المدونة

  • إلى شاعرة – آنّا أوغُستينياك

    قصائدك كالهواء من أجلهن أستيقظُ صباحًا
    أرتدي ملابسي وأبدأ القراءة

    في الحال تغادرني كآبة معصورة بالشفقة

    وأشفقُ على مصير الحيواناتِ
    في بلدٍ تقول المحكمةُ إنَّ الفعلَ ضررُهُ ضئيلٌ
    إن كسرَ أحدٌ قلبَ آخرٍ دافعًا به من سيارة تجري


    البارحة رأيت صورةَ كلبٍ
    من شدةِ الجوع أكل برازه،
    نحيفٌ إلى أبعد حد
    جلدٌ وعظمٌ محبوسان عند بيت خشبٍ
    على جنزير

    وزنه كيلوغرامان
    طوقٌ محكم ببراغٍ
    نما مع الجسد في بضعة مواضع


    في العينين خمدت الرغبة في الحياة


    أخذت الشرطة الكلب رفقة الجنزير
    كانت مالكته مستعجلة إلى الكنيسة
    فحسبما يزعمون الربّ طيب
    مع أولئك الذين يؤمونها باستمرار
    وأنا كنت أود الاستلقاء على الفراش طوال اليوم
    الاستلقاء في غرفة نوم مظلمة دون أن يهزني
    أي شيء لولا قصائد الحب هذه – قصائدك سيدتي.

    آنّا أوغُستينياك Anna Augustyniak شاعرة بولندية، وصحفية ومحررة ريبورتاجات إذاعية. تنشر قصائدها وقصصها القصيرة في مجلات أدبية بولندية، ترجم عدد منها إلى الإنكليزية والإسبانية والألمانية والروسية والرومانية والصربية والتركية والأوكرانية. وصدر لها ديوانان شعريان، وكتابان في السيرة، وكتاب نثري. رشحت إلى العديد من الجوائز وحازت بعضها.

    إلى شاعرة قصيدة من ديوان “الشكر لله” ترجمة د. يوسف شحادة

  • نسمة بحرية – ستيفان مالارميه – ترجمة: أسامة أسعد

    نسمة بحرية – ستيفان مالارميه – ترجمة: أسامة أسعد

    الجسدُ حزينٌ ، للأسف! وقد قرأتُ الكتب كلّها.
    الهروب! الهروب هناك!
    يُخيَّلُ إليَّ أنّ طيورًا تسكرُ إذ تجد نفسها بين الزبد المجهول
    والسماوات!
    لا شيء ، لا الحدائق القديمة التي تعكسها العيون
    ستمسك بهذا القلب الذي ينتقعُ في البحر أيتها الليالي!
    ولا نور مصباحي المهجور
    على الورقة الفارغة التي يذود عنها البياض
    ولا المرأة الشابة إذ ترضع طفلها.
    سأرحل !
    أيها المركب البخاري إذ تؤرجح صواريك،
    ارفع المرساة نحو طبيعة غريبة!
    مللٌ، محزونٌ بالآمال القاسية ،
    ما زال يصدق وداع المناديل الأسمى!
    وربما ، أنّ هذه الصواري ، إذ تدعو العواصف
    هي من تلك التي تحنيها الرياح على حطام السفن المفقودة
    بلا صواري ، بلا صواري ، أو جزر خصيبة …
    ولكن، آه يا قلبي ، اسمع غناء البحارة!

  • مختارات من أنطولوجيا الشعر الروماني المعاصر ـ أكالـيل الـغار

    مختارات من أنطولوجيا الشعر الروماني المعاصر ـ أكالـيل الـغار

    دعي الغسقَ يسقطُ فوقي

    في حين الستارةُ ثابتةٌ على المسرحِ

    خُذْيني باليدِ واعتنِي بالزهرةِ

    التي يَجِبُ عليها ألَّا تسحقَ نداه

    على عقلِي المتأرِّقِ جداً

    دعي عيني تنامُ فقط

    في المَهدِ المربوطِ

    بنهديكِ الحارَّينِ

    مثلُ تلَّينِ خَصِبَينِ

    يَتحرَّكانِ دائماً

    ولا تقفُ حركتُهما أبداً إلا للسريرِ

    الذي أَعُودُ إليهِ بعدَ الموتِ

    (آيدي كريستي)
    ـــــــــــــ

    في البِدايةِ رَفضَ اسمَهُ

    كَانَ اسمُهُ رينير

    رُبَّمَا ديميتري

    أو لاكينتو ، إسمٌ غيرُ عاديٍّ

    بين أكثرَ وأكثرَ السكانِ تجرُّداً

    لعاَلمٍ يَحتشدُ

    للارتفاعِ للأعلى

    إلى السماءِ ..

    أَو رُبَّمَا اسمُهُ كَانَ

    عزرا

    عزرا كَانَ أيضاً اسمَ البيتِ

    الذي يَعِيشُ فيهِ

    واسمَ الشارعِ

    والبلدِ

    والقارةِ أيضاً

    أَو رُبَّمَا لا ، إسمُهُ فقط باول

    بول .. إسمُ ذلكَ الموتِ

    الذي تصعبُ رؤيتُهُ

    (رينير أدريان)
    ــــــــــــــــــــــ

    أخيراً سنحظى باستراحةٍ

    لقد قاتلنا طوالَ حياتِنا مثلَ بَعْضِ الحمقى،

    والآن نحن مُتعبون بدلاً من أنْ نَكُونَ سريعينَ

    كالأسهمِ وهي تُواجهُ الموت

    لا يومَ الأحدِ

    ولا يومَ الاثنين

    ليس هناك أيُّ سريرٍ قريبٍ
    (جالو دوريان)
    ـــــــــــــــ

    مغامراتُ كلارا :

    مكتوبٌ بحساسيةٍ في المفكرةِ ،

    الوحيدُ الذي اختبرَ تلك المغامراتِ،

    هو الوحيدُ الذي يستطيعُ أن يخفيهم.

    الكلماتُ الآتيةُ مِن المخطوطةِ المقدَّسةِ

    تتقطّرُ _ مثلَ المستنزَفينَ _ على جلدةِ الكتابِ ،

    والإفرازُ المُقَزِّزُ يَدْبغُ للمخطوطةِ

    عنواناً غيرَ مقروءٍ .


    البدءُ بالصفحةِ الأولى

    العالمُ يكفهرُّ

    الكلمةُ مثلُ بطيخٍ مشويٍّ

    تذوِّبُ مشاعرَ امرأةٍ طائشةٍ

    وتقْذفُها بالإهانات،

    لأنَّها رسمتْ روحَها

    بحبرِ الصينِ الورديِّ ..

    في النهايةِ

    المفكرةُ تَشْبهُ أكثرَ ما تُشْبِهُ لوحةَ شطرنجِ

    كلارا لها عينٌ بيضاءُ / وأخرى سوداءُ

    بينما إحداهما على مؤخَّرةِ العنقِ

    والأخرى ثابتةٌ على أعضاءِ أدولف التناسليةِ
    (لوتشيان اليكسي)
    ــــــــــــــــــــــــ
    الإنجيلُ لا يزالُ نائماً منذُ بضعِ سنين

    لباسُ القمرِ مُطَرَّزٌ بغيمتينِ منفوشتينِ

    و راقصو الباليه

    يَقْفزونَ نجوماً فوقَ كلِّ الرياحِ

    فهم ولادةٌ تَتْركُ أثرَها في هذهِ اللحظةِ بالذاتِ

    على خدِّ الليلِ
    (ماريوس كيلارو)
    ــــــــــــــ

    العامل يَبْكي : واحد يستطيع سماع البكاء

    الكتابة / الحيوانات المثالية

    بالإضافة إلى أوراق الخريفَ الصفراءَ

    تَجيءُ

    وتزيح المُؤلفَ

    العامل يَبْكي : واحد يستطيع سماع البكاء

    فقط الكتابة / الجذع الرقيق

    حتما موجود في النيرانِ / مثل نوافذ الأرضِ

    أَنْظرُ إلى ذراعي

    أَنْظرُ إلى صدرِي

    أَنْظرُ إلى سيقانِي

    أوه، لكن الحياةَ تنحشر بقسوة

    في لحمِي وعظامِي

    أوه خذني بنعومة إلى الشكل المقدس

    لعين الثلج ـ

    اقطعْ ظِلَّي في ظلامِكَ

    ليصبح قريبا من براعم السماء المنتشية

    لأضيف ذاتي إلى الطيرانِ

    الذي يُصبحُ دائماً

    مفقوداً….

    (أوريل شتيفاناتشي)

    ______________

    ترجمة الشاعر المقيم في رومانيا (منير مزيد) بالتعاون مع الشاعر والباحث الروماني ( ماريوس كيلارو)

  • مقتطفات للشاعر الروماني (فاليريو ستانكو) ترجمة: منير مزيد

    1

    ندى مقبرةٍ شاختْ تحتَ جفني

    وأبراجُ كنائسِ جسمِي تُطوِّلُ

    صوتُهُ يَبْقى في آذانِي إلى الأبدِ

    إنه الجرسُ النائمُ، والظِلُّ الذي

    بقيَ مسجوناً

    في منحدرِ السرابِ
    2

    في الليلِ ،

    ما أخشاهُ هو: السكونُ

    جرحُ الوقتِ ، الذاكرةُ ، الساعةُ الوثنيةُ

    على أيةِ حالٍ ، أتجنبُ

    الفعلَ المنزلقَ لكي لا أضحِّي بنفسي ..

    3
    الليلٌ ممزقٌ ، والفكرةُ تستنيرُ

    باللغزِ الذي يحيطُ بها ..

    ثلاثُ مِنْ أوراقِ الموتِ تهتزُّ تحتَ الجفنِ،

    تحتَ الجفنِ الذي أَحْملُ فيهِ مقبرةَ الندى ..

    تستنيرُ الفكرةُ بدونِ غطاءٍ ، لا لبَّ ، ولا حدودَ،

    لا ألمَ ، ولا عاطفة.

    الأحدُ أعمى،

    فكُلُّ الآلهةِ ماتت بداخلي

    وكذلكَ لهبُ التنازلِ الثمينِ. والعجزُ داخلَ المنفى،

    المرآةُ الباطنيةُ لنتيجةِ الكلامِ ..

    4
    أَنا ممزّقٌ بالأشياءِ العابرةِ ، بالأفاعي ، والسحرِ

    إنهُ النومُ فقط هو الذي يكسرُ العقابَ الأبديَّ

    المصدر: أنطولوجيا الشعر الروماني المعاصر.

  • مختارات للشاعر اللبناني أنطوان شحرور

    Mel McCuddin

    1-

    لأن الليل في الشتاء جديلة شَعر

    أسنان النمر صاحت في الغابات
    الداكنة موت الصخور الهادئ
    العشبة المجونة تلتف حول سفينة
    خطانا الجميلة. لكن الليل ينزل
    وروحنا تجمع المطر في جوف أشجار نخيلها الملحمية
    نفس البحر الأخير سيلفظ اسمك
    وسيكون ذلك رهيبًا لأن البق
    يسكنني كمثل حلزونة ماكرة

    سألتني أن أحدثك عن الموت.
    عندما رأيته للمرة الأخيرة كان
    قد غيّر تسريحة شعره.

    2-
    المشنوق

    المشنوق الأبيض كمثل حلاق
    كمثل طبيب أسنان كمثل طباخ
    يترجرج تحت المطر شاحبًا وعيناه مطفأتان ولسانه الداعر ممدود
    كقضيب في فوران لعاب أبيض.
    المنشنوق الأبيض يتأرجح مثل
    خشخاش على سلك العدالة
    الانسانية الأحمر.

