المدونة

  • شاعر جائع – وان شيا – ترجمة: يارا المصري.

    1-

    الجوهر

    في المرة الأولى والمرة الأخيرة
    يكون الإنسان في النهاية غير كامل
    الكثير من الفرص تُهدرُ في الأخطاء
    ونحن نحرز تقدماً في السعادة
    القول والفعل ليسا جوهريين
    حين أشرب الخمر يمتلىئ فمي بالكرز[2]
    يمكن أن نقرأ كتاباً بالصدفة
    ونتعرف على شخصيات مرهفة ضعيفة
    وأن نتألم ونبكي من أجل تلك الأشياء التي تحطمت
    وهذا كله ليس جوهرياً
    أعلى وأجمل شيء هو تلك الأجزاء الناقصة
    وما بين المرتين المكتملتين
    كلُّ شيءٍ ما هو إلى مرحلة
    كلُّ ما تطلبه وتحصل عليه فقط
    هو لي جانبٌ متفسخ
    يكفيك للاستمتاع لحياة كاملة.

    2-
    شاعر جائع

    أيها الشاعر الجائع، تناول بعض الحساء
    ابتر أطرافك النحيلة، فيطول وجهك
    ما أنت سوى عُصافة
    ما أن ينبت أرز النساء
    يهجُرنك، يجبرنك أن تبقى بلا طعام
    وتكون نرجسياً، غير قادر على كسب قوتك
    وبشعر مشعث لن يُمشَّط
    لن تكون حياتك سوى كتاب قديم
    هزيل للغاية، لن تستطيع تناول الحساء ثانية
    إذا مِتَ
    موتك بلا أرض تُدفن فيها
    وإذا عشت
    سترمي مجموعة عباقرة بكأس خمر.

    *

    وان شيا:
    ولد عام 1962 في تشونغ تشين، بدأ في كتابة الشعر والرواية عام 1981. من أهم شعراء “الجيل الثالث من الشعراء”

  • في يومٍ ميت سرنا في الطريق – مانغ كي

    في يومٍ ميت سرنا في الطريق – مانغ كي

    1-

    في يومٍ ميت سرنا في الطريق

    كنتُ أراقبكِ منذ أمد
    وفي النهاية مت في هذا الطريق
    وبدا أنني شعرت مثلك
    بهروب الأرض فجأة من تحت أقدامنا
    وشعرت أنني مثلكِ
    أسقط في الهاوية الرطبة
    على الرغم من أنني صرخت، لكن بلا فائدة
    على الرغم من أنني كنت أقاوم الألم الموجع
    أقاوم بكل ما استطعت، لكن بلا طائل
    لهذا لذتُ بالصمت، ومثلك لم يترك الاختناق
    لي أي أثر
    لكن حين حانت لحظة الموت
    لم يتمالك فؤادي شعوره بالقلق من المشهد أمامي.

    2-
    أغمض عينيك أغمض عينيك

    ادفن نفسك
    وبهذا لن ترى
    الشمس تلك الزهرة الحمراء
    تُقطع
    وتُرمى على الأرض
    وكيف تطأها
    العتمة بشراسة
    أغمص عينيك
    ادفن نفسك
    بهذا ستنعزل عن العالم
    ولن تشعر بالحزن ثانية
    آه، نحن
    مصيرنا هكذا
    لقد جئتَ من العتمة
    وفي العتمة ستتلاشى.

    *
    مانغ كي:
    اسمه الحقيقي “جيانغ شي ويّ”، ولد في نوفمبر عام 1950. له العديد من المؤلفات الشعرية منها “وقت بلا وقت”، “أي يوم هو اليوم؟”، و”هموم” ورواية طويلة ومجموعة نثرية بعنوان “أنظر، إلى هؤلاء!”. تُرجمت أعماله إلى الإنجليزية، الفرنسية، الإيطالية، الألمانية، الإسبانية، اليابانية وغيرها من اللغات.

    **

  • سهراب سبهري – موت اللون

    سهراب سبهري – موت اللون

    ميتة بالصمت
    الليلة الملونة هذه
    ومن الطرق البعيدة وصل الطائر الأسود
    ينشد من قمة السطح ليلة الخيبة
    ثملاً جاء فاتحاً الطريق
    الطائر حزين الطراز هذا،
    في هذا اللون الخائب
    قطعة من تتابع الأغنيات
    الصوت الوحيد للطائر الشجاع
    يزين أذن الصمت ببساطة
    مع صدى القرط
    وصل من الطرق البعيدة الطائر الأسود
    جالسا على قمة عالية من ليلة الخيبة
    كصخرة وبلا حركة
    تنزلق نظراته
    على أشكال تصوره الملتبس
    يجرحه النوم الرائع ويؤذيه
    بينما نبتت زهور اللون في تراب ليلي،
    في طريق العطر
    توقف النسيم عن الميلان
    بخدعة كان يرسم كل لحظة
    هذا الطائر حزين الطراز صورة بمنقاره
    الحبل المنقطع
    والنوم المكسور
    وحلم الأرض الأسطوري نسي تفتح أزهار اللون
    يجب العبور من انحناءة هذه الطريق دونما كلام
    لوناً ميتاً كان في ركن هذا الليل اللا محدود.

  • صادق هدايت – البومة العمياء ترجمة إبراهيم الدسوقي شتى

    صادق هدايت – البومة العمياء ترجمة إبراهيم الدسوقي شتى

    صادق هدايت عن نفسه :

    ” . . .مهما يكن فليس في تاريخ حياتي ما يلفت النظر ، لم يحدث فيها ما هو جدير بالانتباه ، ليس لي منصب هام ، ولا أنا من حملة الشهادات العظيمة ، لم أكن أبدا طالبا بارزا ، على العكس ذلك كان نصيبي دائما هو عدم التوفيق ، ومهما كنتُ أعمل كنتُ أبقى خاملا ورؤسائي غير راضين عني ، ربما لو استقلت لرضوا .”

    ” أما الخلاصة فهي أنني صُدِمتُ من كل شيء وتعبت ولا مناص من أن تتحطم أعصابي ، إنني أصلُ النهار بالليل كأنني محكوم عليه بالإعدام أو أسوأ ، وقد نفضتُ يديّ من حصيلة كل شيء ، لا أستطيع أن أشتاق ثانية لشيء ، ولا أن أعلق قلبي بشيء ، ولا أن أخدع نفسي ، ولا أجد الجرأة على الانتحار .”

    البومة العمياء :

    ” في الحياة جراحٌ كالجذام . . . تأكلُ الروح ببطء . . . وتبريها في انزواء ، هذه الآلام لا يمكن اظهارها لإنسان ، إذ أن البشر عموما ألفوا اعتبار هذه الآلام التي لا تصدق نوعا من الاتفاقات والأحداث النادرة العجيبة ، ولو أن إنسانا تحدث بها أو كتب عنها ، فإن الناس يحاولون تلقيها ببسمة شائكة ساخرة تمشيا مع العقائد الجارية ومعتقداتهم الشخصية ، وذلك لأن البشر – حتى الآن – لم يكتشفوا لها علاجا أو دواء ، ودوائها الوحيد هو نسيانها عن طريق الشراب أو النوم المصطنع بواسطة الأفيون والمخدرات . ولكن ما يؤسف له أن تأثير هذا النوع من الأدوية مؤقت وبدلا من أن يسكن الآلام يزيد من وطأتها بعد فترة .”

    ” هل يستطيع إنسان – في يوم ما – أن يقف على أسرار هذه الاتفاقات الميتافيزيقية ، هذا الانعكاس لظل الروح الذي يتجلى في حالة الإغماء والبرزخ بين النوم واليقظة ؟ .”

    ” (…) عثرتُ على حقيقة هي أن ورطة هائلة توجد بيني وبين الآخرين ، وفهمت أنه ينبغي علي أن أخلد إلى الصمت إلى أقصى حد ممكن ، وإلى أقصى حد ممكن يجب أن أحتفظ بأفكاري لنفسي ، وإذا كنتُ الآن قد قررت أن أكتب فهذا راجع إلى أنه يجب أن أُعرفَ نفسي لظلي . . الظل المنحني على الحائط وكأنه يتجرع كل ما أكتب باشتهاء بالغ .”

    ” أفكار فارغة ! لتكن – ولكنها تعذبني أكثر من أية حقيقة .”

    ” أهولاء الناس لا يخدعونني ؟ أليسوا حفنة من الظلال أتت للوجود سخرية مني ومن أجل خداعي ؟ أليس كل ما أحس به وأراه وأقومه وهماً جميعه يختلف عن الحقيقة اختلافا كبيرا ؟ .”

    ” بدا لي وكأنني كنتُ أعرف اسمها قبل ذلك ، كانت شرارة عينها ولونها ورائحتها وحركاتها تبدو غير غريبة عني ، وكأنما كانت روحي وروحها في الحياة الأولى وفي عالم المثال متجاورتين ومن أصل واحد ومادة واحدة ، وكان ينبغي أن يلحق كل منا بالآخر وأن نتوحد (…) ألا يشعر العاشقان دائما بنفس هذا الإحساس وهو أن كليهما قد رأى الآخر قبل اللقاء ، وأن رابطة خفية كانت قد وجدت بينهما ؟ .”

