المدونة

  • السعيد عبد الغنى – مختارات من ديوان ” الحمد للجنون “

    السعيد عبد الغنى – مختارات من ديوان ” الحمد للجنون “

    القمر لديه قرحة في صدره
    لأنه يظل حبيسًا لرزق الفراغ
    ولكني أداويه بضريح الحظ
    وأقتاد سفر التخوم.
    ***
    لماذا نموت ونحن نعانق الحياة؟
    لأن جرحًا يمتد فى جرس روحنا.
    ***
    رميت قلبي بحبك كالرماح
    ونعمت بحزنك وبليلك الملاح
    وسافرت من قبل فى أرواح
    ولكن لم يبزغ بي الصباح
    إلا عندما عرفت روحك.
    ***
    أسكرُ بأشياءٍ غير النبيذ
    فمثلا أسكر بالورق الذى يصيبه الكرى
    وبغصون اليأس وبدمع الورى
    قد أطلت نحيبي وأخذت ثأر الخجل
    فأنا أخجل من عورة الصباح
    ومن أعطاف الأقاح
    أريد أن أتم صدعي
    وأترجم سقم السراب
    وألجم حتف اليباب
    لكى لا يشرح زاد مدامعي.
    ***
    شذبت أظافر السلو الخائن
    وطعمت بندى الجفون
    وسكرت بحدق العيون
    وناديت بى شهوة الحرمان
    لكى أسوغ شرار النار.
    ***
    لماذا تكدح الفراشات أكثر من القصائد؟
    لأن السماء ترجم الكلمة بحجارة الإستقرار النفسي.
    ***
    المحراث الذى شققت به عين الدخان والضباب
    هو الذى قال لي أن الغيوم خالية من المعنى.
    ***
    أنام على سرير السرمد
    لكي أصارع الكون الفاني
    وأحلم بالعدم الأنيق.
    ***
    لماذا نجوع إلى مهرة التناغم والحلول ؟
    لأنها تكتهن الموسيقى الدفينة.
    ***
    عضّوا الحياة من نهدها
    لكى تجرجر الموت من قفاه
    وتصلبه على خشبة الشغف
    آه ، لو نجحت الحياة فى قتل الموت
    سيزهر الفراغ ونأتي بالموتى ثانية إلى عيني.
    ***
    يتلفت المصير دائمًا إلى الوراء
    ويبحث عن مخرج من نصال القدر
    ولكنه يسقط مغشيًا عليه
    لأن لديه أنيميا الصدفة .
    ***
    تحرسني حصيرة الحرية الواسعة
    من الإحساس ببرودة السجن
    ولكنها تاهت مع نقل أثاث الكون
    إلى كون آخر تحت التأسيس.
    ***
    لماذا نهجر السماء المتغضنة؟
    لأنها تدخل فى غمد الدم
    ***
    لماذا المتاهة جميلة بهذا الرعب
    ولا تتسع لها سكاكين الحضور والوعي
    لا أعي أي شىء
    سوى أني أتألم بشدة .
    ***
    ***
    من يفر من الجوهر الذى يطغى على اللامرئي بنا
    من يسدد قدمه الطاغية فى بحر الوجود
    أخاف جدًا ولا أحتمل رذاذ العدم
    الذى يلمسني وأنا مقفى .
    ***
    أضرب أسوار العراء حول كلماتي
    حتى تنظف نهودها من النهر
    قبل أن يقرأها أحد .
    ***
    الصباح يشبه الأناناس الطازج
    الليل يشبه غليون الفن
    الظهيرة تشبه الروح الدافئة للحلم
    ولكنى أشبه حصير الزمهرير .
    ***
    سوف ألاحق سلعة الخلود
    الذى يبيعها أي شاعر
    وسأشتريها لألاقى ذاتي.
    ***
    أضرب على قفا دموعي بقصائدي
    لكى أتخلص من شهيق الجحيم
    ولكني أفتح السماء من باب إحساني إلى الوجد .
    ***
    أدلل القصيدة بكتابتها على جسدي
    وعلى شرفات الروح البالية
    وعلى فضاء الندم الواسع
    وعلى بر الأسطورة التى تتفكر
    فى المكان التى تنبت منه .
    ***
    البهلوان الذى يتأرجح كدخان السيجارة
    هو الذى أخبرني أن السماء تلعب
    عندما تزور القلب فى المساء
    لتقتات عطر التسبيح بالإله الولهان
    الذى يسطو حول تنورته
    لكى يجد زرقة مطواعه تفتر الله .
    ***
    يغمى علي عندما أفكر فى الحياة
    وأتقيأ كل ما في جوفي
    لأنها تطهو الجيفة والذاكرة.

  • مايكوفسكي – أيها القلب المجنون لا تدق عالياً ترجمة رفعت سلام

    الحجرة فصل من جحيم “كروشونيك”.

    والهواء

    تأكله دخان السجاير.

    ليلى الحبيبة!

    بدلًا من رسالة

    أتذكرين –

    وأنا أربت، محترقًا، على ذراعيك

    بحب مجنون،

    للمرة الأولى،

    عند النافذة؟

    تجلسين الآن هناك

    والقلب في الدروع،

    وربما،

    ذات يوم،

    سوف أطرد إلى الخارج،

    إلى القاعة الغائمة:

    فلنرتد ثيابنا: كن أكثر هدوءًا

    أيها القلب المجنون، لا تدق عاليًا هكذا!

    ولسوف أندفع، عاصفًا،

    أطلق جسدي إلى الشارع

    وقد أدماني اليأس من القدم حتى الجبين

    لا تفعلي

    لا تفعلي ذلك

    حبيبتي

    فاتنتي!

    فالأفضل أن تقولي وداعًا الآن، فورًا.

    وعلى أية حال،

    فحبي عبء مشلول

    عن أن يتعلق بك

    حيثما تهربين.

    دعيني أبكي

    مرارة تعاستي،

    في زفرة أخيرة.

    يمكن للثور المنهك بعد يوم من العناء

    أن يقتحم المياه

    أن يبترد ويستريح

    أما أنا

    فلا بحر لي سوى حبك،

    وإلى الآن

    فهو لا يمنحني الراحة من هذه الدموع المنسابة.

    ولو أن فيلًا متعبا يريد بعض الهدوء

    فلسوف يتمشى، في وقار

    على الرمال التي أحرقتها الشمس

    وأنا لدي

    حبك وحده

    بديل عن الشمس والبلسم

    لكنني لا أستطيع أن أخمن من الذي سيربت على يدك.

    ولو أن شاعرًا تعذب إلى هذا الحد.

    لأمكنه أن يبادل حبه بالمال والشهرة

    وبالنسبة لي

    فالعالم لا يحمل لي أية بهجة أخرى

    أكثر من رنين وتألق اسمك الحبيب.

    ما من حبل مشنقة

    ولا نهر متواثب

    ولا رصاصة أو سم سيقلتني

    ما من قوة تفوقني

    غير نظرتك

    التي لها شفرة سكين.

    وغدًا سوف تنسين

    أن من توجك كان أنا

    أنا

    من أذبل روحًا مزهرة.

    وسوف تدوم صفحات كتبي

    حواليك

    في دوامة احتفال وجود عقيم

    فهل تستطيع كلماتي

    وهي ليست سوى أوراق جافة

    أن تستبقيك

    مع قلب خافق:

    آه،

    دعي بقايا حبي

    تحنو على موطئ أقدامك إذترحلين!

  • نيكوس كازنتزاكيس – مقتطفات من رواية زوربا

    إنني جالسٌ في الكوخ.أنظر إلى ‏السَّماءتتكدَّر، وإلى البحر يتألَّق ببريقٍ رماديٍّ أخضر.
    ومن طرف السَّاحل إلى طرفه الآخر، ليس ثمَّة إنسان، ليس ثمَّة شراع، ليس ثمَّة ‏طير.

