portrait-of-miss-dora-wheeler-1 William Merritt Chase
شروط الحياة الإنسانية المضمونة
لي:
الحق في المشاعر الإنسانية،
والشك، والخوف،
و(كم إنسانيّة هي) الكراهية
(وضوحاً تجاه أعدائي
المُختارين بعناية لي كي لا أقلق على من يكونون)؛
حق الفيسيولوجيا الإنسانية
(التي لا حياء فيها):
التعرّق (في العمل)،
والبكاء (في مخدة)،
بل والنزف حتى (في بنك دم)؛
كما ليس لي الحق فقط
بل وواجب إظهار جميع
مواطن الضعف البشري:
لا أحد، على سبيل المثال، يجبرني
على أن أكون بطلاً،
أي أن أقول الحقيقة،
أو ألّا أصير مخبراً،
وأن أمتنع عن ركل رجُل
عندما يكون ممدداً على الأرض؛
لا شيء بشري غريب عنيّ،
كما أن لا غريب بشريّ لدي،
نحن نحيا هنا، ضمن دائرتنا،
لا حاجة لنا بالغرباء،
كلنا شباب طيّبون،
أناسٌ عاديون،
مجرّد أناس.
قصائدك كالهواء من أجلهن أستيقظُ صباحًا أرتدي ملابسي وأبدأ القراءة
في الحال تغادرني كآبة معصورة بالشفقة
وأشفقُ على مصير الحيواناتِ في بلدٍ تقول المحكمةُ إنَّ الفعلَ ضررُهُ ضئيلٌ إن كسرَ أحدٌ قلبَ آخرٍ دافعًا به من سيارة تجري
البارحة رأيت صورةَ كلبٍ من شدةِ الجوع أكل برازه، نحيفٌ إلى أبعد حد جلدٌ وعظمٌ محبوسان عند بيت خشبٍ على جنزير
وزنه كيلوغرامان طوقٌ محكم ببراغٍ نما مع الجسد في بضعة مواضع
في العينين خمدت الرغبة في الحياة
أخذت الشرطة الكلب رفقة الجنزير كانت مالكته مستعجلة إلى الكنيسة فحسبما يزعمون الربّ طيب مع أولئك الذين يؤمونها باستمرار وأنا كنت أود الاستلقاء على الفراش طوال اليوم الاستلقاء في غرفة نوم مظلمة دون أن يهزني أي شيء لولا قصائد الحب هذه – قصائدك سيدتي.
آنّا أوغُستينياك Anna Augustyniak شاعرة بولندية، وصحفية ومحررة ريبورتاجات إذاعية. تنشر قصائدها وقصصها القصيرة في مجلات أدبية بولندية، ترجم عدد منها إلى الإنكليزية والإسبانية والألمانية والروسية والرومانية والصربية والتركية والأوكرانية. وصدر لها ديوانان شعريان، وكتابان في السيرة، وكتاب نثري. رشحت إلى العديد من الجوائز وحازت بعضها.
إلى شاعرة قصيدة من ديوان “الشكر لله” ترجمة د. يوسف شحادة
الجسدُ حزينٌ ، للأسف! وقد قرأتُ الكتب كلّها. الهروب! الهروب هناك! يُخيَّلُ إليَّ أنّ طيورًا تسكرُ إذ تجد نفسها بين الزبد المجهول والسماوات! لا شيء ، لا الحدائق القديمة التي تعكسها العيون ستمسك بهذا القلب الذي ينتقعُ في البحر أيتها الليالي! ولا نور مصباحي المهجور على الورقة الفارغة التي يذود عنها البياض ولا المرأة الشابة إذ ترضع طفلها. سأرحل ! أيها المركب البخاري إذ تؤرجح صواريك، ارفع المرساة نحو طبيعة غريبة! مللٌ، محزونٌ بالآمال القاسية ، ما زال يصدق وداع المناديل الأسمى! وربما ، أنّ هذه الصواري ، إذ تدعو العواصف هي من تلك التي تحنيها الرياح على حطام السفن المفقودة بلا صواري ، بلا صواري ، أو جزر خصيبة … ولكن، آه يا قلبي ، اسمع غناء البحارة!
أسنان النمر صاحت في الغابات
الداكنة موت الصخور الهادئ
العشبة المجونة تلتف حول سفينة
خطانا الجميلة. لكن الليل ينزل
وروحنا تجمع المطر في جوف أشجار نخيلها الملحمية
نفس البحر الأخير سيلفظ اسمك
وسيكون ذلك رهيبًا لأن البق
يسكنني كمثل حلزونة ماكرة
سألتني أن أحدثك عن الموت.
عندما رأيته للمرة الأخيرة كان
قد غيّر تسريحة شعره.
2-
المشنوق
المشنوق الأبيض كمثل حلاق
كمثل طبيب أسنان كمثل طباخ
يترجرج تحت المطر شاحبًا وعيناه مطفأتان ولسانه الداعر ممدود
كقضيب في فوران لعاب أبيض.
المنشنوق الأبيض يتأرجح مثل
خشخاش على سلك العدالة
الانسانية الأحمر.