    ” كنتُ أريد وآمل من كل قلبي أن أسلم نفسي إلى نوم النسيان ، ولو صار هذا النسيان ممكنا ولو استطاع أن يدوم ، لو أن عيني المغمضتين فيما وراء النوم انصرفتا رويدا رويدا إلى العدم التام ، ولا أعود أحس بوجودي بعد ، ولو كان ممكنا أن يمتزج كل وجودي في بقعة حبر أو في لحن موسيقى أو في شُعاع ملون ، ثم تَنمحي كل هذه الأمواج والأشكال بكل توسعها وكبرها ، لكنتُ بلغت أملي . ”

    ” أستطيع فقط مع ظلي أن أتحدث جيدا ، هو الذي يحملني على الكلام ، هو فقط الذي يستطيع أن يعرفني ، إنه يفهم حتما . .. ”

    ” (…) أنا لا أطمئن إلى شيء . فأنا من كثرة الأشياء المتناقضة التي رأيتها ، والكلمات المتباينة المتنوعة التي سمعتها ، ومن كثرة ما رأت عيني أصبحت تحار في ظواهر الأشياء المختلفة – هذه القشرة الرقيقة الصلبة التي تختفي خلفها الروح – لم تعد تؤمن بشيء ، بثقل الأشياء وثبوتها ، وأشك الآن حتى في الحقائق الواضحة الجلية ، ولا أدري هل إذا نقرتُ بإصبعي على الهاون الحجري الموجود في فناء داري فسألته : هل أنت ثابت وراسخ وأجاب بأنه ثابت ، لا أدري – هل أصدق حديثه أم لا ؟ هل أنا مخلوق منفصم أو مخلوق بعينه ؟ لا أدري – ولكني الآن نظرت في المرآة فلم أتعرف على نفسي ، لا ، هذه الــ”أنا” السابقة ماتت وتحللت ، لكن لا سد ولا برزخ بيني وبينها . ”

    ” (…) الماضي والمستقبل والساعة واليوم والشهر والسنة كلها أصبحت عندي سواء – وليستِ المراحل المختلفة من طفولة وكهولة بالنسبة لي إلا حديث خرافة ، ولكنها تصدق فقط على الناس العاديين ، على ” الأوباش” . (…) حياتي كلها كانتْ فصلا واحدا يجري على نسق واحد وكأنها مضت في منطقة باردة وفي ظلام أبدي ، بينما كان هناك وسط جسدي مشعلة تحترق وتذيبني كالشمع . ”

    ” أليستِ الحياة بأكملها قصة مضحكة ، أسطورة حمقاء لا تُصدق ؟ . ”

    ” هذا الإحساس كان قد استيقظ في نفسي منذ زمن بعيد ، وهو أنني كنت أتحلل وأنا حيّ
    ، ولم يكن هناك توافق بين جسمي وقلبي ، وليس هذا فحسب ، بل بين روحي وقلبي – كنتُ أجتاز دائما نوعا من التحلل والفصام الغريب ، وأحيانا كنت أفكر في أشياء لا أستطيع أنا نفسي أن أصدقها . أحيانا يتولد في نفسي حسٌ بالشفقة في حين أن عقلي يلقي باللوم علي ، وكثيرا ما كنت أتحدث إلى شخص ، أو أقوم بعمل ما ، أو أدخل في مناقشة حول موضوعات مختلفة في حين أن كل حواسي في مكان آخر ، وكنت من أعماق قلبي ألوم نفسي -كنتُ كتلةً من الانفصام والتحلل . وكأنني كنت وسأكون دائما . . . مزيجا عجيبا لا تناسب فيه .”

    ” ومما لا يقبل الاحتمال أنني كنتُ أحس أنني بعيدٌ عن كل الناس الذين أراهم وأعيش بينهم .”

    ” لا أدري لماذا كانتْ حياة الآخرين ومسراتهم المتنوعة تصيبني بالغثيان في حين أنني كنتُ أعلم أن حياتي قد انتهت ، وأنها تذوب بطريقة مؤلمة وببطء . أية علاقة تجعلني أفكر في حياة الحمقى والأوباش الذين كانوا في صحة جيدة ، وكانوا يأكلون وينامون جيدا ويضاجعون جيدا ، ولم يكونوا قد أحسوا قط بذرة من آلامي ، ولم ترفرف أجنحة الموت كل دقيقة على رؤوسهم ووجوههم .”

    ” حياتي كانت تتغير كل يوم وكل دقيقة ، وكان يبدو لي أن طول الزمن والتغيرات التي يمر بها البشر في سنوات ، كانت بالنسبة لي في سرعة السير والأحداث مضاعفة آلاف المرات وأكثر سرعة ، في حين أن مسراتها ولذائذها كانت تسير في خط عكسي وتسرع نحو الصفر أيضا ، هناك أشخاص يبدأون الاحتضار في سن العشرين .”

    ” (…) الأفيون ، ياله من دواء غالِ الثمن من أجل حياتي المؤلمة ! .”

    ” ليس كتاب الأدعية فحسب بل كل كتب الأوباش وكتاباتهم لا تهمني ، أية حاجة لي بترهاتهم وحيلهم ؟ (…) لم يحدث لي في أي وقت مضى أن أحدث المسجد وصوت الأذان والوضوء والمضمضة والركوع والقيام أمام قادر متعال وصاحب اختيار مطلق ينبغي أن نخاطبه بالعربية ، لم يحدث ذات مرة أن كان لكل هذا أثر فيّ .”

    ” لم أكن أريد أن أعرف : هل الله موجود في الحقيقة أم أنه فقط مظهر لأصحاب السلطة على الأرض جعلوه لتثبيت مقام الأُلوهية من ناحية واستغلال رعاياهم من ناحية أخرى – صورة انعكست من الأرض إلى السماء – كنتُ أريد أن أعلم فقط هل سأصلُ النهار بالليل أم لا – كنت أحس أنه في مواجهة الموت كم يكون الدين والإيمان والعقيدة أشياء طفولية وتافهة وتقريبا نوع من العزاء للناس الأصحاء السعداء – وفي مواجهة حقيقة الموت المخيفة والحالات المذيبة للروح التي إجتزتها ، صار كل ما لقنوه لي بالنسبة للثواب والعقاب والروح ويوم القيامة خداعا لا طعم له ، وأصبحت الأدعية التي لقنوها لي لا تجدي فتيلا في مواجهة الموت .”

    ” الخوف من الموت لم يترك أبدا تلابيبي – إن الأشخاص الذين لم يذوقوا الألم لا يفهمون هاته الكلمات .”

    ” ولكن ما كان مخيفا أنني كنتُ لست حيا تماما أو ميتا تماما ، كنت فقط جثة متحركة لا علاقة لها بدنيا الأحياء .”

    ” كنتُ أحس أن كل شيء فارغ ومؤقت .”

    ” الظلام هذه المادة الكثيفة السيالة التي تسري في كل مكان وكل شيء .”

    ” ألم تكن حجرتي تابوتا . . . ألم يكن فراشي أبرد وأظلم من القبر ؟ فراشٌ كان دائما ممتدا ويدعوني إلى النوم ! – عدة مرات طرأت لي هذه الفكرة : إنني في قبرٍ – وفي الليل تبدو حجرتي في ناظري صغيرة تضغط علي . ألا يحسون بنفس هذا الإحساس في القبر ؟ . . وهل استطاع لأحد أن يعلم أحساسيس بعد الموت ؟

    إذا كان الدمُ يتوقف في الجسد ، وبعد يوم وليلة تبدأ أعضاء البدن في التحلل ، ولكن حتى بعد فترة طويلة من الموت يظل شعر الرأس وأظافر اليد مستمرين في النمو – هل تذهب الأحاسيس والأفكار أيضا بعد توقف القلب أم أنها تظل فترة تواصل الحياة خفيةً من الدم الباقي في العروق الصغيرة ؟ إن حس الموت نفسه مخيف ، فكيف يكون الأمر للذين يحسون أنهم موتى ! ! هناك عجائز يموتون بإبتسامة ، وكأنهم ينتقلون من نوم إلى نوم أو كأنهم سراجٌ ينطفئ . أما بالنسبة لشاب قوي يموت فجأة وتقاتل كل قوى بدنه ضد الموت لفترة ، فأية أحاسيس سوف يحس بها ؟

    مرات كثيرة كنتُ أفكر في الموت وفي تجزئة عناصر جسدي بحيث أن هذا التفكير لم يعد يخيفني ، وعلى العكس رغبتُ رغبةً حقيقية في أن أعدم وأفنى ، الشيء الوحيد الذي كنت أخشاه أن تختلط ذرات جسدي بذرات أجساد الأوباش – كان هذا الشيء غير محتمل بالنسبة لي – . ”

    ” إن ما كان يبعث فيّ العزاء هو الأمل في العدم بعد الموت ، كانت فكرة الحياة بعد الموت تخيفني وتصيبني بالملل – أنا حتى الآن لم أكن قد أنست إلى هذه الدنيا التي كنت أحيا فيها فبماذا تفيدني الحياة الأخرى ؟ . ”

    ” إن فكرة الحياة مرة أخرى كانت تخيفني وتصيبني بالملل – لا ، لم تكن بي حاجة لرؤية كل هذه العوالم المقيتة ، وكل هذه السحنات المنكوبة . (…) وإذا كان يجب أن أحيا حياة جديدة ، فإنني كنت أرغب في أن أصير ميت الفكر والإحساس وأن أتنفس دون صعوبة ، وبدون أن أحس بالألم ، (..) وبحيث لا تضر الشمس عيني ، ولا يضايق مسمعي حديث الناس وصوت الحياة . ”

    ” إن الضغط الذي يلصقُ شخصين ببعضها وقت المضاجعة لدفع الِوحدة ، ليس إلا نتيجة لنفس الجانب المختلط بالجنون والموجود في كل فرد ، والمختلط بالأسف الذي يميل ببطء نحو الموت . ”

    ” إنه الموت فقط الذي لا يكذب . . .
    إنه حضور الموت الذي يقضي على جميع الأوهام ويفنيها . (…) والموت هو الذي ينقذنا من جميع خِداعات الحياة . “

  • جلال الأحمدي – إنسان خلاسي

    جلال الأحمدي – إنسان خلاسي


    إنه إنسان خلاسي. يعرف من أين تؤكل الكتف. انتهازي، وهو أيضا لا مبال.

    حين ينسحب من مهمة لا يهمّه إطلاقاً ما تبقى من الأمور . لا إيمان عنده ولا قانون ولا التزام . لا يؤمن بالله ولا بالإنسانية ولا بأي دين . وهو أيضاً ليس بملحد، مع أن الإلحاد كان شأناَ هاماً. يذهب إلى المسجد كمن يذهب إلى السينما أو كمن يقصد نادياً . يبقى خارج كل شىء كما لو كان مشاهداً من بعيد يحضر مباراة فى كرة القدم . لا يركز أبداً ، بصعوبة يذرف قليلا من الدمع على صديق مفقود ، ولا ذرة اهتمام بمكان مقدّس ، ولا لحظة تأمل فى معتزل
    بيد أنه ليس لديه سوى العزلة . ويهرب منها كمن يهرب من الطاعون . إنه في كل مكان وليس موجودا في أي مكان . لا يثور أبداً ، ولا يتمرد على إنسان : لا توبيخ ماكبيثياً ، ولا شك ديكارتياً . يبرر كل شيء ويبدو متفائلاً
    يحب الفخامة أيضًا. يرتاح للحظة: هنا والآن. ليس فيلسوفاً أبداً . يتحاشى غالبا المتاعب والسأم ، ويرفع كتفيه ، بسهولة ، استهزاءً . لأنه يتصرف كماحسب دقيق ، ويبدو كل شيء ، فى نظره مبرمجاً مسبقاً في عقله ، فهو لا يعبأ بالآخرين أبداً . فيما تبقى ، ليس لديه أي خصوصية : ( يصلح لأي عمل ولا يصلح لشىء ) . بيد أنه يتمتع بثقافه ما ، يستعرض معلوماته ويدهش السّذج بخطاباته الراعدة . يعرف أن الخصوصية ، فى بلاده ، حجر عثرة في طريق الترقي الاجتماعى . شاطر مثل نساء القبيلة المسنات الماهرات ، فهو يأكل على المعالف . لكنه ليس كوسموبوليتياً : إنه إنسان اللامكان ، ( خليط من فردية بلا شخصية ، ومن شخصية خالية من أية خصوصية ) . ولأنه بلا أمان ، فهو يختبىء وراء الكتمان.
    يعتنى بنفسه باستمرار، ويلبس بأناقةٍ، كمن يخرج من أفضل صالونات الموضة.