    رائحةُ الأرض وحدها تدخل من النَّافذة المفتوحة.ونهضت، ومددت يدي إلى المطر كأنني متسوِّل.وفجأة، رغبت في البكاء.
    كان ثمَّة ‏حزن، ليس من أجلي، ليس لي، أعمق، وأظلم، يتصاعد من الأرض النديَّة.
    إنه كالرُّعب الذي يتملَّك الحيوان الذي يرعى، بلا مبالاة، ثم يشمّ ‏حوله فجأةً، في الفضاء، دون أن يرى شيئاً، أنه مُحاصَر، لا يستطيع أن يُفلت.
    وكدت أُطلق صرخةً، مدركاً أن ذلك سيعيد الهدوء إلى نفسي ‏لكنني خجلت.
    وكانت السَّماء تنخفض أكثرَ فأكثر.ونظرت من النافذة: كان قلبي يرتعد بهدوءٍ.إنها للذيذةٌ، وحزينةٌ جداً، تلك السَّاعات ‏من المطر النَّاعم، تعيد إلى الذِّهن جميع الذِّكريات المُرَّة، المدفونة في القلب: فراقُ الأصدقاء، ابتساماتُ نساء قد انطفأت، آمالٌ قد فُقدت ‏أجنحتها كفراشاتٍ لم يبقَ منها إلا الدُّود.
    ولقد وقف هذا الدُّود فوق أوراقِ قلبي وراح يقرُضها.ورويداً رويداً، عبرالمطر والأرض ‏النَّديَّة، صعدَت من جديد ذكرى صديقي، المنفيّ هناك، في القوقاز.
    وأخذتُ ريشتي، وانحنيت على ورقي، وأخذت أحدِّثه، لأمزِّق شبكة ‏المطر وأتنفَّس.
    ((أيها العزيز جداً، أكتب إليك من شاطيءٍ منعزلٍ في كريت، حيث اتَّفقنا، أنا والقدر، أن أبقى عدة شهور لأمثِّل، أمثِّل دور ‏الرأسماليِّ، مالك منجم للينيت، رجلَ أعمال.
    وإذا نجح تمثيلي، فسأقول آنذاك إنه لم يكن تمثيلاً، بل إنني اتخذت قراراً كبيراً، قراراً بأن أغيِّر ‏حياتي.
    ((أنت تذكر أنك دعوتني، وأنت مغادرٌ، ((بالفأر قارض الورق))فأثرتَ غضبي، وقررتُ آنذاك، أن أهجرَ القِرطاس لفترة من ‏الزَّمن-أو دوماً؟-وألقي بنفسي في العمل.
    فاستأجرتُ تلاً صغيراً يحتوي على الِّلينيت، وتعاقدت مع عمَّال، واشتريت ‏معاولَ، وأرفاشاً، ومصابيح الإستيلين، وسلالاً، وعربات، وحفرت أنفاقاً ودفنت نفسي فيها.
    هكذا، كي أثير غَضبك.وتحوَّلت، بسبب الحفر ‏وشقّ الدَّهاليز في الأرض، من فأرٍ قارض للورق إلى خُلد.
    فأرجو أن تُسَّر لهذا التحوُّل .
    ((إن أفراحي هنا كبيرة لأنها في غاية ‏البساطة، مصنوعة من عناصر خالدة: هواء صافٍ،شمسٌ، وبحر، وخبزُ حنطة.وعند المساء، يُحدِّثني، وهو جالسٌ أمامي، سندبادٌ بحريٌ ‏رائع، يتحدَّث ويتَّسع العالم كلَّما تحدَّث.وأحياناً، عندما لا تَسدُّ الكلمة حاجته، ينتصبُ قافزاً ويرقص.وعندما لا يكفيه الرَّقص نفسه، يضع ‏السانتوري على ركبتيه ويبدأ بالعزف.
    ((أحيانا، يعزف لحناً وحشياً، فتحسّ بأنك تختنق لأنك تفهم فجأة أن الحياة تافهة وبائسة، غير لائقة ‏بالإنسان وأحياناً يعزف لحناً مؤلماً فتحس بأن الحياة تمرُّ وتنساب كما ينساب الرَّمل من بين الأصابع وبأن الطُّمأنينة لا وجود ‏لها.
    ((ويذهب قلبي ويجيء، من طرف صدري إلى طرفه الآخر كمكّوك حائكْ إنه يُحيك هذه الأشهر القلائل التي سأمضيها في كريت ‏وإنني أعتقد-ليسامحني الله!-إنني سعيدْ.
    ((يقول كونفوشيوس: ((كثيرون يبحثون عن السَّعادة فيما هو أعلى من الإنسان، وآخرون فيما ‏هو أوطأ منه.لكن السَّعادة بطول قامة الإنسان)).
    هذا صحيح.إذن فهناك عددٌ من السَّعادات بصدد ما للإنسان من قامات.تلك هي يا ‏تلميذي ومعلِّمي العزيز، سعادتي اليوم،إنني لأقيسها، وأعيدُ قياسَها، قلقاً لأعرف ماطول قامتي الآن.لأن قامة الإنسان، كما تعلم، ليست ‏دائماً واحدة.
    ((إن البشر يبدون لي، هنا، أنا أنظر إليهم من عزلتي، لا كالنَّمل .لكن على النَّقيض من ذلك، كوحوشٍ هائلة، من نوع ‏الزَّواحف السَّامة الضَّخمة الطَّائرة المتحجِّرة، تعيش في جوٍ مشبعٍ بحامضِ الفحم وبعفونة المستحاثَّات الكثيفة.غابٌ غير ‏مفهوم، عبثيٌ، مُعول.
    إن مفاهيم ((الوطن))و((العِرْق))التي تحبها، ومفاهيم((الوطن الأعلى))و ((الإنسانية))التي جذبتني، لها قيمةُ نفحةِ الهدْم ‏الفائقة القوة.إننا نحسُّ أننا صعدنا من جديد لنقول بضعة مقاطع، وأحيانا حتى ليس مقاطع، بل مجرد أصوات لا تلفظ مثل((آ))و ‏‏((او))!-ومن ثم نتحطَّم.
    وأسمى الأفكار، لو بُقرت بطونها، لتبينَّا أنها، هي أيضا دمىً محشوَّة بالنِّخالة، ثم نجد نابضاً من التَّنك مخفياً في ‏النِّخالة. ((أنت تعرف جيداً أن هذه التأمُّلات القاسية، وهي بعيدة عن أن تجعلني استسلم، إنما هي على النَّقيض من ذلك، أعواد ثقاب لا ‏بد منها لشعلتي الداخلية.
    لأنني،وكما يقول معلمي بوذا، قد((رأيت)).بما أنني رأيت واتفقت بغمزةِ عينٍ مع المخرج المسرحيِّ ‏اللامرئيِّ، فإنني أستطيع من الآن فصاعداً، وكلي مزاجٌ رائقٌ ورغبةٌ في أن أفعل مالا داعي له، أن أمثِّل دوري على الأرض حتى ‏النِّهاية، أعني بانسجامٍ وبدون أن تُثبط عزيمتي.
    ذلك بما أنني رأيت، فقد اشتركت، أنا أيضاً، في العمل الذي أمثِّله على مسرح الله.
    ((وهكذا‏، أراك، وأنا أنقِّل نظري في المسرح الكونيِّ، هناك في مغاور القوقاز الأسطورية، تمثِّل أنت أيضاً، دورك، إذ تجهد نفسك لإنقاذ بضعة آلاف ‏من أرواح عرْقِنا الذي يواجه خطر الموت.
    إنك بروميثيوس آخر، لكنه يتحمَّل عذابات حقيقية وهو يناضل ضد قوى الظَّلام : ‏الجوع،والبرد،والمرض،والموت.
    لكنك تُسَّر أحياناً، لما فيك من كبرياء، من أن قوى الظَّلام كثيرة إلى هذا الحدّ وغير مرئيَّة، وهكذا يصبح ‏هدفك في أن تكون بلا أمل تقريباً، أكثر بطولة، وتدرك روحك عظمةً أشدَّ فجيعة.
    ((إن هذه الحياة التي تعيشها تعتبرها، بلا ‏شك، سعادة.ولمَّا كنت تعتبرها هكذا، فهي كذلك.لقد فصَّلت، أنت أيضا، سعادتَك على قدِّك، وقدُّك الآن –ليتمجد الرب!-يتجاوز ‏قدِّي.
    والمعلِّم الصَّالح لا يريد مكافأةً أروع من هذه : أن ينشيء تلميذاً يتجاوزه.
    ((أما أنا، فأنسى غالباً، وأنتقد، وأتيه، وما إيماني إلا ‏فسيفساء من الجحود المستمِّر، وقد اشتهي أحياناً أن اقوم بمقايضة: أن آخذ دقيقة صغيرة وأعطي حياتي كاملة.لكنك، أنك تمسك بالدَّفة ‏بحزم، ولا تنسى إلى أين أنت متَّجه، حتى في أعذب الَّلحظات المميتة.
    ((أتذكُر ذلك اليوم الذي كنَّا نعبر فيه معاً إلى إيطاليا، ونحن عائدان ‏إلى اليونان؟لقد عزمنا على الذهاب إلى منطقة((بونت)) التي كانت في خطر آنذاك، أتذكر ذلك؟ وفي مدينة صغيرة، نزلنا من القطار ‏بسرعة، إذ لم يكن أمامنا إلا ساعةً واحدةً قبل وصول القطار الآخر.
    ودخلنا إلى بستانٍ كبيرٍ كثيف، قرب المحطَّة مملوء بالأشجار ذات ‏الأوراق العريضة، وبأشجار الموز، وبقصب لونه معدنيٌّ قاتم، وبنحلات كانت متشبثة بغصن مزهر يرتجف، لأنه يراهاتمتصّ.
    ( (وتقدَّمنا ‏بصمتٍ وقد أخَذتْنا النَّشوة، وكأنَّنا في حُلم.وفجأة، عند منعطف الدَّرب المُزهر، ظهرت فتاتان تمشيان وهما تقرآن، لا أذكر إن كانتا-‏جميلتين أو قبيحتين.
    أذكر فقط أن إحداهما كانت شقراء، والأخرى سمراء، وإنهما كانت ترتديان ثوبين ربيعيين.
    ((وبجرأة الإنسان عندما ‏يكون حالماً، اقتربنا منهما وقلت لهما ضاحكاً:
    ((مهما كان الكتاب الذي تقرآنه،فسوف نتناقش حوله)).
    كانتا تقرآن غوركي.وعند ‏ذاك، تقدمنا بسرعة لأننا كنا مستعجلين، وأخذنا نتحدث عن الحياة، والبؤس، وتمرُّد الرُّوح، والحب…
    ((لن أنسى أبداً فرحنا وألمنا.كنا قد ‏أصبحنا، نحن وتانك الفتاتان المجهولتان، أصدقاء قدماء،أحبَّاء قدماء.كنا على عجلةٍ من أمرنا، وقد أصبحنا مسؤولين عن روحيهما ‏وجسديهما:
    فبعد دقائق سنغادرهما للأبد.وفي الهواء المرتجف، كانت رائحة الإغتصاب والموت.
    ((وصل القطار وصفَّر.وقفزنا كأننا ‏استيقظنا.وتصافحنا.كيف ننسى تعانق أيدينا الشديد واليائس، والأصابع العشر التي لا تريد أن تنفصل.كانت إحدى الفتاتين شاحبة ‏جداً، والأخرى تضحك وترتعد.
    (( وأذكر أنني قلت لك عندئذٍ:
    ((هي ذي الحقيقة.أما اليونان، والوطن، والواجب، فهي كلمات لا تعني ‏شيئاً.
    وأجبتني أنت: ((اليونان، والوطن، والواجب، هذا لا يعني شيئاًبالفعل، لكننا من أجل هذا اللاشيء سنذهب عن طواعية ‏لنموت)).
    ((لكن لماذا أكتب لك هذا؟لأقول لك أنني لم أنس شيئاً مما عشناه معاً.ولأتيح لنفسي أيضاً فرصة كي أعبر عما كان مستحيلا ‏علي التَّعبير عنه عندما كنَّا معاً، بسبب تلك العادة الحسنة أو السَّيئة التي كنا نتقيَّد بها والتي كانت تُلزمنا بتمالك أنفسنا.
    ((والآن وأنت ‏لست أمامي ولا ترى وجهي، وأنا لا أُخاطر بأن أبدو سخيفاً، فإني أقول لك إنني أحبُّك كثيراً)).
    وختمتُ رسالتي .لقد تحدَّثت مع ‏صديقي وعاد الهدوءُ إلى أعصابي.

