أما الشعراء الذين يحيون معنا فيعبرون عن مشاعر مقتطعة منا في اللحظة الآنية وحال صناعتها . والمرء لا يتعرف عليها للوهلة الأولى ، كما أن المرء يخافها لسبب ما في كثير من الأحيان ، نرقبها باهتمام ونقارنها بحس لا يخلو من الغيرة بالمشاعر القديمة التي عرفناها . من هنا تنبع صعوبة الشعر الحديث ، وبسبب تلك الصعوبة لا يستطيع المرء أن يتذكر أكثر من سطرين متتاليين من شاعر حديث جيد .
1)
إذا طلب شخص أن يقابلني
فأخبره، أنه ذهب لمشاهدة المطر
واذا كان مصرًا..
فقل له أنه ذهب لمشاهدة العاصفة
وإن كان لايزال مصرًا
فقل له لقد ذهب ولن يعود مرة أخرى …
( 2 )
بالموت سأهرب
إلى المجرات
لأن الطريق مع الحياة
طويل جدًا
ولا أستطيع السير فيه
(3 )
لدي شيء أقوله
إنني لحد الآن
لم أكتبه بعد
لأنه أشد بياضًا من الأوراق
(4 )
العالم يتدفق من النافذة إلى الغرفة
وحينما أفتح عيني ينضم إليّ عالم آخر
وأنا مثل تيار يجري بين عالمين
(5 )
أتمنى أن أكون مثل قطتي
أستطيع السير على حافة الجدار
في الظلام
وأتمنى حينما أعود إلى البيت
بهيئة غامضة
كما لو أنها تروي صعلكتي آخر الليل
(6 )
ابتسامتك
مثل قارب ذهبي
يتهادى في بحر أزرق
ويمر أمام عيني
وأنا فجأة أكتشف جمالك ووحدتي
(7)
الموت سيأتي
ليغمض أعيننا بيد
وباليد الأخرى
سيلتقط فاكهة الشمس
( 8 )
أريد أن أموت
لكن ليس ذلك الموت الذي يتوقف فيه القلب
ويغدو به الجسد باردًا
وان أتساوى مع الأرض
أريد أن أموت
لكن ليس لكي لا أسمع صوتًا
ولا شمس تشرق فوقي
ولا أستطيع النظر
إلى القمر والنجوم
أريد أن أموت موتًا غير عادي
موتًا مثل تحول الماء إلى بخار
ومثل نثر البذار
مثل شروق الشمس
مثل تحول السماء إلى غيوم
أريد أن أفنى
لأظهر في عالم آخر
عالم لم يتخذ بعد
عالم لم أجربه سابقًا
مثل عالم الخيال
فيه كل شيء عادي
سوى الخوف من الفناء
والخوف من العجز
والخوف من الوحدة.
(9 )
كيف يختار كل غص من الشجرة
مجاله في الفضاء
أنه لا يشبه أي غصن آخر
(10 )
الزهرة…
هي كل شيء
حينما تنظر إليها بتمعن
إنها تبدو، مثل عالم كبير
يبدأ من عندنا
بمفاجأة
من عينيها المشرقتين…
أبحثُ كي لا أوجدَ، أطلب كي لا أجدَ، أخفي نفسي عن الرغبة، عن الانتصار، فروسيّةٌ، غموضٌ يسيء تقديره العقلُ، أفعى، أو عقل سهل وحقير، إنه ليس فحلاً، بل آلةٌ لدرء المواجهة، بغلٌ من معدن.
■ ■ ■ في دولة متحضرة
في دولة متحضرة، مثل كولومبيا، عاهرة المدرسة الثانوية، تقرأ نيتشه مترجَماً إلى الإسبانية، كي تبرّر قبلاتها في الأرجاء. سورانا التي خانت الرجل القوي بيدريتو، مع جوجيان، في دولة متحضرة. ليس كما في هولندا، حيث طلاب الجامعة يقرأون هاري بوتر، والمثقفون يشاهدون أفلاماً على الانترنت، يا للمفاجأة! سورانا التي يلقون العظات لحريتها بأياديهم الملولة. هناك، حيث أضعت خمس سنوات من عمري.
