المدونة

  • محمد عريقات – ثمرة زقوم

    Ballerina
    Victor Palmov

    كان من السهل عليّ لو تزوجتك يا ابنة عمّي
    أن أقنع الفراشات بوردةِ البلاستيك
    كنت سأضع لكِ سريرًا في غرفةِ أطفالنا
    وأخفي في غرفةِ نومكِ حبيبة تحمل حذاءها وتغادر
    بينما أروي لكِ قصصًا عن رجلٍ يحشو وسادة زوجتهِ بالزهور
    فتبتسمينَ لابنِ عمّكِ القوّام على اعوجاجك.

    *
    لو تزوجتك يا ابنة عمّي
    كنت أنجبتُ أطفالا يصارعون التلاسيميا أو متلازمة داون
    بنات لا يخطفهنّ الأزواجُ منّي ومنكِ
    وأولاد لا يركنون شيخوختنا على رصيفِ مأوى عجزة
    نتلمسُ بركتهم في مؤونة البيتِ
    نعلمهم جدول الضرب وصنع أجنحة الذل من زغبِ أجسادهم
    نصحبهم في نزهةِ نهايةِ الأسبوع إلى جنةِ تحت القدمين
    وإذا ما استيقظتِ المأساةُ فجأة ننهالُ جميعنا على البيتِ
    ونقتله.

    *
    كنت فاجأتك بتزوير الجينات بيني وبين أخوتي
    كمن يخفي تشقق قدميهِ بحذاء جلديّ باهظ الثمن
    فكلانا من عشيرةٍ تنثرُ بذور الفِجْل بين أفخاذِ الزوجات
    كلانا من مدينةٍ تبيعُ على أرصفتها صورًا لعاريات
    يَعُدن إلى منتصف القرن الماضي
    بها ألفُ يدٍ تدلُكَ على بيوتِ الفضيلة، وطاردي الجنّ، ومزوجي العوانس
    ياه لو أنكِ صادفتني في منتصفِ العُمرِ/
    هناك/
    بعيدا عن طفولتنا/
    فوق ركام أقاربنا
    كنتِ ستشبهين، إلى حد بعيد، زوجتي.

  • إيهاب خليفة – لماذا يطاردنا صانع البلور؟

    Night rider
    David Burliuk

    صانعُ البلور
    يسهرُ أمامَ الصهدِ
    ينفخُ
    من روحهِ
    ليصنعَ المصابيح .
    أصمُّ وأبكمُ ، هو .
    يداهُ مشوهتان ِ، هو .
    صانعُ البلور
    إن فرحَ لوَّنَ المصابيحَ
    لتحيا
    في عالم الورد .

    صانعُ البلور
    إذا استاءَ
    جعلَ المصابيحَ بيضاءَ
    مريضة
    لتقضي
    حياتها في الجنائز
    وربما تأخذهُ المبالغة ُ
    فيجعلها
    صفراءَ
    شاحبة
    تحيا بنتا للغبار
    وعاهة للشوارع .

  • أُحب إذن أنا موجود – كاثلين رين

    أُحب إذن أنا موجود – كاثلين رين

    تقف الفلسفة البيئية على الضد من الثنائية/القسمة الديكارتية (الأنا/العالم، الذات/الموضوع، الإنسان/الطبيعة…). ومن أجمل التعبيرات عن رؤيا هذه الفلسفة ما نجده في هذه القصيدة التي تعدّ من نماذج الشعر الإيكولوجي (البيئي):

    “أُحب إذن أنا موجود” (كاثلين رين Kathleen Raine ترجمة: د. معين رومية)

    لأنني أحب

    تَدْلُق الشمس أشعتها الذهبية الحيَّه

    تدلق الذهب والفضة فوق البحار

    لأنني أحب

    الأرضُ بمغزلها الكوكبي

    ترقص رقصتها الخالقة النشوى

    لأنني أحب

    ترتحل الغيوم على متن الرياح

    عبر سماوات رحبه،

    السماواتِ الرحبة الجميله، الزرقاء العميقه

    لأنني أحب

    تهب الرياح على الأشرعة البيضاء

    تهب على الورود

    الرياح العذبة تهب

    لأنني أحب

    تخضرُّ السراخس

    ويخضرُّ العشب

    والأشجار المشمسة الشفافه

    لأنني أحب

    تبزغ القُبَّرات من ثنايا العشب

    وتحفل الغصون

    بالطيور الصدَّاحه

    لأنني أحب

    يرفرف هواء الصيف بآلاف الأجنحه

    وتتوهج في الضوء

    عيونٌ مجوهرة لا تحصى

    لأنني أحب

    تتخذ الأصداف القزحية على الرمل

    أشكالها الناعمه

    معقَّدةً كالفكر

    لأنني أحب

    ثمة درب خفي عبر السماء

    ترتحل الطيور عليه

    والشمس والقمر والنجوم

    تسلك ذاك السبيل

    لأنني أحب

    ثمة نهر يتدفق طيلة الليل

    لأنني أحب

    يتدفق النهر طيلة الليل في رقادي

    وآلاف الأشياء الحية نائمة بين ذراعيّ

  • مَن الذي يَفهمني غير نفسي – جيمي سانتياجو بكا – ترجمة: عبير الفقي

    مَن الذي يَفهمني غير نفسي – جيمي سانتياجو بكا – ترجمة: عبير الفقي

    يوقفون المياه، فأحيا من دون ماء،
    يبنون جدرانًا أعلى، فأحيا من دون رؤوس أشجار،
    يَطْلون النوافذَ بالأسود، فأحيا من دون أشعّة شمس،
    يقفلون زنزانتي، فأحيا من دون الذهاب إلى أيّ مكان،
    يأخذون آخرَ دمعةٍ لديّ، فأحيا بلا دموع،
    يأخذون قلبي ويشقّونه، فأعيش بلا قلب،
    يأخذون حياتي ويحطّمونها، فأحيا بلا مستقبل،
    يقولون إنّني وحشيّ وشيطانيّ، فلا يكون لديَّ أصدقاء،
    يمنعون كلّ أمل، فلا يكون لي مَخرجٌ من الجحيم،
    يمنحونني الألمَ، فأعيش مع الألم،
    يمنحونني الكراهية، فأعيش مع الكراهية،
    لقد غيّروني، ولم أعد الإنسان الذي كنتُه،
    لا يتيحون لي الاغتسالَ، فأحيا مع رائحتي،
    يفصلونني عن إخواني، فأحيا بلا إخوة،
    من الذي سيَفهمني عندما أقول إنّ هذا جميل؟
    من الذي سيفهمني عندما أقول إنّني وجدتُ حرّيّاتٍ أخريات؟
    لا أستطيع أن أطير أو أُخرجَ شيئًا من يدي،
    لا أستطيع أن أجعل السماواتِ تُفتح أو الأرضَ ترتجف،
    لكنني أستطيع أن أحيا مع نفسي، وأنا مذهولٌ من نفسي، ومن حبّي، ومن جمالي،
    مأخوذٌ بإخفاقاتي، وتدهشني مخاوفي،
    أنا عنيد وصبيانيّ،
    وفي خضمّ حطام الحياة الّذي سبّبوه، أمارس ذاتيّتي،
    ووجدتُ أجزاءً من نفسي لم أحلمْ أن تكون منّي:
    كانت تخرج من تحت الصخور في قلبي
    حين رُفعت الجدرانُ أعلى،
    وحين أُوقفت المياهُ وطُليتِ النوافذُ بالأسود.

    لقد تبعتُ هذه الإشارات
    كمتعقّبِ آثارٍ عتيق،
    سلكتُ المساراتِ في عمق نفسي
    وتتبعتُ المسارَ المبقَّعَ بالدماء،
    عميقًا في المناطق الخطرة، فوجدتُ أجزاءً كثيرةً في نفسي،
    علّمتْني أنّ الماء ليس كلَّ شيء،
    ومنحتني عينيْن جديدتيْن لأرى من خلال الجدران،
    وعندما تكلّمتْ [تلك الأجزاء]، سطعتْ أشعّةُ الشمس من أفواهها،
    وكنتُ أسخر من نفسي ــــ معها،
    ضحكنا مثل الأطفال وتعاهدنا أن نكون مخلصين دائمًا.

    من سيَفهمني عندما أقول إنّ هذا جميل؟


    *نص: جيمي سانتياجو بكا
    *ترجمة: عبير فقي

  • الصرخة، النشيد- جان فاسكا – ترجمة: أسامة أسعد

    الصرخة، النشيد- جان فاسكا – ترجمة: أسامة أسعد

    بي جوعٌ

    لعوالم لا منتهية

    حساء من الكواكب والأحلام قديم

    لخبز المجرات الأزرق هذا

    لا زال ساخنا يدخّن ويمدّدني

    بي جوع لجزر وأرخبيلات

    حيث على نار هادئة تنضج مذاقات أخرى

    جوع للجوع الأول

    القادم من الفضاء الداخلي

    جوع لهذي الألوان التي تحترق

    لهذا الضوء المشرع كسيف مسلول

    جوع في لحمي وروحي

    لكل أطعمة الأرض

    جوع لدوار امرأة

    معجونة بالليالي وبالمد والجزر

    عندما الشهوة المشتعلة الكبرى تفتح

    عضو الصيف التناسلي

    جوع لأخوّة

    ترتجف بكليّتها

    جوع للحقائق الحية

    و وضوحات الشمس

    جوع لحياة ممتلئة

    حتى الحواف

    تتقيأ نسغها الأسود

    لهذه الحياة التي تُلْتَهَم

    على مائدة الصدفة الأخيرة

    جوع لهذا الخلود

    لهذه السماء الفارغة مثل قبعة فوق رأسي

    فليمت الموت بصمت

    أخيرًا أشعرُ بالظمأ

  • عنكبوتٌ صبورٌ هادئ للشاعر الأميركي والت ويتمان – ترجمة سها السباعي

    عنكبوتٌ صبورٌ هادئ للشاعر الأميركي والت ويتمان – ترجمة سها السباعي

    ذلك العنكبوتُ الصبورُ الهادئ

    لاحظتُ، أين يقفُ على صخرةٍ داخل الماء، معزولاً؛

    لاحظتُ، كيف يستكشفُ الفراغ الشاسع الذي يحاصره،

    وقد أطلق من داخله خيوطاً، خيوطاً، خيوطاً إلى البعيد

    يفكها سريعاً من بكرةٍ أبديةٍ بلا سأم.

