المدونة

  • غوران سميتش-يوم الأحد

    إنه يوم الأحد، يا ماري لُوْ،
    أكثر أيام الأسبوع فظاعة، حين تبدو حتى الزجاجات الفارغة سعيدة برفقة
    العناكب أسفل سريري.
    هُنّ لا يعرفن شيئًا عن عزلتي
    التي شكّلتها وسائد مبتلّة وملاءات مجعّدة،
    لا شيء عن الفراغ الذي يجتاحني
    وأنا أشاهد برامج التلفاز الليليّة
    بيدٍ على ورقة اليانصيب
    وأخرى على الزجاج.

    إنه يوم الأحد يا ماري لو،
    وأنا الآن متعب من الحديث مع أسلافٍ
    مختبئين في السلّة المليئة بثياب عملي المتّسخة.
    إنها زائفة، يخبرونني كلّما قبّلتُ صورتكِ.
    كما لو أنني لا أعرف ذلك.
    ليس شعرك الأشقر الطويل الذي بلون دغل عانتك الرّازح مذعنًا تحت يدِ شخصٍ ما
    مثل حمَلٍ.
    ولا يبدو نهداك الكبيران المكانَ الملائم كي ينام طفل بقطرة حليب بين شفتيه.
    حتى إنّ رقم هاتفك المطبوع في قاع ساقيك المنفرجتين زائفٌ.
    أو لأحدٍ لم يتوجب عليّ مهاتفته.
    زوجة جاري الساكن في الشقة المجاروة
    تبدو سعيدة وهي تنزّه أطفالها في مساء الأحد
    أستطيع رؤيتها في ضوء المقاطعة الأحمر في كلّ ليلة.
    حتى المرأة بالغة الصغر التي تجاورني،
    والتي تمسك يد حبيبها الخارج للتوّ من السجن تقول مرحبًا يوم الأحد.
    فأتظاهر بأنني لا أعرف بأنها ترتدي قبّعة كبيرة لتخفي الكدمات الداكنة أسفل عينيها.
    حتى كلب صاحبة البيت،
    الخامس في السنة الفائتة،
    يعرج في مشيته قبل أن يلعق يدي.
    يوم الأحد.
    ولكنّ أسلافي لا يرغبون في رؤية ذلك المشهد فيغوصون في جيوب ثياب عملي المتسخة.

    إنه يوم الأحد يا ماري لو، الأحد الوحيد حين تبدو الحياة مختلفة
    ويكون لعزلتي شكل زجاجة فارغة
    تخادنُ عناكب وأوراق يانصيب مجعّدة
    تحت سريري.

    إنّه يوم الأحد يا ماري لو،
    ولا أحد يراني حين أعيد صورتكِ
    إلى محفظتي لترافق صورةَ حبيبتي
    التي وعدتني مرةً أن تنتظرني
    حتى أعود.
    لا أحد يرى عينيَّ الشاحبتين وهما ترقبان صورتين شاحبتين غير قادرتين على معرفة أيّ الصورتين لحبيبتي وأيّهما لكِ، يا ماري لو.
    إنه يوم الأحد. الأحد الوحيد.

    ترجمة: تحسين الخطيب

  • زنوبيا ظاهر-تفاصيل 1

    كتفان
    عاريان من الليل
    مضيئان
    بهيّان
    يليقانِ بانكسارِهِما

    والصوتُ وجهُ ماءٍ
    يليق بالرتابة الّتي تعقب الحياة
    أو تطعنها

    حرّاسُ الليلِ عميانٌ
    ولا شيءَ لتلتقطهُ البصيرة
    في فراغين

    لا سَفَر يُحصي عدد الشامات في جسدٍ يعدّ الفراغَ للبكاء
    فالمجرّات الهائلة الخائفة الّتي تحمل احتراقها على كفّيها
    تُهابُ ولا تُحصى

    ولا دربَ يطأ سياج الصدى
    بعد انتحابِ النشوة

    والموتُ لطيفٌ جدًا
    بسيطٌ جدًا
    يقبلُ دعوة الفقراءِ إلى الموائدِ الأخيرة الّتي تعوي من الجوع
    وترتشفُ الفقرَ الفاحشَ من فرطِ يباسِ النبيذ

    كأسٌ فارغٌ من النورِ
    ووردٌ مهجورٌ
    وشمعٌ في طورِ اختفائهِ
    والموتُ هنا
    يتلمّس آخر منحنياتِ الأحلامِ في الشرود
    ينبعثُ في آخر زوايا المرايا
    طلاسمهُ في أذنين اعتادتا سماع الرعشة التالية للولادة
    والخصرُ مثقلٌ بأظافرهِ
    والعتمة
    غرق
    غرق
    غرق

    ….
    ….
    ….

    تطرق جارتي العجوز بابي في الصباح لتقول لي: أعدّي لهُ موائدكِ كلّ ليلةٍ، لينساني..

  • أدونيس – غابة السحر

    Max Ernst

    لِيكُنْ,

    جاءتِ العصافيرُ وانضَمَّ لفيفُ الأحجار للأحجارِ

    لِيكنْ,

    أُوقظُ الشّوارعَ واللّيلَ

    ونمضي في موكبِ الأشجارِ

    الغصونُ الحَقائبُ الخُضْرُ والحلْمُ وسادٌ

    في عطلةِ الأسْفارِ

    حيث يبقي الضُّحى غريبًا ويبقى

    وَجهُهُ خاتمًا على أسراري.

    ليكُنْ,

    دَلّني شُعاعٌ ونادانيَ صَوْتٌ

    من آخر الأسوارِ… .

  • أدونيس – أسلمت أيامي

    Salvador Dali

    أسلمْتُ أيامي لهاويةٍ

    تعلو وتهبط تحت مركبتي

    وحفرتُ في عينيّ مقبرتي,

    أنا سيّد الأشباح أمنحُها

    جِنْسي وأمسِ منحتُها لغتي

    وبكيتُ للتاريخ منهزمًا

    مُتعثرًا يكبو على شفتي

    وبكيت للرعب الذي احترقتْ

    أشجارُه الخضراء في رئتي;

    أنا سيّد الأشباح أوقظها

    وأسوقها بدمي وحنجرتي

    الشّمس قُبّرةٌ رميتُ لها

    أُنشوطتي والريح قبّعتي.

  • ويليام ووردزوورث – إلى فراشة

    Salvador Dali

    لا تطيري! إبقي هنا، فقط قليلاً، لكي أراك

    أرى فيك الكثير من الجوهر، يا مؤرخة طفولتي

    طيري حواليّ، إبقي قليلاً

    ايتها المخلوقة الملائكية: بفضلك تعود الايام المنصرمة، الى قلبي،

    ايها الكنز الرصين، تعود لي صورة أبي،

    سعيدة «هي الايام، سعيدة» هي الازمان،

    أزمان الطفولة الشقية التي ضاعت، وذهبت.

    .

    حيث كنت أنا وأختي نقوم بمطاردة الفراشات الجميلة!

