أيّها العزيز، لقد عدتُ إلى الجنون مرة أخرى. ولا أظنّ أن بإمكاننا النجاة مجددًا من تلك الأوقاتِ السيئة. أنا لن أتعافى هذه المرّة. أصبحت أسمع أصواتًا كثيرة داخل رأسي، ولم أعد قادرةً على التركيز. لذلك سأفعل الأفضل لكلينا. لقد وهبتني أعظم سعادةٍ ممكنة. لقد كنتَ بكل الطرق، كلّ ما يمكن لشخص واحد أن يكونه. لا أظن أنه من المعقول لاثنين أن يصبحا أكثر سعادة منّا، حتى أصابني هذا المرض اللعين. لا أستطيع القتال أكثر. أعلم أنني أفسد عليك حياتك، لولا وجودي لاستطعت الخروج والعمل. أعرف أنك ستخرج للعمل إن غادرتُك أنا متأكدة من هذا. انظر، لا أستطيع القراءة حتّى. لا أستطيع كتابة هذه الرسالة بشكل جيّد حتى. إنني أخسر كل شيء. ما أريد أن أخبرك به هو أنني مدينة لك بكل السعادة التي عشتها في حياتي. لقد كنت صبورًا معي وطيّبًا بشكل لا يعقل. أريد أن أخبرك -والجميع يعلم هذا- لو كان لرجلٍ أن ينجح في إنقاذي فستكون أنت هذا الرجل. فقدتُ كلّ شيء يا ليونارد، عدا إيماني بك وبقلبك. لا أستطيع الاستمرار في إفساد حياتك. هذا يكفي. لا يمكن لشخصين أن يكونا أكثر سعادة مما كنّا عليه.”
المدونة
-
قصائد مختارة لـ مارك ستراند | ترجمة: ميلاد فايزة
النبوءة
في تلك الليلة جنَحَ القمرُ فوقَ البحيرة
مُحيلاً الماء إلى حليب، وتحت
أغصان الأشجار، الأشجار الزرقاء،
تَمشّت اِمرأة شابّة، وَلِلَحْظةٍوقفَ المستقبلُ بين يديْها:
المطر ينهمر فوق قبر زوْجها، المطر ينهمر
فوق مروج أطفالها، فَمُها
يمتلئ بالهواء البارد، بينما ينتقل غرباء إلى بيتهافي غرفتها رجل يكتب قصيدة، يجنح فيها القمر،
تتنزّهُ امرأةٌ تحت أشجارها، مُفكّرةً في الموت،
مُفكّرةً فيه وهو يُفكّر فيها، بينما الريح تشتدُّ
آخذةً القمر وتاركةً الورقة للظلام.مجيء النور
حتى في هذا الوقتِ المتأخّر يحدثُ:
أنْ يأتي الحبُّ ويأتي النورُ.
تستيقظُ والشموعُ تضيءُ وكأنّها قد اشتعلت من تلقاء نفسها،
تتجمّع النجومُ وتتدفّق الأحلامُ على وسائدك
باعثة باقاتِ هواءٍ دافئة.
حتى في هذا الوقتِ المتأخّر تلمعُ عظامُ الجسد
ويتوهّج في الأنفاسِ غبارُ الغدِ.سبع قصائد
إلى أنطونيا
١
على حافةِ
ليلِ الجسدِ
عشرةُ أقمار تعلو.
٢
ندوبٌ تتذكّر الجرحَ
الجرحُ يتذكّر الألمَ
ها أنّك تبكي مرّةً أخرى.٣
عندما نمشي في الشمس.
تكونُ خيالاتُنا مِثل بوارج صمت.
٤
جسدي يتمدّد أرضاً
وأسمع صوتي
متمدّداً بجانبي.الصخرةُ لذّةٌ
وتتفتّح
وندخلها
كما ندخل أنفسَنا
كل ليلة.٦
عندما أتحدّثُ إلى الشبّاك
أقول إنّ كلّ شيء
هو كلّ شيء.٧
عندي مفتاحٌ
أفتح البابَ وأدخل
إنه ظلام ولكني أدخل
ظلامٌ أكثر ولكني أدخل.سطور لأجل الشتاء
إلى روص كراوسقُلْ لنفسك
عندما يبرد الطقس وتكفهرّ السماء
أنك ستستمرّ
ماشياً، سامعاً
نفس النغمة حيثما
تجد نفسك-
داخل قبّة الظلام
أو تحت البياض المشقّق،
بياض تحديق القمر في وادٍ من الثلج.
الليلة عندما يشتدّ البرد
قل لنفسك
ما تعرفه، والذي لا يساوي شيئا
غير اللحن الذي تعزفه عظامك
وأنت تتقدّم في المسير. وسوف يكون بمقدورك
لمرّة واحدة أن تتمدّد تحت نارٍ صغيرة
لنجوم الشتاء.
وإذا حدثَ أنْ لمْ تستطع
أنْ تستمرّ أو تعود
وتجد نفسك
حيثما ستكون في النهاية،
قل لنفْسك
في ذلك الانسيابِ الأخيرٍ للبرد في
أطرافك
إنك تحبّ ما تكون.الحديقة
إلى روبرت بان وارنفي الحديقة تضيءُ،
في الأوراقِ البيضاء لشجرة الكستناء،
على حافة قبّعة أبي
وهو يمشي على الحصى.في الحديقة المُؤبّدة في الوقتِ
تجلسُ أمّي على كرسيّ من الخشب الأحمر:
يملأ الضوءُ السماءَ،
وثنايا فستانها،
والورودَ التي تشابكت بجانبها .وعندما ينحني أبي
ليهمسَ في أذنها،
عندما يقومان ليترُكا المكان
وطيور الخطافِ كالسهام تنطلق في السماء
ويغفو القمرُ والنجوم ،
فهي تضيء.حتى وأنت تميلُ على هذه الصفحة
متأخراً ووحيداً، فإنها تضيء: وحتّى الآن
في هذه اللحظة قبل أنْ تختفي.واضحاً في ضوء سبتمبر
يقف رجلٌ تحت شجرة محدّقاً في بيت صغير غير بعيد. يخبط بذراعيه كأنّه عصفور، مرسلاً، ربّما، إشاراتٍ إلى شخص لا نستطيع أنْ نراه. لعلّه يصرخ، ولكن بما أنّنا لا نسمع شيئا، فلعلّه ليس كذلك. ترسل الريحُ الآن قشعريرة من خلال الأشجار وتسوّي الحشيش بالأرض. يسقط الرجلُ على ركبتيه ويضرب الأرض بقبضتيْهِ. يأتي كلبٌ ويجلس بجانبه، فيقف الرجلُ، ويخبط مرة أخرى بذراعيه. لا علاقة بي بِما يفعله. يَأْسُهُ ليس يأسي. لا أقف تحت شجرة ناظراً إلى بيوتٍ صغيرةٍ. ليس لي كلبٌ.لغز رسالة غير عادية
كان اليوم طويلا في المكتب وكانت رحلة العودة إلى البيت حيث سكنت طويلة. فتحت النور عندما وصلت فرأيت على الطاولة ظرفا عليه اسمي. أين كانت الساعة؟ أين كانت الروزنامة؟ كان خطّ اليد لأبي، ولكنه قد مات منذ أربعين عاما. وكما يتوقّع المرء فقد بدأت أفكر أنه ربّما، فقط ربّما، يكون على قيدِ الحياة، يعيش حياة سرّية في مكان ما قريب. وإلاّ كيف يمكن تفسير حكاية الظرف؟ ولكيْ أتماسك فقدْ جلست وفتحتهُ وسحبتُ الرسالة. «ابني العزيز،» هكذا افتتحها. «ابني العزيز» ثم لا شيء.
