وعدتك ان لا امرأة تحبك
مثلي
واليوم ندمت
وعدتك ان أظل صغيرتك
وللأسف اليوم كبرت
وعدتك ان اكون بغيابك قوية
وها أنا عند الغياب انكسرت
وعدتك
الاتبكي عيناي إلا شوقآ إليك
وبعد ان خلعت قناعك
تراني أبكي منك إليك
2
مصادره
لاتصادر حق الزهور بفك اسر الصمت .
فلكم بت اخيط فم الآه بابرة التعقل
وخيط الصبر.
حتى تفتق البوح.
3
ضحكة
سقطت مني ضحكتي
قرب قلبك ،
هلا خبأتها لي???
4
آخر الزمان
كم بكى التاريخ حضارته
ومعاول الهدم تشج هامته
هو آخر الزمان
زمن التطاول وفيض الظلم
فلاحقائب السفر تحوي مفاتيح السر
ولا هي الحقائق تبل ريق العطشان لغد بهيج.
5
انتزاع
كانتزاع إبرة من كرة صوف
استحمت بالندى
ينتزع العقل حبك من قلبي .
لتشيعه الدموع
ورماد الحسرة يتلقى العزاء.
ترجمة نجيب مبارك لمقطع من قصيدة / كتاب الشاعر المغربي يوسف وهبون.
هذه الحقيبةُ المنيعة
كم من هروباتٍ تكبّدتْ بلا طائل
بين جدران الحلم
كم من صداماتٍ تحمّلتْ العِظام
أمام حائط الغُدوات الهاربة
إنّها حقيبةٌ مُتعبَة لكنّها تسحب
تمسكُ الرجل من صدره
ومن الوركين
تضمّه وتسحبه
لكي تبعدهُ عن مصيره
وعن جسده
عن جسد الرجل
إنّها تفتح فجوةً في السماء
لكي يتدلّى منها اللّيل
ليلٌ سيخنق الصمت
صمتَه القاطع
ليلٌ بأظافر متلألئة
يُغربلُ خدوشًا ناعمة
على بطنِ العالم الشّرسة
إنّها حقيبةٌ تسحب
وتتقّطع أنفاسها لأنّها سحبت طويلًا
يسيل الفجر كاللّعاب قبل الأوان
ومن الثّقب الأسود اللّانهائي
يطلّ الرأس
تقدَّم
افتح له ذراعيكَ وتقدّم
نظّف جلدك من هذا الرّمل المتّسخ
اِرفع جسدك وتقدَّم
تقدّم مثل صحّةٍ متوقّدة
نحو الرّأس الّذي يطلّ
سيحكي لك الصّحارى الطويلة والحظّ العاثر
الصباحات الرمادية وتُروسَ العطش
سيروي لك فصول الرّبيع المجروحة
والعزلة الّتي تقتل
سيحكي لك الجدران الّتي رآها
تنتصب في النفوس
الشّموس الّتي رآها تسقط
من شدّة الانتظار
وحُمّى الرجل الّذي ينبح
لكنّه لا يسقط
لأنّ من هذه الحقيبة المتخلّى عنها
يسقطُ الرجل واقفًا على قدميه
مثل حطام في ذَهب الصحراء
ثمّ يستلقي على ظهره
ويرفع عينيه إلى السماء
فيرى فمَه يمضغ السحاب
وجهَه يمحو أطراف النجوم
الرّجل الّذي صار بلا وَجه
يضع رأسه بين يديه
كي يفتح المسامّ الهائلة للنّدم
للجروح القديمة الّتي تعجّ بها السماء
لنقيق ضفادع جشعة
يصمّ آذان الكون
الرّجل وحيدٌ
في صحراء العالم
جسده منقسمٌ
مثل سحلّية صَعقها الرّعد
تقدَّم
تقدّم نحوها
فُكّ قيدَ يديها المغلولتين إلى جبينها
المثقلِ بالعار
الصِق من جديد قطعتيّ هيكلها المتعفّن
اقتلع من ظهرها الأوهام الّتي تسحق
وانظر إليها
أعضاؤها مصبوغةٌ بالسّخام والحروق
ومن جلدها تطير حشرات سوداء
تجري في كلّ اتجاه
تقدّم
أسرع لتضع نفسك عكّازًا
للرّجل الوحيد في الصحراء
وأشعل من جديد في عينيه
النّهارَ الّذي يستسلم
انتظِر حتّى يتنفّس
وأنصِت إليه
سيحكي لك عن متاهاتِ الخوف
وعن الوجه المجعّدِ للسنوات
الّتي تمضي ببطء
سيحكي لك عن الأحلام المتفحّمة
والنّفوس المشنوقة على حدود الروح
سيحكي أنّه شهد الانتظارَ ينزف
والأيّامَ تمحو الأيام
والرّجال يدوسون الرجال
سيحكي لك عن المستنقعات
الّتي مرّ بها
والحيوات الّتي رآها تتعفّن
تحت النجوم العمياء
المتهاوية ببطء.
*يوسف وهبون من أبرز الأسماء الشابة التي تكتب باللغة الفرنسية حاليًا في المغرب. ولد في الرباط حيث يقيم حتّى الآن. هو شاعر وروائي وفنان تشكيلي. يعمل أستاذًا جامعيًا للجماليات المقارنة وتاريخ الفن. صدرت له في الشعر “عناقات جوفاء” عن دار “لامارتان” بباريس عام 2001، و”الرجال يموتون لكنّهم لا يسقطون” الذي تضمن أيضًا لوحات للكاتب والفنان المغربي ماحي بينبين، وفي القصة القصيرة “يجب اغتيال اللوحة”، وفي الرواية “ثلاثة أيام والعدم”، وكلها صدرت عن دار مرسم بالرباط.
النص ترجمة لمقطع من “الرجال يموتون لكنهم لا يسقطون” الذي صدر عام 2015.
—
المصدر: العربي الجديد
أحدهم يخطو على الثلج : صوت قديم . أتراهم المغول يهاجرون ثانية ؟ أترانا ، مجددا سنعلّقُ العذراوات على أشجار جرداء ، وننهب الكنائس ، ونغتصب الأرامل في الثلوج العميقة ؟ ربما آن الأوان ثانية لنعود إلى الغابات وحقول الثلج ، لنعيش وحدنا ونقتل الذئاب بأيدينا ، حتى تصبح آخر كلمة وآخر صوت من لغتنا المنطوقة هذه في عداد النسيان .
