في الليالي الموحشة /
يختبئُ القمر في جزّةِ العشب، يغلقُ الجارُ على أطفالهِ الباب، تكسلُ زوجتي، تسدلُ قلبي عليها وتنام / تتدحرجُ الجماجم من باب الخزانةِ، تعبث بالقبعات وقناني الكحول/ معارف يتجمهرون مثل دمى محشوة بالهول، يجذّفون في برَكِ الدموع، يرفعون الدفوف إلى فوق عيونهم، يملؤون فمي أحذية وعصافير ميتة/ كأن أحدهم نسيَ حياته في أيامي. في الليالي الموحشة/ تزحفُ الغاباتُ بأشجارها الجائعة إليّ، فأسي واقفة على أنفِها في الحديقةِ/ أكلتني.. أكلتني الشجرة.
يبدد الليل في التخطيط، ويدعي أنه متأهب في الصباح
***
إذا لم تعرف كيف تحب،
لماذا أيقظت قلبي النائم ؟
*****
يا إلهي، لا تدع امرأة تموت في المنفى
ستنسى اسمك، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة
لن تفكر سوى بمسقط رأسها.
*****
في يدي وردة تذبل
لا أعرف لمن أعطيها في هذه الأرض الغريبة.
****
” أشعار سرية تتناقلها شفاهياً نساء قبائل البشتون في أفغانستان، عبرن من خلالها عن ألوان من الرغبة واللهفة والألم والقلق والحرمان، والشغف بالطبيعة، هذه بعض المقاطع التي جمعها من مصادرها سيد بهاء الدين مجروح وترجمها إلى الفرنسية بمساعدة أندره فيلتير ”
عن مجلة “عمان الغد “
في الجحيم
ثمة رجال ونساء
ذوو وجوه حقيقية وسلوك واقعي
يتحدثون عن حوادث حقيقية.
في الجحيم ثمة رجال ونساء من جميع ممالك العالم
بعد القاء التحية والسؤال عن احوال بعضهم بعضا
يتحدثون عن عقائدهم.
في الجحيم رجال ونساء يتوادعون بمنتهى الأدب والاحترام
وعلى الأغلب بعبارة :”في أمان الله”.
لكنهم حين يحل الظلام
عوضا عن الصمت يفسدون الليل بصراخهم المؤلم
طاردين النوم من أعينهم
*
ترجمة: محمد الأمين
جاء الجواب بطيئا كله أمل وكل ما ارتجي في الظرف عنوان
جاء الخطاب عليلا مسه سقم وكل حرف عليه الحزن يقظان
حتى فضضت وريح اليأس تغمرني مضمخ الطيب يبدوا منه خذلان
ما لي اصدق شخصا قد لوى وأبى ويدعي في أن الحب كتمان
خبرته زمانا كي لا تدغدغني أنغام آهته والكون وسنان
أتيته ناشدا أن لا يودعني ويترك الأمر لا يجلوه برهان
قالت سمية لما جئت زائرها فنلتقي ربنا للحب أركان
نشدتك الله هل ما زلت حافظة لنا الوفاء وما في القلب ندمان
وأمرت قولة ذا الصب يصدقني لنرجعن وكل الناس حيران
أن العهود التي أعطيتها كذب وهذه حالنا مكر ونكران
نبدي البراءة والغزلان يصدقنا من كان يجهلنا والحسن فتان
أن الحياء التي قد كنت تحسبه علامة الصدق زور بل وبهتان
ولا الصفات التي تبدو ملونة من زخرف القول والتصنيع تحنان
فلا تلمني والفراق ولا فلا تأسف علي فما في الغدر إعلان
وما كنت أول من خانت بصاحبها فان بد ذنبنا يمحوه غفران
قالت أخي عرى الإسلام تجمعنا وكل ما بيننا في الله إخوان
قد قدر الله امرا كان منتظرا وكل ما قدر الرحمان إحسان
وهذه فرصة في العمر انشدها وليس لي دونها في الخلد رضوان
لقد بما يملي علي ولو بذلت جهدا لما حدوا وما كانوا
لذاك اطلب منك عذر في أسف لطالما جاء يسلي الروح إنسان
لو كنت صادقة في القول ما حدثت تلك المعاذير لا فالحب عرفان
ان القلوب اذا مالت لذي سعة فالحب أكذوبة والعيش حرمان
أين المبادئ أم أين الطموح إما اما يكفيك في حينها بالحق تبيان
صدقت أيتها الحسناء في كذب سبحان رب العلا في الخلق افنان
