المدونة

  • نيلس هاو – يؤمن الهيوليون


    يؤمن الهيوليون
    أن فراشة في جبال الهيمالايا
    بخفقةٍ من جناحها
    بوسعها التأثير على الطقس في القطب الجنوبي.
    قد يكون هذا صحيحاً.
    ولكن
    حيث الدبابات تزحف
    والأشلاء والدماء
    تتقاطر من الأشجار
    فليس ثمة ما يتأثر.

  • فتحى المسكيني – الشعراء يحرسون هشاشة العالم

    فتحى المسكيني – الشعراء يحرسون هشاشة العالم

    «لماذا الشعراء.. في الزمن الرديء؟»

    هكذا تساءل هلدرلين في مطلع القرن التاسع عشر، ضمن نشيده الكبير خبز وخمر، وفرض على الفلاسفة من بعده ضرورة رسم إجابة ما تكون على قدر هول ما سمعوا من الشاعر الأقصى نفسه، ذاك الذي حوّل الكتابة إلى تمرين حقيقي على جنونه الخاص، وعبثاً حاول كانط أو هيغل أن يعيدوا الشعر إلى حظيرة الفنون الجميلة، نعني إلى أن يقبل بأن يواصل تقلّد وظيفته منذ الإغريق: تخييل اللاوجود بوسائل بشرية وتحويله إلى حكاية (‏muthos) ‬ملائمة ‬لطمأنة ‬الأطفال ‬على ‬مصير ‬العالم، ‬لكنّ ‬سؤال ‬هلدرلين ‬ينتمي ‬إلى ‬صنف ‬آخر ‬من ‬الحيرة: ثمة ‬بقعة ‬أخلاقية ‬استثنائية ‬بقدر ‬ما ‬هي ‬فارغة ‬من ‬المعنى ‬اسمها ‬الإنسانية.

    كان الشعر منذ أوّل أمره على علاقة طيّبة بالجنون. وقال ديمقريطس سابقاً: «لا يمكن أن نكون شعراء دون قدر ما من الجنون». وطمأننا أفلاطون بأنّه «متى أصابه الحبّ يتحوّل أيٌّ كان إلى شاعر». وكانت العرب تظنّ أنّ وراء كلّ شاعر هناك جنّية ما، تحرس جنونه وتخفيه عن أعين الفضول القبَلي للعقلاء.

    كيف يجدر بنا، نحن سكّان آخر الزمان الذين تحدّث عنهم القدماء، أن نفهم هذه القرابة المبكّرة بين الشعر والحب والجنون؟ إنّ ما يجمع بين هذه الأحوال الحدودية الثلاثة مع أنفسنا العميقة هو هذا: أنّها تشهد كلّها بأشكال مختلفة على استحالة الحياة – أيّ حياة – بما هي كذلك، نعني تشهد على هشاشة العالم كما يقترح نفسه على الإنسانية.

    أن نكتب الشعر مثل أن نحبّ أو أن تقع عقولنا تحت غيمة جنون ما. كلّها حالات ترفع حدوداً ما كنّا نظنّ أنّها حدود العالم كما عشنا فيه أو كما ألفناه إلى حدّ الآن. والحال أنّ ما يميّز الإنسان المعاصر هو كونه الجيل البشري الوحيد وغير المسبوق الذي رفع كمّاً هائلاً من الحدود، مع ذاته أو مع مجتمعه أو مع عالمه، كان الإنسان التقليدي لا يشرئبّ إليها حتى في الحلم، لكنّ رفع الحدود لا يكفي كي يتحوّل أحدهم إلى شاعر، كما لا يكفي أن تكون لنا مشاعر حتى نحبّ، وكما لا يكفي أن نفقد عقولنا اليومية حتى نجنّ.

    لسنا محميّين ضد الشعر

    ما هو مؤكّد لدينا اليوم هو أنّ الشعر لم يعد يقع خارج أسئلة الفلاسفة عن الحقيقة أو بعيداً عن تأمّلاتهم القصوى حول شكل الحياة التي لا تزال متاحة في أفق البشر. ومع ذلك فإنّ حدود الشعر صارت أكثر وضوحاً من أيّ وقت مضى. قال زرادشت نيتشه سنة 1884: «والحقّ أنّني أخجل من أنّه لا يزال ينبغي عليّ أن أكون شاعراً». ممّ يخجل الشعراء؟ إذن. وربّما في سياق أكثر نضجاً من حيث رعبه وفظاعته، أتى أدرنو سنة 1949 إلى قول جملته المثيرة: «أن نكتب الشعر بعد أوشفيتس هو عمل بربريّ». ما البربريّة في كتابة الشعر بعد المحرقة؟ ألا تحتاج الإنسانية إلى شعراء يحرسون ذاكرة الموتى خارج أقدارهم؟

    طبعاً، لا نيتشه كفّ عن مواصلة التدرّب على ملامح الفيلسوف/‏ الشاعر الذي ينجح آخر الأمر في خلق ألواح خير وشرّ جديدة للنوع البشري. ولا أدرنو تردّد في رفع اللبس أكثر من مرّة عن قولته المرعبة، موضّحاً بأنّه لا يعني بذلك إلاّ إحياء الاستعارات الميّتة عن أنفسنا، بل وأنّه «ينبغي كتابة الشعر، في المعنى الذي أشار إليه هيغل، في جمالياته، بأنّه طالما يوجد وعيٌ بعذابات البشر، يجب أن يوجد الفن بوصفه الشكل الموضوعي لهذا الوعي».

    إنّ سرّ الشاعر كما يقول بودلير هو أنّ «الشاعر يدخل، متى أراد، في شخصيّة أيّ كان». لسنا محميين ضدّ الشعر، كما نظنّ عادة. صحيح أنّ «الشعر لا هدف له إلاّ ذاته» كما ينبّهنا بودلير نفسه، لكنّ الشعر ليس مهنة، أو ليس مهنة على حدة. إنّه إمكانيةُ مستحيلٍ نائمة في قدر أيّ واحد منّا، لكنّ بعضنا فقط ينجح في إثارة اهتمامها نحوه، وذلك بقدر ما يعرّض حياته إلى المستحيل، أي إلى رفع حدود العالم مرّة إثر أخرى، ودونما موعد مسبق أو أيّ تبرير أخلاقي جاهز.

    مهمّة الشاعر

    لا يكتب الشاعر عن هذا الموضوع أو ذاك إلاّ عرضاً. الشعر، مثل الفلسفة، لا موضوع له، بل هو كما قال نوفاليس (1798) ذات مرة، «تربية الأرض» (‏Bildung der Erde)‬. ‬كلّ ‬شاعر ‬هو ‬حسب ‬نوفاليس ‬مكلّف ‬بمهمّة ‬محدّدة ‬عليه ‬أن ‬يصرف ‬لها ‬كامل ‬وجوده: ‬أن ‬يربّي ‬الأرض، ‬أو ‬أن ‬يشكّل ‬إمكانية ‬الأرض ‬في ‬أفق ‬شعب ‬كبير. ‬وبهذا ‬المعنى ‬هو ‬يسمّيه ‬باسم «‬الشاعر ‬المتعالي»‬: ‬الذي ‬يهب ‬شروط ‬إمكان ‬إعادة ‬تربية ‬الأرض، ‬ذاك ‬الذي ‬ينجح ‬في ‬خلق ‬التعالي ‬المطلوب ‬خارج ‬أفق ‬البشر ‬اليوميين ‬من ‬أجل ‬أن ‬يمنحهم ‬ما ‬يبحثون ‬عنه ‬طلية ‬حياتهم: ‬شكل ‬الأرض. ‬ولا ‬يعني ‬شكل ‬الأرض ‬سوى «‬العالم» ‬نفسه. ‬من ‬دون ‬جموح ‬جسور ‬على ‬إعادة ‬رسم ‬حدود ‬العالم ‬في ‬ثقافة ‬ما ‬لا ‬يظهر ‬الشعراء ‬إلاّ ‬عرضاً.

    لكنّ الفلاسفة والشعراء جميعاً هم على وعي منذ قرنين بأنّ الشعر في أفق المعاصرين هو على خلاف الشعر اليوناني أو الروماني أو العربي قد صار، كما قال شليغل، يعمل بلا ميثولوجيا. لم تعد ثمّة «أيام» أسطورية تنقذ الشعر من السرد الحزين لإمكانية الإنسان. من هنا تتأتّى استثنائيّة الشعر في أفق المعاصرين: لقد دخل الشعر في وحدة أخلاقية غير مسبوقة. لم يعد للشعر من موضوع يخصّه إلاّ إمكانية العالم بما هو كذلك. وبهذا المعنى سمّى فكتور هوغو الشاعر بأنّه «عالَمٌ مسجون في شخص إنسان». كلّ قصيدة هي محاولة هروب من سجن ما، نعني من شكل من الحياة اليومية التي لم تعد قابلة للحياة. يدفن الشعراء من إمكانيات الموت بقدر ما يبدعون من خطوط الهروب نحو الإنسانية. وكان أبو فراس قد سرد تفاصيل الشاعر السجين في أفق أنفسنا القديمة. لكنّ ما عاشه في المفرد تحوّل لاحقاً إلى تمرين كوني للنوع البشري.