    وكالصياد الحقيقي كنت انبطح على فريستي من بستان، الى بستان.

    ولكنها، وليحرسها الله! كانت تخشى ان تفقد عطر اجنحتها.

    **
    النص الاصلي

    TO A BUTTERFLY

    STAY near me–do not take thy flight!

    A little longer stay in sight!

    Much converse do I find in thee,

    Historian of my infancy!

    Float near me; do not yet depart!

    Dead times revive in thee:

    Thou bring’st, gay creature as thou art!

    A solemn image to my heart,

    My father’s family!

    Oh! pleasant, pleasant were the days,

    The time, when, in our childish plays,

    My sister Emmeline and I

    Together chased the butterfly!

    A very hunter did I rush

    Upon the prey:–with leaps and springs

    I followed on from brake to bush;

    But she, God love her, feared to brush

    The dust from off its wings.

  • حسن العاصي – دروب لاتسير

    حسن العاصي – دروب لاتسير

    Georges Braque ·

    لاشيء في شوارع المخيم إلّا الفراغ
    جدران باردة
    ومواعيد لاسقف لها
    وأطفال يرتدون رائحة الطعام
    لاشيء في رحيل الوقت
    إلّا غبار الجوع
    ومعصية المكان
    وذاكرة عابرة كضباب البحور

    جوع يترصد عشب طفولتي
    فتذوي أشجار الجوز
    يتقشَّر جذعها قهراً
    ويطفوعلى اليباس وجهي
    أرسم من بكاء الصغارجسراً
    كي أصل إلى فمي
    ألملم ما انفرطة
    من أساطير الجدات
    وأنحت من وجه العاصفة
    خلاص العبور

    لاشيء نأكله في مدينة الخوف
    ولا ظل لشجرة
    هذا المكان خراب حزين
    وغبار مجنون يتنهد موتاً
    فخلف جدران المخيم
    تتوالد الأكفان
    هذا الجوع
    يقبض بعنق الحكاية
    أغمض عيناي
    ثم أرسم من حزني درباً
    يصل إلى القبور

    الطريق باردة يا أمي
    لعنة القمح تذبح النسوة
    أسرق كفي
    لأخبىء طريق الملح
    الدروب لاتسير
    الموانىء حريق خلف الذاكرة
    المدينة أغلقت الجنازة
    أغلقت كل شيىء
    وفتحت البكاء
    خلعت قلبها لتجرِّب القيامة
    فنحرت الصدور

  • إلياس ابو شبكة – ما لي أَرى القَلبَ في عَينَيكِ يَلتَهِبُ

    إلياس ابو شبكة – ما لي أَرى القَلبَ في عَينَيكِ يَلتَهِبُ

    Tom Roberts

    ما لي أَرى القَلبَ في عَينَيكِ يَلتَهِبُ أَلَيسَ لِلنّارِ يا أُختَ الشَقا سَبَبُ
    بَعضُ القُلوبِ ثِمارٌ ما يَزالُ بِها عَرفُ الجنانِ وَلكِن بَعضُها حَطَبُ
    ذكرتُ لَيلَةَ أَمسٍ فَاِختَلَجتُ لَها وَاللَيلُ سِكرانُ مِمّا سَحَّتِ السُحُبُ
    ذكرَتُها غَيرَ أَنَّ الشَكَّ خالَجَني إِنَّ النِساءَ إِذا راوَغنَ لا عَجَبُ
    فَهُنَّ من حَيَّة الفِردَوسِ أَمزِجَةٌ يَثورُ فيهِنَّ من أَعقابِها عَصبُ
    أَخافُ في اللَيلِ من طَيفٍ يَسيلُ عَلى مَوجاتِ عَينَيكِ حيناً ثُمَّ يَغتَرِبُ
    طيفٌ مِنَ الشَهوَةِ الحَمراءِ تَغزِلُه حمرُ اللَيالي وَفي أَعماقِهِ العَطبُ
    وَوَجهُكِ الشاحِب الجَذّابُ تُرهِبُني أَلوانُهُ يَتَشَهّى فَوقُها اللَهبُ
    ما زِلتِ تَغتَصِبينَ اللَيلَ في جَهَد حَتّى تَجَمَّدَ في أَجفانِكِ التَعَبُ
    وَما السَوادُ الَّذي في محجريكِ بَدا إِلّا بَقايا من الأَحشاءِ تُغتَصَبُ
    وَحَقِّ طِفلِكِ لَم أَشمُت بِإِمرَأَةٍ زَلَّت بِها قَدَم أَو غَرَّها ذَهَبُ
    فَربّ أَنثى يخون البُؤسُ هَيبَتَها وَالبُؤسُ أَعمى فَتَعيي ثمَّ تَنقَلِبُ
    لي مُهجَةٌ كَدُموعِ الفَجرِ صافِيَة نَقاوَتي وَالتُقى أُمٌّ لَها وَأَبُ
    فَكَيفَ أَختَلِس الحَقَّ الَّذي اِختَلَسوا وَكَيفَ أَذأبُ عَن لُؤمٍ كَما ذَئَبوا
    لي ذِكرياتٌ كَأَخلاقي تُؤَدِّبُني فَلا يُخالِجُني رَوغ وَلا كَذِبُ
    أَبقى لِيَ الأَمسُ مِن غَلواءِ عِفَّتَها وَلم يَزَل في دَمي مِن روحِها نَسَبُ
    وَحَقِّ روحِكِ يا غلوا وَلَو غَدَرت بيَ اللَيالي وَأَصمَت قَلبِيَ النُوَبُ
    إِن كُنتُ في سَكرَةٍ أَو كُنتُ في دَعرٍ وَمَرَّ طَيفُك مَرَّ الطَهرُ وَالأَدَبُ
    وَأَنتِ يا أُمَّ طِفلٍ في تَلَفُّتِهِ سُؤلُ العَفافِ وَفي أَجفانِهِ لعبُ
    صُبّي الخُمورَ فَهذا العَصرُ عَصرُ طَلا أَما السَكارى فَهُم أَبناؤُهُ النُجُبُ
    لا تَقنطي إِن رَأَيتِ الكَأسَ فارِغَة يَوماً فَفي كلّ عامٍ يَنضُجُ العِنبُ
    صُبّي الخُمورَ وَلا تُبقي عَلى مُهجٍ مَوج الشَبابِ عَلى رِجليكِ يَصطخبُ
    أَما أَنا وَلَو اِستَسلَمتُ أَمسِ إِلى خَمرِ اللَيالي فَقَلبي لَيسَ يَنشَعِبُ
    قَد أَشرَبُ الخَمرَ لكِن لا أُدنِّسُها وَأَقرَبُ الإِثمَ لكِن لَستُ أَرتَكِبُ
    وَفي غَدٍ إِذ تُنيرُ الطفل ميعَته وَتهرمينَ وَيَبقى ذلِكَ الخَشَبُ
    قولي لَهُ جِئتَ في عَصر الخُمورِ فَلا تَشرَب سِوى الخَمر وَاِشحَب مِثلَما شَحَبوا
    قولي لَهُ هذِهِ الأَيّامُ مَهزلَة وَلَيسَ إِلّا لمن ينشى بِها الغَلبُ
    قولي لَهُ عَفَّةُ الأَجسادِ قَد ذَهَبَت مَع الجُدودِ الأَعِفّاءِ الأُلى ذَهَبوا
    قولي لِطِفلِكِ ما تَستَصوبينَ غَداً فَكُلُّ أَمرٍ لَهُ في حينِهِ خُطبُ
    وَلكِنِ اليَومَ صُبّي الخَمرَ وَاِنتَخِبي مِن المَلَذّاتِ ما الآثامُ تَنتَخِبُ
    وَلا تَخافي عَذولاً فَالعَذول مَضى وَالعَصر سَكران يا أَخت الشَقا تَعِبُ
    طَريقه الشك أَنّى سار يملكه وَحلمهُ الشهَوات الحُمرُ وَالقُربُ

