المدونة

  • لماذا تبخلُ عليَّ بشيءٍ يمكن أن يمنحه لي أي رجل؟ مقتطفات من رواية طوق الياسمين لواسيني الأعرج

    ”نكتب لأننا نريدُ من الجرح أن يظل حيًا ومفتوحًا. نكتبُ لأن الكائن الذي نحب ترك العتبة وخرج ونحن لم نقل له بعد ما كنّا نشتهي قوله. نكتبُ بكل بساطة لأننا لا نعرفُ كيفَ نكره الآخرين، ولربما لأننا لا نعرفُ أن نقولَ شيئًا آخر.“

    ”البرد وعزلة المقابر وعشرون سنة من المحاولات اليائسة لنسيانك يا مريم… أنا لا أعرف سوى الكتابة عن امرأة لم يعرف قلبي المهبول سواها.“

    ”مريم؟ بقايا الأبجدية المستحيلة، هل تدرين؟ بعد عشرين سنة لم أفعل شيئاً مهماً سوى البحث عنك. أعود إلى هذه المقبرة التي صارت اليوم وسط المدينة بعد امتداد العمران بشكل جنوبي إليها، أقف على هذه الشاهدة الصغيرة التي كتب عليها كما اشتهيتِ في وصيتك: ضيقة هي الدنيا، ضيقة مراكبنا، للبحر وحده سنقول: كم كنا غرباء في أعراس المدينة.“

    ”تمنيت أن أعيش طويلاً لأحبك أكثر ولكن الأقدار منحتني فرصة الشهادة قبلك لتكون أنت المطالب بحبي وبتحمل غيابي.“

    ”كم أتمنى لو كان إنساناً تافهاً أو عادياً لنسيته بسرعة وانصرفت للحياة، ولكنه كان شيئاً آخر، لم يشبه أحداً ولم يكن أحد يشبهه، العزاء مع هؤلاء الناس يزداد صعوبة، بل يصير فعلاً مستحيلاً.“

    ”عشرون سنة انطفأت، أشياء كثيرة تغيرت، الأرض التي أحببنا صارت مريضة، الناس الذين قاسمونا النور والفراش والحزن تغيروا، منذ ذلك الزمن الذي صار اليوم بعيداً، من مات مات، ومن امتطى الريح أو البحر فعل ذلك بدون تردد، وبقينا نحن هنا، بالضبط كما تُرِكنا للمرة الأخيرة على حافة هذا البحر المنسي، نحسب السنوات والوجوه والصور التي مرت بكثير من الحزن والصبر.“

    ”كم أتمنى أن أعيشَ عزائي وأنسَاكَ دفعةً واحدة، لكني كلما حاولت أُخفقت وازدادت وحدتي التصاقاً بي.“

    ”النسيان بالتقسيط قاتل على الأمد المتوسط، بينما النسيان السريع قاتل لا يرحم صاحبه.“

    ”شاق هو الفراق الأبدي ومع ذلك علينا أن نتدرب على النسيان لنستطيع العيش.“

    ”هل كان من الضروري أن نفترق لندرك كم كنا في حاجة لأن نبقى قليلاً لنقول ما لم نستطع قوله؟ أو ما أخفقنا في قوله؟ هل ما حدث بيننا كان مجرد قصة حب من فرط الفقدان والخوف، صدقنا أنها الحقيقة المطلقة؟ أم خطوة أولى بدل أن تقع على اليابسة ابتلعتها هوة الفراغ؟“

    ”دعني أقول لك أولاً وأنت غائب عني هذا المساء في مكان ما لا أعلمه: كل عام وأنت بخير حبيبي، دمت للفرح والسعادة. اعذرني، دائماً أصل متأخرة عندما يتعلق الأمر بالمواعيد الحاسمة. لم أهدك شيئاً بمناسبة السنة الجديدة، احسبها عليّ. حسبي أن أهديك هذه المرة قلبي فقط وأشواقي وحنيني الذي لا يموت.“

    ”منذ زمن وأنا أقاومك ولكن الشتاء يفتح شهيتي للحماقات، كلما عاد، شعرت بنفسي ممتلئة بك ولا أستطيع مقاومة شهوة الكلمات. البرد والأمطار والثلوج والإيقاعات الحزينة تقربنا من بعض لدرجة النسيان والتلاشي، لو تدري كم أحبك وكم أن عودة الشتاء تؤذيني لأني أخاف فقدانك وأسأل نفسي ماذا يحصل لي لو فقدت وجهك وسرق الموت أحدنا؟ في كل مرة أقول ربما هذه آخر الكلمات وآخر النبضات ومن يدري ربما آخر مرة أهتف فيها باسمك وأقول لك: صباح الخير حبيبي، صباح المطر يا شوقي، كل سنة وأنت بخير، وترد أنت عليّ: صباح المجانين والسعادات التي لا حصر لها… كل سنة وأنتِ رائعة.“

    ”هل تكفي الكلمات؟ أريد أن أمنحك حروفاً أكثر دفئاً ووضاءة وربما أكثر.“

    ”لماذا تبخل عليّ بشيء يمكن أن يمنحَهُ لي أي رجل؟ يكفي أن أرفعَ إصبعي، لكني أريدُ كل شيء منك، لأني أحبك؟“

    ”أحياناً أقول في خاطري وأنا أفتش عن النور المخبأ فيّ، أن أطرف كذبتين وجدهما الإنسان لمقاومة ظلمة الموت والقبر البارد هما: العزاء والنسيان بينما هما وجهان لعملة واحدة مرتسمة في دمه. وهل يقدر الإنسان أن ينسى دمه؟“

    ”أجمل شيء تشتهيه العصافير هو أن تموت وهي قادرة على الطيران. بعضهم يقول إن العصافير كالأشجار، تموت واقفة.“

    ”هل وجدت عظيماً في التاريخ مات ميتة مرتاحة؟ كلهم ماتوا في النسيان الكلي والإهمال لكنهم في قلوبنا.“

    ”شاق هو الفراق الأبدي ومع ذلك علينا أن نتدرب على النسيان لنستطيع العيش. لم يتبقَ من الوقت الكثير، يجب أن نفترق ونمحو من الذاكرة أننا التقينا ذات ليلة باردة.“

    ”أراك باستمرار من وراء حزني وقلقي ووجودك وحده يمنحني قدراً كبيراً من الراحة، ألم تقل لك امرأة قبلي، المؤكد أنك عرفت الكثيرات: إن وجودك وحده يبعث على الراحة والاطمئنان؟ لا تقل العكس، صحيح أني أغار عليك ولكني لست مجنونة لدرجة أن أمنعك من شيء ليس في مقدوري فعله حتى ولو أردت. الغريب، أشعر وأنا أقرأ كتاباتك أن بعض جملك مهداة إليّ مع أنك لم تقل لي ذلك أبداً.“

    ”نكتب لأننا في حاجة للنسيان أو لمزيد من الألم موجهين نداء استغاثة ولا يهم إذا سُمِعنا أم لم نُسمَع.“

    ”هل تعلم أني بعدك صرت عارية لا أعتنق إلا كلامك، ألبسه وأتدفأ به؟“

    ”لنبدأ من التفاصيل الصغيرة. في ذلك الزمن البعيد، كانت مريم طفلة تعشق الورود الملونة والوجوه الأليفة، مولعة بحب الألبسة الجميلة وتتمنى أن تخصب ذات فجر لتجد نفسها فجأة تمارس علناً طقوس الأمومة… كانت هكذا أو هكذا شاءت أن تكون… منذ الطفولة الأولى لم تكبر كثيراً.“

  • مقطتفات من رواية مرايا الضرير – واسينى الأعرج

    مقطتفات من رواية مرايا الضرير – واسينى الأعرج

    كل شيء تافه .. هذا هو الانحطاط بعينه . صعود الرعاع الذي يعني مرة أخرى صعود القيم الميتة .. يا لها من خديعة ! يا لها من كذبة أخرى .. إن ذهنية القطيع هي التي تسود على كل ما يمكنه أن يكون استثنائياً في هذا البلد

    ——-

    هكذا هو الحب المجنون .. انه أعمى .. اما ان يأتيه شعور القوة الطاغي او العكس تماما .. الحل الوسط في الحب لا يوجد الا عند الارواح التعبة والمهزومة

    ——

    انما تولد مأساة العظمة من رحم المستحيل

    ——-

    الرجل المهزوم رجل ميت .. انت عظيمة و العظماء لا يقتلون ميتاً مرتين .. تكفيه قتلة واحدة لتعيده الى الطريق المستقيم