    لا يهرب الشعراء من الواقع بل يبحثون عنه. الشعر، حتى نأخذ من معجم آلان باديو، هو نوع من «البحث عن الواقع المفقود». ولا يعدنا الشعراء بأيّ مستقبل، بل يخترعونه. قال ستوندال: «الجمال وعد بالسعادة»، لكنّ الشعر تمرين فذّ على تأجيل العالم كما هو. وحدهم الشعراء يقفون على حدود أنفسنا العميقة: يستعملون كلّ تلك المساحة من الانفعال التي لا تطؤها أقدام الفضول اليومي: نعني الضجيج المناسب لتأمين اللقاء بين البشر بعد عقد تفاهم حول حدود العالم فيما بينهم. الشعر تأجيل لبق لكلّ أنواع الحوار. لا يتحاور الناس إلاّ بقدر ما يسكتون عن الشعر أو بقدر ما يستغنون عمّا يمكن أن تفعله القصائد، والبعض يخاف الشعر.

    الشعر لديه ما يقوله

    الشعر مخيف لأنّه لا يقف حيثما ينتهي الحوار اليومي، إذ ثمّة حرّية في قلب كل شاعر لا يستطيع أيّ فضول حديث أن يتحمّلها. تنبني حداثة كلّ معاصر على عقد تفاهم حول حدود ما يمكن وما لا يمكن الخوض فيه، ويشبه أن تكون الحياة الحديثة دائرة من المتكلّمين الذين أنهوا كلّ ما يمكن قوله بمجرّد الحضور، لكنّ الشاعر ليس واحداً منهم. وهذا هو تعريفه الوحيد: أنّه المتكلّم الوحيد الذي لديه شيء جديد يمكن قوله. ويجدر بنا أن نصوغ ذلك في شكل مفارقة: وحده الشعر لا يزال يملك ما لا يقول.

    قال باشلار: «الشعر هو اللغة الحرّة إزاء ذاتها». إذا كان الشعر مجرّد لغة لا يقابلها موضوع يومي يهمّ فضولنا، فهو اللغة الوحيدة التي لا تزال تحتفظ بحريتها إزاء ذاتها. كلّ ما تقوله الحياة الحديثة لنا هو لغة مرتّبة، مكرّسة، متوقّعة وغير حرة، أو هي لغة تعني بقدر ما تسكت عمّا لا تقوله، لكنّ الشعر يستمدّ أصالته الاستثنائية من كونه يكتب صمتنا بكل حرية، لكنّ الحرية ليست الطوباويّة. ويدعونا إدغار موران إلى التمييز بين الشعر والطوباوية: فما تحتاجه الحياة راهناً ليس الطوباوية- أي الحلم ببلاد اللا-مكان- بل تحتاج الشعر.

    الشعر ليس جميلاً

    ولكن حذار ممّن يحبس الشعر في جماليته. الشعر ليس جميلاً بالضرورة. الفضول الأدبي وحده يحصر الشعر في فكرة الجمال. يشبه الشعر أن يكون توقيعاً تحت واقعة الحياة، وحسب رينيهشار هو التوقيع الوحيد. ومن يوقّع تحت حياته أو تحت شكل حياته أو تحت إمكانية الأرض الخاصة به أو تحت عالمه هو شاعر. ونعني بذلك أنّه يرتفع إلى ذلك القدر من «اللامعنى» الذي يخيّم على حياة أيّ كان أو على تصوّره لذاته. قال جورج باتاي: «إنّ الشعر الذي لا يرقى إلى لا- معنى الشعر هو ليس سوى فراغ الشعر، ليس سوى شعر جميل».

    الشعر المعاصر كفّ عن أن يكون مجرّد وعد بالجمال، لأنّ الإنسانية كفّت عن انتظار أيّ نوع من الخلاص من خارج آلامها. يحتاج الجمال منذ اليونان إلى قدر مناسب من التناسق بين أجزاء وجودنا. والشعر إنّما كان دوماً فنّ تناسق الحواس. وهذا كان تعريفاً كافياً لإمكانية الجمال في أفق البشر القدامى. نحن المعاصرين نعاني ممّا سمّاه أرثر رامبو «تعطيل جميع الحواس». قال: «يتعلق الأمر بالوصول إلى المجهول بواسطة تعطيل جميع الحواس. إنّ الآلام هائلة، لكنّ المرء ينبغي أن يكون قويّاً، أن يكون قد وُلد شاعراً، وأنا عرفت نفسي شاعرًا. وليس هذا خطئي».

    الشعر ليس خطأ لأحد، بل هو على العكس من فضول العقلاء تعطيلٌ لائق للحواس التي فقدت قدرتها على الإلمام بالعالم. وحده الشاعر بإمكانه أن يقول لنفسه يوماً ما عبارة رامبو المرعبة: «أنا هو آخر» (‏Je est un autre)‬. ‬وحده ‬شاعر ‬بإمكانه ‬أن ‬يحتمل ‬غيريّته ‬كإنسان ‬من ‬دون ‬تردّد: ‬أن ‬يشعر ب‬أنّه ‬كلّ ‬الذين ‬لم ‬يكُنْهم ‬يوماً ‬ما، ‬وأنّه ‬يشتاق ‬إليهم، ‬وأن ‬يرغب ‬في ‬أن ‬يقرأ ‬عليهم ‬فلذات ‬حواسّه ‬الأكثر ‬استثنائيّة. ‬وحده ‬الشاعر ‬يشتاق ‬إلى ‬الذين ‬لا ‬يعرفهم، ‬ولا ‬يجد ‬في ‬هكذا ‬شوق ‬أيّ ‬تصادم ‬مع ‬حسّه ‬بالواقع.

    توقيع تحت واقعة الحياة

    حذار ممّن يحبس الشعر في جماليته. الشعر ليس جميلاً بالضرورة. الفضول الأدبي وحده يحصر الشعر في فكرة الجمال. يشبه الشعر أن يكون توقيعاً تحت واقعة الحياة، وحسب رينيه شار هو التوقيع الوحيد. ومن يوقّع تحت حياته أو تحت شكل حياته أو تحت إمكانية الأرض الخاصة به أو تحت عالمه هو شاعر. ونعني بذلك أنّه يرتفع إلى ذلك القدر من «اللامعنى» الذي يخيّم على حياة أيّ كان أو على تصوّره لذاته.

    أول الشعر

    أجمل ما تكونُ أن تُخلخلَ المدى

    والآخرون – بعضهم يظنّك النّداءَ

    بعضهم يظنّك الصّدى.

    أجمل ما تكونُ أن تكون حجّةً

    للنور والظّلامِ

    يكون فيك آخرُ الكلامِ أوّلَ الكلامِ

    والآخرون – بعضهم يرى إليك زبدًا

    وبعضهم يرى إليك خالقًا.

    أجمل ما تكون أن تكون هدفًا –

    مفترقًا

    للصّمتِ والكلامِ.

    أدونيس

  • ابن رشد – نص فلسفي


    إن كان فعل الفلسفة ليس شيئا اكثر من النظر في الموجودات، و اعتبارها من حيث دلالتها على الصانع، اعني من جهة ماهي مصنوعات، فان الموجودات إنما تدل على الصانع بمعرفة صنعتها، وانه كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم.
    وكان الشرع قد ندب إلى اعتبار الموجودات وحث على ذلك،
    فبين أن ما يدل على هذا الاسم: إما واجب بالشرع، و إما مندوب إليه.
    فإما أن الشرع دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل، وتطلب معرفتها به، فذلك بين في غير ما أية من كتاب الله تبارك وتعالى :
    مثل قوله:(فاعتبروا يا أولي الأبصار)، وهذا نص على وجوب استعمال القياس العقلي، أو العقلي الشرعي معا.
    ومثل قوله تعالى:(أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء)، وهذا نص على النظر في الموجودات…
    وإذا تقرر أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات واعتبارها ،وكان الاعتبار ليس شيئا اكثر من استنباط المجهول من المعلوم، واستخراجه منه وهذا هو القياس، فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس …
    وإذا كانت هذه الشريعة حقا وداعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق، فإنا معشر المسلمين نعلم على القطع انه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع : فان الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له.