  • ألبير كامو – مقتطفات من رواية الغريب

    ألبير كامو – مقتطفات من رواية الغريب

    ” بينَ الحصيرةِ التي أنامُ عليها وظهر السّرير ، كنتُ قد حصلتُ على قطعةٍ رقيقةٍ صفراءَ اللون من ورق الصحُف ، وكانَ مكتوبٌ عليها قصّة حادثة ضاعت بدايتها ، و لكنّها قد حدثت في تشيكو سلوفاكيا . و فحواها أنّ رجلاً كانَ قد غادر قريته بحثاً عن الثروة ، وبعدَ خمسةٍ وعشرين عاماً عادَ الى قريته بالثروة وبزوجةٍ وأطفال ، وكانت أمّه تُدير – برفقةِ أخته – فندقاً صغيراً في تلك القرية .
    فأرادَ الرّجل أن يدبّر لهما مُفاجأة ، فتركَ زوجته وولده في مكانٍ آخر ، وذهبَ الى أمّه ولم تتعرّف عليه عند دخوله عليها ، وكذلك لم تتعرّف عليهِ أخته ؛ ولذا فقد راودته فكرة مداعبتهما ، فاستأجرَ أحدى الغرف،وكانَ قبلَ ذلك قد أراهُم ثروته ، وفي الليل قامت الأمّ والأختُ بقتل الرجل و سرقة ثروته ، ثمّ ألقتا بجثته في ماء النّهر ، وفي الصّباح أقبلت الزوجة دونَ أن تعلم بما حدَثَ ، كشفت النقاب عن الدعابة وعن شخصيّة زوجها ، وعند ذلك شنقت الأمُ نفسها وانتحرت الأختُ داخل إحدى الأبار . ولقد قرأتُ تلكَ الحادثة آلاف المرّات ؛ لأنّها كانت مسلّية من ناحية و من ناحيةٍ أخرى كانت حقيقية .و لقد كُنت أعتقد – على كلِّ حال – أن الرّجل قد استحقّ – إلى حدٍّ ما – ذلك الذي أصابه ؛ لأنني أعتقدُ أنّه يجبُ عدم خلط الجدّ بالهزل على الإطلاق .”
    ” كنتُ مجهداً ، فألقيتُ بجسدي فوق مضجعي ، و أعتقدُ أنني غفوت ؛ لأنّني عندما استيقظت كانت هُناك نجومٌ فوقَ وجهي ، و كانت ضوضاء الريف تتصاعدُ من الخارج لتصل اليّ ، وروائح الليل و الأرض والملح تنعُشُ رأسي . كان السلامُ الرّائع لذلك الصيف الهادئ يتخلّلني . في تلك اللحظة على حدود الليل انطلقت بعضُ الصفّارات . إيذاناً بالرحيل الى عالم لم يعُد يهُمّني الآن في شيء . و للمرة الأولى منذُ وقتٍ طويل تذكّرتُ أمّي ، وبدا لي أنّني فهمتُ لماذا اتخذت لنفسها ” صديقاً ” في نهايةِ حياتها . لماذا كانت تُريدُ أن تبدأ من جديد . فهُناك ، ومع اقتراب الموت ، كانت أمّي مستعدة أن تبدأ الحياة ليس لأحدٍ قط الحقّ في أن يبكي عليها . و أنا أيضاً أحسستُ أنّني مستعدٌ في أن أبدأ الحياة من جديد ، وكأنّ تلك الغضبةُ الكُبرى قد خلّصتني من الشرّ و أفرغتني من الأمل . في ذلك الليل الذي يفيضُ بالنجوم ، أحسستُ للمرةِ الأولى بعذوبةِ ورقّةِ اللاّمبالاة ، و أحسستُ أنّني كنتُ سعيداً في يوم من الأيام ، ولازلتُ حتى الآن ، أتمنّى أن ينتهي كلّ شيء ، و أتمنّى أن أكونَ هُناك أقلّ وحدةٍ من هُنا ، لمْ يبقى سوى أن أتمنّى أن يكونَ هُناك الكثير من المتفرجين يوم الإعدام ، و أن يستقبلوني بصرخات الحقد والغضب .”

  • جان بول ساتر – مقتطفات من رواية الغثيان

    جان بول ساتر – مقتطفات من رواية الغثيان

    ” هذا النوع من الاجترار المؤلم “أنني كائن” إنما أنا الذي أغذيه، أنا، إن الجسم شيء يعيش وحده بمجرد أن يبدأ، أما الفكرة “فأنا” الذي يكملها، يدحرجها: أنني كائن، وأنا أفكر بأنني كائن، اوه، يا للأنبوب الحلزوني، هذا الإحساس بالكينونة… أدحرجه، بكل تمهل… ليتني أستطيع الامتناع عن التفكير! وأحاول، فأنجح: ويخيل إلي أن رأسي يمتلىء دخاناً… وها أن الأمر يعود من جديد: ” دخان… عدم التفكير… لا أريد أن أفكر… أفكر بأنني لا أريد أن أفكر، يجب أن أفكر بأنني لا أريد أن أفكر… فهذا أيضاً تفكير!! أترانا لن ننتهي أبداً ؟”

    ” وتحك الشجرة الأرض تحت قدمي بظفر أسود، كم أود لو استسلم، لو انسى نفسي، لو أنام، ولكني لا استطيع، أنني اختنق، إن الوجود يخترقني من كل مكان، من العينين من الانف، من الفم… وفجأه، يتمزق الحجاب، لقد فهمت لقد رأيت…” ا
    ” ها هو ذا ما يزال ينظر إلي، وهو سيحدثني هذه المرة، فأحسني متصلباً، ليس ما بيننا وداً: كل ما هنالك أننا متشابهان، إنه وحيد مثلي، ولكنه أشد مني إيغالاً في الوحدة، ولابد أنه ينتظر “غثيانه” أو شيئاً من هذا القبيل. وإذن، فأن هناك الآن أشخاصاً يتعرفونني ويفكرون، بعد أن يحدجوني” إن هذا منا” حسناً، ما الذي يريده؟ لابد أنه مدرك أن أحدنا لا يستطيع أن يصنع شيئاً للآخر، إن العائلات قائمة في بيوتها، وسط ذكرياتها، أمل نحن فحطامان بلا ذاكرة…”

  • هاروكي موراكامي – مقتطفات من رواية كافكا على الشاطىء

    هاروكي موراكامي – مقتطفات من رواية كافكا على الشاطىء

    – “كافكا تامورا؟”
    – “نعم. هذا هو اسمي”
    – “اسم غريب نوعًا ما”
    – “إنه اسمي”، أصر.
    – “أظن أنك قرأت بعض كتابات كافكا؟”
    – أومئ موافقًا، “أجل قرأت القلعة والمحاكمة والتحولات، وتلك القصة الغريبة عن آلة الإعدام”.
    – “مستعمرة العقاب”، يقول أوشيما “قصة كهذه لا يكتبها إلا كافكا”.
    – “إنها المفضلة لدي بين قصصه”.
    – “حقًا؟”
    – أجيب بإيماءة رأس.
    – “ولم؟”
    – أستغرق وقتًا لاستجماع أفكاري. “أظن أن ما يفعله كافكا هو شرح ميكانيكي محض لتلك الآلة المعقدة كبديل ما عن سرد واقع نعيشه نحن … أعني … “، أحتاج إلى التفكير أكثر في هذا، “أقصد أن هذه الآلة هي أداته لشرح الحياة التي نحياها. ليس عبر الحديث عن أوضاعنا نحن، بل عبر وصف تفاصيل تلك الآلة.”
    – “وجهة نظر معقولة”، يقول أوشيما هذا ويضع يده على كتفي، في إيماءة طبيعية، وودودة. مضيفًا “أتصور أن هذا هو أيضًا رأي فرانز كافكا”. ويأخذ جهاز اللاسلكي ويعود ليختفي في المبنى. أبقى على الشرفة قليلا. أنهي غدائي وأشرب مياهًا معدنية، وأتأمل حركة الطيور في الحديقة، والتي هي طيور الأمس نفسها. السماء مغطاة بالغيوم، فلا يظهر منها شق أزرق واحد.

    الأرجع أن أوشيما وجد تفسيري لكافكا مقنعًا، نسبيًا على الأقل، ولكنني لم أستطع التعبير عما أردت قوله حقًا، لم أقصد قول نظرية عامة عن روايات كافكا، بل كنت أتكلم عن شيء حقيقي جدًا. آلة الإعدام التي يصفها كافكا، تلك الآلة المعقدة الغامضة، والتي ليست مجرد مجاز أو كناية – إنها هنا بالفعل. أشعر بها حولي، ولكني لا أتصور أن يفهم أي شخص هذا. لا أوشيما، ولا سواه.

    أعود إلى قاعة القراءة، أغوص في الأريكة وفي عالم ألف ليلة وليلة. وببطء، كما تتلاشى الصورة في فيلم سينمائي، يبدأ العالم الحقيقي في التبخر من ذهني وأصبح وحيدًا. داخل القصة. وهذا هو إحساسي المفضل.

    *** *** ***

    وفجأة يقول أوشيما: “بمناسبة التناقضات، عندما قابلتك أول مرة شعرت أن فيك نوعًا من التناقض، كما لو كنت تسعى إلى شيء ما، ومع هذا تهرب من كل ما أنت جدير به”.

    – “وما الذي أسعى له؟”

    يهز أوشيما رأسه. ويلقي نظرة سريعة على المرآة الخلفية ويقطب حاجبية ويجيب: “لا أدري، إنني فقط أقول انطباعي”.

    – لا أرد.
    – “من خبرتي الخاصة، عندما يسعى أحدهم للحصول على شيء ما لا يحصل عليه، في حين أنه عندما يهرب قدر الإمكان من شيء ما، فغالبًا ما يسعى هذا الشيء وراءه، هذا تعميم طبعًا”.
    – “ما دمت تعمم بشأني، فماذا عن مستقبلي؟ ما دمت أسعى وأهرب في الوقت نفسه”.
    – “سؤال صعب … “، يجيب أوشيما مبتسمًا. يصمت برهة ثم يردف، “إذا كان عليَّ أن قول شيء ما فهو التالي: أيًا كان ما تسعى إليه، فلن يأتي بالشكل الذي تتوقعه”.
    – “هذه نبوءة متشائمة”.
    – “كاسندرا”.
    – “كاسندرا؟” أسأل.
    – “في التراجيديا اليونانية كاسندرا هي ملكة طروادة التي تتنبأ بالأقدار. كانت كاهنة في المعبد، ومنحها الإله أبولو القدرة على التنبؤ بالأقدار، وفي المقابل، حاول إغواءها لتنام معه، لكنها رفضت، فأنزل بها لعنة. إن الآلهة اليونانية شخصيات ميثولوجية أكثر منها دينية، أقصد أن بها نفس عيوب البشر، تثور ثائرتها وتهتاج وتغار وتنسى، وكل ما يمكن أن يخطر ببالك”.