    ——-

    وحدهم الناس الذين ينظرون قادرون على قراءة الآثار فوق الرمال التي لا تتكلم ولكن بوسع المرء ان يجعلها تتكلم اذا كان يمتلك لغة العلامات .. والناس الذين ينظرون يمتلكونها في ذاكرتهم

    ——–

    هكذا هي الحياة .. انها لا تختلف عن المرأة .. يجب الامساك بها اولا من المنطقة الاكثر هشاشة وحساسية ومن لا يفهم مدى امتلاء التاريخ باحداث العنف والقسوة والحيلة .. وكم هو عبثي .. فلن يستطيع ان يفهم ان الامر يعود اليه الى اندافاعه في ان يمنح معنى للتاريخ

    ——–

    الثقة بالحياة امر صعب .. بحادث عرضي يمكن ان يهتز كل شيء .. كيف يمكن للناس ان يغيروا اتجاههم ليجدوا انفسهم فجأة على الضفة الاخرى ؟

    ——–

    الخيانة كالطلقة ما أن تغادر السبطانة حتى يصبح من السمتحيل اعادتها الى مكانها .. والخائن رجل ميت في لحظة الندم نفسها .. لا يجد احداً يسمعه .. ومن يستمعون اليه لا يستمعون الا لاعداد نعش الموت الابيض

    ——–

    ان الفكر الوضيع و الرغبة التسلطية هي التي جرت كل شيء الى الزوال .. وليس العظمة التي فقدت على اية حال من سجل الطرفين المتحاربين .. لقد كان ذلك اقرب الى صراع الانواع الصغيرة من أجل البقاء

    ——

    يجب ان يكون المرء قاسياً و الا عمت الفوضى البلاد

    ——

    عندما تكون البلاد في خطر يجب الا نطرح الاسئلة بل يجب ان ننفذ والا لكانت النهاية والفناء وتمهيد الطريق لكل المغامرين

    ——-

    هكذا هي الحرب : العين بالعين والسن بالسن .. ومن يطلب الهدنة اولا يكن الحلقة الاضعف في الحروب الممكنة جميعاً

    ——-

    في قمعه للثورة كان يتوقع ان يواجه محترفين في الحرب .. مدربين في معسكرات اسرائيلية ومرتزقة اوروبين و امريكان .. لكن الذين واجههم لم يكونوا الا تلامذة و اطفالا ظنوا انهم يلعبون

    ——–

    يجب على المرء ان لا يستعجل الزمن … فالاشياء الجميلة تاتي من تلقاء ذاتها

    ——–

    ان التطلع الى شعور اقصى ليس الا التطلع الى القوة .. وهذا ما هو اكثر حميمية و عمقاً في حياة حالم .. وصفة مخيفة تشكل جزءاً من العظمة

    ——-

    هذا العالم صعب وخائن ولا يطاق .. يجب ان يمتلك الانسان سلاح السخرية وسلاح القوة لكي يستطيع ان يحاربه حتى الموت

    ——-

    عندما يختار المرء حقل الموت فإنه لا يعرف البطالة أبداً

    ——-

    من يريد ان يكون كبيراً في الخير او في الشر عليه ان يكون مدمراً كاسراً للقيم بأي ثمن .

    ——-

    ان اجمل المشاريع هو الشعور الذي ينتاب الانسان عندما يلمس الخيط الرفيع جداً لحياة معلقة هي الاخرى بنهاية الموت

    ——-

    ان يداً واحدة لا تصفق ولكنها تصفع ان لزم الامر

    ——

    انت مخطىء .. تعتقد ان العظمة تتجلى عندما يأمر الانسان بصورة مطلقة وان الآخر يطيع .. لا .. فالعالم لم يعد يعمل هكذا .. لقد انتهى الامر يا عزيزي .. وهذه هي النهاية المأساوية لجنسك كله

    ——

    من يريد ان يكون عظيماً دون ان يمس احد عظمته .. عليه ان يكون اولاً هادماً ومدمراً للقيم .. لقد دمرت الكثير منها .

    ——

    نعم .. انا من أولئك الذين لا يؤمنون الا بالقوة وبالقيم المطلقة .. نحن الذين نطالب بإيمان آخر .. ونحن الذين نعد النزوع الديموقراطي ليس شكلاً منحلاً من التنظيم السياسي فحسب .. بل شكلاً منحطاً وناقصاً لللإنسانية التي يحولها الى الوضاعة ويقلل من قيمها

    ——

    اي رفع للنوع البشري .. كان وسيبقى دائما من عمل مجتمع ارستوقراطي .. مجتمع يؤمن بعدة درجات من التراتبية والقيمة بين البشر .. مجتمع يطالب بالعبودية بطريقة او بأخرى .. الشعور المشبوب بالمسافات يولد من الفارق الشاسع بين الطبقات الاجتماعية و من ان الطبقة المسيطرة تلقي بنظرها من عل على الرعايا و على الادوات وعلى الاعراف التي تصنعها من الطاعة و من القيادة و من الفن الذي يبقى السافلين في الاسفل وعلى مسافة معينة .. ومن ناحية اخرة من المستحيل هوىً اكثر سرية .. والرغبة الملتهبة في انشاء مسافات داخل النفس من اجل انتاج حالات اكثر فأكثر ارفاعاً

    ——

    حياتنا لغز .. الخسارات الكبرى . الرغبات المجنونة .. والابتعاد القاسي لكل ما هو ممتع بالنسبة لنا .. كل هذه الامور انبثاقات لارادة تسمو الى العظمة التي تختبىء في داخلنا .. ولفهم هذا كله يلزمنا سحر الجنون .. الجنون هو الذي يمهد طريق فكرة جديدة تقطع رباط عادة .. خطوة صغيرة ايضاً في هذا اليأس للموت المحتم وكل شيء سينفصل عن الهياكل القديمة

    ——

    العظيم هو من يجتهد في بلوغ هدف هو نفسه لا يعود يحب ما بعده .. والعظمة هي الارادة المطلقة التي نقبل بواسطتها دمارنا الذاتي

    ——

    لا احد يحكم عليك .. عرف انك اسف .. ليس على الموت .. بل عى غياب المجد .. ولكن لا يهم .. فقد حصلت على ما حصلت عليه في عالم المنحطين هذا .. انت تخشى ان يرى التاريخ فيك طاغية , لا قيمة لذلك ابداً لان من يسمى شريراً هو من كان قوياً وخطراً ومخيفاً الى حد ما .. ومن هو ماهر و قوي ولا يحتمل الاحتقار .. في اخلاقية العبيد هذه ان الطاغية اذن هو من يفرض الخوف اما في اخلاقيات السادة بالعكس ان الطيب هو من يُحترم ومن يفرض احترامه ويكون السيء جديراً بالاحتقار .. الطيب شرع العبيد .. هو من ليس فيه ما يخشى .. انه في منتهى الطيبة ويخدع بسهولة وربما كان غبياً بعض الشيء .. كلما ساد نظام العبيد .. تعمد اللغة الى التقريب بين كلمتي طيبين و أغبياء