  • مدخل – أنطوان شحرور

    مدخل – أنطوان شحرور

    كي لا أتكلم البتة على هذه القيود
    التي توثقني منذ أيام برمال الصحراء
    سوف أتمدد على مياه البحيرات على
    غرار عرائس النيل وسأتحدث مع الريح

    كل عبة على الضفاف سوف تكون
    قدري المسائي، وكي لا أدرك البتة حدود الكرب،

    سوف يحوم ظل الأوفيليات الميتة على جلدي

    سأبسط خيوط الدم في جسدي
    راعًا وسأقول وداعًا للأرض

    أتقدم بين تنهيدات الطحالب،

    وما همني إن كنت جئت الدنيا في كل إنسان.

    إنني ألاقي الأثير الأصلي لما لم ينوجد قط
    منذ رحيلي نبتت على جسدي
    كمية من الأعشاب المجهولة ومن الازهار
    لن أرجع أبدًا إلى هذه الأرض.

    من ديوان: سيجئ الموت وستكون له عيناك – جمانة حداد

  • ليل عميق – أنطوان شحرور

    ليل عميق – أنطوان شحرور

    أنا موجود بتمردي بمناجاة الظل
    التي أجدها بين رمال يديك الأربعة.
    أتيت إليّ من فروة الأحد.
    في وجه الشمس كنتِ تصرخين:
    الله غير موجود. مذّاك أمشي
    وحدي درب الفقراء الطويلة.
    ربما طالبت الحياة بالكثير. آمل
    ألا يخيبني الموت.

    لا أريد عالمكم. صرت فيه عبئًا على نفسي.

    أريد فضاء. أريد على الأقل اللانهاية.

    تنشقوا الدم، الدم جميل خصوصًا
    عندما لا تدعونه يتعفن في أوردتكم.
    ابسطوا عظامكم في الشمس. كونوا بشرًا ولو لمرة

    عندما يتلمكني اليأس أصير منشد
    الحوريات. ذكريني أن أروي اقامتي
    في جفنيك

    على شراسة أصابعكم المتشابكة كما لو
    أنها تهديد حنجرة من نار، يتدفق البحر
    العميق والأزرق. رحماكم. أو تسمعون؟
    رحماكم أقول لهذه الوثبة التي توقع أبجدية الروح

    أريد كحولًا قويًا قوة حمم لكي
    تسكن ليلي. ضباع ضاحكة ذات
    عيون حريرية وأسنان زنايق نتنة
    لا شك أني سأكون دائمًا عاشق
    العشب الأبدي.

    أحتفي بعباءة الزهور وأغطي بصوتي هذه
    الصحراء المخلعة حيث تتقاسم بنات آوى
    الضوء.

    كان يا ما كان تاجر ثلج أبيض
    يبيع الثلج لسكان البلدان الحارة
    وكان هؤلاء يموتون جرّاءه

    هل تذكرين تلك الليلة التي رأيت فيها
    للمرة الأولى عينين تلمعان تحت
    إبطيك؟

    كل ما أكتبه موجه إلى الليل. الظل
    عندي مجامل ويقول بحرارة متقلبة
    إنه معتم أو حالك فقط تواضعًا

    تجاعيدك أيها العجور هي زورقي. أنا ذاهب
    للبحث على الأزرق الميت على جناح
    اليعسوب

    أحبكِ
    أن أبلغ الليل العميق.

    ترجمة: جمانة حداد.

  • امال الزهاوي – الطريق

    امال الزهاوي – الطريق

    أميل عليكم خذوني
    أشير إليكم خرجت
    أنا بنت هذي العواصف
    تستقطب الصورة الخالدة
    ففيها ولدت وفيها نموت وفيها كبرت
    ودرت بمنتصفي بذرة واحدة
    وفيها بعدت عن الجرف حتى استدرت
    أشير إليكم خرجت
    أنا أخرج الآن من جسدي
    فهل تدركون الذي خرج الأمس من جسد الماء
    لؤلؤة من محار
    نقيا كبلورة في المساء
    أبيا وحيدا
    فلا الأرض فيه استطالت
    ولا هو فيها استطال
    وذاك السعير الذي يربط القلب بالقلب
    ظل دليلي
    توثبت فيه.. وناضلت فيه
    فهزوه هزوه حتى التذكر
    كي يتقد الجمر بالحب
    ويشتعل الدم في الوطن العربي
    على الدرب كنا يدين
    تهبان من جسد واحد
    وفي الأفق كنا جناحين
    في طائر واحد
    بري العيون دليلي
    تذكرت أن طريقي مقارعة الصمت بالصوت
    والموت بالبعث
    ورسم نجوم الثريا على الدرب
    أنا هاجسي النور في الظلمات
    تذكرت لم تستكن الريح بجسمي
    ولم أستكن بها
    طريقي التوثب
    أنا بنت هذي العواصف أدمنت كل
    العذابات
    أم أنها أدمنتني
    وتشرين ينصب شوكته في العيون
    وفي الليل عند السهاد أسى
    وضربة عنف
    فلا تسألوني
    لأنا بصفين نمضي إلى مصدر النار
    كلانا يسير إلى الوهج مثل الفراش
    وفي الوهج كنا نموت
    احترقت
    احترقنا جناحين في جسد واحد
    فإن الذي كان.. تاريخنا
    وإن الذي كان تاريخه أمل البائسين
    يشد المحيطين للنهر
    لا تسألوني
    فلا الماء كان بلا ذرتين
    ولا النهر يسعى بلا ضفتين
    أميل استقامت حصاة الطريق
    فهل أسكن الآن في جسدي؟

  • السعيد عبدالغني – الاغتراب

    السعيد عبدالغني – الاغتراب

    أغترب عن أفول السماء فى ذاتى
    وعن مصاريع السكينة التى تسلسل جذوع الألوان
    ففى شعرى أكتب حديقة المعانى
    وأدرك اغتراب كل شىء
    فى البداية الزمن الذى ينبطح أمامى ومؤخرته تبتسم لى
    والمرآة التى تجلس فى البعيد فى ساحة الأفق
    والخوف من المدرك الذى يسيطر على جنونى
    والجوهر الذى ينادى على دوائر الأنا
    والأبدية الملقاة على الطريق تشحذ كسرات الحبر من عيون الأطفال
    والوميض الإباحى الذى يحرق ظلام الفؤاد الذى يقاوم دقات الحب فيه
    والهزيمة الناتئة من أغنية الأحمر المندهش والأصفر الملول
    والشرفة الداخلية المعزولة عن العالم المصلوب على خشب الشحوب
    والعزلة التى تنافس نفسها وتلاكم العدم الذى يفور من ثورة الخواء على العزاء
    والسفينة الغرقى فى دم المساء
    والبكاء المجرد على صوارى الانفتاح على الخارج
    والداخل الملىء بالعصافير الميتة من جراء صناعة الدموع على سندان يسوع
    والأبواب المغلقة التى تمشى وحدها فى أرض الصمت المؤنثة
    والأجنة التى لها روح سكرانة تمضغ الريحان فى حزنها
    والأفكار التى تغير سكون الكرى الذى يطحن الدموع
    والنحلة التى تطارد صوت الناي الذى يخرج من النارنج
    والحرمان الخصيب الذى يستلهم الكلمات العائدة من عفونة أبواب العدم
    والغيم الديجوري الذى ينام فى اجترار الخلاء لرصيف المعرفة
    والأصابع التى تغوص فى شطوط الخصلات التى تمثل أنشوطة الوثن الذى يتعارك مع السواد المعصوب العينين
    واليقظة التى تستنهض الأرض الغليظة الراحلة فى اللفظ
    والصراع الذى يلتهم دخان الهو المضطرب من أشباح الوهن
    والبيت الذى يلفه خوف الذهن من أذى الروح التى تتذوق عواء التردد
    والاندياح الذى فى هوية اللانسانى
    وسيرك الضروع الذى يقام فى صاحة الأزرق فى كوكبى
    والمخيلة التى تبدل جذورها كل لحظة فى وريقات السراب
    والفراش الذى يضيع فى تناسل الغموض مع الواضح
    والأخروي الذى ينمو فى التحلل فى المكان اللامنتمي
    والصورة الحميمية التى تنتصر على إهاب الأسرار فى رقص اللامعانى .
    .
    أبكى الان لأن اغترابى يكتب جروحى برؤياي
    ويغتسل بتواشيح الروح الرمزية لنسيان الحسرة فى العذاب .
    تجرحنى خطاي فى اللذة
    وأبحث عن معنى لها
    ولكن التفكير يدمر كل اللذات .
    ضاجعت محمد ويسوع
    وصرت وهما يشرق بالانطفاء
    الذى سئم من خوط الخوف
    التى لديها فحولة العيد .
    سكبت صحائف الهتك فى دواتى
    لكى أستر الهاوية التى بدون إزار
    فالاهة لا تفقه خيمة الشعر .
    أطوى اغترابى بذكريات شخوصى قبل أن ينضموا لى من عدمهم
    قبل أن أخلقهم من وجه الصلاة
    أنا هنا فى الخلق أخذ ثأرى من مخيلتى
    وأتسلق غزل الوجد .
    لا أتذكر متى وكيف بدأ اغترابى
    ولكنى أتذكر أنى كنت طائر فى الغد
    ونبتت صبوة فى أقفالى الصدئة النفسية
    وظهرت وحوشا فى القمح الذى يرضع سمائى .
    لا أعري قلبى أبدا أمام أحد
    ولكنى أعرى عقلى دائما أمام الغرباء
    لأنى أفضل البوح الغامض للفرار
    على امتطاء الظلمات فى مفترق الغربة .
    أسائل ظلى عن قنوط الضوء الوسخ
    الذى يخفى مواسم الكيان فى احتضاره .
    غربتى تحترق فى الحب
    لهذا لا أدخله أبدا
    إلا إن كان من طرف حبرى فقط .
    تمهل علي أيها المحال
    فأنا لازلت فى أغاريد النفي
    فلم أقابل بعد طمي الرهبة
    التى تعصر ضلوع الطبيعة بى .
    أنا غريب فى هذا العالم
    وغريب فى مخيلتى
    وغريب فى رؤوس الأشجار
    وغريب فى حظيرة الكلمات المنعزلة
    وغريب بين الأسيجة الخيرة
    ولكنى أريد أن أكون غريبا ووحيدا
    حتى لا يملأنى لبن الإله .
    أريد أن أصرع ضحكة النافورة
    التى تدوس عربات الإيقاع الكتاني للدجى .
    الاغتراب ينفينى عن الوجود
    ويظل يضاجعنى لكى أنهك العدم
    ويجعلنى أحب خطيئتى القرمزية .