المصدر: جريدة القدس العربي.
-
إيميلي يوحنا فورست – خذ لك

The Engineer’s Lover
Carlo Carra1ـ خذ لك
خذ لك…
كلماتي،
أغنيتي،
خذهما …
كمن يقطف الأزهار
من المروج…
واربطهما
بألوانها الزاهية
باقة ورد…
لعل الزنبور يطن
منهما.
لعل الفراشة تتعرج
في مكان ما
ثملة بالحب
حول ورقة البنفسج
التي قيلت لك منها
كلمتي…
متحركة كزهر
مستيقظ
موضوعة في
حجرك.
2 ـ القصائد
القصائد…
شوارع الأحلام
في العالم
مولودة في أعاليها…
مدعوة من أعماقها…
إلى عظيم،
لا زمني…
القصائد …
تصعد كالطيور
في العاصفة…
وهي لها الريح
التي تولدها…
القصائد
هي التي تتشكل وتعد
في رقصة إيقاعات
عالم ألوان
لا يشبع.
القصائد…
لها في الطيران،
أجنحة مالك الحزين
الشقيق للحقول المشمسة
فالقصائد تتحدث
وتغني…
حيث يغني ( التوركان)
على جانب غابات
المطر.
القصائد…
كالزهور في ريح
آذار…
والتي لم يفهما بعد
الشتاء…
القصائد كلمة،
في استيقاظ الربيع
تنضج فينا.
القصائد…
واسعة كالأبدية،
هي أطفال الإنسان
المحبوبة…
مولودة من ثنيات
مباشرته،
وتحمل في ذاتها
الكلمة…
تحملها دائما ومن جديد
للحديث.
3 ـ الرحّال
رحّال أنا
في هذا العالم…
وليس عندي سقف
على رأسي
فقط، أحيانا
أستلقي برأسي
تحت الجسر
الذي يشد قوسه
بين شاطئين.
أدع لي( من الدعاء)
كي لا تفترسني الذئاب
في الخارج…
لأني سلكت الطريق
وعكاز رحالي
شعاع وحيد
من النور…
أدعُ لي ( من الدعاء)
ألا يقوظني.
حين انكسر عكازه
أخذ يضئ بنفسه
ما استطاع…
يا لها من غرابة!
فالذئاب لم يروها
في النهار بعد،
وفي الليل
هو الراحل بين النجوم.
4 ـ نصر اليوم
قوات الظلام
في لعبة زماننا
إلى حدود اضطرابنا
غير المقاسة…
خطوة بعد خطوة
في تخريب عوالمنا
رقصة التناهي
في الصراع العظيم،
على سلطة اليوم
ولكن نصر اليوم
هو النور.
-
حميد عقبي – ثلاث حالات
كانت الشمس تعزف مزاميرها في الصباح الباكر، توقظني قاطعة المشهد الأخير من الحلم، لحظة الذروة.. كنت على وشك فعل شيء ما.. ها هي الشمس تمشط شعرها بغرور متباهية بأنها ترى الحقول والأزقة وأصابع الموج، وأنا في صف الطابور المدرسي، كنت أتظلل بغيمة تحب الرقص، نهرني أستاذ التربية الدينية وعاقبني بالطواف سبعة أشواط حول غيمة سمينة وكسولة تركها قطار الريح لخوفه من شبقها بعد أن أكلت تَّرَائِب تسع غيمات، كنت أركض وأصرخ محذراً صديقتي الراقصة.
أتخيل أن شاربي قد نبت في حصة النشيد الوطني، أتحسسّ طعنة الرماح وصراخ خالد بن الوليد يصعد جبل أحد..غضب المعلم مرة أخرى لأني قرأت الدرس الملغي من المنهج، زمجر.. عربد ثم طردني من الفصل.
لأني لا أجيد السباحة في بركة الوضوء، كنت أركض إلى تبة التراب، أتسلقها، أظنني بلغت السماء الأولى، وقت الظهيرة الحار، يبني السراب جدرانه من ماءٍ باردٍ وشرابٍ، تسخر منه الفراشات العائدة من الحقل، صوت رصاص.. الآن طائرات الأباتشي تقصف التل والربوة والفراشات، تقصف الطفل والمدرسة.2
السماء، هذه البالونات الهوائية الزرقاء، بمقدرتي مصافحة الله لو صعدت سطح أعلى غرفة في بيتنا، استعرت معراج المسجد المجاور، أشعر بالأرض تميد لكنها بعيدة الآن، خمسة أمتار لا بل سبعة وربما عشرة، أرى الرفاق يلعبون الكرة بالساحة قُرب المقبرة، رفيقي يضيع هدفاً سهلاً لو كنت في مكانه سأركلها بذكاء فبعض الأهداف تحتاج منك الهدوء وأخذ أنفاس هادئة، في الجهة الأخرى، يا الله.. إنها بنت الجيران تغتسل عارية، تفرك قناع الصابون على وجهها.. لأول مرة أرى جسداً أنثوياَ عارياً، يتحتم الموقف أن أنزل ثلاثة أمتار، هبوط، لحسن الحظ أغصان شجرة الليمون تمد أياديها، تحتضنني لفرجة ساحرة.3
هذه العشر خطوات كانت أصعب لحظات في حياتي، فقط أعبر الزقاق وأصل إلى عتبة بيتنا عند عودتي من المذاكرة مع رفاقي في التاسعة مساءً، كان ذلك الشيء ينتظرني، أسمعه يلْهَث، في دُبرة ملعقة كبيرة ويغطي وجهه بعجينة خبز طرية، نعم هو، أظافره الطويلة القذرة لها روائح كريهة، ربما بقايا لحم أدمي، نعم لا يمكن لأحد أن يزعم رؤية وجهه كاملاً لأنه لا تفاصيل له نستطيع نحن البشر فهمها، ذلك الوجه ببساطة لوحة سيريالية مرعبة، يقال إن له ثلاث أياد، واحدة قصيرة وملتوية تشبه مقبض الباب، والثانية عادية، أما الثالثة فهي طويلة ويستطيع مطها، استرقت النظر ذات مرة لقدميه التي تشبه خف الجمل. نصف دقيقة كي أصل، أستحضر آية الكرسي وأهمس لسيدي ومولاي عبدالقادر الجيلاني «نعم أحتاج مساعدتك.. الآن».