أطلاء ظاهرهم تسموا القداسة اذ تبدو على عجل والعقل سكران
يا عالي الشأن أحدثت من خطر يسدي علينا الأسى والقلب لهفان
أن الجروح التي أدميتها سفها يثور من نزفها كالنار بركان
ساسل الله أن تخبو حرارتها مني وتحرق من آذوا ومن خانوا
يا عاليا القدر أمري منك منفصل لقد جرحت وجرح الغدر طغيان
إنا السعيد لما مسني الضرر لك الإخاء وملئ القلب إيمان
ماذا تريد غير القلب مسالة أهديك ما حملت بالخير أكوان
تمشي على رسلها الدنيا على وجل وتنتهي أن يلقاك سلوان
لا تامنن حذار الدهر غانية يغنيك عن عطرها الفواح ريحان
هي الأمور كما شاهدتها الدول من زمن ساءته أزمان
مشيت فى ظلى حتى استوى صداي
ورتبت رغبتى التى سرقت ملمس العطش
واكتملت مرآتى لأول مرة
بعد أن هزمت اللاجدوى بالجوهر
وسبغت نكهة الغرق فى الحضور
حيث أمشى فى الوجوه بانتظام
وأمحو قسوة فطرة الفساد فى روحى
وأصنع مزاجا للجرح
بدون أن أخترع تكوينا جديدا
أو أطور تكوينا قديما
وأبحث عن جسد يؤنسنى فى الليل
بعد أن ضاجعت الله فى هويتى
لهذا لبؤة الزغب تسبق نافذة الحلم
ولهذا أيضا ستفهمنى كلمات غيرى
بدون أن تشهر بهواجس أوهامى .
هو ذا الفجر
الذى ينام على سريرى كل ليلة
ويحدق فى السقف معى
ولكنه لا يتبول إلا بالفناء الضجر
فقد نمت مرة فى أوج المسافة
ومرة أخرى شذبت شعر الزمن
وأخذت قصاصاته باختلاس
وزينت بها رأس الأنوثة .
أريد مطهرا للمخيلة غير الشعر السريالي
وأريد إثما جديدا غير المثلية
وأريد ضحكة جديدة غير ضحكة الطيش
عندما أنظم الكتب التى سرقتها من المدرسة وأنا صغير
وأريد هاوية مزينة بالشبق
تكتم صرخاتى الجديدة المليئة بالفرائس
فأنا أذهب كل يوم فى الفجر إلى المقابر
لأزور عمى المتوفى بالسرطان
وأصرخ هناك باسم نيتشه
حتى أن صغار القرية أصبحوا ينادونى بالمجنون
وأريد أن أهزم العقل فقط مرة وحيدة
وأعذب الجنون وأضاعفه حكمة
وأبدد أقنعتى على حطام الدفء
وأعثر لى فى السماء على حبيبة غير الله
تجهل كناية الموت واستعارة الحياة ،
ربما جسد الهرب هو المناسب لشقائى المنزه عن الغيب ،
ربما تسلبنى التفاصيل هزائمى
وأوضح للاجدوى أنى لا أؤمن بخفر وعسس المعانى
ربما أغازل رثائى
وأخيط الجنس جوعا لصيد الخريف
فأهلا بنداء التيه على أقفال الدروب
وخطى التصاوير على عجم العدم .
نهضت أخيرا من الورق الفتي
لأشيد خاصرة الجرح وأنهش زوايا البكاء
بدون أن أتخاصر مع مشاكسة التويجات المسافرة فى رحلة خطى الهدوء
فى محاربة الصراخ ،
وأستريح فى ذرة الكوابيس
وأذود عن قطرات المستحيل
التى تخلق الرياح بدون أن تستخدم وجه الحياة
فى خذلان أرجل الصحراء ،
و أقول أن السلام الملدوغ من طبل الحرب
أدرى بالنفس المضطربة من الإستعارة
التى تسأل نفسها ، عل ماذا أغرب ؟ ،
وأرتشف سفح أعشاب البشرى
وأسلم خرقة البلور إلى همس الماء ،
وأتطاير فى رماد الفولاذ
وأفضفض إلى الله
بأقداح الأسئلة
وأخطىء الدهشة لأنها لا تنطفىء إلا فى شوك السواد
الذى يحط على جفني الذاكرة ،
ألمح توسل اللغة لحانة الصوفية ،
وأتوهم سريالية انتباه الكستناء إلى الأرض
وظل النافذة فى روح الرحلة ،
و أتلصص على سر المارة فى المرآة
وعلى تفتح البعيد فى ألحان المجاهيل
وعلى زهور الدمى الأخلاقية فى الانعتاق من سنديانة الشمس
فأنا مغمور بتناغم الحياة ورجز الكرز
وأوشام الغريزة واعترافات الثوانى للاهات .