  • سميح القاسم – السرطان

    سميح القاسم – السرطان


    الســرطان

    ((إلى قابين و هابيل العصر اللذين

    لم يصرع بعد، أحدهم الآخر !؟؟))

    _1_

    شواهد الرخام

    تجثمُ في الطين، تغطي الشاطئَ المديد

    و لم تزل سفائن العبيد

    مُثقَلةً بالنارِ، بالسموم، بالحديد

    تَمخرُ بحر الدمع و الصديد

    و خلفها مدائن الموتى

    و الصمتُ، و الخراب، و الدخان

    و في مغاور المدى الدفينِ في الظلام

    يَعوِي مخاضُ الرعب و القَتامْ

    و السرطان يُطفئُ الشمس و يستفيق

    يشبّ من شهوتِه حريق

    متى تزلزل الوجود صرخة اللئام؟

    إلى الأمام.. إلى الأمام !!..

    _2_

    من ألفِ ألفِ عام

    لا يَنْشفُ السكينُ.. و الجراحُ لا تنام

    حمائمُ القماش في الفضاء

    مطلقة بالمعدنِ الممسوخِ.. بالرياء

    و خلف بيرق السلام

    تَغلي صنابيرُ الدماء

    و يرجف التراب في الأعماق

    و يَهْلَعُ الاسفنجُ في القيِعان

    و الرعب يُقلِقُ النجوم

    و السرطان يطفئُ الشمس و يستفيق

    ينتظر الدم المراق

    و فُضلة الجذورِ و العظام

    من ألف ألف عام

    _3_

    مفترق الطريقِ

    من أين يا قوافلَ الرقيق ؟

    في أي شعْبٍ تزحفين ؟

    لأي أُفْق ترحلين ؟

    تمهلوا يا حاملي الصخور

    تمهلوا.. مفترق الطريق

    و البحر من ورائكم يموجُ

    و العدو من أمامكم يموج

    و الشواظ.. و الحريق

    يُفَزِّع الغِلال و المروج

    و الصخرُ في الأغوار

    يضخمُ.. يعلو.. ينذرُ الخليج

    و خلفكم، يا ضائعون، ماتت الشطآن

    و لم يعد مكان

    تُغرَسُ في جراحه شواهد الرخام

    خلفكمو لم يبق غير البومِ و الديدانِ و الغربان

    و الرّعبِ، و الأوباءِ، و الظلام

    و القيظِ، و الصدى، و الازدحام

    و خطوة المصير في مفترق الطريق

    و السرطان !

    يطفئ الشمس و يستفيق !!

  • سعيد عقل – مر بى

    سعيد عقل – مر بى

    مر بي يا واعداً وعداً مثلما النسمة من بردى

    تحمل العمر تبدده أه ما أطيبه بددا

    رب أرض من شذا و ندى و جراحات بقلب عدى

    سكتت يوماً فهل سكتت؟ أجمل التاريخ كان غدا

    واعدي لا كنت من غضب أعرف الحب سنى و هدى

    الهوى لحظ شآمية رق حتى قلته نفذا

    هكذا السيف ألا انغمدت ضربة و السيف ما انعمدا

    واعدي الشمس لنا كرة إن يد تتعب فناد يدا

    أنا حبي دمعة هجرت ان تعد لي أشعلت بردى

  • مريد البرغوثي – القبائل

    مريد البرغوثي – القبائل

    قبائلنا تستردّ مفاتنها:

    خيامٌ خيامْ.

    خيامٌ من الحجرِ المستريح،

    وأوتادها مرمرٌ أو رخام.

    نقوشٌ على السقف،

    والورق المخملي يغطّي الحوائط،

    والصور العائليّة و الجيوكاندا

    تحاذي حجاباً لردّ الحسود،

    بقرب شهادةِ إبنٍ تخرّج في الجامعة-

    إطاراتها ذهبٌ يعتليه الغبار.

    خيامٌ، ونافذةٌ من زجاجِ

    هي الفخّ ترتعد الفتيات المطلاّت منهُ

    إذا ما الصغير وشى للكبار.

    بخارٌ من الشاي يصعدُ، صودا وويسكي،

    و… “لا أستسيغ النبيذ” و “معذرةً،

    هل نجحتَ مع الزوجةِ الرابعة”؟

    خيامٌ خيامْ.

    تضيء الثريّاتُ فيها الأثاثَ الوثيرَ

    ويمرحُ فيها ذبابُ الكلامْ.

    وأبوابها من نحاسٍ تُجَرُّ عليه السلاسلْ

    ْ

    قبائلنا تستردّ مفاتنها

    في زمانِ انقراض القبائل!

  • رضوى عاشور – الكتابة

    الكتابة فعل أناني وطارد يفرض درجة من العزلة الداخلية، ينفيك عمن حولك أو ينفي من حولك ويضعهم على الرف إلى حين فعل ينفي الآخرين ليخاطبهم ويكتب حكاياتهم، يقصيهم ليراهم أكثر يبتعد ليقترب، ويعزلك ليتيح لك تبديد وجودك المفرد وإذابته في وجودهم ومكانهم وزمانهم عجيب !

  • كو أون – مطر الربيع

    كو أون – مطر الربيع

    أيتها الأمواج..مطر الربيع يهطل
    ويموت على صمتك النائم
    العتمة في مياهك تحلّق فوقك
    أيتها الأمواج
    بمطر الربيع على مياهك النائمة
    بمطر الربيع، حتى بعيداً
    تغيرت الصخور النائية للربيع
    فوق هذه المياه حيث نستلقي نحن الاثنين نائمين
    تلوح هيئة صخرية. كل الصمت
    لكن يبقى مطر الربيع يهطل ويموت.

  • بيسوا – شذرات

    أنا الشوارع الخلفية لمدينة غير موجودة، وأنا التعليق المهذار لكتاب لم يكتبه أحد مطلقا».
    ذات يوم حل بي النوم كأي مخلوق.
    أغمضت عيني مستغرقا في الكرى.
    عدا هذا كنت شاعر الطبيعة الأوحد.
    ***
    أرغب في فهم كل شيء، معرفة كل شيء، اكمال كل شيء، قول كل شيء، التمتع بكل شيء، التألم من كل شيء، لكن لا شيء من هذا كله، لا شيء، أنهكتني فكرة ما أرغب في الحصول عليه، ما أستطيعه، ما أحسه، حياتي حلم كبير.
    ***
    لقد حلمت أكثر مما حلم به نابليون نفسه
    ضممت إلى صدري المفترض إنسانيات أكثر مما ضم المسيح
    شيدت في السر فلسفات أكثر من كل ما كتب كانط
    لكن كنت وسأكون دائما مجرد ساكن غرفة في سطح.
    ***
    لم يكن لي أبدا في وقت من الأوقات ما يمكن تسميته بالمعلم، لم يمت لأجلي أي مسيح.. لم يدلني بوذا على الطريق، في أعلى أحلامي لم يتجلى، أيَ أبولو أو أثينا كي ينير لي الطريق.
    ***
    أنا لست ذا شأن، ولن أكون ذا شأن، ولا أستطيع أن أكون ذا شأن، عدا ذلك، أحمل في نفسي كل أحلام العالم.
    ***
    ليس العذاب الاخلاقي هو من يدفعني الى قتل نفسي: بل الفراغ الأخلاقي الذي يشكل قاعدة هذا العذاب.
    ***
    في الصواب وفي الخطأ وفي الشدة اعرف كينونتك الخاصة.. فقط بامكانك أن تفعل ذلك حالما، لأن حياتك الواقعية، حياتك الإنسانية، هي تلك التي ليست حياتك إنما حياة الآخرين.
    ***
    لا الرذيلة ولا التجربة هما من يفض بكارة الروح، بل التفكير فقط.. التفكير وحده يفض بكارة أكثر أشياء الكائن الحميمية.
    ***
    وحدهم الذين لا يفكرون أبدا ينجحون في إيجاد خاتمة، التفكير هو التردد، رجال الفعل لا يفكرون أبدا.
    ***
    نحن لم نعش الحياة، الحياة هي التي عاشتنا
    بنفس الطريقة التي يرشف فيها النحل الرحيق
    نرى، نتكلم، ونحيا، الأشجار تنمو، بينما نحن نيام
    بدون أن نعي أبدا أننا واعون نمضي…
    ***
    كل كوارث الدنيا تأتي
    من تعذيب بعضنا للبعض
    بنية فعل الخير أو نية فعل الشر.
    ***
    نعذب إخوتنا البشر ببغضنا، بحقدنا، بخبثنا، لنقول بعد ذلك: «العالم سيئ».
    ***
    شأنه شأن باقي الفنون، ليس الأدب سوى اعتراف بأن الحياة لم تعد تكفي.
    ***
    الفن بأسره هو نوع من الأدب، لأن قوامه قول شيء ما…. ثمة طريقتان للحديث: الكلام والصمت، من هنا الفنون التي ليست أدبا، ماهي سوى انعكاس لهذا الصمت التعبيري.
    ***
    الحقيقة الوحيدة في الحياة هي الأحاسيس، أما الحقيقة الوحيدة في الفن فهي وعي هذه الأحاسيس.
    -ليس هناك في الفن لا فلسفة ولا أخلاق ولا حتى علم جمال، وهي غير موجودة في الحياة.في الفن ليس هناك سوى أحاسيس والوعي بها. الله هو أحد أحاسيسنا.
    ***
    ليس عندي أي طموح ولا أي رغبة.
    طموحي أن لا أكون شاعرا.
    أنها طريقتي الخاصة لأكون متفردا.