  • إيهاب خليفة – عبـروا

    إيهاب خليفة – عبـروا

    في الصباح ِ:
    أخرجَ من يده فراشة ً،
    وتحولتْ شفتاهُ إلى جسرٍ،
    وعيناهُ إلى جناح ٍ،
    عَبَرُوا إليه، وقالوا: اِفعلها ثانية ً
    فأخرجَ لهمْ مِنْ أصابعَ مفتوحةٍ،
    آلافَ الفراشاتِ،
    وغنـَّى.
    في المساءِ عادوا
    بقوس ِ قزحَ،
    وريشٍ،
    وساعدَيْنِ،
    ونـَصلٍ،
    ولمْ يَنسَوْا ـ وهمْ يلوذونَ بالفرارِـ
    أنْ يقطعوا الجسْرْ.

  • رنا شنيشن – عفريت مراتي

    رنا شنيشن – عفريت مراتي

    في صالة قمار كبيرة،
    نلعب.
    يراقبنا رب الصالة من خلف الكاميرات
    يضع همَّه الأكبر على الشخص صاحب القرار بعد الخسارة
    مكسبه :الملتبسون باللعبة
    الذين
    نسوا شيئًا ما في المنتصف،
    شيئًا ذا هوة كبيرة
    شيئًا يشبه الثقب الكبير
    يبتلع كل ما حوله.
    شيئًا تحدّث عنه نيتشه وسماه العود الأبدي.
    شيئًا لا يظهر إلا عند النهاية
    يقول لك الحقيقة كاملة
    ثم يمحو خريطة الطرق من رأسك مرة أخرى.
    ويغادر.
    كما في مسلسل بلاك ميرور.
    شيئًا طواه الحلم ونام النوم عليه.
    شيئًا عليهم أن يقضوا حياتهم كلها يبحثوا عنه.
    ولا يجدوه.
    على هذه الضفة أنت،
    وعلى الضفة الأخرى غواية لعبة عفريت العلبة، يا مغفل.
    لعبة جميلة ومسلية، ولن تنتهي منها حتى تنتهي منك.

    ***
    دعونا نبدأ..
    ياقدري الجميل
    يا حظي السعيد الذي ينتظرني خلف الشبابيك والمرايا
    يا لغزي المحبب
    يا لغز الرغبة ولغز الحب ولغز الألم
    يا لغز الحقيقة ولغز النسيان
    لغز الخيانة ولغز الاكتئاب
    لغز النار الخراب
    لغز الخلق
    ولغز النشوة
    لغز الوهم
    ولغز الواقع
    أنا هنا الآن ..
    لا حيلتي ماء ولا تراب
    أنت كل حيلتي
    دعني أدخل فيك وتدخلني
    دعني ألتبس بك
    دعنا نصنع بضع خطوات أخرى من بعضنا، لنمش قليلاً..
    دعنا نكتب الآن لأننا نثق أنك ستعوضنا في النهاية
    لأننا خسرنا كثيرًا
    وصبرنا
    ولأننا نؤمن أننا نتداول الأيام
    ولأن هذا اليوم هو يوم حظنا كما تقول الأبراج.
    دع (أغنيتنا الهرمة) ترقص قليلاً.

    ***

    أقول لصاحبة اليد الدافئة كأحلامي
    التي وددت لو أستطيع فقط أن أمسكها فترة أطول
    لكنني أخاف..
    التي أود أن نسهر قليلاً مع بعضنا نشرب ونسب كل شيء ونرمي نفسنا مرة أخرى في الحياة
    نسافر ونترك خلفنا ذكريات تطاردنا ونطاردها
    نحلم
    ونحاول أن نخرج من الوهم الملتصق بنا
    ولا ندري كيف!
    أقول لها أفهمكِ
    أفهمكِ تمامًا
    والنار التي تريدين أن تخلقي نفسك منها..
    ستعذبك طويلاً
    وستعذبني أيضًا
    أقول وأعرف أن رب الصالة يسلط كاميرته عليها الآن، ولا مفر
    وأن اللعبة اختارتها هي الأخرى..
    وتملؤني المرارة يا صديقتي
    أنا أحبك
    تعالي نحاول أن نخترع لعبة لنا
    أن تفهميني وأن أفهمك
    أن تنظري لي كثيرًا
    أن تصبحي أنا وأصبح أنت
    أن أصبح عفريت علبتك
    أعذبك طويلا حتي تَصلي لي
    عفريت علبتك
    الذي ينتظرك
    ليسخر منكِ
    ثم سأقبلك في النهاية
    سأصبح أنا عذابك
    سأتقمص الأدوار المضادة لكِ تمامًا
    أنا عدوك فأنظري لي
    سأقول لك
    إذا كان”الحب هو أن تحارب العالم في حبيبك”
    فسأصبح حبيبتك لو اضطرني الأمر لذلك.
    لكن الواقع والله أكبر مني ومنك وكل المجازات لا تنفع وكل الكلام لا فائدة منه أمام تلك الرغبة..
    ادخلي في التجربة كما تحبين..
    وسأنتظرك هنا
    مع أحلامك الشاسعة
    ومع الحياة التي نتحايل عليها حتي تتقبلنا بأي شكل
    التي نتمسح بها كما تتمسح القطة بمالكها
    أنتظرك
    وسأقبلك أيضًا
    قبلة بقدر ما عجز كلامي عن قوله لكِ
    قبلة تمحو أثر التجربة يا عزيزتي والبداية، والبداية من جديد…
    لا أعرف
    دعينا ننتظر…

    ***
    والآن
    أين الحرب ياحبيبي؟
    الجندي الذي لا يعرف كيف يعيش من دون الأسلحة والأعداء والقنابل
    كيف له أن يعيش بكل هذا الأمان؟
    والعالم الذي وددنا أن نحارب بعضنا فيه مات
    العالم وأغنيتنا هرمت
    العالم وأغنيتنا أصبحوا عالقين في عالم ليس عالمهم
    رب الطمأنينة أطفأ كل هذه النيران بأجنحته
    بصمته وبكل ملله الوديع

    الحرب الكاذبة كالكتابة
    والكتابة الكاذبة كأحلامي
    وأحلامي الكاذبة كعماد حمدي
    الوحيد الذي فهم اللعبة.