رأس شاردة
رأسي على سفح الجبل
كيف استقرت هناك ؟
ربما صنعت من الذكريات أجنحة
أو ركلها حذاء جندي يلمع
ربما قطفها حزن طيب
كما قطف بمنجله وردة نائمة
كيف تركتني أسير وحيدا كظل خجول ٠٠٠
كلما حدثتني نجمة شاردة عن طريق الوصول إلى قبرها
أو باغتني قمر
ليرافقني في الصعود إلى حزنه؟
كيف فارقت كتفي؟
هل اتخذت كتفا من صخرة هناك؟
أم تسير بقدم وحيد كالجبل ؟
تركت رقبتي نافورة
ترش دمي في الطريق
ويرسم شجرة يستظل بها
الناجون من حياتهم
العصافير الطريدة
وأقدام الحفاة
فمي لا يمضغ كلمات يقذفها الرهبان
كلما دق الشحاذون على أبواب صدري
فمي يلهج بالذكر كلما مر عاشق
هناك ٠٠٠
فمي لم يعد
يحرك أذناب الأبقار
وعواء الثعالب لا يستفز
بالغناء لا يعد القتلى
و لا العجائز بموت رحيم
هناك
عيني مخزن للذكريات
أمي التي راودت عن نفسها بعض الدجاج
تسير حافية القلب والقدمين
تجمع بأصابع قدميها أوجاع الشارع
فتصير حذاء
أمي ليست حافية
أمي تنتعل الطرقات
وتعجن في ماجور أرغفة يأكلها الموتى
في المقدمة التي كتبها نجيب محفوظ لمراسلات طه حسين، وبعد أن يمتدح خصال العميد العديدة والمتنوعة، يقول إنه فوجئ بهجوم العميد على عباس محمود العقاد، في اللقاء التلفزيوني الذي جمع العميد مع مثقفي مصر، وكان محفوظ أحدهم. فوجئ محفوظ، لأنه اعتقد أن العلاقة بين العميد والعقاد نموذجية، حيث أهدى كل منهما للآخر بعض أعماله؛ ومن غير المناسب أن ينتقد العميد العقاد، بعد وفاته، بهذه الطريقة، مباشرةً على الهواء.
بالطبع، يخطئ أستاذ الرواية العربية: انتقد العميد العقاد بشدة أكثر من مرة، وللسبب نفسه الذي انتقده في اللقاء التلفزيوني، أي غموض العقاد وتعقّد كتابته غير المفهومة. في اللقاء المُشار إليه، حين ذُكرت سلسلة العقاد “العبقريات”، قال العميد ببساطة: “أنا لم أفهمها”. لم يزد شيئاً؛ ولم يجرؤ أحد، بالطبع، على الرد على العميد، أو على مناقشته.
هذا الموقف المتشدد من “العبقريات”، هو امتداد لموقف العميد الصارم من الغموض: الغموض في التعابير، والغموض في الجمل، والغموض في المعنى العام لكتاب أو رواية أو قصيدة. كل أشكال الغموض غير مقبولة عند العميد، ولأسباب أخلاقية وفكرية سنذكرها أدناه.
نستطيع أن نميّز بين أشكال مختلفة من الغموض ينتقدها العميد، من خلال الأمثلة التالية:
أولاً، الغموض الناتج عن الكتابة بأسلوب القدماء، كما في نقده لمصطفى صادق الرافعي (الفصول التسعة الأولى من «حديث الأربعاء»، الجزء الثالث).
ثانياً، الكتابة الفكرية المعقدة غير المفهومة، كما في نقده للعقاد (الفصل السادس عشر من الكتاب ذاته)، أو في نقده للرطانة الماركسية في النقد الأدبي، كما في رده على محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس (مقال يوناني فلا يُقرأ).