    3-

    مثلث ودوائر

    حلمت بأني مثلث مغطى بدوائر
    هي حدقات مقلوبة وأني رحت
    أعض في لحم القزحات بعدما
    بيض أسناني فجأة ضوء
    اصطناعي

    ثم التقيتك في مجارير الأوردة وأحب
    الواحد منا الآخر على طول أزقة دم
    السياح الساخنة تلك. وفي حرارة
    الحشرات التي تتمطى وتزحف
    تحت الأشجار راحت تصدأ
    جروحنا.

    4-
    ظبيان الليل

    كل الجنيات شنقن أنفسهن على الأغصان
    في الغابات فتوهمت عنزات سوداء
    أنهن أوراق ثم تمددت شبعي تحت
    الأشجار. في كل مرة يحاول فمي
    لفظ اسمك يخرج منه سرطان
    وينزلق على طول جسمي
    ليذهب لا أعرف أين.

    5-
    مدارات

    بينما كنت أتغذى بالنجمات وأسناني
    تقع من حولي عرفت قتلة العنبر
    كانت غابة قد التهمت أعينهم

    راقص أسود يملك موهبة التآصلات
    المختلفة أخذ مظهر الليل. جعل نفسه
    عتمة ذات هدوء إلهي.
    أنتظر كل
    التحولات من هذه السكينة حيث
    الموت مطرود إلى آخر الزمان

    آنذاك سأبتعد عن الضوء وسأذهب للعيش في قاع الأرض.

    6-

    عين الزمن

    يكفي أن أنزع خصلة المياه هذه
    التي تخنقني لكي ينفتح جبينك كمثل
    دغل من نار لكي يصل النفس القطبي
    للموتى الألف الذين كانوا يحركون
    أذرعهم نحوك مودعين عندما واقفة
    عند المرفأ رأيت زوارق الصمت
    تبتعد بينما كنت تشعرين بجذور
    تنبت لك في الأرض. يكفي أن
    تطلقي سراح قلبك لكي تعيش
    أشجار النخيل وتتوقف هيجانات الأرض المحتضرة.

    7- أسكن البلور

    ما من كحول بل دموعك على الطجالب
    وبياض النهار مفروشًا على الاف
    الحشرات التي تتحرك. رغبتي تتفسخ
    عند أجمات صراخاتك. كم أكره
    الضجيج. أوقف دقات قلبي. يا لهذه السكينة

    أخفيت تحت الرخام حبة الرمل هذه
    المضاءة باسمك وجاء صوان الزمن
    وحولها خيطان حرير دقيقة

    أبديتي أريدها عبر موشور
    دمائك.

  • عزرا باوند: فنّ الاختزال من التصويريّة إلى الدوّامة – سمية الحاج

    عزرا باوند: فنّ الاختزال من التصويريّة إلى الدوّامة – سمية الحاج

    لو أمعن المرء النظر في أعمال إزرا باوند (1885-1972) لوجد أن تطور مفهوم الصورة كان عماداً أساسياً في فلسفته، فالصورة التي استخدمها باوند Image مختلفة عن التشبيه Simile أو المجاز Metaphor المستخدمين بكثرة في الشعر. ومن المعروف أن الصورة الشعرية استُخدمت أيضاً كمحسّن بديعي قبل حركة باوند التصويرية Imagism بزمن بعيد، فسواء كانت الصورة بصرية أو سمعية أو حركية أو غيرها، فهي شائعة في الأدب لحث القارئ على تخيّل الأشكال والألوان والأصوات والحركات من خلال اللغة. ومع ذلك، أحدثت الحركة التصويرية ثورةً في الشعر الغربي، حتى صار باوند يلقّب بأبي الشعر الحداثي. فما الذي أضافهُ باوند لترتقي الصورة من مُحسّن بديعي إلى مدرسة شعرية؟

    عمل باوند -أو كما أطلق عليه تي أس إليوت “الصانع الأمهر”- على تطوير مفهوم الصورة الشعرية وتأسيس حركته التصويرية متأثراً بمصادر شتى، فقد آمن بأن الشعر لا ينعزل بأي حال عن الفنون والعلوم والثقافات الأخرى. تأثر باوند بالنحت والرسم والموسيقا، وكذلك بالشعر الإغريقي القديم والرمزية الفرنسية والهايكو الياباني والرموز أو الحروف الصينية. فاستلهم مثلاً من الهايكو والشعر الإغريقي الاقتصاد في اللغة وتكثيف المعنى، وتلك من أهم المبادئ التي دعت إليها التصويرية. فَشِعر الهايكو، على سبيل المثال، يختزل المعنى بثلاثة أسطر شعرية مكثفة، إضافة إلى العنوان الذي يكون عادةً اسم أحد فصول السنة. كذلك كتبت سافو Sappho (630-570 ق.م) أشعاراً قصيرة من بينها قصيدة “حب” التي تتألف من سطرين فقط، وربما تكون هي من ألهمت باوند لكتابة قصيدته الشهيرة ذات السطرين “في محطة المترو” والتي كانت حينذاك أقصر قصيدة في الأدب الإنجليزي. وتالياً قصيدة سافو التي أرى فيها تشابهاً واضحاً وأسلوب باوند:
    لقد حرر الحب أطرافي وجعلني أرتجف،

    وحشٌ حلوُ-مريرُ يشظّي كياني.[1]
    هنا مثلاً توازي سافو الحب والوحش بسطرين دون استخدام أداة وصل بين طرفي التشبيه، وهذا أيضاً ما دعا إليه باوند لجعل الصورة الشعرية أسمى من كونها محسناً بديعياً أو تشبيهاً فحسب. فيقول في قصيدته “في محطة المترو”:

    أطياف هذه الوجوه في الزحام؛

    بَتَلاتٌ على غصنٍ رطب أسود.

    لقد لاقت هذه القصيدة الموجزة والمكثفة استحساناً كبيراُ من النقاد منذ كتابتها إلى اليوم، فلا زالت الأسئلة حول علامات الترقيم، وتساوي السطرين الشعريين اللذين يبدوان و كأنهما معادلة رياضية، والاقتصاد بالكلمات، واستخدام الأسماء دون الأفعال في القصيدة، محور اهتمام الباحثين. وكانت قصة كتابة القصيدة، والتي نشرها باوند في كتابه (مذكرات غودييه برزسكا/ Gaudier-Brzeska: A Memoir) تحت العنوان الفرعي “الدوامة Vorticism”، جزءاً من فهم القصيدة التي لم يُرد باوند أن يحجّمها بالإسهاب الذي يوجه القارئ لمعنىً واحد محدد. القصة بإيجاز أنّه حين نزل باوند من المترو في باريس، شاهد وجوهاً مختلفة، ولم يجد لغةً تصف روعة المشهد. لم يكن باوند يبحث عن كلمات بل عن معادلة أو نمط يوازي اللوحة البديعة. وعبّر باوند هنا عن رغبته في أن يكون رساماً أو أن ينقل المشهد للمتلقي عن طريق الموسيقا أو النحت، ولكنّه تعجّب: لم لا يكون للشعر وقعاً كوقع الفنون تلك! فقرر أن يصور المشهد بصورة واحدة مركّبة، وكتب في البداية قصيدةً من ثلاثين سطراً، ثمّ أخذ يحذف السطور الزائدة، حتى كان الشكل الأخير للقصيدة بعد سنة؛ قصيدة تشبه الهايكو، مؤلفة من سطرين فقط.( ص. 86-89.)[2] إنّه فن الحذف الذي أتقنه باوند والذي أجراه – كما هو معروف – أيضا على قصيدة إليوت الشهيرة “الأرض اليباب ” بحذفه عدداً من سطورها.

    قد لا تخلو مختارات شعرية في الشعر الحديث من قصيدة المترو، لإن باوند استطاع أن يختزل الكثير من مبادئ التصويرية التي شرحها في كتبه النقدية ورسائله، ومن هذه المبادئ:

    رسم الشيء كما أراه.
    الجمال.
    التحرر من التلقين المباشر.
    من المحمود تكرار ما كتبه آخرون فقط في حال تفوَّقَ الشاعرُ عليهم أو تقديم ما كتبوه بإيجاز يفوق ما يقدمه الشاعر. (ص.6)[3]
    ليس من المستهجن إذن أن نشأت جمعية إزرا باوند Ezra Pound Society [4] للاعتناء بإرثه الغزير، فهي تنظم مؤتمراً مختصاُ به كل عامين منذ عام (1978) حتى يومنا هذا، يتم فيه تكريس الأبحاث للحديث عن المزيد من منجز باوند، وفي كل مرة يأتي الباحثون بما يضيف للبحث العلمي.

    ولفهم التصويرية أكثر، أردت أيضاً في هذا المقال أن ألقي الضوء على قصيدة أخرى كتبها باوند بذات الطريقة التصويرية، ولكنها لم تأخذ حظ قصيدة المترو، وهي قصيدة “نيسان”. هذه هي القصيدة:
    راوَدتني ثلاثُ أرواحٍ
    و سَحَبتني
    حيثُ أغصانُ الزيتونِ
    تمتدُّ عاريةً على الأرض:
    أشلاءٌ شاحبةٌ تحت سديمٍ لامع.
    قد تبدو القصيدة مجرّدَ جزئيات متنافرةٍ للقارئ للوهلة الأولى. فالغموض الذي يكتنفها لا يُرضي فضول القارئ الّذي يود لو توصِله تلك السطور القليلة إلى معنىً واضح. ولكن لا عجب، فهذه هي الصورة التي أراد باوند بعبقريته الشعرية أن تختزل أسطراً عديدة من السرد والتلقين لإتاحة الخيال للقارئ.

    لأول وهلة، يبدو العنوان “نيسان” غير منسجم مع الجفاف في سطور القصيدة، فنيسان عادةً ما يلقي في النفس أملاً و حياةً، ويحفّز في الذهن صورة الحدائق اليانعة والشمس البهيّة. ولكن في القصيدة، حتى أشجار الزيتون دائمة الخضرة تبدو عاريةً ومُهملةً على الأرض، وتلك هي مفاجأة القارئ الأولى. هنا يبدو تأثر باوند جلياً بالهايكو من خلال اختيار اسم الشهر (الذي يجعلنا نستذكر فصل الربيع على الفور) عنواناً للقصيدة. وقد يكون باوند من خلال قصيدته هذه هو من ألهم تي أس إليوت لافتتاحية “الأرض اليباب” والتي بيبدأها إليوت بقوله أن “نيسان هو أقسى الشهور،” وهي صورة مخالِفة للصورة المألوفة لدى القارئ.

    نلاحظ في هذه القصيدة قلة الأفعال، فهناك ثلاثة أفعال فقط “تراودني، سحبتني ، تمتد”، لأن باوند يريد أن يخلق صورة شعرية لا أن يسرُد أحداثاً. فباوند يُعرّف الصورة، التي يعتبرها كل القصيدة لا مجرّد إضافة تجميلية عليها، أنها “تركيبة ذهنية و عاطفية معقّدة في لحظة زمنية” (ص.4)[5]، فالأرواح في السطر الثاني لا توافق شكلاً محدداً في أذهان كل القرّاء، فمنهم من يراها رمزاً لشخص أو فكرة، ومنهم من يتصوّرها أشخاصاً حقيقيين، أو غير ذلك، لذا تتعدد أوجه التحليل و لا يُفرض على القارئ تفسيراً واحداً. وهذا ما أثبته علم النفس بالفعل، فعند النظر على سبيل المثال إلى الرسومات ذات الخدع البصرية، والتي تدل على أن التباين في الحكم على الصورة هو فعل ذهني.[6]

    أما السطر الأخير الذي هو سرّ القصيدة، فهو الشق الثاني من المعادلة التي تفصلها نقطتان رأسيتان ( : ) ما قبلهما مساوٍ لما بعدهما. ويجدر القول هنا بأنه في النسخة الأولى من قصيدة “المترو” كانت النقطتان الرأسيتان تفصلان بين السطرين، ولكن باوند فيما بعد استبدل بالنقطتين الفاصلة المنقوطة، ربما ليعطي انطباعاُ بأن السطر الثاني يحمل ذات الصورة بكلمات مختلفة. وبكل الأحوال لا يفصل السطرين بنقطة أو فاصلة، لأنهما غير منفصلين عن بعضهما ولا مكملين لبعضهما، بل متساويين. وكأن باوند يقول أن الأرواح التي راودته و سحبته إلى أغصان الزيتون العارية هي صورة مساويةٌ للأشلاء الشاحبة تحت السديمٍ اللامع. ولا توجد علاقةٌ مباشرة بين الطرفين كما جرت العادة الشعرية في التشبيه مثلاً، فهي علاقة رياضية تشبه المعادلة الجبرية لا الحسابية (س=ص) كما وصفها باوند حين تحدث عن قصيدة “المترو”، وهذا يُفسّر كونها علاقةً ذهنية و عاطفية على القارئ أن يدركها في لحظة من الزمن، كما يَرِدُ في تعريف الصورة.