    وأنتِ أيتها الروح ، تقفين في مكانكِ

    محاصرةً، محاصرةً بمحيطاتٍ من الخواء لا حدود لها

    تتأمَّلين، تُجازفين، تُطلقين خيوطكِ بلا توقف – تنشدين نجوماً وأكواناً،

    لتصلي بينها؛

    حتى يتكوَّن الجسر الذي تحتاجين – حتى تستقرَّ المرساة طوع أمركِ؛

    حتى تتشبَّث خيوطك الوهمية الرقيقة التيتُطلقينَ بمكانٍ ما، آه أيتها الروح.

    ترجمة سها السّباعي.

  • لا أجرؤ أن أراك: كينيث ركسروث | ترجمة : جولان حاجي

    Chris Gwaltney

    أجلسُ إلى طاولتي.

    ما عساي أكتبُ إليك؟

    مريضةً بالحب،

    أتوقُ إلى رؤيةِ جسدك.

    ما بوسعي كتابتهُ ليس إلا:

    ” أحبك. أحبك. أحبك.”

    الحبُّ يمزّقُ قلبي

    وينهشُ أعضائي.

    خلجاتُ التوق تخنقني

    ولا تكفُّ عن خنقي.

    -2-

    إذا ظننتُ أن بوسعي التسلُّلُ

    كي أجيءَ إليك

    فستكونُ عشرةُ آلاف ميل ميلاً واحداً.

    لكننا في المدينةِ نفسها

    ولا أجرؤُ أن أراك،

    وإنّ ميلاً واحداً لأطولُ من مليون ميل.

    -3-

    تسألني عما كنتُ أفكّرُ به

    قبل أن نمسي، أنا وأنت، عاشقين.

    الجوابُ سهل.

    قبل أن ألتقي بك،

    لم يكنْ لديّ ما أفكّرُ به.

    -5-

    لا أحدَ سوانا

    في بيتنا الصغير،

    بعيداً عن الناس،

    بعيداً عن العالم،

    لا شيءَ سوى هسيس الماء فوق الحجر.

    ثم أقولُ لك،

    ” انصِتْ. اسمعِ الريحَ تعبرُ بين الأشجار”.

    ….

    كينيث ركسروث

    ترجمة : جولان حاجي

  • فتحت الباب فانهال عليّ العالم – ديوان الاكتفاء بالضروريّ – أحمد صالح

    فتحت الباب فانهال عليّ العالم – ديوان الاكتفاء بالضروريّ – أحمد صالح


    ابن الشاعر شاعرٌ بالفطرة، هذا ما يؤكده ديوان الشاعر أحمد الصحيح في تجربته الشعرية الفذة، لم يختبىء فيها تحت عباءة الأب كما المعتاد، بل صنع له صوتاً خاصاً يتحرك في مدار آخر، مدارٌ لا يدركه سوى الذين يعلمون مدى ما يمكن للشعر تحقيقه، ومدى ما يمكن للاختزال أن يضم العالم في تورياته القصيرة والمعبرة، ولهذا حاز أحمد على المركز الأول في مهرجان بيت الشعر بالدمام، دورة فوزية أبو خالد في العام ٢٠١٦. تجربة شعرية كاملة ومؤثرة وتستحق أن تُقرأ لأكثر من مرة، وهذا يبدو واعداً لصوت شاب، يتحدث بلغته السهلة لكن المؤثرة في الوقت ذاته.

    فتحت الباب فانهال عليّ العالم، بكل حروبه وانكساراته وصوت الأنا المفقود بالداخل، فتحت الباب، حاولت فتحه فكانت:

    ” المفاتيح

    فرصٌ حديديةٌ لإنعاش المكان

    إنها لاتحزن ولا تفرح

    لكنها تصدأ

    حين تلتفت لصوت التكرار وهو يبني هاويته حولها.

    فتحت الباب وانسلت قدماي إلى الشارع:

    ” في هذه المدينة،

    في هذا الهزيع المتأخر من ليل الأمنية

    أنفض الغرباء عن صدري فأسقط واحداً منهم.

    قوس الكشف لم يشتد،

    والقلق لا يفترضُ طريقة للخروج.

    وأنا مازلت أعرف

    أن العمر الذي يمر سريعاً في الشارع الخلفيّ للمقهى..

    عمري

    وأن ما أحتسيه في دمي إجابةٌ مبتورة الأطراف.

    فتحت الباب فكان:

    ” على بابي خسارتان وانتصارٌ واحد،

    ذاكرةٌ تتكىء على كتف يقظة،

    قصيدةٌ مخلوعة،

    فرصة أغنية مهملة،

    ابتسامةٌ واحتمال فم.

    فتحت الباب فكانت الحرب تهطل من البنادق والأجهزة الذكية. وكان للجنديّ أربع أيادٍ

    يعود باثنتين

    ليحتضن بهما أمه بعد الحرب،

    واثنتان لا تتوقفان عن اطلاق الرصاص

    يذهب بهما لأمهات الضحايا.

    فتحت الباب وانا ..

    ” دائماً ما أردت أن أكون خفيفاً خفيفاً

    كأن لا تكون الأشياء التي لي .. لي

    كأن تكون الأشياء التي ليست لي

    ليست لي أكثر ..

    فتحت الباب وكنت:

    ” سأغرس

    قيثارة في جيبي لينجو،

    حانةفي رأسي لينهض،

    وسيجادلني المطر.. فانتبهي.

    ستراودنا البداية وسنستهلك الأبد،

    سنصنع دهشةً ونسميها ” أمنا”.

    سأصلّي .. أصلي لأزاداد ” أنتِ”،

    وصلي لنزداد ” أنتِ”

    وسأحبكِ .. فانتبهي.”

    فتحت الباب ديوان الشعر الذي من عتبته ينهال عليك العالم، تكتفي بالقليل الذي يعبر، خيرٌ من أن تعبث بك القصائد الطويلة، إنه ديوان الشعر الذي تكتفي منه بالقليل، بالضروريّ، بلا زيادة أو نقصان، هذا التقشف يفتح لك مخيلةً أكبر من مخيلتك، ديوان الأنا المفقودة، ديوان القلق كأنك حافةٌ يسقط منها الآخرون، كأنك حين تنفض الغرباء عن رأسك تسقط كما لو أنك واحد منهم.

  • إيميلي ديكنسون – عربة الأبدية

    إيميلي ديكنسون – عربة الأبدية

    موت لم يستعجلني تخلّيت له عن سلواي

    *

    لأن ملاقاة الموت لم تكن قراري

    تكرّم عليّ وانتظرني

    جلست قربه وهو يقود

    حياتي والعربة نحو الخلود.

    مشينا في بطء

    لم يستعجلني

    وتخليت له

    عن سلواي وأعمالي

    .

    مررنا إمام مدرسة وتلاميذ

    يتصارعون في حلقات

    عبرنا حقول السنابل الشامخات

    شاهدنا الشمس لحظة الغياب

    تمهلنا إمام منزل بدا

    مثل وَرَم في بطن الثرى

    حروفه كومة ركام

    وسقفه بالكاد يُرى

    سنين طويلة

    مرت عليّ

    ثوان قليلة

    لاحت لي

    أدركت لحظتئذ أن العربة

    متجهة نحو الأبدية.

    .

    حياتي انتهت مرّتين

    انتهت حياتي مرتين

    قبل موعد نهايتها

    ويبقى أن أرى

    إن كانت تخبىء الأبدية لي

    نهاية أخرى في عباءتها

    ألم كبير لا يوصف

    في المرتين

    الجنة والنار

    في الحب هما

    يكفي أن نبتعد عمن نحبّ لنعرف الفرق

    *

    ترجمة: سوزان سعد

  • تشارلز بوكوفسكي – آمن | ترجمة: د.شريف بقنه

    تشارلز بوكوفسكي – آمن | ترجمة: د.شريف بقنه

    Solidity of Fog
    Luigi Russolo

    المنزل الذي بجواري يجعلني حزين.
    يستقيظ كلا الزوجين مبكّراً.
    يذهبان للعمل.
    يعودان الى المنزل في بداية المساء.
    لديهم صبيٌ و فتاة.
    عندَ التاسعة مساءً تنطفئ أضواءُ المنزل.

    في الصباح التالي يستيقظ كلا الزوجين مبكراً.
    يذهبان للعمل.
    يعودان في بداية المساء.
    عند التاسعة مساءً تنطفئ الأضواء.