    والخطر؟

    أقول لصديقي أن الشر مغوي، مغوي وجميل ويعطيني هويةً ما أريد أن أتمسك بها في النهاية..
    ولكن لا يهم..
    المهم أنني سأصبح عفريت مراتك في النهاية
    وستصبح أنت صلاح ذو الفقار
    سأتقمص دور إيرما لا دوس
    وسأخونك
    وبالمناسبة
    خنتك في حلمي بالأمس
    عشيقي وضع لي واين في القهوة
    وكان أجمل سُكْر جربته
    حكى لي ما سر القبلة
    وأمرني أن ألعق رقبته
    بالتحديد تفاحة آدم
    وكان يتكلم
    يتكلم وألعقها وهي تعلو وتهبط
    يتكلم وأنتظره
    والسماء كانت تحتفل بنا
    والأنوار كانت تشتعل
    وأرنوفسكي كان يصنع فيلما للأغبياء
    وأنا كنت غبية كفاية فلم أفهمه
    ومن يبحث عن التأويل سيجده
    والله، سيجده
    حتى في تفاحة آدم
    التي كانت حقيقة أكيدة.

    دعني أحدثك عن شيء لفت انتباهي بمناسبة الحديث عن هذا الموضوع
    اللغة تمكنت منا تماما
    وأصبحت حقيقة كاملة:
    1- كنت أنتظر منك طفلا جميلا، يغزو العالم بموسيقاه، انتظرته، وصنعت له خلاصة فني في صنع الكمان، بعدت عنك كثيرا وقسوت عليكِ ولكن كان لي هدف، وفي النهاية تركتيني وذهبت، تركتيني ومات ابننا في جوفك قبل أن ينطق كلمته، ولم أيأس، كان لي هدف أخير قبل أن أموت، علىّ أن أتمه، أخذت جثتك قبل أن تجف ويجف الدم بها، جلبت إناء ثم صنعت ثقبًا كبيرًا في يدك فتساقط الدم الذي طليت به كماننا، وكان شعرك هو الفرشاة، كل لمسة ستجعل العالم ينتفض، وستكون لعنة، لعنتك الجميلة، لعنتك الجميلة ياحبيبتي.
    2- العالم من حولنا كان موحشًا، كان خرابًا، الملل يغمرنا حاولنا أن نبدأ من جديد، آدم وحواء، أول خطيئة، الطوفان، الحب، ثم لمحنا من بعيد شيئًا ما، كان طفلنا، كان خلقنا ياحبيبتي، ولكن الذي لم تعرفيه أن الإله ليس له شريك، سنأخذ قلبك وسيصبح هو العود الأبدي، الإله سيأكله من خلقهم، وأنت سيأكلك قلبك، وقلبك سيخلق الإله وهكذا للنهاية، لعبة سخيفة والله جدا.
    3- عينك على السجادة، أرادت أن تخرج للحياة مرة أخري، ولكن قدرك هو أن تصبحي البطة التي لا يعرفوا من أين يأكلوها؛ وفي النهاية انتهيتِ في كروشهم، وأصبح جمالك هو الجمال الذي يغلفهم جميعًا.
    4- الإله الذي لم يكن له عطر، فصنع عطرًا أغرق العالم كله في ملذاته، عطرًا بلعنة كل الجمال، عطرًا بلعنة كل الحب، ثم رمى نفسه في النهاية، لأنه اكتشف بعد كل هذا، أنه وحيد بأصالة، وحيد بكل هذا الجمال الذي يمكله.
    اكتشف أن لا فائدة.

    الذي أريد أن أحدثك عنه هنا هو العامل المشترك بين هذه القصص، وليس واضحًا كفاية في عقلي.

    ولكن دعك من هذا.
    سنكتشف بعدما خضنا اللعبة وانسقنا إليها، أن عماد حمدي هو السافل الكبير، هو الذي يجعلك تغويني، ويجعلني ألتقط الخيط وأجري وراءه، عماد حمدي هو الوحيد الذي فهم عفريت مراتك وعالجها.
    ولكن دعك من كل هذا أيضًا.

    أريد أن أقبلك قبلة حقيقية، أن أشعر بها بين يدي،
    أن أتذكرها بسهولة، وأطلبها
    أن لا أموت يوميًا بحثا عنها
    ولا أعرف كيف أجدها،
    لأنها حلم، ولأنه طُوي للأبد
    لأنني صحوت يا حبيبي
    لأنني لست وحيدة معك
    لأنني أيضًا لا أريد أن أصبح وحيدة من جديد
    ولأن الحلم غادر.
    غادر كالحياة والمكسب
    غادر كعفريت العلبة
    غادر كرب الصالة
    غادر كعماد حمدي
    غادر كمزاجي
    وغادر كالكتابة

    ولكن
    أن أحبك
    أن ألمس يدك وأتأكد أنها بجواري دائمًا
    أن أرمي نفسي وأثق أنك ستلتقطني
    أن أحبك دائمًا وأن تحبني
    محبة فطرية
    محبة باركها الله والأصدقاء والأهل
    هذا هو كل ما لدي
    لأثق به.

    أنت الذي يملك كل أسراري
    الوحيد الذي أصبحت عارية تمامًا أمامه ولا أخاف.
    و لأنني فجأة أصبحت عاقلة ويمكنني أن أسير معك في الحياة للنهاية.

    عفريت مراتي – رنا شنيشن – مصر

  • رعد – سالم العوكلي

    نُحدِّق في الشتاء الطويل 
    فلا نرى في الأفق المعتم سوى حزمة سنابل
    كأن المطر في راحتي رغيف
    وكأن صمت الرحى يصغي لغيم يتشقق
    تلفني أمي بحديقة من القرنفل، وتهمس:
    لا تخف .. إنه الرعد يا ولدي
    وكلَّ صبح تُشيد من الحطب المبلول نارنا الصغيرة
    رعدٌ، تقول أمي
    فيملأ أبي الوهادَ بقمح من راحتيه الضارعتين


    كان أبي يُكدِّس الطحين في مخابئ البيت
    يرى السؤال المطل في عيوننا
    فيقول :
    لعلها الحرب تندلع.
    ونضحك لأن الأفق المكتظ بالرعد
    لا يشي بدم جديد
    ولأن ..
    لا رايات في البحر تخدش صمته السماوي .