    يخرج علبة من حبوب الليمون الصغيرة من التابلوه ويلقي واحدة في فمه، ويشير لي بأن آخذ واحدة فأفعل، ثم أسأله: “وما اللعنة التي أنزلها بها؟”.
    – “لعنة كاسندرا؟”.

    أومئ.
    – “كانت أن كل ما تتنبأ به يتحقق، لكن لا أحد يصدق تنبؤاتها أبدًا. والأهم أنها كلها مشؤومة – خيانات، وحوادث، وموت، وانهيار ممالك. نبوءات من هذا القبيل. ولم يكذبها الناس فحسب، بل احتقروها أيضًا … إذا لم تكن قرأت بعد مسرحيات أيروبيديس أو أسخيلوس، فأقترح عليك أن تقرأها، لأنها تتناول الكثير من المشكلات الأساسية التي نعاني منها حتى في يومنا هذا. وخاصة في الأجزاء التي يلقيها الخورس”.
    – “الخورس؟ ما هو الخورس؟”.
    – “الخورس في المسرحيات اليونانية هو ما نسميه الكورس اليوم. أي المنشدون الذين كانوا يقفون في خلفية المسرح ويشرحون بصوت واحد الموقف الدائر أو المشاعر العميقة للشخصيات. وأحيانًا أيضًا يحاولون التأثير على الشخصيات. إنهم أداة ممتازة، أحيانًا أتمنى لو كان يقف ورائي كورس خاص بي أنا”.
    – “هل تستطيع التنبؤ؟”.
    – “لستُ محظوظًا إلى هذه الدرجة”، يجيب مبتسمًا. لحسن الحظ أو لسوئه، لا أملك هذه المقدرة. إذا بدوت أنني أتنبأ باستمرار بحدوث أمور مشؤومة، فهذا لأنني براغماتي أستخدم الاستدلال لأصل إلى العموميات، وهذا حسب ظني غالبًا ما ينتهي إلى نبوءات مؤسفة. أتعرف لماذا؟ لأن الواقع ما هو سوى تراكب للنبوءات المشؤومة التي سبق أن تحققت بالفعل. اقرأ صحيفة صادرة في أي يوم وقارن بين كم الأخبار الحسنة وتلك السيئة وستدرك ما أعنيه”.

    *** *** ***

    – “لقد خبرت مختلف أنواع التمييز”، يقول أوشيما، “وحدهم الذين عانوا من التمييز يعرفون جيدًا كم هو مؤذ وجارح، وكل يتألم بطريقته، ولكل ندوبه. ولهذا أظن أن المساواة والعدالة يهمانني تمامًا بقدر ما يهمان أي شخص آخر، ولكن أكثر من يثير اشمئزازي أولئك الذين ليس لديهم خيال، ممن يسميهم ت. إس. إليوت “المجوفين”، من يسدون هذا النقص في الخيال بأكوام قش خالية من الأحاسيس، حتى أنهم لا يدركون ماذا يفعلون، قساة يقذفونك بالكثير من الكلمات الفارغة ليحملوك على فعل ما لا تريد فعله، كهاتين السيدتين الظريفتين”، يتنهد ويبرم القلم الرصاص الطويل في يديه. “هناك مثليون وسحاقيات وطبيعيون ونسويون، وخنازير فاشستيون وشيوعيون وهاري كريشناويون، لا يزعجني أحد منهم، ولا أبالي أي شعار يرفعون، ولكن ما لا أتحمله أبدًا أولئك المجوفين. لا أطيق التواجد معهم وينتهي بي الأمر إلى قول أشياء لا ينبغي قولها، كان علي أن أدع الأمر يمر مع هاتين السيدتين، أو أن آتي بالآنسة ساييكي، كانت ابتسمت لهم ومررت الأمر بسلام. ولكنني لا أطيق الأمر، فأتفوه بأشياء لا يجب أن أقولها، وأفعل أشياء لا يجب أن أفعلها. إذ لا يمكنني التحكم في نفسي، وهذه إحدى نقاط ضعفي، وتعرف لماذا؟”.

    – “لأنك لو أخذت جميع من هم بلا خيال على محمل الجد، فلن ينتهي الأمر”، أجيبه.

    – “تمامًا يقول أوشيما، وينقر على صدغه بممحاة القلم الرصاص. “ولكن، هناك شيء أريدك أن تتذكره يا كافكا .. هؤلاء بالضبط من نوع الأشخاص الذين قتلوا حب طفولة الآنسة ساييكي. أفق ضييق بلا خيال، لا تسامح، نظريات منفصلة عن الواقع، مصطلحات جوفاء، مثل مغتصبة بغير حق. نظم متكلسة. تلك هي الأشياء التي ترعبني، وتثير ذعري واشمئزازي. مهم طبعًا أن تميز الخطأ من الصواب. والأخطاء الفردية في الحكم على الأشياء غالبًا يمكن تصحيحها. وطالما لديك الشجاعة للاعتراف بالأخطاء، يمكنك دومًا أن تحول الأشياء للاتجاه الآخر، ولكن الأفق الضيق اللامتسامح الذي بلا خيال، مثل الطفيليات التي تغير الجسد المستضيف وتغير تكوينه وتواصل هي النمو. إنهم فاشلون، ولا أحب أن يدخل أمثالهم هنا”.

    يشير أوشيما إلى الطاولات بطرف القلم الرصاص، لكنه بالتأكيد يعني المكتبة برمتها.
    – “أتمنى لو أنني لا أفعل شيئًا سوى أن أهزأ بهؤلاء، لكنني لا أستطيع”.

    *** *** ***

    – “حتى يومنا هذا لا أحد يعرف إذا ما كانا قد اختفيا هكذا ببساطة أم هربا. الغابات من حولنا هنا عميقة بشكل لا يصدقه عقل، وبالكاد يوجد ما يمكنك الاعتماد عليه كغذاء”.

    أومئ.

    – “هناك عالم آخر مواز لعالمنا هذا، وإلى حد ما يمكنك أن تخطو إليه وتعود منه آمنًا. طالما كنت حريصَا. ولكن تجاوز هذا الحد وستضل الطريق. إنها متاهة. أتعرف من أين نشأت فكرة المتاهة في الأصل؟”

    أهز رأسي.

    – “سكان يلاد ما بين النهرين القدامى كانوا يخرجون أمعاء الحيوانات – وأحيانًا أمعاء البشر، كما أظن- ويستخدمونها للتنبؤ بالمستقبل. كانوا معجبين بالتكوين المعقد للأمعاء، ولهذا فإن أساس كلمة المتاهة، هو كلمة الأمعاء. مما يعني أن مبدأ المتاهة بداخلك، ويتداخل هذا مع المتاهة الخارجية”.
    – “مجاز آخر”، أقول
    – “صحيح. مجاز تبادلي. الأشياء خارجك ليست سوى انعكاس ظاهري لما بداخلك، وما في داخلك انعكاس لما هو خارجك. ولهذا فحين تدخل متاهة في الخارج، تكون في الوقت نفسه قد دخلت إلى متاهة الداخل. وهو بالتأكيد، أمر ينطوي على خطر”.
    – “مثل هانسل وجريتل”.
    – “صحيح – تمامًا مثلهم. تنصب الغابة فخًا، ومهما فعلت، مهما بلغت درجة حرصك، ستأكل بعض الطيور ذات النظر الثاقب كل فتات الخبز الذي تضعه كعلامات لطريق العودة”.
    – “أعدك أنني سأكون حريصًا”، أخبره.

  • واسينى الأعرج – مقتطفات من رواية طوق الياسمين


    ” نعم نكتب لأننا نريدُ من الجرح ان يظل حيًا ومفتوحا . نكتبُ لأن الكائن الذي نحب ترك العتبه وخرج ونحن لم نقل له بعد ما كنّا نشتهي قوله . نكتبُ بكل بساطه لأننا لا نعرفُ كيفَ نكره الآخرين ، ولربما لأننا لا نعرفُ ان نقولَ شيئا آخر ”

    ” البرد وعزلة المقابر وعشرون سنة من المحاولات اليائسة لنسيانك يا مريم… أنا لا أعرف سوى الكتابة عن امرأة لم يعرف قلبي المهبول سواها ”

    ” مريم؟
    بقايا الأبجدية المستحيلة،هل تدرين؟
    بعد عشرين سنة لم أفعل شيئاً مهماً سوى البحث عنك.
    أعود إلى هذه المقبرة التي صارت اليوم وسط المدينة بعد امتداد العمران بشكل جنوبي إليها، أقف على هذه الشاهدة الصغيرة التي كتب عليها كما اشتهيتِ في وصيتك:
    ضيقة هي الدنيا ، ضيقة مراكبنا ، للبحر وحده سنقول : كم كنا غرباء في أعراس المدينة ”

    ” تمنيت أن أعيش طويلا لأحبك أكثر ولكن الأقدار منحتني فرصة الشهادة قبلك لتكون انت المطالب بحبي وبتحمل غيابي ”

    ” كم أتمنى لو كان إنساناً تافهاً او عادياً لنسيته بسرعة وانصرفت للحياة ولكنه كان شيئا آخر ،
    لم يشبه أحدا ولم يكن أحد يشبهه ، العزاء مع هؤلاء الناس يزداد صعوبة ،بل يصير فعلا مستحيلا ”

    ” عشرون سنة انطفأت ، أشياء كثيرة تغيرت ، الأرض التي أحببنا صارت مريضة ، الناس الذين قاسمونا النور والفراش والحزن تغيروا ، منذ ذلك الزمن الذي صار اليوم بعيدا ، من مات مات ،
    ومن امتطى الريح أو البحر فعل ذلك بدون تردد ، وبقينا نحن هنا ، بالضبط كما تُرِكنا للمرة الأخيرة على حافة هذا البحر المنسي ، نحسب السنوات والوجوه والصور التي مرت بكثير من الحزن والصبر ”

    ” كم اتمنى ان اعيشَ عزائي وأنساكَ دفعةً واحده ، لكني كلما حاولت اخفقت وازدادت وحدتي التصاقا بي ”

    ” النسيان بالتقسيط قاتل على الامد المتوسط ، بينما النسيان السريع قاتل لا يرحم صاحبه ”

    ” شاق هو الفراق الأبدي ومع ذلك علينا أن نتدرب على النسيان لنستطيع العيش ”

    ” هل كان من الضروي أن نفترق لندرك كم كنا في حاجة لأن نبقى قليلا لنقول ما لم نستطع قوله؟ أو ما أخفقنا في قوله ؟
    هل ما حدث بيننا كان مجرد قصة حب من فرط الفقدان والخوف ، صدقنا أنها الحقيقة المطلقة ؟
    أم خطوة أولى بدل أن تقع على اليابسة ابتلعتها هوة الفراغ ؟ ”

    “دعني اقول لك اولا وانت غائب عني هذا المساء في مكان ما لااعلمه. كل عام وانت بخير حبيبي. دمت للفرح والسعادة.اعذرني ,دائما اصل متاخرة عندما يتعلق الامر بالمواعيد الحاسمة. لم اهدك شيئا بمناسبة السنة الجديدة.احسبها علي .حسبي ان اهديك هذه المرة قلبي فقط واشواقي و حنيني الذي لايموت.”