  • رينيه شار – لماذا يطير النهار ؟

    رينيه شار – لماذا يطير النهار ؟


    لماذا يطير النّهار

    طوال فترة حياتِه، يستندُ الشّاعرُ، لحظةً إذا شاء الظرْفُ، إلى شجرةٍ ما، بحرٍ، منحدرٍ، أو إلى غمامة لها صبغةٌ معيّنة. إنّهُ ليس ملتحماً بضلالات الآخر. فلِحبّهِ، وسَبْيه، وسعادته، نظيرٌ في كلّ الأماكن التي لم يذهب إليها، ولن يذهب أبداً، لدى الغرباء الذين لن يتعرّف عليهم. وما إن نرفعَ الصوتَ أمامه، أو نستحثّه أنْ يقبل التكريمات الآسرة، أو نستدعي الكواكب بشأنه، حتّى يجيبنا بأنّه من البلد “المجاور”، من السّماء التي اُبْتلِعَت توّاً.

    يبعثُ الشّاعرُ النشاطَ ومن ثم يهرعُ إلى الخاتمة.

    وإنْ، مساءً، لوَجنتهِ فجوات مبتدئٍ عدّة، فهو عابرٌ مهذّبٌ يتعجّل في تحيّات الوداع حتّى يكون هناك حينما يخرج الخبزُ من التنّور.

  • المعري – دنياك

    المعري – دنياك


    دُنياك ماويّةٌ ، لها نُوَبٌ
    شتّى ، سماويّةٌ ، وأنباءُ
    أُفٍّ لها ، جُلُّ ما يُفيدُ بها
    مَنْ فاز فيها ، الطعامُ والباءُ
    جُدَّ مقيمٌ ، وخابَ ذو سفَرٍ
    كأنّهُ في الهَجيرِ حِرباءُ
    أقضيةٌ ، لا تزالُ واردةً
    تَحارُ ، في كونها ، الألبّاءُ
    قام بنو القومِ في أماكنهم
    وغُيّبَت ، في التُّرابِ ، آباءُ
    وزال عزُّ الأميرِ ، وافترقت أحبْاؤه عنهُ ، والأحِبّاءُ
    وكلَّ حين حُوبٌ ومعصيةٌ
    زادتهما في الذنوب ، حوباءُ

  • ميخائيل نعيمة – بيتى الصغير

    ميخائيل نعيمة – بيتى الصغير

    أنا لا أزالُ أَحمل من ذكريات صباي ذكرى بيتِ صغيرِ صَرَفتُ ساعاتٍ لذيذةً في بنائه من الحجارةِ الصَّغيرة فما انتهيت منه إلا والشمس قد أشرقت على المغيب . لكني بقيت حتى دهمتني الظلمة , وأنا أبتعد عنه ثم أدنو منه وعيني مترعة بالإعجاب وقلبي طافح بالغبطة فقد شعرت أنَّني خلقت شيئا ولولا خوفي من والدي لبت ليلتي بجانب بيتي الصغير .

    وما أن انبلج الصبح حتى هرولت إلى البيت أتفقده بلهفة وأتحسس حجارته وترابه بشوق وإذا بوالدي يلمح البيت ويلمحني عن بعيد فيأمرني بلطف أن أهدمه في الحال وأنقل حجارته من هنالك لأنه مزمعٌ أن يحرث الأرض والبقعة الصّغيرة حيث شيدت بيتي . فأنصاع لأمر والدي وفي العين دموع كأنَّها الجمر .

    هذه حكايتي الصَّغيرة مع بيتي الصَّغير

  • قصائد مختارة لـ تشارلز سيميك

    Albert Oehlen

    العاشق

    وحين كنت أعيش في مزرعة كتبتُ قصائد حب

    إلى دجاجات تلتقط الحَبَّ في الساحة،

    أو كنت أجلس في المرحاض الخارجي أكتب رسالة إلى عنكبوت

    ترمّم بيتها فوق رأسي.

    كان ذلك حين فرّت زوجتي مع ساعي البريد،

    كان الجيران يرحلون، كذلك،

    وخنزيرتهم تَقْبَعُ عاليًا والخنانيص

    آن يركضون واحدًا بعد الآخر خلف الشاحنة المبتعدة،

    وحتى تلك الفزاعة التي ربطتُها ذات مرّة في الشجرة

    كي أجبرها على أن تنصت إليّ.

    الماضي

    قصص حياتنا مرعبة ومضحكة،

    كالأقنعة التي يرتديها الأطفال في الهالووين

    متنقلين من باب إلى باب

    ماسكين الصغار من أيديهم

    في حَيٍّ تهدّم منذ زمن بعيد،

    حيث كان الناس يأكلون عشاءهم

    في صمت غاضب أو يتشاجرون بصوت مرتفع

    حين تأتي طرقة على الباب،

    طرقة ناعمة يطرقها ولدٌ خجول

    يرتدي البذلة التي خاطتها أمّه.

    ما الذي ترتديه، يا ولد؟

    ومن أين لك بذلك القناع؟

    بسبب ذلك ضحك الجميع هنا

    فيما وقفتَ محدّقًا فينا،

    كما لو عرفتَ للتوّ بأننا كنّا من زمن مضى.

    على جسر بروكلين

    ربما تكون أحدَ النقاط الكثيرة عند الغروب

    والتي أراها تتحرك على مهلها أو تقف ساكنة،

    وأنا أشاهد إمّا النوارس في السماء أو المركب

    الذي يحمل النفايات عابرًا النهر في الأسفل.

    ذاكَ الذي لا تريد عائلته أن تسمع منه،

    ذاهبًا في طريقه إلى درس مسائي في التمثيل، عابرًا

    نادلًا صينيًا يذهب في الاتجاه المعاكس،

    ولاعبَ كمال أجسام وممرضة يشبكان يديهما.

    وماذا عن تلكَ التي آمل دائمًا أن التقي بها صدفة؟

    مع أنني لا أكاد أذكر كيف بدتْ إلا قليلا؟

    قد تكون إحدى القليلات اللواتي تأخّرن،

    أو تلكَ التي تلاشت حين نظرتُ سريعًا لآخر مرة في ذلك الاتّجاه.

    هذه القصائد مختارة، على التوالي، من: مجلة النيويوركر، عدد 12 سبتمبر 2016؛ ومجلة الباريس ريڤيو، عدد خريف 2016؛ ومجلة هارڤرد ريڤيو، عدد 8 مارس 2016.

    ترجمة: تحسين الخطيب

  • قصائد مختارة لـ أليخاندرا بيثارنيك – جسد أخرس يتفتّح – ترجمة: تحسين الخطيب

    قصائد مختارة لـ أليخاندرا بيثارنيك – جسد أخرس يتفتّح – ترجمة: تحسين الخطيب

    في الطرفِ الآخر

    كساعةٍ رمليّةٍ تسقطُ الموسيقى على الموسيقى.

    حزينةٌ أنا في ليلِ أنيابِ الذئابِ.

    تسقطُ الموسيقى على الموسيقى كسقوطِ صوتي على أصواتي.

    كماء على حجَر

    على تلكَ التي تعودُ باحثةً عمّا كانت تبحثُ في القديمِ

    يُرخى الليلُ سدولَهُ كماءٍ على حجَرٍ

    كهواءٍ على طائرٍ

    كجسدينِ يهبطانِ على بعضهما في الحُبّ.

    غنائيّة الحجر الباكي

    ضاحكًا يموتُ الموتُ ولكنّ الحياةَ

    باكيةً تموتُ ولكنّ الموتَ ولكنّ الحياةَ

    ولكنّ العدَمَ العدمَ العدمْ

    قصيدة

    تختارُ موضعَ الجُرحِ

    حيثُ نقولُ صمتَنا.