    كم كانت حربك نبيلةً يا أبي
    وكم كان نبياً حدسُك البدوي
    وأنت تبني من أكياس الدقيق متراسنا.
    دم يابس على أطراف أصابعك
    وغزاةٌ من خلف البحر مروا بقمح الكهوف كالجراد
    فأي متراس يحميني من وابل الذكريات
    وقومي هم الغزاة يا أبي.
    قلت لي، وأنت تُحدق في الكتاب بين يدي:
    تعلم لغة العدو لتنجو ..
    ولم تعلمني كيف أنجو حين يكون العدو أخي


    على مرمى قذيفة من ساعة الحائط
    أجمع شظايا أبنائي من أفق يتشقق
    وكلما دوّى قصف في الجبال
    أقول لهم إنه الرعد
    ولكن كيف لوهمي أن يصمد
    وهم يعرفون هوية الانفجار من نبرته


    كم هدهدني الرعد الحنون
    وكم بلل المطر أهداب أبي
    كأن العمرَ دهرٌ
    وكأن الدمَ النازفَ في وطني شفقٌ جريح


    عذراً أولادي ..
    لم أجمع الدقيق من رفوف الغيم
    ولم أعلّمكم كيف تنحنون لتمر الرصاصة فوق رؤوسكم
    لأن الحرب كانت أسطورة أبي
    ولأنني كنت أضحك حين يقول : لعل حرباً تندلع


    أحدق في بحر يتلو أمواجه على مسمع الحجر
    لا أشرعةَ في الأفق أو شهقة مدفع
    لكن لا أحد أخبرني
    أن الراية التي وقفتُ لها يوماً خاشعاً ستقصفني
    وأن حضن أمي ما عاد هنا ليهمس لي
    نم قريراً .. محض رعد يا ولدي.


    المقتول أخي والقاتل
    وهذا الرأس الملفوف بالقصدير
    كأني شربت معه القهوة ذات صباح
    والأطراف المبتورة تمشي كلَّ ليلٍ،
    في كوابيسي، إلى قبورها الصغيرة


    عذراً أولادي
    علّمتكم كيف تنصتون إلى الموسيقى
    كيف تغازلون الجميلات بشِعر كأنه الندى
    كيف توقدون النار في الحطب المبلول
    وكيف تمشون على رؤوس أمشاطكم كي لا تعكروا قيلولة الجار
    ولم أعلّمكم لغة الزناد
    ولا كيف تبنون متراساً من الطحين


    حدثتكم عن مزمار الوادي
    عن الحب الذي ينمو على ضفة البئر
    وعن طبول الرعد في الليل الطويل
    لكني لم أخبركم بوسواس أبي القديم
    ذاك الرجل النحيل الذي عبر وحيداً حروب هذه الأرض
    كلما قال حربٌ ضحكنا
    وكلما دخل بكيس طحين قلنا
    يا لذاكرة أبي المكتظة بالكوابيس


    ذاكرتي ملساء كأنها البياض
    فمن أين جاءت كل هذه الرؤوس المقطوعة
    إلى ذاكرة نقالاتكم
    وكيف تمزقت ألوان العلم على أعناقكم
    ولم يبقَ منها سوى الأحمر
    عذراً أبنائي
    لم آخذ أسطورة أبي على محمل الجد
    ولم أقل لكم حين هز القصفُ أركانَ البيت
    إنه الرعد ..
    لأن المطر المعدني أغشى عيون حدسي.
    ولأن أبي الذي رأى الغزاة يهبطون من السفن
    لم يخبرني أن الغزاة قد يهبطون من دمي…


    هل قلت وطني..؟
    هل حدثتكم عن الوطن ..؟
    أوه .. كم حدثتكم عن الوطن القادم أيام كنا نلتقي!
    وكم علّمتكم رسمَه في كراسة الواجب
    انسوا كل هرطقات المدارس عن الوطن،
    وانصتوا من جديد لدبيب الأرض في دمكم


    حين يقول لكم الجار صباح الخير
    حين تمشون في الأرض مرحاً
    حين تسكرون بعطر الشيح في المساء الخريفي
    حين تخيّمون مع الرفاق في سكينة الغابة
    ولا يتبعكم الخوف كالظل
    حين تضحكون من أب يكدس الطحين في زوايا البيت
    حين تنتظرون الحبيبة في الشرفة المطلة على الدرب الحجري
    ذاك هو الوطن الذي لم نقابله بعد
    فامسحوا الخارطة من كراساتكم القديمة
    وارسموا الوطن بيتاً
    يحده من الشمال حب
    من الجنوب وتر
    من الشرق بخور ومن الغرب شفق ..


    ارسموه ضحكةً في أطلس الروح
    واغفروا لي كلَّ وهم دسستُه في عيونكم
    واغفروا لي أني لم أصدق في غمرة الوهم حدسَ أبي
    ولم آخذ كوابيسه على محمل الجد.

  • بابلو نيرودا – أكثر الأشطر حزنا

    بابلو نيرودا – أكثر الأشطر حزنا

    الليلة، أستطيعُ كتابة أكثر الأشطر حزنًا.

    أكتبُ، على سبيل المثال، “المساءُ تَبَعثر
    والنجومُ الزرقاءُ ترتجف بعيدًا.”
    رياحُ المساء تدور في السماء وتغنّي.

    الليلةَ، أستطيع أن أكتب أكثرَ الأشطر حزنًا:
    أحببتُها، وأحبّتني أيضًا أحيانًا.

    خلال ليالٍ كهذه الليلة احتضنتُها بين ذراعيّ
    بّلتُها مرارًا وتكرارًا تحت السماءِ اللانهائيّة.

    لقد أحبّتني أحيانًا, وأحببتُها أنا أيضًا.
    كيف للمرء ألّا يحبَّ عينيها الرائعتين الساكنتين؟!

    الليلة، أستطيع كتابة أكثر الأشطر حزنًا.
    أن أفكّر في أنّها ليست لي. أن أشعر أنّي فقدتُها.

    أن أسمع الليلَ الشاسعَ ، وهو أكثر شساعةً بعدُ من دونها.
    والشعر يهبط على الروح مثلَما يسقط الندى على المراعي.

    ما يهمّ بعد أن أخفق حبّي في إبقائها؟
    الليل تبعثر وهي ليست معي.

    هذا كلّ شيء. في البعد، ثمّة شخصٌ يغنّي. في البعد.
    روحي لم ترضَ بأنها فقدتْها.

    بصري يبحث عنها كأنّه يرغب في الذهاب إليها.
    قلبي يبحث عنها، وهي ليست معي.

    الليلةُ نفسُها تصبغ الأشجارَ نفسَها بالبياض.
    ونحن، آنذاك، لم نعد كما كنّا.

    لم أعد أحبّها، هذا مؤكّد، ولكنْ كيف أحببتُها.
    صوتي حاول العثور على الريح ليلمسَ سمعَها.

    لشخصٍ آخر. ستكون لشخصٍ آخر. يشبه قبلاتي السابقة.
    نسيمها. جسدها المشرق. عيناها اللانهائيتان.

    لم أعد أحبّها، هذا مؤكد، لكنْ ربّما أحبها.
    الحب قصيرٌ جدًّا ، والنسيانُ طويلٌ جدًّا.

    لأنني خلال ليالٍ كهذه الليلة احتضنتُها بين ذراعي،
    فإنّ روحي غيرُ راضية أنّها فقدتْها.