يا ربي أنت موجود وقوي وبمقدرتك أن تحرق الشياطين والعفاريت فلماذا لم تفعلها؟
سمعت أنهم فروا من سجون الملك النبي سليمان بن داود، لكن ما الذي يفعلونه هنا؟ لماذا يختبئ هذا الوحش المفزع في تلك الزاوية بالزنقة المؤدية إلى بيتنا؟
تكثر الأسئلة في رأسي الصغير، حفظت أدعية كثيرة فقط لمواجهة هذا الموقف، سأحرقة الليلة لو وجدته، إنها لحظة المواجهة، كأن الزمن يتوقف، لا أسمع شيئاً، فقط أنفاسه، الدم والصديد يقطر من مؤخرته، أخطو الثلاث الخطوات الأولى، فجأة، ضجيج، ثم أكتشف القط الرمادي والقطة البيضاء ذات البقع الزرقاء ـ يتزوجان ـ ، يحتلان تلك الزاوية المظلمة، تقترب يدي لتمسك مقبض الباب، بقيت الخطوة الأخيرة، يا الله .. جسدي يقشعر..لم يكن مقبض بابنا! كانت. -

هيموفيليا – عبد الله حمدان الناصر
(هيموفيليا)
سكين مطبخ في يد طفلٍ مصاب بالهيموفيليا
سمكة زينة في عيادة أسنان
أكعب عاليةٌ على الشط
جديلة طفلة يابانية في الحرب العالمية الثانية
أسنان ذهبٍ وكمنجة مدفونة في قبر غجريّ
: ضحكتكِ الأخيرة قبل الوداع
@@@@@
رغبة يدكَ الملحة في تعديل اللوحات المائلة في بيوت الأصدقاء. في تزرير الزر المفتوح سهواً في ثوب العريس. في تفويت الركعة من أجل تعديل حذاء مقلوب. في مسح لطخةٍ عالقة في نظارة الشقيق. في إطفاء النور المنسي في سيارة الغريب. في استضافة طرد كبير للجار الذي لا يرد على الطَرْق. في تنبيه امرأة تَعلَقُ عباءتها بباب سيارة مسرعة. في حماية طفلةٍ على وشك الاصطدام بعربة تسوق. في تعديل نقاب مائل لامرأةٍ في المول. في إحكام ربطة عنق رجل الأمن. في تنظيف الملاعق والسكاكين كما ينبغي في المطعم الشهير. في إصلاح الأخطاء الإملائية في لوحات المحلات. في صيانة أضواء النيون الخَربة في مصاعد البناية.
الرغبات الملحّة ليدك التي لم تهذّب أظفارها منذ أسابيع.
@@@@@@
لأن الله لا يعيد الكتب التي استعارها منك..
لأنكَ لم تُصبح كتاباً في يد أحدٍ ما..
لأن المسدسات غير المستعملة اختفت من السوق..
لأن الكيميائيين أضاعوا المعادلة..
والناس تمّ تسكينهم في هواتف ذكيةتستمرُ في تنظيف البيت الذي يخلو عادةً منك.
@@@@@@
الوردةُ كلما قبّلها كلما أورق في جسده اليأس
. كلما استمع إليها ماتت عضلة في ساقه.
كلما مرّر يده على شعرها
رأى خونةً ومراهنين يتسللون
ويحقنون جياداً في الليل.
الوردة ليست للشعراء.
الوردة للقناصة وراكبي الدراجات النارية.@@@@@
في عنقهِ تفاحة آدم.
لكن الفتيات يفضلن رمي النبال على جدران الحانة
والموت مشغولٌ بمواعدة السعداء.@@@@@
من المرعب أن أحداً لم يتحدث عن صوتها
مرت قرونٌ وكأن الغزالة زاهدةٌ في الكلام.
أو أن حنجرتها ضمرت من شدة الذعر والجمال
منها اكتفينا بالنظر
واكتفت بصلاة الخوف.@@@@@
كأنكِ ال g في ال champagne
لا أحد يستطيع نطقك. لا أحد يسكر إلا بك.@@@@@
أمَّنا التي تنام كل ليلةٍ في منتصف القصة.
يا العنبة المسيجة بالصقيع.
لا زلنا نضع الثلج على خاتمكِ الطريح
ونسخن قهوتك منذ شهور.@@@@@
أُهديكِ المزيد من أقلام الكحل، فيما بصري يختفي بالتدريج
@@@@@
الحجر سودناه بالخطايا. والغراب بالحُب.
@@@@@
قلبكِ سكينٌ سويسرية. قلبي زجاجة نبيذٍ عابرة
@@@@@
لم أعد بحاجةٍ لمنظم ضربات القلب. فقط أحتاج حذائكِ الرياضي
@@@@@
فمكِ الآن جندولٌ أزرق في فلاة.
@@@@@
والحياة إثركِ مباراة تنس طويلة بحذاء ضيق
-

ذئاب السماء – جيم هاريسون
كنّا في حرٍّ شديدٍ لثلاثة أسابيع
فتحيّنتُ ليلةً باردةً وانهمكت في الشّغل
حين في الثالثةِ فجرًا أرعدت عاصفةٌ كبيرة.
خرجتُ في الحديقة عاريًا وجلستُ
على طاولة النزهة كي أغتسل بالمطر
محترسًا من أفعى مجلجلةٍ على جانب الطريق.
أغرقت السماءُ البعوضَ
وهو يتغذّى عليّ. كانت الصاعقةُ عنيفةً
وأضاءت الوادي فرأيتُ
الأشباحَ التي أمرضتني السنةَ الماضية.
ثم صرتُ طرفًا في معركةٍ من
قرنين غابرين عندما أغارت
قبيلةُ شايانَ القادمةُ من الشرق على شعبِ الغراب،
قبيلةِ أبسوروكي، في هذا الوادي. عُصْبةٌ شايانيّةٌ
كانت تحتفل ب massaum(*)، ذئابُ السماء.
محاربون صبغوا أنفسهم بالأصفر الفاقع.
أحدهم ممتطيًا ظهرَ حصانٍ أسود وقف عند بوّابتنا
لكنّه قرّر ألّا يقتلني.
أريد أن أكون ذئبَ سماءٍ أصفر.
ها هم الآن قد اختفوا في الصاعقة.(*) Massaum احتفال شعائري وطقوس راقصة تمتد بضعة أيام تمثل- رمزيًّا- الهويّةَ الثقافيّة لقبيلة شايان.
ترجمة: سلمان الجربوع.