ترجمة سامر أبو هواش – العودة إلى مكان مضاء بكوب حليب
ضعت مرات كثيرة في البحر،
أذني مليئة بأزهار مقطوفة للتو،
ولساني مليء بحجب وباحتضار.
ضعت مرات كثيرة في البحر،
كما أضيع في قلب بعض الأطفال.
ليس هناك من ليلة لا يشعر فيها المرء،
بابتسامة أناس بلا وجوه،وهو يعطي قبلة،
وليس هناك من أحد، ينسى الجماجم الجامدة،
للأحصنة الميتة ،وهو يداعب وليداً.
لأن الورود تبحث في الجبين
عن منظر قاسٍ لعظم،
ليس لأيدي البشر اتجاه،
غير تقليد الجذور في باطن الأرض.
كما أضيع في قلب بعض الأطفال،
ضعت مرات عديدة البحر.
جاهلاً للماء،أمضي مفتشاً
عن موت من ضوء يفنيني.
2
“قصيدة جريح المياه”
أريد أن أهبط إلى البئر،
أريد أن أتسلق جدران غرناطة،
لأنظر إلى القلب المثقوب ،
بمخرز المياه المظلم.
كان الطفل الجريح يئن،
وتاجه من صقيع.
كانت برك، جبب، وينابيع،
تسل سيوفها في وجه الريح.
أي، أي جنون حب ، أي خنجر جارح ،
أي ضجيج ليلي، أي موت أبيض!
أي صحارى ضوء، كانت تحفر
رمال الفجر! كان الطفل وحده،
والمدينة غافية في حنجرته.
فوارة مياه آتية من الأحلام،
تحميه من الجوع، والطحلب،
كان الطفل واحتضاره، وجهاً لوجه،
مطرين أخضرين متعانقين.
كان الطفل يتمدد على الأرض،
ويحدودب ظهر احتضاره.
أريد أن أهبط إلى البئر،
أريد أن أموت موتي ، جرعة جرعة،
أريد أن أملأ قلبي طحلباً،
حتى أرى جريح المياه.
3
“قصيدة البكاء”
أغلقت شرفتي،
لأني لا أريد أن أسمع البكاء
إلا أن وراء الجدران الرمادية،
لا يسمع شيء غير البكاء.
هناك ملائكة قليلة تغني،
هناك كلاب قليلة تنبح،
يسقط ألف كمان في راحة يدي.
لكن البكاء كلب ضخم،
البكاء كمان ضخم،
الدموع تكم فم الريح،
ولا يسمع شيء غير البكاء.
لوركا من ألمع كتاب المسرح في العصر الحديث إلى جانب كونه شاعرًا كبيرًا، وقد عاش أكثر حياته في موطنه أسبانيا، ومات وهو شاب مقتولاً خلال الحرب الأهلية بها، وعلى الرغم من حياته القصيرة فله إنتاج أدبي ليس بالقليل، وأخذ صورة العالمية، فقد ترجمت أشعاره ومسرحياته لكثير من لغات العالم. ويغلب على أكثر مسرحياته إظهار المآسي فيها، وهي تصور الريف الأسباني في مطلع القرن العشرين بأسلوب المأساة، وتنتهي هذه المآسي بالموت، كما نرى في التراجيديا اليونانية، وتراجيديات شكسبير، ومن مسرحيات لوركا المأساوية مسرحية “يرما” ومسرحية “الزفاف الدامي” ومسرحية “بيت بيرناردا ألبا”.
وتتفق مسرحية “الإسكافية العجيبة” مع المسرحيات السابقة في تصويرها الريف الأسباني في مطلع القرن العشرين – وتتشابه حياة الناس وطباعهم فيه إلى حد ما مع طباع المصريين لا سيما في الريف – ولكن تختلف هذه المسرحية عن مسرحياته السابقة في أنها يغلب عليها روح الملهاة.
وتجري أحداث هذه المسرحية في دكان إسكاف كبير في السن نوعًا ما، وهو شخص طيب القلب يحب الهدوء والضحك، وقد نصحته أخته أن يتزوج، وقالت له: إنها لن تعيش له طوال العمر. وعمل بنصيحتها فتزوج على كبر سنه من فتاة فقيرة، ولكنها شابة جميلة في نحو الثامنة عشرة من عمرها.
وعلى الرغم من أنه لم يمضِ وقت طويل على زواجه منها فقد أتعبه عشرتها، فهي دائمة الشجار معه، وتقف أمام النافذة تتحدث مع كل من يمر أمامها خاصة من الشبان الذين يغازلونها، ويأتي العمدة لدكان الإسكافي ويشكو له الإسكافي سلوك زوجته، ويقول له العمدة: لقد تزوجت على التوالي أربع فتيات حسناوات، وقد متن كلهن، وعشت معهن حياة سعيدة؛ لأني كنت أقومهن بهذه العصا، فيقول له الإسكافي: أما أنا فلست عمدة، وليس عندي عصا.
ويضايق الإسكافي الإشاعات التي تتردد عن زوجته، وتتهمها في شرفها، ولا يدري مدى صحتها، ويقرر أن يرحل، ويترك دكانه وزوجته والبلد الذي يعيش فيه، ويتجول في البلاد حكاء يحكي القصص الشعبية من مختلف بلاد العالم.
ونرى الإسكافية في الفصل الثاني وقد حولت الدكان لمقهى صغير تبيع فيه المشروبات، كالقهوة، ويأتي لها أحد الشباب في المقهى، ويحاول أن يغازلها ولكنها تصرفه عنها، وكذلك يأتيها العمدة، ويعبر لها عن إعجابه بجمالها، وتصده أيضًا، وتستنكر على العمدة أن يدع النساء العجائز يلسن عليها ويؤلفن أغنية عن هجر زوجها لها، ويدخل زوجها الإسكافي مقهاها متنكرًا في هيئة حكاء، ويغير صوته، ويحكي بعض القصص القصيرة عن نساء خدعن أزواجهن، وترحب الإسكافية بزوجها دون أن تعرف حقيقته، ويحكي لها عن فراقه زوجته ويقول إنها تعيش في بلد آخر، وتتعاطف معه، وتصارحه بحبها لزوجها، وأنها عفيفة تطرد كل طامع فيها، وفي اللحظة التي يتجمع فيها النساء العجائز لطردها من بيتها لإعجاب كثير من الرجال بها ولتقاتلهم بسببها
– يكشف زوجها عن شخصيته الحقيفية لها، وهنا تقول له: تركتني أيها الوغد وحيدة، ويرد عليها: عدت إليك يا حبي وعدت لبيتي الحبيب. وعند ذلك تواجه النساء المتجمهرات أمام بيتها في زهو، ويقف إلى جوارها زوجها، ثم تعود لتوبيخه، كما كان حالها معه قبل سفره، وتقول له: لقد وضعتني في هذا الموقف مع هؤلاء النساء المزعجات. وتنعى حظها – كما كانت تفعل من قبل – لزواجها منه، وتنتنهي المسرحية بقولها: يا لي من بائسة!