3-
مثلث ودوائر
حلمت بأني مثلث مغطى بدوائر
هي حدقات مقلوبة وأني رحت
أعض في لحم القزحات بعدما
بيض أسناني فجأة ضوء
اصطناعي
ثم التقيتك في مجارير الأوردة وأحب
الواحد منا الآخر على طول أزقة دم
السياح الساخنة تلك. وفي حرارة
الحشرات التي تتمطى وتزحف
تحت الأشجار راحت تصدأ
جروحنا.
4-
ظبيان الليل
كل الجنيات شنقن أنفسهن على الأغصان
في الغابات فتوهمت عنزات سوداء
أنهن أوراق ثم تمددت شبعي تحت
الأشجار. في كل مرة يحاول فمي
لفظ اسمك يخرج منه سرطان
وينزلق على طول جسمي
ليذهب لا أعرف أين.
5-
مدارات
بينما كنت أتغذى بالنجمات وأسناني
تقع من حولي عرفت قتلة العنبر
كانت غابة قد التهمت أعينهم
راقص أسود يملك موهبة التآصلات
المختلفة أخذ مظهر الليل. جعل نفسه
عتمة ذات هدوء إلهي.
أنتظر كل
التحولات من هذه السكينة حيث
الموت مطرود إلى آخر الزمان
آنذاك سأبتعد عن الضوء وسأذهب للعيش في قاع الأرض.
6-
عين الزمن
يكفي أن أنزع خصلة المياه هذه
التي تخنقني لكي ينفتح جبينك كمثل
دغل من نار لكي يصل النفس القطبي
للموتى الألف الذين كانوا يحركون
أذرعهم نحوك مودعين عندما واقفة
عند المرفأ رأيت زوارق الصمت
تبتعد بينما كنت تشعرين بجذور
تنبت لك في الأرض. يكفي أن
تطلقي سراح قلبك لكي تعيش
أشجار النخيل وتتوقف هيجانات الأرض المحتضرة.
7- أسكن البلور
ما من كحول بل دموعك على الطجالب
وبياض النهار مفروشًا على الاف
الحشرات التي تتحرك. رغبتي تتفسخ
عند أجمات صراخاتك. كم أكره
الضجيج. أوقف دقات قلبي. يا لهذه السكينة
أخفيت تحت الرخام حبة الرمل هذه
المضاءة باسمك وجاء صوان الزمن
وحولها خيطان حرير دقيقة
لو أمعن المرء النظر في أعمال إزرا باوند (1885-1972) لوجد أن تطور مفهوم الصورة كان عماداً أساسياً في فلسفته، فالصورة التي استخدمها باوند Image مختلفة عن التشبيه Simile أو المجاز Metaphor المستخدمين بكثرة في الشعر. ومن المعروف أن الصورة الشعرية استُخدمت أيضاً كمحسّن بديعي قبل حركة باوند التصويرية Imagism بزمن بعيد، فسواء كانت الصورة بصرية أو سمعية أو حركية أو غيرها، فهي شائعة في الأدب لحث القارئ على تخيّل الأشكال والألوان والأصوات والحركات من خلال اللغة. ومع ذلك، أحدثت الحركة التصويرية ثورةً في الشعر الغربي، حتى صار باوند يلقّب بأبي الشعر الحداثي. فما الذي أضافهُ باوند لترتقي الصورة من مُحسّن بديعي إلى مدرسة شعرية؟
عمل باوند -أو كما أطلق عليه تي أس إليوت “الصانع الأمهر”- على تطوير مفهوم الصورة الشعرية وتأسيس حركته التصويرية متأثراً بمصادر شتى، فقد آمن بأن الشعر لا ينعزل بأي حال عن الفنون والعلوم والثقافات الأخرى. تأثر باوند بالنحت والرسم والموسيقا، وكذلك بالشعر الإغريقي القديم والرمزية الفرنسية والهايكو الياباني والرموز أو الحروف الصينية. فاستلهم مثلاً من الهايكو والشعر الإغريقي الاقتصاد في اللغة وتكثيف المعنى، وتلك من أهم المبادئ التي دعت إليها التصويرية. فَشِعر الهايكو، على سبيل المثال، يختزل المعنى بثلاثة أسطر شعرية مكثفة، إضافة إلى العنوان الذي يكون عادةً اسم أحد فصول السنة. كذلك كتبت سافو Sappho (630-570 ق.م) أشعاراً قصيرة من بينها قصيدة “حب” التي تتألف من سطرين فقط، وربما تكون هي من ألهمت باوند لكتابة قصيدته الشهيرة ذات السطرين “في محطة المترو” والتي كانت حينذاك أقصر قصيدة في الأدب الإنجليزي. وتالياً قصيدة سافو التي أرى فيها تشابهاً واضحاً وأسلوب باوند: لقد حرر الحب أطرافي وجعلني أرتجف،
وحشٌ حلوُ-مريرُ يشظّي كياني.[1] هنا مثلاً توازي سافو الحب والوحش بسطرين دون استخدام أداة وصل بين طرفي التشبيه، وهذا أيضاً ما دعا إليه باوند لجعل الصورة الشعرية أسمى من كونها محسناً بديعياً أو تشبيهاً فحسب. فيقول في قصيدته “في محطة المترو”:
أطياف هذه الوجوه في الزحام؛
بَتَلاتٌ على غصنٍ رطب أسود.