-
حلم يقظة رجل نائم – بكاي كطباش
عندما أتقاعد
( بعد عمر طويل )
سأربي لحية طويلة
وأجلس في الشرفة
على الكرسي الهزّاز
أنشُّ ذبابَ الذكرياتِ
يمينا شمالا
وأتمنى قليلا
لو كنت حيوانا لا فقريا
بسبب ألم الظهرِ
وأكتب الهايكو
وأحبُّكِ
تماما
كما في هذا الصّباحِ
وأنت تخرجين من المطبخ
وتطفئين، متأففة،
نيرانا صديقة
وتضعين الصّينية
على الطّاولة
والطّاولة
في غيمة بيضاء
والنّعناعُ يقفزُ حولَك
مثل كلاب سلوقية طازجة
يقفز ويضحك النّعناعُ
يضحك يضحك
ملء شدقيه الأخضرينِ
ملء الصّالة
ملء العالم
ملء عينيك
الواسعتين
الحقيقيتين
عينيك
اللّتين تريان فقط
ما يستحقّ الرؤية. -

رسول – مارغريت آتوود – ترجمة سلمان الجربوع
أتى الرجل من اللامكان
وسوف يذهب إلى اللامكانذات يوم ظهر فجأةً
خارجَ نافذتي
معلّقًا في الهواء
بين الأرض وغصن الشجرةاعتقدتُ مرّةً أنّ جميعَ المصادفات
مقدّرةٌ مسبقًا:
صبْيةُ الجرائد يمرّون
في الشارع، بعناوين رئيسيّةٍ
ملغزة، نادلاتٌ وقوائمُ
طعامهنّ المشفّرة، نساءٌ واقفاتٌ في الترام
بطرودٍ سريّة، جميعهم مبعوثون إليّ.
وقد منحوني بعض الوقت لفكّ رموزهم
لكنّ هذا الرجلَ بكلّ جلاء
محضُ صدفة؛ من الواضح أنّه كذلكليس ملاكًا أخضر، بل عفريتٌ
في بساطة الأبيض والأسود؛ ليس رسولًا
عليه ختم النبوة؛
مجرّد وجهٍ عشوائيّ
يدور خارجَ النافذةوإنْ كان ما منْ مغزى
جليّ،
فإنّ شيئًا يشبه في مفاجأته
مرشّحًا للزواج
من هذه الحارة المتشابهِ جيرانُها حدّ التطابق؛
لن يكون معنيًّا بي شخصيًّا
وإنّما بي واحدةً من العموم: من أجل أنْ يُدرسَ
من جميع الزوايا (الأصل؛ الوظيفة؛
الغاية من الحياة)؛ من أجل أنْ تُفحصَ
أوراقه الثبوتيّة؛ ما إذا كان لائقًا،
أنْ يُتحاورَ معه؛
متى يمكن حمْلُه على الهبوط.
أتساءل في غضون ذلكأيَّ أساطيرَ خضراء أو
بيضاء وسوداء
ابتلعها بالخطأ
تتغذّى عليه مثل دودةٍ شريطيّة
رفعته من على الأرض
وأحضرته إلى هذه النافذةيتدلّى من حبلٍ غير مرئيٍّ ويدور
ملامحه المميّزةُ
تتلاشى يومًا بعد يوم:
…………………..عيناه ذابتا
…………………..أولًا، وفي يوم الخميس
………………….أصبحت بشرتُه نصفَ شفّافةصارخًا فيّ
أنا (تحديدًا)
رسائلَ يائسة بلغةٍ صامتة
من فمه المنطمس____________
نص: مارغريت أتوود
ترجمة: سلمان الجربوع -

السقوط من الزمن – إميل سيوران
لطالما تمسكتُ باللحظات، لكنها تتملص مني: اللحظات عدوٌّ لي، ترفضني، وتعلنُ رفضي بالاتحادِ ضدي. كلها بغيضة تشَهِّر بمنفايَّ وهزيمتي.
***
ليس بوسعنا أن نتحركَ وننخرطَ في الحياةِ دونَ أن نشعرَ بدعمها وحمايتها لنا. عندما تتخلى عنا، نفتقدُ النابضَ الضروريَ للقيامِ بأيّ عمل، مهما كانتْ درجةُ أهميته. مُحَقَّرين، دونَ مرجعيات، نتركُ لنواجهَ محنةً من نوعٍ خاص: أن لا يكونَ لنا حقٌ في الزمن.
***
إنني أراكمُ الماضي في داخلي، وباستمرارٍ أحولهُ وأخرجهُ في صيغةِ الحاضر- من دونِ أن أمنحهُ فرصةً ليستنفدَ فعاليته. أن نعيشَ يعني أنْ نخضعَ لشعوذةِ الممكن، ولكنْ بمَ أنَ الممكنَ كما يبدو لي هوَ في الماضي الآتي؛ فكلَّ شيءٍ يستحيل إلى ذكرياتِ ماضٍ مرتقب، ولا يعودُ ثمةَ حاضرٌ أو قادمٌ على الإطلاق. ما أميزهُ في كلِّ لحظةٍ من اللحظاتِ هو لهاثها واحتضارها، وليس انتقالها نحوَ لحظةٍ أخرى. أُهيئُ زمنًا ميتًا وأتمرغُ في اختناقِ الصيرورة.
***يسقط الآخرونَ في الزمن؛ كما سقطتُ أنا منه. تترك الأبديةُ الجاثمةُ بكلَّ ثقلها فوقَ الزمن فسحةً لتتسللَ عبرها الأبديةُ الأخرى، منطقةٌ قاحلةٌ تمامًا حيثُ لا يمكنُ لي إلا أن أرغبَ في شيءٍ واحد: الرجوعُ إلى الزمن، أن أرجعَ بأيِّ ثمن، أن أستوليَ على قطعةٍ منه، أن أسلمَ نفسي لوهمِ امتلاكِ المكان. ولكنَ بوابةَ الزمنِ محكمةُ الإغلاق، لا يمكنُ اجتيازها، واستحالةُ اختراقها هذه هي ما تؤلفُ هذه الأبدية السلبية، هذه الأبدية الضالة.
***
لقد انسلخَ الزمنُ عن دمي، كانا معتادينِ على تحملِ بعضهما البعض، كانا يتدفقانِ معًا؛ والآن بمَ أن كليهما معطوبان، أيجبُ الاندهاشُ لأن شيئًا لن يحدثَ بعد؟
قرارهما العودةُ معًا وحدهُ كفيلٌ بإعادتي إلى خانةِ الأحياءِ وإخراجي من هذهِ الأبديةِ الثانوية حيثُ أتعفن. لكنهما لا يريدان، بل لا يقدران. لا بد أنَ تعويذةً ملعونةً ما قد ألقيتْ عليهما: فلمْ يعودا يتحركان، صارا جثتينِ متخشبتين. ليس بوسعِ أيِّ لحظةٍ أن تتسللَ إلى أوردتي. دمٌ قطبيٌ متجمدٌ منذُ قرون!
كلُّ ما يتنفس، كلُّ ما لديه أيُّ سمةٍ من سماتِ الكينونة، يتلاشى ويندحرُ في قعرٍ سحيق. هل حقًا تذوقتُ طعمَ الحياة في الأشياءِ من قبل؟ وماذا كانَ مذاقه؟ إنهُ محظورٌ عليَّ الآن، لكني لا أشتهيه. لقد أتخمني العدمُ من البداية.