ثالثاً، الكلام المرسل الواضح، ولكن الفارغ عملياً، كما في نقده لسلامة موسى (الفصل السادس عشر من «حديث الأربعاء»).
رابعاً، الغموض الأدبي، كما في نقده لعلي محمود طه ومحمود أبي الوفا (الفصل الحادي والعشرين والفصل السابع والعشرين على التوالي، من الكتاب ذاته)، ولبعض مبالغات الزخرفة اللفظية والولع باللغة عند المعري (الفصل السابع من كتاب «مع أبي العلاء في سجنه»).
وهناك أنواع أخرى يشير إليها العميد، سنذكرها لاحقاً.
لماذا ينتقد العميد الغموض؟
يجيبنا طه حسين، حاسماً الأمر، بدقة وجمال:
“أما نحن فنريد أن يفهمنا الناس، كما نريد أن نفهم الناس، ولهذا نتحدث إلى الناس بلغة الناس… وإذن فخليق بالأديب الذي يقدر نفسه ويريد أن يقدره الناس إذا كتب، أن يفكر في هؤلاء الناس، وأن يكون من السهولة ومراعاة الذوق الأدبي بحيث لا يعجز الناس عن فهمه…”
تأتي هذه الكلمات، بعد تشبيه الكتابة الغامضة بمذاهب باطنية وصوفية، تلك المذاهب التي كان العميد، وهو التنويري الأصيل الحقيقي، يعاديها بشدة، كحال معلمه الإصلاحي الأستاذ الإمام محمد عبده، والتي يميل إليها من يُفترض أنهم علمانيون وتنويريون في أيامنا هذه. وجه الشبه بين المتصوفة وجماعة الكتابة الغامضة هو الإيمان بأن هناك نوعين من الكتابة: كتابة بسيطة مباشرة، ولكنها كاذبة مخاتلة؛ وكتابة عميقة حقيقية مليئة بالإشارات والمعاني. النوع الأول من الكتابة موجّه للعامة؛ والنوع الثاني للخاصة، للمختارين، للنخبة.
هذا التشبيه ملائم جدّاً، ويفضح بعمق التهافت الأخلاقي في الكتابة الغامضة؛ ويكشف، أيضاً، عن عمق المشكلة الكامنة في التنويريين والعلمانيين اللذين يعيشون في أيامنا هذا، ويرتكبون الخطيئتين اللتين حذّر منهما العميد: الانحياز للباطنية والصوفية، الغامضة المتعالية، والانحياز إلى الغموض الأدبي والفكري. بكلمات أخرى، تكشف عن تخلي هذا التنوير المزيّف عن مهمة التنوير، وهي الكلام مع الناس، بشكل واضح عقلاني.
مشكلة الغموض ليست فقط أخلاقية، ولكنها فكرية أيضاً: لا يستطيع المرء أن ينتقد الكتابة الغامضة، لأنه لا يستطيع فهمها. هكذا نقف عاجزين أمام سيل الكتابات الغريبة المريبة التي تتدفق علينا، كتابات ديريدا ودولوز وجوديث بتلر وهومي بابا وأمثالهم، وكتابات عربية تتشبّه بالغرب، والعياذ بالله، في أسوأ خصاله.