وتتشابه شخصية الإسكافية مع شخصية “يرما” في أنهما شابتان غير منجبتين لعدم قدرة زوجيهما على الإنجاب، ومع أنهما تتمنيان الإنجاب وتعرفان أن زوجيهما هما السبب في عدم الإنجاب فإنهما شريفتان رغم كثرة الإشاعات التي تقال عنهما.
وشخصية الإسكافية نمط كوميدي للمرأة السليطة اللسان التي
لا يكاد يسلم أحد من لسانها خاصة زوجها – الذي تتعارض شخصيته مع شخصيتها فهو يحب الهدوء وعدم الشجار – وبسبب طبيعتها هذه ولجمالها لإعجاب كثير من الشباب بها تتعارك مع كثير من النساء خاصة العجائز، وتكثر الإشاعات عنها.
وهي مع سلاطة لسانها وكثرة شغبها لزوجها فإنها في داخلها تحبه، وتكتشف هذه الحقيقة عندما يهجرها، وتتمنى عند ذلك عودته، ولكنه ما إن يظهر لها حقيقته بأنه ليس حكاء بل زوجها حتى تعود نمرة شرسة معه من جديد وتصلقه بلسانها.
وقد أجاد لوركا رسم هذه الشخصية القريبة من النمط، وأجاد كذلك في تصوير العمدة الشهواني الذي تزوج أربع نساء على التوالي ومِتْنَ عنه، وما زال يرغب في النساء ومعاكستهن مع كبر سنه.
وكذلك برع لوركا في رسم شخصية الإسكافي الذي يترك عمله وبلده هربًا من زوجته الكثيرة التبرم والتي تحوم حولها شبهات كثيرة، ويتنكر
في هيئة حكاء، ونراه يجيد الحكي، ويجعل حكاياته عن نساء متمردات
أو خائنات؛ ليرى انطباعات زوجته على هذه الحكايات، ويعرف مدى وفائها له.
وأخيرًا فهذه المسرحية من أروع مسرحيات لوركا، ومن أكثرها عرضًا في مسارح العالم.
عندما أُسأل عن مهنتي يتملكني شعور حاد بالإحراج : وجهي يحمر، أتلعثم، أنا الذي ينظر إلي الجميع كشخص واثق من نفسه الى أبعد الحدود. أحسد الناس الذين بوسعهم الإجابة هكذا: أنا بنّاء. أنا مصفف شعر، محاسب، كاتب. أحسدهم على البساطة التي بها يجيبون، ذلك أن جميع هذه المهن تشرح نفسها بنفسها ولا تستدعي توضيحات مسهبة. أنا، بالمقابل، أجدني مضطرا للإجابة على أسئلة من هذا القبيل هكذا : أنا ضَاحِك. اعتراف من هذا النّوع يستدعي اعترافا آخر، كوني مجبر على الإجابة بصدق عن سؤال إضافي :” هل تكسب لقمة عيشك من هذا العمل” بالإيجاب. أنا فعلا أعيش من ضحكي، بل أستطيع القول إنني أعيش بشكل جيد، ذلك أن ضحكي، بتعبير تجاري، مطلوب في السّوق. أنا ضاحك جيد، ضاحك محنك، لا أحد بوسعه مجاراتي في الضّحك، لا أحد بوسعه السيطرة على الفروقات الدقيقة لهذا الفنّ مثلما أفعل . لفترة طويلة قدمت نفسي- تحاشيا للتفسيرات المزعجة- بوصفي ممثلا، غير أن تعبيرات وجهي ومهارات التحدث لدي من المحدودية بحيث تجعل هذا التوصيف يبدو منافيا للحقيقة : أنا ضاحك. لست مهرجا ولا فنانا فكاهيا، أنا لا أبهج الناس، أنا أعرض البهجة: أضحك مثل إمبراطور روماني أو مثل خريج مدرسة ثانوية مرهف الإحساس، ضحك القرن 17 مألوف لدي تماما مثل ضحك القرن19 وإذا اقتضى الأمر فإنه بمقدوري أن أَضحَكَ كلّ العصُور، كل الطّبقات الإجتماعية، كل الفئات العمرية : لقد تعلمت كل هذا كما يتعلم المرء ربط الأحذية. الضحك على الطريقة الأمريكية يترجرج في صدري، على الطريقة الإفريقية: ضحك أبيض، أحمر، أصفر- ومقابل قدر معين من المال بإمكاني أن أجعله يتعالى وفقا لرغبة متعهد العرض بالضبط.
لقد صرت شخصا لا غنى عنه، أضحك في الأسطوانات، في الأشرطة المسجلة، ومديرو المسرحيات الإذاعية يعاملونني بكل تقدير واحترام. أنا أضحك بمزاج سيء، بمزاج معتدل، بشكل هستيري ، أضحك مثل سائق مترو أو كمتدرب في قسم مصنع أغذية ؛ ضحك الصّباح، ضحك المساء، الضحك الليلي وضحك أول الفجر، باختصار: حيثما وحالما يحتاج إلى ًالضحك، فإنني أقوم بذلك على أكمل وجه.