■ ■ ■ حقل
هنالك زهور في الحقل زهور نادرةٌ، بجذوعٍ محنيةٍ مثل فنّانين. الأمواج في نهاية الحقل، حيث البحر. خيولٌ مبعثرةٌ ترعى، عضلاتُ قوائمها وألوانُها كما لو أنها الناس في بيزرت، كما لو أنها شَعر النساء، شَعر بني مذهّب، شَعر غورغيني* مذهّب، والهواءُ رطبٌ ومليء بأفاع من بروق. من خلال ثقب في الشجرة، يحدّق الفتى نحو البنت قرب الحصان. امرأة بحجاب أرجواني، وأكمام بنفسجية، تحمل ابنتها، في الأضواء التي خلّفها الغروب، وتنظر من نافذة. لقد فقدتُ إيماني بعالم آخر.
*غورغون: أسطورة إغريقية قديمة عن كائنات بشعر من ثعابين تحيل كل ما تنظر إليه إلى حجر.
■ ■ ■ قصيدة عن الوحدة والفشل مع النساء
حزنٌ يملأ كل شيء كالبرق، ضجيج الإمبراطور تلاشى، ونبيذٌ يمتلك السماء. ربة الشعر، هنا، وأقوى بلا موسيقى. الحزن بلاد الحب، أمام المحطات والمسارب، حيث الموسيقى رسالةٌ لم تُرسل بعد، انتظر قطاراً من بيونس آيرس إلى براتسلافا. الحزن في نبيذ البرق حتى السماء، والقمر مثل سفن غازيَة، تشعل مصابيح مساجدي في الغياب، والمواخير الفارغة التي، تملأ القلب مثلما تملأ الشمس البحيرات. وأنا مستيقظ وحدي في الليل، جراء البرق، أعارك حركة العين السريعة، كي أستطيع كتابة الغيابات، عن عشاق يقظين، جراء الرعد والموسيقى الحالمة.
■ ■ ■ عليّ حلاقة ذقني أولاً
قاربٌ صباحيٌّ من قرطاج، في الشمس، تلك البنت الإيطالية، جعلتني أظل واقفاً الليلة الفائتة، متذكراً نسويات هولندا، كأشجار صلبة طويلة. لدي فأس للطحن، مع كل النساء، ولكن عليّ حلاقة ذقني أولاً.
إذا كان الفن الجديد غير مفهوم من قبل الناس كلهم هذا بدوره يدل أن معانيه ليست بالعموم إنسانية . فهو ، بالاجمال ، ليس فنا لكل الناس ، وإنما لفئة خاصة جدا من الناس يمكن أن تكون مساوية للاخرين ولكنها دون أي شك مختلفة عنهم .
غير أننا قبل أي شىء آخر ينبغي أن نجيب عن بعض الأسئلة : علام تطلق أكثرية الناس مصطلح متعة جمالية ؟ بماذا تشعر عندما يعجبها غمل فني ، مسرحية على سبيل المثال ؟
الجواب عن هذه الأسئلة لا يترك مجالا للشك : إن الناس يعجبون بعمل ما عندما يلامس هذا العمل أقدارهم الإنسانية التى يناقشها .الحب ، الكراهية ، الالام ، سعادة الشخصيات كل هذا يلامس قلوبهم ، يمثل حيزا منهم كما لو كانت حالات حقيقية من الحياة . إنهم يقولون عن العمل إنه جيد عندما يثير العمل كما هائلا من الوهم اللازم تتساوى فيه الشخصيات الوهمية المتخيلة مع قيمتها كشخصيات حقيقية حية .
أحسـت بنفسهـا في حالة إشراق جليدية، لكنها [حالة] تفرغ حياتها إفراغا مفرطا في حمأة الفسـاد. ظلت متوترة بسبب رغبة عاجزة. فقد كان بودها لو أنها تفرغ بطنها، لكنها تخيلت هلع الآخريـن. الفرج والإست عاريان. حررت قلبها رائحة الشق والمؤخرة، أما لسان بييرو الذي كان يبلها فقد كان يذكرها ببرودة الميت. زفرت ذلك البرد بفم مفتوح، غير باكية، سكرانة بالخمر والدموع. جذبت رأس صاحبة الحانة فاتحة هاوية شفتيهـا الشهوانية حتى النخر.