  • إليزابيث بيشوب – معجزة للإفطار | ترجمة: شريف بقنه

    model-on-the-couch-1928
    Edvard Munch

    عند السادسة وبينما كنّا في انتظار القهوة،
    في انتظار قهوة وكسرة خبز هنيئة
    تُقدَّم لنا من شرفةٍ هناك
    – مثل ملوك الأزمان الغابرة، أو مثل معجزة –
    كان لا يزال شيء من الظلمة
    وقدم واحدة للشمس
    تمتدُّ وتستلقي على خرير نهر طويل.
    العبَّارة الأولى اليوم للتوِّ عبرت النهر.
    كان البرد قارساً وتمنّينا أن تكون القهوة
    ساخنة، فمنذ الصباح لا شمس
    تُدفئنا؛ ظننا أن كسرة خبز
    ستصبح رغيفاً مدهوناً بالزُّبد،
    على طريقة المعجزة.
    في السابعة،
    أطلّ علينا رجلٌ من الشرفة.
    ظلَّ واقفاً لدقيقة في الشرفة
    ينظر إلى ما فوق رؤوسنا ناحية النهر.
    ثمة خادم سلّمه
    كلَّ ما يلزم لصنع معجزة؛
    فنجاناً واحداً من القهوة
    ولفَّةَ عجين، ما لبثت أن أصبحت كسرة خبز،
    رأسُه، إذا صحَّ التعبير،
    كان في السحاب – يجاور الشمس.
    أتراه رجلاً مجنوناً؟ ما الذي كان يحاول فعله
    تحت الشمس، هناك في شرفته!
    كل واحد أُعطي كسرة خبز يابسة،
    البعضُ ازدراها وألقى بها في النهر،
    أمّا الفنجان،
    فكانت فيه قطرة واحدة من القهوة.
    البعضُ ظلَّ في المكان،
    في انتظار المعجزة.
    يمكنني أن أحكي عمّا شاهدته بعد ذلك؛
    لم تكن معجزة.
    فيلّا جميلة تقبَعُ تحت الشمس
    ومن أبوابها تنبعثُ رائحة القهوة الساخنة.
    في المقدّمة،
    شرفةٌ من جصّ أبيض نقشته
    عصافير كانت تعشّش على طول النهر،
    – رأيتُ ذلك بعين واحدة وكانت كسرة خبز قريبة منه –
    وصالات عرض وغرف من رخام.
    كسرة خبزي هي السرايا التي أعيش فيها،
    صنعتْها من أجلي المعجزةُ،
    منذ الأزل،
    وضعتها حشراتٌ وعصافير ونهٌر.
    هكذا كل يوم، تحت الشمس،
    في وقت الإفطار أجلس في شرفتي
    وقدماي ممدّدتان، أحتسي غالوناً من القهوة.
    كنّا نزدرد كسرة الخبز ونشرب القهوة.
    وثمّة نافذة تعبر النهر لتُمسك الشمسَ
    كما لو أن معجزةً كانت تحصل،
    على الشرفة الغَلَط.

  • فيوليت أبو الجلد – لا أحياء على هذا الكوكب سواي

    فيوليت أبو الجلد – لا أحياء على هذا الكوكب سواي

    death-and-fire-1940
    Paul Klee

    -1-
    أحتاج الى سكّيرَين ،
    الى قاتل مأجور ،
    الى سارق ،
    الى مستحضر أرواح ،
    الى قارئة كفّ عجوز ،
    الى جارة فضولية ،
    الى صديقة مغرية جدا تثير الريبة ،
    الى باب سريّ ،
    الى شهية مفتوحة ،
    وأحتاج أن أركب القطار في هذا الفيلم الطويل ،
    كي أكتشف لماذا نزلتُ وحدي من هذا النص ،
    . ولماذا صعدوا كلهم الى رأسي

    -2-

    جرحٌ بسيطٌ أسفلَ الركبة

    وآخرُ في القلب:
    لا شيء يستدعي هذا الترنّح ،
    بينما يرندح الصامتون
    أغنيةً حزينةً عن الهجران وعن الحرب.
    الصامتون اللاذعون،
    الغائرون في نُدبٍ قديمة،
    الصاخبون كأصواتِ استغاثة،
    النائمون في الصوت وفي همهماتِ القتلى،
    يخافون أطيافَهم في ظلال الكلام
    وأخاف من طيفيَ اللاهث في موكب أشباحهم.
    لا شيء يستدعي هذا النصّ:
    جرحٌ بسيطٌ في قلبِ اللغة،
    ولعنةٌ عابرةٌ كصوت .

    -3-
    أبحثُ كلّ صباح عن خبر موتِكَ

    في صحفِ بيروت التي لم تعد تصدر،
    في حاناتِها المهدَّدة،
    وفي أزقّتها المرمَّمة فوق جماجم أهلها.
    أحملُ في جيبي اسمَكَ،
    في الآخَرِ حفنةَ آلهةٍ،

    وكمّا هائلًا من الملائكة.
    أنا ربّةٌ حين أكتبُ،
    ربّةٌ حين أُحبُّ،

    النسّاكُ في مغاور الجبال عِبادي،
    أملكُ أرضًا وبحرًا وسماءً
    لكنّي أنتظرُ موتَكَ لأكتملَ بجمالي.

    أستمعُ كلَّ مساءٍ إلى نشراتِ الأخبار :
    قتلى وجرحى وحروب.
    غير أنّك آمنٌ كحبلٍ سرّيّ،
    آمنٌ كشاعرٍ على منصّة،
    متواطئٌ مع التصفيق الحارّ لقصيدةٍ باردة،
    . ولموتٍ ناقصٍ بين مخالب هذا النصّ الحزين

    -4-

    مجرّدُ أبوابٍ سحريّة لا تُفتح للأحبّةِ،

    ولا تُغلق عليهم.
    في مرفأ الغرباء ترسوا المراكب
    التي جذّفتْ طويلًا في الرضا.
    مجرّدُ حمّى تتفشّى في الأجساد المعتمة.
    حبالٌ سرّيّةٌ بين ما قلنا وما فعلنا.
    مجرّدُ وقاحةٍ هذا الإسرافُ في الحبّ:
    سيلٌ من الشتائم لا تترجَم إلى لغةٍ عالقةٍ في حلق الحروب،
    في نشرات الأخبار،
    وفي الصحفِ الساقطةِ سهوًا
    من أصابع المدنِ الجميلة.
    من الشبح ونقيضه يُولد الشعرُ؛
    من مراكبَ جذّفتْ طويلًا في حيرةِ مَن غادروا وما غادروا؛
    ومن مجرّد أبوابٍ سرّيّةٍ بين ما قلنا وما فعلنا.

  • يفغيني الكساندروفيتش يفتوشينكو – تغادرنا الأمهات

    يفغيني الكساندروفيتش يفتوشينكو – تغادرنا الأمهات

    the-dead-mother-1900
    Edvard Munch

    بكلِّ هُدوء
    تغادِرُنا الأمهات
    تغادِرُنا في المَهاجِع
    وفي خَطوِهنَّ برِفقٍ تدوسُ رؤوسُ الأصابِع
    ونحنُ ننامُ بكلِّ سَكينة
    وقد أُطفِئَ الجوعُ لسنا نعيرُ انتباها
    لوقتٍ كهذا مُريع
    تغادِرُنا الأمهاتُ شيئاً فشيئا
    وحيناً نَظُن
    ويَبدو لنا أنَّهُن
    يغادِرْنَ فجأة
    ولكنَّهُن
    رويداً رويداً ذَهبْن
    بِبُطئٍ بشكلٍ غريب
    خُطى ناعماتٌ خلالَ السنين
    وفجأة، وقد راعَنا أنَّنا ذاتَ عام
    نعيرُ انتِباها لوقدِ الشُموع
    ليومِ احتفالٍ بميلادِهن
    نحسُ الزمانَ العَبوس
    وندنو إليهنَّ صَحوا
    وننأى عنِ الحُلمِ لكنْ نَكُفْ
    فوسطَ الفراغِ ارتطامُ الأكُف
    كأنْ قد نَما من زجاجٍ جِدار
    هنا بيننا في الهواء
    تأخرتَ ياقلبُ
    دقَّت لنا ساعةٌ مُستهابة
    نُحملِقُ عبْرَ الدموعِ الدَفينة
    ويمضينَ في الموكبِ الجهمِ عنا بكل هدوء.

    ترجمة: ايمن ابو الشعر.

  • صبا قاسم – رأسي مقبرة جماعية

    صبا قاسم – رأسي مقبرة جماعية

    double-self-portrait-1985
    Ilka Gedo

    نبيةٌ من ورق
    لم أكنْ يوماً نبيّة
    خدعتْها نبوءَتُها الملفوفةُ حولَ سُرَّتها
    فتحوّلتْ إلى قطعةِ لحمٍ صغيرة
    تلمُّ تحتَها كومةَ أفكارٍ مُنهَكَة .
    أفكارُها
    أثداءٌ مهترئةٌ من شدّةِ التعب
    لا تُفرِّخُ إلا في المواسمِ الملتهبة
    لم تكنْ عَرَبَتي رغبةً تجرُّها كلاب
    لا تنبحُ إلا في الأوقاتِ الباردة
    وتسألُ الريح
    بأيِّ ذنبٍ هدأت؟
    لم يكنْ حُلمي
    ميّت أفسدتْ أمطارُ الدمِ عليهِ خلوَتَه
    وحطّمتْ أقدامُ المارّةِ سقفَهُ الخشبيّ
    عندما تشتدّ عليه ذكرياتُه
    يرفعُ يَدَيْه صوبَ السّماءِ مُتضرِّعاً
    هلاّ هدَّأتَ من ثرثرتِهم فوقَ رأسي؟
    ميّتٌ يدعو ربَّه
    لمشاهدة شهواتِه وهي تأكلُ نفسَها كالنّملِ الأحمر
    لأنّه بلغَ سنَّ الرُّشْد.
    لم يكنْ حُلمي
    فَقْرَاً ينفجرُ مثلَ البراكين
    ولا يُدوِّي مثلَ طلقاتِ الرّصاص
    لم يكنْ حُبَّاً قويَّاً
    يُقشِّرُ الرّوحَ كالبصل
    ولا تدمعُ عيناه
    لم يكنْ طيراً
    يُغري أُنثاه
    بفَرْكِ أجنحةٍ لا تُتقِنُ الطيران
    بل الغناء
    ثائرٌ
    يقولُ لها
    أبيعُ تذاكرَ الدُّخُولِ إلى الفردوس
    فهل مِنْ مُشترٍ؟
    طَرْطَقَةُ الملعقةِ على حافّةِ كأسٍ فارغة.
    أنا
    لاعبٌ
    أصنعُ منَ الحَصَى اللامعةِ على طَرَفَي ساقيةٍ عَكِرة
    نردٌ أرميهِ على بلاطِ السماء
    مَنْ أَصْدَقُ دمعاً،
    بَجَعٌ يُطعِمُ صغارَهُ دَمَه
    أم ملعقةٌ نَفَدَ صَبرُها
    وهي تنتظرُ مع الحساء
    فماً جائعاً؟!.
    * * *