    وبرغم جهود باوند في تشكيل المدرسة التصويرية مع مجموعة من الشعراء، إلا أنه قد ارتأى عام 1914 وضع التصويرية جانباً والتحوّل إلى حركة الدوامة Vorticism ، وهي حركةٌ كانت قد تأسست قبل انضمام باوند لها، إذ أنها نشأت على يد الرسام والكاتب ويندهام لويس Wyndham Lewis وآخرون، وكان من روادها النحات الفرنسي الشهير أونري غودييه برزسكا Henri Gaudier-Brzeska والذي رثاه باوند في أناشيده The Cantos بعد مقتله في الحرب العالمية الأولى -وكان عمره ثلاثة و عشرين عاماً- على الطريقة التصويرية، مختزلاً المأساة بسطرين عبر فيهما باوند عن ألمه وحسرته على فقدان صديقه:

    قتلوه
    و قتلوا قدْراً كبيراً مِن فن النحت.

    وقد عزا باوند ذاك الانتقال من التصويرية إلى سوء فهم الشعراء للأخيرة، فكتابة الصورة المتميزة بالسهل الممتنع، جعل البعض يخلط بين البساطة والسطحية، وهذا ما رأى فيه باوند تقليلاً من شأن الصورة. ومع ذلك فانتقال باوند إلى الدوامة لا يعد رفضاً للتصويرية بقدر ما هو امتدادٌ لها، فالحركتان تتقاطعان مع إضافة ميزة الحركة للدوامة. وهذا ما يوضحه الناقد تيموثي ماتيرار Timothy Materer بأن شاعر الدوامة يُلصِق مجموعة من الصور تدور حول صورة رئيسية واحدة، ففي الصورة، كما في الدوامة، طاقة نمطية.[7] وهذه الفلسفة هي ما تُتَوجها ملحمة باوند الأخيرة (الأناشيد The Cantos) التي لم يكن باوند قد انتهى من كتابتها حين وافته المنية عام 1972. جسدت أناشيد باوند ما لم تكف له طاقة الدوامة أو تكثيف الصورية كالمواضيع الاقتصادية والسياسية، وبهذا كانت الأناشيد امتداداً أوسع لأفق الدوامة والتصويرية معاً، فهي تجمع بين التكثيف والطاقة في آن. وهذا ما جعل النقاد يختلفون حول اعتبار المائة وعشرين نشيداً قصيدةً واحدة أم عدة قصائد، ولكنني، وبناءً على فلسفة امتزاج التصويرية والدوامة، أصنفها كقصيدة واحدة تمتاز بالتجريبية: فهي مركبة من مجموعة صور معقّدة ومتلاصقة juxtaposed ومتنوّعة بالشكل والأسلوب.

    في ضوء ما تقدم، يمكننا إدراك استراتيجية باوند في كتابة الصورة، وما يميزها عن الصورة الفنية النمطية. فالصورة عند باوند تكعيبية، أي أنها أقرب إلى النحت الذي يفتح للرائي مدارك مختلفة كل ما نظر إلى إحدى زواياه. وهذا يعني أنه ليس من السهل على الكاتب خلق تلك “التركيبة المعقدة” التي تلتقط لحظة مناسبة وتنشئ منها قصيدة. فلا عجب إذن أن قال باوند: “من الأفضل تقديم صورة واحدة خلال عمر الشاعر، من أن يُنتج أعمالاً غزيرة.” (ص. 4).[8]

    ******

    [1] “Love has unbound my limbs and set me shaking,/ A monster bitter-sweet and my unmaking”

    (Higham, T. F. and C. M. Bowra (eds.) (1938), The Oxford Book of Greek Verse in Translation, Oxford: Clarendon Press., p:211).

    [2] Pound, Ezra. (1970), Gaudier-Brzeska: A Memoir, New York: New Directions.

    [3] Pound, Ezra. (1971), Selected Letters of Ezra Pound 1907-1941, D. D. Paige (ed.), New York: New Directions.

    [4] http://ezrapoundsociety.org/

    [5] Pound, Ezra. (1954), Literary Essays of Ezra Pound, T. S. Eliot (ed.), London: Faber and Faber.

    [6] من الأمثلة المشهورة على الخداع البصيري صورة “الأرنب والبطة” والتي أصدرتها مجلة الأرنب والبطة من اصدار مجلة “Fliegende Blätter” في العدد 23 من عام 1892

    [7] Materer, Timothy (1979), Vortex: Pound, Eliot, and Lewis, London: Cornell UP.

    [8] Pound, Ezra. (1954), Literary Essays of Ezra Pound, T. S. Eliot (ed.), London: Faber and Faber.

  • أحمد سالم: شوكة أخرى تنبت في الظل

    لا أحدَ يشعرُ بهذا الذي
    يجلسُ في الغرفة المجاورةِ ويقفز عامًا في متاهته الطويلة
    لا أحد يشعر به
    حين تتكسّر في ذراعيه العناقات ولا تُمدُّ له يد
    حينَ يسمعُ ولا يعرف الأغنية
    أو حين يحفظها جيدًا ولا يغنيها
    الجميعُ يخطو بعيدًا
    غير عابئين بالرجل الذي يكبرُ بانتباه شديد للمرايا
    وحنين مستمرٍ لما فات.

    هكذا أكبرُ في لحظاتي الصغيرة لوحدي.

    ***

    وحدها أمي
    تذهبُ لتاريخ ميلادي
    أنا الذي ولدت أول مرة
    في خيالاتها،
    وكلما غفت انتهزت الفرصة وكبرت.
    وحدها
    إذا وضعتْ على جبيني يدَها
    لمستْ ذاكرتُها القديمةُ صوتي
    ونادتها أسمائي التي اقترحتْهَا.
    وحدَها
    تعثرُ عليَّ عندما لا يتذكرني أحد
    وتنتبه للكلمات التي تراجعتُ عن قولها.
    وحدها أمي
    تعودُ من عمري.

    ***

    لا أمسَ لي
    أتذكر ُما أتذكرُه؛
    لأنني أحمله معي،
    الصورُ في أرقي،
    والأسماءُ في صمتي حين يفصلُ بين كلمتين،
    أنا بالأمسِ ظلالُ كلماتي وتنهداتي التي لا تصل أيَّ مكان.

    ـــــــــــــــــــــــــــــ

    للشاعر السعودي أحمد سالم. صدر له: الغرق باستخدام امرأة 2017 عن دار تشكيل يمكنكم الاستماع للنسخة الصوتية من هذا الإصدار عبر: الغرق باستخدام امرأة – كتاب صوتي

  • كوثر وهبي – الرجل

    كوثر وهبي – الرجل

    man-s-head-portrait-of-a-poet
    Amedeo Modigliani

    بجسدٍ نحيل وقلبٍ رخوٍ كإسفنجةٍ
    يقترفُ الحبَّ ..
    الرجلُ الوحيدُ ” بحزنِ غابةٍ ”
    الغريبُ الممتشقُ عزلتهُ كغيمةٍ عالية
    يرتشفُ خيبةً طويلةَ الأمد ..
    يرشحُ لهفةً عارمةً بطعمِ الفراق
    يزاولُ الطوافَ محموماً بفقدٍ رجيم
    يتأبَّطُ ظلَّهُ المكسور .. ولا يتعب

    بيدٍ راعشةٍ وعينين لامعتين
    يرفعُ خمارَ الصمتِ عن حزنكِ
    تجسِّينَ النبضَ المحترقَ في شغفٍ
    يداري سوءة الكلماتِ المخبوءةِ
    في رجفةِ الصوتِ وانحناءِ الرغبةِ
    الماثلةِ ” كقدرٍ محتوم ” ..
    لا سبيلَ بعد طوافهِ المضني
    لا خاتمةَ توميءُ للجرحِ بالانعتاق
    لا انهماراً أو عبوراً أو لقاء ..

    الرجلُ الغابرُ كأغنيةٍ قديمةٍ
    الغافلُ إلا عن وجهكِ المضيءِ
    كنجمةٍ بعيدة ..
    الرجلُ الحكايةُ .. الزمنُ ..
    الوجعُ المتوسِدُ قلبكِ ..
    الحبُّ الذي كان ، وما كان ..
    مهرقاً دمعَ الثواني ..
    أقفلَ على العمرِ باباً
    واستراح ..

  • عزرا باوند – مذبحة شاحبة تحت ضباب مشرق

    the-changeling
    John Ferren

    القصيدة الأولى- فتاة
    دخلت الشجرة يدي،
    صعد النسغ في ذراعيّ،
    نمت شجرة في صدري –
    ألى أسفل،
    الفروع تنبثق مني، كالأذرع.
    شجرة أنت،
    طحلب أنت،
    أنت بنفسجات يعلوها الريح.
    طفلة – سامقة جدا – أنت،
    و هذا كله في نظر العالم حماقة.
    القصيدة الثانية – أبريل
    ثلاثة أرواح أتت إليّ
    وانتحت بي
    إلى حيث أغصان الزيتون
    كانت ملقاة على الأرض:
    مذبحة شاحبة تحت ضباب مشرق.
    القصيدة الثالثة – المولود
    المولود الجديد على الارض والسماء
    لم يكن أبدا حتى الآن
    قد سأل نفسه
    أو سألنا فيما إذا كانت البقرة
    أرقى في ميزان العقل