***
التحـــم الجسدان في الأرض التحاما بشعـا. تخلصت ماري من الرجل القصير، ثم عضت ذكره إلى أن زعـق. صرعها بييرو. طرحها فوق الأرض ويداها متصلبتان. أمسك الآخرون ساقيها. ترنحت ماري قائلـة: – دعنـي. ثم صمتت. أخيـرا نفحت وعيناها مغمضتان. فتحت عينيها. كان بييرو فوقها متعرقا ومحمرّ الوجه. قالت: – ضاجعني.
خلال المجازر
نتمشى على طول البحيرات غافلين.
تحدثت أنت عن سيمونسكي,
و راقبتُ أنا غراب القيظ
يلتقط فضلات الكلب.
كل واحد منا منغمس في نفسه
مطوقٌ بقوقعة جهلٍ
تقِي أهوائنا.
*
يؤمن الهيوليون
أن فراشة في جبال الهيمالايا
بخفقةٍ من جناحها
بوسعها التأثير على الطقس في القطب الجنوبي.
قد يكون هذا صحيحاً.
ولكن
حيث الدبابات تزحف
والأشلاء والدماء
تتقاطر من الأشجار
فليس ثمة ما يتأثر.
*
البحث عن الحقيقة
كاصطياد السحالي في الظلام.
العنب من جنوب أفريقيا,
الأرز من باكستان,
البلح ينمو في إيران.
نحن مع فكرة الحدود المفتوحة
من أجل الفواكه والخضروات,
لكننا مهما نلف وندور
فالمؤخرة تظل في الخلف.
*
الموتي يدفنون عميقاً في طيَّات الصحف,
لهذا,دون أن نتأثر,
بوسعنا الجلوس
على مقعد في ضواحي الفردوس
حالمين بالفراشات.
يؤمن الهيوليون
أن فراشة في جبال الهيمالايا
بخفقةٍ من جناحها
بوسعها التأثير على الطقس في القطب الجنوبي.
قد يكون هذا صحيحاً.
ولكن
حيث الدبابات تزحف
والأشلاء والدماء
تتقاطر من الأشجار
فليس ثمة ما يتأثر.
هكذا تساءل هلدرلين في مطلع القرن التاسع عشر، ضمن نشيده الكبير خبز وخمر، وفرض على الفلاسفة من بعده ضرورة رسم إجابة ما تكون على قدر هول ما سمعوا من الشاعر الأقصى نفسه، ذاك الذي حوّل الكتابة إلى تمرين حقيقي على جنونه الخاص، وعبثاً حاول كانط أو هيغل أن يعيدوا الشعر إلى حظيرة الفنون الجميلة، نعني إلى أن يقبل بأن يواصل تقلّد وظيفته منذ الإغريق: تخييل اللاوجود بوسائل بشرية وتحويله إلى حكاية (muthos) ملائمة لطمأنة الأطفال على مصير العالم، لكنّ سؤال هلدرلين ينتمي إلى صنف آخر من الحيرة: ثمة بقعة أخلاقية استثنائية بقدر ما هي فارغة من المعنى اسمها الإنسانية.
كان الشعر منذ أوّل أمره على علاقة طيّبة بالجنون. وقال ديمقريطس سابقاً: «لا يمكن أن نكون شعراء دون قدر ما من الجنون». وطمأننا أفلاطون بأنّه «متى أصابه الحبّ يتحوّل أيٌّ كان إلى شاعر». وكانت العرب تظنّ أنّ وراء كلّ شاعر هناك جنّية ما، تحرس جنونه وتخفيه عن أعين الفضول القبَلي للعقلاء.
كيف يجدر بنا، نحن سكّان آخر الزمان الذين تحدّث عنهم القدماء، أن نفهم هذه القرابة المبكّرة بين الشعر والحب والجنون؟ إنّ ما يجمع بين هذه الأحوال الحدودية الثلاثة مع أنفسنا العميقة هو هذا: أنّها تشهد كلّها بأشكال مختلفة على استحالة الحياة – أيّ حياة – بما هي كذلك، نعني تشهد على هشاشة العالم كما يقترح نفسه على الإنسانية.