سوف تصدقونني إن قلت بأن مهنة من هذا النوع مجهدة، خاصة أنه علي، وهنا مربط الفرس، أن أتحكم أيضاً في عدوى الضّحك؛ و بالنتيجة، صرت شخصا لا غنى عنه حتى بالنسبة للكوميديين من الدرجتين الثالثة والرابعة ، أولئك الذين كانوا يرتجفون ، ولهم العذر، خوفا من أن يفلت منهم عنصر المفاجأة في القفلة النهائية. فقد كنت أجلس كل ليلة تقريبا في قاعة الموسيقى كمصفق مستأجر، لأجل أن أشيع عدوى الضحك بين المشاهدين كلّما طفت على السطح النقاط الضعيفة للبرنامج. يتعين أن يحدث كلّ شيء بدقة :ضحكي العميق المجلجل يجب أن يتم لا قبل الأوان ولا بعده، بل في الوقت المناسب تماما : عندئذ أنفجر ضاحكا وفقا للخطة المرسومة ، فيتعالى هدير الجمهور مع ضحكي ،وتنجح القفلة. وعلى الفور أهرول مرهقا إلى غرفة تغيير الملابس، ألقي علي معطفي متنفسا الصعداء أخيرا لأنني أتممت عملي. وحين أصل إلى البيت غالبا ما أجد برقيات بانتظاري:” بحاجة إلى ضحكك. التسجيل يوم الثلاثاء”. وبعد ساعات قليلة أكون جالسا في قطار شديد الحرارة، أندب حظّي.
بإمكان أي كان أن يدرك أنني لا أميل كثيراً إلى الضحك بعد أوقات العمل وأثناء العطل: يشعر المزارع بالسرور عندما يكون بإمكانه نسيان البقرة ، ويبتهج البناء عندما يكون بإمكانه نسيان لوح الملاط، والنجّارون غالبا ما توجد في بيوتهم أبواب مكسورة، أو أدراج لا تفتح إلا بشق الأنفس. بائعو الحلويات يحبون المخللات، الجزّارون يحبون المارصبان، الخباز يفضل النقانق على الخبز، مصارعو الثيران يحبون تربية الحمام، الملاكمون يعتلي وجوههم الشحوب حين يصاب أبناؤهم بالرعاف، أفهم كل هذه الأمور، ذلك أنني لا أضحك إطلاقا بعد العمل. أنا إنسان مفرط في الجدية، حتّى أنهم يعتبرونني، ربما عن حق، متشائما. في السنوات الأولى من زواجنا غالبا ما كانت زوجتي تقول لي:”إضحك قليلا يا رجل!”، لكن ، بمرور الوقت، إتضح لها أنني لا أستطيع أن أحقق لها هذه الرّغبة.
أشعر بالسّعادة عندما أسمح لعضلات وجهي المتشنّجة وذهني المجهد بالإسترخاء من خلال التحلّي بجدية عميقة . أجل! حتّى ضحك الآخرين يصيبني بالتّوتّر، لأنه يذكرني ، بشكل ملحّ، بمهنتي. ومع ذلك أزعم أني أصبحت أعيش حياة هادئة، زواجا يسوده السّلام، ذلك ان زوجتي بدورها تعلّمت الضّحك: يحدث أن أضبطها، من وقت لآخر، متلبّسة بابتسامة، حينها أبتسم بدوري. إعتدنا على الحديث بصوت خافت، فأنا أكره ضوضاء قاعات الموسيقى، أكره الضوضاء التي تعلو في ممرات الإستقبال. الناس الذين لا يعرفونني يعتبرونني إنسانا مغلقا على ذاته. ربما كنت كذلك، لأنني غالبا ما أكون مجبرا على فتح فمي لأضحك.
هكذا بسحنة خالية من أي تعبير صرت أقضي حياتي المقدرة لي على الأرض. فقط يحدث، من حين لآخر، أن أسمح لنفسي بابتسامة لطيفة، وكثيرا ما أتساءل عما إذا كنت يوما ما قد ضحكت بالمرة . أعتقد: لا. إخوتي يحرصون على القول بأنني كنت على الدوام ولدا جادّا إلى أبعد الحدود. خلاصة القول: صرت أعرف الضحك بشتى الطرق، غير أني لا أعرف ضحكي الخاص.
في الليالي الموحشة /
يختبئُ القمر في جزّةِ العشب، يغلقُ الجارُ على أطفالهِ الباب، تكسلُ زوجتي، تسدلُ قلبي عليها وتنام / تتدحرجُ الجماجم من باب الخزانةِ، تعبث بالقبعات وقناني الكحول/ معارف يتجمهرون مثل دمى محشوة بالهول، يجذّفون في برَكِ الدموع، يرفعون الدفوف إلى فوق عيونهم، يملؤون فمي أحذية وعصافير ميتة/ كأن أحدهم نسيَ حياته في أيامي. في الليالي الموحشة/ تزحفُ الغاباتُ بأشجارها الجائعة إليّ، فأسي واقفة على أنفِها في الحديقةِ/ أكلتني.. أكلتني الشجرة.
يبدد الليل في التخطيط، ويدعي أنه متأهب في الصباح
***
إذا لم تعرف كيف تحب،
لماذا أيقظت قلبي النائم ؟
*****
يا إلهي، لا تدع امرأة تموت في المنفى
ستنسى اسمك، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة
لن تفكر سوى بمسقط رأسها.
*****
في يدي وردة تذبل
لا أعرف لمن أعطيها في هذه الأرض الغريبة.
****
” أشعار سرية تتناقلها شفاهياً نساء قبائل البشتون في أفغانستان، عبرن من خلالها عن ألوان من الرغبة واللهفة والألم والقلق والحرمان، والشغف بالطبيعة، هذه بعض المقاطع التي جمعها من مصادرها سيد بهاء الدين مجروح وترجمها إلى الفرنسية بمساعدة أندره فيلتير ”
عن مجلة “عمان الغد “
في الجحيم
ثمة رجال ونساء
ذوو وجوه حقيقية وسلوك واقعي
يتحدثون عن حوادث حقيقية.
في الجحيم ثمة رجال ونساء من جميع ممالك العالم
بعد القاء التحية والسؤال عن احوال بعضهم بعضا
يتحدثون عن عقائدهم.
في الجحيم رجال ونساء يتوادعون بمنتهى الأدب والاحترام
وعلى الأغلب بعبارة :”في أمان الله”.