***
إذا كنتُ لا أشعرُ بالزمن، إذا كنتُ أبعدَ الناسِ عنه، فإنني أعرفهُ رغمَ كلِّ شيء، أراقبهُ دون توقف: إنهُ يشغلُ مركزَ وعيي. كيف يمكنني تصديقُ أنَ موجِدَهُ نفسَهُ قد تأملهُ وفكّرَ فيه بهذا القدر؟ أتحدثُ عن الرب، إذا كان بالفعل قد خلقه، فلا يمكنهُ أن يعرفَ عمقه، فليس من عاداتهِ أن يجعلَ الزمنِ موضوعًا لتأملاته. أما أنا، فقانع أنني مبعدٌ عَنِ الزمنِ لأجعلهُ موضوعَ هواجسي. في الحقيقة، أنا أُعرِّفُ نفسي بالحنين الذي يلهمني إياه الزمن.
على افتراضِ أني عشتُ ذاتَ مرةٍ في الزمن، فكيف وبأيَّ طريقةٍ تعرفتُ عليه؟ الفترةُ التي كانَ فيها الزمنُ مألوفًا عندي كانتْ دائمًا غريبةً عني، ضاعتْ في ذاكرتي، لا تنتمي أبدًا لحياتي. وأن أجدَ لي مكانًا في الأبديةِ الحَقّةِ لهو أسهلُ من أن أجَد نفسي من جديدٍ في الزمن. ارحموا من كانَ في الزمن ولم يعد قادرًا أن يكونَ فيه.
“انحطاطٌ لقيط: كيفَ أمكنني أن أُفتَتنَ بالزمن، رغم أنني على الدوام لم أكن أتصورُ خلاصي إلا خارجه، كما عشتُ بيقينِ أنهُ يستنفدُ آخرَ ذخائره، وينخرُ داخلهُ مفسدًا بذلكَ جوهره، و أنهُ فاقدٌ للديمومة؟”
***
جالسينَ على عتبةِ الزمن، نتأملُ عبورَ اللحظات، ننتهي إلى اكتشافِ متسلسلٍ دونَ مضمون، زمنٍ فقدَ مادته، زمنٍ مجرد، صياغةٍ جديدةٍ لفراغنا. من تجريدٍ لآخر، يتضاءلُ الزمنُ بسببنا منكمشاً إلى حادث، إلى ظلِ نفسه. تعودُ إلينا مسألةُ إعطاءِ حياةٍ للزمنِ ومسألةُ اتخاذِ إجراءٍ واضحٍ في حقه، أن نسلكَ تجاههُ سلوكًا لا لبسَ فيه. لكنْ أَنّى لنا بهذا، في ظلِ المشاعرِ المتنافرةِ التي يثيرها، من نوباتِ الاشمئزازِ إلى الافتتان؟
***
أساليبُ الزمنِ الملتبسة توجدُ لدى أولئكِ الذينِ جعلوا منهُ اهتمامهم الرئيس، والذينَ يميلونَ إلى جوانبهِ الشكوكية، للربكةِ التي يثيرها بينِ الكينونةِ والعدم، لصفاقتهِ وتقلبه، لمظاهرهِ الخداعة، مخاتَلتهِ ونذالتهِ الأصيلة، مديرينَ بذلك ظهرهم لجانبهِ الإيجابي. إن الزمنَ ماكرٌ على الصعيدِ الميتافيزيقي. كلما اختبرناهُ شبهناهُ بشخصيةٍ مريبة، لا نكفُ عن الشكِ بها، ولا يرتاحُ لنا بالٌ حتى ننزعَ عنها أقنعتها، وسرعانَ ما نخضعُ لسلطتها وفتنتها. ومن هذه النقطة، إلى التأليهِ والعبودية، توجدُ خطوةٌ واحدة.
***
لقد رغبتُ كثيرًا في الزمن ليس لأدحضَ زيفه، لقد عزلتهُ عن العالمِ جاعلاً منه واقعًا مستقلاً عن أيِّ شيء آخر، كونًا متوحدًا، بديلاً للمطلق: سيرورةً شاذةً تبقيهِ مبعدًا عن أيّةِ تضميناتٍ أو ارتباطات، رقيتهُ من كومبارس إلى بطل، ترقيةٌ لم تكنْ ضرورية، ولكن لم يكن منها مفر. يجب أن أكونَ آخر من ينكر حقيقةَ أنَ الزمن قد نجحَ في تشويشي. لكنه أيضًا لم يتنبأ بأن هوسي بهِ سيتحولُ يومًا ما إلى وضوح، مع كلَّ ما يحملهُ ذلك لي من تهديدات.
***
يبلغُ الزمنُ من شدةِ محافظتهِ أنهُ لا يقاومُ إلحاحَ العقلِ لسبرِ أغواره، تختفي كثافتهُ، تتلاشى دفاعاته، وكلُّ ما يتبقى هو بضعُ خِرقٍ ينبغي على محللِ الزمنِ أنْ يكتفيَ بها. لأنَ الزمنَ لم يُقصدْ ليُعرفْ بل ليُعاش، استكشافُ الزمنِ يعني إهانةَ الزمن، تحويلهُ إلى شيء. وكلُّ من يفعلُ ذلكَ سينتهي بهِ الأمرُ إلى معاملةِ نفسهِ بالطريقة ذاتها؛ لأنَ كلَّ تحليلٍ هو تدنيس، والاسترسالُ فيه فجور. كلما سبرنا أسرارنا الخاصة لنُقلبها، انتقلنا من الحيرةِ واحمرارِ الوجه إلى القلق، ومن القلقِ إلى الجَزع. معرفةُ النفسِ دائمًا ما تكلفُ كثيرًا، كما هي المعرفةُ ذاتها على كلَّ حال . وحالما نبلغُ القاع، لا يعودُ عناءُ الاستمرارِ في العيشِ يعنينا. في كونٍ كلُّ ما فيه مُبيّنٌ وواضحٌ تمامَ الوضوح؛ لن يتبقى معنى لأيَّ شيءٍ سوى الجنون. كلُّ ما نخرجهُ للعلنِ لا تعودُ له أيّةُ قيمة . وعليه فما إنْ ننفذُ إلى عمقِ شخصٍ ما ونسبرُ أغوارهُ، فأفضلُ ما يمكن أن يفعلهُ هوَ أنْ يختفي. وبدافعٍ من الخجلِ أكثرَ من غريزةِ حمايةِ النفسْ، يخفي جميعُ الأحياءِ زَيفهم ويرتدونَ الأقنعة. وأن نمزقَ تلكَ الأقنعة يعني أنْ ندمرَ مرتديها ومعهم أنفسنا. مما لا شكَ فيهِ أنَ التسكعَ تحتَ ظلالِ شجرةِ المعرفة -عادةٌ رذيلة.
***
ثمةَ شيء ما، مقدسٌ، في كلَّ كائنٍ لا يعي وجوده، في أشكالِ الحياةِ كافة المعفاةِ من الوعي. ومن لم يحسدِ النباتَ فسيلتحقْ فورًا بالمأساةِ الإنسانية.