أن نكتب الشعر مثل أن نحبّ أو أن تقع عقولنا تحت غيمة جنون ما. كلّها حالات ترفع حدوداً ما كنّا نظنّ أنّها حدود العالم كما عشنا فيه أو كما ألفناه إلى حدّ الآن. والحال أنّ ما يميّز الإنسان المعاصر هو كونه الجيل البشري الوحيد وغير المسبوق الذي رفع كمّاً هائلاً من الحدود، مع ذاته أو مع مجتمعه أو مع عالمه، كان الإنسان التقليدي لا يشرئبّ إليها حتى في الحلم، لكنّ رفع الحدود لا يكفي كي يتحوّل أحدهم إلى شاعر، كما لا يكفي أن تكون لنا مشاعر حتى نحبّ، وكما لا يكفي أن نفقد عقولنا اليومية حتى نجنّ.
لسنا محميّين ضد الشعر
ما هو مؤكّد لدينا اليوم هو أنّ الشعر لم يعد يقع خارج أسئلة الفلاسفة عن الحقيقة أو بعيداً عن تأمّلاتهم القصوى حول شكل الحياة التي لا تزال متاحة في أفق البشر. ومع ذلك فإنّ حدود الشعر صارت أكثر وضوحاً من أيّ وقت مضى. قال زرادشت نيتشه سنة 1884: «والحقّ أنّني أخجل من أنّه لا يزال ينبغي عليّ أن أكون شاعراً». ممّ يخجل الشعراء؟ إذن. وربّما في سياق أكثر نضجاً من حيث رعبه وفظاعته، أتى أدرنو سنة 1949 إلى قول جملته المثيرة: «أن نكتب الشعر بعد أوشفيتس هو عمل بربريّ». ما البربريّة في كتابة الشعر بعد المحرقة؟ ألا تحتاج الإنسانية إلى شعراء يحرسون ذاكرة الموتى خارج أقدارهم؟
طبعاً، لا نيتشه كفّ عن مواصلة التدرّب على ملامح الفيلسوف/ الشاعر الذي ينجح آخر الأمر في خلق ألواح خير وشرّ جديدة للنوع البشري. ولا أدرنو تردّد في رفع اللبس أكثر من مرّة عن قولته المرعبة، موضّحاً بأنّه لا يعني بذلك إلاّ إحياء الاستعارات الميّتة عن أنفسنا، بل وأنّه «ينبغي كتابة الشعر، في المعنى الذي أشار إليه هيغل، في جمالياته، بأنّه طالما يوجد وعيٌ بعذابات البشر، يجب أن يوجد الفن بوصفه الشكل الموضوعي لهذا الوعي».
إنّ سرّ الشاعر كما يقول بودلير هو أنّ «الشاعر يدخل، متى أراد، في شخصيّة أيّ كان». لسنا محميين ضدّ الشعر، كما نظنّ عادة. صحيح أنّ «الشعر لا هدف له إلاّ ذاته» كما ينبّهنا بودلير نفسه، لكنّ الشعر ليس مهنة، أو ليس مهنة على حدة. إنّه إمكانيةُ مستحيلٍ نائمة في قدر أيّ واحد منّا، لكنّ بعضنا فقط ينجح في إثارة اهتمامها نحوه، وذلك بقدر ما يعرّض حياته إلى المستحيل، أي إلى رفع حدود العالم مرّة إثر أخرى، ودونما موعد مسبق أو أيّ تبرير أخلاقي جاهز.
مهمّة الشاعر
لا يكتب الشاعر عن هذا الموضوع أو ذاك إلاّ عرضاً. الشعر، مثل الفلسفة، لا موضوع له، بل هو كما قال نوفاليس (1798) ذات مرة، «تربية الأرض» (Bildung der Erde). كلّ شاعر هو حسب نوفاليس مكلّف بمهمّة محدّدة عليه أن يصرف لها كامل وجوده: أن يربّي الأرض، أو أن يشكّل إمكانية الأرض في أفق شعب كبير. وبهذا المعنى هو يسمّيه باسم «الشاعر المتعالي»: الذي يهب شروط إمكان إعادة تربية الأرض، ذاك الذي ينجح في خلق التعالي المطلوب خارج أفق البشر اليوميين من أجل أن يمنحهم ما يبحثون عنه طلية حياتهم: شكل الأرض. ولا يعني شكل الأرض سوى «العالم» نفسه. من دون جموح جسور على إعادة رسم حدود العالم في ثقافة ما لا يظهر الشعراء إلاّ عرضاً.