    أعراس
    مواكبُ الموتِ في بَلَدي
    ليستْ أعراساً تزفُّها رائحةُ زهرِ الليمون
    ليستْ عاشقةً عبّأتْ رائحةَ حبيبِها في جَسَدِها
    ليستْ أمَّاً رَفَضَتْ ارتداءَ الأسودِ على شهيدِهَا الأوَّل
    فارتَدَتْهُ في موكبِ الثاني
    ليستْ عَجُوزاً تحلمُ باندثارِ ليلة
    استنفدتْ سنواتِ برتقالهِا كُلَّها
    ليستْ حُبَّاً بُترَتْ سَاقَاهُ من الرقصةِ الأُولى
    مواكبُ الحياةِ في بلادي
    علامةُ بُلُوغِ السماء
    على ثوبِ الكون.
    * * *
    في الحرب
    لا أُحِبُّ التقاطَ الصُّورِ التذكاريّةِ مع الأموات
    أخافُ أنْ
    يخرجَ لي جنديٌّ مَهزوم
    من واجهةِ محلٍّ تجاريّ
    ليُخبرَني عن الأسماءِ التي وَجَدَهَا
    تطفو على سطحِ بَحرٍ مُوحِل
    كيفَ مَدَّ يَدَهُ ليقطفَهَا نُجُوماً
    وعلَّقَهَا على قَدَح
    تتساقطُ فيهِ اللحظات
    و كيفَ أكلتْ رُؤُوسُ أصابِعِه
    ولَوَتْ رأسَهَا كَمِسْكِين
    يشحذُ رغيفَ رغبة
    أخافُ
    عندما تطلبُ منّي أمّي
    كَفَنَاً جديداً
    لأنّ القديمَ لم يعدْ يناسب
    دُمُوعَهَا
    في الحرب
    أخافُ أنْ أسيرَ بين الجنائز
    كي لا تُطلَقَ عليّ رصاصةٌ مُشرّدة
    وابلٌ من القُبلات
    تَرميني بنظرةِ مُتديّن
    تختبئُ تحتَ وجهِهِ سكِّينٌ حنُون
    وتُخبرَني
    عن وطنٍ يَرمي برتقالَه
    في السّواقي
    ويستوردُ فيتامينَ سي.
    وتُخبرُني عن مُهاجر
    حَمَلَ على ظهرِهِ بيتاً
    وتركَ المفتاحَ مُعلَّقاً بجذْعٍ مقطوع
    كماءٍ في حَلْقِ ظمآن.
    في الحرب
    ربّما تُفاجِئُكَ عجوز
    بدعوةٍ طائشة
    كرصاصةِ أخٍ لكَ بالماء
    لتُخبرَكَ عن شهوةِ الانتظار
    وتُخبرَكَ عن ألمِ المخاض
    في نيسان
    والحدِّ الفاصلِ بين سكِّينِ المحراث
    وليِّنِ الأرض
    وتسألَكَ
    عن البذرةِ الأُولى!
    في الحربِ
    قد تُقدِمُ امرأةٌ رافضةٌ على إقناعِك
    أنّ النُّهُودَ قُرُونُ استشعار
    غارقةٌ في ريشٍ من ضبابٍ ناصع
    وعُيُونٌ مُراقبةٌ في متحفِ الجسد
    لها طَعْمُ الملحِ والصّدأ.
    وأنّ الظهيرةَ وسادةٌ مُكتنزة
    والليلُ لصٌّ يغصُّ بامرأة
    من زُجاج
    في الحرب
    ربّما تطلبُ منكَ حَصَاة
    أنْ ترميها بطريق
    ورايةِ مُنتصر
    عندما تنتهي الحرب
    سينتهي المَهزُومُون
    كَبَطلٍ يُوجِّهُ لكماتٍ إلى ظلِّهِ على الجدار.
    ***
    الحربُ؛
    حفلةٌ تنكّريّة
    يرتدي الأحياءُ فيها زيَّ الأموات
    ويخرجُ الأمواتُ فيها على هيئةِ آلهة.

  • مختارات من شعر فرانسواز كامبو تيمال

    joyous-note-autumn-dusk-1992
    Karl Schrag

    1 – زمن

    تكفي ورقة،
    زورق موضوع فوق الماء،

    يكفي نفس
    ليرتعش الماء
    و تحملها موجات بعيدا جدا،

    يكفي لا شئ
    كي تصير هذه اللحظة أبدية.

    2 – الليل يتنفس

    الليل يتنفس
    مثل قط

    المطر يخدد
    المرايا الصفراء

    في هذا الوقت الهادئ
    شئ ما يراقبنا

    حفيف ذويبة
    الخوف الغامض
    من الصباح المقبل .

    3 – بحر

    الثغر ينزل
    فوق منحدر الظهر
    و يتذوق الملح البحري .

    الأفق يتحرك هناك
    بعد البحر.

    الجسد المتلهف
    لألف يد من الرمل
    يسترخي.

    4 – الزمن

    الزمن
    هو أم أربع و أربعين
    تجري فوق جلدي
    حافرة أخاديد ،
    فتترك فوق يدي
    آثار المقبرة .

    ترجمة: ابراهيم قازو

  • جاك بريفير – لكي ترسم طائراً

    la-naissance-de-v-nus
    Pierre Roy

    ارسم في البداية قفصًا
    و اترك بابه مفتوحًا
    ثم ارسم
    شيئا مليحًا
    شيئا بسيطًا
    شيئا جميلًا
    شيئا نافعًا
    للطائر
    و اسند قماش اللوحة إلى شجرة
    في حديقة
    في أكمة
    أو غابة
    و اختبئ جيدًا خلف الشجرة
    دون أن تنبس بكلام
    دون حراك
    الطائر قد يأتي سريعًا
    أو قد يستغرق قرار مجيئه سنوات طوال
    لكن لا تيأس
    و انتظر
    انتظر إن اقتضى الأمر ذلك
    سنوات طوال
    فسرعة و بطء مجيء الطائر
    لا علاقة لهما
    بنجاح اللوحة
    و عندما يصل الطائر
    هذا إن وصل
    فألزم الصمت الأقصى
    وانتظر دخوله إلى القفص
    و عندما يكون هناك
    اغلق الباب وراءه بفرشاة
    أغلقه بكل هدوء
    ثم
    امح كل القضبان واحدًا واحدًا
    و احترس ألا تلمس من الطائر و لو ريشة واحدة
    و بعد ذلك، ارسم الشجرة أولا
    و اختر للطائر
    أجمل أغصانها
    ارسم اخضرار الأوراق
    ارسم رطوبة الريح
    وغبار الشمس
    ارسم صوت حشرات النبات في حر الصيف
    ثم انتظر أن يقرر الطائر الغناء
    و إذا ما لم يغن
    فهذه علامة سيئة
    علامة على أن اللوحة رديئة
    أما إذا ما غنى
    فهذه علامة حسنة
    علامة على أنك تستطيع وضع إمضائك أخيرًا
    و حينها، و بكل رقة، انتف ريشة من الطائر
    و اكتب بها اسمك
    في ركن صغير من اللوحة.

    ترجمة : ثريا وقاص

  • مقطوعة ليلية للشاعر الأمريكي دبليو إس بييرو

    أين أنتم الآن؟

    قصائدي،

    وأقراني الذين يمشون أثناء نومهم،

    لا غمغمة هذه الليلة؟

    أين أنت، أيها العطش،

    أيتها الحمّى، أيها الملل ذو الطنين؟

    مصابيح الزقاق

    تصدر أزيزها خارج نافذتي،

    صامدةً، بعيدة المنال،

    كإندهاشاتٍ صغيرة

    تضيء الطريق صعوداً.