    ” مند زمن وأنا أقاومك ولكن الشتاء يفتح شهيتي للحماقات ، كلما عاد ، شعرت بنفسي ممتلئة بك ولا أستطيع مقاومة شهوة الكلمات .
    البرد والامطار والثلوج والإيقاعات الحزينة تقربنا من بعض لدرجة النسيان والتلاشي ، لو تدري كم أحبك وكم أن عودة الشتاء تؤذيني لأني أخاف فقدانك وأسأل نفسي ماذا يحصل لي لو فقدت وجهك وسرق الموت أحدنا ؟
    في كل مرة أقول ربما هذه آخر الكلمات وآخر النبضات ومن يدري ربما آخر مرة أهتف فيها باسمك وأقول لك صباح الخير حبيبي ، صباح المطر يا شوقي ، كل سنة وأنت بخير ، وترد أنت علي: صباح المجانين والسعادات التي لا حصر لها …….. كل سنة وأنتِ رائعة ”

    “هل تكفي الكلمات ؟اريد ان امنحك حروفا اكثر دفئا ووضاءة وربما اكثر.”

    ” لماذا تبخل علي بشيئ يمكن ان يمنحَهُ لي أي رجل ؟ يكفي ان ارفعَ اصبعي ، لكني اريدُ كل شيئ منك ، لأني احبك ؟ ”

    “أحيانا اقول في خاطري وانا افتش عن النور المخبأ في, ان اطرف كذبتين وجدهما الانسان لمقاومة ظلمة الموت والقبر البارد هما: العزاء والنسيان بينما هما وجهان لعملة واحدة مرتسمة في دمه.وهل يقدر الانسان ان ينسى دمه؟”

    “اجمل شيء تشتهيه العصافير هو ان تموت وهي قادرة على الطيران. بعضهم يقول ان العصافير كالاشجار ,تموت واقفة.”

    “هل وجدت عظيما في التاريخ مات ميتة مرتاحة؟ كلهم ماتوا في النسيان الكلي والاهمال لكنهم في قلوبنا.”

    “شاق هو الفراق الابدي ومع ذلك علينا ان نتدرب على النسيان لتستطيع العيش . لم يبقى من الوقت الكثير,يجب ان نفترق ونمحو من الذاكرة انا التقينا ذات ليلة باردة.”

    ” أراك بأستمرار من وراء حزني وقلقي ووجودك وحده يمنحني قدرا كبيرا من الراحة ، ألم تقل لك امرأة قبلي ، المؤكد أنك عرفت الكثيرات : إن وجودك وحده يبعث على الراحة والاطمئنان ؟
    لا تقل العكس ، صحيح أني أغار عليك ولكني لست مجنونة لدرجة أن أمنعك من شيء ليس في مقدوري فعله حتى ولو أردت.
    الغريب ، أشعر وأنا أقرأ كتاباتك أن بعض جملك مهداة إلي مع أنك لم تقل لي ذلك أبداً ”

    “نكتب لاننا في حاجة للنسيان او لمزيد من الألم موجهين نداء استغاثة ولايهم اذا سمعنا ام لم نسمع.”

    “هل تعلم أني بعدك صرت عارية لا اعتنق الا كلامك , ألبسه وأتدفأ به؟؟ ”

    ” لنبدأ من التفاصيل الصغيرة.
    في ذلك الزمن البعيد ، كانت مريم طفلة تعشق الورود الملونة والوجوه الأليفة ، مولعة
    بحب الألبسة الجميلة وتتمنى أن تخصب ذات فجر لتجد نفسها فجأة تمارس علنا طقوس
    الأمومة .. كانت هكذا أو هكذا شاءت أن تكون… منذ الطفولة الأولى لم تكبر كثيراً ”

  • مقطتفات من رواية مرايا الضرير – واسينى الأعرج

    مقطتفات من رواية مرايا الضرير – واسينى الأعرج

    كل شيء تافه .. هذا هو الانحطاط بعينه . صعود الرعاع الذي يعني مرة أخرى صعود القيم الميتة .. يا لها من خديعة ! يا لها من كذبة أخرى .. إن ذهنية القطيع هي التي تسود على كل ما يمكنه أن يكون استثنائياً في هذا البلد

    ——-

    هكذا هو الحب المجنون .. انه أعمى .. اما ان يأتيه شعور القوة الطاغي او العكس تماما .. الحل الوسط في الحب لا يوجد الا عند الارواح التعبة والمهزومة

    ——

    انما تولد مأساة العظمة من رحم المستحيل

    ——-

    الرجل المهزوم رجل ميت .. انت عظيمة و العظماء لا يقتلون ميتاً مرتين .. تكفيه قتلة واحدة لتعيده الى الطريق المستقيم

    ——-

    وحدهم الناس الذين ينظرون قادرون على قراءة الآثار فوق الرمال التي لا تتكلم ولكن بوسع المرء ان يجعلها تتكلم اذا كان يمتلك لغة العلامات .. والناس الذين ينظرون يمتلكونها في ذاكرتهم

    ——–

    هكذا هي الحياة .. انها لا تختلف عن المرأة .. يجب الامساك بها اولا من المنطقة الاكثر هشاشة وحساسية ومن لا يفهم مدى امتلاء التاريخ باحداث العنف والقسوة والحيلة .. وكم هو عبثي .. فلن يستطيع ان يفهم ان الامر يعود اليه الى اندافاعه في ان يمنح معنى للتاريخ

    ——–

    الثقة بالحياة امر صعب .. بحادث عرضي يمكن ان يهتز كل شيء .. كيف يمكن للناس ان يغيروا اتجاههم ليجدوا انفسهم فجأة على الضفة الاخرى ؟

    ——–

    الخيانة كالطلقة ما أن تغادر السبطانة حتى يصبح من السمتحيل اعادتها الى مكانها .. والخائن رجل ميت في لحظة الندم نفسها .. لا يجد احداً يسمعه .. ومن يستمعون اليه لا يستمعون الا لاعداد نعش الموت الابيض

    ——–

    ان الفكر الوضيع و الرغبة التسلطية هي التي جرت كل شيء الى الزوال .. وليس العظمة التي فقدت على اية حال من سجل الطرفين المتحاربين .. لقد كان ذلك اقرب الى صراع الانواع الصغيرة من أجل البقاء

    ——

    يجب ان يكون المرء قاسياً و الا عمت الفوضى البلاد

    ——

    عندما تكون البلاد في خطر يجب الا نطرح الاسئلة بل يجب ان ننفذ والا لكانت النهاية والفناء وتمهيد الطريق لكل المغامرين

    ——-

    هكذا هي الحرب : العين بالعين والسن بالسن .. ومن يطلب الهدنة اولا يكن الحلقة الاضعف في الحروب الممكنة جميعاً

    ——-

    في قمعه للثورة كان يتوقع ان يواجه محترفين في الحرب .. مدربين في معسكرات اسرائيلية ومرتزقة اوروبين و امريكان .. لكن الذين واجههم لم يكونوا الا تلامذة و اطفالا ظنوا انهم يلعبون

    ——–

    يجب على المرء ان لا يستعجل الزمن … فالاشياء الجميلة تاتي من تلقاء ذاتها

    ——–

    ان التطلع الى شعور اقصى ليس الا التطلع الى القوة .. وهذا ما هو اكثر حميمية و عمقاً في حياة حالم .. وصفة مخيفة تشكل جزءاً من العظمة

    ——-

    هذا العالم صعب وخائن ولا يطاق .. يجب ان يمتلك الانسان سلاح السخرية وسلاح القوة لكي يستطيع ان يحاربه حتى الموت

    ——-

    عندما يختار المرء حقل الموت فإنه لا يعرف البطالة أبداً

    ——-

    من يريد ان يكون كبيراً في الخير او في الشر عليه ان يكون مدمراً كاسراً للقيم بأي ثمن .

    ——-

    ان اجمل المشاريع هو الشعور الذي ينتاب الانسان عندما يلمس الخيط الرفيع جداً لحياة معلقة هي الاخرى بنهاية الموت

    ——-

    ان يداً واحدة لا تصفق ولكنها تصفع ان لزم الامر

    ——

    انت مخطىء .. تعتقد ان العظمة تتجلى عندما يأمر الانسان بصورة مطلقة وان الآخر يطيع .. لا .. فالعالم لم يعد يعمل هكذا .. لقد انتهى الامر يا عزيزي .. وهذه هي النهاية المأساوية لجنسك كله

    ——

    من يريد ان يكون عظيماً دون ان يمس احد عظمته .. عليه ان يكون اولاً هادماً ومدمراً للقيم .. لقد دمرت الكثير منها .

