المدونة

  • سميح القاسم – غرباء

    سميح القاسم – غرباء

    و بكينا.. يوم غنّى الآخرون

    و لجأنا للسماء

    يوم أزرى بالسماء الآخرون

    و لأنّا ضعفاء

    و لأنّا غرباء

    نحن نبكي و نصلي

    يوم يلهو و يغنّي الآخرون

    ***

    و حملنا.. جرحنا الدامي حملنا

    و إلى أفق وراء الغيب يدعونا.. رحلنا

    شرذماتٍ.. من يتامى

    و طوينا في ضياعٍ قاتم..عاماً فعاما

    و بقينا غرباء

    و بكينا يوم غنى الآخرون

    ***

    سنوات التيهِ في سيناءَ كانت أربعين

    ثم عاد الآخرون

    و رحلنا.. يوم عاد الآخرون

    فإلى أين؟.. و حتامَ سنبقى تائهين

    و سنبقى غرباء ؟!

  • أمل عبد الحميد بنّود – وجهي ايضاً لا يخلو

    أمل عبد الحميد بنّود – وجهي ايضاً لا يخلو

    Face with both hands
    Fernand Leger

    كل قبلة أطبعها على كتف الزمان أعنيها كخطوة سلام باتجاه ما فات..

    أكاد أكون من أولئك الذين يعجزون عن التقدم نحو الآتي فيما يظل ماضيهم يحمل من آثارهم لحظة ضعف أو كلمة قاسية أو نظرة استحقار كان قد التقطها لي أحدهم وأنا أشتمه في سري.

    لقد بصقت في وجوه كثيرة من دون أن تنتبه لي، وهذا ما يجعل جزئي المسالم بحاجة للتراجع من أجل الإعتذار عن هذا الفعل المشين بيد أن الغلبة دائما ما تكون لجزئي الوقح الذي يمتلك قدرة متينة على إقناعي بالتقدم بعد أن يثبت لي بطريقة أنساها فيما بعد ! أن وجهي أيضا لا يخلو من بصقاتهم.

  • محمد بنيس – الحبّ نهرُ الأبد

    محمد بنيس – الحبّ نهرُ الأبد

    Aurelie Nemours

    لا شيء غير جداول

    تتواصل

    في عرائها

    هذا هو الحب

    أنا الذي يقول

    المثلُ إلى مثله يسكُنُ

    أنا الذي يقول

    أجزاء النّفوس تتجانس

    وفي الأنداد

    التّوافق

    أنا الذي يقول جرّبت

    وشاهدت

    خُذ بما علمت عنهنّ وعنّي

    هو الحب مزّاج النّفوس المتشابهة

    سرّ الطّوق فيك

    سرّ التبدّد

    فيك

    يا هذه النّفس

    ذات العوالم الخفيفةْ

    أنا الذي يقول

    ما تمكّن من النّفس لن يفنى إلاّ بالموت

    وأنت

    طيري عالياً

    وطيري

    في فضاء الوشم

    تقصّدي

    نداء الماء

    أنت

    بشهوةٍ طوّقتك أيتها الحمامة

    وأنت هكذا أيّتها النفس

    غمامةٌ تدفعها غمامةْ

  • غادة مصطفى الشريف – أشياء لم يخبروني بها

    غادة مصطفى الشريف – أشياء لم يخبروني بها

    Rosso Fiorentino

    كبرت يا أبي؛ وأصبح لي اثنان وثلاثون سنا؛ كسرت سني الأمامية حين كنا نلعب في المطر وأنا طفلة، تبللت كثيرا ووبختني يا أبي وبرغم حزني على منظر فمي ووجهي بشكلها الجديد، لكنك لم تخبرني يا أبي أن سني هذه تعادل وجود أقرب الاحبة لي، بعدما تكسر الحياة وجودهم فينا! حين كنت طفلة كنت أقتطع الطعام بسن أخرى؛ كنت أرتبك حين أضحك، وأضع يدي على فمي لألا تظهر سني المكسورة أمامهم، لكنني حين كبرت يا أبي اضعها لكي اخفي خجلي وبحة صوتي وخوفي .. كبرت يا أبي ولم تخبرني أن كسر سني من اقل ما يمكن ان يحدث لي؛ وأن كسرة قلبي أعمق وأكثر هلعا وأن هذا الفراغ لا يظهر للناس .. لكنني أحاول باستمرار أن أخفيه عنهم ؛ وحتى عنك يا أبي ! كان لسني بديل لكن لا بديل لوجود اشخاص تحمل الحياة بداخلنا لهم اماكن لا يمكن ان يملأها غيرهم .. وبعد ان كبرت قليلا عالجت سني الامامية المكسورة وحشوت مكان كسرها فباتت كأنها حقيقية! لكنني لا اجد شيئا يشفي شق روحي ويملئ فراغ وجدي كم هي قاسية الحياة يا ابي ؛ كم هي قاسية.. و حارقة جدا فلا برد الشتاء ؛ ولا الماء يستطيع إطفاء حريق قلبي حين يشعلني الحزن … لم تخبرني يا أبي أن ظمأ العطش أقل ضررا من ظمأ العاطفة و الاحتياج ومن ظمأ الأمان .. آه لو تدري كيف تبدو صحراء روحي قاحلة؛ وكيف يغزوها صبار الاشتياق الشوق الذي يعتريني لأبسط الأشياء .. حتى لتوافه الامور.. اه لو تدري أنني حين سأطفئ شمعة عمري العشريني .. ابدو أكبر بكثير من عمري لماذا لم تخبرني؟ أن العمر لا يقاس بالزمن؟ بل بالأحداث والمحطات في الحياة فنحن نبدو اكبر بكثير ، حين يمر علينا أناس ثم يرحلون لأي سبب تاركين خلفهم ندبة من سنين العمر .. لم تخبرني يا أبي أنني كلما أطفأت شمعة، طفيت في أعماقي شيئا كان يمثل ابتسامتي ! ولم تخبرني أيضا يا ابي أن الابتسامة لها أكثر من نوع وأكثر من حالة فهنالك ابتسامات عابرة، لأشخاص عابرين فلا نستخدم الا عضلات فمنا لنكون اكثر لباقة معهم .. وهنالك ابتسامات قاتلة؛ لأناس كانوا يوما لنا نصف حياة ونصف روح لكننا نبتسم لصورهم ؛ لذكراهم . وهنالك ابتسامات ماكرة، لأناس عبرونا ولم يعبرونا بسلام بل طعنوا ظهورنا أكثر من مرة ! بنفس السكين ونفس المكان و نفس الابتسامة لكنها تبدلت ؛ كما مواقعهم في قلوبنا. وهنالك ابتسامات نادرة ؛ لأناس طيبين ومؤثرين؛ يتركون خلفهم طيب الاثر وجميل السيرة ويوقعون حسن السلوك بامتياز فنتأثر بهم، ونفرح بهم ، ويكون الحديث معهم عميق ونبتسم لهم ابتسامات عميقة؛ وليست مجرد ابتسامات .. انت لم تخبرني يا أبي أنني سأواجه الحياة وحدي .. مع كل هؤلاء “
    عن موقع: فسانيا