    أين أنتم الآن،

    واحتياجي إليكم في غايته؟

    الوقت متأخرٌ وأنا هرِم.

    تعالي سريعاً أيتها القطط الضارية

    التي بين زهور الداليا.

    ترجمة: غسان الخنيزي.

  • الحياة صالة سينما – محمد النعيمات

    الحياة صالة سينما – محمد النعيمات

    أذكرُ أنهم
    -حينَ وُلدْتُ-
    قطعوا لي تَذكِرةً
    أو رُبما شهادةُ ميلادٍ
    لا فرقَ ،
    فالحياةُ (صالةُ سِينما ) كبيرة
    دخلتها بكاملِ دهشتي
    وجلستُ لأنني فقيرٌ
    في مقاعِدها الرخيصةِ ،
    كانت جميلةً ومضيئة
    وكنتُ بخرقةٍ بيضاءَ
    أجوبُ مُندهشاً بنظري
    وجوهَ من يجلِسونَ حولي
    بملابسِهم الملونةِ
    وابتساماتِهم العريضة ،
    كنتُ كزهرةِ عباد الشمس
    أتبعُ بنظري مُبتسماً
    مِصباحاً كبيراً يتوهجُ في السقفِ
    وأذكرُ أنني
    -حينَ أطفأوا النورَ-
    سمعتُ أحدهَم يصرخُ قائلاً :
    (تبّاً …ها قد بدأت الحياة)
    رؤوسٌ كثيرةٌ متقاربة
    تهتزُّ كثِمارٍ ناضجةٍ
    على أغصانِ العتمة
    أصواتٌ هامسةٌ
    كحفيفِ أوراقٍ صفراءَ آيلةٍ للسقوط
    أجسادٌ تطفوا كجُثثٍ على مقاعدٍ باهتة
    أشخاصٌ يدخلونَ
    وآخرونَ يوجِعوننا وهم يدوسونَ
    على أقدامِنا حينَ يَخرُجون
    وبضعُ أشخاصٍ
    يجلسونَ في غُرفةٍ للتحكمِ
    يُطفئونَ مِصباحاً مُتوهجاً في السقفِ
    ويعرضونَ شَريطاً ما
    لنرى نحنُ الغارقينَ في العتمةِ
    على شاشةِ الحياةِ
    فقط ما يُريدون .

  • عيد الميلاد الثلاثون – أليس نوتلي – ترجمة غسان الخنيزي

    عيد الميلاد الثلاثون – أليس نوتلي – ترجمة غسان الخنيزي

    Sadik Kwaish Alfraji

    عسى ألاّ أخاف أبداً

    لا سيما من نفسي

    لكن

    يا محمد علي أتقول

    الحقيقة؟

    حسناً، أنت صادقٌ أليس كذلك

    وأنت تنطق عجباً بجسدك

    الذي يحميك بقامةٍ من الصوت

    بلكماتٍ ضمن رقصة

    عسى ألاّ أخاف أبداً

    متخلخلٌ ومهتزّ

    وشاح الدانتيل

    الذي سوادُه من بلّوط

    ولكن عندما أكون غامقةً فأنا قوية

    مثل سوادي

    قوّتي هي الكون

    الذي ظُلْمته هواءٌ

    دانتيلٌ مرصع بالنجوم فقط

    ولكن عندما أكون متوقدةً فأنا قوية

    كالحياة

    قوية كالبنفسج

    في قبضة مارلون براندو

    إدعاؤه يستحيل حقيقة

    هي قد أخذتهم

    وكنت لآخذ نفسي كذلك

    حقاً

    وَيَا عليّ الخاص بي إني أراك

    بقعةً مني مضيئة وثابتة

    أنا الشكلانية المتوحشة

    حجةٌ أصيلة في القيل والقال

    وشخص رفيق

    ترجمة غ خ

    “30th Birthday”

    May I never be afraid
    especially of myself
    but
    Muhammed Ali are you telling
    the truth?
    Well you’re being true aren’t you and
    you talk so wonderfully in your body
    that protects you with physique of voice
    raps within dance
    May I never be afraid

    rocked and quaked
    the mantilla is lace
    whose black is oak
    But if I’m dark I’m strong
    as my own darkness
    my strength the universe
    whose blackness is air
    only starry
    lace
    But if I’m alive I’m strong
    as life
    Strong as the violets
    in Marlon Brando’s fist
    his dissemblance flourished into truth
    She
    took them
    I’d take me too
    I do
    and my Ali I see you
    a hard bright speck of me
    the savage formalist
    authentic deed of gossip
    a kind body

    by Alice Notley

  • قفازان جلديان – مقتطفات – آنا كريستينا سيزار – ترجمة: جمانة حداد

    قفازان جلديان – مقتطفات – آنا كريستينا سيزار – ترجمة: جمانة حداد

    1-

    ألبث هادئة.
    أكف عن الكتابة. أرسم
    في مدينة لا أملكها.
    لا أفكرُ في الرحيل. خربشاتي
    اليوم قد
    انتهت.


    ” رحتُ على غرار الجميع أصور الناس من حولي، على كراسي الرصيف.”
    فاتني قطار. لا أتمكن من أن أروي القصة كاملة. طالبتني بتفاصيل ( لم أزل أعتقد أن سؤالك كان أحد تلك الأسئلة المتعبة التي يطرحها المرء في نهاية السهرة، وأنا التي كنتُ بعيدة يومئذ، لكني لا أقول شيئًا، وليس السبب أن فمي قاسٍ، ولا السبب السخرية ولا النار المتقاطعة.
    أخاف أن أضيع هذا الصمت.

    هل نخرج؟ هل نقوم بجولة في الحديقة؟
    لماذا جعلتني أجيء إلى هذه الغرفة هنا؟
    عندما تموت، ستؤول الحال بدفاترك إلى واجهة المعرض الذي يقام بعد الوفاة، ذخائر.
    يقول لي كطفل مدلل بعض الشيء إن الفن هو ما يساعد في الهرب من الجمود.

    العينان من جديد.

    عيناه تبثان لا مبالاة عندما يحدثني عن معنى الفن. منذ ثمانية أيام وأنا أقول لك ذلك. أتعلم أن ضبط إطار الصورة في وسط المتنزه. أتخيل القوة المطلقة للمصورين وهم يحدقون من وراء العدسة، لا مرئيين كالله. لا أعرف أن ألتقط هنا في الحديقة، على خطوط وجهه، حتى بإهمال محسوب، المرأة الصعبة الت لا تترك في الوراء، التي لا تترك، ولا الكلمات التي تفرّ، من دون أن يعود شيء ما ينقح ويكمل.

    سوف أشرح أكثر: الكلام لا يجعلني أخرج من الإطار، سوف أشرع في الرسم إذّا، لكي أخرج من الإطار.

    2-


    أريد أن أروي لك الغرفة الجامدة وكل ما تحتويه. لا مدينة في الخارج ولا علاقات قرابة. لديّ هنا آلات تسليني، تلفزيون في غرفتي، شرط ممغنطة، بطاقات بريدية، دفاتر من كل الأحجام، مقص أظافر ووعاءان من البريكس، إلى آخره. لا شيء في الخارج ورأسي يتكلم وحده، هكذا، في حركة بندولية: ظهور واختفاء. احفظ جيدًا هذه الغرفة الراكدة بآلاتها والرأس والبندول الذي يدق. احفظها جيدًا. سيكون ذلك مهمًا في ما بعد.

    *نص: آنا كريستينا سيزار
    *ترجمة: جمانة حداد

  • الرحيل في الليل – عبد الرحيم أبو ذكري

    الرحيل في الليل – عبد الرحيم أبو ذكري

    أيها الراحلُ في الليل وحيدًا
    ضائعًا منفردًا
    أمس زارتني بواكيرُ الخريف
    غسلتني بالثلوج
    وبإشراق المروج

    أيها الراحلُ في الليل وحيدًا
    حين زارتني بواكير الخريف
    كان صيفي جامدًا
    وجبيني باردًا
    وسكوتي رابضًا فوق البيوت الخشبية
    مخفيًا خيرته في الشجر
    وغروب الأنهر
    وانحسار البصر
    لوّحت لي ساعة حين انصرفنا
    ساعة حين انصرفنا
    ثم عادت لي بواكير الخريف:
    حين عادت
    وثب الريح على أشرعتي المنفعلة
    سطعت شمسُ الفراديس على أروقتي
    ومضت تحضنني الشمس الندية
    والتي ما حضنتني
    التي ما عانقتني
    في الزمان الأول
    في الزمان الغائب المرتحل:

    انتظرني
    فأنا أرحل في الليل وحيدًا
    موغلًا منفردًا
    في الدهاليز القصيات انتظرني
    في البحر انتظرني
    انتظرني في حفيف الأجنحة
    وسماوات الطيور النازحة
    وقت تتنهد المدارات
    وتسود سماء البارحة
    انتظرني.

