ،لي أي خيار آخر
    إلا أن أكون وغدا
    ومسعورا في الكتابة
    وأشتم بملء فمي
    وهذا يضايق الكثيرين
    ويعتبرونني عارا على الشعر
    هل سبق وقلت أني شاعر؟
    أنا أسوق الكلمات كمن يسوق قطيعا همجيا
    إلى العطش
    إلى الهاوية
    أو إلى الجحيم
    لست شاعرا أيها الأوباش
    لست شاعرا يا فضلة السوء على موائدنا
    أنا الهراء الذي يزعجكم ولن توقفه كلماتكم الصدئة
    أنا العار بنفسه الذي تستحي منه جباهكم المضيئة
    فخذوا طريقا آخر
    فأنا لن أتنحى أبدا
    سأواصل سبكم
    ولعنكم حتى الموت
    لن توقفني مقالاتكم المهترئة
    ولا نقدكم البائس
    ولا تهديداتكم الجبانة
    جئت أقلم أظافركم
    وأحشو مؤخراتكم بالتبن والخوازيق
    أنا الهرواة الكبيرة على أقفيتكم
    أنا اللطخة المهينة على وجوهكم
    أنا الزفرة الحارة التي تحرق صدوركم
    العظمة في لهاتكم
    أنا محنتكم أيها الأوغاد

  • مليكة فهيم – كمنجات جارفة ” مختارات “

    Las Meninas (Velazquez)
    Pablo Picasso

    1
    كما لو أني أستعيد
    من عربة الذاكرة
    قلائد من شعر.
    أسمع صوت الحشود ورائي،
    شلالات وأنهار سرية..
    تدفُق من هناك
    حيث غبار الأحذية يصهل،
    والقطارات الأبدية تتهاوى
    تُلَوِّحُ لي تلك الغيوم الشاردة..
    وهي تُنصت للذبذبات
    الخفيضة للرغبة،
    ترسم عند خطوط التماس
    جداولَ من قش،
    رمادا معتقا،
    أنجبته حرائقَ
    تلاشت
    على حافة الموج الفضي
    وهي تحبك عباءة الكون.

    2
    وأشعر باختلالٍ في التوازنِ.
    أريد أن أمحوَ كلَّ البصماتِ
    بما يكفي..
    كي أرتبني كما أشتهي،
    وأن أغفو..
    لأخرج من ذاتي قليلا،
    حيث متراقصة تسقط شهقاتي.
    يتعبني التطابق،
    وأنا أريد أن أجعل امتداد النص
    ولادة متشظية،
    هجرة إلى تخوم قصوى،
    أطل من كوة شفيفة،
    تداهمني الشُّقوق،
    كوميضٍ مباغثٍ،
    يمنح الصّيرورة تدفقها المريب..
    فأحكي عن ألم يُشبهني..
    يُشبهني تماما.

    3
    هي الأبديّة تقيم
    في مدارها المتوهج.
    وحدها أنَّاتُ موسيقاي،
    تلك الكَمَنْجَات الجارحة / الجارفة،
    تدقّ أوتار شراييني.
    تعانق ديمومة عارية.
    تقطر الألم السحيق،
    قطرة..
    قطرة…

    4
    تقرفص في العراء
    شهقتي الأخيرة.
    أيها الموت..
    ناديني من هناك.
    وَلَوّح لي بيديك،
    حتى أغسل عني عَمَايَ
    وآتيك ..
    لِمَ الأرض هشة يا الله.
    وأنت أيها الموت،
    أيها الظّمأ المنعش،
    أنا لا أجادلك..
    أدام الله عليك نضارتك.
    نضارتك..
    أدامها الله عليك.

  • عدنان محسن – سيرة شخصية

    Profile and Red Child
    Marc Chagall

    1

    أعرفُ هذا جيداً
    ذات يوم
    سأدخل موسوعة غينيس
    كلّ أرقامي قياسية
    في الطب العدلي
    عثروا على جميع أضراس العقل سالمة
    وعلى أحلام غير نافدة المفعول
    جميع أعضائي كانت صالحة للإستخدام
    وصحيفة أعمالي تقول
    ولد في عام الفيل
    أول من مسك خرطومه من العرب البائدة
    وآخر من أغراه الأوغاد
    عاش في المدن الكبرى
    ونام في شوارعها
    كي يكتب جملة واحدة
    لا محل لها بين الأَعراب.