    هَا أنتَ تجعلُ حياتي

    هذا الطّقْسَ الذي في غايةِ النّقاءِ.

    تجليّات

    في اللّيلِ، قُرْبَكَ،

    تصيرُ الكلماتُ أدلّةً، مفاتيحَ.

    والشّوقُ إلى الموتِ مَلِكًا يصيرُ.

    فَلْيَكُنْ جسدُكَ أبدًا

    مهبطَ التجلّياتِ؛ المهبطَ المعشوق.

    في ذكراك السنويّة

    خُذْ وجهيَ، أخرسَ يتوسّلُ.

    خُذْ هذا الحُبّ الذي أسألُ.

    خُذْ بَعْضِيَ الذي هُوَ أنت.

    عاشقان

    كزهرةٍ

    ليستْ بعيدةً عنِ اللّيلِ

    ينفتحُ

    جسدي الأخرسُ

    على النّدى وإلحاحهِ الهَشّ.

    عرفان

    جعلتَ صمتَ اللّيلكِ يرفرفُ

    في مأساةِ الرّيحِ التي في قلبي.

    وجعلتَ حياتي حكايةَ أطفالٍ

    حيثُ الموتُ والخيباتُ

    ذرائعُ للطقوسِ المعشوقةِ.

    لقاء

    شخصٌ يذهبُ في الصمتِ ويهجرني.

    ليستْ وحيدةً هِيَ العزلةُ الآنَ.

    كاللّيلِ تحكي.

    وتُعلِنُ نَفْسَكَ كالعطَشِ.

    أغنية

    للزّمنِ خوفُهُ

    وللخوفِ زمنُهُ

    خوفٌ

    يطوفُ دمي

    يقطفُ ثمرتي الأحسنَ

    ويدكّ جداريَ الرّحيمَ

    لا شيءَ إلّا الخرابُ

    خرابُ أخربةٍ

    وخوفٌ

    حوفٌ كثيرٌ

    وخوفُ.

    أصل

    لا بُدّ أن ننقذَ الرّيح

    فالعصافيرُ تحرقُ الرّيح

    في شَعرِ امرأةٍ وحيدةٍ

    تعودُ من الطبيعةِ

    وتحيكُ التّباريح

    لا بُدّ أن ننقذَ الرّيح

    صوتك

    كامنٌ في كتابتي

    وفي قصيدتي تُغنّي.

    يا أسيرَ صوتِكَ العذبِ

    المحفورِ في ذاكرتي.

    يا الطّائرَ المُنكبّ على طيرانهِ.

    يا الهواءَ الموشومَ بالغيابِ.

    ويا السّاعةَ التي تدقّ معَ نبضي

    كي لا أستيقظُ.

    عدَم

    تموتُ في جرحيَ الريحُ.

    وإلى دمي يتوسّلُ اللّيلُ.

    أن أُسمّيك

    ليستْ قصيدةَ غيابكَ،

    بَلْ رسمةٌ، صدعٌ في الجدارِ،

    شيءٌ في الرّيحِ، وطعمٌ مُرُّ.

    لافتات

    كلُّ شيءٍ يطارحُ الصّمتَ الغرام.

    وعدوني بصمتٍ كالنّارِ— بيتٍ مِن الصّمتِ.

    فجأةً، المعبدُ سيرك والضوءُ طبل.

    نصوص: أليخاندرا بيثارنيك

    ترجمة: تحسين الخطيب

  • ستانيسواف بارانتشاك – الشروط الإنسانية

    portrait-of-miss-dora-wheeler-1
    William Merritt Chase

    شروط الحياة الإنسانية المضمونة
    لي:
    الحق في المشاعر الإنسانية،
    والشك، والخوف،
    و(كم إنسانيّة هي) الكراهية
    (وضوحاً تجاه أعدائي
    المُختارين بعناية لي كي لا أقلق على من يكونون)؛
    حق الفيسيولوجيا الإنسانية
    (التي لا حياء فيها):
    التعرّق (في العمل)،
    والبكاء (في مخدة)،
    بل والنزف حتى (في بنك دم)؛
    كما ليس لي الحق فقط
    بل وواجب إظهار جميع
    مواطن الضعف البشري:
    لا أحد، على سبيل المثال، يجبرني
    على أن أكون بطلاً،
    أي أن أقول الحقيقة،
    أو ألّا أصير مخبراً،
    وأن أمتنع عن ركل رجُل
    عندما يكون ممدداً على الأرض؛
    لا شيء بشري غريب عنيّ،
    كما أن لا غريب بشريّ لدي،
    نحن نحيا هنا، ضمن دائرتنا،
    لا حاجة لنا بالغرباء،
    كلنا شباب طيّبون،
    أناسٌ عاديون،
    مجرّد أناس.

  • محمد الزهراوي أبو نوفل – العارِيَة تنْزِل البُرْج

    محمد الزهراوي أبو نوفل – العارِيَة تنْزِل البُرْج

    mrs-chase-in-prospect-park
    William Merritt Chase

    غُصْنٌ فارِعٌ
    كُلّ مَنْ يَراها
    في الْمُطْلَقِ
    يتَرَنّحُ وَيَهْتاجُ
    جِهَة هِـيَ تَحُجّ
    إليْها النّوارِسُ.
    آهٍ عَليْها مِنّي
    تَهْـزُمُ
    جَدائِلُها الرّيحَ
    وَلا يتَجاسَرُ

    عليْها الْمُلوكُ.
    مَجْبولةٌ مِنْ
    شِفاهِ الْحَجَرِ
    وَمِنَ الماءِ وَالنارِ
    ما هذا الكائِنُ
    المسْكون بِالغُرْبَةِ
    لَمّا لَمْ يَكُنْ لي
    مَكانٌ أمشي إليْه
    سِرْتُ خطواتٍ
    وَكعادَتي كُلّ يوْمٍ
    أمام ساعَـةِ
    الْمَيْدانِ بَدَل أن
    أسْمَع الموسيقى
    رَأيْتُ ما لا يُرى.
    رأيْتُ العارِيةَ
    تَنْزِلُ البُرْجَ واثِقَةً
    بِوُجودِها
    مِثلَ كوْكَبٍ
    وَأذْهَلني فضاءُ ما
    حَوْلَ سُرّتِها الغامِضُ
    الذي بَدا بِلوْن الرُّؤى
    وَالقَدَمُ الحافِية
    تَحْمِلُ قُرْط أندلُسٍ
    وينْقُصُها ما
    عَدا خطْوِها الْمُقَفّى
    فقَط..رِداؤُها
    الملَكِيّ وَعِقْدُ لؤْلُؤٍ
    حـوْل الرّقَبـة
    وَتِلكَ كانَتْ
    وبِلا مَشَقّة..
    لا مُغامَرتُنا بَلْ
    مُغامَرَتُها هِيَ.
    بَعْضُهمْ تَغاضى
    وبعْضُهم كانَ
    أكْثَـرَ فسْقـاً
    والبَعْضُ تنَحّى عَنْ
    حَوافِ الطّرُقِ
    لَرُبّما حتّى تمُرّ.
    ورغْم ذلك لَمْ
    يتَغيّر شـيْء..
    إذْ ظلّ تعْذيبُها
    لنا مُسْتَمـِراً.
    ألا كمْ كانَ
    خَجلُها منّا فاحِشاً
    مثْل امْرأةٍ أثناءَ
    ذُرْوَتِها مَعَ
    قَرامِطَةٍ في كِتابِ
    الْمَطر والعُشْب.
    أنا مُضْنىً إلى قَدَحٍ
    وَانْكِساراتِ الْخُزامى.
    ها قدِ اكْتشَفْتُ
    هُنا صِبايَ..
    الأفْجارَ الثّمِلَةَ
    وَالْخَواصِرَ الْمَوْعودَة
    هذهِ امْرَأةُ فُرْسانٍ
    وهِيَ الأيائِلُ أيْضاً
    وَحالَةُ سُكْرٍ مُسْتَمِرّة.
    عليْها تحْلُمُ أن
    تحُطّ طُيـورُ
    الْبَرِّ وَالبَحْرِ وَأنا
    أتَبَعْثرُ مَعَها في
    الغَسَق والرّوْضُ
    يَفوحُ مِنْها عَليَّ.
    أحَلّتْ هُنا مِنْ ما
    وَراءَ الْخُلـود ِ؟
    لفَضتْها سبْعةُ أبحُرٍ
    جاءَ بِها نَهْرُ
    هِرَقْليط أمْ خَرَجَتْ
    من الغابَةِ كوْثراً ! ؟
    عَدا اليَدَيْنِ
    السّاتِرَتَيْنِ ما
    يَشِفّ عن كنْز
    وَكَرْمِ الذهَبِ وَالفِضّةِ
    وَعَدا مَجْرى نَهْرِ
    الفَيْروزِ وَالسّاحِلِ
    وَطَرائدِ الظِّلال
    وَالياقوتِ وَالطّينِ
    يَلُفّها حَفيفُ صَمْتٍ
    أخْضرَ وَأذرُعُ
    النهارِ الْخَفِيّـةُ
    وكُلّ أوْصافِـها
    تفاصيلُ أغْنِية
    فالكَمال هُنا
    لا يكْمُن فـي
    الوَراءِ بلْ ها
    هوَ أمامَنا هُنا !
    هذهِ هِيَ الْمُعاناة
    هِيَ سِيرينـا
    اصْطادَها صَياّدونَ
    مِنَ الْمُحيط تنْتَظِرُ
    حتى ياتَيَها البَحْر.
    لوْ يُمْكِننُي
    أنْ أُكَلِّمَها ! ؟
    آهٍ مِنَ السّعيرِ
    وَجنونِ العُيونِ..
    مِنْ بَياضِها نَسَبي
    الكُلّ أسيرُ
    سِحْر ِهذهِ السّاحِرَةِ.
    تقولُ لسْتُ أنا
    ليْلى أوْ حورِيةُ الْحُلولِ
    وأنا أشُمُّ لها العِطرَ
    الجنونيّ وريحَ الشّرق
    فَهذهِ الغانِيةُ كالوَطنِ
    الْمُمْتدِّ مِنَ البَحْر إلى
    البَحْر بِطبْعِها مُسْتَبِدّة.
    اُنْظُروا جِنانَ أبي
    نُؤاسٍ تتَدافَعُ
    في الْمَجْهولِ
    وَكما يَقولُ ديكُ
    الجـنِّ تَضْحَكُ
    مِـنْ أرْدافِهـا !
    ألا قُلْ لَها يا
    نَدى الصّباحِ
    قُلْ لَها إنّـيَ
    أقْرَأُ الرّوْض العاطِرَ
    وَأُفيقُ مَع الطّيْرِ
    عَلى بَسَماتِها.
    في سُهوبِها أقْضي
    الليْلَ مَع نُدامايَ
    أكْرَعُها كأساً
    إثْرَ كَأس
    ولـيَ القَميصُ
    الْمَقْدودُ مِنْ وَراءٍ
    حَتّى ياتِيَ السّلْطانُ
    بِنَفْسهِ ويَرى