  • جاسم محمد الصحيح – جائع يأكل أسنانه

    M.F. Husain

    ما كان مني كان

    وما لم يكن لن يكون

    فيا شجر العمر .. مات الربيع الأخيرُ

    فلا تنتظر من طيور الهواجرِ

    شدواً يطيل الغصون

    أنا وهج الكائنات الخفي

    وأول من عشقوا الأرض أو ضيعوها…

    هي الأرض لؤلؤة في بحار الخليقةِ

    زرقاء ضيعها العاشقون

    لم أزل طازجاً

    منذ أولى الرغائب في الحمأ الفجَّ

    تسكنني شهوة لاكتشافي…

    أُقلم أسئلة الشك

    قبل تصلب أظفارها في دمائي…

    كأني في مشهد البدء

    وحشيةٌ روضتها الفنون

    لقد كنت أحملُ جرحي إلى عيد ميلاده الألف

    حين تعثرتُ في سلة من حكايا الصغار…

    تساقطتٌ .. أو قُل تساقط بعضي…

    غدي فر من ساعتي هارباً من تقاويمها الصم َّ

    حيث التقاويمُ بعض السجون

    يدي شقَّ فيها الزمان

    ممراً له باتجاه الخلاص…

    ووجهي سرير الكوابيسِ

    في شر شفِ من غضون

    أنا موعد أكلتهُ السنون

    يُواعدني الموج لكنه لا يجيء…

    برئتُ إلى البحر من كل موج ٍ يخون

    أنا واحدٌ شطرته الشعارات :

    نصفي جنونٌ ونصفي جُنًون

    تأرجحت في جبل اسميهما دون إ سم ٍ

    أُ حاول أن أستقر على ضفة تنتمي لي

    وما زلتُ أُرجوحة الضفتين.

    أُصيخ إلى رئة النهر في الشهقات الأخيرة ..

    و اخجلتاه ُ!!

    سأعرف الآن أني من جفف النهر

    غدراً بأسماكه

    غير أني ظمئتُ .. ظمئتُ.

    وأدركتُ كم هي مسكينة قطرة الماء

    حين تشردُ من نهرها في مهب الضياع.

    وأني أحقرُ من صارم ٍ

    خان ميثاقهُ في احتدام الصراع ِ.

    أنا الآن لا توأمٌ لي غير الخطيئة ِ

    تقطف كفارةً من ثميرات حزني.

    وحزني أشبهُ مني بنفسي.

    ونفسي قُبرةٌ شجونْ

    ونفسي دمع تنكب درب الجفون

    ألا عالم بالتفاسير يقرأ ُ رؤياي.

    إني أراني أعدو على الحبر‘‘

    أهمزهُ باتجاه البياض القديم ِ

    ولكن حبري حرون

    ويحدث أن أغتدي راعيا ً

    في مروج التوسل أرعى قطيع الظنون

    يعلمني الشعر كيف أشم ُّ الزهور بأسمائها ..

    وأقود الخيول بإيماءة ٍ للوراء

    تنبه فرسانها من سبات القرون

    يعلمني الشعر .. و الشعر وحي السماء.

    ألم تقرؤا قولهُ في الرجاء :

    ألا إن من شاء صون الحجاب ِ

    وحجب نافذةً بالستائر ِ

    فالنار مثواهُ يا أيها اليائسون

    يُعلمني الشعرُ .. لكنني لرغيف الكلام ِ ..

    فمي الآن يأكل آخر أسنانه

    غارقاً في خضم السكون

    وثمة طوفانُ صمت ٍ يفورُ

    وقد بلغ الماءُ حنجرتي.

    أين (نوح) الحوار ؟!

    أنا ابنك يا (نوحُ ).

    لا جبل يعصمُ الآن

    من موجة الخرس المستبد.

    وقد جاوز الماءُ حنجرتي.

    آه .. ما عاد الفم متسعٌ للحوار ِ

    فهل ثم مُتسعٌ في العُيُونْ ؟!

  • الريح- بابلو نيرودا – ترجمة: بول شاوول

    الريح- بابلو نيرودا – ترجمة: بول شاوول

    الريح تمشطني، يدها تمر
    أمومية، على شعري
    للذكرى افتح الباب
    وفكرتي تخرج وتمضي
    إنها أصوات أخرى احملها
    غنائي من شفاه أخرى
    لمغارة تذكاراتي
    – ضوء غريب!
    ثمار أراض غريبة،
    أمواج زرق من بحر آخر،
    عشق آخرين، أحزان
    لا أجرؤ على تذكرها
    والريح الريح التي تمشطني،
    على شعري يد أموية!
    حقيقتي أكملها القمة
    ليس لي لا عتمة ولا حقيقة!
    نائما وسط الطريق،
    يجب دعسي لأمشي.
    قلوبهم تطأني، قلوبهم
    السكرى بالخمر والحلم
    جسر جامد، أصل
    قلبك بالأبدية
    إن مت فجأة
    فلن أكف عن الغناء!
    مياه راكدة
    أريد أن أقفز إلى الماء
    لأسقط في السماء