    لكنّ هذا قد يكون الألمَ الأخيرَ الذي تجعلني أعانيه،
    وهذه الأبيات قد تكون الأخيرة التي أكتبها لها.

  • قصيدة الموت الأسود – لوركا – ترجمة: عدي الحربش

    قصيدة الموت الأسود – لوركا – ترجمة: عدي الحربش

    أريدُ أن أغفوَ غفوةَ التفاحْ
    أريدُ أن أبتعدَ عن زحمةِ القبورْ.
    أريدُ أن أنام نومةَ طفلٍ
    أرادَ شقَ قلبِه بعيداً في البحور.

    لا أريدُ أن يخبروني مرة ثانية كيف تحتفظ الجثة بدمِها
    كيفَ أن الفمَ المتفتتَ يظل ينشد جرعةَ ماء.
    لا أريدُ أن أسمع عن فصولِ التعذيبِ التي أعدها العشب
    ولا عن القمر الذي أتم أعماله قبل الفجر
    وأنفه الأشبه بالثعبان.

    أريد أن أنامَ نصفَ ثانية
    ثانيةً .. دقيقةً .. دهراً
    لكنني أريدهم أن يعلموا بأنني مازلت حياً
    أنني أمتلك معلفاً ذهبياً مابينَ شفتي
    أنني مازلت الرفيقَ الصغيرَ للريحِ الغربية
    أننّي أنا الظل الهائلُ لدموعي.

    عندما يحلّ الفجرُ ارمِ فوقي شيئاً من ثيابْ
    لأنني أعلم أن الفجرَ سيذرّ النملَ عليّ.
    واسكب قليلاً من الماء على حذائي
    كي تخطئني -عندما يأتي- مخالبُ عقربِ الفجر.

    لأنني أريدُ أن أغفوَ غفوةَ التفاحْ
    وأتعلم أغنيةَ نوحٍ تغسلني من كل الأرض
    لأنني أريد أن أحيا مع ذاك الطفل الذي
    أرادَ شقَ قلبه بعيداً في البحور.

  • الحبكة المخصصة للولد الوحيد – ميثم راضي

    الحبكة المخصصة للولد الوحيد – ميثم راضي

    1- تلعثم

    تحاول الكلام..
    مثل طفل لم يعرف نارًا أكبر من عود ثقاب.
    وعليه الآن..
    أن يصف غابة كاملة تحترق.

    2- الانتظار عند المصبّات

    حدّادٌ غامض..
    يطرق حديدة الأيام على شكل سمكة ثم يرميها في النبع
    أنا وأهلي كنّا عند المصبات،
    نحاول اصطيادها..
    مُرددين أغنيات قصيرة، وحزينة جدًا، عن الحياة
    وواقفين في قوارب تبدو من بعيد وكأنها ابتسامة خفيفة على وجه الماء.

    3- حيلة قديمة.

    كان جدي يجفف السنوات السعيدة
    ليستخدمها في غير مواسمها.

    4- النعاس في مجرة أخرى.

    أعرفُ ولدًا
    هو الآن رجل مجنون
    عندما كنّا صغارًا وجدنا خرزة على الأرض
    قال: هذه الخرزة سقطت من الله.. تعال لنعيدها له
    لا بدّ أنه يحتاجها ليصنع منها كوكبًا بعيدًا
    وبقينا نرميها نحو السماء لمدة ثلاثة أيام.. ثم عدتُ أنا للبيت
    وظل هو في العراء للأبد
    كما الآن..
    ألمحه أحيانًا، وسخًا ومتعبًا من الناس..
    يخرج الخرزة من جيبه ويحدق بها.. ثم يستلقي على أي رصيف
    وينام في مجرة أخرى

    5- المصادفة المستمرة

    في إحدى الحروب التي كنتُ فيها لم أزل صغيرًا..
    كنتُ مولعًا بالعدّ
    ومرة عاد أبي من القتال، فاكتشفت بأن عدد ثقوب جزمته العسكرية كان مساويًا لعمري وقتها
    ولقد انتهت الحرب، وكبرت أنا
    لكنني لم أزل مولعًا بالعدّ
    وعمري الآن بالضبط بعدد ثقوب جزمات سرية كاملة من الجنود الذين يذهبون لحرب جديدة.

    6- مساوئ العد على الأصابع

    في مدرسة بعيدة..
    وفي الصف الأول الابتدائي، طفل لم يعر فالعدد الذي يأتي بعد الخمسة
    قال للمعلمة: أبي لم يعلمني أرقامًا أكثر من الخمسة لأنه عاد لنا بذراع واحدة
    في غرفة المديرة
    صرخت المعلمة: لم يعد الحساب ممكنًا في هذه الحرب التي تأخذ الستة من الآباء.

    7- وردة.

    كان للقنفذين بنت اسمها وردة
    وكان ينمو على ساقها الشوك، كوصايا الوالدين
    ويخطر ببالها العقوق على شكل مزهريات.

    8- الحبكة المخصصة للولد الوحيد.

    كان من المفروض أن ينجب أبي أولادًا أكثر..
    ولكنه لم يفعل
    وتركني وحدي في هذا العالم وذهب
    مرةً، رسمت أخي على سبورة المدرسة.. وتشاجرنا مع كل أولك الصغر الذين كانوا يضايقونني..
    رجعت أنا للبيت بكدمة على وجهي وظل هو ممددًا على السبورة بعد أن قاموا بمحو قدميه..
    شرحت لأمي ما حدث
    قالت: غدًا سيكتب لكم المعلم على السبورة تمرينًا.. إذا عرفت الحل سينهض أخوك
    وهكذا صدقتها.. ونجحت.. نجحت كثيرًا
    ونسيت أخي.. نسيت أنني وحدي في هذا العالم
    وصار عندي أولاد وبنات
    كلما ضايقهم أحد.. كتبت لهم تمرينًا.

    9- تقمص

    عندما ينتهي كل شيء
    هل سيصنعون فلمًا عنّا بعد خمسين سنة؟
    فلمًا، مثل إنقاذ الجندي رايان..
    حيث تمتل الشاشة بالجثث
    ويسألنا أحفادنا: كيف نجوتم من كل هذا؟
    ونقول لهم: مثل هذه الجثث في الفلم
    كنا نقوم بعد أن ينتهي التصوير ونهب إلى بيوتنا..
    فقط أن الكثيرين منّا عاشوا الدور للأبد.

    10- صهيل الدراجات العربية الأصيلة.

    مرة رأيت: دراجة هوائية ملطخة بالدماء..
    نهضت لوحدها: مثل فرس أصيلة
    ثم بدأت تبحث خلال الدخان والأشلاء
    عن الولد الصغير الذي كان يركبها.

  • النداء البدائي – سهراب سبهري – ترجمة: تمام التلاوي

    النداء البدائي – سهراب سبهري – ترجمة: تمام التلاوي

     

    Charles Eckart

     

    أين حذائي؟

    ومن كان ذلك الذي ينادونه: سهراب؟!