    الاغتراب عن الذات :
    الاغتراب عن الذات وفيه نغترب بسبب ألم مستمر وذنوب قديمة سواء كانت مقترفة فى الواقع وهو الإمتداد الزمنى والمكاني فى وجودنا وعدمنا وخيالنا ويضغط ذلك الاغتراب على كراهيتنا لذواتنا بشكل جنوني ويستكمل دورته بنا طالما نحن أحياء ويمتد أيضا فى أحلامنا وممكن أن يضيف سريالية حزينة وممكن أن يمجد الغائب فى غائيتنا ويكثف وعينا بالخلق سواء كان خلقنا أو خلق أحد آخر ويحثنا على المعانى التى لا نعرف معناها عقليا أبدا ولكننا نشعر بها ونتوسل فيه لقيود الحرية ويجعلنا نفكر فى أشياء غير واقعية وخيالية متطرفة ويكثف شعورنا بالمجردات المترعة بالخواطر النفسية وأن ننهزم أمامها فهي فقط تثير كل شىء بى وتحتفظ المجردات بظواهر وجواهر خفية لا يعرفها أحد فالخالق وخصوصا الخالق للمجردات يحتوى على مشاعر أكثر من أي أحد حتى الشاعر ولكنه لا يجعلنا نحب أن نشارك خلقنا مع أحد لأنه يفقد معناه بالمشاركة وأن نخلق بعد ذلك تدميره فالخلق يكفينى عن الناس وخلق الآخرين ولكنى أتمنى أن لا أدمر لذة الخلق هذه فأنا لا أريد أن أملأ رأسى بأفكار ومشاعر الآخرين ، أريد أن أملأها بأفكارى ومشاعرى أنا ، هذا التخاطر بين مخيلتى وشعورى وأداة التعبير التى لدي .
    الاغتراب عن الذات يجعلنا نحيا فى المخيلة بكل شىء بنا وبمخيلتنا المقيدة ومخيلتنا الحرة ونخرج من البيئة التى نشأنا بها والثقافة والوعي لأننا لا نستطيع الحياة فى الواقع إلا حياة وحيدة ومثيرة للشفقة بينما فى المخيلة نستطيع الحياة أكثر من حياة فنحن لا نستطيع تغيير واقعنا ولكنى حتى أريد أن أغير خيالى .
    الاغتراب يجعلنا ننتظر شىء غير مفهوم ولا نعرفه ، شىء بنا يتخلق ذاتيا ، ينتصب ، يزرع جروحا جديدة فى كل شىء بنا ، يطوح الرغبات ويدرك الإرادة بشدة التى تدمع بسبب تلصصنا على معناها .
    أضمن اغترابى بتواقيع الأرض المقدسة فى مخيلتى فهناك أرض مقدسة بها وأرض ملعونة ، الأرض المقدسة لا أدخلها إلا عندما أتوضأ بالشعر والرحمة والأرض الملعونة أعرج لها فى أحلامى .
    الاغتراب عن العدم :
    العدم يغفو بنا ولكل إنسان عدمه ولكل مدرك عدمه الخاص الذى يرتقه بعيدا عن الآخر فالعدم وليد العزلة ولكنه أعظم ما نرتقه ونخلقه فى مخيلتنا
    ولكنى ساتحدث عن عدمى الخاص الذى أحاول أن أرتقه منذ أيام قليلة فكل إنسان أيضا له وجود ولكن عدمى أنا نقطة سوداء تحيا فى اللازمن وتمتد فيه فالزمن مكان به أبواب تغلق وتفتح واللامكان غيط فى المخيلة لا يمتد إليه أي شىء كالوعي والإدراك فهم لامكانيين .
    أدرك الاغتراب عن عدمى عندما أشعر بهذه النقطة السوداء التى هى العدم لا تسلبنى وجودى الذى هو نقطة بيضاء أيضا فى مخيلتى ولا تسيل على اللابداية من كل شىء .
    أريد أن يضع العدم نواجذه فى إبريق الوجود وأن يكسر الإناء .
    لا أؤمن بالزمن فى العدم ولكن أؤمن بالخلود فيه ولا أؤمن بالمكان ولكن أؤمن باللاهنا ولا أؤمن بالخفاء ولكن أؤمن باللاوجود ولا اؤمن باحتراق الشر ولكن أؤمن بعداله نقابه .
    أريد أن أغسل ضمات اللازمن مثلا للامكان والمتعين من خوفه والمباشر من صوته فى منفاه .
    العدم سيصنع منفى ولكن منفاه ليس الوجود ولكن عدم متطور يسمح فيه بالوجود الآنى فقط والانتحار المادي .
    أريد أن أدمر وجودى بى ووجود الأخر فى وجوده وأريد أن أدمر عدمى بى وعدم الآخر فى عدمه .
    الاغتراب عن العدم يجعلنا نشعر بحرية الابتعاد عن وطننا الأم الذى يجوع لنا والدوامة التى تحقق حريتنا وقيودنا فى الاستعارة المذبوحة لجيفة الإرادة .

  • ما لم تدركه العائلة – هند الغريب

    Mel McCuddin

    أيها الألم..
    أنت مثل أخي، تعيش معنا منذ ألفنا الحياة، تأكل من نفس الطبق، وتنام بجوارنا كل ليلة، ربما كنتما تتناوبان على المبيت أنت والحب، ولكننا شعرنا بجسدك أكثر، حين كنت تُقلبه على الأرض بيني وبين إخوتي ونحنُ نيام، لم نعرفك جيداً، ولكننا تباعدنا كي نفسح مكاناً لجسدك الفظ، كنت تزاحمنا في كل شيء، كان طعامنا أقل، وفراشنا أقل، وحزن والديّ أقل بكثير من شهيتك، لم يدرك أحد الطريقة التي دخلت فيها إلى المنزل ولا الطريقة التي كنت تكبر فيها معنا، لم نسمع صوتك آنذاك ولم تضع عينيك بأعيننا مباشرة؛ ولهذا لم نناديك يوماً باسمك فيما احترنا كم تبلغ من العمر، ظنت أمي أنك مساويًا لها في العمر، فاختلف معها أبي كثيراً بهذا الشأن، مؤكداً أن عمرك مثل عمره أو أكثر، أما إخوتي وأنا فلم نجرؤ على مخالفة أبي، فيما أضمرنا سرًا أنك مجرد طفل مثلنا وبإمكاننا أن نلعب معك، ولكن.. هل لعبت معنا؟ ابداً، كنت منشغلاً بمضايقتنا وحسب، لم نفهمك يوماً، ولم ننتبه لِمَ كنت تقف سدّاً لتمنع ما حلمنا به، وقطعت الصلة بما أحببنا أن نكونه، وحِزت معنى البيت.
    أخي، أنت أخي.. هل تعتقد أنني أقول كل هذا الآن لأنهال عليك ضرباً حتى الموت؟
    كنا سنفعلها فيما مضى، إخوتي وأنا.. كنا سننتقم منك ونقوم بطردك، ولكننا كنا مثلما تظننا تماماً، أقل حتى من أن نتخلص منك، وها أنت.. كبيراً مثلنا، قوياً وجميلاً، تضع عينيك بأعيننا مباشرة، فنرى فيها طفولتنا كاملة، وترى فيها أمي زواجها، أما أبي فيرى نفسه.

    يا ابن أمي،
    لا ترحل، ابقى معنا، ولكن.. عانقنا أرجوك!

  • ثلاث قصائد للشاعر العراقي قاسم جبارة

    ثلاث قصائد للشاعر العراقي قاسم جبارة

    -1

    تخطيط بالألوان المائية لليلة الأولى من السنة

    أجراس وحوانيت مغلقة
    وأناس طول الليل يغنون
    تأريخ يرحل في قارب
    رداء يتأرجح دون مناسبة
    ونبي يدخل في عصبة حشاشين
    أجراس موحلة تقرع
    وأناس يبكون بلا أحزان.
    على الشرفة ثمة كاميليا سكرة بالثلج
    في الشارع ليس سوى النارنج
    وحمار يعوي طول الليل ولا أحد يسمعه
    وكما قلت لكم:
    في تلك الشرفة كاميليا
    وعلى هذي الشرفة
    أتفتح كالآس.

    -2
    سياحة بحرية

    التوهج يحمل زرقته
    ويواصل تجميعها في الضفاف
    ثم يطفئها في الخواتم
    في صمت بوصلة
    في حكاية أبكم، أو
    في سورا نزيل
    المراكب عائدة دون أشرعة
    والمظلات مغمورة بالمياه
    في الحديقة يوقفني فجأة
    مشهد جاموسة
    تمخر البحر نحو الضفاف.

    -3
    أغنية الطفل الأصم

    لا أريد الفراشة، عندي على المنضدة
    قارب وشموع
    لا أريد الفراشة، عندي هلال حديد
    وعندي صوتي الذي ابتلعته النجوم
    لا أريد الفراشة، عندي نافذة
    وأغان على بركة في الجدار
    كلما سقطت نجمة وسطها
    تحركت نحوي دوائرها
    دائرة دائرة دائرة
    لا أريد الفراشة
    لا أريد الفراشة
    لا أريد سوى نجمة واحدة
    لتحوّل الفضاء فضة
    والشموع غيمة
    ومنضدتي بركة ثانية.