  • محمد الزهراوي أبو نوفل – كأس

    محمد الزهراوي أبو نوفل – كأس

    لا تقِفْ هكذا عِنْد بَوّابَةِ الْمدينَةِ.
    ولا تقْصُصْ رُؤْيا ذي الدّاءِ
    على أحَدٍ.
    ما أنا فـِي نعمةٍ أهْنَأُ بِها.
    كيْفَ؟..
    ثِقْلُ شعْرِها
    الطّويلِ كالْغَيْمِ
    وصورَتُها لَدَيَّ
    يالْعارِفُ فـِي
    فُضْلَةِ كأْسي.
    حضورُها هذا
    الصّاعِقُ بِأضْوائِه
    السّاطِعةِ والمُدنُ
    نائِمةٌ نهْرٌ أشْرَبهُ
    على نارٍ ويتجدّدُ
    كالصّهيلِ فـِيَّ.
    أتكَبّدُها
    عنْ ظهْرِ قلْبٍ
    وهِيَ ترْقصُ
    رقْصاً خُرافِيّاً
    معَ عُشّاقِ
    النهارِ فـــي
    قميصِ النّومِ.
    فيها
    أبْحَثُ عن أُفُقٍ
    وهِيَ تدْري
    أنّها فوقي..
    وفـي السّدبمِ.
    فاعْذِرْ قارِئي
    هذ
    الدّاءَ الْعاطِفيّ.
    أحْمِلُها
    فـِيّ طابورَ نِساءٍ
    وأمْشي
    بِها على
    كاهِلي كالْجِبالِ
    وهِيَ كلا أحَدٍ
    أنا ملّني الصّبْرُ
    وما ملَلْتُ الصّورَةَ.
    ما بَرِئْتُ
    مِنَ الْغَداةِ..
    اَلْحقيقَةُ مُتجَلِّيّةٌ
    وأنا لَمْ أُشْفَ
    إذْ كُلُّها غُموضٌ
    أوْ واضِحَةٌ بالْغامِضِ.
    جَمالُها الْخاصُّ
    فِكْرٌ ألْتَذُّ بِه كصَلاةٍ
    وهِي واثِقَةٌ.
    كمْ همَمْتُ
    لَمّا همّتْ تُمْعِنُ فـِي
    كشْفِهِ
    بِتَأنٍّ مَمْحُوّةً فـِي
    غُيوِمِ الصُّبْحِ.
    هذهِ
    الكِتابةُ أُمَـمِيّةٌ
    لا تُمَكِّنُ مِن
    قِراءَتِها سريعاً
    إذْ كُلُّها شِعْر.
    وهنْدَسَتُها الْمُثيرَةُ
    لا تَحْتَمِلُ الـتّأويلَ
    ولا التّعَــرِّي
    أمامَ الْعُشّاقِ.
    كيْف أنْتَهي
    مِنْها وهِي الأهْلُ؟
    كلُّ أسْمائِها
    اللّامُتناهِيّةِ
    تسْتعْصي علَيّ
    كألَمٍ أتأبّطُه
    سِفْرَ عِشْقٍ.
    بِهذا أتباها..
    ظِلالُها
    أغانٍ وكُحْلٌ.
    تنْتبِذُ
    الْكوْنَ منْأى
    وتغْرَقُ فـِي الْبعيدِ.
    بِهذا أصابتْني
    بِطَعْنَةِ فاتِكٍ
    ورَمتْني رهْنَ ريحٍ.
    أبيتُ طاوِياً
    ولا أنامُ طَريدَ
    حاناتِ الشّمالِ.
    آهٍ..
    هامَ بعْضــي
    خلْف كُلّي..
    لسْتُ لائِمَ حُرّةٍ
    وَما ضرَّ لوْ
    أنّها شفَتْ نفْساً
    أوْ شفَتْني بِقَتْلي..
    تعلّقْتُها وليداً
    إنّها همومُ أجْيالٍ
    وأنا ذو الدّاءِ.
    أنظُر ياصــــاحَ
    ما الّذي يحْدُثُ:
    رأْسي
    ابْيضّ ثَلْجاً
    وما صفَتْ
    نفسي مِنْ
    سطْوَةِ الْكأْسِ
    لا أقولُ هذا فـِي
    سكْرَتـِي مَجازاً.
    ولكِنّ هذا ما
    يُعاقِرُنـِي فـِي
    خلْوَتـِي حقاً.
    حيْثُ
    أرْزَحُ فـِي
    جَجيمِ بَياضٍ.
    تلْفَحُني غِياباً
    هِيَ كلا أحد.
    مِنها لَم أُشْفَ
    ويدُها علَيّ
    عَلى
    مدارِ السّاعةِ
    كيْف أكبَحُ
    رِياحي لَها وأنا
    فــي غُبارِ
    هذا السّفر ؟