لقد لاقت هذه القصيدة الموجزة والمكثفة استحساناً كبيراُ من النقاد منذ كتابتها إلى اليوم، فلا زالت الأسئلة حول علامات الترقيم، وتساوي السطرين الشعريين اللذين يبدوان و كأنهما معادلة رياضية، والاقتصاد بالكلمات، واستخدام الأسماء دون الأفعال في القصيدة، محور اهتمام الباحثين. وكانت قصة كتابة القصيدة، والتي نشرها باوند في كتابه (مذكرات غودييه برزسكا/ Gaudier-Brzeska: A Memoir) تحت العنوان الفرعي “الدوامة Vorticism”، جزءاً من فهم القصيدة التي لم يُرد باوند أن يحجّمها بالإسهاب الذي يوجه القارئ لمعنىً واحد محدد. القصة بإيجاز أنّه حين نزل باوند من المترو في باريس، شاهد وجوهاً مختلفة، ولم يجد لغةً تصف روعة المشهد. لم يكن باوند يبحث عن كلمات بل عن معادلة أو نمط يوازي اللوحة البديعة. وعبّر باوند هنا عن رغبته في أن يكون رساماً أو أن ينقل المشهد للمتلقي عن طريق الموسيقا أو النحت، ولكنّه تعجّب: لم لا يكون للشعر وقعاً كوقع الفنون تلك! فقرر أن يصور المشهد بصورة واحدة مركّبة، وكتب في البداية قصيدةً من ثلاثين سطراً، ثمّ أخذ يحذف السطور الزائدة، حتى كان الشكل الأخير للقصيدة بعد سنة؛ قصيدة تشبه الهايكو، مؤلفة من سطرين فقط.( ص. 86-89.)[2] إنّه فن الحذف الذي أتقنه باوند والذي أجراه – كما هو معروف – أيضا على قصيدة إليوت الشهيرة “الأرض اليباب ” بحذفه عدداً من سطورها.
قد لا تخلو مختارات شعرية في الشعر الحديث من قصيدة المترو، لإن باوند استطاع أن يختزل الكثير من مبادئ التصويرية التي شرحها في كتبه النقدية ورسائله، ومن هذه المبادئ:
رسم الشيء كما أراه. الجمال. التحرر من التلقين المباشر. من المحمود تكرار ما كتبه آخرون فقط في حال تفوَّقَ الشاعرُ عليهم أو تقديم ما كتبوه بإيجاز يفوق ما يقدمه الشاعر. (ص.6)[3] ليس من المستهجن إذن أن نشأت جمعية إزرا باوند Ezra Pound Society [4] للاعتناء بإرثه الغزير، فهي تنظم مؤتمراً مختصاُ به كل عامين منذ عام (1978) حتى يومنا هذا، يتم فيه تكريس الأبحاث للحديث عن المزيد من منجز باوند، وفي كل مرة يأتي الباحثون بما يضيف للبحث العلمي.
ولفهم التصويرية أكثر، أردت أيضاً في هذا المقال أن ألقي الضوء على قصيدة أخرى كتبها باوند بذات الطريقة التصويرية، ولكنها لم تأخذ حظ قصيدة المترو، وهي قصيدة “نيسان”. هذه هي القصيدة: راوَدتني ثلاثُ أرواحٍ و سَحَبتني حيثُ أغصانُ الزيتونِ تمتدُّ عاريةً على الأرض: أشلاءٌ شاحبةٌ تحت سديمٍ لامع. قد تبدو القصيدة مجرّدَ جزئيات متنافرةٍ للقارئ للوهلة الأولى. فالغموض الذي يكتنفها لا يُرضي فضول القارئ الّذي يود لو توصِله تلك السطور القليلة إلى معنىً واضح. ولكن لا عجب، فهذه هي الصورة التي أراد باوند بعبقريته الشعرية أن تختزل أسطراً عديدة من السرد والتلقين لإتاحة الخيال للقارئ.
لأول وهلة، يبدو العنوان “نيسان” غير منسجم مع الجفاف في سطور القصيدة، فنيسان عادةً ما يلقي في النفس أملاً و حياةً، ويحفّز في الذهن صورة الحدائق اليانعة والشمس البهيّة. ولكن في القصيدة، حتى أشجار الزيتون دائمة الخضرة تبدو عاريةً ومُهملةً على الأرض، وتلك هي مفاجأة القارئ الأولى. هنا يبدو تأثر باوند جلياً بالهايكو من خلال اختيار اسم الشهر (الذي يجعلنا نستذكر فصل الربيع على الفور) عنواناً للقصيدة. وقد يكون باوند من خلال قصيدته هذه هو من ألهم تي أس إليوت لافتتاحية “الأرض اليباب” والتي بيبدأها إليوت بقوله أن “نيسان هو أقسى الشهور،” وهي صورة مخالِفة للصورة المألوفة لدى القارئ.