  • غزو الحديقة – فروغ فرخزاد – ترجمة: محمد الأمين الكرخي

    غزو الحديقة – فروغ فرخزاد – ترجمة: محمد الأمين الكرخي

    ذلك الغراب الذي حلّق فوقنا
    وتوغّل في أفكار مضطربة لغيمة شريدة
    صوته الذي كمثل رمح قصير يخترق الأفق
    سوف يحمل خبرنا الى المدينة
    كلّهم يعلمون
    كلّهم يعلمون
    أننا ، أنا وأنت ، قد رأينا الحديقة
    من تلك الكوّة الباردة الكئيبة
    ومن ذلك الغصن المترنح القصي
    قطفنا التفاح.
    الجميع خائفون
    الجميع خائفون، لكننا، أنا وانت
    التحقنا بالقنديل والماء والمرآة
    ولم نخف.
    ليس الحديث هنا عن اقتران هش لاسمين
    ولا عن عناق وريقات بالية في كراس
    الحديث انما عن خصلة شعري المحظوظة
    وشقائق قبلتك الحارقة
    وحميمية جسدينا، المتحايلة
    وألق عرينا
    الشبيه بحراشف الأسماك في المياه
    الحديث هنا عن حياة فضية لنغمة
    ترددها نافورة صغيرة وقت السحر
    ذات ليلة،
    في تلك الغابة المزدانة بالخضرة
    سألنا الأرانب البرية
    في ذلك البحر المتلاطم الهائج
    سألنا ألأصداف الملأى باللؤلؤ
    في ذلك الجبل الغريب المتسيّد
    سألنا العقبان اليافعة
    ماذا يتعين علينا أن نفعل؟
    كلّهم يعلمون
    كلّهم يعلمون
    أننا عثرنا على الطريق نحو حلم العتقاوات الصامت البارد
    لقد عثرنا على الحقيقة في الحديقة
    في النظرة المتواضعة لزهرة مجهولة
    والخلود في لحظة أبدية
    حين تتمعن شمسان ببعضهما الآخر
    ليس الحديث عن همس مخيف في الظلمة
    الحديث انما عن النهار والنوافذ المشرعة
    والهواء الطازج
    والمدفأة التي تحترق فيها الأشياء عديمة القيمة
    والأرض المثمرة بمحصول آخر
    الحديث انما عن الولادة والتسامي والغرور
    عن أيدينا العاشقة
    وقد شيّدت على مدى الليالي
    جسرا من رسائل العطر والضوء والنسيم
    هيا الى المرج
    هيا الى المرج الشاسع
    نادني من خلف عبير أزهار الأكاسيا
    كمثل غزال ينادي أنثاه
    الستائر مثقلة ببغض خفي
    والحمائم البريئة
    من علو أبراجها البيضاء
    تحدّق في الأرض

  • ميلاد موزارت – قاسم جبارة

    ميلاد موزارت – قاسم جبارة

    ( البوابة وهي تسير كحبة باقلاء قالت: سيأتي موزارت)
    لا إيقاع على الأقراط
    الشمس ستدخل من شباك الدار
    خشب الأرضية يتركها تتزحلق مثل إناء صيني
    النافذة رداء من طين
    تدخل منها الأمواج مكهربة
    يتبعها سيل أناشيد
    لن نترك هذي الليلة الدار
    فقريبًا ستطير الآنية الصينية
    في داخلها كيس فواكه
    أو ماء الختانين المبارك.
    وداعًا يا رحم الأم
    سلامًا يا مفتاح البيانو
    وأنا أتحرك مثل جنين فوق الطبق
    ولدت اليوم هنا
    أطعمت خلاياي تذكارًا وحنينًا أسود
    وتركت الحبل السري على المصباح
    لا حاجة إلى الماء
    فالشمس ستدخل من شباك الدهر
    قصب الأهوار صاحبها
    وحفيف رسائل
    ( جبارة يا جبارة يا جبارة لماذ أدخلت فقيرًا آخر الدنيا؟)
    الآن على طبق الخوص أخوض
    بلا اسم أو أوصاف، بلا دين أو وطن
    أتذكر أني أحببت بلا فائدة، تزوجت وطلقت
    فقريبًا تُرمى أوحالي في شارع موزارت
    كتبي ورسائل أحبابي
    لو كانت بوابة منزلنا صادقة
    لما فكرت ببغداد
    ولبقيت هنا تحت الثلج
    منتظرًا موزارت

  • عباس كيارستمي ‏في “ريح وأوراق”: نبضُ الهايكو – عماد الدين موسى

    عباس كيارستمي ‏في “ريح وأوراق”: نبضُ الهايكو – عماد الدين موسى

    يبدو أنّ “الإبداع” لا حدود له، من هنا تتأتّى أهميته ومكمن جوهره. ولعلّ المبدع الحقيقيّ كالطائر الغنّاء في تنقّلهِ من غُصنٍ لآخر، ومن شجرةٍ أو غابةٍ لأُخرى. طالما أنّ من يُبدع في مجال ما قد يتجاوزه إلى مجالات أُخرى عديدة، وإن كان الأول احترافياً، فيما الأخرى لا تعدو عن كونها أشبه باستراحة “المحارب بين معركتين” أو أكثر قليلاً.

    في مجموعته الشِعريّة “ريح وأوراق”، الصادرة في طبعتها العربيّة عن منشورات المتوسط (إيطاليا- 2017)، ينحو الشاعر والمخرج السينمائي العالمي عبّاس كيارستمي إلى “ترسيخ رؤيته الشعرية عبر قصائد موجزة تذهب نحو اليومي والوجودي والطبيعة واللحظات العاطفية العميقة التي تكاد تكون توثيقاً شعرياً للّقطة السينمائية. أو مؤسّسة لها”.
    كيارستمي (المولود في طهران، 1940)، لا تقلّ موهبته الشِعريّة الفذّة عن عمله الاحترافيّ في السينما، حيثُ يُكمل إحداهما الأُخرى، سواء من جهة الشِعريّة في السينما أو العكس، وليطغى الجانب التأمّلي/ البصري/ التصويري على أجواء جُلّ قصائده: “توقّفت الثلوج عن التساقط/ حينها بدأ المطر/ انقطع المطر/ حينها غرّد الطائر”.

    المزج بين رؤيتين
    تقترب قصائد “ريح وأوراق” من النموذج العالمي للهايكو الياباني وكذلك تتقاطع مع أجواء القصيدة الصوفيّة أو ما يُسمّى بالشطحات، من خلالِ مزجٍ حميمٍ بين الرؤيتين. وقد عمل كيارستمي سابقاً على تشذيب أبياتٍ من الشعر الكلاسيكي الفارسي، وتحديداً الصوفيّ منه، ونشرها بطريقة شِعر الهايكو؛ حيث قدّم مختارات للشيرازيَّين حافظ وسعدي، وأخرى لجلال الدين الرومي. وقد لاقت ترحيب البعض واستهجان البعض الآخر.
    من المقاطع التي تأتي في هذا الاتجاه، نقرأ: “ورود الصحراء/ لم يشمّها أحد/ لم يقتطفها أحد/ لم يبعها أحد/ لم يبتعها أحد”، “ترى كيف تنظر الأشجار الكبيرة/ للشجيرات الصغيرة؟”، “ثمّة حريق في الغابة،/ أشجار الصفصاف السامقة/ تتأمّل المشهد”، “شجرة سرو واحدة/ طائر قمريّ واحد/ السروة في التراب/ القمري فوق السروة”.

    معجم الطبيعة
    تذخر مجموعة “ريح وأوراق” بمشاهد الطبيعة الصامتة؛ الصمت لا بوصفهِ سكوناً بل كحالةٍ من الإدهاش، الصادم والمُؤثّر. مُحققاً بذلك أحد أبرز شروط كتابة الهايكو. يقول في أحد المقاطع: “لقد حصدوا الحنطة/ القمر/ يضيء القشّ”. وفي مكانٍ آخر يقول: “أرقٌ/ في ليل أضاءه القمر./ حتّى الفجر،/ حوار غير مثمر مع الذات”.
    من جهةٍ أخرى، يكاد لا يخلو أي مقطع ضمن المجموعة من مفردات تخصّ الطبيعة أو على علاقة وثيقةٍ بها، وكأنها الحبر الذي يكتب به. حيثُ يجد الشاعر في الطبيعةِ نَفسها مرآة لروحه، تعكس رغباته وكل ما يجول في خاطره من فرحٍ أو شجن، حيثُ نجده يقول: “تحت ضوء القمر/ كانت الكأس فارغة/ والقلب خاوياً”، وكذلك: “صمتُ القمر/ يحطّم قلبي”.

    مشاهد بصريّة مشذّبة

    المعرفةُ الحقَّة بالكتابة، والعمل السينمائي المكمّل لتوسعة آفاق ما يُدوَّن على الورق، كفعل إبداعي، يتبدّى الأمر هذا واضحاً لدى كيارستمي، لتأتي معظم نصوصه كمشهدٍ سينمائي جاهز للبَدء بتصويره دون أيّة محسّنات بصريَّة، فالمشهد البصريّ داخل النصوص مشذّب لدرجة الإتقان الفعليّ، وكأنّ مخرجاً– وهو كذلك فعلاً- يمتلك عيناً ثاقبة يتمعّن ملياً قبل أن يبدأ: “بين أشلاء السحب السود/ للقمر رغبة في الاستعراض”.
    هذه اللعب السينمائيّة التي يجيدها كيارستمي، تمنح نصّه/ ومضته بُعداً، وتمنح القارئ ما يشبه الاسترخاء بعد عملٍ ذهني طويل، بفعل صفاء المشهد آنَ الكتابة، شيء حسّي لا يراه سوى الشاعر ببصيرته النفّاذة مانحاً الهدوء والسَكينة.
    “في حياتي التي لم تكن قصيرة/ في حياتي التي لم تكن طويلة/ تساقطت الثلوج على مدار عشر سنوات” يقول كيارستمي.