    من الناس مثلي ومثلك،
    أو فيما إذا كانت البقرة تمتنع عن الطعام
    إلى أن تجد عملاً تقوم به.
    “المولود الجديد على الارض والسماء ،”
    كما كتب تينيسون،**
    يمضي ويمتص حلمة
    مثل رجال اليوم العظماء في بريطانيا.
    القصيدة الرابعة – قط أليف
    لَكَم يريحني أن أكون بين النساء الجميلات
    لماذا علينا أن نكذب دائما حيال مسائل كهذه؟
    أكرر :
    لَكَم يريحني أن أتحدث مع النساء الجميلات
    مع أننا لا نقول شيئاً سوى الهراء،
    مواء الهوائيات غير المرئية
    محفّز ومبهج معاً.
    القصيدة الخامسة – خلود
    نحن نُغَنّي للحب والخمول،
    لا شيء آخر يستحق التملك.
    ومع أنني زرت بلداناً كثيرة،
    لا شيء آخر يستحق أن نعيش من أجله.
    وإنني أفضّل أن تكون حبيبتي لي،
    مع أن أوراق الورد تموت حزناً،
    على أن أقوم بأعمال مجيدة في دولة المجر
    لأكون عند حسن ظن كل الرجال
    القصيدة السادسة – التواليت الجميل
    أزرق، الأزرق هو العشب حول النهر
    وأشجار الصفصاف اكتظت بها الحديقة المجاورة.
    وفي الداخل، السيدة، في عنفوان شبابها.
    بيضاء ، بيضاء الوجه، تتردد، مجتازةً الباب.
    نحيلة، تمد يداً نحيلة؛
    وكانت مومساً في الأيام الخوالي،
    وتزوجت من رجلٍ سكير،
    يخرج مخموراً هذه الأيام
    ويتركها وحيدة لأوقات طويلة.
    القصيدة السابعة – الصورة
    عينا هذه السيدة الميتة تتحدثان إليّ،
    فقد كان هنا حب، ما كان لشيء أن يطغى عليه.
    وهنا رغبة، ما كان لأحدٍ أن يقبلها قبلة الوداع.
    عينا هذه السيدة الميتة تتحدثان إليّ.
    القصيدة الثامنة – الفن عام 1910
    زرنيخ أخضر يلطخ قطعة قماش بلون البيض،
    فراولة مهروسة! هلمّوا نغذّي أعيننا.
    القصيدة التاسعة – عباءة
    انت تحتفظين بورقة وردتك
    إلى أن ينتهي موسم الورود،
    أوتحسبين ان الموت سوف يُقَبّلَك؟
    أوتحسبين أن الدار السوداء
    سوف تجد لك عاشقاً
    مثلي؟ وهل ستفتقدك الورود الجديدة؟
    فلتفضّلي عباءتي على عباءة التراب
    التي تقبع تحتها السنة الماضية،
    حريٌّ بك أن تفقدي ثقتك
    بالزمن أكثر من عيني.
    القصيدة العاشرة – تأمُّل
    عندما أتفكر في العادات الغريبة للكلاب
    أجدني مضطرا أن أستنتج
    ان الانسان حيوان متفوق
    عندما أتفكر في العادات الغريبة للإنسان
    أعترف يا صديقي، الحيرة تتملكني.

    الترجمة: نزار سرطاوي شاعر ومترجم من الاردن
    المصدر: www.al-maseera.com

  • جون بيرجر – وُلِدَ قلبي عاريًا | ترجمة: شريف بقنه

    centered-heart
    Burhan Dogancay

    وُلِد قلبي عاريًا
    كان ملفوفًا بالتَّهويداتِ.
    في وقتٍ لاحقٍ ارتدَى وحدَهُ
    ملابسَ القصيدةِ.
    مثلَ قميصٍ،
    حملتُ علَى عاتقِي
    الشِّعرَ الذي قرأت.

    لذلكَ عِشتُ لنِصْفِ قرنٍ
    حتَّى التقينا.

    مِن قميصي الذي علَى عاتقِ الكُرسيِّ
    أتعلَّم اللَّيلةَ،
    كم سنةٍ
    منَ التَّعلُّم عن ظهْرِ قلبٍ
    انتظرْتُك.

    المصدر: http://www.drbugnah.net

  • فيكتور رودريغيث نونييث – يتساقط الثلج في هافانا

    douple-self-portrait
    Ernst Ludwig Kirchner

    مدخل

    لستُ أدري أيّ مجاز سلكتُ
    غير أني وصلتُ إلى هنا
    إلى تلك البقعة الغريبة
    الخالية من المساكن والأرياف
    هذا المكان الـمُعرّى
    من كلّ شيء:
    من الحجرِ إلى الروح
    حيث يتجذّرُ العالم

    ربما تصلُ أنتَ الآخر
    متّبِعاً ذلك المجاز
    في هذه الحياة المتخمة
    بالنجاح واليقينيات
    وحده الضلال يجمعنا
    والشعر مملكةُ الخاطئين.

    ■ ■ ■
    حكاية رمزية

    يقتات الطائرُ
    بنقرِه المحكَم على الصمت
    ينقِّبُ عنه بين أكثر الوريقات تهشّماً
    وثمة ارتعاش يعتريه
    في وقوفه على الغصنِ الوحيد للمساء

    سيحلِّقُ في ما بعد
    سيكون غمامةً ناعمة
    فوق سلاسل الجبال الزرقاء
    حيث أمي وحدها
    والنجوم تزهو
    سيكون فحوى النشيد
    الرؤيةُ مشاعٌ الآن
    وما سيؤول غباراً
    حجرٌ نازف
    في وجه قوس الطلقة الداكن

    وبما شهده، سيعود الطائر ذاته
    وَلِيدَ الرماد والدّخان
    ويجثم من جديد
    كأنه في عشّ

    ■ ■ ■
    لقطة

    وعلى حين غرّةٍ، ها هو الكرسيّ الهزاز
    -وكأنه يلتقط
    كلماتِ المطر الأولى-
    قد بدأ يتهادى من تلقاء ذاته
    في الركن الأكثر ملاءمةً داخل الغرفة
    حيث يخفتُ الضوء
    وتنتشُ بعضُ الأحذية العتيقة

    مَن يوقف تهاديَه الآن
    بعد أن ترفعَ صاعقة البرق
    تنورة الجارة
    وتستثيرَ ساعةَ المنبِّه
    كي يرنّ جرسها في التاسعة وعشرين دقيقة
    من وراء ورقةٍ مزهَّرة
    لم تُنذَرْ لتغليف هدية حيث أجلس لأكتب

    ثمة يقين لديّ بأن كلَّ شيء سيدوم للأبد

    ■ ■ ■
    فنّ الشّعر؟

    ورثتُ حملقةَ حسيرِ البصر
    حاسّةَ شمِّ السنة الكبيسة
    شفتين متباعدتين أبداً
    شَعرَ جمَل
    وجسدَ رياضيٍّ
    متقاعد

    وأيضاً مزاجَ والدي العصبيّ
    قلَقَ أمي
    الشامةَ المريبةَ لدى جدتي
    والكلْيَتين المعطوبتين عند الجميع
    بل حتى نوبات الحمّى الدَّورية

    في كلِّ ما سلفَ لديّ ما يكفي من الأسباب
    لأنْ أتمسّكَ بالجمال
    بتبجيلٍ سقيم

    ■ ■ ■
    إمضاءٌ مصدَّق

    على مشارف البلطيق
    تنتظرك النوارس

    سيكون الماء عكِراً
    كأحد أحلامك الخاليةِ من الصيف
    سيكون الشطّ رائقاً
    كأنْ لا شيءَ لي

    غادرتُهم هناك
    على مشارف البلطيق

    ستُطْبِق السماءُ
    وبأصابعي يكاد المرءُ يلمسها
    ستتلاشى السفينةُ
    كأن لا شيء لك

    احفظِ الإمضاءَ المصدَّقَ في مكان آمن
    كلّ قلبٍ نبيل منظارٌ مقرِّبٌ

    ■ ■ ■
    قصيدة مع عصافير الدُّوري

    تدخلُ عصافيرُ الدوري من خلال نافذتي
    وهي تتخبّط في طيرانها
    أقدِّمُ لها الأظافرَ
    والأفكارَ المخمَّرة
    وفُتاتَ الرّهبة

    يشعشعُ زجاجُ النوافذ المزدوجُ

    تدخلُ عصافيرُ الدوري من خلال نافذتي
    وهي تتخبّط في طيرانها
    أقدّم لها النَّمَشَ
    وهذه الذاكرةَ الهائجة
    وقشورَ الكرَب

    لا تفتقد موسكو إلا
    لأوراق أشجارها

    تدخلُ عصافيرُ الدوري من خلال نافذتي
    وهي تتخبّط في طيرانها
    أقدّم لها الأسنانَ
    والموسيقى الكئيبة
    وبذورَ القلق

    من أيّ أصقاع السماءِ
    يأتي النبيذُ؟

    ■ ■ ■
    جبهة باردة

    أخيراً يتحقق حلمُ كاسال:
    يتساقط الثلج في هافانا

    وفي ساحة الثورة
    كمٌّ وفيرٌ من خشب التنّوب المتين
    غُطّيَ بالأكاليل

    استجابةً لقرار
    اللجنة المركزية
    بأن تُزهرَ أشجارُ الميلاد الصغيرة

    وأن يرشرَشَ أخضرُنا الرتيبُ
    برذاذ الماء
    كما شاء جوليان

    كلُّ حلم يتحقق:
    “تتساقط هافانا في الثلج”

    ** ترجمة: أحمد م. أحمد

  • سلوى الرابحي – القرد الليبرالي لسفيان رجب: حمى الأسئلة

    سلوى الرابحي – القرد الليبرالي لسفيان رجب: حمى الأسئلة

    من شارع بورقيبة و الشوارع المتفرعة عنه، من بارات العاصمة ومقاهيها من “قاري بلدي” و”لونيفار”، من نزل شعبية قذرة، من الحفصية والمدينة العربي، من شرفة الفلاش باك تطل على قرية بالجنوب، من الحديقة الخلفية لقرطاح وحديقة البلفيدير ، أطل علينا عبد الله مثقلا بالأسئلة، أسئلة عن رغبات الجسد ورغبات الفكر، أسئلة عن أصل الإنسان ومٱله، عن وضعية المثقف مشردا بالعاصمة ينظف ما يخلفة السكارى في المباول والأحواض، عن الانسان في توقه إلى الحرية، من أكثر حرية مبدع تعوزه المادة في مدينة كبرى أبوابها تكاد تكون مغلقة أم قرد يضحك في قفصه يتأمل العالم ويهزأ من الحظارة وقذارتها؟ من أكثر عهرا، عاهرة الجسد تهديه النبيذ والأكل والمأوى أم من يبيع ما أغلى من دمه” شرفه مثلا، مقابل أربع قوارير بيرة، وثمة من يبيع أمه، وثمة من يبيع وطنه بأبخس من ذلك بكثير”
    من أكثر استحقاقا للوجود، انسان يخرب العالم بالعنف والقتل والكذب والخيانة أم قرد ” لم يخن جوهره”.
    عبد الله في طريقه إلى القردية المرغوبة، رأى أمثاله من البشر يختارون التحول إلى حيوانات ” فكل الحيوانات … اعترفت حيوانا حيوانا أنها كانت بشرا وتنكرت في أزياء حيوانات لتهرب بجلودها من عالم البغاء والبراز”.
    من فرج عاهرة كان يتفرج على العالم، ” فالفرجة هي فرج بتاء مربوطة… الفرجة هي زناء العين: تتلذذ الضوء والمشاهد”
    جعلنا هذا الكتاب نتفرج على شخصيات الكاتب ونتفاعل معها، وجعلنا فرجة أيضا لأننا بشر يتأملنا قرد ويفضح عيوبنا.
    كتاب يفضح الواقع بلغة رمزية أقرب إلى المجاز وتصعد إلى حد كبير من الشعرية أحيانا لكنها أحيانا تنزلنا إلى العالم السفلي ما يسميه الكاتب ب” تحت الحزام” فينقل لنا لغة البارات والمواخير ونساء ٱخر الليل، لغة تنقل لنا أيضا بعض أشعار العامية المليئة بالحكمة مثال ذلك:
    ” مسكين الخامج لا نجم يسير، ولا نجم يقرى المسارب…
    يطيش في روحو في البير ومخلي كنزو بين العقارب”
    كتاب يروي قصصا داخل القصة فتتداخل القصص وتفرز قصة أخرى، قصة تنشئها أنت أيها القارئ.
    كاتب يعيش دور القرد متسائلا: ” هل أنا انسان يحلم أنه قرد، أم أنني قرد يحلم أنني انسان”
    كائن يشتهي الفرار من المدينة المزدحمة إلى الغابة بغريزتها، قرد يكتب الحكاية على قشرة موز، انسان يذهب طوعا إلى قفص القرد ويأخذ مكان أبي خلف، ذاك الذي كان مستمعا حقيقيا لحكاياه.
    في زحمة المدينة والخيانات، هناك من يشبهه، الأستاذ زاهي، مقبـّل كؤوس النبيذ.
    وحده الأستاذ كان يراه طبيعيا ويتفهم جنون المبدع وحالاته،
    فمن هو الطبيعي أيها القارئ- الإنسان المنشغل باليومي، بالأكل والشرب والتبرز؟ أم الطارح للأسئلة الذي ينتهي به المطاف إلى مستشفى الرازي، هناك يقول زاهي: لا أجد داع لاعتقاله في مستشفى الرازي… مذكرا القارئ بالشاعر منور صمادح الذي توفي هناك.بعد قراءة هذا الكتاب سأختار أن أكون ظبية شاردة في المعنى. فأي الحيوانات ستلبس جلدها أيها القارئ؟