    ——

    نعم .. انا من أولئك الذين لا يؤمنون الا بالقوة وبالقيم المطلقة .. نحن الذين نطالب بإيمان آخر .. ونحن الذين نعد النزوع الديموقراطي ليس شكلاً منحلاً من التنظيم السياسي فحسب .. بل شكلاً منحطاً وناقصاً لللإنسانية التي يحولها الى الوضاعة ويقلل من قيمها

    ——

    اي رفع للنوع البشري .. كان وسيبقى دائما من عمل مجتمع ارستوقراطي .. مجتمع يؤمن بعدة درجات من التراتبية والقيمة بين البشر .. مجتمع يطالب بالعبودية بطريقة او بأخرى .. الشعور المشبوب بالمسافات يولد من الفارق الشاسع بين الطبقات الاجتماعية و من ان الطبقة المسيطرة تلقي بنظرها من عل على الرعايا و على الادوات وعلى الاعراف التي تصنعها من الطاعة و من القيادة و من الفن الذي يبقى السافلين في الاسفل وعلى مسافة معينة .. ومن ناحية اخرة من المستحيل هوىً اكثر سرية .. والرغبة الملتهبة في انشاء مسافات داخل النفس من اجل انتاج حالات اكثر فأكثر ارفاعاً

    ——

    حياتنا لغز .. الخسارات الكبرى . الرغبات المجنونة .. والابتعاد القاسي لكل ما هو ممتع بالنسبة لنا .. كل هذه الامور انبثاقات لارادة تسمو الى العظمة التي تختبىء في داخلنا .. ولفهم هذا كله يلزمنا سحر الجنون .. الجنون هو الذي يمهد طريق فكرة جديدة تقطع رباط عادة .. خطوة صغيرة ايضاً في هذا اليأس للموت المحتم وكل شيء سينفصل عن الهياكل القديمة

    ——

    العظيم هو من يجتهد في بلوغ هدف هو نفسه لا يعود يحب ما بعده .. والعظمة هي الارادة المطلقة التي نقبل بواسطتها دمارنا الذاتي

    ——

    لا احد يحكم عليك .. عرف انك اسف .. ليس على الموت .. بل عى غياب المجد .. ولكن لا يهم .. فقد حصلت على ما حصلت عليه في عالم المنحطين هذا .. انت تخشى ان يرى التاريخ فيك طاغية , لا قيمة لذلك ابداً لان من يسمى شريراً هو من كان قوياً وخطراً ومخيفاً الى حد ما .. ومن هو ماهر و قوي ولا يحتمل الاحتقار .. في اخلاقية العبيد هذه ان الطاغية اذن هو من يفرض الخوف اما في اخلاقيات السادة بالعكس ان الطيب هو من يُحترم ومن يفرض احترامه ويكون السيء جديراً بالاحتقار .. الطيب شرع العبيد .. هو من ليس فيه ما يخشى .. انه في منتهى الطيبة ويخدع بسهولة وربما كان غبياً بعض الشيء .. كلما ساد نظام العبيد .. تعمد اللغة الى التقريب بين كلمتي طيبين و أغبياء

  • إليزابيث بيشوب – معجزة للإفطار | ترجمة: شريف بقنه

    model-on-the-couch-1928
    Edvard Munch

    عند السادسة وبينما كنّا في انتظار القهوة،
    في انتظار قهوة وكسرة خبز هنيئة
    تُقدَّم لنا من شرفةٍ هناك
    – مثل ملوك الأزمان الغابرة، أو مثل معجزة –
    كان لا يزال شيء من الظلمة
    وقدم واحدة للشمس
    تمتدُّ وتستلقي على خرير نهر طويل.
    العبَّارة الأولى اليوم للتوِّ عبرت النهر.
    كان البرد قارساً وتمنّينا أن تكون القهوة
    ساخنة، فمنذ الصباح لا شمس
    تُدفئنا؛ ظننا أن كسرة خبز
    ستصبح رغيفاً مدهوناً بالزُّبد،
    على طريقة المعجزة.
    في السابعة،
    أطلّ علينا رجلٌ من الشرفة.
    ظلَّ واقفاً لدقيقة في الشرفة
    ينظر إلى ما فوق رؤوسنا ناحية النهر.
    ثمة خادم سلّمه
    كلَّ ما يلزم لصنع معجزة؛
    فنجاناً واحداً من القهوة
    ولفَّةَ عجين، ما لبثت أن أصبحت كسرة خبز،
    رأسُه، إذا صحَّ التعبير،
    كان في السحاب – يجاور الشمس.
    أتراه رجلاً مجنوناً؟ ما الذي كان يحاول فعله
    تحت الشمس، هناك في شرفته!
    كل واحد أُعطي كسرة خبز يابسة،
    البعضُ ازدراها وألقى بها في النهر،
    أمّا الفنجان،
    فكانت فيه قطرة واحدة من القهوة.
    البعضُ ظلَّ في المكان،
    في انتظار المعجزة.
    يمكنني أن أحكي عمّا شاهدته بعد ذلك؛
    لم تكن معجزة.
    فيلّا جميلة تقبَعُ تحت الشمس
    ومن أبوابها تنبعثُ رائحة القهوة الساخنة.
    في المقدّمة،
    شرفةٌ من جصّ أبيض نقشته
    عصافير كانت تعشّش على طول النهر،
    – رأيتُ ذلك بعين واحدة وكانت كسرة خبز قريبة منه –
    وصالات عرض وغرف من رخام.
    كسرة خبزي هي السرايا التي أعيش فيها،
    صنعتْها من أجلي المعجزةُ،
    منذ الأزل،
    وضعتها حشراتٌ وعصافير ونهٌر.
    هكذا كل يوم، تحت الشمس،
    في وقت الإفطار أجلس في شرفتي
    وقدماي ممدّدتان، أحتسي غالوناً من القهوة.
    كنّا نزدرد كسرة الخبز ونشرب القهوة.
    وثمّة نافذة تعبر النهر لتُمسك الشمسَ
    كما لو أن معجزةً كانت تحصل،
    على الشرفة الغَلَط.

  • فيوليت أبو الجلد – لا أحياء على هذا الكوكب سواي

    فيوليت أبو الجلد – لا أحياء على هذا الكوكب سواي

    death-and-fire-1940
    Paul Klee

    -1-
    أحتاج الى سكّيرَين ،
    الى قاتل مأجور ،
    الى سارق ،
    الى مستحضر أرواح ،
    الى قارئة كفّ عجوز ،
    الى جارة فضولية ،
    الى صديقة مغرية جدا تثير الريبة ،
    الى باب سريّ ،
    الى شهية مفتوحة ،
    وأحتاج أن أركب القطار في هذا الفيلم الطويل ،
    كي أكتشف لماذا نزلتُ وحدي من هذا النص ،
    . ولماذا صعدوا كلهم الى رأسي

    -2-

    جرحٌ بسيطٌ أسفلَ الركبة

    وآخرُ في القلب:
    لا شيء يستدعي هذا الترنّح ،
    بينما يرندح الصامتون
    أغنيةً حزينةً عن الهجران وعن الحرب.
    الصامتون اللاذعون،
    الغائرون في نُدبٍ قديمة،
    الصاخبون كأصواتِ استغاثة،
    النائمون في الصوت وفي همهماتِ القتلى،
    يخافون أطيافَهم في ظلال الكلام
    وأخاف من طيفيَ اللاهث في موكب أشباحهم.
    لا شيء يستدعي هذا النصّ:
    جرحٌ بسيطٌ في قلبِ اللغة،
    ولعنةٌ عابرةٌ كصوت .

    -3-
    أبحثُ كلّ صباح عن خبر موتِكَ

    في صحفِ بيروت التي لم تعد تصدر،
    في حاناتِها المهدَّدة،
    وفي أزقّتها المرمَّمة فوق جماجم أهلها.
    أحملُ في جيبي اسمَكَ،
    في الآخَرِ حفنةَ آلهةٍ،

    وكمّا هائلًا من الملائكة.
    أنا ربّةٌ حين أكتبُ،
    ربّةٌ حين أُحبُّ،

    النسّاكُ في مغاور الجبال عِبادي،
    أملكُ أرضًا وبحرًا وسماءً
    لكنّي أنتظرُ موتَكَ لأكتملَ بجمالي.

    أستمعُ كلَّ مساءٍ إلى نشراتِ الأخبار :
    قتلى وجرحى وحروب.
    غير أنّك آمنٌ كحبلٍ سرّيّ،
    آمنٌ كشاعرٍ على منصّة،
    متواطئٌ مع التصفيق الحارّ لقصيدةٍ باردة،
    . ولموتٍ ناقصٍ بين مخالب هذا النصّ الحزين

    -4-

    مجرّدُ أبوابٍ سحريّة لا تُفتح للأحبّةِ،

    ولا تُغلق عليهم.
    في مرفأ الغرباء ترسوا المراكب
    التي جذّفتْ طويلًا في الرضا.
    مجرّدُ حمّى تتفشّى في الأجساد المعتمة.
    حبالٌ سرّيّةٌ بين ما قلنا وما فعلنا.
    مجرّدُ وقاحةٍ هذا الإسرافُ في الحبّ:
    سيلٌ من الشتائم لا تترجَم إلى لغةٍ عالقةٍ في حلق الحروب،
    في نشرات الأخبار،
    وفي الصحفِ الساقطةِ سهوًا
    من أصابع المدنِ الجميلة.
    من الشبح ونقيضه يُولد الشعرُ؛
    من مراكبَ جذّفتْ طويلًا في حيرةِ مَن غادروا وما غادروا؛
    ومن مجرّد أبوابٍ سرّيّةٍ بين ما قلنا وما فعلنا.

  • يفغيني الكساندروفيتش يفتوشينكو – تغادرنا الأمهات

    يفغيني الكساندروفيتش يفتوشينكو – تغادرنا الأمهات

    the-dead-mother-1900
    Edvard Munch

    بكلِّ هُدوء
    تغادِرُنا الأمهات
    تغادِرُنا في المَهاجِع
    وفي خَطوِهنَّ برِفقٍ تدوسُ رؤوسُ الأصابِع
    ونحنُ ننامُ بكلِّ سَكينة
    وقد أُطفِئَ الجوعُ لسنا نعيرُ انتباها
    لوقتٍ كهذا مُريع
    تغادِرُنا الأمهاتُ شيئاً فشيئا
    وحيناً نَظُن
    ويَبدو لنا أنَّهُن
    يغادِرْنَ فجأة
    ولكنَّهُن
    رويداً رويداً ذَهبْن
    بِبُطئٍ بشكلٍ غريب
    خُطى ناعماتٌ خلالَ السنين
    وفجأة، وقد راعَنا أنَّنا ذاتَ عام
    نعيرُ انتِباها لوقدِ الشُموع
    ليومِ احتفالٍ بميلادِهن
    نحسُ الزمانَ العَبوس
    وندنو إليهنَّ صَحوا
    وننأى عنِ الحُلمِ لكنْ نَكُفْ
    فوسطَ الفراغِ ارتطامُ الأكُف
    كأنْ قد نَما من زجاجٍ جِدار
    هنا بيننا في الهواء
    تأخرتَ ياقلبُ
    دقَّت لنا ساعةٌ مُستهابة
    نُحملِقُ عبْرَ الدموعِ الدَفينة
    ويمضينَ في الموكبِ الجهمِ عنا بكل هدوء.

    ترجمة: ايمن ابو الشعر.