لكنّ الفلاسفة والشعراء جميعاً هم على وعي منذ قرنين بأنّ الشعر في أفق المعاصرين هو على خلاف الشعر اليوناني أو الروماني أو العربي قد صار، كما قال شليغل، يعمل بلا ميثولوجيا. لم تعد ثمّة «أيام» أسطورية تنقذ الشعر من السرد الحزين لإمكانية الإنسان. من هنا تتأتّى استثنائيّة الشعر في أفق المعاصرين: لقد دخل الشعر في وحدة أخلاقية غير مسبوقة. لم يعد للشعر من موضوع يخصّه إلاّ إمكانية العالم بما هو كذلك. وبهذا المعنى سمّى فكتور هوغو الشاعر بأنّه «عالَمٌ مسجون في شخص إنسان». كلّ قصيدة هي محاولة هروب من سجن ما، نعني من شكل من الحياة اليومية التي لم تعد قابلة للحياة. يدفن الشعراء من إمكانيات الموت بقدر ما يبدعون من خطوط الهروب نحو الإنسانية. وكان أبو فراس قد سرد تفاصيل الشاعر السجين في أفق أنفسنا القديمة. لكنّ ما عاشه في المفرد تحوّل لاحقاً إلى تمرين كوني للنوع البشري.
لا يهرب الشعراء من الواقع بل يبحثون عنه. الشعر، حتى نأخذ من معجم آلان باديو، هو نوع من «البحث عن الواقع المفقود». ولا يعدنا الشعراء بأيّ مستقبل، بل يخترعونه. قال ستوندال: «الجمال وعد بالسعادة»، لكنّ الشعر تمرين فذّ على تأجيل العالم كما هو. وحدهم الشعراء يقفون على حدود أنفسنا العميقة: يستعملون كلّ تلك المساحة من الانفعال التي لا تطؤها أقدام الفضول اليومي: نعني الضجيج المناسب لتأمين اللقاء بين البشر بعد عقد تفاهم حول حدود العالم فيما بينهم. الشعر تأجيل لبق لكلّ أنواع الحوار. لا يتحاور الناس إلاّ بقدر ما يسكتون عن الشعر أو بقدر ما يستغنون عمّا يمكن أن تفعله القصائد، والبعض يخاف الشعر.
الشعر لديه ما يقوله
الشعر مخيف لأنّه لا يقف حيثما ينتهي الحوار اليومي، إذ ثمّة حرّية في قلب كل شاعر لا يستطيع أيّ فضول حديث أن يتحمّلها. تنبني حداثة كلّ معاصر على عقد تفاهم حول حدود ما يمكن وما لا يمكن الخوض فيه، ويشبه أن تكون الحياة الحديثة دائرة من المتكلّمين الذين أنهوا كلّ ما يمكن قوله بمجرّد الحضور، لكنّ الشاعر ليس واحداً منهم. وهذا هو تعريفه الوحيد: أنّه المتكلّم الوحيد الذي لديه شيء جديد يمكن قوله. ويجدر بنا أن نصوغ ذلك في شكل مفارقة: وحده الشعر لا يزال يملك ما لا يقول.
قال باشلار: «الشعر هو اللغة الحرّة إزاء ذاتها». إذا كان الشعر مجرّد لغة لا يقابلها موضوع يومي يهمّ فضولنا، فهو اللغة الوحيدة التي لا تزال تحتفظ بحريتها إزاء ذاتها. كلّ ما تقوله الحياة الحديثة لنا هو لغة مرتّبة، مكرّسة، متوقّعة وغير حرة، أو هي لغة تعني بقدر ما تسكت عمّا لا تقوله، لكنّ الشعر يستمدّ أصالته الاستثنائية من كونه يكتب صمتنا بكل حرية، لكنّ الحرية ليست الطوباويّة. ويدعونا إدغار موران إلى التمييز بين الشعر والطوباوية: فما تحتاجه الحياة راهناً ليس الطوباوية- أي الحلم ببلاد اللا-مكان- بل تحتاج الشعر.