  • قصائد مختارة لـ أدريان ريتش

    قصائد مختارة لـ أدريان ريتش

    cup-with-geraniums
    Adam Baltatu

    محاورة

    تجلسُ وقد أسندتْ رأسَها بيدٍ، اليدُ

    الأخرى تقلّبُ خاتَمًا عتيقًا تحت الضّوء

    وعلى مدى ساعاتٍ تشظى حديثُنا

    مثل مطرٍ على شاشات النّوافذ

    حسَّ آبٍ والبرقَ القصيَّ

    أنهضُ، ألأعدَّ الشّايَ، أعودُ

    ينظرُ كلٌّ منّا إلى الآخر

    ثم تبادرُ هي بالقول (وهذا هو الموقفُ الذي أعيشُه

    المرّةَ بعد المرّة)- تقولُ: لا أعرفُ

    إن كان الجنسُ وهمًا

    لا أعرفُ

    ما كنتُه عندما قمتُ بأشياءَ كهذه

    أو ما قلتُ إني كنتُه

    أو إذا شئتُ أن ألمسَ حقيقةَ

    ما قد قرأتُ عنه

    أو مَن كان برفقتي في الواقع هناك

    أو إذا كنتُ توصّلتُ، حتى في ذلك الحين

    إلى أن ثمّة ارتيابًا كان يلفُّ هذه الأشياء

    نخلصُ إلى أن سمفونيّة بتهوفن التاسعة
    رسالة جنسيّة في نهاية الأمر

    رجلٌ يعيشُ رُهابَ العِنَّةِ

    أو العقمِ، دون أن يدرك الفرقَ

    رجلٌ يحاولُ أن يقولَ شيئًا

    يعوي من العجز الجنسيّ

    موسيقى روحٍ

    في أقصى عزلتِها

    من نَفَقِ الأنا يصرخُ في وجه الغبطةِ

    موسيقا بلا شبحِ امرئٍ

    آخرَ في تضاعيفِها، موسيقا

    تَجْهَدُ أن تقولَ

    ما لا يريدُ الرّجلُ

    أن يبوحَ به، بل سيُبقيَه لو استطاع

    مُكمَّمًا وموثَقًا ومَسُوْطًا بأوتارِ الغبطةِ

    حيث كلّ شيءٍ صمتٌ

    ثمَّ خبطةُ قبضةٍ داميةٍ على

    طاولةٍ متشقّقة

    دلـتـا

    إذا كنتَ أخذتَ هذا الرّكام من ماضيَّ

    تنبشه بغيةَ كِسراتٍ قد يقيّض لك بيعها

    فاعلمْ بأنني قد أوغلتُ منذ زمنٍ طويل

    في الانتقال عمقًا إلى جوهر السؤال

    إذا كنتَ تحسب أنه يمكنك الإحاطةَ بي، فكِّر بالأمر أكثر:

    حكايتي تتدفّقُ في أكثرَ من اتّجاه

    تنهضُ دلتا من حوضِ النّهر

    وهي تفردُ أصابعها الخمس

    ملاحظات أخيرة

    لن تكون مسألة يسيرة، ولن تكلفك الكثير

    ستأخذُ بعض الوقت، وستأخذ كلَّ تفكيرك

    ستحتلّ كلَّ قلبك، ستحتل كلَّ أنفاسك

    ستكون قصيرة الأمد، ولن تكون يسيرة

    ستمَسُّ ضلوعك، ستحتل كلَّ قلبك

    لن يطوْلَ أمدُها، وستشغل جلَّ فكرك

    كما المدينةُ مشغولة، كما الفراشُ مشغول

    ستأخذُ كلَّ لحمِك، ولن تكون يسيرة

    أنتَ مُقْبِلٌ إلينا نحن الذين لا نستطيع أن نصمدَ أمامك

    مقبلٌ إلينا نحن الذين لم نَشأْ أن نصمد أمامك

    أنتَ الذي تقاسُمنا أجزاءً منّا في أماكنَ لم نخترْها

    ثم تذهبُ بعيدًا آخذًا أجزاءً من حيواتنا

    ستكون قصيرة، ستأخذُ كل أنفاسك

    لن تكون يسيرةً، ستغدو مشيئَتَك

    في تلك السّنوات

    في هذه السنوات، سيقول النّاسُ، فقدنا مدلولَ

    معنى نحن، معنى أنت

    وجدنا أنّ ذواتَنا

    قد تقزّمتْ إلى أنا

    ليصبحَ الأمرُ برُمَّتِه

    سخيفًا، فظيعًا، مريرًا:

    كنّا نسعى لأن نعيشَ حياةً شخصيّة

    و، نعم، تلك كانت الحياة الوحيدة

    التي احتملنا أن نشهدَها

    لكنّ طيورَ الظّلامِ العميمِ للتّاريخ زعقَتْ ثم فزعتْ

    إلى طقسِنا الشخصيّ

    كانتْ تقصدُ أمكنةً أخرى لولا أنّ مناقيرَها وقوادمَها اندفعَتْ

    على امتداد الشّاطئ، عبر سُتُرِ الضّباب

    حيث وقَفْنا، ونحن نقولُ (أنا)

    غـزل

    على قيد الحياة من أخمص القدمين حتى فروة الرّأس أمام مرآةِ النافذةِ السّوداء.

    مطرُ الشّتاء الأوّلُ ــــــــــ ساعاتِ الصباحِ الوجيزة للغاية.

    فلتَعُدْ إلى الغزلِ إذًا ــــــــ ماذا ستفعلُ هناك؟

    لطالما كان نبضُ الحياةِ أقسى من السّطور.

    هل تتذكّرُ الجدائلَ التي تقافزتْ من عينٍ إلى عين؟

    اللسانَ الذي بلغَ كلَّ المواضعِ، متلفِّظًا بكلّ الأجزاء؟

    كلُّ شيء هناك قُدَّ على هيئة رغبة.

    صرخةُ المُخيّلة هي صرخةٌ جنسيّة.

    أشيلُ جسدي معي أنّى حللتُ.

    في أجماتِ التّجريد رَشَحَ جلديَ الدّمَ.

    كانتِ الحياةُ على الدّوامِ أكثر طغيانًا… لم يستطع النّقّادُ أن يفهموها.

    تقولُ الذّاكرةُ إنّ الموسيقى أبدًا سبقتِ الكلمات.

    ترجمة: أحمد م. أحمد

  • قصائد للشاعر النمساوي إريش فريد – ترجمة: بكاي كطباش.

    manabu mabe

    إنَّها تشِيخ

    بِحسَابِ عُمر القِطط

    هِي لَيستْ أكبَر منِّي بكثِير

    إنَّها تتحرَّك بحذَر :

    تثِبُ من عَتبةِ النَّافذة

    إلَى الكُرسي أوَّلا

    ثُمَّ بتردُّد إلى الأرضِية

    ببطءٍ تمضِي إلى وِعَاء الطَّعَام :

    كلٌّ حركَة ألَم

    أَحَاولُ النُّهوض

    لأُقدمَ لهَا الطَّعام

    يُدرِكُنِي الهَلع

    ألزَمُ مَكَانِي :

    شَهِيق

    زَفِير

    حقاً :

    كلُّ حرَكةٍ ألَم

    *

    لازلت

    لاَزِلت

    أَكتُب إِليك

    انني أحِبّك

    أكْتُب

    انّنِي أحِبّك

    وَأنكِ لَستِ هُنا

    وَأنّنِي معَ ذلِكَ لَستُ وَحِيداً:

    لأنّنِي

    أجْلِسُ بِجِوارِي

    وَأنْظُر إلَى نَفسِي

    وأومِئ بِرَأسِي

    وأَمُدّ يَدِي

    وَألاَمِسُنِي

    فَأشْعُر بالغِبْطَة

    لأنَّنِي مَازِلْتُ هُنَا

    أَنَا سَعِيد

    لأنّني لاَ أَكُونُ وَحِيداً

    عنْدمَا أكْتُبُ إليْك

    وَفَجْأة

    أَرْفَع رَأسِي وَأرَى

    أَنِّنِي لَسْتُ هُنَا بالمَرَّة

    تّرَانِي

    ذَهَبْتُ إلَيك ؟

    أَنَا مَا عُدْتُ أسْتَطِيعُ الكِتَابَة

    *

    -لكِن ربّمَا-

    كَلِمَاتِي الكبِيرَة

    لَن تحْمِينِي من المَوت

    وَكلِمَاتي الصّغِيرة

    لَن تحمِينِي منَ المَوت

    مَا مِن كَلِمَة بالمَرّة

    ولاَ حتَّى الصِّمت بَينَ

    الكَلِمَات الكَبيرَة والصَّغِيرَة

    سَيحْمِيَانِي مِن المَوت

    لَكِن رُبّمَا

    بَعض

    هذِه الكَلِمَات

    وربّمَا

    الصّغِيرَة تحديداً

    أوْ رُبّمَا فَقَط

    الصّمْت بَين الكَلِمَات

    بِوُسْعِهِ

    أَنْ يَحْمِي البَعضَ مِنَ المَوت

    عِندَمَا أمُوت

    *

    تانكا

    أَمطَار الصّيفِ الدّافِئة :

    عِندَ سُقُوطِ قَطرَة ثَقِيلَة

    تْرْتَعِشُ الوَرَقَة بأسْرِهَا.

    هَكَذا يَرْتَعِش قَلْبِي فِي كُلّ مَرّة

    يَسقُطُ إسْمُكِ عَليْه.