نلاحظ في هذه القصيدة قلة الأفعال، فهناك ثلاثة أفعال فقط “تراودني، سحبتني ، تمتد”، لأن باوند يريد أن يخلق صورة شعرية لا أن يسرُد أحداثاً. فباوند يُعرّف الصورة، التي يعتبرها كل القصيدة لا مجرّد إضافة تجميلية عليها، أنها “تركيبة ذهنية و عاطفية معقّدة في لحظة زمنية” (ص.4)[5]، فالأرواح في السطر الثاني لا توافق شكلاً محدداً في أذهان كل القرّاء، فمنهم من يراها رمزاً لشخص أو فكرة، ومنهم من يتصوّرها أشخاصاً حقيقيين، أو غير ذلك، لذا تتعدد أوجه التحليل و لا يُفرض على القارئ تفسيراً واحداً. وهذا ما أثبته علم النفس بالفعل، فعند النظر على سبيل المثال إلى الرسومات ذات الخدع البصرية، والتي تدل على أن التباين في الحكم على الصورة هو فعل ذهني.[6]
أما السطر الأخير الذي هو سرّ القصيدة، فهو الشق الثاني من المعادلة التي تفصلها نقطتان رأسيتان ( : ) ما قبلهما مساوٍ لما بعدهما. ويجدر القول هنا بأنه في النسخة الأولى من قصيدة “المترو” كانت النقطتان الرأسيتان تفصلان بين السطرين، ولكن باوند فيما بعد استبدل بالنقطتين الفاصلة المنقوطة، ربما ليعطي انطباعاُ بأن السطر الثاني يحمل ذات الصورة بكلمات مختلفة. وبكل الأحوال لا يفصل السطرين بنقطة أو فاصلة، لأنهما غير منفصلين عن بعضهما ولا مكملين لبعضهما، بل متساويين. وكأن باوند يقول أن الأرواح التي راودته و سحبته إلى أغصان الزيتون العارية هي صورة مساويةٌ للأشلاء الشاحبة تحت السديمٍ اللامع. ولا توجد علاقةٌ مباشرة بين الطرفين كما جرت العادة الشعرية في التشبيه مثلاً، فهي علاقة رياضية تشبه المعادلة الجبرية لا الحسابية (س=ص) كما وصفها باوند حين تحدث عن قصيدة “المترو”، وهذا يُفسّر كونها علاقةً ذهنية و عاطفية على القارئ أن يدركها في لحظة من الزمن، كما يَرِدُ في تعريف الصورة.
وبرغم جهود باوند في تشكيل المدرسة التصويرية مع مجموعة من الشعراء، إلا أنه قد ارتأى عام 1914 وضع التصويرية جانباً والتحوّل إلى حركة الدوامة Vorticism ، وهي حركةٌ كانت قد تأسست قبل انضمام باوند لها، إذ أنها نشأت على يد الرسام والكاتب ويندهام لويس Wyndham Lewis وآخرون، وكان من روادها النحات الفرنسي الشهير أونري غودييه برزسكا Henri Gaudier-Brzeska والذي رثاه باوند في أناشيده The Cantos بعد مقتله في الحرب العالمية الأولى -وكان عمره ثلاثة و عشرين عاماً- على الطريقة التصويرية، مختزلاً المأساة بسطرين عبر فيهما باوند عن ألمه وحسرته على فقدان صديقه:
قتلوه و قتلوا قدْراً كبيراً مِن فن النحت.
وقد عزا باوند ذاك الانتقال من التصويرية إلى سوء فهم الشعراء للأخيرة، فكتابة الصورة المتميزة بالسهل الممتنع، جعل البعض يخلط بين البساطة والسطحية، وهذا ما رأى فيه باوند تقليلاً من شأن الصورة. ومع ذلك فانتقال باوند إلى الدوامة لا يعد رفضاً للتصويرية بقدر ما هو امتدادٌ لها، فالحركتان تتقاطعان مع إضافة ميزة الحركة للدوامة. وهذا ما يوضحه الناقد تيموثي ماتيرار Timothy Materer بأن شاعر الدوامة يُلصِق مجموعة من الصور تدور حول صورة رئيسية واحدة، ففي الصورة، كما في الدوامة، طاقة نمطية.[7] وهذه الفلسفة هي ما تُتَوجها ملحمة باوند الأخيرة (الأناشيد The Cantos) التي لم يكن باوند قد انتهى من كتابتها حين وافته المنية عام 1972. جسدت أناشيد باوند ما لم تكف له طاقة الدوامة أو تكثيف الصورية كالمواضيع الاقتصادية والسياسية، وبهذا كانت الأناشيد امتداداً أوسع لأفق الدوامة والتصويرية معاً، فهي تجمع بين التكثيف والطاقة في آن. وهذا ما جعل النقاد يختلفون حول اعتبار المائة وعشرين نشيداً قصيدةً واحدة أم عدة قصائد، ولكنني، وبناءً على فلسفة امتزاج التصويرية والدوامة، أصنفها كقصيدة واحدة تمتاز بالتجريبية: فهي مركبة من مجموعة صور معقّدة ومتلاصقة juxtaposed ومتنوّعة بالشكل والأسلوب.