لكنهم حين يحل الظلام
عوضا عن الصمت يفسدون الليل بصراخهم المؤلم
طاردين النوم من أعينهم
*
ترجمة: محمد الأمين
جاء الجواب بطيئا كله أمل وكل ما ارتجي في الظرف عنوان
جاء الخطاب عليلا مسه سقم وكل حرف عليه الحزن يقظان
حتى فضضت وريح اليأس تغمرني مضمخ الطيب يبدوا منه خذلان
ما لي اصدق شخصا قد لوى وأبى ويدعي في أن الحب كتمان
خبرته زمانا كي لا تدغدغني أنغام آهته والكون وسنان
أتيته ناشدا أن لا يودعني ويترك الأمر لا يجلوه برهان
قالت سمية لما جئت زائرها فنلتقي ربنا للحب أركان
نشدتك الله هل ما زلت حافظة لنا الوفاء وما في القلب ندمان
وأمرت قولة ذا الصب يصدقني لنرجعن وكل الناس حيران
أن العهود التي أعطيتها كذب وهذه حالنا مكر ونكران
نبدي البراءة والغزلان يصدقنا من كان يجهلنا والحسن فتان
أن الحياء التي قد كنت تحسبه علامة الصدق زور بل وبهتان
ولا الصفات التي تبدو ملونة من زخرف القول والتصنيع تحنان
فلا تلمني والفراق ولا فلا تأسف علي فما في الغدر إعلان
وما كنت أول من خانت بصاحبها فان بد ذنبنا يمحوه غفران
قالت أخي عرى الإسلام تجمعنا وكل ما بيننا في الله إخوان
قد قدر الله امرا كان منتظرا وكل ما قدر الرحمان إحسان
وهذه فرصة في العمر انشدها وليس لي دونها في الخلد رضوان
لقد بما يملي علي ولو بذلت جهدا لما حدوا وما كانوا
لذاك اطلب منك عذر في أسف لطالما جاء يسلي الروح إنسان
لو كنت صادقة في القول ما حدثت تلك المعاذير لا فالحب عرفان
ان القلوب اذا مالت لذي سعة فالحب أكذوبة والعيش حرمان
أين المبادئ أم أين الطموح إما اما يكفيك في حينها بالحق تبيان
صدقت أيتها الحسناء في كذب سبحان رب العلا في الخلق افنان
أطلاء ظاهرهم تسموا القداسة اذ تبدو على عجل والعقل سكران
يا عالي الشأن أحدثت من خطر يسدي علينا الأسى والقلب لهفان
أن الجروح التي أدميتها سفها يثور من نزفها كالنار بركان
ساسل الله أن تخبو حرارتها مني وتحرق من آذوا ومن خانوا
يا عاليا القدر أمري منك منفصل لقد جرحت وجرح الغدر طغيان
إنا السعيد لما مسني الضرر لك الإخاء وملئ القلب إيمان
ماذا تريد غير القلب مسالة أهديك ما حملت بالخير أكوان
تمشي على رسلها الدنيا على وجل وتنتهي أن يلقاك سلوان
لا تامنن حذار الدهر غانية يغنيك عن عطرها الفواح ريحان
هي الأمور كما شاهدتها الدول من زمن ساءته أزمان
مشيت فى ظلى حتى استوى صداي
ورتبت رغبتى التى سرقت ملمس العطش
واكتملت مرآتى لأول مرة
بعد أن هزمت اللاجدوى بالجوهر
وسبغت نكهة الغرق فى الحضور
حيث أمشى فى الوجوه بانتظام
وأمحو قسوة فطرة الفساد فى روحى
وأصنع مزاجا للجرح
بدون أن أخترع تكوينا جديدا
أو أطور تكوينا قديما
وأبحث عن جسد يؤنسنى فى الليل
بعد أن ضاجعت الله فى هويتى
لهذا لبؤة الزغب تسبق نافذة الحلم
ولهذا أيضا ستفهمنى كلمات غيرى
بدون أن تشهر بهواجس أوهامى .
هو ذا الفجر
الذى ينام على سريرى كل ليلة
ويحدق فى السقف معى
ولكنه لا يتبول إلا بالفناء الضجر
فقد نمت مرة فى أوج المسافة
ومرة أخرى شذبت شعر الزمن
وأخذت قصاصاته باختلاس
وزينت بها رأس الأنوثة .
أريد مطهرا للمخيلة غير الشعر السريالي
وأريد إثما جديدا غير المثلية
وأريد ضحكة جديدة غير ضحكة الطيش
عندما أنظم الكتب التى سرقتها من المدرسة وأنا صغير
وأريد هاوية مزينة بالشبق
تكتم صرخاتى الجديدة المليئة بالفرائس
فأنا أذهب كل يوم فى الفجر إلى المقابر
لأزور عمى المتوفى بالسرطان
وأصرخ هناك باسم نيتشه
حتى أن صغار القرية أصبحوا ينادونى بالمجنون
وأريد أن أهزم العقل فقط مرة وحيدة
وأعذب الجنون وأضاعفه حكمة
وأبدد أقنعتى على حطام الدفء
وأعثر لى فى السماء على حبيبة غير الله
تجهل كناية الموت واستعارة الحياة ،
ربما جسد الهرب هو المناسب لشقائى المنزه عن الغيب ،
ربما تسلبنى التفاصيل هزائمى
وأوضح للاجدوى أنى لا أؤمن بخفر وعسس المعانى
ربما أغازل رثائى
وأخيط الجنس جوعا لصيد الخريف
فأهلا بنداء التيه على أقفال الدروب
وخطى التصاوير على عجم العدم .
نهضت أخيرا من الورق الفتي
لأشيد خاصرة الجرح وأنهش زوايا البكاء
بدون أن أتخاصر مع مشاكسة التويجات المسافرة فى رحلة خطى الهدوء
فى محاربة الصراخ ،
وأستريح فى ذرة الكوابيس
وأذود عن قطرات المستحيل
التى تخلق الرياح بدون أن تستخدم وجه الحياة
فى خذلان أرجل الصحراء ،
و أقول أن السلام الملدوغ من طبل الحرب
أدرى بالنفس المضطربة من الإستعارة
التى تسأل نفسها ، عل ماذا أغرب ؟ ،
وأرتشف سفح أعشاب البشرى
وأسلم خرقة البلور إلى همس الماء ،
وأتطاير فى رماد الفولاذ
وأفضفض إلى الله
بأقداح الأسئلة
وأخطىء الدهشة لأنها لا تنطفىء إلا فى شوك السواد
الذى يحط على جفني الذاكرة ،
ألمح توسل اللغة لحانة الصوفية ،
وأتوهم سريالية انتباه الكستناء إلى الأرض
وظل النافذة فى روح الرحلة ،
و أتلصص على سر المارة فى المرآة
وعلى تفتح البعيد فى ألحان المجاهيل
وعلى زهور الدمى الأخلاقية فى الانعتاق من سنديانة الشمس
فأنا مغمور بتناغم الحياة ورجز الكرز
وأوشام الغريزة واعترافات الثوانى للاهات .