***
لأنني قمتُ بقذفهِ في كلَّ موضعٍ، ينتقمُ الزمنُ مني بجعلي طالبَ إحسانٍ منه، بإكراهي الندمَ عليه. كيفَ أمكنني أن أشبههُ بالجحيم؟ الجحيم، هو الحاضرُ الثابت، هذا الشدُ في الرتابة، هذه الأبديةُ المعكوسةُ التي تفضي إلى لا شيء، ليسَ حتى إلى الموت، حيثُ إنَ الزمنَ الذي يستمرُ في التدفق، في المرور، يعطي على الأقل العزاءَ في شيءٍ منتظر، حتى لو كانَ هو الموت. ماذا يمكنُ أن ننتظرَ هنا، عند نهاية السقوط، حيثُ لا يمكن السقوط أكثر، أو حتى الأملُ في هاويةٍ أخرى؟ وماذا ننتظرُ من هذه الشرورِ التي تنتظرنا في الأسفل معلنةً دون توقفٍ أنها الشيءُ الوحيدُ الذي يوجدُ هناك، بل إنها الوحيدةُ الموجودةُ فعلا؟ ولو مكنّا هذا الغضبُ من البدءِ من جديد، وهو ما يشكلُ نبضَ الحياةِ والأملَ في النور، فسنجدها أمورًا زائفة في هذا الخرابِ الزماني الفرعي، هذا الانسحاقُ التدريجي، هذا الدفنُ في تكرارٍ بلا نهاية، محبطٌ ومعتم، والذي يمكن التخفّف من وطأتهِ فقط عبرَ الغضب.
عندما يكفُ الحاضرُ الأبدي عن أن يكونَ وقتَ الله ليصيرَ وقتَ الشيطان، كلُّ شيءٍ سيفسد، كلُّ شيءٍ سيصيرُ أداةَ تعذيبٍ لا تطاق، يتهاوى كلُّ شيءٍ في تلكَ الهاويةِ حيثُ يأملُ المرءُ عبثًا في خاتمة، حيثُ يُتركُ ليتعفنَ في الخلود. من يهوي إلى تلكَ الهاويةِ يلتفتُ ويدوُر حولَ نفسه، يكافحُ بلا جدوى ولا ينتجُ شيئًا. وهكذا تتعاون كلَّ أشكالِ العقمِ والعجزِ في الجحيم.
***
ليس بوسعنا الشعورُ بأننا أحرارٌ وموجودونَ دائمًا مع أنفسنا، أمامَ أنفسنا، أمامَ الشخص نفسه. هذهِ الهوية، هذه النكبةُ وهذا الهوس، ما يربطنا بعهرنا، يجرنا للوراء، ويدفع بنا من جديدٍ خارجَ الزمن. وحينَ نُطرد خارج الزمن نتذكرُ المستقبل ولا نعودُ نهرعُ صوبه.
***
من الصعوبةِ أن نتحررَ من هذا اليقينِ بأننا لسنا أحرارًا. كيف يمكننا التحركُ ونحنُ نعلمُ أننا محكومونَ بمصير؟ كيفَ يمكنُ للآلاتِ أن ترغب؟ من حسنِ الحظِ أن هنالكَ هامشاً من عدمِ التحديدِ لأفعالنا – وأفعالنا فحسب: إذْ يمكنني اختيارُ القيامِ بهذا الفعلِ أو ذاك، لكني لا أستطيع أن أكونَ إلا ما أنا عليه. وإذا ملكتُ مجالاً للتصرفِ على السطح، ففي العمق، على العكسِ من ذلك، كلُّ شيءٍ محسومٌ سلفًا. من الحريةِ أنَّ الوهمَ وحدهُ حقيقي. دونه تغدو ممارسةُ الحياة ِغير ممكنة، بل لا يمكنُ حتى تصورها. ما يدفعنا لتخيلِ أننا أحرارٌ هو وعينا بالحاجةِ عموما، وبقيودنا خصوصا. الوعي يفرضُ مسافةً عن الأشياء، وكلُّ مسافةٍ تنتجُ في داخلنا إحساسًا بالاستقلال والسموّ، استقلالٌ وسموٌّ ذاتيٌ طبعا، أيّ بلا قيمة. بأيَّ شيءٍ يلطفُ وعيُ الموتِ فكرةَ الموتِ أو يقرّبُ قدومه؟ أن تعي بأنكَ زائلٌ، هو في الحقيقةِ أنْ تموتَ مرتين، لا، لا بد أننا نموتُ في كلِّ مرةٍ نعي فيها أننا هالكون.
الجميلُ في الحريةِ أننا نتعلقُ بها في النطاقِ الذي تبدو فيه مستحيلة. والأجملُ أيضًا أن بوسعنا أن ننفيها وهذا النفيُ يشكلُ المرجعَ الكبيرَ ولبّ عديدٍ من الدياناتِ والحضارات. لن نستطيعَ ردَ الجميلِ للحضاراتِ القديمةِ التي اعتقدتْ أنَ مصائرنا مطبوعةٌ سلفا على النجوم، وأنهُ لا شيءَ لم يكتبْ وأنَ لا مكانَ للارتجالِ أو الحظِ في مسرّاتنا ومآسينا. بعجزها عن مواجهةِ خرافةٍ نبيلةٍ لا لشيء سوى لمجردِ سيادةِ قانونِ الوراثة، فإنَ علومنا أثبتتْ عدمَ أهليتها للأبد. ذاتَ مرةٍ كانَ لكلّ منا نجمه، والآن صرنا عبيدًا لكيمياءَ نتنة. هذا هو ذروةُ الانحطاطِ لمفهومِ القدر.
***
ليسَ ببعيدٍ أنَ أزمةً فرديةً ستُعمَّمُ يومًا ما وتكتسبُ بذلك، بدلَ قيمتها النفسية، قيمةً تاريخيةً. لا يتعلقُ الأمرُ هنا بمجردِ فرضية، إنها إشاراتٌ يجبُ التعودُ على قراءتها.
بعدما ضَيَّعَ الأبديةَ الحقة، سقطَ الإنسانُ في الزمن، حيثُ إنهُ وإن لم ينجحْ في التألق، نجحَ على الأقل في الحياة : الأكيدُ أنه قامَ باستيعابِ الأمر. عمليةُ السقوطِ هذهِ واستيعابهُ لها اسم: هو التاريخ.
لكن ها هو يواجه تهديدًا آخر بالسقوط، يجهل هذه المرة مداه. لا يتعلقُ الأمرُ هذهِ المرة بالسقوطِ من الأبدية، بل بالسقوطِ من الزمن؛ والسقوطُ من الزمن يعني السقوطُ من التاريخ، إنهُ الصيرورةُ المعلّقة، التعَلّقُ بالخمولِ والرتابة، في مطلقِ الركودِ حيثُ الكلمةُ ذاتها تعلَقُ، عاجزةً عن التدنيسِ أو التوسل. وشيكةً أم لا، هذه السقطةُ ممكنةٌ، بل لا مفرَ منها. وحينَ تصبحُ المشتركَ بينَ البشر (حين يسقطُ كلُّ البشر)، سيتوقفُ الإنسانُ عن كونهِ حيوانًا تاريخيا. وحينَ يفقدُ أيَّ ذكرى عن الأبديةِ الحقة، عن سعادتهِ الأولى، سيزيحُ بصره عن الكونِ المؤقتِ إلى الجنةِ الثانية، تلكَ التي طُردَ منها سلفا.