    *بابلو نيرود: شاعر تشيلي

    **ترجمة: بول شاوول

  • صلصة الطماطم – بروين شاكر -ترجمة نزار سرطاوي

    صلصة الطماطم – بروين شاكر -ترجمة نزار سرطاوي

    في بلادنا،
    المرأة التي تكتب الشعر،
    يُنظر إليها على أنها سمكة غريبة.
    كل رجل يَفترض
    أنه هو الموضوع الذي تتحدث عنه
    في قصائدها!
    ولأن الأمر ليس كذلك،
    فإنه يُمسي عدوًا لها.
    وبهذا المعنى،
    فإن سارة لم تجلب لنفسها الكثير من الأعداء.
    لم تكن تؤمن بتقديم التبريرات،
    قبل أن تغدو زوجة كاتبٍ فقير،
    كانت قد أصبحت بالفعل
    سِلْفةً لأهل البلدة جميعًا.
    حتى أدناهم منزلةً
    زعموا أنهم عاشروها!
    وطوال النهار،
    كان المثقفون العاطلون عن العمل في المدينة
    يتجمهرون حولها.
    حتى أولئك الذين لديهم وظائف،
    كانوا يتركون ملفاتهم النتنة وزوجاتهم المرهقات
    ليأتوا إليها،
    تاركين وراءهم فاتورة الكهرباء،
    ورسوم أطفالهم المدرسية وأدوية زوجاتهم.
    فهذه هي هموم
    البشر الفانين الأصغر شأنًا.
    من الصباح إلى ساعة متأخرة من الليل،
    تدور مناقشاتٌ ساخنة
    حول الأدب والفلسفة وما يجري في الساحة.
    وعندما يطرق الجوع في بطونهم الخاوية،
    يشترون الخبز والبقوليات المسلوقة
    بشكل جماعي.
    كبار المفكرين
    كانوا عندئذ يطلبون بالشاي
    مُعْلنينها أمريتا برتام الباكستان. 1
    سارة الساذجة
    كانت راضية عن نفسها كل الرضا.
    ربما كانت ثمة أسباب وراء ذلك.
    فالمسؤولون عن مساندتها،
    ما برحوا يغذّونها بقهوة كافكا
    وبسكويت نيرودا.
    وبسبب المجاملات الغارقة في اللعاب،
    تسنّى لها أن تحصل على وجبةٍ واحدةٍ على الأقل،
    كل يوم!
    ولكن إلى متى؟
    كان عليها أن تتخلص
    من براثن الذئاب.
    فضّلت سارة أن تترك الغابة نفسها.
    وطيلة حياتها،
    ظل المتمرسون في الفنون
    يُرضعونها.
    في دائرتهم
    ولا تزال تُعتبر لذيذة،
    لكن مع فارق واحد
    هو أنّه لم يعد من الممكن أخذ قَضمةٍ منها!
    بعد وفاتها
    تمّت ترقيتُها
    إلى مقام صلصة الطماطم!

    ***
    هوامش:
    1. أمريتا برتام (1919 – 2005) شاعرة وكاتبة هندية كانت تكتب باللغتين البنجابية والهندية. وتعتبر أبرز شاعرة بنجابية في القرن العشرين.
    ترجمة: نزار سرطاوي

  • نحن النساء الخاطئات – كيشوار ناهيد

    نحن النساء الخاطئات – كيشوار ناهيد

    نحن النساء الخاطئات
    اللواتي لا تعترينا الرهبة أمام أبّهة هاتيك اللائي يرتدين العباءات

    نحن اللواتي لا نبيع حياتنا
    اللواتي لا نحني رؤوسنا
    اللواتي لا نطوي أيدينا معاً.

    نحن النساء الخاطئات
    بينما أولئك الذين يبيعون محاصيل أجسادنا
    يغدون أجلّاء
    يغدون متفوقين
    يغدون الأمراءَ العادلين للعالم المادي.

    نحن النساء الخاطئات
    اللواتي نخرج وقد رفعنا راية الحقيقة
    في وجه متاريس الأكاذيب القائمة على الطرق السريعة
    اللواتي نجد حكايات الاضطهاد مكدّسةً على كل عتبة
    اللواتي نجد الألسنة القادرة على الكلام قد قُطعت.

    نحن النساء الخاطئات.
    الآن، حتى لو كان الليل يطاردنا
    فلن تُطفَأ هذه العيون.
    فالجدار الذي هدم
    نُصر الآن على ألّا يقام مرة أخرى.

    نحن النساء الخاطئات
    اللواتي لا نتهيّب أمام هيبة هاتيك اللائي يرتدين العباءات

    نحن اللواتي لا نبيع أجسادنا
    اللواتي لا نحني رؤوسنا
    اللواتي لا نطوي أيدينا معا.

  • عكس عقارب الساعة – كيشوار ناهيد

    عكس عقارب الساعة – كيشوار ناهيد

    حتى لو أن عينيّ أصبحتا نَعليْ قدميك
    حتى لو حدث ذلك، فإن الخوف لن يتركك
    وحتى لو كنت فاقدة البصر
    فما زلت أستطيع أن أحسُّ بالأجساد والجمل
    كما الرائحة العطرة.

    حتى لو أنني، حفاظاً على سلامتي، أمرغ أنفي في التراب إلى أن يختفي
    حتى لو حدث ذلك، فإن هذا الخوف لن يتركك
    وحتى لو كنت فاقدة الشّم
    فما زال في مقدوري أن أقول شيئا.

    حتى لو أن شفتيّ، اللتين تلهجان بالثاء على تقواك
    اعتراهما الجفاف وأمستا بلا روح
    حتى لو حدث ذلك، فإن هذا الخوف لن يتركك
    وحتى لو كنت فاقدة النطق
    فما زال في مقدوري أن أمشي.

    حتى بعد أن أحكمت وثاق الحياة العائلية بالأصفاد،
    الخجل والحياء اللّذان يطوّقان قدميّ أصاباني
    من بعدك بالشلل
    فإن هذا الخوف لن يتركك
    وحتى لو كنت فاقدة القدرة على المشي
    فما زال بمقدوري أن أفكر.

    خوفك من كوني حرّة طليقة، ومن كوني على قيد الحياة
    ولديّ القدرة على التفكير قد تقودك، من يدري، إلى أيّة متاعب.

  • فوزية أبو خالد – قصيدة النساء

    فوزية أبو خالد – قصيدة النساء

    أيُّ فردوسٍ انسَلَّ منه النساء

    وسكبنَ السَّرابَ

    على…

    سُبات السابلة؟

    نُهرِّب ماءَ السماء في سواد المساء

    نُقطِّر شمساً نحاسيّةً على شحوبِ الصحراء

    نشكّ الأصابعَ بماسِ العسيب

    أيّ نعاسٍ يغالب صحوَ الصبايا؟

    نستمطر القلبَ أشواقاً حييّةً ورحيقاً يفور

    نستمطر الوقتَ عمراً وصبراً جميلْ

    نستمطر الطرقاتِ.

    وطناً

    يبدّد الوحشةَ المشتركَة

    أيُّ رياح تُخاطف الأشرعة؟

    نُمازج الطوفانَ بأطياف تطير

    ونُؤلِّف من كل زوجين اثنين

    مَهْراً للمُهرة الهاربة

    أيُّ قمر علَّقتْه شهرزادُ على ليل اللقاء؟

    قلنا اقتربْ

    قلنا عصافيرُ تحترق

    قامةٌ تُورق

    قلنا زرقاءُ تقرأ إشارات المَحاق

    غابةُ سِدْر تُشْجِر مُكعَّبات الفراغ

    قلنا.