رأس شاردة
رأسي على سفح الجبل
كيف استقرت هناك ؟
ربما صنعت من الذكريات أجنحة
أو ركلها حذاء جندي يلمع
ربما قطفها حزن طيب
كما قطف بمنجله وردة نائمة
كيف تركتني أسير وحيدا كظل خجول ٠٠٠
كلما حدثتني نجمة شاردة عن طريق الوصول إلى قبرها
أو باغتني قمر
ليرافقني في الصعود إلى حزنه؟
كيف فارقت كتفي؟
هل اتخذت كتفا من صخرة هناك؟
أم تسير بقدم وحيد كالجبل ؟
تركت رقبتي نافورة
ترش دمي في الطريق
ويرسم شجرة يستظل بها
الناجون من حياتهم
العصافير الطريدة
وأقدام الحفاة
فمي لا يمضغ كلمات يقذفها الرهبان
كلما دق الشحاذون على أبواب صدري
فمي يلهج بالذكر كلما مر عاشق
هناك ٠٠٠
فمي لم يعد
يحرك أذناب الأبقار
وعواء الثعالب لا يستفز
بالغناء لا يعد القتلى
و لا العجائز بموت رحيم
هناك
عيني مخزن للذكريات
أمي التي راودت عن نفسها بعض الدجاج
تسير حافية القلب والقدمين
تجمع بأصابع قدميها أوجاع الشارع
فتصير حذاء
أمي ليست حافية
أمي تنتعل الطرقات
وتعجن في ماجور أرغفة يأكلها الموتى
paintings of Cairo’s Opera metro station walls, the face of the famous writer, Taha Hussein shines – Mohamed al-Hosary
في المقدمة التي كتبها نجيب محفوظ لمراسلات طه حسين، وبعد أن يمتدح خصال العميد العديدة والمتنوعة، يقول إنه فوجئ بهجوم العميد على عباس محمود العقاد، في اللقاء التلفزيوني الذي جمع العميد مع مثقفي مصر، وكان محفوظ أحدهم. فوجئ محفوظ، لأنه اعتقد أن العلاقة بين العميد والعقاد نموذجية، حيث أهدى كل منهما للآخر بعض أعماله؛ ومن غير المناسب أن ينتقد العميد العقاد، بعد وفاته، بهذه الطريقة، مباشرةً على الهواء.
بالطبع، يخطئ أستاذ الرواية العربية: انتقد العميد العقاد بشدة أكثر من مرة، وللسبب نفسه الذي انتقده في اللقاء التلفزيوني، أي غموض العقاد وتعقّد كتابته غير المفهومة. في اللقاء المُشار إليه، حين ذُكرت سلسلة العقاد “العبقريات”، قال العميد ببساطة: “أنا لم أفهمها”. لم يزد شيئاً؛ ولم يجرؤ أحد، بالطبع، على الرد على العميد، أو على مناقشته.
هذا الموقف المتشدد من “العبقريات”، هو امتداد لموقف العميد الصارم من الغموض: الغموض في التعابير، والغموض في الجمل، والغموض في المعنى العام لكتاب أو رواية أو قصيدة. كل أشكال الغموض غير مقبولة عند العميد، ولأسباب أخلاقية وفكرية سنذكرها أدناه.
نستطيع أن نميّز بين أشكال مختلفة من الغموض ينتقدها العميد، من خلال الأمثلة التالية:
أولاً، الغموض الناتج عن الكتابة بأسلوب القدماء، كما في نقده لمصطفى صادق الرافعي (الفصول التسعة الأولى من «حديث الأربعاء»، الجزء الثالث).
ثانياً، الكتابة الفكرية المعقدة غير المفهومة، كما في نقده للعقاد (الفصل السادس عشر من الكتاب ذاته)، أو في نقده للرطانة الماركسية في النقد الأدبي، كما في رده على محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس (مقال يوناني فلا يُقرأ).
ثالثاً، الكلام المرسل الواضح، ولكن الفارغ عملياً، كما في نقده لسلامة موسى (الفصل السادس عشر من «حديث الأربعاء»).
رابعاً، الغموض الأدبي، كما في نقده لعلي محمود طه ومحمود أبي الوفا (الفصل الحادي والعشرين والفصل السابع والعشرين على التوالي، من الكتاب ذاته)، ولبعض مبالغات الزخرفة اللفظية والولع باللغة عند المعري (الفصل السابع من كتاب «مع أبي العلاء في سجنه»).
وهناك أنواع أخرى يشير إليها العميد، سنذكرها لاحقاً.
لماذا ينتقد العميد الغموض؟
يجيبنا طه حسين، حاسماً الأمر، بدقة وجمال:
“أما نحن فنريد أن يفهمنا الناس، كما نريد أن نفهم الناس، ولهذا نتحدث إلى الناس بلغة الناس… وإذن فخليق بالأديب الذي يقدر نفسه ويريد أن يقدره الناس إذا كتب، أن يفكر في هؤلاء الناس، وأن يكون من السهولة ومراعاة الذوق الأدبي بحيث لا يعجز الناس عن فهمه…”
تأتي هذه الكلمات، بعد تشبيه الكتابة الغامضة بمذاهب باطنية وصوفية، تلك المذاهب التي كان العميد، وهو التنويري الأصيل الحقيقي، يعاديها بشدة، كحال معلمه الإصلاحي الأستاذ الإمام محمد عبده، والتي يميل إليها من يُفترض أنهم علمانيون وتنويريون في أيامنا هذه. وجه الشبه بين المتصوفة وجماعة الكتابة الغامضة هو الإيمان بأن هناك نوعين من الكتابة: كتابة بسيطة مباشرة، ولكنها كاذبة مخاتلة؛ وكتابة عميقة حقيقية مليئة بالإشارات والمعاني. النوع الأول من الكتابة موجّه للعامة؛ والنوع الثاني للخاصة، للمختارين، للنخبة.
هذا التشبيه ملائم جدّاً، ويفضح بعمق التهافت الأخلاقي في الكتابة الغامضة؛ ويكشف، أيضاً، عن عمق المشكلة الكامنة في التنويريين والعلمانيين اللذين يعيشون في أيامنا هذا، ويرتكبون الخطيئتين اللتين حذّر منهما العميد: الانحياز للباطنية والصوفية، الغامضة المتعالية، والانحياز إلى الغموض الأدبي والفكري. بكلمات أخرى، تكشف عن تخلي هذا التنوير المزيّف عن مهمة التنوير، وهي الكلام مع الناس، بشكل واضح عقلاني.