***
طالما نحنُ في الزمن، لدينا أندادٌ سنتبارَى معهم؛ وما إن نخرجَ منه، فإن كلَّ ما يفعلهُ -أندادنا- وكلَّ ما يفكرونَ فيهِ حيالنا لا يعودُ يعنينا إطلاقا، لأننا بلغنا من الانفكاكِ عنهم وعن أنفسنا مبلغًا صارَ معهُ إنتاجُ صورةٍ لنا أو حتى التفكيرُ بها بعيدًا وسخفًا بالغًا.
انعدامُ الإحساسِ بالمصيرِ هو شيمةُ الساقطِ مِنَ الزمن، وكلما ترسخَ سقوطهُ أكثرَ وصارَ أوضح، ازدادَ عجزهُ عنْ إظهارِ نفسهِ وتلاشتْ أيُّ رغبةٍ لديهِ في أنْ يتركَ أثرًا في الوجود. لا بدَ من الاعترافِ بأن الزمنَ يشكلُ عنصرنا الحيوي؛ حينَ نفتقدهُ نجدُ أنفسنا بلا أيِّ سند، في قلبِ اللاواقعِ أو في قلبِ الجحيم. أو فيهما معا، في الملل، ذلك الحنينُ الظامئُ للزمن، واستحالةُ اللحاقِ بهِ والاندراجِ فيه، واليأسُ الذي من رؤيتهِ يتدفقُ هناكَ في الأعلى، فوقَ مآسينا. لقد خسرنا الأبديةَ والزمن! والضجرُ هو اجترارُ هذهِ الخسارةِ المزدوجة. يمكنُ القولُ إن الحالةَ الطبيعية، هي أن تُحِسّ رسميًا بأنكً من إنسانيةٍ منبوذةٍ أخيرًا من التاريخ.
***
لا ينفكُ الإنسانُ عن أن يتحدى الآلهة وينفيها، مع ذلك لا يزال يقرُّ بمكانتها كأطياف؛ سينزلُ الإنسانُ أسفلَ الزمنِ إلى نقطةٍ يجدُ فيها نفسهُ بعيدًا عن الآلهةِ لدرجةِ أنهُ لن يستوعبَ فكرةَ الإلهِ نفسها. وعقابًا على نسيانه هذا سيتعينُ عليه خوضَ تجربةِ السقوطِ الكامل.
ذاكَ الذي يسعى أنْ يكونَ أكثرَ مما هو عليه، لن يُفَوّتَ أن يكونَ أقل. هذا الاختلالُ الذي يولّدهُ ُالتوترُ سيغدو عاجلاً أو آجلاً مناسبًا لبيئةِ الركودِ والتخلّي. حالما نأخذَ ذلكَ بعينِ الاعتبار، فلا محيدَ عَنِ المضيِ قدمًا والإقرارُ بأنَ ثمةَ غموضاً في السقوط. الساقط. لا علاقةَ أبدًا بينَ الساقطِ والفاشل؛ إنهُ شخصٌ مدفوعٌ ميتافيزيقيا، كما لو أن قوىً شريرةً اتحدتْ ضدهُ وسحبتْ منهُ مَلَكَاته.
يتجاوزُ مشهدُ السقوطِ مشهدَ الموت: كلُّ الكائناتِ تموت؛ الإنسانُ وحدهُ يمكنهُ السقوط. إنهُ يعيشُ على حافةِ الحياة (كما هي الحياةُ على حافةِ كلِّ ما هو خارجَ المادة). وكلما ابتعدَ عنها، سواءً ارتفعَ عنها أو سقطَ منها، فهو لا يفعلُ غيرَ تقريبِ هلاكه. سواءً تمكنَ مِنْ تعظيمِ نفسهِ أو تشويهها، ففي الحالتين يضيّعُ نفسه. ويجبُ التنبيهُ إلى أن هذا الضياعَ لا يمكنُ تجنبهُ من دونِ التحايلِ على مصيره.
***
أن ترغبَ يعني أن تبقى دائمًا في حالةٍ من السخط ِوالانتظارِ والحمى. الأمرُ الذي يتطلبُ جهدًا مرهقًا وليس مؤكدًا أن الإنسانَ يستطيعُ تحمّلهُ دائمًا. أن تصدقَ أنَ بوسعهِ تخطي حدودهِ والانتقالِ إلى حدودِ الإنسانِ الأعلى، فهو يعني أنْ تنسى أنهُ بالكادِ يتحملُ كونهُ إنسانًا، وأنَ أقصى ما بوسعهِ هو أنْ يمددَ نابضه – إرادته – إلى حدودهِ القصوى. وتلك الإرادةُ التي تضمُ مبدأً شكوكيًا وكارثيًا، تنقلبُ ضدّ من يفرطُ في استعمالها. ليسَ من الطبيعي أن تريد، وبشكلٍ أدق، يجبُ أن نرغبَ فقط بما يكفي للعيش. متى ما رغبنا أقلّ أو أكثر، نتحطمُ أو نهوي عاجلاً أو آجلاً. إذا كان نقصُ الإرادةِ مرضًا، فالإرادةُ نفسها مرضٌ، بل أسوأُ من ذلك: من إفراطاتها، أكثر من نقصها، تجيءُ انكساراتِ الإنسان كافةً. لكنْ إنْ أرادَ حالته الراهنة، فماذا عساه يحلّ بالأنسانِ الأعلى؟ سيتحطمُ بلا شكٍ ويعود إلى ذاته. عبرَ انعطافةٍ مهيبةٍ، سيتجهُ الإنسانُ إلى السقوطِ مِنَ الزمنِ ليدخلَ الأبديةَ السُفلى، وهي – خاتمةٌ محتومة – وفي النهايةِ لا يهمّ كثيرًا إذا وصلَ هناك بانحدارٍ أو كارثة. -

تشاد دافيدسون – حمالة أثداء كليوباترا | ترجمة: صالح الرزوق
أن تصبر على عواطفك هذا شيء،
و أن تحافظ عليها شيء آخر. ذلك
الخيط الرفيع
بين العواطف الملتهبة و الأزياء: يمكن له
أن يكون شكلا آخر للسيادة،
للتقارب. من يعلم إذا تحلزنت
المطرزات حول كل حلمة، كتلة صلبة تلتصق بالمشدات.
كل جرعة نبيذ سترفع من حرارة جسدها
و لمسة من الذهب
تستحيل إلى خيط يفر
من جلدها الداكن، ثم ينحصر في مكان
بين حبات لؤلؤية من العرق. هذه مصر
كما أعتقد : أهرامات،
مسلات،
و وادي الملوك، و حمالة أثداء واحدة ممزقة.