    المنزل الذي بجواري يجعلني
    حزين.
    الناس فيه طيبون،
    أحبهم.

    لكنّني أشعر أنهم يغرقون.
    ولا يمكنني مساعدتهم.

    إنهم يبقون على قيد الحياة.
    إنهم ليسوا مشردين.
    لكن الثّمن فضيع.

    في وقتٍ ما خلال اليوم
    سأنظرُ الى المنزل
    و سينظر إليّ المنزل
    و سيبكي، نعم، سيفعلها،
    أشعر بذلك.

  • هايكو الأهواز – إسماعيل الشريفي

    هايكو الأهواز – إسماعيل الشريفي

    1-
    شجار الوالدين،
    الطفلة تهدئ
    دميتها

    2-
    أمام المرآة
    الطفلة تختبر فستانها
    و تدمدم.

    3-
    كرته فوق السطح
    الطفل الباكي
    يشير الى القمر.

    4-
    طفل مشاغب
    ينظر بصمت
    إلى اللبلاب

    5-
    ظهيرة صيفية
    إلى الثلاجة
    تلاحقني بعوضة.

    6-
    فجرًا
    الشمس و الشاحنات
    تتجه نحو الميناء

    7-
    طفل العائلة
    يلاعب النبتة الوحيدة
    على قبر حديث

    8-
    بعد الزلزال
    هدهدة الأم
    تخيف الطفل.

    9-
    يسبقني هاتفي
    بالرقص وجدا
    على رنة اتصالها

    10-
    الأطفال
    ينتظرون بشوق
    مغادرة الضيوف

    11-
    بعد الصلاة
    الجالس على نعاله
    نفس مطمئنة.

    *
    إسماعيل الشريفي / مدينة عبادان الاهوازية / إيران

  • لا عُمق للألم – رغد الخالدي.

    Rania Moudaress

    خطوط من السأم تدور حولي، فتشكل دائرة محكمة لا أستطيع قطعها ولا القفز منها. لا أتذكر أي بداية في حياتي ولا أي نهاية، بالضبط مثل دائرة السأم التي تلفني. أشعر بأني عشت الكثير قبل أن أبدأ لذلك لا تعتبر بدايتي بداية، وكل الأشياء التي حاولت إنهائها كانت تتخذ مسار أطول من مسار صبري، لذا أقف قبل النهاية، فلا تعتبر نهايتي نهاية أيضاً. عندما استيقظ من النوم يخيّل لي بأني نسيت نفسي هناك، وحين أقول هناك: فأنا لا أعلم أين، لكن في مكان ما، فأعيش وأستهلك مرتين، مرة هنا، مرة هناك. أركب هذا القطار قبل تسعة عشر عامًا أو أكثر في حيوات آخرى، جميع ركابه ينظرون بهلع، تجاهي أنا، أصابعهم طويلة، رزيئة، يشيرون بها، تجاهي أنا. يتبادلون الشتائم والعبارات القاسية ويوجهونها، تجاهي أنا.

    سكة الحديد لا تنتهي وأدخنة القطار تخرج من أفواههم، تجاهي أنا أيضاً. لا وجهة لهذا القطار كما أعرف. لأن سكة الحديد التي لا تنتهي أنا. وجميع الركاب أنا. والسأم الذي يشكل دائرة حولي هو أنا، أنا سأم نفسي وأنا لا أستطيع قطعي.

  • الأعين القرمزية وصحن اللزانيا – تركي علي

    الأعين القرمزية وصحن اللزانيا – تركي علي

    استيقظت اليوم على نبض قلبي المضطرب والذي يسمع تدفق الدم منه كمجرى نهر. وطأت سجادتي التي وضعت دون أن تقابل القبلة. اقتربت من النافذة، نحيت جفنين من القماش عنها، وأمسكت بكوب ماء، وسقيت وردة على مشارف الموت. الحياة لا تزال نائمة.. والموت الذي استيقظ مرعوبًا من حلم سيء، مثلي تماما، يجوب الشارع أمام بيتي. بائع الجرائد يصرخ بأخبار أكثرها كاذب. الموت الذي لا يزال مرعوبًا، يهرب في زقاق خلفي تفوح منه رائحة البواليع. جف الماء عن تربة الوردة بسرعة رهيبة ولم يرطب إلا القليل. وضعت الكأس على الطاولة. غسلت أسناني بسرعة رتيبة. ودفعت بملابسي المتسخة لفوهة سلة الملابس، فغابوا في واد سحيق من الملابس. سرحت شعري بضربتين سريعتين عليه. ثم خرجت للشارع.
    الناس يستيقظون بالتتابع، كعدوى التثاؤب. الحياة تستيقظ ناعسة. العمل في يوم عطلة كهذا يعد جريمة لا تغتفر، لدي على الأقل.
    جلست على كرسي بالمقهى في آخر الشارع. أفتح جريدة اليوم. حروب متتالية، لا منتصر فيها سوى التاريخ، المتغير الوحيد. اختلاسات تظهر وراء جمل مزخرفة مثل “مشروع المطار الجديد يذهب لشركة …” أو “عمل خيري يتعدى المليونين دينار لمؤسسة …” أو “الجنسيات بالمجان، قضية مستحقة، يدافع عنها ….”
    أقلب صفحات الجريدة بسرعة بحثا عن صفحة الكلمات المتقاطعة، ثم الممثلات البلاستيكيات.
    نحيت ستارة أحد الشقق في الدور الثالث للبناية مقابل المقهى، ثم فتحت النافذة. أطل برأسه رجل في الاربعين من عمره، بشارب عظيم يقف عليه الطير، وشعر طويل ناعم، أما ملامحه فلم تكن واضحة كل الوضوح من مكاني البعيد. كانت يداه البيضاوين النحيلتين تتلمس جسده كله, ثم بدأ بنزع الملابس عن جسده. نزع صداره, فقميصه, وخرجت، رغم نخله، كرش صغيرة يخبئها خلف ملابسه. نزع بنطاله وسرواله الداخلي وبقي عاريًا، تحرك الرياح شعره الناعم فوق رأسه وبين فخذيه بحركة متزامنة.
    شرع الرجل بتعداد أسباب لم نكن نعرف عنها شيئًا. فقد صرخ قائلا:
    – لأن الحياة رائعة، نحن رجال.
    كان البعض ينظر له باستغراب,وآخرين بتقزز، لكنهم اجتمعوا بالضحك حين قال الجملة التالية:
    – لأن الرئيس سمين سيأكل حتى الفئران مع اللزانيا.
    ضحكت أنا أيضًا حين قال تلك الجملة المنطقية. رفع الرجل يديه العاريتين، ورفع سبابته للسماء. كان اصبعه كعود أراك في مواجهة تلك السماء الزرقاء العظيمة. التفت حولي.. كانت الحياة التي دبت في البشر والشارع تنظر لهذا الرجل العاري، وكنت الوحيد الذي رأى حوله لرؤية أثر تلك الجمل التي يطلقها ببراعة وبلاهة. أنزل الرجل سبابته.. تبعته عيني، فتح فمه، تبعه سمعي. قال بصوته المتقطع الحاد:
    – لأن الفتاة في زاوية الشارع تنظر منذ سنتين، سأضاجعها.
    التفت الناس المتجمعون نحو الفتاة، التي انفجرت في وجنتيها الأوعية الدموية.. فتحولت للون دم يخالط لون بشرتها الحنطية. لم تستطع الفتاة الرفض، مشت كالمسيرة، فتحت باب بناية العاري ذو الأسباب ودخلت. كنا جميعًا ننتظر مدهوشين لقدرته على التحكم بإرادة البشر، إرادتنا أعظم ما نملك، يأتي هذا النحيل المضحك ويتحكم بها!
    مرت خمس دقائق منذ دخلت الفتاة، غاب الرجل لبضع دقائق، وكنا نسمع صوت الفتاة مكتوم على حياء. مرت نصف ساعة منذ دخل الرجل، ونصف ساعة يصل فيها خبر من الصين إلى بلاد الخليج. اقتحم الحي رجال الشرطة بمركباتهم السوداء ذات الضوئين الأحمر والأزرق. صوت هدير سياراتهم يخبو. أطفأوا محركاتهم. وعلى نهيق بشري في مكبر الصوت:
    – انزل يا لعين. ارتد ثيابك واترك الفتاة في حالها وانزل.
    بعد أن أعاد الشرطي الجملة ثلاث مرات، وهدد بأن يقتحم الشقة، خرج الرجل العاري في حضنه الفتاة متلحفة بفراء ينزلق على كتفيها، كآلهة اغريقية قديمة, بوجنتيها الحمراوين، وصرخ بعد أن نزع يده عن ظهر محبوبته:
    – لأن العري جميل، ستتغوطون على Hنفسكم.
    ضحك أهالي الحي المتجمعين. شعر رجال الشرطة وبالتحديد الرجل الذي يمسك بيده مكبر الصوت، بالخزي والعار لما قاله الرجل العاري، وشعروا حقًا بأنهم سيتغوطون على أنفسهم، لكنهم تماسكوا بصعوبة.