    هيّأنا الأَهلَّة للعيدِ

    الأكفَّ للحنّاء هيّأْنا

    هيّأْنا

    عرساً لبلاد

    آخيْنا بين القمح والمستحيل

    الجرحَ بالملح وَضّأْنا

    وهبنا خميرةَ الروح لأجنّة المطلَق

    ونقضْنا في الصباح غَزْلَ المساء

    أيُّ حُلم تبتدي منه المليحة..؟

  • جمعة عبد الله الموفق – أنا الهراوة العظيمة على اقفيتكم

    Self Portrait in Profile
    Marc Chagall

    لا تنزعجوا
    أحاول ان أكون هادئا
    وودودا
    وإنسانيا جدا
    وطيبا ما استطعت
    واتصنع أني أحيي الورد على جانبي الرصيف
    وأقول صباح الخير للطيور التي تصادفني
    أحاول جدا أن أكون صديقا
    للغيوم الناشفة التي تعبر السماء
    مثل قطيع خراف
    منذ زمن وأنا أحاول
    لكني لم أستطع أن أكون طيبا كما يجب
    لم يترك القتلة واللصوص الكبار ،لي أي خيار آخر
    إلا أن أكون وغدا
    ومسعورا في الكتابة
    وأشتم بملء فمي
    وهذا يضايق الكثيرين
    ويعتبرونني عارا على الشعر
    هل سبق وقلت أني شاعر؟
    أنا أسوق الكلمات كمن يسوق قطيعا همجيا
    إلى العطش
    إلى الهاوية
    أو إلى الجحيم
    لست شاعرا أيها الأوباش
    لست شاعرا يا فضلة السوء على موائدنا
    أنا الهراء الذي يزعجكم ولن توقفه كلماتكم الصدئة
    أنا العار بنفسه الذي تستحي منه جباهكم المضيئة
    فخذوا طريقا آخر
    فأنا لن أتنحى أبدا
    سأواصل سبكم
    ولعنكم حتى الموت
    لن توقفني مقالاتكم المهترئة
    ولا نقدكم البائس
    ولا تهديداتكم الجبانة
    جئت أقلم أظافركم
    وأحشو مؤخراتكم بالتبن والخوازيق
    أنا الهرواة الكبيرة على أقفيتكم
    أنا اللطخة المهينة على وجوهكم
    أنا الزفرة الحارة التي تحرق صدوركم
    العظمة في لهاتكم
    أنا محنتكم أيها الأوغاد

  • مليكة فهيم – كمنجات جارفة ” مختارات “

    Las Meninas (Velazquez)
    Pablo Picasso

    1
    كما لو أني أستعيد
    من عربة الذاكرة
    قلائد من شعر.
    أسمع صوت الحشود ورائي،
    شلالات وأنهار سرية..
    تدفُق من هناك
    حيث غبار الأحذية يصهل،
    والقطارات الأبدية تتهاوى
    تُلَوِّحُ لي تلك الغيوم الشاردة..
    وهي تُنصت للذبذبات
    الخفيضة للرغبة،
    ترسم عند خطوط التماس
    جداولَ من قش،
    رمادا معتقا،
    أنجبته حرائقَ
    تلاشت
    على حافة الموج الفضي
    وهي تحبك عباءة الكون.

    2
    وأشعر باختلالٍ في التوازنِ.
    أريد أن أمحوَ كلَّ البصماتِ
    بما يكفي..
    كي أرتبني كما أشتهي،
    وأن أغفو..
    لأخرج من ذاتي قليلا،
    حيث متراقصة تسقط شهقاتي.
    يتعبني التطابق،
    وأنا أريد أن أجعل امتداد النص
    ولادة متشظية،
    هجرة إلى تخوم قصوى،
    أطل من كوة شفيفة،
    تداهمني الشُّقوق،
    كوميضٍ مباغثٍ،
    يمنح الصّيرورة تدفقها المريب..
    فأحكي عن ألم يُشبهني..
    يُشبهني تماما.

    3
    هي الأبديّة تقيم
    في مدارها المتوهج.
    وحدها أنَّاتُ موسيقاي،
    تلك الكَمَنْجَات الجارحة / الجارفة،
    تدقّ أوتار شراييني.
    تعانق ديمومة عارية.
    تقطر الألم السحيق،
    قطرة..
    قطرة…

    4
    تقرفص في العراء
    شهقتي الأخيرة.
    أيها الموت..
    ناديني من هناك.
    وَلَوّح لي بيديك،
    حتى أغسل عني عَمَايَ
    وآتيك ..
    لِمَ الأرض هشة يا الله.
    وأنت أيها الموت،
    أيها الظّمأ المنعش،
    أنا لا أجادلك..
    أدام الله عليك نضارتك.
    نضارتك..
    أدامها الله عليك.

  • عدنان محسن – سيرة شخصية

    Profile and Red Child
    Marc Chagall

    1

    أعرفُ هذا جيداً
    ذات يوم
    سأدخل موسوعة غينيس
    كلّ أرقامي قياسية
    في الطب العدلي
    عثروا على جميع أضراس العقل سالمة
    وعلى أحلام غير نافدة المفعول
    جميع أعضائي كانت صالحة للإستخدام
    وصحيفة أعمالي تقول
    ولد في عام الفيل
    أول من مسك خرطومه من العرب البائدة
    وآخر من أغراه الأوغاد
    عاش في المدن الكبرى
    ونام في شوارعها
    كي يكتب جملة واحدة
    لا محل لها بين الأَعراب.

    2

    البارحة
    مثلما يرى النائم في نومه
    وجدتُ نفسي في مجلس عزاء
    أقامه لي
    من تبقّى من أفراد العائلة
    رأيتُ أميّ
    بملابس عرسها تتوسط الحاضرين
    بينما أبي
    كعادته
    كان يغسل سيارته الجديدة
    لم ألمح جارتنا الطيبة
    وفاتني أن أسمع شتائمها للمرة الأخيرة
    ورغم أنني متُ غريقاً
    لم أرَ نهرا
    لكنني
    رأيتُ جميع من أحببتُ من النساء
    إلّا واحدةً
    قيل لي إنّها في مكان ما
    في هذا العالم
    كانت توزّع القهوةَ على الغائبين
    وحين تسنح لها السانحة
    تحصي لهم بعضاً
    من مناقبي.

    3

    انا شاعر فاشل
    فاشل جدا
    لا استطيع ان اكتب على سبيل المثل
    عندما يستبد البرق باصابعها
    ينتشر الظلام في راحتي
    وعندما تمشي هي وحدها
    أراني كرة أرضية
    تدور حول نفسها مرة
    ومرات حول الجميع
    ليس بإمكاني أن أقول
    ان أصابعي تقترف الكثير من الاخطاء
    ولعابي عاجز عن السيل
    في فمي حنجرة عزلاء
    عندي يد واحدة صالحة للاستخدام
    والثانية تستعمل لمراسيم الوداع وحده
    لو كنت أملك موهبة كافية
    لقرأت قصائدي على اشباح
    ترطن بأكثر من لغة
    ولأنني فاشل إلى هذه الدرجة
    اكتب أشعاري ببساطة اسمال تلبسني
    ولا اكترث باي مجد!