    * عبد الرحمن أبو ذكري.
    شاعر من السودان ولد عام 1943 وانتحر برمي نفسه من قمة مبنى أكاديمية العلوم السوفياتية في موسكو عام 1989. صدر له ديوان واحد بعنوان:” المشي في الليل” عن دار جامعة الخرطوم عام 1973.

  • ليس عن الحب – عبدالرحيم أبو ذكري.

    zainul abedin

    في سماء غريبة
    أتأملها في الخفاء
    وأهدهدها ساهمًا في المساء
    وأغني لها أجمل الأغنيات
    بصوتي الأج الذي لا يجيد الغناء
    وأقول لها وأتمتم:
    آه.. ملاذي من القيط والزمهرير!
    أنتِ يا مركبات الشروق التي تتحرك
    بين السهول الغربية
    والسهوب السفاح التي لا يراها سونا
    والتي فرشتها أيدينا
    أنت وحدك لا تجهلين
    لماذا نخوض البحار معًا
    ونغى النجوم البعيدة
    ولماذا نحب الجبال التي لم تطلها قدم
    والأماني التي لعد لسنا نراها
    والعيون التي تتمازج فيها
    الجسارة والحب والغربة الهائلة
    ونحب البواخر هدارة في أعالي البحار
    ونحب نقاط الحدود وأحزمة الطائرات
    ثم نهبط فوق النيازك
    فتحاصرنا النار تحت التخوم القديمة
    ونقوم لنمسح أوجهنا في السنين
    التي سوف تأتي
    وتقاتل هذا الزمان القبيح
    في حشانا
    في خطانا
    ونحز براثنه القاتلة.
    يا سمائي الدخان الدخان
    صار سقفًا لنبصي ونبضك
    حائطًا خامسًا في المكان
    خيفة في الريح تفوح.

    السماوات والحب ليست هنا
    الهواء المعطر ليس هنا
    انظري
    كلما نحنح الأرض من قلبنا
    تصبح الأرض منفى لنا
    ولأشواقنا..

  • شاعر جائع – وان شيا – ترجمة: يارا المصري.

    1-

    الجوهر

    في المرة الأولى والمرة الأخيرة
    يكون الإنسان في النهاية غير كامل
    الكثير من الفرص تُهدرُ في الأخطاء
    ونحن نحرز تقدماً في السعادة
    القول والفعل ليسا جوهريين
    حين أشرب الخمر يمتلىئ فمي بالكرز[2]
    يمكن أن نقرأ كتاباً بالصدفة
    ونتعرف على شخصيات مرهفة ضعيفة
    وأن نتألم ونبكي من أجل تلك الأشياء التي تحطمت
    وهذا كله ليس جوهرياً
    أعلى وأجمل شيء هو تلك الأجزاء الناقصة
    وما بين المرتين المكتملتين
    كلُّ شيءٍ ما هو إلى مرحلة
    كلُّ ما تطلبه وتحصل عليه فقط
    هو لي جانبٌ متفسخ
    يكفيك للاستمتاع لحياة كاملة.

    2-
    شاعر جائع

    أيها الشاعر الجائع، تناول بعض الحساء
    ابتر أطرافك النحيلة، فيطول وجهك
    ما أنت سوى عُصافة
    ما أن ينبت أرز النساء
    يهجُرنك، يجبرنك أن تبقى بلا طعام
    وتكون نرجسياً، غير قادر على كسب قوتك
    وبشعر مشعث لن يُمشَّط
    لن تكون حياتك سوى كتاب قديم
    هزيل للغاية، لن تستطيع تناول الحساء ثانية
    إذا مِتَ
    موتك بلا أرض تُدفن فيها
    وإذا عشت
    سترمي مجموعة عباقرة بكأس خمر.

    *

    وان شيا:
    ولد عام 1962 في تشونغ تشين، بدأ في كتابة الشعر والرواية عام 1981. من أهم شعراء “الجيل الثالث من الشعراء”

  • في يومٍ ميت سرنا في الطريق – مانغ كي

    في يومٍ ميت سرنا في الطريق – مانغ كي

    1-

    في يومٍ ميت سرنا في الطريق

    كنتُ أراقبكِ منذ أمد
    وفي النهاية مت في هذا الطريق
    وبدا أنني شعرت مثلك
    بهروب الأرض فجأة من تحت أقدامنا
    وشعرت أنني مثلكِ
    أسقط في الهاوية الرطبة
    على الرغم من أنني صرخت، لكن بلا فائدة
    على الرغم من أنني كنت أقاوم الألم الموجع
    أقاوم بكل ما استطعت، لكن بلا طائل
    لهذا لذتُ بالصمت، ومثلك لم يترك الاختناق
    لي أي أثر
    لكن حين حانت لحظة الموت
    لم يتمالك فؤادي شعوره بالقلق من المشهد أمامي.

    2-
    أغمض عينيك أغمض عينيك

    ادفن نفسك
    وبهذا لن ترى
    الشمس تلك الزهرة الحمراء
    تُقطع
    وتُرمى على الأرض
    وكيف تطأها
    العتمة بشراسة
    أغمص عينيك
    ادفن نفسك
    بهذا ستنعزل عن العالم
    ولن تشعر بالحزن ثانية
    آه، نحن
    مصيرنا هكذا
    لقد جئتَ من العتمة
    وفي العتمة ستتلاشى.

    *
    مانغ كي:
    اسمه الحقيقي “جيانغ شي ويّ”، ولد في نوفمبر عام 1950. له العديد من المؤلفات الشعرية منها “وقت بلا وقت”، “أي يوم هو اليوم؟”، و”هموم” ورواية طويلة ومجموعة نثرية بعنوان “أنظر، إلى هؤلاء!”. تُرجمت أعماله إلى الإنجليزية، الفرنسية، الإيطالية، الألمانية، الإسبانية، اليابانية وغيرها من اللغات.

    **

  • سهراب سبهري – موت اللون

    سهراب سبهري – موت اللون

    ميتة بالصمت
    الليلة الملونة هذه
    ومن الطرق البعيدة وصل الطائر الأسود
    ينشد من قمة السطح ليلة الخيبة
    ثملاً جاء فاتحاً الطريق
    الطائر حزين الطراز هذا،
    في هذا اللون الخائب
    قطعة من تتابع الأغنيات
    الصوت الوحيد للطائر الشجاع
    يزين أذن الصمت ببساطة
    مع صدى القرط
    وصل من الطرق البعيدة الطائر الأسود
    جالسا على قمة عالية من ليلة الخيبة
    كصخرة وبلا حركة
    تنزلق نظراته
    على أشكال تصوره الملتبس
    يجرحه النوم الرائع ويؤذيه
    بينما نبتت زهور اللون في تراب ليلي،
    في طريق العطر
    توقف النسيم عن الميلان
    بخدعة كان يرسم كل لحظة
    هذا الطائر حزين الطراز صورة بمنقاره
    الحبل المنقطع
    والنوم المكسور
    وحلم الأرض الأسطوري نسي تفتح أزهار اللون
    يجب العبور من انحناءة هذه الطريق دونما كلام
    لوناً ميتاً كان في ركن هذا الليل اللا محدود.

  • صادق هدايت – البومة العمياء ترجمة إبراهيم الدسوقي شتى

    صادق هدايت – البومة العمياء ترجمة إبراهيم الدسوقي شتى

    صادق هدايت عن نفسه :

    ” . . .مهما يكن فليس في تاريخ حياتي ما يلفت النظر ، لم يحدث فيها ما هو جدير بالانتباه ، ليس لي منصب هام ، ولا أنا من حملة الشهادات العظيمة ، لم أكن أبدا طالبا بارزا ، على العكس ذلك كان نصيبي دائما هو عدم التوفيق ، ومهما كنتُ أعمل كنتُ أبقى خاملا ورؤسائي غير راضين عني ، ربما لو استقلت لرضوا .”