  • صبا قاسم – رأسي مقبرة جماعية

    صبا قاسم – رأسي مقبرة جماعية

    double-self-portrait-1985
    Ilka Gedo

    نبيةٌ من ورق
    لم أكنْ يوماً نبيّة
    خدعتْها نبوءَتُها الملفوفةُ حولَ سُرَّتها
    فتحوّلتْ إلى قطعةِ لحمٍ صغيرة
    تلمُّ تحتَها كومةَ أفكارٍ مُنهَكَة .
    أفكارُها
    أثداءٌ مهترئةٌ من شدّةِ التعب
    لا تُفرِّخُ إلا في المواسمِ الملتهبة
    لم تكنْ عَرَبَتي رغبةً تجرُّها كلاب
    لا تنبحُ إلا في الأوقاتِ الباردة
    وتسألُ الريح
    بأيِّ ذنبٍ هدأت؟
    لم يكنْ حُلمي
    ميّت أفسدتْ أمطارُ الدمِ عليهِ خلوَتَه
    وحطّمتْ أقدامُ المارّةِ سقفَهُ الخشبيّ
    عندما تشتدّ عليه ذكرياتُه
    يرفعُ يَدَيْه صوبَ السّماءِ مُتضرِّعاً
    هلاّ هدَّأتَ من ثرثرتِهم فوقَ رأسي؟
    ميّتٌ يدعو ربَّه
    لمشاهدة شهواتِه وهي تأكلُ نفسَها كالنّملِ الأحمر
    لأنّه بلغَ سنَّ الرُّشْد.
    لم يكنْ حُلمي
    فَقْرَاً ينفجرُ مثلَ البراكين
    ولا يُدوِّي مثلَ طلقاتِ الرّصاص
    لم يكنْ حُبَّاً قويَّاً
    يُقشِّرُ الرّوحَ كالبصل
    ولا تدمعُ عيناه
    لم يكنْ طيراً
    يُغري أُنثاه
    بفَرْكِ أجنحةٍ لا تُتقِنُ الطيران
    بل الغناء
    ثائرٌ
    يقولُ لها
    أبيعُ تذاكرَ الدُّخُولِ إلى الفردوس
    فهل مِنْ مُشترٍ؟
    طَرْطَقَةُ الملعقةِ على حافّةِ كأسٍ فارغة.
    أنا
    لاعبٌ
    أصنعُ منَ الحَصَى اللامعةِ على طَرَفَي ساقيةٍ عَكِرة
    نردٌ أرميهِ على بلاطِ السماء
    مَنْ أَصْدَقُ دمعاً،
    بَجَعٌ يُطعِمُ صغارَهُ دَمَه
    أم ملعقةٌ نَفَدَ صَبرُها
    وهي تنتظرُ مع الحساء
    فماً جائعاً؟!.
    * * *

    أعراس
    مواكبُ الموتِ في بَلَدي
    ليستْ أعراساً تزفُّها رائحةُ زهرِ الليمون
    ليستْ عاشقةً عبّأتْ رائحةَ حبيبِها في جَسَدِها
    ليستْ أمَّاً رَفَضَتْ ارتداءَ الأسودِ على شهيدِهَا الأوَّل
    فارتَدَتْهُ في موكبِ الثاني
    ليستْ عَجُوزاً تحلمُ باندثارِ ليلة
    استنفدتْ سنواتِ برتقالهِا كُلَّها
    ليستْ حُبَّاً بُترَتْ سَاقَاهُ من الرقصةِ الأُولى
    مواكبُ الحياةِ في بلادي
    علامةُ بُلُوغِ السماء
    على ثوبِ الكون.
    * * *
    في الحرب
    لا أُحِبُّ التقاطَ الصُّورِ التذكاريّةِ مع الأموات
    أخافُ أنْ
    يخرجَ لي جنديٌّ مَهزوم
    من واجهةِ محلٍّ تجاريّ
    ليُخبرَني عن الأسماءِ التي وَجَدَهَا
    تطفو على سطحِ بَحرٍ مُوحِل
    كيفَ مَدَّ يَدَهُ ليقطفَهَا نُجُوماً
    وعلَّقَهَا على قَدَح
    تتساقطُ فيهِ اللحظات
    و كيفَ أكلتْ رُؤُوسُ أصابِعِه
    ولَوَتْ رأسَهَا كَمِسْكِين
    يشحذُ رغيفَ رغبة
    أخافُ
    عندما تطلبُ منّي أمّي
    كَفَنَاً جديداً
    لأنّ القديمَ لم يعدْ يناسب
    دُمُوعَهَا
    في الحرب
    أخافُ أنْ أسيرَ بين الجنائز
    كي لا تُطلَقَ عليّ رصاصةٌ مُشرّدة
    وابلٌ من القُبلات
    تَرميني بنظرةِ مُتديّن
    تختبئُ تحتَ وجهِهِ سكِّينٌ حنُون
    وتُخبرَني
    عن وطنٍ يَرمي برتقالَه
    في السّواقي
    ويستوردُ فيتامينَ سي.
    وتُخبرُني عن مُهاجر
    حَمَلَ على ظهرِهِ بيتاً
    وتركَ المفتاحَ مُعلَّقاً بجذْعٍ مقطوع
    كماءٍ في حَلْقِ ظمآن.
    في الحرب
    ربّما تُفاجِئُكَ عجوز
    بدعوةٍ طائشة
    كرصاصةِ أخٍ لكَ بالماء
    لتُخبرَكَ عن شهوةِ الانتظار
    وتُخبرَكَ عن ألمِ المخاض
    في نيسان
    والحدِّ الفاصلِ بين سكِّينِ المحراث
    وليِّنِ الأرض
    وتسألَكَ
    عن البذرةِ الأُولى!
    في الحربِ
    قد تُقدِمُ امرأةٌ رافضةٌ على إقناعِك
    أنّ النُّهُودَ قُرُونُ استشعار
    غارقةٌ في ريشٍ من ضبابٍ ناصع
    وعُيُونٌ مُراقبةٌ في متحفِ الجسد
    لها طَعْمُ الملحِ والصّدأ.
    وأنّ الظهيرةَ وسادةٌ مُكتنزة
    والليلُ لصٌّ يغصُّ بامرأة
    من زُجاج
    في الحرب
    ربّما تطلبُ منكَ حَصَاة
    أنْ ترميها بطريق
    ورايةِ مُنتصر
    عندما تنتهي الحرب
    سينتهي المَهزُومُون
    كَبَطلٍ يُوجِّهُ لكماتٍ إلى ظلِّهِ على الجدار.
    ***
    الحربُ؛
    حفلةٌ تنكّريّة
    يرتدي الأحياءُ فيها زيَّ الأموات
    ويخرجُ الأمواتُ فيها على هيئةِ آلهة.

  • مختارات من شعر فرانسواز كامبو تيمال

    joyous-note-autumn-dusk-1992
    Karl Schrag

    1 – زمن

    تكفي ورقة،
    زورق موضوع فوق الماء،

    يكفي نفس
    ليرتعش الماء
    و تحملها موجات بعيدا جدا،

    يكفي لا شئ
    كي تصير هذه اللحظة أبدية.

    2 – الليل يتنفس

    الليل يتنفس
    مثل قط

    المطر يخدد
    المرايا الصفراء

    في هذا الوقت الهادئ
    شئ ما يراقبنا

    حفيف ذويبة
    الخوف الغامض
    من الصباح المقبل .

    3 – بحر

    الثغر ينزل
    فوق منحدر الظهر
    و يتذوق الملح البحري .

    الأفق يتحرك هناك
    بعد البحر.

    الجسد المتلهف
    لألف يد من الرمل
    يسترخي.

    4 – الزمن

    الزمن
    هو أم أربع و أربعين
    تجري فوق جلدي
    حافرة أخاديد ،
    فتترك فوق يدي
    آثار المقبرة .

    ترجمة: ابراهيم قازو

  • جاك بريفير – لكي ترسم طائراً

    la-naissance-de-v-nus
    Pierre Roy

    ارسم في البداية قفصًا
    و اترك بابه مفتوحًا
    ثم ارسم
    شيئا مليحًا
    شيئا بسيطًا
    شيئا جميلًا
    شيئا نافعًا
    للطائر
    و اسند قماش اللوحة إلى شجرة
    في حديقة
    في أكمة
    أو غابة
    و اختبئ جيدًا خلف الشجرة
    دون أن تنبس بكلام
    دون حراك
    الطائر قد يأتي سريعًا
    أو قد يستغرق قرار مجيئه سنوات طوال
    لكن لا تيأس
    و انتظر
    انتظر إن اقتضى الأمر ذلك
    سنوات طوال
    فسرعة و بطء مجيء الطائر
    لا علاقة لهما
    بنجاح اللوحة
    و عندما يصل الطائر
    هذا إن وصل
    فألزم الصمت الأقصى
    وانتظر دخوله إلى القفص
    و عندما يكون هناك
    اغلق الباب وراءه بفرشاة
    أغلقه بكل هدوء
    ثم
    امح كل القضبان واحدًا واحدًا
    و احترس ألا تلمس من الطائر و لو ريشة واحدة
    و بعد ذلك، ارسم الشجرة أولا
    و اختر للطائر
    أجمل أغصانها
    ارسم اخضرار الأوراق
    ارسم رطوبة الريح
    وغبار الشمس
    ارسم صوت حشرات النبات في حر الصيف
    ثم انتظر أن يقرر الطائر الغناء
    و إذا ما لم يغن
    فهذه علامة سيئة
    علامة على أن اللوحة رديئة
    أما إذا ما غنى
    فهذه علامة حسنة
    علامة على أنك تستطيع وضع إمضائك أخيرًا
    و حينها، و بكل رقة، انتف ريشة من الطائر
    و اكتب بها اسمك
    في ركن صغير من اللوحة.

    ترجمة : ثريا وقاص

  • مقطوعة ليلية للشاعر الأمريكي دبليو إس بييرو

    أين أنتم الآن؟

    قصائدي،

    وأقراني الذين يمشون أثناء نومهم،

    لا غمغمة هذه الليلة؟

    أين أنت، أيها العطش،

    أيتها الحمّى، أيها الملل ذو الطنين؟

    مصابيح الزقاق

    تصدر أزيزها خارج نافذتي،

    صامدةً، بعيدة المنال،

    كإندهاشاتٍ صغيرة

    تضيء الطريق صعوداً.

    أين أنتم الآن،

    واحتياجي إليكم في غايته؟

    الوقت متأخرٌ وأنا هرِم.

    تعالي سريعاً أيتها القطط الضارية

    التي بين زهور الداليا.

    ترجمة: غسان الخنيزي.