    *

    لَحظَة فَاصِلة

    وحِينَ تَصِيرُ سبّابَتِي

    مُبْتَلَّة بِك

    أنْتَهِزُ الفُرْصَة

    وبِطَرَفِهَا

    أنحَنِي رَاسِماً

    قَلْباً صَغِيراً

    عَلَى بَطْنِك

    بِحَيثُ تَكونُ سرّتُك

    فِي مَرْكَزِ القَلْبِ تَمَاماً

    حَيْثُ يفتَرَضُ

    أنّ سهْم كيُوبيد

    قَدِ اخْتَرَقَ الْقَلْب

    لَكنْ فقَطْ

    عِنْدَمَا تُخَمِّنين

    أنَّ مَا رَسَمْتُه

    عَلَى بَطنِك

    كَانَ قلبا

    *

    عندما أقبلك

    عندَمَا أقبّلك

    لاَ أقبّلُ

    فمَك فقَط

    سُرّتَك فقَط

    حُضنَك فقَط

    أَنَا أقَبّل أيضاً أسئلَتك

    أَمنيَاتك

    أقبّل استِغراقَك في التّأمّل

    ارتيَابَك

    جُرأتَك

    حبَّكِ لِي

    وانعِتَاقَك مِنِّي

    قدمَك

    التِي جَاءَت إلَي

    والتِي سَترحَل عَنّي

    أقَبّلُك

    مِثلمَا أنْت

    ومِثلمَا ستكُونين

    غداً وبَعد غَد

    وعِندَمَا يَنقَضِي وَقْتِي

    *

    – بِدُونـك-

    لَيْسَ لاَشِيء

    بِدُونِك

    لَكِن لَيْسَ نَفْس الشّيء

    لَيْسَ لاَشْيء

    بِِدونِك

    لكِن رُبّمَا أقَل

    لَيْسَ لاَشَيء

    لكِن أَقَل

    فَأقَل

    رُبّمَا لَيس لاَشَيء

    بِدونِك

    لكِن لَيسَ كَثيراً بالمَرَّ

    *

    حَديقَة شتوية

    غِلاَفُ رِسَالَتِك

    ذُو الطَّابَعَين الأصْفر والأحْمر

    قُمْتُ بِغَرْسِهِ

    فِي أصِيصِ الوَرْد

    أُرِيدُ

    أَنْ أرْوِيهِ كُلّ يَوم

    بَعْدَئِذ سَوفَ تنمو

    رَسَائِلُك

    رسَائِلٌ

    جَمِيلَة وَحَزِينَة

    رَسَائِلٌ

    تَفُوحُ مِنْهَا

    رَائِحَتُك

    كَانَ يجِبُ

    غَرْسهُ منْذُ البِدايَة

    ولَيْسَ فِي هَذا

    الْوَقْتِ المتَأَخِّرِ مِنَ السَّنَة

    *

    – حُرّيةُ الفِكر-

    عِندمَا أفَكِّرُ في فَمِك

    وطرِيقَةِ حَديثِك إلَي

    حِينَهَا أُفَكِّر

    فِي كَلِمَاتِك

    وفِي أفكَارِك

    وفِي تَعْبِيرِ عَيْنَيك

    أثْناءَ الكَلاَم

    لكِنْ عِندَمَا أفَكِّرُ فِي فَمِك

    وَهُوَ فِي فَمِي

    حِينَهَا أُفَكِّر

    فِي فَمِك

    وفِي فَمِك

    وفِي فَمِك

    ثُمَّ فِي حضْنِك

    وَفِي عَينَي

    *

    – تمرينات عَلى معْجزَة –

    أنْ أنتَظرَ بعينينِ مُغمضتين

    أمامَ البِنَاءِ المَهْجور

    حتَى يَهبَّ واقِفا وَمفتُوحا

    الْبَيتُ القدِيم

    أَنْ أحدِّق طَويلاً

    فِي السّاعةِ المتَوقِّفة

    حَتى يتحرّك مِن جدِيد

    مؤشِّر الثوانِي

    أَنْ أفكِّر فِيك

    حَتى يَغْدو بإمكانِ

    حُبِّي لَك

    أَن يِبْتسِم من جَدِيد

    حينذَاك

    سوفَ يُصْبِحُ

    بعثُ المَوتى

    أمراً في غَاية البَساطَة

    *

    المُستقبل

    ( في هيروشيما وناكازاكي ذاب غبار الطريق وتحول الى كتلة زجاجية )

    الشّمس شَمس

    الشّجرة شَجرة

    الغبَار غُبَار

    أَنَا أنَا وأنت أنت

    الشّمس ستَصِير شمساً

    الشّجرة ستصِير رمَادا

    الغبار سيصير زجاجاً

    أنَا وأنت سنصير غباراً

    الشّمس تظلّ شَمسا

    الشّجرةُ لاَ ينبَغِي أن تصِير رمَادا

    الغبار لا ينبَغي أن يصيرَ زجاجاً

    أنا لا أريد أن أصير غبارا

    أنت لا تريد أن تصير غبارا

    أنتم لا تريدون أن تصيروا غُبارا

    هم لا يريدون أن يصيروا غُبارا

    ولكِن ما الذي نفعلهُ كُلّنا بـحقّ السما

    – انه هكذا-

    انه هراء

    يقول العقل

    انه هكذا

    يقول الحب

    انه سوء حظ

    يقول الحساب

    انه ليس اكثر من الم

    يقول الخوف

    انه غير مجد

    يقول الإدراك

    انه هكذا

    يقول الحب

    انه أضحوكة

    يقول الكبرياء

    انه طائش

    يقول الحذر

    انه مستحيل

    تقول التجربة

    انه هكذا

    يقول الحب

    *

    تَحولات

    يدَان بيضَاوان

    شَعر أحْمَر

    عَينَان زَرقَاوان

    حِجَارةٌ بَيضَاء

    دَمٌ أحْمر

    شفَتَان زرقَاوانْ

    عِظَامٌ بَيضَاء

    رَملٌ أحْمَر

    *
    قصائد قصيرة

    إبادة

    فِي
    البدء كَان الزمَن
    ثمّ ظهرَت ذبَابة
    ورُبّمَا فأر
    وبعدئِذ
    أكثَر ما أمكَن
    من البشَر
    ثّم من جديد
    الزّمن
    *

    بلا مُزاح

    بالحِجَارة
    يَقذِف الصّبيان
    الضّفَادع
    للتّسلِيَة

    الضّفَادع
    تَموتُ
    بِجدية
    *
    حرّية الهيمَنة

    أنْ يقَال
    “هنا تُهيمِن الحرية ”
    هو دَائماً
    مِن قبيل الخطَأ
    وربّمَا أيضاً
    مِن قبيل الكذِب

    الحرّية
    لا تُهيمِن
    *
    تعديل

    أمس بدأت
    تعلّم الكلام
    اليوم أتعلّم الصّمت
    غداً سأتوقف
    عَن التعلّم
    *
    سبَاق التسلح

    الذي يرِيد
    للعَالم
    أنْ يبقَى
    علَى حَاله
    لاَ يُريدٌ
    للعالَم
    أن يَبقَى
    *
    إجابة

    للأحجَار
    قالَ أحدهُم:
    كونِي بشراً

    أجَابت الأحجَار
    نحن لا نَملكُ
    مَا يَكفـي من القسوة

  • نصوص هايكو – لطيفة أدهو

    نصوص هايكو – لطيفة أدهو

    شجرة مقطوعة-

    أملأ الفراغ

    على الورقة

    -/-

    ثمالة-

    على أعواد القصب

    تسند الدالية وقفتها

    -/-

    غفوة-

    تتهاوى في نسيم الفجر

    ورقة خريفيّة

    -/-

    العالم،

    كم هو هادئ

    على الخريطة

    -/-

    قاعة الانتظار،

    تروح، تجيئ

    سمكة الأكواريوم

    -/-

    الكرسي الهزاز

    يهدهد الجميلة

    تهدهده الجميلة

    -/-

    حصاد،

    على الحقل

    يتكوّم الحقل

    -/-

    تكفي نجمة لإضاءته،

    الليل المقتحم لغرفتي

    بحجم نافذة

    -/-

    نهاية المطر،

    في مكان ما

    تسقط آخر قطرة

    -/-

    لطفلي يا بحر،

    كيف أبرر موجتك العاتية

    مقابل قصره الصغير

    -/-

    يازهرة الجبل

    أمن صعودك عاليا

    تندين

    -/-

    تتمسّح بي

    القطّة التي

    افترست عصفورا للتّو

    -/-

    العرض العسكري،

    بين الصّفوف

    خواء مرصوص

    -/-

    قصف شرس،

    بيانات نصر وهزيمة

    لا بيان للطّيور بعد

    -/-

    منطقة حدودية،

    الأعلام

    ولاؤها للريح

    -/-

    أرق،

    أعدّ الخراف

    تحت وابل مطر

    -/-

    زهرات الزّعفران،

    في عيون القاطفات يبزغ

    فجر بنفسجي

    -/-

    مطر ربيعي،

    في انتظاراتي

    أجدّد الثّقة

    -/-

    ركن النافذة،

    تهزّ غصين النارنج

    زقزقة

    -/-

    زجاج النّافذة،

    مطر اللّيل

    يبلّل العتمة