في ضوء ما تقدم، يمكننا إدراك استراتيجية باوند في كتابة الصورة، وما يميزها عن الصورة الفنية النمطية. فالصورة عند باوند تكعيبية، أي أنها أقرب إلى النحت الذي يفتح للرائي مدارك مختلفة كل ما نظر إلى إحدى زواياه. وهذا يعني أنه ليس من السهل على الكاتب خلق تلك “التركيبة المعقدة” التي تلتقط لحظة مناسبة وتنشئ منها قصيدة. فلا عجب إذن أن قال باوند: “من الأفضل تقديم صورة واحدة خلال عمر الشاعر، من أن يُنتج أعمالاً غزيرة.” (ص. 4).[8]
******
[1] “Love has unbound my limbs and set me shaking,/ A monster bitter-sweet and my unmaking”
(Higham, T. F. and C. M. Bowra (eds.) (1938), The Oxford Book of Greek Verse in Translation, Oxford: Clarendon Press., p:211).
[2] Pound, Ezra. (1970), Gaudier-Brzeska: A Memoir, New York: New Directions.
[3] Pound, Ezra. (1971), Selected Letters of Ezra Pound 1907-1941, D. D. Paige (ed.), New York: New Directions.
[4] http://ezrapoundsociety.org/
[5] Pound, Ezra. (1954), Literary Essays of Ezra Pound, T. S. Eliot (ed.), London: Faber and Faber.
[6] من الأمثلة المشهورة على الخداع البصيري صورة “الأرنب والبطة” والتي أصدرتها مجلة الأرنب والبطة من اصدار مجلة “Fliegende Blätter” في العدد 23 من عام 1892
لا أحدَ يشعرُ بهذا الذي
يجلسُ في الغرفة المجاورةِ ويقفز عامًا في متاهته الطويلة
لا أحد يشعر به
حين تتكسّر في ذراعيه العناقات ولا تُمدُّ له يد
حينَ يسمعُ ولا يعرف الأغنية
أو حين يحفظها جيدًا ولا يغنيها
الجميعُ يخطو بعيدًا
غير عابئين بالرجل الذي يكبرُ بانتباه شديد للمرايا
وحنين مستمرٍ لما فات.
هكذا أكبرُ في لحظاتي الصغيرة لوحدي.
***
وحدها أمي
تذهبُ لتاريخ ميلادي
أنا الذي ولدت أول مرة
في خيالاتها،
وكلما غفت انتهزت الفرصة وكبرت.
وحدها
إذا وضعتْ على جبيني يدَها
لمستْ ذاكرتُها القديمةُ صوتي
ونادتها أسمائي التي اقترحتْهَا.
وحدَها
تعثرُ عليَّ عندما لا يتذكرني أحد
وتنتبه للكلمات التي تراجعتُ عن قولها.
وحدها أمي
تعودُ من عمري.
***
لا أمسَ لي
أتذكر ُما أتذكرُه؛
لأنني أحمله معي،
الصورُ في أرقي،
والأسماءُ في صمتي حين يفصلُ بين كلمتين،
أنا بالأمسِ ظلالُ كلماتي وتنهداتي التي لا تصل أيَّ مكان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
للشاعر السعودي أحمد سالم. صدر له: الغرق باستخدام امرأة 2017 عن دار تشكيل يمكنكم الاستماع للنسخة الصوتية من هذا الإصدار عبر: الغرق باستخدام امرأة – كتاب صوتي
القصيدة الأولى- فتاة
دخلت الشجرة يدي،
صعد النسغ في ذراعيّ،
نمت شجرة في صدري –
ألى أسفل،
الفروع تنبثق مني، كالأذرع.
شجرة أنت،
طحلب أنت،
أنت بنفسجات يعلوها الريح.
طفلة – سامقة جدا – أنت،
و هذا كله في نظر العالم حماقة.
القصيدة الثانية – أبريل
ثلاثة أرواح أتت إليّ
وانتحت بي
إلى حيث أغصان الزيتون
كانت ملقاة على الأرض:
مذبحة شاحبة تحت ضباب مشرق.
القصيدة الثالثة – المولود
المولود الجديد على الارض والسماء
لم يكن أبدا حتى الآن
قد سأل نفسه
أو سألنا فيما إذا كانت البقرة
أرقى في ميزان العقل
من الناس مثلي ومثلك،
أو فيما إذا كانت البقرة تمتنع عن الطعام
إلى أن تجد عملاً تقوم به.
“المولود الجديد على الارض والسماء ،”
كما كتب تينيسون،**
يمضي ويمتص حلمة
مثل رجال اليوم العظماء في بريطانيا.
القصيدة الرابعة – قط أليف
لَكَم يريحني أن أكون بين النساء الجميلات
لماذا علينا أن نكذب دائما حيال مسائل كهذه؟
أكرر :
لَكَم يريحني أن أتحدث مع النساء الجميلات
مع أننا لا نقول شيئاً سوى الهراء،
مواء الهوائيات غير المرئية
محفّز ومبهج معاً.
القصيدة الخامسة – خلود
نحن نُغَنّي للحب والخمول،
لا شيء آخر يستحق التملك.