  • الحياة صالة سينما – محمد النعيمات

    الحياة صالة سينما – محمد النعيمات

    أذكرُ أنهم
    -حينَ وُلدْتُ-
    قطعوا لي تَذكِرةً
    أو رُبما شهادةُ ميلادٍ
    لا فرقَ ،
    فالحياةُ (صالةُ سِينما ) كبيرة
    دخلتها بكاملِ دهشتي
    وجلستُ لأنني فقيرٌ
    في مقاعِدها الرخيصةِ ،
    كانت جميلةً ومضيئة
    وكنتُ بخرقةٍ بيضاءَ
    أجوبُ مُندهشاً بنظري
    وجوهَ من يجلِسونَ حولي
    بملابسِهم الملونةِ
    وابتساماتِهم العريضة ،
    كنتُ كزهرةِ عباد الشمس
    أتبعُ بنظري مُبتسماً
    مِصباحاً كبيراً يتوهجُ في السقفِ
    وأذكرُ أنني
    -حينَ أطفأوا النورَ-
    سمعتُ أحدهَم يصرخُ قائلاً :
    (تبّاً …ها قد بدأت الحياة)
    رؤوسٌ كثيرةٌ متقاربة
    تهتزُّ كثِمارٍ ناضجةٍ
    على أغصانِ العتمة
    أصواتٌ هامسةٌ
    كحفيفِ أوراقٍ صفراءَ آيلةٍ للسقوط
    أجسادٌ تطفوا كجُثثٍ على مقاعدٍ باهتة
    أشخاصٌ يدخلونَ
    وآخرونَ يوجِعوننا وهم يدوسونَ
    على أقدامِنا حينَ يَخرُجون
    وبضعُ أشخاصٍ
    يجلسونَ في غُرفةٍ للتحكمِ
    يُطفئونَ مِصباحاً مُتوهجاً في السقفِ
    ويعرضونَ شَريطاً ما
    لنرى نحنُ الغارقينَ في العتمةِ
    على شاشةِ الحياةِ
    فقط ما يُريدون .

  • عيد الميلاد الثلاثون – أليس نوتلي – ترجمة غسان الخنيزي

    عيد الميلاد الثلاثون – أليس نوتلي – ترجمة غسان الخنيزي

    Sadik Kwaish Alfraji

    عسى ألاّ أخاف أبداً

    لا سيما من نفسي

    لكن

    يا محمد علي أتقول

    الحقيقة؟

    حسناً، أنت صادقٌ أليس كذلك

    وأنت تنطق عجباً بجسدك

    الذي يحميك بقامةٍ من الصوت

    بلكماتٍ ضمن رقصة

    عسى ألاّ أخاف أبداً

    متخلخلٌ ومهتزّ

    وشاح الدانتيل

    الذي سوادُه من بلّوط

    ولكن عندما أكون غامقةً فأنا قوية

    مثل سوادي

    قوّتي هي الكون

    الذي ظُلْمته هواءٌ

    دانتيلٌ مرصع بالنجوم فقط

    ولكن عندما أكون متوقدةً فأنا قوية

    كالحياة

    قوية كالبنفسج

    في قبضة مارلون براندو

    إدعاؤه يستحيل حقيقة

    هي قد أخذتهم

    وكنت لآخذ نفسي كذلك

    حقاً

    وَيَا عليّ الخاص بي إني أراك

    بقعةً مني مضيئة وثابتة

    أنا الشكلانية المتوحشة

    حجةٌ أصيلة في القيل والقال

    وشخص رفيق

    ترجمة غ خ

    “30th Birthday”

    May I never be afraid
    especially of myself
    but
    Muhammed Ali are you telling
    the truth?
    Well you’re being true aren’t you and
    you talk so wonderfully in your body
    that protects you with physique of voice
    raps within dance
    May I never be afraid

    rocked and quaked
    the mantilla is lace
    whose black is oak
    But if I’m dark I’m strong
    as my own darkness
    my strength the universe
    whose blackness is air
    only starry
    lace
    But if I’m alive I’m strong
    as life
    Strong as the violets
    in Marlon Brando’s fist
    his dissemblance flourished into truth
    She
    took them
    I’d take me too
    I do
    and my Ali I see you
    a hard bright speck of me
    the savage formalist
    authentic deed of gossip
    a kind body

    by Alice Notley

  • قفازان جلديان – مقتطفات – آنا كريستينا سيزار – ترجمة: جمانة حداد

    قفازان جلديان – مقتطفات – آنا كريستينا سيزار – ترجمة: جمانة حداد

    1-

    ألبث هادئة.
    أكف عن الكتابة. أرسم
    في مدينة لا أملكها.
    لا أفكرُ في الرحيل. خربشاتي
    اليوم قد
    انتهت.


    ” رحتُ على غرار الجميع أصور الناس من حولي، على كراسي الرصيف.”
    فاتني قطار. لا أتمكن من أن أروي القصة كاملة. طالبتني بتفاصيل ( لم أزل أعتقد أن سؤالك كان أحد تلك الأسئلة المتعبة التي يطرحها المرء في نهاية السهرة، وأنا التي كنتُ بعيدة يومئذ، لكني لا أقول شيئًا، وليس السبب أن فمي قاسٍ، ولا السبب السخرية ولا النار المتقاطعة.
    أخاف أن أضيع هذا الصمت.

    هل نخرج؟ هل نقوم بجولة في الحديقة؟
    لماذا جعلتني أجيء إلى هذه الغرفة هنا؟
    عندما تموت، ستؤول الحال بدفاترك إلى واجهة المعرض الذي يقام بعد الوفاة، ذخائر.
    يقول لي كطفل مدلل بعض الشيء إن الفن هو ما يساعد في الهرب من الجمود.

    العينان من جديد.

    عيناه تبثان لا مبالاة عندما يحدثني عن معنى الفن. منذ ثمانية أيام وأنا أقول لك ذلك. أتعلم أن ضبط إطار الصورة في وسط المتنزه. أتخيل القوة المطلقة للمصورين وهم يحدقون من وراء العدسة، لا مرئيين كالله. لا أعرف أن ألتقط هنا في الحديقة، على خطوط وجهه، حتى بإهمال محسوب، المرأة الصعبة الت لا تترك في الوراء، التي لا تترك، ولا الكلمات التي تفرّ، من دون أن يعود شيء ما ينقح ويكمل.

    سوف أشرح أكثر: الكلام لا يجعلني أخرج من الإطار، سوف أشرع في الرسم إذّا، لكي أخرج من الإطار.

    2-


    أريد أن أروي لك الغرفة الجامدة وكل ما تحتويه. لا مدينة في الخارج ولا علاقات قرابة. لديّ هنا آلات تسليني، تلفزيون في غرفتي، شرط ممغنطة، بطاقات بريدية، دفاتر من كل الأحجام، مقص أظافر ووعاءان من البريكس، إلى آخره. لا شيء في الخارج ورأسي يتكلم وحده، هكذا، في حركة بندولية: ظهور واختفاء. احفظ جيدًا هذه الغرفة الراكدة بآلاتها والرأس والبندول الذي يدق. احفظها جيدًا. سيكون ذلك مهمًا في ما بعد.

    *نص: آنا كريستينا سيزار
    *ترجمة: جمانة حداد

  • الرحيل في الليل – عبد الرحيم أبو ذكري

    الرحيل في الليل – عبد الرحيم أبو ذكري

    أيها الراحلُ في الليل وحيدًا
    ضائعًا منفردًا
    أمس زارتني بواكيرُ الخريف
    غسلتني بالثلوج
    وبإشراق المروج

    أيها الراحلُ في الليل وحيدًا
    حين زارتني بواكير الخريف
    كان صيفي جامدًا
    وجبيني باردًا
    وسكوتي رابضًا فوق البيوت الخشبية
    مخفيًا خيرته في الشجر
    وغروب الأنهر
    وانحسار البصر
    لوّحت لي ساعة حين انصرفنا
    ساعة حين انصرفنا
    ثم عادت لي بواكير الخريف:
    حين عادت
    وثب الريح على أشرعتي المنفعلة
    سطعت شمسُ الفراديس على أروقتي
    ومضت تحضنني الشمس الندية
    والتي ما حضنتني
    التي ما عانقتني
    في الزمان الأول
    في الزمان الغائب المرتحل:

    انتظرني
    فأنا أرحل في الليل وحيدًا
    موغلًا منفردًا
    في الدهاليز القصيات انتظرني
    في البحر انتظرني
    انتظرني في حفيف الأجنحة
    وسماوات الطيور النازحة
    وقت تتنهد المدارات
    وتسود سماء البارحة
    انتظرني.

    * عبد الرحمن أبو ذكري.
    شاعر من السودان ولد عام 1943 وانتحر برمي نفسه من قمة مبنى أكاديمية العلوم السوفياتية في موسكو عام 1989. صدر له ديوان واحد بعنوان:” المشي في الليل” عن دار جامعة الخرطوم عام 1973.

  • ليس عن الحب – عبدالرحيم أبو ذكري.

    zainul abedin

    في سماء غريبة
    أتأملها في الخفاء
    وأهدهدها ساهمًا في المساء
    وأغني لها أجمل الأغنيات
    بصوتي الأج الذي لا يجيد الغناء
    وأقول لها وأتمتم:
    آه.. ملاذي من القيط والزمهرير!
    أنتِ يا مركبات الشروق التي تتحرك
    بين السهول الغربية
    والسهوب السفاح التي لا يراها سونا
    والتي فرشتها أيدينا
    أنت وحدك لا تجهلين
    لماذا نخوض البحار معًا
    ونغى النجوم البعيدة
    ولماذا نحب الجبال التي لم تطلها قدم
    والأماني التي لعد لسنا نراها
    والعيون التي تتمازج فيها
    الجسارة والحب والغربة الهائلة
    ونحب البواخر هدارة في أعالي البحار
    ونحب نقاط الحدود وأحزمة الطائرات
    ثم نهبط فوق النيازك
    فتحاصرنا النار تحت التخوم القديمة
    ونقوم لنمسح أوجهنا في السنين
    التي سوف تأتي
    وتقاتل هذا الزمان القبيح
    في حشانا
    في خطانا
    ونحز براثنه القاتلة.
    يا سمائي الدخان الدخان
    صار سقفًا لنبصي ونبضك
    حائطًا خامسًا في المكان
    خيفة في الريح تفوح.

    السماوات والحب ليست هنا
    الهواء المعطر ليس هنا
    انظري
    كلما نحنح الأرض من قلبنا
    تصبح الأرض منفى لنا
    ولأشواقنا..