    الشِعرُ الحِكمة

    متخفِّفاً من الحكمة، ينطلق الشاعر/ السينمائي نحو التقاط المشهد، أحياناً يدوّن كيارستمي ما يدلّ على حكمةٍ ما، إلّا أنّها ليست ذات بُعدٍ تنظيريّ فلسفيّ، إنّها فقط الكتابةُ التصويريَّة التي تأتي على إثر تمعّنٍ ما في العالم، في الثورات، لكن وفق منظورٍ مختلف ومُغاير: “ثائر دون سبب/ جرى إعدامه/ مع إعلان السبب”.
    لا يمكن للشِعر الآن أن يكون حاملاً لنظريَّات فلسفيّة، هذا ما يراهن عليه كيارستمي وينجح في ذلك، بعدَ أن يجمع عناصر الطبيعة في تقاربٍ محبّذ، تقاربٌ هو في الحقيقة الصياغة الأسمى والأكثر “حقيقيَّةً” والتي تلعب دور الدالَّ الأساسي– غير المزيَّف- على مفردة “الشعر”، دون رتوش أو إحالات، ثمة مشاهد واضحة للعيان، ولا تحتاج سوى إلى من يدوّنها دون تجميلٍ أو تزييف: “الذئاب تعوي/ الكلابُ تنبح/ أنا أتجمَّد”، بهذه البساطة يمضي كيارستمي نحو الشعور الحقيقي، الإحساس كما هو مدوَّناً دونما حكمةٍ أو فلسفة!.

    زوايا عزلة الشاعر
    يمكن الاستدلال من خلال الجمل القصيرة التي يدوّنها كيارستمي، تلك التي تكون أشبه بملاحظاتٍ يوميَّة لعين الرائي، على عين الشاعر الثاقبة، مضافاً إلى ذلك حساسيَّة السينمائي في التقاط اللحظويّ ضمن تفاصيل الحياة اليوميّة، زوايا لا يمكن أن يفتّش أحدٌ منّا عنها في الأنحاء القريبة منه، زوايا من الصعب التقاطها إلّا باستخدام حدقة الشاعر ذاته أو أذنه أو استعارتهما ربمّا: “صوت نمو العشب/ أيقظني”. دقّة ملاحظة تنسحب على كافّة أعضاء الجسد، ليغدو جسد الشاعر كتلةَ مجسّاتٍ لاقطة لأدقّ التفاصيل.
    كلّ الشعراء يكتبون قصيدةً واحدة، لكن الأسلوب متغيّر، وهذا ما يُنجِز المختلف، الذي يمكن أن يُراهَن عليهِ كتابةً وغوصاً في عالم العميق. العزلةُ الدائمة التي تتيح رؤيةً أصفى للمشهد، هذا ما يريد أن يقوله كيارستمي عبر النصوص/ الومضات التي تخبّئ داخلَ كل مفردةٍ واضحةٍ منها معاني غامضة تستوجب التأمّل فيها بتأنٍ.

    الكوابيسُ شِعراً

    يطغى على مجمل نصوص المجموعة الأخيرة، خوفُ الكوابيس، المفردةُ الأخيرة التي يبدع فيها كيارستمي من خلال رسم تلك الكوابيس كلاماً مدوّناً، تلك الكوابيس التي من الممكن النظر إليها على أنّها- ربما- كانت مشاهدَ سينمائيَّة يودّ لو أن ينفّذها حقيقةً: “حلمتُ أنني قطعتُ رأس زوجتي/ يا له من كابوس غريب!”.
    رغم المعنى المهلك لمفردة “كوابيس”، غير أنّ الشاعر يجعل منها مفردةً يصوغُ على ضوئها تعابيرَ شعريَّة أخّاذة: “حلمتُ أنّني أسكن مع الغرباء/ يا له من كابوس!”.
    الخوفُ، القلق، دقّة الملاحظة، والغوص في العوالم الداخليَّة للأشياء، يمنح نصوص “ريح وأوراق” بعداً جماليَّاً ليكونَ منجزاً مهمّاً في الكتابة، الاتّكاء على العناصر البصريَّة ومن ثم إعادة خلقها عبر اللغة المتفرِّدة، اللغة التي تبدو من بعيد وكأنّها نقلٌ لما هو واقعيّ، غير أنّ التعمّق والدنوّ منها يظهران النقيض من ذلك، اللغةُ ناقلة وصانعة للجديد: “نصفُ أصدقائي ماتوا/ أصدقاء المدرسة الابتدائيَّة/ قنّينة نصف فارغة/ ما تزال الأحزان والأفراح على ذات الشاكلة/ أستيقظ وأستلقي/ أستيقظ وأستلقي/ حتّى مطلع الفجر”.

    المجموعة الأخيرة
    مجموعة “ريح وأوراق”، (نقلها إلى العربيّة محمد الأمين الكرخي، وجاءت في 96 صفحة من القطع المتوسط)، الإصدار الشِعريّ الثالث في رصيد عبّاس كيارستمي، الذي توفي العام الماضي في باريس عن 76 عاماً، إلى جانب مجموعتين شِعريتين سابقتين له، هما: “مع الريح (1999)” و”ذئب متربّص (2004)”.
    هذه المجموعة تحديداً، وبحسب المترجم، رسّخت مكانة كيارستمي في المشهد الشِعري الفارسي عن جدارة، بعيداً عن شهرته الواسعة في الحقول الإبداعية الأخرى، لاسيما في المجال السينمائي كمخرجٍ له ما يزيد على 40 فيلماً.

  • ثلاث قصائد للشاعرة الفرنسية لور بينو –  ترجمة: ليلى يونس

    ثلاث قصائد للشاعرة الفرنسية لور بينو – ترجمة: ليلى يونس

    (يَخَافُون)


    قَلِيلون هم أولئك الذِينَ يُدرِكُونَ أنهم بِتَغييرِ الوِجهَة سَيَعثُرُونَ عَلَى مِلحِ الحَيَاة
    بتغيير الوِجهَة يَخَافُونَ أن يَرَوا أنفُسَهُم يَتَحَوّلـونَ إلى أصنَامَ من المِلح
    قَلِيلون يُدرِكُونَ أنَّهُم بِتَغييرِ الوِجهَةِ عَنِ الطَّريقِ المستَقِيمِ سَيَستَرجِعونَ اللَّذَّةَ.


    *****


    (رَأيتُها)


    لقَد رَأيتُها – هَذِه المَرَّةَ لقد رأيتُها
    أينَ؟ عَلى حَافَّةِ الفَجرِ واللَّيلِ
    .
    فَجر الحَدِيقَة
    ولَيلِ غُرفَةِ النَّومِ .
    باِبتِسَامَةٍ تَكسِرُ صَبرَ المَلَائِكَة
    تَنتَظِرُنِي أعرِف ذَلِكَ جَيِّداً .
    ثُم بِصَوتٍ بَعِيدٍ قَالت لِي
    “آه … لا
    لَن تُصبِحِي مَجنُونَة
    هَل تَسمَعِين
    سَتَفعَلِينَ كَذَا وكَذا”. .
    كَانت تَتَحَدَّثُ وتَتَحَدَّثُ دُونَ أن أفهَمَ شَيئاً
    تَبِعتُهَا رُغماً عَنِّي في حَفِيفِ فُستَانٍ كَثِيفٍ وطويلٍ بِطَبَقاتِ حَرِيرٍ تَتَقَافَزُ وتتَنَثَرُ فِي كُلِّ

    خُطوَة. .
    اِختَفَت
    برّاقةً صَاخِبَة
    عَبرَ سُلَّمٍ ضَيِّـقٍ مُهتَرِئ .
    فَوق
    كَانَت هُنَاكَ ثِيابِ الرِّجَالِ
    آلافُ الثِّيَابِ في قاعَةٍ مُغلَقَةٍ دائماً
    شدِيدَةِ الحَرِّ
    الكائِنُ الحَيُّ الوَحِيدُ المَوجُودُ هُنَاكَ: هِيَ
    تَعبُرُ الفَرَاغَ بَينَ دُمَى الخَشَبِ
    و تَلبَسُ قِنَاعَهَا
    كَامِلاً.


    *****

    (مِن أينَ جِئتَ)

    بِقَلبِكَ المُمَزَّقِ فَوقَ أَشوَاكِ الطّرقات

    بخُشُونَة يَدَيكَ الَّتِي تَعوَّدَت كَسرَ الصُّـخُورِ

    ورَأسكَ المُنتَفِخ كشوكةٍ مَثقُوبَة؟

    نَحنُ أولئك الَّذِينَ نَصرُخُ في الصَّحَارِي

    ونَصِيحُ بِالقَمَر .

    أَشعُرُ بِالأَمرِ تَمَاماً الآن ،”لَقَد أَعطَونِي واجِباتِي” لكِن مَا هِيَ تَحدِيداً؟

    الأمر أَحيَانًا صَعبٌ وَ ثَقِيلٌ . ذاكَ يَجعَلُنِي أَرغَبُ بِالرَّكضِ فِي البَراري
    الغطسِ في الوِديَان
    نِسيَانِ مَا حَدث
    ونِسيانِ طفولتي البَائِسَةِ المَذعُورَة
    الجٌمَعُ المُقدَّسَة و ثُلَاثَاء الرَّمَاد
    طُفُولَة كُلُّهَا فِي حِدادٍ
    بِطعمِ الفطائِر ورائِحةِ الكافور
    مُرَاهقَـةٌ نَحِيـلَةٌ قَلِـقَةٌ
    وأيدي المُصابِين بِفَقرِ الدَّم
    نِسيَـانِ الرَّائِعِ و المُخزِي
    الحَرَكاتُ المُقدَّسَة
    وتكشِيرات الوَجهِ الشَّيطَانِيَّة
    نِسيَان
    الزَّخَمِ المُزَوَّر
    الأَمَلُ المَخنُوقِ
    طَعمُ الرَّمَاد
    نَنسَى أَنَّـنَا لَمَّا نُرِيدُ كُلَّ شَيء نَحصُلُ عَلَى لا شَيء
    نَعِيشُ أخِيراً
    “دُونَ عَذابٍ
    دُونَ تَعذِيبٍ”
    نَصعَـدُ عَبرَ الوِديَانِ
    نَصعَدُ إلى يَنَابِيـعِ الجِبَالِ
    حيث النِّسَاء والرِّجَالُ الحقِيقِـيُّونَ الكَادِحُـونَ
    الآباء
    الزَّارِعُـونَ
    أستَلقِي فِي الحُقُولِ
    وأغَادِرُ هَذَا الجَوّ
    هَذِه الكُثبَان، هذه المُرُوجُ الرَّملِيَّة، هذه السَّمَاء الكَـئِيبَة،
    هَذِه الصَّحَارِي الاصطِنَاعِيَّة،
    وهَذا اليَأسُ. الذِي نَجعَلُ مِنهُ فَضِيلَة
    هَذا اليَأسُ الذي يُشرَب،
    يُرتَشَفُ فِي شُرُفَاتِ المَقَـاهِي
    يَنتَشِر… ولاَ يَتَمَـنَّى إلَّا تَغذِيَةَ صَاحِبهِ جَيِّداً.
    نَعِيشُ أخِيراً
    دُونَ اتِّـهَام
    دُونَ تَفسِير
    أضَحَايَا نَحنُ أم مُذنِبُون
    كَيفَ أشرَح؟
    زِلزالٌ أرضِيٌّ فَظِيـعٌ حَطَّمَنِي. .
    أحدُهم عَضَّ رُوحِي
    وهي طِفلة !
    صُرَاخُهَـا وشَكَاواهَا
    وذاك الضَّعفُ الاصلِيُّ
    نعم ــــــ
    ولو رَأى أحدٌ ما دُمُوعِي :
    فَلِيَلمَس رَأسِي الخَشَب
    و لِـيَغُص في التُّرابِ. …………………………….