    علت ابتسامة وجه الرجل العاري، أما الفتاة فكانت تنظر له بفخر. قال الشرطي ذو مكبر الصوت:
    – سب الرئيس جريمة وطنية، ستعاقب، ستحرق جنسيتك. وربما، إن سمح لي رئيسي، ستحرق أنت أيضًا.
    أبى الرجل أن يتزحزح عن مكانه وعريه. اهتزت الأرض من وقع أقدام رجال الشرطة الغاضبين. اقتلعوا الباب بالسندانات التي يمشون عليها. وخطوا فوق رفات شيء كان بناية قبل قليل. كنا نتابع صوت مشيهم، فكانوا يتخطى الدور الأول. الدور الثاني، ها قد اقترب.. ثلاثة، اثنان، بوم، رأس الشرطي ذو مكبر الصوت يطل من النافذة وهو يعارك الرجل العاري, أما الحنطية الاغريقية فكان صوتها يتوسل في مكان ما.
    خرج رجال الشرطة مع العاري، مبتسما رافعا رأسه، والريح التي هبت ببرودة لم تفترض أن توجد في يوم صيفي حار، تحرك شعره. مر رجال الشرطة بجانبي كما فعل الرجل العاري، كانت عينيه قرمزيتين تشيان بخبث رهيب وابتسامة فخر تعلو شفتيه الداكنتين، وبضع شعرات بيضاء تظهر في شاربه توحي بعمره الأربعيني المبكر. اقتلع انتباه عيني بعينيه القرمزيتين، وقال وهو ينظر الي مباشرة:
    -لأن العري جميل، سيتغوط رجال الشرطة على أنفسهم.
    وحين تركوا المكان، أورثوا رائحة خراء بشعة.

  • سكنى منزل التل- اكتشاف الداخل قبل سبر المجهول – أحمد صالح

    سكنى منزل التل- اكتشاف الداخل قبل سبر المجهول – أحمد صالح

    صدرت الرواية في عام ١٩٥٩ وتصنف على أنها رواية هول قوطي، اعتمدت فيها الكاتبة على وقائع تخلط بين الواقعية والخيال، ليست عنفاً بالمعنى الصريح، فشيرلي هنا لم تعتمد على الوقائع الخارجية وإنما على الأبعاد النفسية للأبطال الذي تتضمنهم القصة، هو الخوف من المجهول كعادة البشر، حاجتهم إلى وضع إطار علمي لأي ظاهرة قد لا يمكن تفسيرها، وربما قد تشبه المنازل في عالم شيرلي رحلة إلى الذات أكثر من كونها اكتشافاً للظواهر الماورائية في سبيل تفسيرها بشكل علمي أو حتى عن طريق الملاحظات البسيطة.

    أقتبس من الرواية معنى الخوف على لسان أحد الأبطال: الخوف.. إنه احجام المنطق، التخلي الطوعي عن الملسمات العقلانية، إما أن تصرخ منه أو تحاربه، لكن لا يمكن أن تلتقيه في المنتصف.

    واما الدكتور مونتاغيو، العالم الذي قاد حملة اكتشاف السر وراء منزل التل، يعرّف شغفه تجاه اكتشاف الماورائيات حيث يقول:

    تتذكرون المنازل التي وصفت في سفر اللاويين بصفتها ” مجذومة” التي ضربها البرص، أو وصف هومر للعالم السفلي: منزل هاديس، أظن أنني لا أحتاج إلى أن أذكركم ، بأن فكرة كون منازل معينة نجسة أو محرمة- ربما مرعبة- فكرة قديمة بقدم عقل الإنسان. بالطبع هنالك بقع لا مفر من أن تلصق بنفسها هالة من العظمة والطيبة؛ ربما لا يكون حينها من الخيالي قول إن بعض المنازل ولدت سيئة. منزل التل لم يكن ملائماً للاستيطان البشري لما يزيد على عشرين سنة. كيف كان يبدو، وهل تشكلت شخصيته وفقاً لمن عاشوا فيه، أو وفقاً للأشياء التي فعلوها، أو أنه كان مشؤوماً منذ بدايته.

    وحين يرد ” لوك سندرسن” بماذا أيضاً قد يسمى منزل التل؟

    يجيب الدكتور:

    حسناً ربما يكون مضطرباً، مجذوماً، مريضاً، أي كناية شائعة عن الجنون. ثمة أشخاص قد يخبرونكم بأن الاضطراب الذي أسميه ” ماورائي” هو في الواقع نتيجة للمياه الجوفية، أو تيارات كهربائية، أو هلوسات بسبب الهواء الملوث، الضغط الجوي، الكلف الشمسية، حركة الأرض، لدى كل هذه الفرضيات مؤيديها من المتشككين. فالناس متلهفون دائماً من أجل نقل الأمور إلى مساحة مفتوحة حيث يمكنهم تسميتها، حتى لو كانت أسماء بلا معنى، مادام لها ختم علمي.

    سكنى منزل التل، عمل خلاق، لا يعتمد بالضرورة على خلق عالم مملوء بالرعب، لا يعتمد على العنف كذلك، إنما يعتمد على كشف المجهول وازاحة الستار عن الغموض الذي يغلف
    الأحداث الغير طبيعية التي شاعت عن المنزل، إنه منزل غريب، لم يكمل فيه أحد مدة الايجار ، ودائماً ما كانت الأسباب واهية وغير منطقية، أحدهم أشار بضرورة حرقه ورش مكانه بالملح، والآخر أشار أن المنزل رطب جداً ولا يمكن الحياة فيه، رغم أنه جاف تماماً وهذا ما يؤكده القاطنون الآن. الدكتور مونتاغيو، الينور، ثيودورا، ولوك، اجتمعوا دون أن يعرف أحدٌ منهم الآخر، لكنهم ينتظرون تلك الفرصة من أجل أن يحكي كل منهم قصته، أن يتحرروا من الدفن تحت البؤس، هي أخيراً وليس آخراً، قصة أربعة أشخاص في مواجهة الظلام، في مواجهة دواخلهم قبل كل شيء، فهل يكشفون عن أنفسهم قبل أن يكشف المنزل عن نفسه؟ هل يبقى المنزل محتفظاً بوحدته، أم أنه يمتزج بشخوص سكانه الحاليين؟ هل فعلاً نحن الذين نسكن البيوت أم أنها هي التي تسكن فينا دون أن نعلم؟

  • “العاهرة ” و “ديزي كينيون”.. المرأة في حياة الرجال

    “العاهرة ” و “ديزي كينيون”.. المرأة في حياة الرجال

    في كل أسبوع يختار الناقد السينمائي الأميركي ريتشارد برودي فيلماً كلاسيكياً ، وفيلماً عصرياً ، وفيلما ً مستقلاً ، وفيلماً أجنبياً ، وفيلمًا وثائقيًا لعرضهم جميعاً على موقع مجلة نيويوركر الإلكتروني على الإنترنت ، اختار مؤخراً خمسة أفلام وقع اختيارنا على فيلمين منهم لأنهما يمثلان تجربتان مختلفتان فريدتان، أحدهما عرض عام 1931 هو La Chienne ” العاهرة ” يتذكره الأجداد بكل ما يحمله من صنعة سينمائية مبكرة حاز على الاعجاب وتم ترميم نسخته حديثا في 14 يونيو / حزيران 2016.

    أما الثاني فهو ” ديزي كينيون ” 1947 لازال باقياً في ذاكرة الأحياء ،هذان الفيلمان اللذان اعتبرتهما الكثير من المؤسسات التي تعنى بالسينما من التراث الكلاسيكي السينمائي على مر عصورها .

    ” العاهرة ” ربما لم يكن أي مخرج للأفلام أكثر تأهيلاً لصنع أفلام عن الفنانين من جان رينوار الذي كان والده الرسام أوغست رينوار حيث استحوذ على الحالة الحسية لفن أبيه إنها قصة من القسوة العاطفية الفظيعة والقيم التي يتم فيها شراء القلوب والأرواح وبيعها والرسومات فقط، هي الأثر الذي يبقى .

    موريس ليجراند ” ميشال سيمون ” هو رسام من الهواة وزوجته أديل ” ماغديلين بيروبيت ” لا تملك أي صبر على هوايته ، في إحدى الليالي أنقذ موريس شابة تدعى لولو ” جاني ماريس ” تتعرض للضرب في الشارع يبدو أنها ستتحول إلى أن تصبح عشيقة له دون أن يعلم أنها عاهرة فتقوم ببيع لوحاته دون علمه أيضا لتحصل على أموالها التي ستعطيها للقواد ديدي الذي تحبه ، قصة الفيلم تتطابق مع رؤية الفنان رينوار الذي كان عاشقاً للجمال والذي بيعت لوحاته في حياته بأبخس الأثمان .
    أما الفيلم الثاني ” ديزي كينيون ” فعلى الرغم من كون جوان كراوفورد بدأت مشوارها السينمائي نجمة للأفلام الصامتة في نهاية عشرينيات القرن الماضي ، إلا انها كانت في أفضل حالاتها في التسعينات والخمسينيات لأنها كانت تعمل بعد ذلك مع أفضل مخرجيها أوتو بريمينجير الذي قدمها في فيلم ” ديزي كينيون ” عام 1947 وهو ميلودراما قدمت من خلاله كروفورد واحدة من أكثر عروضها إثارة للقلق ، امرأة يعشقها رجلان فتقع في حيرة أيهما تختار المحامي دان أومارا ” دانا أندروز ” أم الضابط البحري بيتر لابام “هنري فوندا ” ونتيجة لذلك تنهار حياتها فتختار العزلة كخيار أخير لها ، إنها واحدة من أكثر قصص الحب في هوليوود وأكثرها اضطراباً .