الشعر ليس جميلاً
ولكن حذار ممّن يحبس الشعر في جماليته. الشعر ليس جميلاً بالضرورة. الفضول الأدبي وحده يحصر الشعر في فكرة الجمال. يشبه الشعر أن يكون توقيعاً تحت واقعة الحياة، وحسب رينيهشار هو التوقيع الوحيد. ومن يوقّع تحت حياته أو تحت شكل حياته أو تحت إمكانية الأرض الخاصة به أو تحت عالمه هو شاعر. ونعني بذلك أنّه يرتفع إلى ذلك القدر من «اللامعنى» الذي يخيّم على حياة أيّ كان أو على تصوّره لذاته. قال جورج باتاي: «إنّ الشعر الذي لا يرقى إلى لا- معنى الشعر هو ليس سوى فراغ الشعر، ليس سوى شعر جميل».
الشعر المعاصر كفّ عن أن يكون مجرّد وعد بالجمال، لأنّ الإنسانية كفّت عن انتظار أيّ نوع من الخلاص من خارج آلامها. يحتاج الجمال منذ اليونان إلى قدر مناسب من التناسق بين أجزاء وجودنا. والشعر إنّما كان دوماً فنّ تناسق الحواس. وهذا كان تعريفاً كافياً لإمكانية الجمال في أفق البشر القدامى. نحن المعاصرين نعاني ممّا سمّاه أرثر رامبو «تعطيل جميع الحواس». قال: «يتعلق الأمر بالوصول إلى المجهول بواسطة تعطيل جميع الحواس. إنّ الآلام هائلة، لكنّ المرء ينبغي أن يكون قويّاً، أن يكون قد وُلد شاعراً، وأنا عرفت نفسي شاعرًا. وليس هذا خطئي».
الشعر ليس خطأ لأحد، بل هو على العكس من فضول العقلاء تعطيلٌ لائق للحواس التي فقدت قدرتها على الإلمام بالعالم. وحده الشاعر بإمكانه أن يقول لنفسه يوماً ما عبارة رامبو المرعبة: «أنا هو آخر» (Je est un autre). وحده شاعر بإمكانه أن يحتمل غيريّته كإنسان من دون تردّد: أن يشعر بأنّه كلّ الذين لم يكُنْهم يوماً ما، وأنّه يشتاق إليهم، وأن يرغب في أن يقرأ عليهم فلذات حواسّه الأكثر استثنائيّة. وحده الشاعر يشتاق إلى الذين لا يعرفهم، ولا يجد في هكذا شوق أيّ تصادم مع حسّه بالواقع.
توقيع تحت واقعة الحياة
حذار ممّن يحبس الشعر في جماليته. الشعر ليس جميلاً بالضرورة. الفضول الأدبي وحده يحصر الشعر في فكرة الجمال. يشبه الشعر أن يكون توقيعاً تحت واقعة الحياة، وحسب رينيه شار هو التوقيع الوحيد. ومن يوقّع تحت حياته أو تحت شكل حياته أو تحت إمكانية الأرض الخاصة به أو تحت عالمه هو شاعر. ونعني بذلك أنّه يرتفع إلى ذلك القدر من «اللامعنى» الذي يخيّم على حياة أيّ كان أو على تصوّره لذاته.
إن كان فعل الفلسفة ليس شيئا اكثر من النظر في الموجودات، و اعتبارها من حيث دلالتها على الصانع، اعني من جهة ماهي مصنوعات، فان الموجودات إنما تدل على الصانع بمعرفة صنعتها، وانه كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم.
وكان الشرع قد ندب إلى اعتبار الموجودات وحث على ذلك،
فبين أن ما يدل على هذا الاسم: إما واجب بالشرع، و إما مندوب إليه.
فإما أن الشرع دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل، وتطلب معرفتها به، فذلك بين في غير ما أية من كتاب الله تبارك وتعالى :
مثل قوله:(فاعتبروا يا أولي الأبصار)، وهذا نص على وجوب استعمال القياس العقلي، أو العقلي الشرعي معا.