مشكلة الغموض ليست فقط أخلاقية، ولكنها فكرية أيضاً: لا يستطيع المرء أن ينتقد الكتابة الغامضة، لأنه لا يستطيع فهمها. هكذا نقف عاجزين أمام سيل الكتابات الغريبة المريبة التي تتدفق علينا، كتابات ديريدا ودولوز وجوديث بتلر وهومي بابا وأمثالهم، وكتابات عربية تتشبّه بالغرب، والعياذ بالله، في أسوأ خصاله.
ما الذي نفعله أمام هذه الكتابات؟
لا شيء جدّي؛ فقط نعلن عدم فهمنا لها، كما أعلن العميد عدم فهمه للعقاد، وللفلسفة الألمانية؛ ونقرأ، كلما ابتلانا الله بنص غامض، ما كتبه العميد، لنطمئن أنفسنا أن المشكلة ليست فينا، بل في محبي الغموض المتفذلكين:
” قرأت مقدمة الكتاب (كتاب العقاد «مطالعات في الأدب والحياة») فسخطت وضجرت وضقت ذرعًا بالكاتب وكتابه، وأكرهت نفسي على المضي في قراءته؛ ذلك لأني لم أفهم من المقدمة شيئًا … نعم، لم أفهم منها شيئًا، ويقيني أنّ المتواضعين أمثالي لن يفهموا من هذه المقدمة شيئًا لا لأنها لا تدل على شيء؛ بل لأنها أدق من أنْ تتناولها العقول المتواضعة… سألت نفسي حين كنت أسمع هذه المقدمة: هل درس المؤلف اللغة الألمانية؟ وهل تعمق في الفلسفة الألمانية حتى طبعته بطابعها ووسمته بسمتها؟ وأحب أنْ يضحك الأستاذ العقاد، وأنْ يضحك القراء جميعًا مني… فأنا أعترف بأن الفلسفة الألمانية تمتاز عندي بالغموض والإبهام، وأنّ لله لم يوفقني في يومٍ من الأيام إلى أنْ أفهمها أو أجد فيها لذة إلا حين كنت أقرؤها في الكتب الفرنسية الملخصة… إذن فأنا أعترف بأن مقدمة الأستاذ العقاد قد ذكرتني بتلك الأيام السود التي قضيتها مع « هيجل » و « كانت »، واتهمت فيها نفسي بالغباوة والجهل، وقلت مذعنًا لقضاء لله ضاحكًا من نفسي ومن الفلسفة ومن الفلاسفة: وفوق كل ذي علم عليم… وأخذت أفكر في الغموض وأسبابه، وانتهيت في ذلك إلى نظريات قد يتيح الله لي من الوقت والفرص ما يمكنني من ذكرها وتفصيلها، ولكني أكتفي الآن بالإشارة إلى أني قلت في نفسي: إنّ من الغموض ما يصدر عن جهلٍ وغفلة… ومن الغموض ما يصدر عن إسراف في العلم والفلسفة وقصور اللغة والبيان، ومثلت لذلك بالعقاد… ومن الغموض ما يصدر عن طول اللسان وقصر العقل… ولأعد إلى العقاد، تركت هذه المقدمة الجبارة الطاغية، ومضيت في الكتاب فإذا علمٌ حقاً، وفهم حقاً، وعقل خَليقٌ أنْ يلتفت الناس إليه، وما أشك في أنهم قد فعلوا…”
ما هي الأمثلة التي تروق العميد في الكتابة الواضحة؟
ثلاثة نماذج مختلفة في المواضيع التي تعالجها، ولكنها متفقة في الوضوح وفي الكلام مع الناس مباشرة، يمتدحها العميد: أبو نواس ورينيه ديكارت ونجيب محفوظ.
قد يكون طه حسين نفسه هو النموذج الأهم في الكتابة الواضحة في تاريخ اللغة العربية. يتميز العميد بصفاء ذهني ووضوح جارح يُحسد عليهما. على سبيل المثال، كتب «تجديد ذكرى أبي العلاء» وهو في سن الخامسة والعشرين، وفيه يستعرض المذاهب الفلسفية اليونانية والإسلامية، وصلتها بفلسفة المعري، بدقة لا تتوفر لأكبر أساتذة الفلسفة. ولدينا بالطبع سلاسة الحجج الفكرية المعروضة في ثنايا «في الشعر الجاهلي» ومقدمة «في الأدب الجاهلي»: أحد أوجه الوضوح والدقة الفكرية شديدة الأهمية في الكتابين، والتي لا يبدو أنها استرعت الاهتمام الكافي، هو إصراره على التمييز بين العلم بالمعنى الصلب وبين النقد الأدبي، الذي، بطبيعته ذاتها، لا يرقى لمصاف العلوم الفيزيائية، ويبقى احتمالياً في أحسن أحواله؛ وفصل العلم عن الدين، بطريقة أقرب إلى كنط وهيوم وجون ستيوارت مل، منها إلى علمانيي القرن التاسع عشر والعشرين الماركسيين والفوضويين والوضعيين، اللذين أخضعوا الدين للعلم. وبالطبع، هناك التحفة الأدبية الأجمل والأبهى في كتابة المذكرات والاعترافات «الأيام»، بمرحها وحزنها وصدقها وهدوئها؛ بنقدها اللاذع، والمحبة الصافية الغائمة التي تثيرها لأولئك اللذين عاشوا تلك الأيام؛ وبعنوانها الساحر البسيط، المفعم بكل المعاني.
يعود الغموض اليوم في الكتابة العربية، بشكل أكبر وأعمق وأكثر إثارة للأسى مما كان أيام العميد. أنواع الغموض اليوم متنوّعة تنوّع الأمراض الاجتماعية التي يعبّر عنها هذا الغموض: هناك غموض ماركسي، وما بعد حداثي، وإسلامي؛ وغموض فني واسع في الشعر؛ وغموض مريب في الرواية والقصص والمقالة والنقد الأدبي: كل أشكال الغموض تشترك في التخلي عن الكلام مع الناس، لتكوّن نخبة فكرية متعالية، متحالفة مع سلطة الأمر الواقع؛ وتدعو إلى الاستسلام، حتى عندما تقول بالثورة.