    عن / مجلة نيويوركر

    ترجمة: أحمد فاضل

  • قصائد مختارة لـ نيكول كاليهان

    قصائد مختارة لـ نيكول كاليهان

    تمثيل الموت

    آب، ونحن حافيان

    أنا بالكاد في الخامسة

    هو تقريباً في السّادسة

    يعلّمني كيف أبصق بزر البطّيخ

    ونستحضر خططاً

    كي نجمع والدينا معاً.

    عمليات خطف –

    اختطاف فضائي،

    غسّالات مكسورة،

    أيّ شيء يسمح بأن نعيش،

    نحن الأربعة،

    تحت سقفٍ واحد.

    لكنّني الآن،

    أرتدي الأصفر،

    حاملةً الزهور في تشرين الأول

    من أجل حياة أبي الجديدة.

    الآن أرتدي الأحمر

    في كانون أوّل

    أمّنا تطلّق رجلاً آخر،

    لكنّه ما زال آب بالنسبة لنا.

    ينتهى البزر

    فنستلقي على الرصيف،

    أخي وأنا،

    ونمثّل الموت حتّى الغسق تقريباً.

    نمثّل الموت لأنّنا مؤمنان

    بأنّنا إن متنا،

    أمّنا وأبونا سيقفان فوق جسدينا

    ويعانقان بعضهما حتّى الصّباح،

    وعند شروق الشمس،

    سوف تسحب يدٌ عظيمة

    خيوطنا اللازاروسية*

    فننهض، أخي وأنا،

    ويتنفّس أبوانا

    ويبتسمان لبعضهما البعض.

    أبي سيقول: ما رأيكم بالقليلٍ من ال”آي هوب”*؟

    نحن الأربعة نتراكم في السيّارة

    ونقود عبر البلدة إلى أن نصل

    إلى البيت العالمي للفطائر

    حيث الـ”سيروب”* يتدفق كالسحر،

    والنادلة تحضر المزيد من الكريمة المخفوقة،

    وأبوانا يحبّان بعضهما البعض

    ويشكراننا مرّة بعد مرّة،

    لأنّنا مثّلنا الموت بطريقة جيّدة جدّاً.

    *من كلمة lazarus للدلالة على الإحياء بعد الموت.

    * ihopهي اختصار international house of pancakes وهي سلسلة مطاعم مشهورة بصناعة الفطائر.

    *syrup وتعني شراب مركّز يستخدم مع الفطائر.

    قرابة بفرق جيلين*

    لأنّ قريبتي البعيدة التي تشترك معي باسم العائلة نفسه، وتميل برأسها في الصور بطريقةٍ شديدة الألفة، بدأت، في صفحتها، بطلب الصلوات والأدعية، وباتت، في فتراتٍ تبدو ميكانيكية في تباعدها، تضع صوراً إلكترونيّة لشرائط زهرية اللون.. ولأنّ صديقتي المقرّبة من الصّف السّابع، تتّصل بصوتٍ غير مبالٍ بالألم، لتخبرني أنّها تمرّ بطلاقٍ آخر.. ولأنّ الأولاد في ساحة المدرسة ينفخون ويتفرّجون على أنفاس بعضهم البعض.. ولأنّه، في الضوء المختلف لهذا الصّباح، يبدو فجأةً واقع موتنا واضحاً ومستحيلاً في الوقت نفسه، كنت، في القاعة بالأمس، أودّ بشدّة أن أقع بين ذراعيك فتحضنني. لكنّني، بدل ذلك، استندت على حافّة الباب وتحدّثت إليك عن الطقس. البرد في بدايته. أفتقد تلك الأيّام حين كانت القصائد تشعلها الرغبة.

    *العنوان الأصلي للقصيدة هو twice removed وهو تعبير يستخدم باللغة الإنجليزية للدّلالة على قرابة شخصين بفرق جيلين.

    قرب الغسق

    يضع رجلٌ

    ميناءً

    على حافّة نافذتي

    فأراقب المياه

    تحمل القوارب،

    وأعدّ الأسماك

    ذوات العين الواحدة.

    هذه هي الكلمات

    التي لا أقول:

    “خسارة”، “شمعة”،

    “ابدأ”،

    ولكن

    الليل قريب

    والغسق

    يتركني فقط

    لأفواهي،

    وسادتي،

    ويديّ الاثنتين

    تصنعان الطيور

    من الظل

    على الجدار.

  • إبراهيم نصر الله – الطغاة لا يستوردون ضحاياهم

    haulers-cross-wade-1872
    Ilya Repin

    أتأمــل
    لا أكتب
    ***
    ثمــة باب مقفل أمام الصغير..
    أشرَعتـْه الكتابـة
    ***
    بالنشيد.. لا بالعصا أو الشبكة
    حاولت إقناع الفراشة بالتوقّف
    ***
    طيران على حافة الخوف..
    رسالةُ الحبّ الأولى
    ***
    قصيدتك الأولى، لم يقتنعوا أنها لك
    صاحبهم.. كيف يمكن أن يطـير؟!
    ***
    بقدميك.. لم تكن قادرًا على اللحاق بالطيــور
    بالكلمات سبقتَها!
    ***
    حرية الأشياء التي تكتب عنها
    حريتها أن تعيشها
    حرية الأشياء أن تتحرّر أكثر بعد كتابتك عنها
    ***
    أمام فوهـة المسدس ينتصب الرأس
    تكتب بكامل روحك
    كما لو أنك مُقبل على الانتحـار
    ***
    حـرية النص، خارج المصير الذي ستؤول إليه ككاتب
    بسبب حرية النّصّ نفسـها
    ***
    حرية القارئ: سِــعةُ النــص
    ***
    لا أخاف أحدًا
    مثلما أخاف الذين يكرهون الأغاني الجميلة
    ***
    أن تكتب
    يعني: أنك بحاجـة للتجربة أولا
    ولكن.. من قال إن العيش مسموح؟!
    ***
    خصــرُك الذي لـي
    دائماً.. تحفّ بـه الشـرطـة
    ***
    رغم كل التّغيرات التي قد تطرأ على أحد الأنظمــة
    تظل القاعدة:
    (خيارُكم في الجاهليــة.. خيـارُكم في الإســلام)
    ***
    ديمقــراطية عربيـة ؟!
    قبلها: حصّتـُكَ من الهـواء تكفي لأن تعيش
    بعدها: حصّتُكَ من الهـواء تكفي لأن تصمت
    ***
    لم أجد شارعا واحداً
    يتسـعُ لمـرور الروح!
    ***
    لكل ديمقراطيـة سقفها في عالمنا العربي
    بعض السقوف، يتيح لك أن تسير على أربع
    بعضها، أن تسير وأنت محني الظهر
    وأعـلاها لا يتيح لك أن تسير
    إلّا وأنت محنيّ الرأس
    ***
    التّرهيب قمـعٌ
    والتّرغيـب أيضـاً
    ***
    ورقــةٌ بيضاء.. قلم بسيط..
    وأنت بكامـلك هنـــا
    بأدوات الإنتاج المتواضعة هذه، ستعمل الكثير
    – حريـةٌ لا تَوصف –
    ***
    الكلمـــاتُ كالخـبز،
    أهمّيتهـا في وقتهـا..
    حين نكون بحاجة إليـها
    ***
    قصائد هلاميــة تـدّعي الحـريةَ
    كطيـور مُحـنّطــة!
    ***
    بنصف روحــكَ
    لا تستطيع أن تكتبَ
    الأدب الذي نحتـاج
    ***
    يتقدّم الكاتب.. ويتقدّم
    طالما ليست هنـاك ثغرة في ضمـيره
    ***
    الذين ابتلعوا نصـفَ ألسِـنَتَهم أيام القمع
    ابتلعوها كلّها (أيام الحـرية!)
    ***
    كـل قصيــدة
    محــاولة لاستعادة حفنة هواء مسروقة منك
    ***
    العَـلَم.. والنشيد الوطني
    وحـدهما لا يستطيعان أن يُكَـوّنا دولة
    كاللغـة التي مهما كانت جميلة
    لا تستطيع وحدها أن تكون قصيــدة!
    ***
    الكُـتّاب الذين خـافوا أصبحوا كَـتَبـة
    ***
    المنفى في أفضل حالاته:
    رحْـمٌ بـارد!
    ***
    الجرأةُ فنيــاً
    ألا تترك لقارئك فرصـة
    لتَـوَقّـعِ ما سيكون عليه كتابك القادم!
    الجرأة أن تهزّ ثوابتـه.. ويحبـك أكثر
    ***
    الإبداع الحقيقي
    يشقّ الجمهور في البداية.. ليوحّده أخيراً
    ***
    القصيدة التي تعود معك للبيت
    بعد الأمسـية.. قصيدة بائسـة
    ***
    فـي اليــوميّ: قتيـــل
    في الكتابــةِ: شـاهد
    ***
    ليس الكِتاب الجريء هو الكتاب البذيء أو الهجّاء
    الجرأة: أن توغل أكثر في تلك القارة السابعة
    التي تُسمى: الإنسـان
    ***
    حرّيتك المتحققة في عملك السابق
    قيـدٌ يتربـّص بعملك القادم
    ***
    نعبر النهر، فنشمّر عن سيقاننـا
    في الكتابة.. نُشمر عن روحنا
    ***
    الحريـة ،
    ليست الإنطلاق بعيداً عن العالم
    الحريـة ، حُلولٌ فيـه
    ***
    العمل الإبداعي: تحريض
    يدفعك لأن تتأمل ضد حالة الغيبوبة
    يدفعك لأن ترى ضـد عماك
    يدفعـك باتجاه الرقص متمرداً على أطرافك المشلولة
    يدفعك إلى الخروج على بــلادة الحياة اليومية
    لإزالة ذلك الصـدأ العالق بقامة الروح
    ***
    الكتابــةُ كالنهر
    يتسرب في الأرض.. يتصاعــد للسماء
    يقطع مناطق شاسعة فيرقّ ويهدأ
    يندفع في انعطافات مرهقة مجنونـة
    أو شلالات جبــارة
    حريته أن يصل البحر، لا أن يضيع في الصحراء
    -آه يا قلب القارئ –
    ***
    لا شيء أسوأ من القمع
    سوى الديمقراطية المزيّفة
    ***
    تبدو التعدديـة أحياناً
    هي التصريح لأكثر من طرف واحد لكي يسرقك!
    ***
    لكلّ عمـل ابداعي حقيقي
    قانونه الداخلي الخاص
    ***
    على الناقد أن يبني القواعد ليهدمها الكاتب
    الناقــد الحقيقي، هــو الذي يطير قلبه فرحًا بذلك
    ***
    حتى الشكل والمضمون
    ليسا هما القصيدة أو الرواية أو القصـة في آخر الأمر
    ***
    الوعي بالشكل
    وعـي بالمضمـون
    ***
    حــتى قواعـد الأبنيـة،
    علـى أهميتها
    تعيشُ هنالك في الظلام!
    ***
    أُنقّبُ في داخلي لأعثر عليّ
    أنقب في داخلك لأُكمل الصـورة
    ***
    أنـا هناك.. هناك دائمـاً
    بأسماء أخرى وأرواح كثيرة
    ***
    نتحدث كثيراً
    ولكن الأهم: ما الذي نعنيــه
    نعرف الكثير.. ولكن الأهم: كيف نكتبـه
    ……
    السّـرد أهم الأبطال
    ***
    في النهاية لا يهم كيف ولِدتْ الرواية
    السؤال: هل ستعيش؟
    ***
    أتبعثر حـين أعيش
    أتجمّـع حين أكتُب
    ***
    في محاولة لتفسير سبب الأريج
    نقول: محاولةُ الوردةِ لتجسيد الموسيقى
    في محاولة لتفسير سبب وجود الموسيقى
    نقول: محاولةُ الإنسان الخالدة كي يرى الروح
    ***
    كنتُ ذات يوم طفـلاً.. وهذا يدهشني
    كنتُ ولم أزل.. وهذا يدهشني أكثر
    ***
    أية جنـة سنحلم بها في الجنة
    بعد أن نُضيّع الأرض؟!
    ***
    ليس ثمة تحفّظ لديّ في أن أتعلم من الناقد
    ويجب ألا يكون لديه تحفظ يمنعه
    من أن يتعلّم مني
    ***
    الطغــاة
    لا يستـوردون ضحايـاهم!
    ***
    الذي يترك الآخرين يسقون زهور حديقته
    لا يستطيع أن يرى، أبدًا، تفتّـح الأزهـار فيها
    ***
    الضوء الباهر يُعمي كالعتمة
    وأكثر
    ***
    في الأصل، لا فرق بين اثنين
    يحملان الفكرة ذاتها
    لا فرق بين مائة يحملون الفكرة ذاتها
    لكن واحدا منهم يغدو آخر الأمر رمز الفكرة
    لأنه دافع عنها أكثر من المائة
    ***
    كل حرب جديدة هدفها دفعنـا
    للاعتراف بنتائـج الحرب التي سبقتها
    ***
    نقد العالم هو ابن الكتـابة
    في السخرية كثير من الكرامة!
    ففي وقت يتحتّم فيه عليك أن تبكي.. تبدأ بالضحك
    في السخرية شيء من الحفاظ على الكرامة الإنسانية
    ***
    إذا نظرنا إلى النّمر باعتباره حيوانا جادًا
    فكيف يمكن أن ننظر إلى العصفور؟!
    ***
    على هامش الوطن ولِدتُ
    وعلى هامش المنفى عشتُ
    ***
    ***
    بينما كنا نتشرّبُ حكايات الأمهات والجدات
    التي كنّ يقُدْننا فيها، وبها، نحو النوم
    نستعيدُ هذه الحكايات في الكتابة،
    في محاولةٍ منا لإيقاظ العالم!