  • شريف رزق –  أنتَ، أيّها القبر المتجوّل

    شريف رزق – أنتَ، أيّها القبر المتجوّل

    The Focus Tombs
    Paul Delvaux

    وستنهار كثيرًا أيضًا، على الأرض ذاتها، في كل مرّة، على الأرض المهيأة للسقوط مثلك، ستنهار معك أحجار لا تعرفها، وسماوات رفعتها الجسارة، ستنهار أصص، وهي تأتي مدفوعة إلى قوة ارتجاجك الأخير، قبل هذا، وأنت على عرشك المرصّع بنهود نضيدة، ستأمر : ائتوني بأخ له من أبيه، سيندفع الولد النافر كصدر فتاتك، بدفع من الأيدي المغسولة بالخيانات، ستنهار كثيرًا، وسيأتي الورثة المزعومون، يفتشون عن كنوزك التي ستنهار فيك، سيحفرونك، يحفرونك أو قد لا يجييء الورثة مهطعين، قد لا يودعك الغبار، وفتاتك؟ فتاتك أيضًا ستنهار، سيأتي العمال المتغبرون ويمشون في انهيارك، ناشجين، وقد لا تنهار تمامًا هذا المساء، كم يكفيك من الخيانات إذًا في هذا المساء؟ وكم يكفيك حتى ينهار الانهيار الأخير؟ . . .

    كل شيء على حاله، كالأمس
    تمامًا، على حاله
    فلماذا، أنت منقبض إذًا هذا المساء؟ . . .

    وستتبعك الأنقاض أيضًا، ستتبعك الأحراش، والأصدقاء الميتون، ستتبعك الحجرات، والمقابر، والينابيع أيضًا، وستتبعك أنت أيضًا، لماذا دائمًا تقدمك الهزائم؟ . . .

    كم ستحتاج من النساء أيها القلب الأخير
    لتستند عن السقوط الأخير؟ . . .

    أنا القبر الأخير
    أنا القبر المتحرك في الفضاء ينثر موتاه، هديتي لكم القيامة، أنا القبر الأعمى، هذه الممالك المذهولة في الماء، هذه النساء المتشحات بالسواد: جلابيب سود فارغات، ماضيات هذه المنازل العابرة في الشرود، هؤلاء المحاربون المتكئون على الجنون: فليتمهل هؤلاء جميعًا، فما ثم بعد هذا غير رجرجتي، ورجعة الموتى على حطام الكلمات إليكم كاملين، أنا القبر الذي يتنقل في السماوات والأرض، ويرجع موتاكم إليكم على أنقاضكم . . .

    اصعدي
    اصعدي قليلًا يا أنقاضي، واعلني حصارك، وأنت التي تتبرج فيك الخرائب، وتمتزج الدماء بالتماسيح، جندك مكتملون، وأنت هديرهم في الهدير، اقتربي، بزعفرانك وأفراسك، دوري بحصارك كيلا تفر من الشبابيك المدينة منك -وأنت في حصارك الأعمى- وتأوى إلى غار بعيد، انتبهي . . .

     

  • قصائد مختارة لـ حليمة الجبوري

    قصائد مختارة لـ حليمة الجبوري

    clay
    Clay Image

    1

    وعد

    وعدتك ان لا امرأة تحبك
    مثلي
    واليوم ندمت
    وعدتك ان أظل صغيرتك
    وللأسف اليوم كبرت
    وعدتك ان اكون بغيابك قوية
    وها أنا عند الغياب انكسرت
    وعدتك
    الاتبكي عيناي إلا شوقآ إليك
    وبعد ان خلعت قناعك
    تراني أبكي منك إليك

    2

    مصادره

    لاتصادر حق الزهور بفك اسر الصمت .
    فلكم بت اخيط فم الآه بابرة التعقل
    وخيط الصبر.
    حتى تفتق البوح.

    3
    ضحكة

    سقطت مني ضحكتي
    قرب قلبك ،
    هلا خبأتها لي???

    4

    آخر الزمان

    كم بكى التاريخ حضارته
    ومعاول الهدم تشج هامته
    هو آخر الزمان
    زمن التطاول وفيض الظلم
    فلاحقائب السفر تحوي مفاتيح السر
    ولا هي الحقائق تبل ريق العطشان لغد بهيج.

    5

    انتزاع

    كانتزاع إبرة من كرة صوف
    استحمت بالندى
    ينتزع العقل حبك من قلبي .
    لتشيعه الدموع
    ورماد الحسرة يتلقى العزاء.

  • يوسف وهبون – الرّجال يموتون لكنّهم لا يسقطُون| ترجمة: نجيب مبارك

    Kiyoshi Saito

     

     

    ترجمة نجيب مبارك لمقطع من قصيدة / كتاب الشاعر المغربي يوسف وهبون.

    هذه الحقيبةُ المنيعة
    كم من هروباتٍ تكبّدتْ بلا طائل
    بين جدران الحلم
    كم من صداماتٍ تحمّلتْ العِظام
    أمام حائط الغُدوات الهاربة
    إنّها حقيبةٌ مُتعبَة لكنّها تسحب
    تمسكُ الرجل من صدره
    ومن الوركين
    تضمّه وتسحبه
    لكي تبعدهُ عن مصيره
    وعن جسده
    عن جسد الرجل
    إنّها تفتح فجوةً في السماء
    لكي يتدلّى منها اللّيل
    ليلٌ سيخنق الصمت
    صمتَه القاطع
    ليلٌ بأظافر متلألئة
    يُغربلُ خدوشًا ناعمة
    على بطنِ العالم الشّرسة
    إنّها حقيبةٌ تسحب
    وتتقّطع أنفاسها لأنّها سحبت طويلًا
    يسيل الفجر كاللّعاب قبل الأوان
    ومن الثّقب الأسود اللّانهائي
    يطلّ الرأس
    تقدَّم
    افتح له ذراعيكَ وتقدّم
    نظّف جلدك من هذا الرّمل المتّسخ
    اِرفع جسدك وتقدَّم
    تقدّم مثل صحّةٍ متوقّدة
    نحو الرّأس الّذي يطلّ
    سيحكي لك الصّحارى الطويلة والحظّ العاثر
    الصباحات الرمادية وتُروسَ العطش
    سيروي لك فصول الرّبيع المجروحة
    والعزلة الّتي تقتل
    سيحكي لك الجدران الّتي رآها
    تنتصب في النفوس
    الشّموس الّتي رآها تسقط
    من شدّة الانتظار
    وحُمّى الرجل الّذي ينبح
    لكنّه لا يسقط
    لأنّ من هذه الحقيبة المتخلّى عنها
    يسقطُ الرجل واقفًا على قدميه
    مثل حطام في ذَهب الصحراء
    ثمّ يستلقي على ظهره
    ويرفع عينيه إلى السماء
    فيرى فمَه يمضغ السحاب
    وجهَه يمحو أطراف النجوم
    الرّجل الّذي صار بلا وَجه
    يضع رأسه بين يديه
    كي يفتح المسامّ الهائلة للنّدم
    للجروح القديمة الّتي تعجّ بها السماء
    لنقيق ضفادع جشعة
    يصمّ آذان الكون
    الرّجل وحيدٌ
    في صحراء العالم
    جسده منقسمٌ
    مثل سحلّية صَعقها الرّعد
    تقدَّم
    تقدّم نحوها
    فُكّ قيدَ يديها المغلولتين إلى جبينها
    المثقلِ بالعار
    الصِق من جديد قطعتيّ هيكلها المتعفّن
    اقتلع من ظهرها الأوهام الّتي تسحق
    وانظر إليها
    أعضاؤها مصبوغةٌ بالسّخام والحروق
    ومن جلدها تطير حشرات سوداء
    تجري في كلّ اتجاه
    تقدّم
    أسرع لتضع نفسك عكّازًا
    للرّجل الوحيد في الصحراء
    وأشعل من جديد في عينيه
    النّهارَ الّذي يستسلم
    انتظِر حتّى يتنفّس
    وأنصِت إليه
    سيحكي لك عن متاهاتِ الخوف
    وعن الوجه المجعّدِ للسنوات
    الّتي تمضي ببطء
    سيحكي لك عن الأحلام المتفحّمة
    والنّفوس المشنوقة على حدود الروح
    سيحكي أنّه شهد الانتظارَ ينزف
    والأيّامَ تمحو الأيام
    والرّجال يدوسون الرجال
    سيحكي لك عن المستنقعات
    الّتي مرّ بها
    والحيوات الّتي رآها تتعفّن
    تحت النجوم العمياء
    المتهاوية ببطء.