    لقد كان صوتاً حميماً كلمسة الريح على ورقة الشجرة.

    أمي نائمة

    ومانوشهر وبارفانيه، وربما جميع أهل المدينة كذلك.

     

    هذا ليل حزيران يمر برهافة على الثواني وكأنه قصيدة رثاء

    فيما نسمة باردة آتية من زاوية اللحاف تكنس نعاسي

    ..إنها أحاسيس الفراق

    ووسادتي ممتلئة بأغنية من ريش السنونو.

    سينبلج الفجر

    وسترحل السماء بهذه الكأس من الماء..

     

    عليّ أن أغادر هذه الليلة

    أنا الذي كلّم الناس في هذي البلاد من أوسع النوافذ

    فلم أسمع أية كلمة تليق بزماني

    ولم أر عيناً عاشقة تحدّق في القاع

    لم يفتتن أحد بمنظر الحديقة

    ولم يأخذ أحد طائراً ما بجدية إلى بستان ما…

    إنني مكتئب كغمامة.

    .

    فيما مضى… رأيت “حوري” ـ فتاة الجيران مكتملة النضج ـ

    تدرس اللاهوت عند جذع شجرة الدردار الأشد ندرة على وجه الأرض

    وكان هنالك أشياء أخرى

    كانت لحظات من السموّ

    رأيت مثلاً شاعرة

    مأخوذة بمنظر الأفق

    كانت السماء تستلقي في عينيها

    وكانت ليلة خارجة عن باقي الليالي

    سألني رجل:

    كم من الوقت سوف يمر حتى تنضج الكروم؟…

    .

    هذه الليلة عليّ أن أغادر

    عليّ أن أحمل حقيبة كبيرة بما يكفي لتسع قميص وحدتي

    وأن أمشي إلى حيث يمكن أن أرى شجر الأغاني الملحمية

    أمشي باتجاه مدى السكون العظيم

    الذي لا يكف عن مناداتي.

    .

    ..شخص ما يناديني ثانية: سهراب!

    أين حذائي؟؟

    *

  • مقدمة في الشعر – بيلي كولينز – ترجمة هشام فهمي

    مقدمة في الشعر – بيلي كولينز – ترجمة هشام فهمي

    أسألهم أن يأخذوا قصيدةً

    ويرفعوها في النورِ

    كشريحةٍ ملوَّنة

    أو يضغطوا آذانهم على خلية النحلِ بداخلها

    أقول: ألقوا فأرًا داخل القصيدة

    وراقبوه وهو يتحسَّس طريق الخروج

    أو ادخلوا غرفة القصيدة

    وتلمَّسوا الجدران بحثًا عن مفتاحِ الضوء

    أريدهم أن يتزلَّجوا

    على سطحِ القصيدة

    ملوِّحين لاسم المؤلِّف المحفور على الشاطئ

    لكن كل ما يريدون فعله

    أن يُقيِّدوا القصيدة بحبلٍ إلى كرسي

    ويُعذِّبوها ليستخرجوا منها اعترافًا

    فيضربونها بالخرطوم

    ليصلوا إلى معناها الحقيقي

    ترجمة عادل صالح الزبيدي

    أسألهم أن يأخذوا قصيدة

    ويرفعوها إزاء الضوء

    مثل شريحة لون.

    أو أن يضعوا أذنا صاغية على خلية نحلها.

    أقول لهم اسقطوا جرذا في قصيدة

    وراقبوا كيف يتلمس طريقه خارجا منها.

    أو امشوا داخل حجرة القصيدة

    وتلمسوا الجدران بحثا عن زر إنارة.

    أريدهم أن يتزلجوا فوق سطح قصيدة

    ملوحين إلى اسم مؤلفها على الشاطئ.

    ولكن كل ما يريدونه

    هو أن يربطوا القصيدة بحبل إلى كرسي

    وينتزعوا اعترافا منها بالتعذيب.

    يبدأون بضربها بخرطوم ماء

    كي يكتشفوا معناها الحقيقي.

    النص الأصلي:

    Introduction To Poetry

    Billy Collins

    I ask them to take a poem

    and hold it up to the light

    like a color slide

    or press an ear against its hive.

    I say drop a mouse into a poem

    and watch him probe his way out,

    or walk inside the poem s room

    and feel the walls for a light switch.

    I want them to waterski

    across the surface of a poem

    waving at the author s name on the shore.

    But all they want to do

    is tie the poem to a chair with rope

    and torture a confession out of it.

    They begin beating it with a hose

    to find out what it really means.

  • ماذا تقول الحزينة – باولا سيمونتي

    ماذا تقول الحزينة – باولا سيمونتي

    ربّما أكون نَفَسَ الطازجِ
    آخرَ تنهيدةٍ أو شكلَ
    كلِّ الأشياء في هذا المنزل.
    ميغيل كان يحلم أنّه يسرق ترمساً
    فنجاناً قميصاً
    العالمَ
    وأشياءَ أخرى ليست حزينةً هكذا.
    للعطش وجهٌ عميق
    إنّه حفرةٌ بئرٌ تستمرّ بالاتساع
    بينما يمضي النبض
    إيزابيل تستمرّ بالبحث عن
    حيّزٍ ضئيل في سريرها
    حيث يمكنها أن تتداعى دون أن يقول أحدٌ أيّ شيء
    قد أكون السطرَ الخطأ
    لابسةً الوحدة
    كحصاةٍ في الجيب, أو ربّما
    الشاي الذي يرتشفه المريض.
    قد أكون فمَ الرجل المريض
    العصفورَ الذي يتقافز ولا يحطّ
    المكنسة التي تكنس النوم بعيداً
    أو يديّ الاثنتين تقاومان
    بئر العطش اللانهائيّ
    لكنّني الأرض, أو اسمٌ
    يناديه الناس عندما يجوعون
    أنا اليد التي لا يمكنك رؤيتها, والتي تجلب لك
    ميزان حرارةٍ أو اثنين كلّ يوم
    أنا
    اليد ذاتها التي تمسك
    صحنَ إيزابيل, أو القلبَ
    الذي أوقعتُه فجأة
    أنا امرأةٌ تفتح البابَ
    لنلسون كي يخرج القمامة
    أنا الصوتُ الذي ينده للعشاء,
    ظلٌّ تبحثون عنه
    أنا مجرّد اسمٍ, تقول الحزينة.

    *باولا سيمونِـتي / الأوروغواي
    *ترجمتها عن الانجليزية رشا صادق

  • آلادور لوسلوفي – ذكرى

     

    Charles Eckart

     

     

    لا مدفن
    يمكن الحياة فيه
    إلى الأبد!
    سل
    أين ذهبوا…أولئك الذين عاشوا
    هنا…في المدينة
    منذ خمسمائة سنةٍ مضت
    تراهم أين ذهبوا؟
    إلى الجبانة!
    وأولئك الذين رقدوا في هذه الجبانة
    منذ خمسمائة سنةٍ مضت
    تراهم أين ذهبوا
    إلى الموت!
    ترى
    ما المكان الذي ذهبوا
    من الموت…. إليه
    *
    ترجمة: د. محمد علاء عبد الهادي
    من كتاب مختارات من الشعر المجري المعاصر “شعراء السبعينات” الصادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب-الكويت.