    مقاطع من شهادة نشرت للمرة الأولى في مجلة فصول، محور الأدب والحرية عام 1992، وتنشر في (كتاب الكتابة.. تلك هي الحياة، ذاك هو اللون)

    المصدر: مجلة رُمان

  • مظفر النواب – قراءة في دفتر المطر

    young-woman-with-a-book-1875
    Edouard Manet

    في الليل
    يضيع النورس في الليل .. القارب في الليل
    وعيون حذائي تشم خُطى امرأة في الليل
    امرأة ليست أكثر من زورق لعبور النهر
    يا امرأة الليل .. أنا رجل حاربت بجيش مهزوم
    ما كنت أحب الليل بدون نجوم
    وأخيرا صافح قادتنا الأعداء ونحن نحارب
    ورأيناهم ناموا في الجيش الآخر والجيش يحارب
    والآن سأبحث عن مبغي
    استأجر زورق
    فالليل مع الجيش المهزوم طويل
    في مقهى الزيتونة تبكي الموجة فيه

    أهلي فيه
    ورجال فيه يصيدون أصابع أطفال غرباء
    مازلنا بشراً ضعفاء
    نبحث عن شوق
    يتعبنا كالشوق
    ونحب ونكره حد الشوق
    ورأيناهم ناموا في الجيش الآخر
    والجيش يحارب
    وبحثنا عنهم كالمبغى
    يا شباك الزيتونة أبحث عن مبغى
    أبحث عن طين
    يا زهرة بيتي يا وطني
    أأظل هنا حزناً مبعد ؟
    أأظل على خرسي تابوت قصاصات مجهد ؟
    لا أعرف حتى خشبي
    لا أعرف أين سيتركني الجزر
    وليل الماء على جرحي
    لا أعرف كيف يمر الإنسان بدرب الدمع
    لا أعرف أيأس
    الخضرة دبت في خشبي والمنفى
    وسمعت شموعاً تتلقح في قلبي
    وصراخاً أهمل أعواماً
    لا يغضب لا يبكي
    وتواطأت مع الأيام
    نسيت .. نسيت .. نسيت
    وفاجأني .. أنت في هذا الليل
    أنا لا أعرف وجهك
    لا أعرف من أنت
    أعواماً بعدك ما كان لبيتي باب
    أعواماً ألهث ألقاك وراء النوم
    وأنت سراب
    فأنا أحببتك في زهرة بيتي
    في وطني
    وسمعت شموعاً تتوهج في قلبي
    في وطني
    ولماذا بعتم لغة البيت
    وفيها الشياح
    وأهلي
    وأخي في مطر الليل
    ولماذا استأجرتم لغة أخرى
    وأبحتم وجه مدينتنا لليل
    وتركتم في الهجر حروفي
    كأصابع أيتام في الشباك
    كزوايا فم طفل يبكي
    من أقصى الحزن أتيت
    لأغلق أبواب بيوت المهزومين
    وأبشر الإنسان
    وبالإنسان
    وبالشياح
    وبمن لا يملك سقفاً
    سيكون له سقف في هذي الدنيا
    وينام
    لكن وأخجلي كم بيننا مهزوم
    وسيخجل من باعوا لغتي
    فأنا مكتوب في الأرز
    وفي العسل الأخضر
    في التين
    وأنا أطعم بالسكر نخلات الكوفة
    والأطفال على رابع جسر ” العشار ”
    أنا لا أملك بيتاً أنزع فيه تعبي
    لكني كالبرق أبشر بالأرض
    وأبشر أن الأمطار ستأتي
    وستغسل من لوحتنا كل وجوه المهزومين
    وستغسل بالمطر الدافئ جنح النورس
    وبيوت أحبتنا
    والحرف الأول من لغتي
    يا زهرة بيتي
    يا وطني
    أمطرني حزن بلادي
    أمطر فوق الماء
    ماذا غير الزرقة تنمو فوق الماء
    وخضار أصابع أطفال غرقى
    تنمو في الصحبة أياماً وتموت
    الماء طريق الغرباء
    الماء طريق عرسي
    والزهرة والرشاش وخبز الصمغ
    عشاء النجمة في الليل
    وعشائي
    الماء طريق للماء
    وبويت لا ندرس فيه
    وننشف خديه إذا ابتلا
    ونرافق فانوس النوم
    من أيام زهرة بيتي
    فارقت نعاسي وتواطأت
    مع الأنهار وكل جسور الناس إليك ..
    ونسيت .. ونسيت
    بأنك ماء في وطني
    اسمك في الليل
    يسيل الصمغ من التفاح
    نهر ينتاب الحر
    ليالي الصيف
    ويواعد كل الأمطار
    ويواعدني الصحو
    وأعدني وكذبت بقلبي
    كذبت كنشرة أخبار
    يكذب ..
    يكذب .. يكذب صحوك
    يكذب باستمرار
    فكأنك غربة
    وكأنك كنت رصيفاً في الغربة
    وكأنك مألوف في الغربة
    وكأنك لا أردي
    غربة
    غربة
    بلل فيك كماء الليل على الأشجار
    اسمك لي بيت في الليل
    ونسيت لسرعة قلبي
    كل نوافذ مشرعة في الليل
    نسيت .. نسيت
    وأيقظني ريح الشباك على وطني
    يا وطني وكأنك في غربة
    وكأنك تبحث في قلبي
    عن وطن أنت ليأويك
    نحن الاثنان بلا وطن يا وطني
    كالبارحة اشتقت
    ومرت في قلبي طرقات مدينتنا تبكي
    الدمع على أرصفتي يبكي
    ومدينة أيامي باعوها في الساحة تبكي
    يا امرأة الليل
    أنا رجل باعوا الليل مدينة أيامي
    باعوني ككتاب يطبع ثانية
    باعوا أحلامي
    ناموا يا امرأة الليل
    فمن يبحث عن إنسان
    من يعرف جندياً في هذه الغربة
    من ينصت للحزن المتأخر
    من يعرف وجهي في السوق
    نامي يوشك زيتك يطفئني
    ما زيتك من زيت
    يا قمحاً يأتي يغمر بالشمس شبابيك البيت
    لو كنت عرفت بأنا نملك بيتاً خلف ظلام الدنيا
    وصغاراً مثلك في البيت
    لو كنت عرفت سلاحاً لماذا نتعاطى
    لو كنت عرفت لماذا نتعاطى الصمت
    وحزن الإصرار
    لو كنت عرفت معسكرنا وقبور الماء وصوت الليل
    ورأيت وجوه رفاقي التسعة قبل النار
    لو كنت عرفت لماذا يسكن جوع في الأهوار
    جوع وثلاثة أنهار
    لو كنت عرفت الخجل المر على جبهة ثوري ينهار
    لعرفت الثورة
    لعرفت لماذا الثورة
    لعرفت بأن الثائر لا ييأس من دفع الصفر بوجه الليل
    لعرفت لماذا أبحث عن مبغى
    لعرفت لماذا أبحث في وجه الناس
    عن الإنسان
    في وجهك أبحث عن إنسان
    عن إنسان