ما الذي نفعله أمام هذه الكتابات؟
لا شيء جدّي؛ فقط نعلن عدم فهمنا لها، كما أعلن العميد عدم فهمه للعقاد، وللفلسفة الألمانية؛ ونقرأ، كلما ابتلانا الله بنص غامض، ما كتبه العميد، لنطمئن أنفسنا أن المشكلة ليست فينا، بل في محبي الغموض المتفذلكين:
” قرأت مقدمة الكتاب (كتاب العقاد «مطالعات في الأدب والحياة») فسخطت وضجرت وضقت ذرعًا بالكاتب وكتابه، وأكرهت نفسي على المضي في قراءته؛ ذلك لأني لم أفهم من المقدمة شيئًا … نعم، لم أفهم منها شيئًا، ويقيني أنّ المتواضعين أمثالي لن يفهموا من هذه المقدمة شيئًا لا لأنها لا تدل على شيء؛ بل لأنها أدق من أنْ تتناولها العقول المتواضعة… سألت نفسي حين كنت أسمع هذه المقدمة: هل درس المؤلف اللغة الألمانية؟ وهل تعمق في الفلسفة الألمانية حتى طبعته بطابعها ووسمته بسمتها؟ وأحب أنْ يضحك الأستاذ العقاد، وأنْ يضحك القراء جميعًا مني… فأنا أعترف بأن الفلسفة الألمانية تمتاز عندي بالغموض والإبهام، وأنّ لله لم يوفقني في يومٍ من الأيام إلى أنْ أفهمها أو أجد فيها لذة إلا حين كنت أقرؤها في الكتب الفرنسية الملخصة… إذن فأنا أعترف بأن مقدمة الأستاذ العقاد قد ذكرتني بتلك الأيام السود التي قضيتها مع « هيجل » و « كانت »، واتهمت فيها نفسي بالغباوة والجهل، وقلت مذعنًا لقضاء لله ضاحكًا من نفسي ومن الفلسفة ومن الفلاسفة: وفوق كل ذي علم عليم… وأخذت أفكر في الغموض وأسبابه، وانتهيت في ذلك إلى نظريات قد يتيح الله لي من الوقت والفرص ما يمكنني من ذكرها وتفصيلها، ولكني أكتفي الآن بالإشارة إلى أني قلت في نفسي: إنّ من الغموض ما يصدر عن جهلٍ وغفلة… ومن الغموض ما يصدر عن إسراف في العلم والفلسفة وقصور اللغة والبيان، ومثلت لذلك بالعقاد… ومن الغموض ما يصدر عن طول اللسان وقصر العقل… ولأعد إلى العقاد، تركت هذه المقدمة الجبارة الطاغية، ومضيت في الكتاب فإذا علمٌ حقاً، وفهم حقاً، وعقل خَليقٌ أنْ يلتفت الناس إليه، وما أشك في أنهم قد فعلوا…”
ما هي الأمثلة التي تروق العميد في الكتابة الواضحة؟
ثلاثة نماذج مختلفة في المواضيع التي تعالجها، ولكنها متفقة في الوضوح وفي الكلام مع الناس مباشرة، يمتدحها العميد: أبو نواس ورينيه ديكارت ونجيب محفوظ.
قد يكون طه حسين نفسه هو النموذج الأهم في الكتابة الواضحة في تاريخ اللغة العربية. يتميز العميد بصفاء ذهني ووضوح جارح يُحسد عليهما. على سبيل المثال، كتب «تجديد ذكرى أبي العلاء» وهو في سن الخامسة والعشرين، وفيه يستعرض المذاهب الفلسفية اليونانية والإسلامية، وصلتها بفلسفة المعري، بدقة لا تتوفر لأكبر أساتذة الفلسفة. ولدينا بالطبع سلاسة الحجج الفكرية المعروضة في ثنايا «في الشعر الجاهلي» ومقدمة «في الأدب الجاهلي»: أحد أوجه الوضوح والدقة الفكرية شديدة الأهمية في الكتابين، والتي لا يبدو أنها استرعت الاهتمام الكافي، هو إصراره على التمييز بين العلم بالمعنى الصلب وبين النقد الأدبي، الذي، بطبيعته ذاتها، لا يرقى لمصاف العلوم الفيزيائية، ويبقى احتمالياً في أحسن أحواله؛ وفصل العلم عن الدين، بطريقة أقرب إلى كنط وهيوم وجون ستيوارت مل، منها إلى علمانيي القرن التاسع عشر والعشرين الماركسيين والفوضويين والوضعيين، اللذين أخضعوا الدين للعلم. وبالطبع، هناك التحفة الأدبية الأجمل والأبهى في كتابة المذكرات والاعترافات «الأيام»، بمرحها وحزنها وصدقها وهدوئها؛ بنقدها اللاذع، والمحبة الصافية الغائمة التي تثيرها لأولئك اللذين عاشوا تلك الأيام؛ وبعنوانها الساحر البسيط، المفعم بكل المعاني.
يعود الغموض اليوم في الكتابة العربية، بشكل أكبر وأعمق وأكثر إثارة للأسى مما كان أيام العميد. أنواع الغموض اليوم متنوّعة تنوّع الأمراض الاجتماعية التي يعبّر عنها هذا الغموض: هناك غموض ماركسي، وما بعد حداثي، وإسلامي؛ وغموض فني واسع في الشعر؛ وغموض مريب في الرواية والقصص والمقالة والنقد الأدبي: كل أشكال الغموض تشترك في التخلي عن الكلام مع الناس، لتكوّن نخبة فكرية متعالية، متحالفة مع سلطة الأمر الواقع؛ وتدعو إلى الاستسلام، حتى عندما تقول بالثورة.