أقترح أن نتبع وصية العميد، وأن ندع الكتابة الغامضة جانباً، ونلتفت لكتابات نستطيع فهمها، ونقاشها، وتقييمها: كتابات يفهمها الناس، ويناقشها الناس، ويعيش بها الناس: تؤثر بهم، ويؤثرون بها؛ وأن نبقى، كالعميد، متفائلين واثقين بمعنى وقيمة الكتابة، وبقدرتها على التغيير، في عالم يزداد غموضاً مع مرور الأيام.
لدي, إذا سمحت المحكمة, بعض الكلمات لأقولها. في المقام الأول, أنا أنكر كل شيء عدى ما اعترفت به دومًا, وهو تصميمي على دوري في تحرير العبيد. لطالما عزمت بالتأكيد على استحداث شيء طاهر من هذه المسألة. كما فعلت الشتاء الماضي عندما ذهبت لميزوري وأخذت العبيد بدون طلقة بندقيّة واحدة من أي جهة, نقلتهم عبر البلاد وتركتهم أخيرًا في كندا. عزمت على فعل نفس الشيء مرة أخرى وعلى نطاق أوسع. كان هذا كل ما نويت. لم أنوي القتل مُطلقًا, أو الخيانة, أو تدمير الممتلكات, أو الإثارة, أو تحريض العبيد على التمرد, أو القيام بانتفاضة غير سلمية.
لدي اعتراض آخر, ذلك أنه من الظلم أن أخضع لهكذا عقوبة. لقد تدخلت بالطريقة التي اعترفت بها, والتي أقرّ, أنه قد تم إثباتها بإنصاف – لأني معجب بمصداقية وصراحة القسم الأكبر من الشهود الذين أدلوا بشهادتهم في هذه القضية – لو كنت قد تدخلت لصالح هذه الطبقة الغنية القوية الذكية المسماة بالطبقة النبيلة, أو لصالح أي من معارفهم, سواء أكان أبًا, أو أمًا, أو أخًا, أو أختًا, أو زوجةً, أو أبناء, أو أيًّا يكن من تلك الطبقة؛ وقاسيت وبذلت ما بذلت في هذا التدخل, فإنه كان ليكون عين الصواب, وكل شخص في هذه المحكمة كان ليعتبر ذلك عملًا يستحق الثواب بدلًا من العقاب.
هذه المحكمة تقرّ, كما افترض, بصحة شريعة الله. أرى كتابًا يُقبّل هنا والذي أفترض أنه الكتاب المقدس, أو على أسوأ تقدير كتاب العهد الجديد, الذي يعلمني أن كل شيء أود أن يفعله الناس لي يجب أن أفعل مثله لهم. بل أبعد من ذلك, إنه يعلمني أن أتعهد أولئك الذين في الأغلال حيث أني مُلزم بهم. لقد سعيت لأن أتصرف في اتساقٍ مع هذه التعليمات. أزعم, أني ما زلت أفتقد القدرة على تصور أن الله قد يحابي أشخاص دون آخرين. أؤمن أنني قد فعلت ما فعلت, كما قررت بصراحة دومًا, لصالح فقراء الرب المستضعفين. لم أرتكب ذنب بل فعلت الصواب. الآن, إذا اقتضت الضرورة أنه ينبغي لي أن أفقد حياتي لترسيخ غايات العدالة, وأن اختلاط دمي مع مزيد من دماء سلالتي ودماء الملايين هنا في بلد العبيد الذين بُخست حقوقهم من قبل التشريعات الفاجرة القاسية الجائرة. أنا أرضخ, فليكن ذلك إذن.
اسمحوا لي أن أقول كلمة واحدة أخرى. أشعر أنني راضٍ تمامًا بالمعاملة التي تلقيتها في محاكمتي. بالنظر لجميع الظروف, فقد كانت أكثر سخاء مما توقعت. بيد أني لا أشعر بتأنيب ضمير. لقد أسلفت بداية ماذا كان هدفي وما الذي لم يكن. لم يكن لدي أي تخطيط في سلب حرية أي شخص, ولا أي ترتيب لارتكاب خيانة, أو تحريض العبيد على التمرد, أو القيام بأي عصيان عام. لم أحث أبدًا أي شخص ليفعل ذلك, بل ردعت دومًا كل فكرة من هذا القبيل. دعوني أقول كلمة أيضًا فيما يتعلق بالتصريحات التي أدلى بها بعض أولئك الذين كانوا على ارتباط بي, سمعت أنه قد قيل من بعضهم أني دفعتهم للانضمام إلي, ولكن العكس هو الصحيح. أنا لا أقول هذا لألحق بهم ضررًا, بل للتأسّي على تخاذلهم. ليس منهم إلا من انضم إلي من تلقاء نفسه. والنسبة الأكبر منهم على نفقته الخاصة. وأن عددًا منهم لم أكن قد رأيتهم من قبل, ولم يكن لي أدنى حديث معهم قط, حتى اليوم الذي جاؤوا إلي وكان ذلك للغرض الذي ذكرت.
الآن, قد انتهيت.
**جون براون, من اسواتومي, كانساس. أصبح أحد أشهر الشخصيات في النضال ضد العبودية في أمريكا إبان سنوات ما قبل الحرب الأهلية. اتخذ النضال وسيلته لبلوغ غايته. كان يعتقد بضرورة التحرير الفوري للعبيد. في مساء السادس والعشرين من اكتوبر عام 1859, متزعمًا مجموعة صغيرة من أنصاره, استولى براون على مستودع أسلحة في بلدة هاربرز فيري, غرب فرجينيا حاليًا. ألقي القبض عليه وحوكم وأدين. عند تنفيذ حكم الإعدام عليه في الثاني من نوفمبر عام 1859 ألقى براون هذا الخطاب الارتجالي على المحكمة.
تحتَ قمرِ الحصادِ،
عندما تقْطُرُ الفضَّةُ النَّاعمةُ
متلألئةً في ليالي الحديقةِ،
يأتي الموتُ،
السَّاخرُ الرَّماديُّ،
و يهمسُ لكَ
كصديقٍ جميلٍ
للتَّـوِّ تذكّرْ.
تحتَ ورودِ الصَّيفِ،
عندما يتوارَى
اللَّون القرمزيُّ الصَّارخُ
مِنَ الأوراقِ البريَّةِ الحمراءِ
في الغسقِ،
يأتي الحبُّ،
بأيْدٍ صغيرةٍ
و يمَسّكُ بألفِ ذكرَى،
يسألك أسئلةً
لا يُمكنُ الردُّ عليها.