    أبحث في طرقات مدينتكم
    عن وجه يعرفني
    أبكي في طرقات مدينتكم
    عن وجه يعرف حزني
    يعرف ماذا في وطني
    أندب كالبوم المجروح على جدران الليل
    والبارحة اشتقت
    ومرت في قلبي كل خرائبها تبكي
    يا مدن النار مدينتنا تبكي
    المنقذ يأتي كشموع تحت الماء
    سنتان تعلم حزناً تحت الماء
    سنتان نمت أسماء القتلى اتخذت أسماء
    ونما النسيان
    ونما للمنقذ درب
    وصليب من اشتات خضراء
    حزين قلبي للمنقذ
    مثل كتابات الاحزان
    مثل كتابات الريح
    مثل رثاء النصر إذا ساوح قلب القائد
    وكما يقرأ في المبغى قرآن
    وحزين قلبي
    كحديث العمر الذاهب للمنقذ
    وحزين في طرقات مدينتكم
    حقرتم حزني
    المبغى في ليل مدينتكم
    أكثر تسلية من حزني
    القبر بليل مدينتكم
    أكثر أفراحاً مني
    وأنا من أقصى الحزن أتيت
    أبشر بالإنسان
    وبالمنقذ
    وأخاف على أيام مدينتكم منكم
    من لغة أخرى
    في الطرقات المشبوهة بالإنسان
    وزهر الصبر
    اتسخت روحي يا منقذ
    واتسخت روحي وتعذب حتى وسخي
    عانيت لأنك تعرفني في الغربة
    عانيت لأنك في ثقة متعبة كالشك
    وتعاملت مع الغربة
    عانيت وعانيت
    وماذا تدري
    ولماذا تدري
    بالأمس ذهبت
    على وجهك بؤس صغار الأسماك
    وسألت … سألت
    وعنك سألت الصيادين
    سألت لماذا لا تدري
    وحملت صليبك لا تتركني في النسيان
    لا تتركني فالشك سيقتل في الإنسان
    لا تتركني أفـَلست المنقذ
    أفـَلست رفيق المتسخين
    ولأجل صليبك في حفر الليل
    أنام مفتحة عيناي مع الأسماك
    ولأجل صليبك نمت مع المبغى
    ووجدت صليبك يبكي ندماً في الشباك
    لا تتركني فأنا وحدي
    والناس هنا في غربة .

  • نازك الملائكة – مرثية امرأة لا قيمة لها

    نازك الملائكة – مرثية امرأة لا قيمة لها

    ذهبتْ ولم يَشحَبْ لها خدٌّ ولم ترتجفْ شفاهُ
    لم تسْمع الأبوابُ قصةَ موتها تُروَى وتُروَى
    لم ترتفعْ أستار نافذةٍ تسيلُ أسىً وشجوا
    لتتابعَ التابوت بالتحديقِ حتى لا تراهُ
    إلا بقيّةَ هيكلٍ في الدربِ تُرعِشُه الذِّكَرْ
    نبأ تعثّر في الدروب فلم يجدْ مأوىً صداهُ
    فأوى إلى النسيان في بعضِ الحُفَرْ
    يرثي كآبتَه القمرْ.

    والليلُ أسلم نفسَه دون اهتمامٍ، للصَّباحْ
    وأتى الضياءُ بصوتِ بائعةِ الحليبِ وبالصيامْ،
    بمُواءِ قطٍّ جائعٍ لم تَبْقَ منه سوى عظامْ،
    بمشُاجراتِ البائعين، وبالمرارة والكفاحْ،
    بتراشُقِ الصبيان بالأحجار في عُرْضِ الطريقْ،
    بمساربِ الماء الملوَّثِ في الأزقّةِ، بالرياحْ،
    تلهو بأبواب السطوح بلا رفيقْ
    في شبه نسيانِ عميق

  • يانيس ريتسوس – “إيروتيكا” | ترجمة: تحسين الخطيب

    يانيس ريتسوس – “إيروتيكا” | ترجمة: تحسين الخطيب

    «تدور عينُ ريتسوس، ذات الأوجه المتعدّدة، في زاوية من 360 درجة، فتنغلق على نفسها تدريجيًا، لتلتقط تفصيلًا تلو آخر، ثمّ ترتدُّ إلى نفسها، فتنفتح على اتّساع محجرها، كاشفةً عن تصميم لا بُدّ أنّها قد أبصرته من علوٍّ شاهق، ليكون مفسّرًا على نحو بالغ الوضوح. إنّ تغلغلها المجهريّ يفتّت التفاصيل في تفاصيل أخرى، وهذا حقيقيّ، بالنسبة إلى التمييز السيكولوجيّ، مثلما هو، كذلك، بالنسبة إلى التمييز الماديّ، أيضًا. وليست رؤيته، على أية حال، هي تلك التي لعالِم -مثلما قد يشي بذلك تصويري لها- بل إنها لواحد يعشق جيدًا التنوّع المطلق للحياة في كل تجليّاتها، فلا تفصيل ينبغي أن يظلَّ غير مرصود، أو غير محتفىً به البتّة، بل يتوجّب مقاربته بتبجيل ورهبة وحُبّ، ثم ملاطفته وضمّه، والانشداه منه والذهول، كذلك، أيضًا. إنّ الأشياءَ في ذواتها، في كينونتها ليس إلّا، معجزة وجديرة بحبّ الإنسان. لذلك، نرى كيف تنبض أبياته بدفء جُوَّانيٍّ وبرَّانيٍّ، وكيف تتّقد بالحسيّة. كالمرايا، تعكس الأبياتُ مصدر الضّوء والحبّ المتأصّل في عينيّ الشاعر وفي رؤيته. آنئذ، ندرك، كدهشة عظيمة، كهزّة أو تكادُ، بأنّ قصائد الحبّ، أو القصائد الإيروتيكيّة، في حدّ ذاتها، غير موجودة، على نحو عمليّ، في آثار ريتسوس الضخمة.

    في الواقع، وحسب ما أعرف، فإنّه لم يكتب سوى ثلاث قصائد من هذا النّوع. إنّها تشمل العمل الحاليّ، حيث تبلغ قصيدتاه السّابقتان ذروتيهما. يذكّرنا عنوان القصيدة الأولى، «نشيد إلى إيروتاس Erotas» -والتي كتبت في 1934، عندما كان الشاعر في الخامسة والعشرين، ونشرت في كتابه الثّاني، أهرامات (1935)- بتمييز جرى عبر اليونانيّة القديمة إلى الحديثة، والذي يبدو أنّ اللّسان الأنغلو-أميركيّ لم يكن في حاجة إليه البتّة. فَـ erotas وَ aghapi تستخدمان، في اليونانيّة، بما يربطه الأنغلو-أميركيّون من عواطف وغراميّات بكلمة «حُبّ love»؛ وعلى الرّغم من أنّ erotas، في اليونانيّة، تحمل تلميحات/تضمينات حسيّة أكثر من aghapi، فإنّها غير مقصورة تمامًا، كما في الإنجليزيّة، على الجانب الجنسيّ للحُبّ. إنّ «قصيدة غنائيّة إلى إيروتاس» تمرينٌ أدبيّ في رباعيّات إيامبيّة مقفّاة تستحضر المفهوم المجرّد للحبّ الحسيّ (غير الجنسيّ) كما تمّ إنشاده على نحو أبديّ في السّرائر الرومانتيكيّة للشعراء. فعدم الإشارة إلى حادثة معيّنة، وعدم مناجاة جسد معشوق أو حبيبة، هما الاستحضار الأمثل لعاطفة بلا تجسيد.