    *يوسف وهبون من أبرز الأسماء الشابة التي تكتب باللغة الفرنسية حاليًا في المغرب. ولد في الرباط حيث يقيم حتّى الآن. هو شاعر وروائي وفنان تشكيلي. يعمل أستاذًا جامعيًا للجماليات المقارنة وتاريخ الفن. صدرت له في الشعر “عناقات جوفاء” عن دار “لامارتان” بباريس عام 2001، و”الرجال يموتون لكنّهم لا يسقطون” الذي تضمن أيضًا لوحات للكاتب والفنان المغربي ماحي بينبين، وفي القصة القصيرة “يجب اغتيال اللوحة”، وفي الرواية “ثلاثة أيام والعدم”، وكلها صدرت عن دار مرسم بالرباط.

    النص ترجمة لمقطع من “الرجال يموتون لكنهم لا يسقطون” الذي صدر عام 2015.

    المصدر: العربي الجديد

  • تشارلز سيميك – وقع الخطوات

    تشارلز سيميك – وقع الخطوات

    أحدهم يخطو على الثلج :
    صوت قديم . أتراهم المغول يهاجرون ثانية ؟
    أترانا ، مجددا سنعلّقُ العذراوات
    على أشجار جرداء ، وننهب الكنائس ،
    ونغتصب الأرامل في الثلوج العميقة ؟
    ربما آن الأوان ثانية
    لنعود إلى الغابات وحقول الثلج ،
    لنعيش وحدنا ونقتل الذئاب بأيدينا ،
    حتى تصبح آخر كلمة وآخر صوت
    من لغتنا المنطوقة هذه
    في عداد النسيان .

    ترجمة سامر أبو هواش – العودة إلى مكان مضاء بكوب حليب

  • لوركا – ثلاث قصائد من ترجمة ناديا ظافر شعبان

    لوركا – ثلاث قصائد من ترجمة ناديا ظافر شعبان

    1
    “غزالة الهروب”

    ضعت مرات كثيرة في البحر،
    أذني مليئة بأزهار مقطوفة للتو،
    ولساني مليء بحجب وباحتضار.
    ضعت مرات كثيرة في البحر،
    كما أضيع في قلب بعض الأطفال.

    ليس هناك من ليلة لا يشعر فيها المرء،
    بابتسامة أناس بلا وجوه،وهو يعطي قبلة،
    وليس هناك من أحد، ينسى الجماجم الجامدة،
    للأحصنة الميتة ،وهو يداعب وليداً.

    لأن الورود تبحث في الجبين
    عن منظر قاسٍ لعظم،
    ليس لأيدي البشر اتجاه،
    غير تقليد الجذور في باطن الأرض.

    كما أضيع في قلب بعض الأطفال،
    ضعت مرات عديدة البحر.
    جاهلاً للماء،أمضي مفتشاً
    عن موت من ضوء يفنيني.

    2
    “قصيدة جريح المياه”

    أريد أن أهبط إلى البئر،
    أريد أن أتسلق جدران غرناطة،
    لأنظر إلى القلب المثقوب ،
    بمخرز المياه المظلم.

    كان الطفل الجريح يئن،
    وتاجه من صقيع.
    كانت برك، جبب، وينابيع،
    تسل سيوفها في وجه الريح.
    أي، أي جنون حب ، أي خنجر جارح ،
    أي ضجيج ليلي، أي موت أبيض!
    أي صحارى ضوء، كانت تحفر
    رمال الفجر! كان الطفل وحده،
    والمدينة غافية في حنجرته.
    فوارة مياه آتية من الأحلام،
    تحميه من الجوع، والطحلب،
    كان الطفل واحتضاره، وجهاً لوجه،
    مطرين أخضرين متعانقين.
    كان الطفل يتمدد على الأرض،
    ويحدودب ظهر احتضاره.

    أريد أن أهبط إلى البئر،
    أريد أن أموت موتي ، جرعة جرعة،
    أريد أن أملأ قلبي طحلباً،
    حتى أرى جريح المياه.
    3
    “قصيدة البكاء”

    أغلقت شرفتي،
    لأني لا أريد أن أسمع البكاء
    إلا أن وراء الجدران الرمادية،
    لا يسمع شيء غير البكاء.

    هناك ملائكة قليلة تغني،
    هناك كلاب قليلة تنبح،
    يسقط ألف كمان في راحة يدي.

    لكن البكاء كلب ضخم،
    البكاء كمان ضخم،
    الدموع تكم فم الريح،
    ولا يسمع شيء غير البكاء.

  • مسرحية الإسكافية العجيبة -فيديركو جارثيا لوركا – علي خليفة.

    مسرحية الإسكافية العجيبة -فيديركو جارثيا لوركا – علي خليفة.