ومثل قوله تعالى:(أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء)، وهذا نص على النظر في الموجودات…
وإذا تقرر أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها ،وكان الاعتبار ليس شيئا اكثر من استنباط المجهول من المعلوم، واستخراجه منه وهذا هو القياس، فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس …
وإذا كانت هذه الشريعة حقا وداعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق، فإنا معشر المسلمين نعلم على القطع انه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع : فان الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له.
الكتابة فعل أناني وطارد يفرض درجة من العزلة الداخلية، ينفيك عمن حولك أو ينفي من حولك ويضعهم على الرف إلى حين فعل ينفي الآخرين ليخاطبهم ويكتب حكاياتهم، يقصيهم ليراهم أكثر يبتعد ليقترب، ويعزلك ليتيح لك تبديد وجودك المفرد وإذابته في وجودهم ومكانهم وزمانهم عجيب !
أيتها الأمواج..مطر الربيع يهطل ويموت على صمتك النائم العتمة في مياهك تحلّق فوقك أيتها الأمواج بمطر الربيع على مياهك النائمة بمطر الربيع، حتى بعيداً تغيرت الصخور النائية للربيع فوق هذه المياه حيث نستلقي نحن الاثنين نائمين تلوح هيئة صخرية. كل الصمت لكن يبقى مطر الربيع يهطل ويموت.
أنا الشوارع الخلفية لمدينة غير موجودة، وأنا التعليق المهذار لكتاب لم يكتبه أحد مطلقا».
ذات يوم حل بي النوم كأي مخلوق.
أغمضت عيني مستغرقا في الكرى.
عدا هذا كنت شاعر الطبيعة الأوحد.
***
أرغب في فهم كل شيء، معرفة كل شيء، اكمال كل شيء، قول كل شيء، التمتع بكل شيء، التألم من كل شيء، لكن لا شيء من هذا كله، لا شيء، أنهكتني فكرة ما أرغب في الحصول عليه، ما أستطيعه، ما أحسه، حياتي حلم كبير.
***
لقد حلمت أكثر مما حلم به نابليون نفسه
ضممت إلى صدري المفترض إنسانيات أكثر مما ضم المسيح
شيدت في السر فلسفات أكثر من كل ما كتب كانط
لكن كنت وسأكون دائما مجرد ساكن غرفة في سطح.
***
لم يكن لي أبدا في وقت من الأوقات ما يمكن تسميته بالمعلم، لم يمت لأجلي أي مسيح.. لم يدلني بوذا على الطريق، في أعلى أحلامي لم يتجلى، أيَ أبولو أو أثينا كي ينير لي الطريق.
***
أنا لست ذا شأن، ولن أكون ذا شأن، ولا أستطيع أن أكون ذا شأن، عدا ذلك، أحمل في نفسي كل أحلام العالم.
***
ليس العذاب الاخلاقي هو من يدفعني الى قتل نفسي: بل الفراغ الأخلاقي الذي يشكل قاعدة هذا العذاب.
***
في الصواب وفي الخطأ وفي الشدة اعرف كينونتك الخاصة.. فقط بامكانك أن تفعل ذلك حالما، لأن حياتك الواقعية، حياتك الإنسانية، هي تلك التي ليست حياتك إنما حياة الآخرين.
***
لا الرذيلة ولا التجربة هما من يفض بكارة الروح، بل التفكير فقط.. التفكير وحده يفض بكارة أكثر أشياء الكائن الحميمية.
***
وحدهم الذين لا يفكرون أبدا ينجحون في إيجاد خاتمة، التفكير هو التردد، رجال الفعل لا يفكرون أبدا.
***
نحن لم نعش الحياة، الحياة هي التي عاشتنا
بنفس الطريقة التي يرشف فيها النحل الرحيق
نرى، نتكلم، ونحيا، الأشجار تنمو، بينما نحن نيام
بدون أن نعي أبدا أننا واعون نمضي…
***
كل كوارث الدنيا تأتي
من تعذيب بعضنا للبعض
بنية فعل الخير أو نية فعل الشر.