ومع أنني زرت بلداناً كثيرة،
لا شيء آخر يستحق أن نعيش من أجله.
وإنني أفضّل أن تكون حبيبتي لي،
مع أن أوراق الورد تموت حزناً،
على أن أقوم بأعمال مجيدة في دولة المجر
لأكون عند حسن ظن كل الرجال
القصيدة السادسة – التواليت الجميل
أزرق، الأزرق هو العشب حول النهر
وأشجار الصفصاف اكتظت بها الحديقة المجاورة.
وفي الداخل، السيدة، في عنفوان شبابها.
بيضاء ، بيضاء الوجه، تتردد، مجتازةً الباب.
نحيلة، تمد يداً نحيلة؛
وكانت مومساً في الأيام الخوالي،
وتزوجت من رجلٍ سكير،
يخرج مخموراً هذه الأيام
ويتركها وحيدة لأوقات طويلة.
القصيدة السابعة – الصورة
عينا هذه السيدة الميتة تتحدثان إليّ،
فقد كان هنا حب، ما كان لشيء أن يطغى عليه.
وهنا رغبة، ما كان لأحدٍ أن يقبلها قبلة الوداع.
عينا هذه السيدة الميتة تتحدثان إليّ.
القصيدة الثامنة – الفن عام 1910
زرنيخ أخضر يلطخ قطعة قماش بلون البيض،
فراولة مهروسة! هلمّوا نغذّي أعيننا.
القصيدة التاسعة – عباءة
انت تحتفظين بورقة وردتك
إلى أن ينتهي موسم الورود،
أوتحسبين ان الموت سوف يُقَبّلَك؟
أوتحسبين أن الدار السوداء
سوف تجد لك عاشقاً
مثلي؟ وهل ستفتقدك الورود الجديدة؟
فلتفضّلي عباءتي على عباءة التراب
التي تقبع تحتها السنة الماضية،
حريٌّ بك أن تفقدي ثقتك
بالزمن أكثر من عيني.
القصيدة العاشرة – تأمُّل
عندما أتفكر في العادات الغريبة للكلاب
أجدني مضطرا أن أستنتج
ان الانسان حيوان متفوق
عندما أتفكر في العادات الغريبة للإنسان
أعترف يا صديقي، الحيرة تتملكني.
الترجمة: نزار سرطاوي شاعر ومترجم من الاردن
المصدر: www.al-maseera.com
لستُ أدري أيّ مجاز سلكتُ
غير أني وصلتُ إلى هنا
إلى تلك البقعة الغريبة
الخالية من المساكن والأرياف
هذا المكان الـمُعرّى
من كلّ شيء:
من الحجرِ إلى الروح
حيث يتجذّرُ العالم
ربما تصلُ أنتَ الآخر
متّبِعاً ذلك المجاز
في هذه الحياة المتخمة
بالنجاح واليقينيات
وحده الضلال يجمعنا
والشعر مملكةُ الخاطئين.
■ ■ ■
حكاية رمزية
يقتات الطائرُ
بنقرِه المحكَم على الصمت
ينقِّبُ عنه بين أكثر الوريقات تهشّماً
وثمة ارتعاش يعتريه
في وقوفه على الغصنِ الوحيد للمساء
سيحلِّقُ في ما بعد
سيكون غمامةً ناعمة
فوق سلاسل الجبال الزرقاء
حيث أمي وحدها
والنجوم تزهو
سيكون فحوى النشيد
الرؤيةُ مشاعٌ الآن
وما سيؤول غباراً
حجرٌ نازف
في وجه قوس الطلقة الداكن
وبما شهده، سيعود الطائر ذاته
وَلِيدَ الرماد والدّخان
ويجثم من جديد
كأنه في عشّ
■ ■ ■
لقطة
وعلى حين غرّةٍ، ها هو الكرسيّ الهزاز
-وكأنه يلتقط
كلماتِ المطر الأولى-
قد بدأ يتهادى من تلقاء ذاته
في الركن الأكثر ملاءمةً داخل الغرفة
حيث يخفتُ الضوء
وتنتشُ بعضُ الأحذية العتيقة
مَن يوقف تهاديَه الآن
بعد أن ترفعَ صاعقة البرق
تنورة الجارة
وتستثيرَ ساعةَ المنبِّه
كي يرنّ جرسها في التاسعة وعشرين دقيقة
من وراء ورقةٍ مزهَّرة
لم تُنذَرْ لتغليف هدية حيث أجلس لأكتب
من شارع بورقيبة و الشوارع المتفرعة عنه، من بارات العاصمة ومقاهيها من “قاري بلدي” و”لونيفار”، من نزل شعبية قذرة، من الحفصية والمدينة العربي، من شرفة الفلاش باك تطل على قرية بالجنوب، من الحديقة الخلفية لقرطاح وحديقة البلفيدير ، أطل علينا عبد الله مثقلا بالأسئلة، أسئلة عن رغبات الجسد ورغبات الفكر، أسئلة عن أصل الإنسان ومٱله، عن وضعية المثقف مشردا بالعاصمة ينظف ما يخلفة السكارى في المباول والأحواض، عن الانسان في توقه إلى الحرية، من أكثر حرية مبدع تعوزه المادة في مدينة كبرى أبوابها تكاد تكون مغلقة أم قرد يضحك في قفصه يتأمل العالم ويهزأ من الحظارة وقذارتها؟ من أكثر عهرا، عاهرة الجسد تهديه النبيذ والأكل والمأوى أم من يبيع ما أغلى من دمه” شرفه مثلا، مقابل أربع قوارير بيرة، وثمة من يبيع أمه، وثمة من يبيع وطنه بأبخس من ذلك بكثير” من أكثر استحقاقا للوجود، انسان يخرب العالم بالعنف والقتل والكذب والخيانة أم قرد ” لم يخن جوهره”. عبد الله في طريقه إلى القردية المرغوبة، رأى أمثاله من البشر يختارون التحول إلى حيوانات ” فكل الحيوانات … اعترفت حيوانا حيوانا أنها كانت بشرا وتنكرت في أزياء حيوانات لتهرب بجلودها من عالم البغاء والبراز”. من فرج عاهرة كان يتفرج على العالم، ” فالفرجة هي فرج بتاء مربوطة… الفرجة هي زناء العين: تتلذذ الضوء والمشاهد” جعلنا هذا الكتاب نتفرج على شخصيات الكاتب ونتفاعل معها، وجعلنا فرجة أيضا لأننا بشر يتأملنا قرد ويفضح عيوبنا. كتاب يفضح الواقع بلغة رمزية أقرب إلى المجاز وتصعد إلى حد كبير من الشعرية أحيانا لكنها أحيانا تنزلنا إلى العالم السفلي ما يسميه الكاتب ب” تحت الحزام” فينقل لنا لغة البارات والمواخير ونساء ٱخر الليل، لغة تنقل لنا أيضا بعض أشعار العامية المليئة بالحكمة مثال ذلك: ” مسكين الخامج لا نجم يسير، ولا نجم يقرى المسارب… يطيش في روحو في البير ومخلي كنزو بين العقارب” كتاب يروي قصصا داخل القصة فتتداخل القصص وتفرز قصة أخرى، قصة تنشئها أنت أيها القارئ. كاتب يعيش دور القرد متسائلا: ” هل أنا انسان يحلم أنه قرد، أم أنني قرد يحلم أنني انسان” كائن يشتهي الفرار من المدينة المزدحمة إلى الغابة بغريزتها، قرد يكتب الحكاية على قشرة موز، انسان يذهب طوعا إلى قفص القرد ويأخذ مكان أبي خلف، ذاك الذي كان مستمعا حقيقيا لحكاياه. في زحمة المدينة والخيانات، هناك من يشبهه، الأستاذ زاهي، مقبـّل كؤوس النبيذ. وحده الأستاذ كان يراه طبيعيا ويتفهم جنون المبدع وحالاته، فمن هو الطبيعي أيها القارئ- الإنسان المنشغل باليومي، بالأكل والشرب والتبرز؟ أم الطارح للأسئلة الذي ينتهي به المطاف إلى مستشفى الرازي، هناك يقول زاهي: لا أجد داع لاعتقاله في مستشفى الرازي… مذكرا القارئ بالشاعر منور صمادح الذي توفي هناك.بعد قراءة هذا الكتاب سأختار أن أكون ظبية شاردة في المعنى. فأي الحيوانات ستلبس جلدها أيها القارئ؟
حين ” خربشت ” قصيدتي الأولى اعترفت بأني شاعر أحد، ولمّا بلغت السادسة عشرة من عمري كان أندادي في الشعر المتنبي وأبو نواس وعنترة ربّما، ويوم بدأت أكتب القصيدة صار لي رفاق كالمنصف الوهايبي وأبي القاسم الشابي ..، وحين سافرت في الأرض وأكلت عديد الثمار الشعرية أصبح لي إخوة شعراء كحسين القاصد وعبد الله العريمي وفاطمة بن فضيلة..، وفي كلّ مرّة أفتح الباب جهارا لشاعر فحل وصار لي أصدقاء مبدعون بعدد لا يُحصى ..وتنازلت عن اعتقادي الراسخ بأنني شاعر أحد، بل أنتمي لمجموعة كبيرة من النفوس العظيمة ..ورضيت بما قدّر الله لي ..ولكن ماذا أفعل بهذا السيل الهادر الذي يبدأ اسمه ب : نمر سعدي …، وأنا على مشارف الستّين ..سأقول الحقيقة كما هي : إنّه الاستثناء والامتياز ..إنه حرارة الروح وهشاشة الجسد ..إنه الإنسان الشاعر…
بداية أشكر أنوار سرحان لربطي به بعد انفصال دام بعض الوقت ..، نظرا لسقوطي في فراش المرض وصبري الطويل على وعكتي الصحيّة ..التي بدأت أشفى منها ، وكنت قد نسيته تماما وكان أن اقترحت أنوار مجموعته الشعرية ” استعارات جسديّة ” فأصيبت ذاكرتي برجّة كبرى …هذا الرجل أعرفه ..وكان أن عدت إلى مراسلاتنا الثنائية فتذكرت أنه الشاعر الفذّ الذي انمحى اسمه من ذاكرتي ..فعدت إلى محاورته داخل النص وخارجه..