    ولا يعني ذلك القول إنّ القصيدة لا تستلهم أيّة تجربة بعينها. هنا، كان ريتسوس يؤدّي الدّور التقليديّ للشّاعر في التفكير المثاليّ وفي التجريد، وفي إضفاء بُعْدٍ كونيّ أيضًا. فبعد بضع سنين، على أيّة حال، في 1937-38، كتب قصيدة طويلة في سبعة وثلاثين جزءًا، بعنوان «سيمفونيّة الرّبيع»، حيث نستطيع، عبر موتيفاتها الموسيقية وتفاصيلها الغنائيّة، رؤيةَ حادثة محدّدة عن عشّاق أحبّوا بعضهم حسيًّا، ثمّ افترقوا محزونين. يتكلّم الشاعر عن عزلته اللّانهائية فوق قمّة ثلجية (كان ريتسوس، في ذلك الوقت، قد أدخل، لقضاء سنتين اثنتين، للعلاج من مرض السلّ، في مصحّة على جبل بارنيثا قرب أثينا)، وعن قدره المأساويّ الكئيب (فقد ماتت أمّه وأخوه بداء السلّ)، وعن العالم الفتّاك في الخارج (كانت ديكتاتوريّة ميتاكساس في أوج استبدادها). تأتي المحبوبة إليه في الضّوء والأمل، وحبّهما «يملأُ الصّدع اللّانهائيّ/ بأجنحةٍ وأزهارٍ». إنها تجلب له المسرّة والحبّ في غرفة يجعلانها كونهما، فيحتفي بجسدها العاري الذي من خلاله ينهمك في وحدة الكون. يعقب ربيعَ الحبّ صيفُ الوفاء والتحقُّق، ثمّ، وعلى نحو حتميّ، خريفُ القمر الأصفر لشهر نوفمبر، حين تسقط أوراق الأشجار والموت «يختبئ تحت سريرنا/ ويصنع مزامير من عظام/ سنونوات ميّتة». بأمل متجدّد، يدرك الشّاعر بأنّ حبّه لها ليس سوى حبّ رمزيّ يدلّ على حبّه للخلق والإبداع، وبأنّ «خلف حديقتنا حدائقُ أخرى»، وأنّه لا يفترق عنها إلّا لينجز قدره الحتميّ كشاعر، متحرّر من كلّ القيود.»

    من “مقدّمة” كيمون فريار

    مقتطفات من الكتاب

    أسفلَ السّريرِ

    نعلاها

    يحفظانِ شكلَ قدميها

    دفءَ قدميها

    إنّهما تتنفّسانِ

    وطائرانِ أبيضانِ

    بعيونٍ سوداءَ فاحمةٍ

    وطوقٌ منَ النِّيْكِل

    حولَ عنقيهما.

    ***

    العينانِ جائعتانِ

    الأُذنانِ جائعتانِ والمَنْخَرانِ

    الفمُ اللّسانُ

    جائعٌ هُوَ الجسدُ

    يشمُّ ينصتُ يتلمّسُ طريقَهُ

    على الرّكبتينِ الثّيابِ الجيوبِ

    الشّكلِ الجسدِ الآخرِ

    الرّموشِ واحداً واحداً

    في اللّيلِ تماثيلٌ تركضُ

    رجالٌ براياتٍ

    أعمدةُ مصابيحَ

    الجسدُ الصّابئُ يتلمّسُ طريقَهُ

    في ملتقَى إيماءةٍ واحدةٍ

    يتلمّس طريقهُ أبعدَ منَ الموتِ

    داخلَ الموتِ

    ينصتُ إلى قَطْرِ البالوعةِ

    في الحمّامِ المرمرِ

    بالمناشفِ الكبيرةِ الحمراءَ

    منقوعةً بالماءِ.

    ***

    كيفَ يكبُرُ

    في اللّيلِ

    هذا الجسدُ

    القدمانِ

    تنتآنِ من السّريرِ

    تنتآنِ من النّافذةِ

    نجمةٌ تُولَدُ

    مفتاحٌ يضيعُ

    ينغلقُ البابُ

    خارجًا أظلُّ

    يدُ التّمثالِ تسقطُ

    على رُكبتيّْ.

    ***

    كم أنتِ جميلةٌ. إِنَّ جمالكِ يُفزعني. أَجوعُكِ. أَظمَؤُكِ.
    أُناشدكِ، اِحتجبي؛ اِحتجبِي على الكُلِّ، ولا تتجلِّي إِلاّ لِي أنا وحدي. مُغطّاةً
    مِن رأسكِ حتّى أخمصَي قدميكِ بحجابٍ مُعتمٍ شفّافٍ
    مُرقّطاً بتنهيداتٍ فضيّةٍ من أقمارِ الرّبيعِ. مسامُكِ تبعثُ
    حروفَ علّةٍ، حروفاً صحيحةً مُشتاقةً؛ لقد لُفِظَتْ كلماتٌ سريّةٌ،
    انفجاراتٌ ورديّةٌ مِن مطارحةِ الغرامِ. حجابُكِ يعلو، يلمعُ
    فوقَ المدينةِ التي أدركها الليلُ بحاناتها التي تنوسُ فيها الأضواءُ، فوقَ أماكنِ البحّارةِ المألوفةِ؛
    كشّافاتٌ خضراءُ تُنيرُ الصّيدليّاتِ اللّيلةَ، وكرةُ زجاجٍ
    تُدوّمُ مُسرعةً فتكشفُ المنظرَ الطبيعيَّ لِكُرةِ الأرضِ. السكّيرُ يترنّحُ
    في عاصفةٍ هبّتْ مِن أنفاسِ جسدكِ. لا تذهبي. لا تذهبي.

    واضحةً جدًّا. ومراوغةً جدًّا. ثورٌ حجريٌّ

    يثبُ مِنَ القَوْصَرَةِ إلى العشبِ النّاشفِ. امرأةٌ عاريةٌ تصعدُ السّلالمَ الخشبيّةَ
    حاملةً طَسْتَ ماءٍ ساخنٍ. والبخارُ يحجبُ وجهَها. عالياً في الهواءِ
    مروحيّةُ استطلاعٍ تَسُفُّ مواضعَ عشوائيّةً. اِحترسِي.
    إنّهم يطلبونكِ. اختبئِي عميقاً أكثرَ في يديَّ. فَرْوُ

    البطّانيةِ الحمراءَ التي تغطّينا يكبرُ ويكبرُ،
    فتصيرُ البطّانيةُ الحمراءُ دُبّةً حبلى. تحتَ الدُّبةِ الحمراءَ

    نتطارحُ الغرامَ إلى الأبدِ، أبعدَ منَ الزمنِ وحتّى أبعدَ منَ الموتِ،

    في اتّحادٍ كونيٍّ متوّحدٍ. كم أنتِ جميلةٌ. إِنَّ جمالكِ يُفزعني.
    وأجوعُكِ. وأظمؤُكِ. وأناشدكِ: اِحتجبِي.

    ***

    كلُّ الأجسادِ ٱلّتي لمستُهَا، ٱلّتي رأيتُهَا، ٱلّتي نِلتُهَا، ٱلّتي حلمتُ بها— كلُّها—

    تكاثفتْ في جسدكِ. آهِ يَا دِيُوْتِيْمَا الشّهوانيّةَ
    في سِمْبُوزْيَم الإغريقِ العظيمِ. لقد رحلَ عازفو المزاميرِ،
    رحلَ الشّعراءُ والفلاسفةُ. والشّبابُ الوسيمونَ للتوِّ قد ناموا
    بعيداً في غرفِ نومِ القمرِ. وحيدةٌ أنتِ
    في ابتهاليَ الصّاعدِ. صندلٌ أبيضُ
    بسيورٍ بيضاءَ طويلةٍ مربوطٌ برجلِ الكرسيِّ. أنتِ نسيانٌ مُطلَقُ.

    ذاكرةٌ مُطلقةٌ أنتِ. وأنتِ رِقّةٌ لا تنكسرُ. إنَّ النّهارَ ينبلجُ.
    إِجَّاصاتٌ شوكيّةٌ مُكتنزةٌ تَشْطَأُ مِنَ الصّخرِ. شمسٌ ورديّةٌ
    تستلقي ساكنةً فوقَ بحرِ مُوْنُوْڤاسْيَا. ظلّنا الثّنائيُّ
    بَدَّدهُ الضَّوْءُ على أرضيّةِ الرّخامِ بسجائرها الكثيرةِ المُداسَةِ،
    بأزهارِ ياسمينها الصّغيرةِ المُعلّقةِ على إِبَرِ الصّنوبرِ. آهِ يَا دِيُوْتِيْمَا الشّهوانيّةَ،
    يا مَنْ وَلَدتِني ويا مَنْ وَلدتُكِ، آنَ أنْ نَلِدَ الأدوارَ والقصائدَ، أنْ نمضي في العالمِ.

    ولا تَنسَيْ، في الواقعِ، حينَ تذهبينَ إلى السّوقِ، أنْ تشتري كومةَ تفّاحٍ،
    ليسَ ذهبيَّ الحوريّاتِ، بَلِ الأحمرَ الكبيرَ، ذاكَ أنّكِ حينَ تقضمينَ
    لُبّها القاسيَ بأسنانكِ اللامعةِ، تظلُّ ابتسامتُكِ الحيويّةُ
    عالقةً كأبديّةٍ فوقَ الكُتُبِ.

    المصدر: مجلة رُمان