     

  • ويندل بيري – سلام البراري

    ويندل بيري – سلام البراري

    عندما ينمو يأسُ العالَم في داخلي
    وأستيقظ على أدْنَى صوتٍ في اللَّيلِ
    يعتريني الخوفُ،
    ما الذي ستكونُ عليه حياتي وحياة أطفالي،
    أذهبُ حينَها و أستلقي بجانب البطِّ
    حيثُ يستريح بجماله على الماءِ،
    و بجانبه مالكٌ الحزينُ يصطادُ.
    أحصلُ على سلامٍ منَ البراري
    حيثُ لا تُفرضُ الضرائبُ
    ولا يعتريهم الحُزنُ.
    أذهبُ حيثُ المياه الهادئة،
    وأشعرُ و نجوم النهار لاتزال مُطْفأةٌ
    فوقي، أنَّنا علَى موعدٍ مع النُّور.
    لبعضِ الوقت
    أستريحُ في سعة الكوْن،

    أنا حرٌّ.

    ترجمة: د. شريف بقنة

  • أشرف الجمال – مثل رأس كبش قديم

    أشرف الجمال – مثل رأس كبش قديم

    Jurgen Partenheimer

    مثل رأس كبشٍ قديمٍ

    علقتُ حزني على باب شقتي

    وخرجتُ

    خرجتُ إلى الشارع

    الشارع الذي لا بَشَرَ فيه ولا حياة

    أنا من أحباب العزلة

    وأحترم كثيراً مرضى الاكتئاب

    أُقدّرُ من كل قلبي أفكارهم العدمية حول العالم

    أُقدّرُ كراهيتهم العميقة للأضواء والصخب والألقاب المثيرة للشفقة

    مقتهم المُعتّق للكهنة الرسميين للشعر والكتابة وخُطبة الجمعة

    أُجلُّ هوسهم بابتكار مدافن جديدة لذكرياتهم

    الحقيقة لم أخرج لأجل شيءٍ سوى أن أرجعَ بعاهرةٍ في يدي

    وأعود أدراجي

    أتلقى اتصالاً مفاجئاً من صديقةٍ غاليةٍ لديها الرغبة

    في أن تشاركني طقساً كهذا

    أتعلل بأنني مريضٌ وفي طريقي للطبيب في مدينةٍ أخرى

    لا أحب أبداً أن أشوّه أرواح أصدقائي

    أصدقائي أغلى بكثير من أخبيء أحزاني كألغامٍ مؤقتةٍ تحت جسورهم

    لا أحب أن تختنقَ أسماكُهم الصغيرة في المياه القاحلة بروحي

    هم أبرياءُ أكثر مما ينبغي .. ولا يمكنني استثمار هذا

    مثل التلميذات الجميلات اللائي يشتبه على قلوبهن حب المعلم كفارسِ أحلامٍ

    وإجلاله كأبٍ يتسع لاحتضان مواجعهم

    ليس ثمة عَارٌ أشد حقارةً من أن تتربحَ من حزن الصغار

    من تدفق ينابيع قلوبهم – في نزق الغزلان الوليدة – لاكتشاف الصحراء

    حنينهم القاني كالدم لتشحن به أنانية عروقك اليابسة

    أصدقائي دائما يظهرون في التوقيت الخاطيء

    يكونون ملائكةًً

    في الوقت الذي لا أريد سوى أن أكون شيطانا

    ويكونون شياطين في الوقت الذي أكون فيه مذبوحا بقسوة

    بحنيني إلى الله

    إنني أسكر كثيراً وأحضر الحضرات مخموراً ومُثقلا

    على رأسي وحُولٌ من المعاصي

    وقلبي مثقوبٌ كمركبٍ غارقٍ

    لا أعرف ماذا يغنّي المريدون في الحضرة

    لكنني أبكي…

    ربما من أجل البكاء

    من أجل الضياع…

    وربما من أجل اللامعنى

    شيخي يقول: ” أنتَ مُطارَدٌ كذئبٍ

    وعلى قميصك دمٌ ليوسفَ

    لكنني كلما ألقيتُ بدلوٍ في الجب لا يخرج سواك من المريدين

    ضائعٌ أنتَ لتجدَ قلبكَ ” ..

    كأنما تريد أن تمنحني أملاً يا شيخي

    أنا ضائعٌ ولا أرغب أن أوجد

    تائهٌ ولا أبحث عن هدى

    فاسقٌ ولا أفكر في توبة

    لكنني لا أعرف لماذا أحب أن أذهب للحضرة

    مخموراً

    لكي لا أدري ما الذي يحدث وما الذي يقال

    وما الذي تفهمه روحي – لتبكي لأجله –

    ولا أفهمه ..

    لقد أقلعتُ منذ زمنٍ عن الأسئلة

    الأسئلةُ تفسد قلبي

    كما يُفسِدُ الدودُ لوزة القطن

    من الغباء جداً .. وربما علامة على انطماس القلب

    أن تستطيع أن تُفرّقَ – كلما نظرتَ إلى عاهرةٍ –

    إن كانت القاتل

    أم القتيل

    إن كانت حجابَ روحك

    أم بصيرتها.

  • غازي النميري – “يوميات قيد ” الطريق الى القاع

    Wangechi Mutu

    (1)

    أنتَ والشمس توأمان … هكذا قالت .
    لسنابك نورها ضجيج في عروقي … هكذا فسَّرت .
    منذ سنين طويلة لم أذكر أنني تخلفتُ يوما عن شروقها ، مزدحم بها وممتزجة بي ، نحَتت ملامح وجهي واعطتني اندفاعها !
    لاشىء يشبهك ، ولا أحد يماثل حميمية طقوسك …
    قالت .
    كالملسوع تنهض من فراشك وكأنك تسابق الوقت وتخشى من انتقاص ثوانيه … أردفت .
    موعدك مع الماء ، قهوتك ، جريدتك ، وقفزاتك السريعة على الدرج ، لهاث لهاث لهاث … كل البدايات لاهثة ووحدك من يرتب الانفاس فيها … أكملت.
    الوردة البيضاء وصباحها وكمشة من الامنيات كتميمة ترافقك الى عملك …
    صباحك ياروح … تُردد .
    صباحك ياروح الروح … أُجيب .

    كلّ الأمان انثى …
    ومعنى الحياة أنثى …
    تلتهب الشمس وأنت في أمانها ، لا تبالي ، فأنثاك ظلّ
    لروحك ومعناك ورجولتك ، تستمد من انتظارها يقينك ، ومن لهفتها خطاك ، ومن بياضها أملك .
    غيمةٌ باتساع طموحاتك … هي .

    معها … لصباحاتك معنى ، وللوقت فيكَ سمو التجلي والسير نحو اهدافك المرتجاة .