***
نعذب إخوتنا البشر ببغضنا، بحقدنا، بخبثنا، لنقول بعد ذلك: «العالم سيئ».
***
شأنه شأن باقي الفنون، ليس الأدب سوى اعتراف بأن الحياة لم تعد تكفي.
***
الفن بأسره هو نوع من الأدب، لأن قوامه قول شيء ما…. ثمة طريقتان للحديث: الكلام والصمت، من هنا الفنون التي ليست أدبا، ماهي سوى انعكاس لهذا الصمت التعبيري.
***
الحقيقة الوحيدة في الحياة هي الأحاسيس، أما الحقيقة الوحيدة في الفن فهي وعي هذه الأحاسيس.
-ليس هناك في الفن لا فلسفة ولا أخلاق ولا حتى علم جمال، وهي غير موجودة في الحياة.في الفن ليس هناك سوى أحاسيس والوعي بها. الله هو أحد أحاسيسنا.
***
ليس عندي أي طموح ولا أي رغبة.
طموحي أن لا أكون شاعرا.
أنها طريقتي الخاصة لأكون متفردا.
طوال فترة حياتِه، يستندُ الشّاعرُ، لحظةً إذا شاء الظرْفُ، إلى شجرةٍ ما، بحرٍ، منحدرٍ، أو إلى غمامة لها صبغةٌ معيّنة. إنّهُ ليس ملتحماً بضلالات الآخر. فلِحبّهِ، وسَبْيه، وسعادته، نظيرٌ في كلّ الأماكن التي لم يذهب إليها، ولن يذهب أبداً، لدى الغرباء الذين لن يتعرّف عليهم. وما إن نرفعَ الصوتَ أمامه، أو نستحثّه أنْ يقبل التكريمات الآسرة، أو نستدعي الكواكب بشأنه، حتّى يجيبنا بأنّه من البلد “المجاور”، من السّماء التي اُبْتلِعَت توّاً.
يبعثُ الشّاعرُ النشاطَ ومن ثم يهرعُ إلى الخاتمة.
وإنْ، مساءً، لوَجنتهِ فجوات مبتدئٍ عدّة، فهو عابرٌ مهذّبٌ يتعجّل في تحيّات الوداع حتّى يكون هناك حينما يخرج الخبزُ من التنّور.
دُنياك ماويّةٌ ، لها نُوَبٌ
شتّى ، سماويّةٌ ، وأنباءُ
أُفٍّ لها ، جُلُّ ما يُفيدُ بها
مَنْ فاز فيها ، الطعامُ والباءُ
جُدَّ مقيمٌ ، وخابَ ذو سفَرٍ
كأنّهُ في الهَجيرِ حِرباءُ
أقضيةٌ ، لا تزالُ واردةً
تَحارُ ، في كونها ، الألبّاءُ
قام بنو القومِ في أماكنهم
وغُيّبَت ، في التُّرابِ ، آباءُ
وزال عزُّ الأميرِ ، وافترقت أحبْاؤه عنهُ ، والأحِبّاءُ
وكلَّ حين حُوبٌ ومعصيةٌ
زادتهما في الذنوب ، حوباءُ
أنا لا أزالُ أَحمل من ذكريات صباي ذكرى بيتِ صغيرِ صَرَفتُ ساعاتٍ لذيذةً في بنائه من الحجارةِ الصَّغيرة فما انتهيت منه إلا والشمس قد أشرقت على المغيب . لكني بقيت حتى دهمتني الظلمة , وأنا أبتعد عنه ثم أدنو منه وعيني مترعة بالإعجاب وقلبي طافح بالغبطة فقد شعرت أنَّني خلقت شيئا ولولا خوفي من والدي لبت ليلتي بجانب بيتي الصغير .
وما أن انبلج الصبح حتى هرولت إلى البيت أتفقده بلهفة وأتحسس حجارته وترابه بشوق وإذا بوالدي يلمح البيت ويلمحني عن بعيد فيأمرني بلطف أن أهدمه في الحال وأنقل حجارته من هنالك لأنه مزمعٌ أن يحرث الأرض والبقعة الصّغيرة حيث شيدت بيتي . فأنصاع لأمر والدي وفي العين دموع كأنَّها الجمر .