أقترح أن نتبع وصية العميد، وأن ندع الكتابة الغامضة جانباً، ونلتفت لكتابات نستطيع فهمها، ونقاشها، وتقييمها: كتابات يفهمها الناس، ويناقشها الناس، ويعيش بها الناس: تؤثر بهم، ويؤثرون بها؛ وأن نبقى، كالعميد، متفائلين واثقين بمعنى وقيمة الكتابة، وبقدرتها على التغيير، في عالم يزداد غموضاً مع مرور الأيام.
لدي, إذا سمحت المحكمة, بعض الكلمات لأقولها. في المقام الأول, أنا أنكر كل شيء عدى ما اعترفت به دومًا, وهو تصميمي على دوري في تحرير العبيد. لطالما عزمت بالتأكيد على استحداث شيء طاهر من هذه المسألة. كما فعلت الشتاء الماضي عندما ذهبت لميزوري وأخذت العبيد بدون طلقة بندقيّة واحدة من أي جهة, نقلتهم عبر البلاد وتركتهم أخيرًا في كندا. عزمت على فعل نفس الشيء مرة أخرى وعلى نطاق أوسع. كان هذا كل ما نويت. لم أنوي القتل مُطلقًا, أو الخيانة, أو تدمير الممتلكات, أو الإثارة, أو تحريض العبيد على التمرد, أو القيام بانتفاضة غير سلمية.
لدي اعتراض آخر, ذلك أنه من الظلم أن أخضع لهكذا عقوبة. لقد تدخلت بالطريقة التي اعترفت بها, والتي أقرّ, أنه قد تم إثباتها بإنصاف – لأني معجب بمصداقية وصراحة القسم الأكبر من الشهود الذين أدلوا بشهادتهم في هذه القضية – لو كنت قد تدخلت لصالح هذه الطبقة الغنية القوية الذكية المسماة بالطبقة النبيلة, أو لصالح أي من معارفهم, سواء أكان أبًا, أو أمًا, أو أخًا, أو أختًا, أو زوجةً, أو أبناء, أو أيًّا يكن من تلك الطبقة؛ وقاسيت وبذلت ما بذلت في هذا التدخل, فإنه كان ليكون عين الصواب, وكل شخص في هذه المحكمة كان ليعتبر ذلك عملًا يستحق الثواب بدلًا من العقاب.
هذه المحكمة تقرّ, كما افترض, بصحة شريعة الله. أرى كتابًا يُقبّل هنا والذي أفترض أنه الكتاب المقدس, أو على أسوأ تقدير كتاب العهد الجديد, الذي يعلمني أن كل شيء أود أن يفعله الناس لي يجب أن أفعل مثله لهم. بل أبعد من ذلك, إنه يعلمني أن أتعهد أولئك الذين في الأغلال حيث أني مُلزم بهم. لقد سعيت لأن أتصرف في اتساقٍ مع هذه التعليمات. أزعم, أني ما زلت أفتقد القدرة على تصور أن الله قد يحابي أشخاص دون آخرين. أؤمن أنني قد فعلت ما فعلت, كما قررت بصراحة دومًا, لصالح فقراء الرب المستضعفين. لم أرتكب ذنب بل فعلت الصواب. الآن, إذا اقتضت الضرورة أنه ينبغي لي أن أفقد حياتي لترسيخ غايات العدالة, وأن اختلاط دمي مع مزيد من دماء سلالتي ودماء الملايين هنا في بلد العبيد الذين بُخست حقوقهم من قبل التشريعات الفاجرة القاسية الجائرة. أنا أرضخ, فليكن ذلك إذن.