في قصيدته النثرية الطويلة نسبيا التي افتتح بها مجموعته ” ثعلب ينام في حدائق السرياليين” والمقسمة إلى أجزاء نراه يتنقّل من اليوتوب إلى فيروز إلى ظلّ الحبيبة إلى ” الشعراء أنبياء كذبة ” وإلى الحرّية التي نهفو إليها جميعا …، دون أن ينسى القصيدة ومدحها كما يجب ..يقول عنها :
” الشيء الوحيد الذي تفعله عندما تأتي هو أن تمدّ يدها النحيلة مثل عود ثقاب، وبدهشة طفل غجريّ تشعل وردة دمي المطفأة “
يكتب القصيدة الموزونة كما يكتب النثر..، يجرّ التفعيلة جرّا ويسحب خلفها جملة طويلة تتلوها أخرى ..دون اختيار أو تمييز أو ما شابه ذلك..، من لا يعرف الوزن يحسبه ناثرا جيّدا ..وهو لا أحد سوى نمر سعدي يقترف قصيدته بجنون وجموح وجمال..، أنصتوا إليه في قصيدة ” في اللوحة امرأتان ” كيف يتودّد لمن يحبّها ويعدّد ما ضيّع من حياته :
” قلت لها: اتبعيني مثل ذئب ضلّ ، أو كسهام نار في الفلاة، فإنّ هذا العام ضاع سدى ولم أغسل بلمعة شعرك العينين ؟ “
أحيانا يشدّنا سطر شعريّ ..أو تعبير مغاير للسائد فتضمّه إلى مقتطفاتك دون أي تفسير أو أيّ تبرير..، وتقول للآخر المتابع لنصّك : هذا القول هزّني ..فيطرب مثلك أو يدعك لنفسك ولأهوائك وهواجسك ..، هذا ما يقع لي وأنا أقرأ هذا المقطع في قصيدة بعنوان ” كم مرّة ستُحبّ ؟ ” ..ليتني كتبته قبلك يا نمر سعدي لأرتاح وأريح …:
” لم تكن أعمى لتذكر أو لتنسى، لم تكن أعمى ولكن كنت وحدك كالغريب، وكنت وحدك كانسحاب يديك من جسد الحبيب…”
في نصّ محكم وجميل عنوانه ” ماذا تريد من الحياة ؟ ” يجيب عن السؤال الخطير الذي يلقيه الشاعر على نفسه وهو سؤال الجدوى من كلّ هذا الطواف ببيت القصيدة وصنم الحياة..يجيب بصفة عفوية ويقول ” لا أدري ” ..” ولكني أحاول أن أكون وأن أغنّي “….
” ماذا تريدُ من الحياةِ أو القصيدةِ؟ قالَ لي أحدٌ، أجبتُ بلستُ أدري، ربَّما ما كانَ يبغي الآخرونَ، العاملُ البلديُّ والشرطيُّ، مأمورُ الجماركِ، نادلُ البارِ الوحيدُ وبائعُ الذُرةِ الشريدُ، وربَّما لا شيءَ، لا أدري، الحياةُ متاهتي الكبرى، القصيدةُ ليلُ هاويتي، ولكني أحاولُ أن أكونَ وأن أُغنِّي، أن أُحدِّقَ في فراغِ الكأسِ أحياناً، وأن أتوسَّلَ النسيانَ، لستُ أرى طريقاً لا تقودُ إلى القصيدةِ أو إليَّ…”
من الصعب تلخيص شاعر في حجم نمر سعدي في مقالة أو حتّى دراسة نقدية شاملة تحاور كلّ ما كتبه هذا المتمكن المنفلت في الآن نفسه ..، لقد وقعت في الفخّ يوم أردت ولوج عالمه الشعري ..فإنّه غزير الإنتاج وله مخزون ثريّ من الموضوعات المختلفة وهو مقترف لكلّ أشكال الكتابة الشعرية ..خلاصة القول : فلسطين أنجبت مرّة أخرى..أنجبت… شاعرا.
حاملات صدر
شفافة وبمبية اللون
وأخرى
تُشبه جلد النمر والفهود
وأخرى
بيضاء منقطة ذات وردة
حمراء في المنتصف ،
بودي كارينا
أسود اللون وآخر
أخضر
لون إشارة المرور
مُجَّسَّم على الجسد
بدقة
وجوارِّب شفافة
مختلفة الألوان
من قدميها حتى
الوصول فوق الخصر
بمسافة بسيطة ،
وأشياء أخرى لتُداري
ما فوق الخصر
منها ما هو أرفع من
سُمك خيط إبرة ،
كل ما سبق
كان هو إجمالي ما جلبتُه
من دكاكين المول
الكبير
بعد إستشارة رفيقُها
الدائم المُستديم
أسرعت إلى إحدى حمامات
المول الكبير
وأرتدت له
المفاجأت
لأول مرة يُصبح لهذه الأشياء
كلام ولغة وحديث
وروح ومعنى ..!