    لوركا من ألمع كتاب المسرح في العصر الحديث إلى جانب كونه شاعرًا كبيرًا، وقد عاش أكثر حياته في موطنه أسبانيا، ومات وهو شاب مقتولاً خلال الحرب الأهلية بها، وعلى الرغم من حياته القصيرة فله إنتاج أدبي ليس بالقليل، وأخذ صورة العالمية، فقد ترجمت أشعاره ومسرحياته لكثير من لغات العالم. ويغلب على أكثر مسرحياته إظهار المآسي فيها، وهي تصور الريف الأسباني في مطلع القرن العشرين بأسلوب المأساة، وتنتهي هذه المآسي بالموت، كما نرى في التراجيديا اليونانية، وتراجيديات شكسبير، ومن مسرحيات لوركا المأساوية مسرحية “يرما” ومسرحية “الزفاف الدامي” ومسرحية “بيت بيرناردا ألبا”.
    وتتفق مسرحية “الإسكافية العجيبة” مع المسرحيات السابقة في تصويرها الريف الأسباني في مطلع القرن العشرين – وتتشابه حياة الناس وطباعهم فيه إلى حد ما مع طباع المصريين لا سيما في الريف – ولكن تختلف هذه المسرحية عن مسرحياته السابقة في أنها يغلب عليها روح الملهاة.
    وتجري أحداث هذه المسرحية في دكان إسكاف كبير في السن نوعًا ما، وهو شخص طيب القلب يحب الهدوء والضحك، وقد نصحته أخته أن يتزوج، وقالت له: إنها لن تعيش له طوال العمر. وعمل بنصيحتها فتزوج على كبر سنه من فتاة فقيرة، ولكنها شابة جميلة في نحو الثامنة عشرة من عمرها.
    وعلى الرغم من أنه لم يمضِ وقت طويل على زواجه منها فقد أتعبه عشرتها، فهي دائمة الشجار معه، وتقف أمام النافذة تتحدث مع كل من يمر أمامها خاصة من الشبان الذين يغازلونها، ويأتي العمدة لدكان الإسكافي ويشكو له الإسكافي سلوك زوجته، ويقول له العمدة: لقد تزوجت على التوالي أربع فتيات حسناوات، وقد متن كلهن، وعشت معهن حياة سعيدة؛ لأني كنت أقومهن بهذه العصا، فيقول له الإسكافي: أما أنا فلست عمدة، وليس عندي عصا.
    ويضايق الإسكافي الإشاعات التي تتردد عن زوجته، وتتهمها في شرفها، ولا يدري مدى صحتها، ويقرر أن يرحل، ويترك دكانه وزوجته والبلد الذي يعيش فيه، ويتجول في البلاد حكاء يحكي القصص الشعبية من مختلف بلاد العالم.
    ونرى الإسكافية في الفصل الثاني وقد حولت الدكان لمقهى صغير تبيع فيه المشروبات، كالقهوة، ويأتي لها أحد الشباب في المقهى، ويحاول أن يغازلها ولكنها تصرفه عنها، وكذلك يأتيها العمدة، ويعبر لها عن إعجابه بجمالها، وتصده أيضًا، وتستنكر على العمدة أن يدع النساء العجائز يلسن عليها ويؤلفن أغنية عن هجر زوجها لها، ويدخل زوجها الإسكافي مقهاها متنكرًا في هيئة حكاء، ويغير صوته، ويحكي بعض القصص القصيرة عن نساء خدعن أزواجهن، وترحب الإسكافية بزوجها دون أن تعرف حقيقته، ويحكي لها عن فراقه زوجته ويقول إنها تعيش في بلد آخر، وتتعاطف معه، وتصارحه بحبها لزوجها، وأنها عفيفة تطرد كل طامع فيها، وفي اللحظة التي يتجمع فيها النساء العجائز لطردها من بيتها لإعجاب كثير من الرجال بها ولتقاتلهم بسببها
    – يكشف زوجها عن شخصيته الحقيفية لها، وهنا تقول له: تركتني أيها الوغد وحيدة، ويرد عليها: عدت إليك يا حبي وعدت لبيتي الحبيب. وعند ذلك تواجه النساء المتجمهرات أمام بيتها في زهو، ويقف إلى جوارها زوجها، ثم تعود لتوبيخه، كما كان حالها معه قبل سفره، وتقول له: لقد وضعتني في هذا الموقف مع هؤلاء النساء المزعجات. وتنعى حظها – كما كانت تفعل من قبل – لزواجها منه، وتنتنهي المسرحية بقولها: يا لي من بائسة!
    وتتشابه شخصية الإسكافية مع شخصية “يرما” في أنهما شابتان غير منجبتين لعدم قدرة زوجيهما على الإنجاب، ومع أنهما تتمنيان الإنجاب وتعرفان أن زوجيهما هما السبب في عدم الإنجاب فإنهما شريفتان رغم كثرة الإشاعات التي تقال عنهما.
    وشخصية الإسكافية نمط كوميدي للمرأة السليطة اللسان التي
    لا يكاد يسلم أحد من لسانها خاصة زوجها – الذي تتعارض شخصيته مع شخصيتها فهو يحب الهدوء وعدم الشجار – وبسبب طبيعتها هذه ولجمالها لإعجاب كثير من الشباب بها تتعارك مع كثير من النساء خاصة العجائز، وتكثر الإشاعات عنها.
    وهي مع سلاطة لسانها وكثرة شغبها لزوجها فإنها في داخلها تحبه، وتكتشف هذه الحقيقة عندما يهجرها، وتتمنى عند ذلك عودته، ولكنه ما إن يظهر لها حقيقته بأنه ليس حكاء بل زوجها حتى تعود نمرة شرسة معه من جديد وتصلقه بلسانها.
    وقد أجاد لوركا رسم هذه الشخصية القريبة من النمط، وأجاد كذلك في تصوير العمدة الشهواني الذي تزوج أربع نساء على التوالي ومِتْنَ عنه، وما زال يرغب في النساء ومعاكستهن مع كبر سنه.
    وكذلك برع لوركا في رسم شخصية الإسكافي الذي يترك عمله وبلده هربًا من زوجته الكثيرة التبرم والتي تحوم حولها شبهات كثيرة، ويتنكر
    في هيئة حكاء، ونراه يجيد الحكي، ويجعل حكاياته عن نساء متمردات
    أو خائنات؛ ليرى انطباعات زوجته على هذه الحكايات، ويعرف مدى وفائها له.
    وأخيرًا فهذه المسرحية من أروع مسرحيات لوركا، ومن أكثرها عرضًا في مسارح العالم.