    2

    البارحة
    مثلما يرى النائم في نومه
    وجدتُ نفسي في مجلس عزاء
    أقامه لي
    من تبقّى من أفراد العائلة
    رأيتُ أميّ
    بملابس عرسها تتوسط الحاضرين
    بينما أبي
    كعادته
    كان يغسل سيارته الجديدة
    لم ألمح جارتنا الطيبة
    وفاتني أن أسمع شتائمها للمرة الأخيرة
    ورغم أنني متُ غريقاً
    لم أرَ نهرا
    لكنني
    رأيتُ جميع من أحببتُ من النساء
    إلّا واحدةً
    قيل لي إنّها في مكان ما
    في هذا العالم
    كانت توزّع القهوةَ على الغائبين
    وحين تسنح لها السانحة
    تحصي لهم بعضاً
    من مناقبي.

    3

    انا شاعر فاشل
    فاشل جدا
    لا استطيع ان اكتب على سبيل المثل
    عندما يستبد البرق باصابعها
    ينتشر الظلام في راحتي
    وعندما تمشي هي وحدها
    أراني كرة أرضية
    تدور حول نفسها مرة
    ومرات حول الجميع
    ليس بإمكاني أن أقول
    ان أصابعي تقترف الكثير من الاخطاء
    ولعابي عاجز عن السيل
    في فمي حنجرة عزلاء
    عندي يد واحدة صالحة للاستخدام
    والثانية تستعمل لمراسيم الوداع وحده
    لو كنت أملك موهبة كافية
    لقرأت قصائدي على اشباح
    ترطن بأكثر من لغة
    ولأنني فاشل إلى هذه الدرجة
    اكتب أشعاري ببساطة اسمال تلبسني
    ولا اكترث باي مجد!

  • شريف رزق –  أنتَ، أيّها القبر المتجوّل

    شريف رزق – أنتَ، أيّها القبر المتجوّل

    The Focus Tombs
    Paul Delvaux

    وستنهار كثيرًا أيضًا، على الأرض ذاتها، في كل مرّة، على الأرض المهيأة للسقوط مثلك، ستنهار معك أحجار لا تعرفها، وسماوات رفعتها الجسارة، ستنهار أصص، وهي تأتي مدفوعة إلى قوة ارتجاجك الأخير، قبل هذا، وأنت على عرشك المرصّع بنهود نضيدة، ستأمر : ائتوني بأخ له من أبيه، سيندفع الولد النافر كصدر فتاتك، بدفع من الأيدي المغسولة بالخيانات، ستنهار كثيرًا، وسيأتي الورثة المزعومون، يفتشون عن كنوزك التي ستنهار فيك، سيحفرونك، يحفرونك أو قد لا يجييء الورثة مهطعين، قد لا يودعك الغبار، وفتاتك؟ فتاتك أيضًا ستنهار، سيأتي العمال المتغبرون ويمشون في انهيارك، ناشجين، وقد لا تنهار تمامًا هذا المساء، كم يكفيك من الخيانات إذًا في هذا المساء؟ وكم يكفيك حتى ينهار الانهيار الأخير؟ . . .

    كل شيء على حاله، كالأمس
    تمامًا، على حاله
    فلماذا، أنت منقبض إذًا هذا المساء؟ . . .

    وستتبعك الأنقاض أيضًا، ستتبعك الأحراش، والأصدقاء الميتون، ستتبعك الحجرات، والمقابر، والينابيع أيضًا، وستتبعك أنت أيضًا، لماذا دائمًا تقدمك الهزائم؟ . . .

    كم ستحتاج من النساء أيها القلب الأخير
    لتستند عن السقوط الأخير؟ . . .

    أنا القبر الأخير
    أنا القبر المتحرك في الفضاء ينثر موتاه، هديتي لكم القيامة، أنا القبر الأعمى، هذه الممالك المذهولة في الماء، هذه النساء المتشحات بالسواد: جلابيب سود فارغات، ماضيات هذه المنازل العابرة في الشرود، هؤلاء المحاربون المتكئون على الجنون: فليتمهل هؤلاء جميعًا، فما ثم بعد هذا غير رجرجتي، ورجعة الموتى على حطام الكلمات إليكم كاملين، أنا القبر الذي يتنقل في السماوات والأرض، ويرجع موتاكم إليكم على أنقاضكم . . .

    اصعدي
    اصعدي قليلًا يا أنقاضي، واعلني حصارك، وأنت التي تتبرج فيك الخرائب، وتمتزج الدماء بالتماسيح، جندك مكتملون، وأنت هديرهم في الهدير، اقتربي، بزعفرانك وأفراسك، دوري بحصارك كيلا تفر من الشبابيك المدينة منك -وأنت في حصارك الأعمى- وتأوى إلى غار بعيد، انتبهي . . .