اسمحوا لي أن أقول كلمة واحدة أخرى. أشعر أنني راضٍ تمامًا بالمعاملة التي تلقيتها في محاكمتي. بالنظر لجميع الظروف, فقد كانت أكثر سخاء مما توقعت. بيد أني لا أشعر بتأنيب ضمير. لقد أسلفت بداية ماذا كان هدفي وما الذي لم يكن. لم يكن لدي أي تخطيط في سلب حرية أي شخص, ولا أي ترتيب لارتكاب خيانة, أو تحريض العبيد على التمرد, أو القيام بأي عصيان عام. لم أحث أبدًا أي شخص ليفعل ذلك, بل ردعت دومًا كل فكرة من هذا القبيل. دعوني أقول كلمة أيضًا فيما يتعلق بالتصريحات التي أدلى بها بعض أولئك الذين كانوا على ارتباط بي, سمعت أنه قد قيل من بعضهم أني دفعتهم للانضمام إلي, ولكن العكس هو الصحيح. أنا لا أقول هذا لألحق بهم ضررًا, بل للتأسّي على تخاذلهم. ليس منهم إلا من انضم إلي من تلقاء نفسه. والنسبة الأكبر منهم على نفقته الخاصة. وأن عددًا منهم لم أكن قد رأيتهم من قبل, ولم يكن لي أدنى حديث معهم قط, حتى اليوم الذي جاؤوا إلي وكان ذلك للغرض الذي ذكرت.
الآن, قد انتهيت.
**جون براون, من اسواتومي, كانساس. أصبح أحد أشهر الشخصيات في النضال ضد العبودية في أمريكا إبان سنوات ما قبل الحرب الأهلية. اتخذ النضال وسيلته لبلوغ غايته. كان يعتقد بضرورة التحرير الفوري للعبيد. في مساء السادس والعشرين من اكتوبر عام 1859, متزعمًا مجموعة صغيرة من أنصاره, استولى براون على مستودع أسلحة في بلدة هاربرز فيري, غرب فرجينيا حاليًا. ألقي القبض عليه وحوكم وأدين. عند تنفيذ حكم الإعدام عليه في الثاني من نوفمبر عام 1859 ألقى براون هذا الخطاب الارتجالي على المحكمة.
تحتَ قمرِ الحصادِ،
عندما تقْطُرُ الفضَّةُ النَّاعمةُ
متلألئةً في ليالي الحديقةِ،
يأتي الموتُ،
السَّاخرُ الرَّماديُّ،
و يهمسُ لكَ
كصديقٍ جميلٍ
للتَّـوِّ تذكّرْ.
تحتَ ورودِ الصَّيفِ،
عندما يتوارَى
اللَّون القرمزيُّ الصَّارخُ
مِنَ الأوراقِ البريَّةِ الحمراءِ
في الغسقِ،
يأتي الحبُّ،
بأيْدٍ صغيرةٍ
و يمَسّكُ بألفِ ذكرَى،
يسألك أسئلةً
لا يُمكنُ الردُّ عليها.
إنه يوم الأحد، يا ماري لُوْ، أكثر أيام الأسبوع فظاعة، حين تبدو حتى الزجاجات الفارغة سعيدة برفقة العناكب أسفل سريري. هُنّ لا يعرفن شيئًا عن عزلتي التي شكّلتها وسائد مبتلّة وملاءات مجعّدة، لا شيء عن الفراغ الذي يجتاحني وأنا أشاهد برامج التلفاز الليليّة بيدٍ على ورقة اليانصيب وأخرى على الزجاج.
إنه يوم الأحد يا ماري لو، وأنا الآن متعب من الحديث مع أسلافٍ مختبئين في السلّة المليئة بثياب عملي المتّسخة. إنها زائفة، يخبرونني كلّما قبّلتُ صورتكِ. كما لو أنني لا أعرف ذلك. ليس شعرك الأشقر الطويل الذي بلون دغل عانتك الرّازح مذعنًا تحت يدِ شخصٍ ما مثل حمَلٍ. ولا يبدو نهداك الكبيران المكانَ الملائم كي ينام طفل بقطرة حليب بين شفتيه. حتى إنّ رقم هاتفك المطبوع في قاع ساقيك المنفرجتين زائفٌ. أو لأحدٍ لم يتوجب عليّ مهاتفته. زوجة جاري الساكن في الشقة المجاروة تبدو سعيدة وهي تنزّه أطفالها في مساء الأحد أستطيع رؤيتها في ضوء المقاطعة الأحمر في كلّ ليلة. حتى المرأة بالغة الصغر التي تجاورني، والتي تمسك يد حبيبها الخارج للتوّ من السجن تقول مرحبًا يوم الأحد. فأتظاهر بأنني لا أعرف بأنها ترتدي قبّعة كبيرة لتخفي الكدمات الداكنة أسفل عينيها. حتى كلب صاحبة البيت، الخامس في السنة الفائتة، يعرج في مشيته قبل أن يلعق يدي. يوم الأحد. ولكنّ أسلافي لا يرغبون في رؤية ذلك المشهد فيغوصون في جيوب ثياب عملي المتسخة.