  • الضاحك – قصة قصيرة للكاتب الألماني هاينريش بول – ترجمة: بكاي كطباش

    الضاحك – قصة قصيرة للكاتب الألماني هاينريش بول – ترجمة: بكاي كطباش

    عندما أُسأل عن مهنتي يتملكني شعور حاد بالإحراج : وجهي يحمر، أتلعثم، أنا الذي ينظر إلي الجميع كشخص واثق من نفسه الى أبعد الحدود. أحسد الناس الذين بوسعهم الإجابة هكذا: أنا بنّاء. أنا مصفف شعر، محاسب، كاتب. أحسدهم على البساطة التي بها يجيبون، ذلك أن جميع هذه المهن تشرح نفسها بنفسها ولا تستدعي توضيحات مسهبة. أنا، بالمقابل، أجدني مضطرا للإجابة على أسئلة من هذا القبيل هكذا : أنا ضَاحِك. اعتراف من هذا النّوع يستدعي اعترافا آخر، كوني مجبر على الإجابة بصدق عن سؤال إضافي :” هل تكسب لقمة عيشك من هذا العمل” بالإيجاب.
    أنا فعلا أعيش من ضحكي، بل أستطيع القول إنني أعيش بشكل جيد، ذلك أن ضحكي، بتعبير تجاري، مطلوب في السّوق.
    أنا ضاحك جيد، ضاحك محنك، لا أحد بوسعه مجاراتي في الضّحك، لا أحد بوسعه السيطرة على الفروقات الدقيقة لهذا الفنّ مثلما أفعل .
    لفترة طويلة قدمت نفسي- تحاشيا للتفسيرات المزعجة- بوصفي ممثلا، غير أن تعبيرات وجهي ومهارات التحدث لدي من المحدودية بحيث تجعل هذا التوصيف يبدو منافيا للحقيقة : أنا ضاحك. لست مهرجا ولا فنانا فكاهيا، أنا لا أبهج الناس، أنا أعرض البهجة: أضحك مثل إمبراطور روماني أو مثل خريج مدرسة ثانوية مرهف الإحساس، ضحك القرن 17 مألوف لدي تماما مثل ضحك القرن19 وإذا اقتضى الأمر فإنه بمقدوري أن أَضحَكَ كلّ العصُور، كل الطّبقات الإجتماعية، كل الفئات العمرية : لقد تعلمت كل هذا كما يتعلم المرء ربط الأحذية. الضحك على الطريقة الأمريكية يترجرج في صدري، على الطريقة الإفريقية: ضحك أبيض، أحمر، أصفر- ومقابل قدر معين من المال بإمكاني أن أجعله يتعالى وفقا لرغبة متعهد العرض بالضبط.

    لقد صرت شخصا لا غنى عنه، أضحك في الأسطوانات، في الأشرطة المسجلة، ومديرو المسرحيات الإذاعية يعاملونني بكل تقدير واحترام. أنا أضحك بمزاج سيء، بمزاج معتدل، بشكل هستيري ، أضحك مثل سائق مترو أو كمتدرب في قسم مصنع أغذية ؛ ضحك الصّباح، ضحك المساء، الضحك الليلي وضحك أول الفجر، باختصار: حيثما وحالما يحتاج إلى ًالضحك، فإنني أقوم بذلك على أكمل وجه.

    سوف تصدقونني إن قلت بأن مهنة من هذا النوع مجهدة، خاصة أنه علي، وهنا مربط الفرس، أن أتحكم أيضاً في عدوى الضّحك؛ و بالنتيجة، صرت شخصا لا غنى عنه حتى بالنسبة للكوميديين من الدرجتين الثالثة والرابعة ، أولئك الذين كانوا يرتجفون ، ولهم العذر، خوفا من أن يفلت منهم عنصر المفاجأة في القفلة النهائية. فقد كنت أجلس كل ليلة تقريبا في قاعة الموسيقى كمصفق مستأجر، لأجل أن أشيع عدوى الضحك بين المشاهدين كلّما طفت على السطح النقاط الضعيفة للبرنامج.
    يتعين أن يحدث كلّ شيء بدقة :ضحكي العميق المجلجل يجب أن يتم لا قبل الأوان ولا بعده، بل في الوقت المناسب تماما : عندئذ أنفجر ضاحكا وفقا للخطة المرسومة ، فيتعالى هدير الجمهور مع ضحكي ،وتنجح القفلة.
    وعلى الفور أهرول مرهقا إلى غرفة تغيير الملابس، ألقي علي معطفي متنفسا الصعداء أخيرا لأنني أتممت عملي. وحين أصل إلى البيت غالبا ما أجد برقيات بانتظاري:” بحاجة إلى ضحكك. التسجيل يوم الثلاثاء”. وبعد ساعات قليلة أكون جالسا في قطار شديد الحرارة، أندب حظّي.

    بإمكان أي كان أن يدرك أنني لا أميل كثيراً إلى الضحك بعد أوقات العمل وأثناء العطل: يشعر المزارع بالسرور عندما يكون بإمكانه نسيان البقرة ، ويبتهج البناء عندما يكون بإمكانه نسيان لوح الملاط، والنجّارون غالبا ما توجد في بيوتهم أبواب مكسورة، أو أدراج لا تفتح إلا بشق الأنفس. بائعو الحلويات يحبون المخللات، الجزّارون يحبون المارصبان، الخباز يفضل النقانق على الخبز، مصارعو الثيران يحبون تربية الحمام، الملاكمون يعتلي وجوههم الشحوب حين يصاب أبناؤهم بالرعاف، أفهم كل هذه الأمور، ذلك أنني لا أضحك إطلاقا بعد العمل. أنا إنسان مفرط في الجدية، حتّى أنهم يعتبرونني، ربما عن حق، متشائما.
    في السنوات الأولى من زواجنا غالبا ما كانت زوجتي تقول لي:”إضحك قليلا يا رجل!”، لكن ، بمرور الوقت، إتضح لها أنني لا أستطيع أن أحقق لها هذه الرّغبة.

    أشعر بالسّعادة عندما أسمح لعضلات وجهي المتشنّجة وذهني المجهد بالإسترخاء من خلال التحلّي بجدية عميقة . أجل! حتّى ضحك الآخرين يصيبني بالتّوتّر، لأنه يذكرني ، بشكل ملحّ، بمهنتي. ومع ذلك أزعم أني أصبحت أعيش حياة هادئة، زواجا يسوده السّلام، ذلك ان زوجتي بدورها تعلّمت الضّحك: يحدث أن أضبطها، من وقت لآخر، متلبّسة بابتسامة، حينها أبتسم بدوري. إعتدنا على الحديث بصوت خافت، فأنا أكره ضوضاء قاعات الموسيقى، أكره الضوضاء التي تعلو في ممرات الإستقبال. الناس الذين لا يعرفونني يعتبرونني إنسانا مغلقا على ذاته. ربما كنت كذلك، لأنني غالبا ما أكون مجبرا على فتح فمي لأضحك.

    هكذا بسحنة خالية من أي تعبير صرت أقضي حياتي المقدرة لي على الأرض. فقط يحدث، من حين لآخر، أن أسمح لنفسي بابتسامة لطيفة، وكثيرا ما أتساءل عما إذا كنت يوما ما قد ضحكت بالمرة . أعتقد: لا. إخوتي يحرصون على القول بأنني كنت على الدوام ولدا جادّا إلى أبعد الحدود.
    خلاصة القول: صرت أعرف الضحك بشتى الطرق، غير أني لا أعرف ضحكي الخاص.