    *لور بينو
    * ترجمة: ليلى يونس

  • مختارات من شعر البشتونيات في وديان المنفى

    مختارات من شعر البشتونيات في وديان المنفى

    أشعار سرية تتناقلها شفاهياً نساء قبائل البشتون في أفغانستان، عبرن من خلالها عن ألوان من الرغبة والوله، واللهفة والألم والقلق والحرمان، والشغف بالطبيعة، هذه المقاطع التي جمعها من مصادرها سيد بهاء الدين مجروح وترجمها إلى الفرنسية بمساعدة أندره فيلتير، مقاطع كشفت عن حضور المرأة الأفغانية وعن حسها الإنساني كمبدعة تحايلت على الظروف، وهي من جانب آخر زفرات نساء محرومات مقموعات في مجتمعات البشتون الصارمة، حيث الهيمنة الذكورية مطلقة، والنساء منصاعات بخنوع ممزوج بغواية الأنثى حسبما جاء في” المدى الثقافي”.
    نساء البشتون لا ينتحرن بالرصاص، ولا بشنق النفس، فالسلاح والحبال من أدوات الرجال، وأجسادهن لا تجد راحة الا في أعماق الأنهار: قفزة واحدة إلى الهاوية ويُغرق الماء كل الأحزان والرغبات.


    (قصائد متنوعة)
    إذا مات حبيبي، لأكن كفنه
    هكذا نتزوج الرماد معاً.
    ****
    يا إلهي، لا تدع امرأة تموت في المنفى
    ستنسى اسمك، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة
    لن تفكر سوى بمسقط رأسها.
    ****
    في يدي وردة تذبل
    لا أعرف لمن أعطيها في هذه الأرض الغريبة.
    ****
    إما أن تكون على صدري دائماً
    وإلاّ فالأفضل أن تكون بين ذراعي الأرض المعتمتين.
    ****
    مرر يدك بهدوء في تجويف يدي
    ما أن أزهر رمان (قندهار) حتى نضج.
    ****
    حبيبي عقد على عنقي
    قد أسير عارية، لكني لا أبقى لحظة بلا عقد.
    ****
    تعال لألمسك، لأحتضنك
    أنا نسيم المساء الذي يموت قبل الفجر.
    ****
    أمشي في شوارع كابول
    وخلف النوافذ الحزينة
    قلوب محطمة، نساء محطمات
    لا رجال في الجوار
    لأنهم يموتون جوعاً بينما يتوسلون الخبز
    مدرسون وأطباء وأساتذة ضائعون
    بين البيوت الجائعة
    لم يتذوقوا حتى القمر
    يحملون أجساداً بملابس كالكفن
    أصواتهم لا تسمع
    لا لون في عيون نسائهم
    نسائهم اللائي لم يرين الا الدم
    لا خبز هنا
    سوى رائحة أجساد أولادهم العفنة
    آذانهم لا تسمع
    سوى زقزقة أمعاء خاوية
    يبكون على أصواتهم المخنوقة
    مع كل صوت للنار والإرهاب.
    ****
    أفغانستان، يا أرض العبودية
    والجمال.
    من أهانك؟
    لتكوني غنيمة،
    ما ذنبك؟
    وأنت تسعين للحرية
    وحوش بملابس قصيرة
    عروك من الكرامة
    أفغانستان تحسدها الجنة
    أحالوك رمادا بالنار
    النار التي أحرقت الحياة
    أحرقت الجمال
    والكرامة
    أحرقوا “كابلك” المسلوبة
    واغتصبوا مبانيك الجميلة
    حيث صار الموت أرخص شيء
    حيث الحياة تنوح
    حيث دنست الطهارة
    التلال والوديان توهجت بالدماء
    بسبب طالبان.
    ****
    لا أحد يميزك
    وأنت تمشين في شوارع المدينة
    كيف ستشعرين؟
    وأنت عبدة
    تحت رحمة زوج متطرف
    تضربين
    تقطعين
    تعذبين حد الموت
    بصرخات لا جدوى منها
    كيف ستشعرين ؟
    عندما تسجنين عن هواء العالم
    عندما تمنعين من العمل
    من التعليم
    حياتك لا معنى لها
    عندما لا تستحقين
    اسمك.
    ****
    أخط باناملي النحيفة اسمكَ
    على زجاج النافذة المنجمد
    وانظر من بين الحروف
    عسى ان تأتي ربيعا.
    صدف
    قلبي المفعم
    لن امنحه اياك
    أخشى أن تسلبني حنانك
    كرجالٍ
    يطوقون أعناقهم باللؤلؤ
    ويهملون الصدف
    ـــــــــــــ
    (نبرة الأغنية)
    للشاعرة نادية انجومان
    تخرجت في جامعة هرات ، اكتسبت شهرة واسعة في الأوساط الأدبية في أفغانستان وايران بعد الإطاحة بنظام حكم حركة “طالبان” المتشددة نهاية عام 2001، وقتلت انجومان على يد زوجها ضربا حتى الموت وهي في الخامسة والعشرين من عمرها، متأثرة بإصابات بليغة جراء اعتداء زوجها عليها وتم اعتقال الزوج الذي اعترف بتسببه في كدمات ظهرت أسفل عينها اليمنى.
    الشاعرة نادية انوجمان تخرجت في كلية الآداب في جامعة هرات، ونشرت ديوانها الأول عام 2005 بعنوان “غولي دودي” أو”الزهرة القرمزية” والذي نال رواجاً واسعاًً. لكن لم يكتب لها أن تعيش لنشر ديوانها الثاني الذي كان تقرر صدوره هذا العام:
    ضوء النجوم في القفص
    كيف قلبك اذن
    لا شك في انه يرفرف بوحشية
    دائما يغني
    ضد الظلام
    الظلام الذي يعرفه
    ليشعر أخيراً بلدغة الخدر
    بالموت
    تمر بهدوء
    هذه الرؤية المختصرة للحياة
    للشخص الذي لا يرى أبداً
    للضوء الخالص
    يمسك قلبك
    انينك المسمم
    بمخلب يزدرد كل خوفك
    حتى الآن لم يكن مثلك
    من باع قراره ولم يقو على الغناء
    لا تكن هادئا
    احتضن قبرك
    قفص المرمر الأبيض
    المساحة الشاحبة
    الرثة البائسة
    لن أسجن هنا،
    كطائر حكيم
    تحلق كلماتي عالياً
    بحرية تحلق
    تطير وتعيش
    مرة أخرى.

  • إيتيل عدنان – ترجمة: رشا صادق

    إيتيل عدنان – ترجمة: رشا صادق

    تعال! تعال! برعم ياسمين وراء الأذن

    من زمن شفقٍ يغيب
    يفضّلون ألّا يتحدّثوا عن
    الهموم البشريّة، لكن عندها
    الأحجار ليست أفضل.
    الكلماتُ، لشدّ الانتباه، تلتفّ
    بعباءةٍ أرجوانية،
    في الفراغات بينها
    تكمن المغامرة الحقيقيّة
    أغلقُ المصاريع متساءلةً
    أين اختفى الضوء الذي كان
    يداعب البحرَ تحت أنظارنا
    جميلٌ أن نكون هنا في هذه العزلة،
    في موطن العصافير، واعين
    أنّ أمم العالم تتغذى على النهب:
    مسلّحين بانقشاع الوهم
    نعين أنفسنا على احتمال ما لا يطاق.
    لا تهجر طفولتكَ وأحزانها
    رغبتك الأولى ستلاحقك
    حتّى النفَس الأخير. الطرقاتُ
    قد تقودك إلى الإلهام، لكن
    ليس إلى سلام القلب
    أبداً.

    *إيتيل عدنان، شاعرة لبنانية/ أمريكية.
    باريس 27 أكتوبر 2003

  • كوكَايين – أنيتا بيربر – ترجمة: بكاي كطباش.

     

    Anita Berber

     

    جُدرَان
    طَاولَة
    ظِلاَل وقِطَط
    عُيون خَضرَاء
    عُيون كثِيرَة
    مَلايِين العُيون
    الَـمرْأة
    رَغبَات عَصَبية تتطَاير
    أضوَاء حياةٍ متلألِئَة
    مِصبَاحٌ متَوَرّم
    ظِلّ يترَاقَص
    ظِلّ صَغَير
    ظِلّ كبِير
    الظلّ
    أواه! القَفز عَلى الظِّل
    مُعَذّب هذَا الظّل
    مُوجعٌ هذَا الظّل
    مُفترِسٌ هذَا الظّل
    مَاذا يُريدُ هذَا الظّل
    كُوكَايين
    صُرَاخ
    دَم
    حَيوانَات
    كُحول
    آلاَم
    آلاَم كَثيرَة
    ثُمّ …العُيُون
    الحَيوانَات
    الفِئرَان
    الضَّوء
    وَهَذا الظَّل
    هَذَا الظِّل الأسوَد المرْعِب الكَبِير.

    *أنيتا بيربر، ممثلة وراقصة ألمانية. ( 1899-1928)

  • مختارات هايكو – علي عكور

    مختارات هايكو – علي عكور

    1
    طرقاتُ المطر
    على النافذة
    يحسّها الأعمى
    على عينيه

    2
    في المرآة
    خدشٌ صغير
    عبثًا تدسّهُ
    في كلّ الوجوه

    3
    يكتبُ
    لكي يحرّر أصابعَه
    منْ وداعٍ قديم

    4
    يدرونَ أنّك طيرٌ عابر
    وأنّك تنتمي للسماء
    لذا أوثقوكَ جيّدا
    أيها الشراع ..
    واستغلوا
    حنينكَ للريح

    5

    الشرود:
    اعتبره بابا مغلقا
    أو غرفةً غير مضاءَة
    وانصرفْ.