    ” أما الخلاصة فهي أنني صُدِمتُ من كل شيء وتعبت ولا مناص من أن تتحطم أعصابي ، إنني أصلُ النهار بالليل كأنني محكوم عليه بالإعدام أو أسوأ ، وقد نفضتُ يديّ من حصيلة كل شيء ، لا أستطيع أن أشتاق ثانية لشيء ، ولا أن أعلق قلبي بشيء ، ولا أن أخدع نفسي ، ولا أجد الجرأة على الانتحار .”

    البومة العمياء :

    ” في الحياة جراحٌ كالجذام . . . تأكلُ الروح ببطء . . . وتبريها في انزواء ، هذه الآلام لا يمكن اظهارها لإنسان ، إذ أن البشر عموما ألفوا اعتبار هذه الآلام التي لا تصدق نوعا من الاتفاقات والأحداث النادرة العجيبة ، ولو أن إنسانا تحدث بها أو كتب عنها ، فإن الناس يحاولون تلقيها ببسمة شائكة ساخرة تمشيا مع العقائد الجارية ومعتقداتهم الشخصية ، وذلك لأن البشر – حتى الآن – لم يكتشفوا لها علاجا أو دواء ، ودوائها الوحيد هو نسيانها عن طريق الشراب أو النوم المصطنع بواسطة الأفيون والمخدرات . ولكن ما يؤسف له أن تأثير هذا النوع من الأدوية مؤقت وبدلا من أن يسكن الآلام يزيد من وطأتها بعد فترة .”

    ” هل يستطيع إنسان – في يوم ما – أن يقف على أسرار هذه الاتفاقات الميتافيزيقية ، هذا الانعكاس لظل الروح الذي يتجلى في حالة الإغماء والبرزخ بين النوم واليقظة ؟ .”

    ” (…) عثرتُ على حقيقة هي أن ورطة هائلة توجد بيني وبين الآخرين ، وفهمت أنه ينبغي علي أن أخلد إلى الصمت إلى أقصى حد ممكن ، وإلى أقصى حد ممكن يجب أن أحتفظ بأفكاري لنفسي ، وإذا كنتُ الآن قد قررت أن أكتب فهذا راجع إلى أنه يجب أن أُعرفَ نفسي لظلي . . الظل المنحني على الحائط وكأنه يتجرع كل ما أكتب باشتهاء بالغ .”

    ” أفكار فارغة ! لتكن – ولكنها تعذبني أكثر من أية حقيقة .”

    ” أهولاء الناس لا يخدعونني ؟ أليسوا حفنة من الظلال أتت للوجود سخرية مني ومن أجل خداعي ؟ أليس كل ما أحس به وأراه وأقومه وهماً جميعه يختلف عن الحقيقة اختلافا كبيرا ؟ .”

    ” بدا لي وكأنني كنتُ أعرف اسمها قبل ذلك ، كانت شرارة عينها ولونها ورائحتها وحركاتها تبدو غير غريبة عني ، وكأنما كانت روحي وروحها في الحياة الأولى وفي عالم المثال متجاورتين ومن أصل واحد ومادة واحدة ، وكان ينبغي أن يلحق كل منا بالآخر وأن نتوحد (…) ألا يشعر العاشقان دائما بنفس هذا الإحساس وهو أن كليهما قد رأى الآخر قبل اللقاء ، وأن رابطة خفية كانت قد وجدت بينهما ؟ .”

    ” كنتُ أريد وآمل من كل قلبي أن أسلم نفسي إلى نوم النسيان ، ولو صار هذا النسيان ممكنا ولو استطاع أن يدوم ، لو أن عيني المغمضتين فيما وراء النوم انصرفتا رويدا رويدا إلى العدم التام ، ولا أعود أحس بوجودي بعد ، ولو كان ممكنا أن يمتزج كل وجودي في بقعة حبر أو في لحن موسيقى أو في شُعاع ملون ، ثم تَنمحي كل هذه الأمواج والأشكال بكل توسعها وكبرها ، لكنتُ بلغت أملي . ”

    ” أستطيع فقط مع ظلي أن أتحدث جيدا ، هو الذي يحملني على الكلام ، هو فقط الذي يستطيع أن يعرفني ، إنه يفهم حتما . .. ”

    ” (…) أنا لا أطمئن إلى شيء . فأنا من كثرة الأشياء المتناقضة التي رأيتها ، والكلمات المتباينة المتنوعة التي سمعتها ، ومن كثرة ما رأت عيني أصبحت تحار في ظواهر الأشياء المختلفة – هذه القشرة الرقيقة الصلبة التي تختفي خلفها الروح – لم تعد تؤمن بشيء ، بثقل الأشياء وثبوتها ، وأشك الآن حتى في الحقائق الواضحة الجلية ، ولا أدري هل إذا نقرتُ بإصبعي على الهاون الحجري الموجود في فناء داري فسألته : هل أنت ثابت وراسخ وأجاب بأنه ثابت ، لا أدري – هل أصدق حديثه أم لا ؟ هل أنا مخلوق منفصم أو مخلوق بعينه ؟ لا أدري – ولكني الآن نظرت في المرآة فلم أتعرف على نفسي ، لا ، هذه الــ”أنا” السابقة ماتت وتحللت ، لكن لا سد ولا برزخ بيني وبينها . ”

    ” (…) الماضي والمستقبل والساعة واليوم والشهر والسنة كلها أصبحت عندي سواء – وليستِ المراحل المختلفة من طفولة وكهولة بالنسبة لي إلا حديث خرافة ، ولكنها تصدق فقط على الناس العاديين ، على ” الأوباش” . (…) حياتي كلها كانتْ فصلا واحدا يجري على نسق واحد وكأنها مضت في منطقة باردة وفي ظلام أبدي ، بينما كان هناك وسط جسدي مشعلة تحترق وتذيبني كالشمع . ”

    ” أليستِ الحياة بأكملها قصة مضحكة ، أسطورة حمقاء لا تُصدق ؟ . ”

    ” هذا الإحساس كان قد استيقظ في نفسي منذ زمن بعيد ، وهو أنني كنت أتحلل وأنا حيّ
    ، ولم يكن هناك توافق بين جسمي وقلبي ، وليس هذا فحسب ، بل بين روحي وقلبي – كنتُ أجتاز دائما نوعا من التحلل والفصام الغريب ، وأحيانا كنت أفكر في أشياء لا أستطيع أنا نفسي أن أصدقها . أحيانا يتولد في نفسي حسٌ بالشفقة في حين أن عقلي يلقي باللوم علي ، وكثيرا ما كنت أتحدث إلى شخص ، أو أقوم بعمل ما ، أو أدخل في مناقشة حول موضوعات مختلفة في حين أن كل حواسي في مكان آخر ، وكنت من أعماق قلبي ألوم نفسي -كنتُ كتلةً من الانفصام والتحلل . وكأنني كنت وسأكون دائما . . . مزيجا عجيبا لا تناسب فيه .”

    ” ومما لا يقبل الاحتمال أنني كنتُ أحس أنني بعيدٌ عن كل الناس الذين أراهم وأعيش بينهم .”

    ” لا أدري لماذا كانتْ حياة الآخرين ومسراتهم المتنوعة تصيبني بالغثيان في حين أنني كنتُ أعلم أن حياتي قد انتهت ، وأنها تذوب بطريقة مؤلمة وببطء . أية علاقة تجعلني أفكر في حياة الحمقى والأوباش الذين كانوا في صحة جيدة ، وكانوا يأكلون وينامون جيدا ويضاجعون جيدا ، ولم يكونوا قد أحسوا قط بذرة من آلامي ، ولم ترفرف أجنحة الموت كل دقيقة على رؤوسهم ووجوههم .”

    ” حياتي كانت تتغير كل يوم وكل دقيقة ، وكان يبدو لي أن طول الزمن والتغيرات التي يمر بها البشر في سنوات ، كانت بالنسبة لي في سرعة السير والأحداث مضاعفة آلاف المرات وأكثر سرعة ، في حين أن مسراتها ولذائذها كانت تسير في خط عكسي وتسرع نحو الصفر أيضا ، هناك أشخاص يبدأون الاحتضار في سن العشرين .”

    ” (…) الأفيون ، ياله من دواء غالِ الثمن من أجل حياتي المؤلمة ! .”

    ” ليس كتاب الأدعية فحسب بل كل كتب الأوباش وكتاباتهم لا تهمني ، أية حاجة لي بترهاتهم وحيلهم ؟ (…) لم يحدث لي في أي وقت مضى أن أحدث المسجد وصوت الأذان والوضوء والمضمضة والركوع والقيام أمام قادر متعال وصاحب اختيار مطلق ينبغي أن نخاطبه بالعربية ، لم يحدث ذات مرة أن كان لكل هذا أثر فيّ .”