إنه يوم الأحد يا ماري لو، الأحد الوحيد حين تبدو الحياة مختلفة ويكون لعزلتي شكل زجاجة فارغة تخادنُ عناكب وأوراق يانصيب مجعّدة تحت سريري.
إنّه يوم الأحد يا ماري لو، ولا أحد يراني حين أعيد صورتكِ إلى محفظتي لترافق صورةَ حبيبتي التي وعدتني مرةً أن تنتظرني حتى أعود. لا أحد يرى عينيَّ الشاحبتين وهما ترقبان صورتين شاحبتين غير قادرتين على معرفة أيّ الصورتين لحبيبتي وأيّهما لكِ، يا ماري لو. إنه يوم الأحد. الأحد الوحيد.
كتفان
عاريان من الليل
مضيئان
بهيّان
يليقانِ بانكسارِهِما
والصوتُ وجهُ ماءٍ
يليق بالرتابة الّتي تعقب الحياة
أو تطعنها
حرّاسُ الليلِ عميانٌ
ولا شيءَ لتلتقطهُ البصيرة
في فراغين
لا سَفَر يُحصي عدد الشامات في جسدٍ يعدّ الفراغَ للبكاء
فالمجرّات الهائلة الخائفة الّتي تحمل احتراقها على كفّيها
تُهابُ ولا تُحصى
ولا دربَ يطأ سياج الصدى
بعد انتحابِ النشوة
والموتُ لطيفٌ جدًا
بسيطٌ جدًا
يقبلُ دعوة الفقراءِ إلى الموائدِ الأخيرة الّتي تعوي من الجوع
وترتشفُ الفقرَ الفاحشَ من فرطِ يباسِ النبيذ
كأسٌ فارغٌ من النورِ
ووردٌ مهجورٌ
وشمعٌ في طورِ اختفائهِ
والموتُ هنا
يتلمّس آخر منحنياتِ الأحلامِ في الشرود
ينبعثُ في آخر زوايا المرايا
طلاسمهُ في أذنين اعتادتا سماع الرعشة التالية للولادة
والخصرُ مثقلٌ بأظافرهِ
والعتمة
غرق
غرق
غرق
….
….
….
تطرق جارتي العجوز بابي في الصباح لتقول لي: أعدّي لهُ موائدكِ كلّ ليلةٍ، لينساني..
لاشيء في شوارع المخيم إلّا الفراغ
جدران باردة
ومواعيد لاسقف لها
وأطفال يرتدون رائحة الطعام
لاشيء في رحيل الوقت
إلّا غبار الجوع
ومعصية المكان
وذاكرة عابرة كضباب البحور
جوع يترصد عشب طفولتي
فتذوي أشجار الجوز
يتقشَّر جذعها قهراً
ويطفوعلى اليباس وجهي
أرسم من بكاء الصغارجسراً
كي أصل إلى فمي
ألملم ما انفرطة
من أساطير الجدات
وأنحت من وجه العاصفة
خلاص العبور
لاشيء نأكله في مدينة الخوف
ولا ظل لشجرة
هذا المكان خراب حزين
وغبار مجنون يتنهد موتاً
فخلف جدران المخيم
تتوالد الأكفان
هذا الجوع
يقبض بعنق الحكاية
أغمض عيناي
ثم أرسم من حزني درباً
يصل إلى القبور
الطريق باردة يا أمي
لعنة القمح تذبح النسوة
أسرق كفي
لأخبىء طريق الملح
الدروب لاتسير
الموانىء حريق خلف الذاكرة
المدينة أغلقت الجنازة
أغلقت كل شيىء
وفتحت البكاء
خلعت قلبها لتجرِّب القيامة
فنحرت الصدور
الخصوصية في أنطولوجي
نقوم بإحصاء الزيارات واستقراء البيانات العامة، وقد يفعلُ شركاؤنا أيضًا وبعضُ الأدوات التي نستعين بها.
الموافقة اختيارية لكننا نحب لو توافقون، وبيننا وحي الأدب، وهذه سياسة الخصوصية (تُفتح في لسانٍ جديد).