  • محمد الهادى الجزيري – نقد لديوان ” استعارات جسدية ” لنمر سعدي

    محمد الهادى الجزيري – نقد لديوان ” استعارات جسدية ” لنمر سعدي

    حين ” خربشت ” قصيدتي الأولى اعترفت بأني شاعر أحد، ولمّا بلغت السادسة عشرة من عمري كان أندادي في الشعر المتنبي وأبو نواس وعنترة ربّما، ويوم بدأت أكتب القصيدة صار لي رفاق كالمنصف الوهايبي وأبي القاسم الشابي ..، وحين سافرت في الأرض وأكلت عديد الثمار الشعرية أصبح لي إخوة شعراء كحسين القاصد وعبد الله العريمي وفاطمة بن فضيلة..، وفي كلّ مرّة أفتح الباب جهارا لشاعر فحل وصار لي أصدقاء مبدعون بعدد لا يُحصى ..وتنازلت عن اعتقادي الراسخ بأنني شاعر أحد، بل أنتمي لمجموعة كبيرة من النفوس العظيمة ..ورضيت بما قدّر الله لي ..ولكن ماذا أفعل بهذا السيل الهادر الذي يبدأ اسمه ب : نمر سعدي …، وأنا على مشارف الستّين ..سأقول الحقيقة كما هي : إنّه الاستثناء والامتياز ..إنه حرارة الروح وهشاشة الجسد ..إنه الإنسان الشاعر…

    بداية أشكر أنوار سرحان لربطي به بعد انفصال دام بعض الوقت ..، نظرا لسقوطي في فراش المرض وصبري الطويل على وعكتي الصحيّة ..التي بدأت أشفى منها ، وكنت قد نسيته تماما وكان أن اقترحت أنوار مجموعته الشعرية ” استعارات جسديّة ” فأصيبت ذاكرتي برجّة كبرى …هذا الرجل أعرفه ..وكان أن عدت إلى مراسلاتنا الثنائية فتذكرت أنه الشاعر الفذّ الذي انمحى اسمه من ذاكرتي ..فعدت إلى محاورته داخل النص وخارجه..

    في قصيدته النثرية الطويلة نسبيا التي افتتح بها مجموعته ” ثعلب ينام في حدائق السرياليين” والمقسمة إلى أجزاء نراه يتنقّل من اليوتوب إلى فيروز إلى ظلّ الحبيبة إلى ” الشعراء أنبياء كذبة ” وإلى الحرّية التي نهفو إليها جميعا …، دون أن ينسى القصيدة ومدحها كما يجب ..يقول عنها :

    ” الشيء الوحيد الذي تفعله عندما تأتي هو أن تمدّ يدها النحيلة مثل عود ثقاب، وبدهشة طفل غجريّ تشعل وردة دمي المطفأة “

    يكتب القصيدة الموزونة كما يكتب النثر..، يجرّ التفعيلة جرّا ويسحب خلفها جملة طويلة تتلوها أخرى ..دون اختيار أو تمييز أو ما شابه ذلك..، من لا يعرف الوزن يحسبه ناثرا جيّدا ..وهو لا أحد سوى نمر سعدي يقترف قصيدته بجنون وجموح وجمال..، أنصتوا إليه في قصيدة ” في اللوحة امرأتان ” كيف يتودّد لمن يحبّها ويعدّد ما ضيّع من حياته :

    ” قلت لها: اتبعيني مثل ذئب ضلّ ، أو كسهام نار في الفلاة، فإنّ هذا العام ضاع سدى ولم أغسل بلمعة شعرك العينين ؟ “

    أحيانا يشدّنا سطر شعريّ ..أو تعبير مغاير للسائد فتضمّه إلى مقتطفاتك دون أي تفسير أو أيّ تبرير..، وتقول للآخر المتابع لنصّك : هذا القول هزّني ..فيطرب مثلك أو يدعك لنفسك ولأهوائك وهواجسك ..، هذا ما يقع لي وأنا أقرأ هذا المقطع في قصيدة بعنوان ” كم مرّة ستُحبّ ؟ ” ..ليتني كتبته قبلك يا نمر سعدي لأرتاح وأريح …:

    ” لم تكن أعمى لتذكر أو لتنسى، لم تكن أعمى ولكن كنت وحدك كالغريب، وكنت وحدك كانسحاب يديك من جسد الحبيب…”

    في نصّ محكم وجميل عنوانه ” ماذا تريد من الحياة ؟ ” يجيب عن السؤال الخطير الذي يلقيه الشاعر على نفسه وهو سؤال الجدوى من كلّ هذا الطواف ببيت القصيدة وصنم الحياة..يجيب بصفة عفوية ويقول ” لا أدري ” ..” ولكني أحاول أن أكون وأن أغنّي “….

    ” ماذا تريدُ من الحياةِ أو القصيدةِ؟ قالَ لي أحدٌ، أجبتُ بلستُ أدري، ربَّما ما كانَ يبغي الآخرونَ، العاملُ البلديُّ والشرطيُّ، مأمورُ الجماركِ، نادلُ البارِ الوحيدُ وبائعُ الذُرةِ الشريدُ، وربَّما لا شيءَ، لا أدري، الحياةُ متاهتي الكبرى، القصيدةُ ليلُ هاويتي، ولكني أحاولُ أن أكونَ وأن أُغنِّي، أن أُحدِّقَ في فراغِ الكأسِ أحياناً، وأن أتوسَّلَ النسيانَ، لستُ أرى طريقاً لا تقودُ إلى القصيدةِ أو إليَّ…”

    من الصعب تلخيص شاعر في حجم نمر سعدي في مقالة أو حتّى دراسة نقدية شاملة تحاور كلّ ما كتبه هذا المتمكن المنفلت في الآن نفسه ..، لقد وقعت في الفخّ يوم أردت ولوج عالمه الشعري ..فإنّه غزير الإنتاج وله مخزون ثريّ من الموضوعات المختلفة وهو مقترف لكلّ أشكال الكتابة الشعرية ..خلاصة القول : فلسطين أنجبت مرّة أخرى..أنجبت… شاعرا.

  • أحمد مظهر غالى – حاملات صدر

    أحمد مظهر غالى – حاملات صدر

    Dean Cornwell

    حاملات صدر
    شفافة وبمبية اللون
    وأخرى
    تُشبه جلد النمر والفهود
    وأخرى
    بيضاء منقطة ذات وردة
    حمراء في المنتصف ،
    بودي كارينا
    أسود اللون وآخر
    أخضر
    لون إشارة المرور
    مُجَّسَّم على الجسد
    بدقة
    وجوارِّب شفافة
    مختلفة الألوان
    من قدميها حتى
    الوصول فوق الخصر
    بمسافة بسيطة ،
    وأشياء أخرى لتُداري
    ما فوق الخصر
    منها ما هو أرفع من
    سُمك خيط إبرة ،
    كل ما سبق
    كان هو إجمالي ما جلبتُه
    من دكاكين المول
    الكبير
    بعد إستشارة رفيقُها
    الدائم المُستديم
    أسرعت إلى إحدى حمامات
    المول الكبير
    وأرتدت له
    المفاجأت
    لأول مرة يُصبح لهذه الأشياء
    كلام ولغة وحديث
    وروح ومعنى ..!

  • السعيد عبد الغنى – مختارات من ديوان ” الحمد للجنون “

    السعيد عبد الغنى – مختارات من ديوان ” الحمد للجنون “

    القمر لديه قرحة في صدره
    لأنه يظل حبيسًا لرزق الفراغ
    ولكني أداويه بضريح الحظ
    وأقتاد سفر التخوم.
    ***
    لماذا نموت ونحن نعانق الحياة؟
    لأن جرحًا يمتد فى جرس روحنا.
    ***
    رميت قلبي بحبك كالرماح
    ونعمت بحزنك وبليلك الملاح
    وسافرت من قبل فى أرواح
    ولكن لم يبزغ بي الصباح
    إلا عندما عرفت روحك.
    ***
    أسكرُ بأشياءٍ غير النبيذ
    فمثلا أسكر بالورق الذى يصيبه الكرى
    وبغصون اليأس وبدمع الورى
    قد أطلت نحيبي وأخذت ثأر الخجل
    فأنا أخجل من عورة الصباح
    ومن أعطاف الأقاح
    أريد أن أتم صدعي
    وأترجم سقم السراب
    وألجم حتف اليباب
    لكى لا يشرح زاد مدامعي.
    ***
    شذبت أظافر السلو الخائن
    وطعمت بندى الجفون
    وسكرت بحدق العيون
    وناديت بى شهوة الحرمان
    لكى أسوغ شرار النار.
    ***
    لماذا تكدح الفراشات أكثر من القصائد؟
    لأن السماء ترجم الكلمة بحجارة الإستقرار النفسي.
    ***
    المحراث الذى شققت به عين الدخان والضباب
    هو الذى قال لي أن الغيوم خالية من المعنى.
    ***
    أنام على سرير السرمد
    لكي أصارع الكون الفاني
    وأحلم بالعدم الأنيق.
    ***
    لماذا نجوع إلى مهرة التناغم والحلول ؟
    لأنها تكتهن الموسيقى الدفينة.
    ***
    عضّوا الحياة من نهدها
    لكى تجرجر الموت من قفاه
    وتصلبه على خشبة الشغف
    آه ، لو نجحت الحياة فى قتل الموت
    سيزهر الفراغ ونأتي بالموتى ثانية إلى عيني.
    ***
    يتلفت المصير دائمًا إلى الوراء
    ويبحث عن مخرج من نصال القدر
    ولكنه يسقط مغشيًا عليه
    لأن لديه أنيميا الصدفة .
    ***
    تحرسني حصيرة الحرية الواسعة
    من الإحساس ببرودة السجن
    ولكنها تاهت مع نقل أثاث الكون
    إلى كون آخر تحت التأسيس.
    ***
    لماذا نهجر السماء المتغضنة؟
    لأنها تدخل فى غمد الدم
    ***
    لماذا المتاهة جميلة بهذا الرعب
    ولا تتسع لها سكاكين الحضور والوعي
    لا أعي أي شىء
    سوى أني أتألم بشدة .
    ***
    ***
    من يفر من الجوهر الذى يطغى على اللامرئي بنا
    من يسدد قدمه الطاغية فى بحر الوجود
    أخاف جدًا ولا أحتمل رذاذ العدم
    الذى يلمسني وأنا مقفى .
    ***
    أضرب أسوار العراء حول كلماتي
    حتى تنظف نهودها من النهر
    قبل أن يقرأها أحد .
    ***
    الصباح يشبه الأناناس الطازج
    الليل يشبه غليون الفن
    الظهيرة تشبه الروح الدافئة للحلم
    ولكنى أشبه حصير الزمهرير .
    ***
    سوف ألاحق سلعة الخلود
    الذى يبيعها أي شاعر
    وسأشتريها لألاقى ذاتي.
    ***
    أضرب على قفا دموعي بقصائدي
    لكى أتخلص من شهيق الجحيم
    ولكني أفتح السماء من باب إحساني إلى الوجد .
    ***
    أدلل القصيدة بكتابتها على جسدي
    وعلى شرفات الروح البالية
    وعلى فضاء الندم الواسع
    وعلى بر الأسطورة التى تتفكر
    فى المكان التى تنبت منه .
    ***
    البهلوان الذى يتأرجح كدخان السيجارة
    هو الذى أخبرني أن السماء تلعب
    عندما تزور القلب فى المساء
    لتقتات عطر التسبيح بالإله الولهان
    الذى يسطو حول تنورته
    لكى يجد زرقة مطواعه تفتر الله .
    ***
    يغمى علي عندما أفكر فى الحياة
    وأتقيأ كل ما في جوفي
    لأنها تطهو الجيفة والذاكرة.