    ” لم أكن أريد أن أعرف : هل الله موجود في الحقيقة أم أنه فقط مظهر لأصحاب السلطة على الأرض جعلوه لتثبيت مقام الأُلوهية من ناحية واستغلال رعاياهم من ناحية أخرى – صورة انعكست من الأرض إلى السماء – كنتُ أريد أن أعلم فقط هل سأصلُ النهار بالليل أم لا – كنت أحس أنه في مواجهة الموت كم يكون الدين والإيمان والعقيدة أشياء طفولية وتافهة وتقريبا نوع من العزاء للناس الأصحاء السعداء – وفي مواجهة حقيقة الموت المخيفة والحالات المذيبة للروح التي إجتزتها ، صار كل ما لقنوه لي بالنسبة للثواب والعقاب والروح ويوم القيامة خداعا لا طعم له ، وأصبحت الأدعية التي لقنوها لي لا تجدي فتيلا في مواجهة الموت .”

    ” الخوف من الموت لم يترك أبدا تلابيبي – إن الأشخاص الذين لم يذوقوا الألم لا يفهمون هاته الكلمات .”

    ” ولكن ما كان مخيفا أنني كنتُ لست حيا تماما أو ميتا تماما ، كنت فقط جثة متحركة لا علاقة لها بدنيا الأحياء .”

    ” كنتُ أحس أن كل شيء فارغ ومؤقت .”

    ” الظلام هذه المادة الكثيفة السيالة التي تسري في كل مكان وكل شيء .”

    ” ألم تكن حجرتي تابوتا . . . ألم يكن فراشي أبرد وأظلم من القبر ؟ فراشٌ كان دائما ممتدا ويدعوني إلى النوم ! – عدة مرات طرأت لي هذه الفكرة : إنني في قبرٍ – وفي الليل تبدو حجرتي في ناظري صغيرة تضغط علي . ألا يحسون بنفس هذا الإحساس في القبر ؟ . . وهل استطاع لأحد أن يعلم أحساسيس بعد الموت ؟

    إذا كان الدمُ يتوقف في الجسد ، وبعد يوم وليلة تبدأ أعضاء البدن في التحلل ، ولكن حتى بعد فترة طويلة من الموت يظل شعر الرأس وأظافر اليد مستمرين في النمو – هل تذهب الأحاسيس والأفكار أيضا بعد توقف القلب أم أنها تظل فترة تواصل الحياة خفيةً من الدم الباقي في العروق الصغيرة ؟ إن حس الموت نفسه مخيف ، فكيف يكون الأمر للذين يحسون أنهم موتى ! ! هناك عجائز يموتون بإبتسامة ، وكأنهم ينتقلون من نوم إلى نوم أو كأنهم سراجٌ ينطفئ . أما بالنسبة لشاب قوي يموت فجأة وتقاتل كل قوى بدنه ضد الموت لفترة ، فأية أحاسيس سوف يحس بها ؟

    مرات كثيرة كنتُ أفكر في الموت وفي تجزئة عناصر جسدي بحيث أن هذا التفكير لم يعد يخيفني ، وعلى العكس رغبتُ رغبةً حقيقية في أن أعدم وأفنى ، الشيء الوحيد الذي كنت أخشاه أن تختلط ذرات جسدي بذرات أجساد الأوباش – كان هذا الشيء غير محتمل بالنسبة لي – . ”

    ” إن ما كان يبعث فيّ العزاء هو الأمل في العدم بعد الموت ، كانت فكرة الحياة بعد الموت تخيفني وتصيبني بالملل – أنا حتى الآن لم أكن قد أنست إلى هذه الدنيا التي كنت أحيا فيها فبماذا تفيدني الحياة الأخرى ؟ . ”

    ” إن فكرة الحياة مرة أخرى كانت تخيفني وتصيبني بالملل – لا ، لم تكن بي حاجة لرؤية كل هذه العوالم المقيتة ، وكل هذه السحنات المنكوبة . (…) وإذا كان يجب أن أحيا حياة جديدة ، فإنني كنت أرغب في أن أصير ميت الفكر والإحساس وأن أتنفس دون صعوبة ، وبدون أن أحس بالألم ، (..) وبحيث لا تضر الشمس عيني ، ولا يضايق مسمعي حديث الناس وصوت الحياة . ”

    ” إن الضغط الذي يلصقُ شخصين ببعضها وقت المضاجعة لدفع الِوحدة ، ليس إلا نتيجة لنفس الجانب المختلط بالجنون والموجود في كل فرد ، والمختلط بالأسف الذي يميل ببطء نحو الموت . ”

    ” إنه الموت فقط الذي لا يكذب . . .
    إنه حضور الموت الذي يقضي على جميع الأوهام ويفنيها . (…) والموت هو الذي ينقذنا من جميع خِداعات الحياة . “

  • جلال الأحمدي – إنسان خلاسي

    جلال الأحمدي – إنسان خلاسي


    إنه إنسان خلاسي. يعرف من أين تؤكل الكتف. انتهازي، وهو أيضا لا مبال.

    حين ينسحب من مهمة لا يهمّه إطلاقاً ما تبقى من الأمور . لا إيمان عنده ولا قانون ولا التزام . لا يؤمن بالله ولا بالإنسانية ولا بأي دين . وهو أيضاً ليس بملحد، مع أن الإلحاد كان شأناَ هاماً. يذهب إلى المسجد كمن يذهب إلى السينما أو كمن يقصد نادياً . يبقى خارج كل شىء كما لو كان مشاهداً من بعيد يحضر مباراة فى كرة القدم . لا يركز أبداً ، بصعوبة يذرف قليلا من الدمع على صديق مفقود ، ولا ذرة اهتمام بمكان مقدّس ، ولا لحظة تأمل فى معتزل
    بيد أنه ليس لديه سوى العزلة . ويهرب منها كمن يهرب من الطاعون . إنه في كل مكان وليس موجودا في أي مكان . لا يثور أبداً ، ولا يتمرد على إنسان : لا توبيخ ماكبيثياً ، ولا شك ديكارتياً . يبرر كل شيء ويبدو متفائلاً
    يحب الفخامة أيضًا. يرتاح للحظة: هنا والآن. ليس فيلسوفاً أبداً . يتحاشى غالبا المتاعب والسأم ، ويرفع كتفيه ، بسهولة ، استهزاءً . لأنه يتصرف كماحسب دقيق ، ويبدو كل شيء ، فى نظره مبرمجاً مسبقاً في عقله ، فهو لا يعبأ بالآخرين أبداً . فيما تبقى ، ليس لديه أي خصوصية : ( يصلح لأي عمل ولا يصلح لشىء ) . بيد أنه يتمتع بثقافه ما ، يستعرض معلوماته ويدهش السّذج بخطاباته الراعدة . يعرف أن الخصوصية ، فى بلاده ، حجر عثرة في طريق الترقي الاجتماعى . شاطر مثل نساء القبيلة المسنات الماهرات ، فهو يأكل على المعالف . لكنه ليس كوسموبوليتياً : إنه إنسان اللامكان ، ( خليط من فردية بلا شخصية ، ومن شخصية خالية من أية خصوصية ) . ولأنه بلا أمان ، فهو يختبىء وراء الكتمان.
    يعتنى بنفسه باستمرار، ويلبس بأناقةٍ، كمن يخرج من أفضل صالونات الموضة.

  • مدخل – أنطوان شحرور

    مدخل – أنطوان شحرور

    كي لا أتكلم البتة على هذه القيود
    التي توثقني منذ أيام برمال الصحراء
    سوف أتمدد على مياه البحيرات على
    غرار عرائس النيل وسأتحدث مع الريح

    كل عبة على الضفاف سوف تكون
    قدري المسائي، وكي لا أدرك البتة حدود الكرب،

    سوف يحوم ظل الأوفيليات الميتة على جلدي

    سأبسط خيوط الدم في جسدي
    راعًا وسأقول وداعًا للأرض

    أتقدم بين تنهيدات الطحالب،

    وما همني إن كنت جئت الدنيا في كل إنسان.

    إنني ألاقي الأثير الأصلي لما لم ينوجد قط
    منذ رحيلي نبتت على جسدي
    كمية من الأعشاب المجهولة ومن الازهار
    لن أرجع أبدًا إلى هذه الأرض.

    من ديوان: سيجئ الموت وستكون له عيناك – جمانة حداد