    6
    تنهيدتي أكبر
    من أن تخرج
    كأنني ابتلعتُ غيمة

    7
    أنتِ
    أوفر الراحلين حظا
    كلّ الأشياء تلوّحُ لكِ
    أيتها الريح

    8

    هكذا
    يبكي النائم:
    يرسمُ نافذة
    وينهمر

    9
    من أيّ خدٍّ فرّت
    لهذه الفراشة ظلّ قبلة

    10

    أشفقُ على الصراخ
    يطوفُ العالم
    دون أن يعود بشيء
    أغبطُ الهمس
    لأن كل شيء
    بين يديه
    لا يبرحُ مكانه .

    11
    أيها النجّار:
    تزعجني أسرّتي
    بأنينها المرّ
    ألا يوجد سريرٌ
    لا يحنّ
    سريرٌ، مثلا
    مقطوعٌ من شجرة

    12

    لا يسهو
    لكنه يجتاز النهاية
    بخطوة أو خطوتين
    لا ينسى
    لكنه يكرّر الأشياء
    مرّةً أو مرتين
    قد يغوص في الصمت
    بحثًا عن حجرٍ منسيّ
    يوغلُ في كل شيء
    مثلَ منْ يقشّرُ الوقت
    بحثًا عن لبّه

    13

    حقًّا، كيف
    يرتبط اليتم بالعمر
    ماذا لو اختبأ الطفل
    في مكان ما
    من هذا الجسد
    ذي الشاربِ الكثّ
    والشعرات البيض

    14
    ترشحُ جرّةُ الطين
    فيُسمّي الماءَ دموعًا
    ويبحث بحذر
    عن الكسور في الداخل

    15

    لو لم يكن هناك
    كتب
    سينما
    موسيقا
    أصدقاء جيدون
    كنا سنتسلى بالقفز
    من أسطحِ البنايات العالية

    16
    تقريبًا
    الخيال أقدم سينما

    17
    لم يكن نورسًا ولا شمسًا
    ولكن الموانئ تعرفه
    لم يكن ملحا ولاحجرًا
    ولكن البحر يصقله
    لم يكن منارةً ولا قمرًا
    ولكن الليل يؤنسه
    كانَ نحيلا وأسمر مثل صارية
    وكانت شجرة عائلته:
    قاربًا ومجدافين

    18

    كل يوم
    تعبرُ الريح بفنائهم
    تعرف أن هذه العائلة
    ليس بوسعها أن ترقص
    إلا على حبلِ الغسيل

    19
    اللّمسة
    أقدم قصيدة هايكو

    20
    لا يتعب الفضول
    من الوقوف
    على أطراف أصابعه.

  • قصائد مختارة للشاعر الأرجنتيني روبيرتو خواروس

    قصائد مختارة للشاعر الأرجنتيني روبيرتو خواروس

    objects-on-ochre-1989.
    Albert Rafols-Casamada

    1 –

    هناك ملابس تدوم أكثر من الحب،
    هناك ملابس تبدأ مع الموت
    وتجول حول العالم
    والعالمين·

    هناك ملابس بدل ان تُبتذل
    تبدو دائما جديدة أكثر.

    هناك ملابس للتعري·

    هناك ملابس عمودية·

    انهيار الإنسان
    يجعلها منتصبة.

    ـ 2 ـ

    عـصـافـيـر الـمـسـاء الـقـويـة جـدا
    تـمـتـن سـلـمـا
    كـي تـهـبـط أرشـيـفـات الـهـواء
    وتـطيـر فـي مـسـاء الـبـارحـة.

    ـ 3 ـ

    كل شيء هو عين مفتوحة
    وأنا جزء من هذه العين·

    لكن حينما ستنغلق عيني،
    سوف أكون جزءا من ماذا؟
    من عين مغلقة؟

    ـ 4 ـ

    الحياة ترسم شجرة
    و الموت يرسم أخرى.
    الحياة ترسم عشا
    و الموت ينسخه.
    الحياة ترسم عصفورا
    كي يسكن العش
    والموت في الحال
    يرسم عصفورا آخر.

    يد لا ترسم شيئا
    تتنزه بين كل الرسومات
    و من وقت لآخر
    تغير رسما من مكانه.
    مثلا:
    عصفور الحياة
    يشغل عش الموت
    فوق الشجرة التي رسمتها الحياة.

    في أوقات أخرى
    اليد التي لا ترسم شيئا
    تزيل رسما من السلسلة.
    مثلا:
    شجرة الموت
    تسند عش الموت
    لكن لا يشغله أي عصفور.

    وفي أوقات أخرى
    اليد التي لا ترسم شيئا
    تتحول هي نفسها
    إلى صورة زائدة ،
    بهيئة عصفور ،
    بهيئة شجرة ،
    بهيئة عش ،
    و حينئذ ، حينئذ فقط ،
    لا شئ ناقص و لا فائض ،
    مثلا:
    عصفوران
    يشغلان عش الحياة
    على شجرة الموت.

    أو شجرة الحياة
    تسند عشين
    حيث يسكن عصفور واحد.

    أو عصفور وحيد
    يسكن عشا واحدا
    على شجرة الحياة
    و على شجرة الموت.

    ـ 5 ـ

    فراغ النهار
    يكثف في نقطة
    تسقط مثل قطرة
    في النهر·

    امتلاء النهار
    يكثف في ثقب دقيق
    يمتص قطرة النهر هذه·

    من أي امتلاء نحو أي فراغ
    او من أي فراغ نحو أي امتلاء
    يجري النهر؟

    ـ 6 ـ

    كـل شـيء يـصـنـع لـنـفـسـه يـديـن.
    الـشـجـرة، مـثـلا،
    كـي تـفـرق الـريـح.

    كـل شـيء يـصـنـع لـنـفـسـه قـدمـيـن.
    البـيـت ، مـثـلا،
    كـي يـتـبـع الإنـسـان.

    كـل شـيء يـصـنـع لـنـفـسـه عـيـنـيـن.
    الـسـهـم، مثـلا،
    كـي يـصـيـب الـهـدف.

    كـل شـيء يـصـنـع لـنـفــسـه لـسـانـا.
    الـكـأس، مـثـلا،
    كـي تتـحـدث مـع الـنـبيـذ.

    كـل شـيء يـصـنـع لـنـفـسـه حـكـايـة.
    الـمـاء، مثـلا،
    كـي يـتـسـرب أكثر أمانا.

    بــيــنــمـا الإنــسـان
    تــخـلــى عــن يــديــه،
    تـخـلـى عـن قـدمـيـه،
    تـخـلـى عـن عـيـنـيـه،
    تـخـلـى عـن لـسـانـه،
    تـخـلـى عـن تـاريـخــه
    كـي يـصـنـع إنـسـانـا آخــر
    ويـسـتــمـر فـي طـلــيـعــة
    هـذا الـطـواف الـغـريـب،
    هـذه الـغـيـريـة الـمـركـزة،
    حـيـث الـمـركـز يـتـخـلـى كـذلـك عـن مـكـانـه
    لـيـصـنـع مـركـزا آخـر.

    ـ 7 ـ

    اللمس يخلق في الليل
    رسما جديدا

    و الجسد يصوغ في ذاته ثانية
    الواقع الأصلي.

    اللمس طريقة أخرى للتفكير في الجسد.

    ـ 8 ـ

    زارتـنـي غــيــمـة.
    فـتـركـت لـي وهـي تـرحـل
    حـدهـا للـريـح.

    زارنـي ظـل.
    فـتـرك لـي وهـو يـرحـل
    ثـقـل جـسـد آخـر.

    زارتـنـي نـفـحـة اسـتـعـارات.
    فـتـركـت لـي وهـي تـرحـل
    زنـدقـة الـحـلـم.

    زارنـي غـيـاب.
    فـتـرك لـي وهـو يـرحـل
    صـورتـي فـي الـزمـان.

    وأنـا أزور الـحـيـاة.
    سـوف أتـرك لـهـا وأنـا أرحـل
    رعـايـة هـذه الـبـقـايـا.

    ـ 9 ـ

    الـكـل مـثـل الـفضـاء يـعـتـاد عـلـى الـفضـاء،
    أنـا اعـتـدت أن أكـون شـيـئـا مـا.

    حـيـنـمـا سـأغـيـب
    سـتـكـون هـنـاك ببـسـاطـة عـادة نـاقـصـة.

    ـ 10 ـ

    الفاكهة خلاصة الشجرة
    العصفور خلاصة الهواء
    الدم خلاصة الانسان
    الكائن خلاصة العدم

    ميتافيزيقا الريح
    تستخبر عن كل الخلاصات
    وعن النفق الذي تحفره الكلمات
    من تحت كل الخلاصات

    لأن الكلام ليس هو الصراخ،
    لكنه اللقاء أو العطلة.
    الكلام هو خلاصة الصمت.
    الصمت الذي هو خلاصة كل شئ.

    ـ 11 ـ

    كـل شـيء يـشـيـر إلـى شـيء آخـر.

    إلـى مـاذا تـشـيـر
    الـحـكـايـة الـعـمـوديـة لـلشـجـرة؟
    إلـى مـاذا تـشـيـر
    واحـة جـسـدك؟
    إلـى مـاذا يـشـيـر الـضـوء
    وإلـى مـاذا اللـيـل؟
    إلـى ماذا يـشـيـر تـصـلـب الأموات الـمـنـسـق؟

    ربـمـا الـكـل يشـيـر إلـى مـركـز مـا.
    لـكـن كـل مـركـز يـشـيـر إلـى الـخـارج.

    ـ 12 ـ

    الـجـرس مـلـيء بالـريـح،
    مـع ذلـك لا يـرن.
    الــعـصـفـور مـلـيء بالـطيـران،
    مـع ذلـك لا يـتـحـرك.
    الـسـمـاء مـليـئـة بالـغـمـام،
    مـع ذلـك فـهـي وحـيـدة.
    الـكـلام مـلـيء بـالأصـوات،
    مـع ذلـك لا أحـد يـقـولـه.
    كـل شـيء مـلـيء بالــتـسـربـات
    مـع ذلـك فـلـيـس هـنـاك طـرق.

    كـل شـيء يـتسـرب
    نـحـو حضوره.

    ترجمة : ابراهيم قازو