  • مايكوفسكي – أيها القلب المجنون لا تدق عالياً ترجمة رفعت سلام

    الحجرة فصل من جحيم “كروشونيك”.

    والهواء

    تأكله دخان السجاير.

    ليلى الحبيبة!

    بدلًا من رسالة

    أتذكرين –

    وأنا أربت، محترقًا، على ذراعيك

    بحب مجنون،

    للمرة الأولى،

    عند النافذة؟

    تجلسين الآن هناك

    والقلب في الدروع،

    وربما،

    ذات يوم،

    سوف أطرد إلى الخارج،

    إلى القاعة الغائمة:

    فلنرتد ثيابنا: كن أكثر هدوءًا

    أيها القلب المجنون، لا تدق عاليًا هكذا!

    ولسوف أندفع، عاصفًا،

    أطلق جسدي إلى الشارع

    وقد أدماني اليأس من القدم حتى الجبين

    لا تفعلي

    لا تفعلي ذلك

    حبيبتي

    فاتنتي!

    فالأفضل أن تقولي وداعًا الآن، فورًا.

    وعلى أية حال،

    فحبي عبء مشلول

    عن أن يتعلق بك

    حيثما تهربين.

    دعيني أبكي

    مرارة تعاستي،

    في زفرة أخيرة.

    يمكن للثور المنهك بعد يوم من العناء

    أن يقتحم المياه

    أن يبترد ويستريح

    أما أنا

    فلا بحر لي سوى حبك،

    وإلى الآن

    فهو لا يمنحني الراحة من هذه الدموع المنسابة.

    ولو أن فيلًا متعبا يريد بعض الهدوء

    فلسوف يتمشى، في وقار

    على الرمال التي أحرقتها الشمس

    وأنا لدي

    حبك وحده

    بديل عن الشمس والبلسم

    لكنني لا أستطيع أن أخمن من الذي سيربت على يدك.

    ولو أن شاعرًا تعذب إلى هذا الحد.

    لأمكنه أن يبادل حبه بالمال والشهرة

    وبالنسبة لي

    فالعالم لا يحمل لي أية بهجة أخرى

    أكثر من رنين وتألق اسمك الحبيب.

    ما من حبل مشنقة

    ولا نهر متواثب

    ولا رصاصة أو سم سيقلتني

    ما من قوة تفوقني

    غير نظرتك

    التي لها شفرة سكين.

    وغدًا سوف تنسين

    أن من توجك كان أنا

    أنا

    من أذبل روحًا مزهرة.

    وسوف تدوم صفحات كتبي

    حواليك

    في دوامة احتفال وجود عقيم

    فهل تستطيع كلماتي

    وهي ليست سوى أوراق جافة

    أن تستبقيك

    مع قلب خافق:

    آه،

    دعي بقايا حبي

    تحنو على موطئ أقدامك إذترحلين!

  • نيكوس كازنتزاكيس – مقتطفات من رواية زوربا

    إنني جالسٌ في الكوخ.أنظر إلى ‏السَّماءتتكدَّر، وإلى البحر يتألَّق ببريقٍ رماديٍّ أخضر.
    ومن طرف السَّاحل إلى طرفه الآخر، ليس ثمَّة إنسان، ليس ثمَّة شراع، ليس ثمَّة ‏طير.

    رائحةُ الأرض وحدها تدخل من النَّافذة المفتوحة.ونهضت، ومددت يدي إلى المطر كأنني متسوِّل.وفجأة، رغبت في البكاء.
    كان ثمَّة ‏حزن، ليس من أجلي، ليس لي، أعمق، وأظلم، يتصاعد من الأرض النديَّة.
    إنه كالرُّعب الذي يتملَّك الحيوان الذي يرعى، بلا مبالاة، ثم يشمّ ‏حوله فجأةً، في الفضاء، دون أن يرى شيئاً، أنه مُحاصَر، لا يستطيع أن يُفلت.
    وكدت أُطلق صرخةً، مدركاً أن ذلك سيعيد الهدوء إلى نفسي ‏لكنني خجلت.
    وكانت السَّماء تنخفض أكثرَ فأكثر.ونظرت من النافذة: كان قلبي يرتعد بهدوءٍ.إنها للذيذةٌ، وحزينةٌ جداً، تلك السَّاعات ‏من المطر النَّاعم، تعيد إلى الذِّهن جميع الذِّكريات المُرَّة، المدفونة في القلب: فراقُ الأصدقاء، ابتساماتُ نساء قد انطفأت، آمالٌ قد فُقدت ‏أجنحتها كفراشاتٍ لم يبقَ منها إلا الدُّود.
    ولقد وقف هذا الدُّود فوق أوراقِ قلبي وراح يقرُضها.ورويداً رويداً، عبرالمطر والأرض ‏النَّديَّة، صعدَت من جديد ذكرى صديقي، المنفيّ هناك، في القوقاز.
    وأخذتُ ريشتي، وانحنيت على ورقي، وأخذت أحدِّثه، لأمزِّق شبكة ‏المطر وأتنفَّس.
    ((أيها العزيز جداً، أكتب إليك من شاطيءٍ منعزلٍ في كريت، حيث اتَّفقنا، أنا والقدر، أن أبقى عدة شهور لأمثِّل، أمثِّل دور ‏الرأسماليِّ، مالك منجم للينيت، رجلَ أعمال.
    وإذا نجح تمثيلي، فسأقول آنذاك إنه لم يكن تمثيلاً، بل إنني اتخذت قراراً كبيراً، قراراً بأن أغيِّر ‏حياتي.
    ((أنت تذكر أنك دعوتني، وأنت مغادرٌ، ((بالفأر قارض الورق))فأثرتَ غضبي، وقررتُ آنذاك، أن أهجرَ القِرطاس لفترة من ‏الزَّمن-أو دوماً؟-وألقي بنفسي في العمل.
    فاستأجرتُ تلاً صغيراً يحتوي على الِّلينيت، وتعاقدت مع عمَّال، واشتريت ‏معاولَ، وأرفاشاً، ومصابيح الإستيلين، وسلالاً، وعربات، وحفرت أنفاقاً ودفنت نفسي فيها.
    هكذا، كي أثير غَضبك.وتحوَّلت، بسبب الحفر ‏وشقّ الدَّهاليز في الأرض، من فأرٍ قارض للورق إلى خُلد.
    فأرجو أن تُسَّر لهذا التحوُّل .
    ((إن أفراحي هنا كبيرة لأنها في غاية ‏البساطة، مصنوعة من عناصر خالدة: هواء صافٍ،شمسٌ، وبحر، وخبزُ حنطة.وعند المساء، يُحدِّثني، وهو جالسٌ أمامي، سندبادٌ بحريٌ ‏رائع، يتحدَّث ويتَّسع العالم كلَّما تحدَّث.وأحياناً، عندما لا تَسدُّ الكلمة حاجته، ينتصبُ قافزاً ويرقص.وعندما لا يكفيه الرَّقص نفسه، يضع ‏السانتوري على ركبتيه ويبدأ بالعزف.
    ((أحيانا، يعزف لحناً وحشياً، فتحسّ بأنك تختنق لأنك تفهم فجأة أن الحياة تافهة وبائسة، غير لائقة ‏بالإنسان وأحياناً يعزف لحناً مؤلماً فتحس بأن الحياة تمرُّ وتنساب كما ينساب الرَّمل من بين الأصابع وبأن الطُّمأنينة لا وجود ‏لها.
    ((ويذهب قلبي ويجيء، من طرف صدري إلى طرفه الآخر كمكّوك حائكْ إنه يُحيك هذه الأشهر القلائل التي سأمضيها في كريت ‏وإنني أعتقد-ليسامحني الله!-إنني سعيدْ.
    ((يقول كونفوشيوس: ((كثيرون يبحثون عن السَّعادة فيما هو أعلى من الإنسان، وآخرون فيما ‏هو أوطأ منه.لكن السَّعادة بطول قامة الإنسان)).
    هذا صحيح.إذن فهناك عددٌ من السَّعادات بصدد ما للإنسان من قامات.تلك هي يا ‏تلميذي ومعلِّمي العزيز، سعادتي اليوم،إنني لأقيسها، وأعيدُ قياسَها، قلقاً لأعرف ماطول قامتي الآن.لأن قامة الإنسان، كما تعلم، ليست ‏دائماً واحدة.
    ((إن البشر يبدون لي، هنا، أنا أنظر إليهم من عزلتي، لا كالنَّمل .لكن على النَّقيض من ذلك، كوحوشٍ هائلة، من نوع ‏الزَّواحف السَّامة الضَّخمة الطَّائرة المتحجِّرة، تعيش في جوٍ مشبعٍ بحامضِ الفحم وبعفونة المستحاثَّات الكثيفة.غابٌ غير ‏مفهوم، عبثيٌ، مُعول.
    إن مفاهيم ((الوطن))و((العِرْق))التي تحبها، ومفاهيم((الوطن الأعلى))و ((الإنسانية))التي جذبتني، لها قيمةُ نفحةِ الهدْم ‏الفائقة القوة.إننا نحسُّ أننا صعدنا من جديد لنقول بضعة مقاطع، وأحيانا حتى ليس مقاطع، بل مجرد أصوات لا تلفظ مثل((آ))و ‏‏((او))!-ومن ثم نتحطَّم.
    وأسمى الأفكار، لو بُقرت بطونها، لتبينَّا أنها، هي أيضا دمىً محشوَّة بالنِّخالة، ثم نجد نابضاً من التَّنك مخفياً في ‏النِّخالة. ((أنت تعرف جيداً أن هذه التأمُّلات القاسية، وهي بعيدة عن أن تجعلني استسلم، إنما هي على النَّقيض من ذلك، أعواد ثقاب لا ‏بد منها لشعلتي الداخلية.
    لأنني،وكما يقول معلمي بوذا، قد((رأيت)).بما أنني رأيت واتفقت بغمزةِ عينٍ مع المخرج المسرحيِّ ‏اللامرئيِّ، فإنني أستطيع من الآن فصاعداً، وكلي مزاجٌ رائقٌ ورغبةٌ في أن أفعل مالا داعي له، أن أمثِّل دوري على الأرض حتى ‏النِّهاية، أعني بانسجامٍ وبدون أن تُثبط عزيمتي.
    ذلك بما أنني رأيت، فقد اشتركت، أنا أيضاً، في العمل الذي أمثِّله على مسرح الله.
    ((وهكذا‏، أراك، وأنا أنقِّل نظري في المسرح الكونيِّ، هناك في مغاور القوقاز الأسطورية، تمثِّل أنت أيضاً، دورك، إذ تجهد نفسك لإنقاذ بضعة آلاف ‏من أرواح عرْقِنا الذي يواجه خطر الموت.
    إنك بروميثيوس آخر، لكنه يتحمَّل عذابات حقيقية وهو يناضل ضد قوى الظَّلام : ‏الجوع،والبرد،والمرض،والموت.
    لكنك تُسَّر أحياناً، لما فيك من كبرياء، من أن قوى الظَّلام كثيرة إلى هذا الحدّ وغير مرئيَّة، وهكذا يصبح ‏هدفك في أن تكون بلا أمل تقريباً، أكثر بطولة، وتدرك روحك عظمةً أشدَّ فجيعة.
    ((إن هذه الحياة التي تعيشها تعتبرها، بلا ‏شك، سعادة.ولمَّا كنت تعتبرها هكذا، فهي كذلك.لقد فصَّلت، أنت أيضا، سعادتَك على قدِّك، وقدُّك الآن –ليتمجد الرب!-يتجاوز ‏قدِّي.
    والمعلِّم الصَّالح لا يريد مكافأةً أروع من هذه : أن ينشيء تلميذاً يتجاوزه.
    ((أما أنا، فأنسى غالباً، وأنتقد، وأتيه، وما إيماني إلا ‏فسيفساء من الجحود المستمِّر، وقد اشتهي أحياناً أن اقوم بمقايضة: أن آخذ دقيقة صغيرة وأعطي حياتي كاملة.لكنك، أنك تمسك بالدَّفة ‏بحزم، ولا تنسى إلى أين أنت متَّجه، حتى في أعذب الَّلحظات المميتة.
    ((أتذكُر ذلك اليوم الذي كنَّا نعبر فيه معاً إلى إيطاليا، ونحن عائدان ‏إلى اليونان؟لقد عزمنا على الذهاب إلى منطقة((بونت)) التي كانت في خطر آنذاك، أتذكر ذلك؟ وفي مدينة صغيرة، نزلنا من القطار ‏بسرعة، إذ لم يكن أمامنا إلا ساعةً واحدةً قبل وصول القطار الآخر.
    ودخلنا إلى بستانٍ كبيرٍ كثيف، قرب المحطَّة مملوء بالأشجار ذات ‏الأوراق العريضة، وبأشجار الموز، وبقصب لونه معدنيٌّ قاتم، وبنحلات كانت متشبثة بغصن مزهر يرتجف، لأنه يراهاتمتصّ.
    ( (وتقدَّمنا ‏بصمتٍ وقد أخَذتْنا النَّشوة، وكأنَّنا في حُلم.وفجأة، عند منعطف الدَّرب المُزهر، ظهرت فتاتان تمشيان وهما تقرآن، لا أذكر إن كانتا-‏جميلتين أو قبيحتين.
    أذكر فقط أن إحداهما كانت شقراء، والأخرى سمراء، وإنهما كانت ترتديان ثوبين ربيعيين.
    ((وبجرأة الإنسان عندما ‏يكون حالماً، اقتربنا منهما وقلت لهما ضاحكاً:
    ((مهما كان الكتاب الذي تقرآنه،فسوف نتناقش حوله)).
    كانتا تقرآن غوركي.وعند ‏ذاك، تقدمنا بسرعة لأننا كنا مستعجلين، وأخذنا نتحدث عن الحياة، والبؤس، وتمرُّد الرُّوح، والحب…
    ((لن أنسى أبداً فرحنا وألمنا.كنا قد ‏أصبحنا، نحن وتانك الفتاتان المجهولتان، أصدقاء قدماء،أحبَّاء قدماء.كنا على عجلةٍ من أمرنا، وقد أصبحنا مسؤولين عن روحيهما ‏وجسديهما:
    فبعد دقائق سنغادرهما للأبد.وفي الهواء المرتجف، كانت رائحة الإغتصاب والموت.
    ((وصل القطار وصفَّر.وقفزنا كأننا ‏استيقظنا.وتصافحنا.كيف ننسى تعانق أيدينا الشديد واليائس، والأصابع العشر التي لا تريد أن تنفصل.كانت إحدى الفتاتين شاحبة ‏جداً، والأخرى تضحك وترتعد.
    (( وأذكر أنني قلت لك عندئذٍ:
    ((هي ذي الحقيقة.أما اليونان، والوطن، والواجب، فهي كلمات لا تعني ‏شيئاً.
    وأجبتني أنت: ((اليونان، والوطن، والواجب، هذا لا يعني شيئاًبالفعل، لكننا من أجل هذا اللاشيء سنذهب عن طواعية ‏لنموت)).
    ((لكن لماذا أكتب لك هذا؟لأقول لك أنني لم أنس شيئاً مما عشناه معاً.ولأتيح لنفسي أيضاً فرصة كي أعبر عما كان مستحيلا ‏علي التَّعبير عنه عندما كنَّا معاً، بسبب تلك العادة الحسنة أو السَّيئة التي كنا نتقيَّد بها والتي كانت تُلزمنا بتمالك أنفسنا.
    ((والآن وأنت ‏لست أمامي ولا ترى وجهي، وأنا لا أُخاطر بأن أبدو سخيفاً، فإني أقول لك إنني أحبُّك كثيراً)).
    وختمتُ رسالتي .لقد تحدَّثت مع ‏صديقي وعاد الهدوءُ إلى أعصابي.

  • ألبير كامو – مقتطفات من رواية الغريب

    ألبير كامو – مقتطفات من رواية الغريب

    ” بينَ الحصيرةِ التي أنامُ عليها وظهر السّرير ، كنتُ قد حصلتُ على قطعةٍ رقيقةٍ صفراءَ اللون من ورق الصحُف ، وكانَ مكتوبٌ عليها قصّة حادثة ضاعت بدايتها ، و لكنّها قد حدثت في تشيكو سلوفاكيا . و فحواها أنّ رجلاً كانَ قد غادر قريته بحثاً عن الثروة ، وبعدَ خمسةٍ وعشرين عاماً عادَ الى قريته بالثروة وبزوجةٍ وأطفال ، وكانت أمّه تُدير – برفقةِ أخته – فندقاً صغيراً في تلك القرية .
    فأرادَ الرّجل أن يدبّر لهما مُفاجأة ، فتركَ زوجته وولده في مكانٍ آخر ، وذهبَ الى أمّه ولم تتعرّف عليه عند دخوله عليها ، وكذلك لم تتعرّف عليهِ أخته ؛ ولذا فقد راودته فكرة مداعبتهما ، فاستأجرَ أحدى الغرف،وكانَ قبلَ ذلك قد أراهُم ثروته ، وفي الليل قامت الأمّ والأختُ بقتل الرجل و سرقة ثروته ، ثمّ ألقتا بجثته في ماء النّهر ، وفي الصّباح أقبلت الزوجة دونَ أن تعلم بما حدَثَ ، كشفت النقاب عن الدعابة وعن شخصيّة زوجها ، وعند ذلك شنقت الأمُ نفسها وانتحرت الأختُ داخل إحدى الأبار . ولقد قرأتُ تلكَ الحادثة آلاف المرّات ؛ لأنّها كانت مسلّية من ناحية و من ناحيةٍ أخرى كانت حقيقية .و لقد كُنت أعتقد – على كلِّ حال – أن الرّجل قد استحقّ – إلى حدٍّ ما – ذلك الذي أصابه ؛ لأنني أعتقدُ أنّه يجبُ عدم خلط الجدّ بالهزل على الإطلاق .”
    ” كنتُ مجهداً ، فألقيتُ بجسدي فوق مضجعي ، و أعتقدُ أنني غفوت ؛ لأنّني عندما استيقظت كانت هُناك نجومٌ فوقَ وجهي ، و كانت ضوضاء الريف تتصاعدُ من الخارج لتصل اليّ ، وروائح الليل و الأرض والملح تنعُشُ رأسي . كان السلامُ الرّائع لذلك الصيف الهادئ يتخلّلني . في تلك اللحظة على حدود الليل انطلقت بعضُ الصفّارات . إيذاناً بالرحيل الى عالم لم يعُد يهُمّني الآن في شيء . و للمرة الأولى منذُ وقتٍ طويل تذكّرتُ أمّي ، وبدا لي أنّني فهمتُ لماذا اتخذت لنفسها ” صديقاً ” في نهايةِ حياتها . لماذا كانت تُريدُ أن تبدأ من جديد . فهُناك ، ومع اقتراب الموت ، كانت أمّي مستعدة أن تبدأ الحياة ليس لأحدٍ قط الحقّ في أن يبكي عليها . و أنا أيضاً أحسستُ أنّني مستعدٌ في أن أبدأ الحياة من جديد ، وكأنّ تلك الغضبةُ الكُبرى قد خلّصتني من الشرّ و أفرغتني من الأمل . في ذلك الليل الذي يفيضُ بالنجوم ، أحسستُ للمرةِ الأولى بعذوبةِ ورقّةِ اللاّمبالاة ، و أحسستُ أنّني كنتُ سعيداً في يوم من الأيام ، ولازلتُ حتى الآن ، أتمنّى أن ينتهي كلّ شيء ، و أتمنّى أن أكونَ هُناك أقلّ وحدةٍ من هُنا ، لمْ يبقى سوى أن أتمنّى أن يكونَ هُناك الكثير من المتفرجين يوم الإعدام ، و أن يستقبلوني بصرخات الحقد والغضب .”

  • جان بول ساتر – مقتطفات من رواية الغثيان

    جان بول ساتر – مقتطفات من رواية الغثيان

    ” هذا النوع من الاجترار المؤلم “أنني كائن” إنما أنا الذي أغذيه، أنا، إن الجسم شيء يعيش وحده بمجرد أن يبدأ، أما الفكرة “فأنا” الذي يكملها، يدحرجها: أنني كائن، وأنا أفكر بأنني كائن، اوه، يا للأنبوب الحلزوني، هذا الإحساس بالكينونة… أدحرجه، بكل تمهل… ليتني أستطيع الامتناع عن التفكير! وأحاول، فأنجح: ويخيل إلي أن رأسي يمتلىء دخاناً… وها أن الأمر يعود من جديد: ” دخان… عدم التفكير… لا أريد أن أفكر… أفكر بأنني لا أريد أن أفكر، يجب أن أفكر بأنني لا أريد أن أفكر… فهذا أيضاً تفكير!! أترانا لن ننتهي أبداً ؟”

    ” وتحك الشجرة الأرض تحت قدمي بظفر أسود، كم أود لو استسلم، لو انسى نفسي، لو أنام، ولكني لا استطيع، أنني اختنق، إن الوجود يخترقني من كل مكان، من العينين من الانف، من الفم… وفجأه، يتمزق الحجاب، لقد فهمت لقد رأيت…” ا
    ” ها هو ذا ما يزال ينظر إلي، وهو سيحدثني هذه المرة، فأحسني متصلباً، ليس ما بيننا وداً: كل ما هنالك أننا متشابهان، إنه وحيد مثلي، ولكنه أشد مني إيغالاً في الوحدة، ولابد أنه ينتظر “غثيانه” أو شيئاً من هذا القبيل. وإذن، فأن هناك الآن أشخاصاً يتعرفونني ويفكرون، بعد أن يحدجوني” إن هذا منا” حسناً، ما الذي يريده؟ لابد أنه مدرك أن أحدنا لا يستطيع أن يصنع شيئاً للآخر، إن العائلات قائمة في بيوتها، وسط ذكرياتها، أمل نحن فحطامان بلا ذاكرة…”

  • هاروكي موراكامي – مقتطفات من رواية كافكا على الشاطىء

    هاروكي موراكامي – مقتطفات من رواية كافكا على الشاطىء

    – “كافكا تامورا؟”
    – “نعم. هذا هو اسمي”
    – “اسم غريب نوعًا ما”
    – “إنه اسمي”، أصر.
    – “أظن أنك قرأت بعض كتابات كافكا؟”
    – أومئ موافقًا، “أجل قرأت القلعة والمحاكمة والتحولات، وتلك القصة الغريبة عن آلة الإعدام”.
    – “مستعمرة العقاب”، يقول أوشيما “قصة كهذه لا يكتبها إلا كافكا”.
    – “إنها المفضلة لدي بين قصصه”.
    – “حقًا؟”
    – أجيب بإيماءة رأس.
    – “ولم؟”
    – أستغرق وقتًا لاستجماع أفكاري. “أظن أن ما يفعله كافكا هو شرح ميكانيكي محض لتلك الآلة المعقدة كبديل ما عن سرد واقع نعيشه نحن … أعني … “، أحتاج إلى التفكير أكثر في هذا، “أقصد أن هذه الآلة هي أداته لشرح الحياة التي نحياها. ليس عبر الحديث عن أوضاعنا نحن، بل عبر وصف تفاصيل تلك الآلة.”
    – “وجهة نظر معقولة”، يقول أوشيما هذا ويضع يده على كتفي، في إيماءة طبيعية، وودودة. مضيفًا “أتصور أن هذا هو أيضًا رأي فرانز كافكا”. ويأخذ جهاز اللاسلكي ويعود ليختفي في المبنى. أبقى على الشرفة قليلا. أنهي غدائي وأشرب مياهًا معدنية، وأتأمل حركة الطيور في الحديقة، والتي هي طيور الأمس نفسها. السماء مغطاة بالغيوم، فلا يظهر منها شق أزرق واحد.

    الأرجع أن أوشيما وجد تفسيري لكافكا مقنعًا، نسبيًا على الأقل، ولكنني لم أستطع التعبير عما أردت قوله حقًا، لم أقصد قول نظرية عامة عن روايات كافكا، بل كنت أتكلم عن شيء حقيقي جدًا. آلة الإعدام التي يصفها كافكا، تلك الآلة المعقدة الغامضة، والتي ليست مجرد مجاز أو كناية – إنها هنا بالفعل. أشعر بها حولي، ولكني لا أتصور أن يفهم أي شخص هذا. لا أوشيما، ولا سواه.

    أعود إلى قاعة القراءة، أغوص في الأريكة وفي عالم ألف ليلة وليلة. وببطء، كما تتلاشى الصورة في فيلم سينمائي، يبدأ العالم الحقيقي في التبخر من ذهني وأصبح وحيدًا. داخل القصة. وهذا هو إحساسي المفضل.

    *** *** ***

    وفجأة يقول أوشيما: “بمناسبة التناقضات، عندما قابلتك أول مرة شعرت أن فيك نوعًا من التناقض، كما لو كنت تسعى إلى شيء ما، ومع هذا تهرب من كل ما أنت جدير به”.

    – “وما الذي أسعى له؟”

    يهز أوشيما رأسه. ويلقي نظرة سريعة على المرآة الخلفية ويقطب حاجبية ويجيب: “لا أدري، إنني فقط أقول انطباعي”.

    – لا أرد.
    – “من خبرتي الخاصة، عندما يسعى أحدهم للحصول على شيء ما لا يحصل عليه، في حين أنه عندما يهرب قدر الإمكان من شيء ما، فغالبًا ما يسعى هذا الشيء وراءه، هذا تعميم طبعًا”.
    – “ما دمت تعمم بشأني، فماذا عن مستقبلي؟ ما دمت أسعى وأهرب في الوقت نفسه”.
    – “سؤال صعب … “، يجيب أوشيما مبتسمًا. يصمت برهة ثم يردف، “إذا كان عليَّ أن قول شيء ما فهو التالي: أيًا كان ما تسعى إليه، فلن يأتي بالشكل الذي تتوقعه”.
    – “هذه نبوءة متشائمة”.
    – “كاسندرا”.
    – “كاسندرا؟” أسأل.
    – “في التراجيديا اليونانية كاسندرا هي ملكة طروادة التي تتنبأ بالأقدار. كانت كاهنة في المعبد، ومنحها الإله أبولو القدرة على التنبؤ بالأقدار، وفي المقابل، حاول إغواءها لتنام معه، لكنها رفضت، فأنزل بها لعنة. إن الآلهة اليونانية شخصيات ميثولوجية أكثر منها دينية، أقصد أن بها نفس عيوب البشر، تثور ثائرتها وتهتاج وتغار وتنسى، وكل ما يمكن أن يخطر ببالك”.

    يخرج علبة من حبوب الليمون الصغيرة من التابلوه ويلقي واحدة في فمه، ويشير لي بأن آخذ واحدة فأفعل، ثم أسأله: “وما اللعنة التي أنزلها بها؟”.
    – “لعنة كاسندرا؟”.

    أومئ.
    – “كانت أن كل ما تتنبأ به يتحقق، لكن لا أحد يصدق تنبؤاتها أبدًا. والأهم أنها كلها مشؤومة – خيانات، وحوادث، وموت، وانهيار ممالك. نبوءات من هذا القبيل. ولم يكذبها الناس فحسب، بل احتقروها أيضًا … إذا لم تكن قرأت بعد مسرحيات أيروبيديس أو أسخيلوس، فأقترح عليك أن تقرأها، لأنها تتناول الكثير من المشكلات الأساسية التي نعاني منها حتى في يومنا هذا. وخاصة في الأجزاء التي يلقيها الخورس”.
    – “الخورس؟ ما هو الخورس؟”.
    – “الخورس في المسرحيات اليونانية هو ما نسميه الكورس اليوم. أي المنشدون الذين كانوا يقفون في خلفية المسرح ويشرحون بصوت واحد الموقف الدائر أو المشاعر العميقة للشخصيات. وأحيانًا أيضًا يحاولون التأثير على الشخصيات. إنهم أداة ممتازة، أحيانًا أتمنى لو كان يقف ورائي كورس خاص بي أنا”.
    – “هل تستطيع التنبؤ؟”.
    – “لستُ محظوظًا إلى هذه الدرجة”، يجيب مبتسمًا. لحسن الحظ أو لسوئه، لا أملك هذه المقدرة. إذا بدوت أنني أتنبأ باستمرار بحدوث أمور مشؤومة، فهذا لأنني براغماتي أستخدم الاستدلال لأصل إلى العموميات، وهذا حسب ظني غالبًا ما ينتهي إلى نبوءات مؤسفة. أتعرف لماذا؟ لأن الواقع ما هو سوى تراكب للنبوءات المشؤومة التي سبق أن تحققت بالفعل. اقرأ صحيفة صادرة في أي يوم وقارن بين كم الأخبار الحسنة وتلك السيئة وستدرك ما أعنيه”.

    *** *** ***

    – “لقد خبرت مختلف أنواع التمييز”، يقول أوشيما، “وحدهم الذين عانوا من التمييز يعرفون جيدًا كم هو مؤذ وجارح، وكل يتألم بطريقته، ولكل ندوبه. ولهذا أظن أن المساواة والعدالة يهمانني تمامًا بقدر ما يهمان أي شخص آخر، ولكن أكثر من يثير اشمئزازي أولئك الذين ليس لديهم خيال، ممن يسميهم ت. إس. إليوت “المجوفين”، من يسدون هذا النقص في الخيال بأكوام قش خالية من الأحاسيس، حتى أنهم لا يدركون ماذا يفعلون، قساة يقذفونك بالكثير من الكلمات الفارغة ليحملوك على فعل ما لا تريد فعله، كهاتين السيدتين الظريفتين”، يتنهد ويبرم القلم الرصاص الطويل في يديه. “هناك مثليون وسحاقيات وطبيعيون ونسويون، وخنازير فاشستيون وشيوعيون وهاري كريشناويون، لا يزعجني أحد منهم، ولا أبالي أي شعار يرفعون، ولكن ما لا أتحمله أبدًا أولئك المجوفين. لا أطيق التواجد معهم وينتهي بي الأمر إلى قول أشياء لا ينبغي قولها، كان علي أن أدع الأمر يمر مع هاتين السيدتين، أو أن آتي بالآنسة ساييكي، كانت ابتسمت لهم ومررت الأمر بسلام. ولكنني لا أطيق الأمر، فأتفوه بأشياء لا يجب أن أقولها، وأفعل أشياء لا يجب أن أفعلها. إذ لا يمكنني التحكم في نفسي، وهذه إحدى نقاط ضعفي، وتعرف لماذا؟”.

    – “لأنك لو أخذت جميع من هم بلا خيال على محمل الجد، فلن ينتهي الأمر”، أجيبه.

    – “تمامًا يقول أوشيما، وينقر على صدغه بممحاة القلم الرصاص. “ولكن، هناك شيء أريدك أن تتذكره يا كافكا .. هؤلاء بالضبط من نوع الأشخاص الذين قتلوا حب طفولة الآنسة ساييكي. أفق ضييق بلا خيال، لا تسامح، نظريات منفصلة عن الواقع، مصطلحات جوفاء، مثل مغتصبة بغير حق. نظم متكلسة. تلك هي الأشياء التي ترعبني، وتثير ذعري واشمئزازي. مهم طبعًا أن تميز الخطأ من الصواب. والأخطاء الفردية في الحكم على الأشياء غالبًا يمكن تصحيحها. وطالما لديك الشجاعة للاعتراف بالأخطاء، يمكنك دومًا أن تحول الأشياء للاتجاه الآخر، ولكن الأفق الضيق اللامتسامح الذي بلا خيال، مثل الطفيليات التي تغير الجسد المستضيف وتغير تكوينه وتواصل هي النمو. إنهم فاشلون، ولا أحب أن يدخل أمثالهم هنا”.

    يشير أوشيما إلى الطاولات بطرف القلم الرصاص، لكنه بالتأكيد يعني المكتبة برمتها.
    – “أتمنى لو أنني لا أفعل شيئًا سوى أن أهزأ بهؤلاء، لكنني لا أستطيع”.

    *** *** ***

    – “حتى يومنا هذا لا أحد يعرف إذا ما كانا قد اختفيا هكذا ببساطة أم هربا. الغابات من حولنا هنا عميقة بشكل لا يصدقه عقل، وبالكاد يوجد ما يمكنك الاعتماد عليه كغذاء”.

    أومئ.

    – “هناك عالم آخر مواز لعالمنا هذا، وإلى حد ما يمكنك أن تخطو إليه وتعود منه آمنًا. طالما كنت حريصَا. ولكن تجاوز هذا الحد وستضل الطريق. إنها متاهة. أتعرف من أين نشأت فكرة المتاهة في الأصل؟”

    أهز رأسي.

    – “سكان يلاد ما بين النهرين القدامى كانوا يخرجون أمعاء الحيوانات – وأحيانًا أمعاء البشر، كما أظن- ويستخدمونها للتنبؤ بالمستقبل. كانوا معجبين بالتكوين المعقد للأمعاء، ولهذا فإن أساس كلمة المتاهة، هو كلمة الأمعاء. مما يعني أن مبدأ المتاهة بداخلك، ويتداخل هذا مع المتاهة الخارجية”.
    – “مجاز آخر”، أقول
    – “صحيح. مجاز تبادلي. الأشياء خارجك ليست سوى انعكاس ظاهري لما بداخلك، وما في داخلك انعكاس لما هو خارجك. ولهذا فحين تدخل متاهة في الخارج، تكون في الوقت نفسه قد دخلت إلى متاهة الداخل. وهو بالتأكيد، أمر ينطوي على خطر”.
    – “مثل هانسل وجريتل”.
    – “صحيح – تمامًا مثلهم. تنصب الغابة فخًا، ومهما فعلت، مهما بلغت درجة حرصك، ستأكل بعض الطيور ذات النظر الثاقب كل فتات الخبز الذي تضعه كعلامات لطريق العودة”.
    – “أعدك أنني سأكون حريصًا”، أخبره.

أنطولوجي
أنطولوجي