في نفس الوقت، الرومان
يبدعون في صناعة مخطوطاتهم،
و يملأونها بحبل طويل من الحروف:
واو،
من وداعا، ميم من مقدس ( مبارك )،
قاف،
طبعا، من قيصر، وبلا فراغات بينية،
كما لو أنها
لا متناهيات. حاول أوغستوس ذلك.
الجدال القديم: تعال للبيت، لدينا أخبار
كئيبة.
و لكن بالنسبة لأنطونيو لن تكون هناك إمبراطورية
مجزأة: يحلم بالمرأة الحبلى و هو يرقد
معها مجددا، الثياب على الأرض
كأنها أوهام عن مدينة نسيناها
تحت الرماد، و الجسدان كلاهما معا
كرة أخرى، متحدان، و تحت بصر روما.
و لأنها تنتهي، كما يقول فيرجيل، بدمار
المدينة، و سقوط الأبراج، و بـ
ديدو خيالية يسمح لها بالانتظار
على أبواب قرطاجنة في صيف حار جدا فإن حاملي المجاذيف
يتناسون رعبهم، و أسيستوس
يهبط عن العرش
قبل أن يتلف جلده، و إينياس يقع بالحب و يهاجر،
ثم تموت ديدو. أحب أن أتخيلها و هي تكتب
رسالة للمستقبل
عن الحب –
الحب الملتهب – و نيران التضحيات
مثل تلك التي تزينت بها مدينتها في أمسية منصرمة:
احذري من الرومان كي لا يصلوا
و يناموا معك،
يد واحدة و قلب ثقيل مقيد هناك
على شاكلة مسؤول حكومي يؤدي
قسم الولاء للمدينة. إنها تشعر بالعشيق و هو يلهو
بالـ
ـعناق ، لا شك أن كليوباترا تفكر،
هل كل شيء يجد حلا له بهذا
الوعظ البسيط
عن الفضيلة؟. خطوة واسعة واحدة
نحو الخلف، و تسمع إطلاق سراح
الكلاب المحتومة، القرون المسلحة
من الرأس و حتى أخمص القدم، و كما يقولون، رفع
سلة قصب يائسة من الأرض.
أحب أن أتخيلها و هي تلقي رداءها
بهدوء، ثم كوب نبيذها الثمين
لتفك بأناملها حمالة أثدائها من الخلف
و كأنها أفعى تناقش بحرا
من حرير لازوردي يباعد بينهما،
هنا الإمبراطوريات العظمى
تتصادم، وحراشف الظل الذهبية.
-

بهجت صميدة – عندما تسرق القصيدة نظارتك
1
كلما نظرتُ ليلًا إلي السماءِ..
انطلقَتْ من قلبي أسرابُ القصائدِ،
بعضُها يغزو النجومَ،
وبعضُها يبحثُ في الأرضِ عن جثةٍ..
تشبهُـني.2
الجثةُ التي فرَّتْ منْ المقابرِ بحثًا عن الحُبِّ..
تحاولُ العودةَ،
غير أنَّ العفاريتَ ترفضُ عودتَها،
وتصرُّ علي عقابِها..
بالحياة.3
الجثثُ التي لمْ تعدْ تخشي المقابرَ..
تُـوَزِّعُ الدودَ علي الأطفالِ في الشوارعِ،
لكنَّ الأطفالَ يفرمونَ الدودَ تحتَ أرجلِهمْ،
ويقذفون الجثثَ بالضحكات.4
كلما حاولْتُ أن أجمَعَ يديّ علي صدرِي..
تنافرتا،
حتي أري بالونينِ ضخمينِ بحجمِ كوكبينِ..
يُخرِجُ كلٌّ منهما لسانَه للآخَرِ،
وأنا أحتمي داخَلَ فمِي..
من اللعابِ المتساقطِ من اللسانين.
5
يالها من خدعةٍ كبيرةٍ !
أن تظنَّ أن الأرضَ لا تناديكَ.
إنها تَجْذِبُ رُوحَكَ..
قبل جسدِك.6
النهارُ المُعَلَّقُ بأفئدةِ الطيرِ..
يتهاوي علي قمةِ جبلِي،
وأنا لستُ سيزيفَ..
ربما أكونُ الحَجَر.
تسير علي مفاتنها القصيدةأمشي ؛
فتتبعُـني القصائدُ،
كلما فارقتـُنِي..
ومشيتُ خلفَ الذكرياتِ،
استفردَتْ بي،
واستبدَّتْ..
غلَّقَـتْ أبوابَها ليلاً،
و قالت: »هيتَ لكْ».
ما كنتُ يوسفَ،
إنما برهانُ قلبي ردني نحوي ؛
لأرجعَ باحثًاعني ؛
فابصرُني علي الجدران منتشيًا.
ورائحةُ الطلاءِ تعيدُ تأويلي،
وتفتح في شراييني طرائقَ للنهارِ،
أذوبُ في الملكوتِ،
أرسمُ فوق خد الماءِ ضحكةَ عاشقٍ،
ضمَّ الترابَ إلي الترابِ،
وصبَّ ماءً فوقهُ ؛
فتكونَتْ في الرُوحِ أشجارٌ،
لها تأوي العصافيرُ الطريدةُ،
كلما شدَّتْ من الطمْي الرحيقَ..
تراقصَتْ سُحُبٌ،
وألقَـتْ فوقَ رأسِ الطفلِ..
مدرارًا من الحبِّ،
استطاع به كتابةَ قصةٍ لمحبةِ البيتِ..
الذي مازالَ يمشي في زوايا الرُوحِ،
يَخرجُ من جروحِ القلبِ،
يحملُ بعضَ رائحةِ الأحبةِ.
كلما مرَّتْ علي عينيّ عيناها..
يَرُدُّ التوتُ ما سرقَـتْهُ أغربةُ الوجودِ،
ويستعيد بكارةَ الدنيا،
وأحلامًا مَشَتْ ليلاً..
إلي شُبّاكِهِ،
تُهديهِ وردَتها و ضِحكَـتَها ؛
لتَخرجَ من مكامنها القصيدةُ،
تمنحُ الأطفالَ حباتٍ من الزيتونِ،
ثم تَرُشُّ في الطرقِ الرحيقَ..
بها يصيرُ الكونُ كونًا،
تختفي منهُ الدماءُ،
ويُمسِكُ التاريخُ مِنْجَلَهُ ؛
يحشُّ بهِ الزوائدَ ؛
علّها تصفو الحقولُ،
وتستطيبُ لعاشقَـيْنِ،
استخرجا طميًا من القلبينِ ؛
كي يستصلحا صحراء هذا الكونِ طُرًّا،
ربما يوماً تسيرُ علي مفاتنِها القصيدة.
لقطات خاصة جدا1
عندما ضربْتُها بسكينٍ في نهدِها..
انفرطَتْ منْهُ شفاهٌ كثيرةٌ،
بعضُها مازالَ يتساقطُ منْهُ الحليبُ،
ومعظمُها مُلَطَّخٌ..
بألوانِ أصابعِ الشفاه.2
خلعْتُ جلدِي مع الثيابِ،
ولم يتبقَّ منِي إلا رائحةٌ..
احتضنَـتْـها..
وطارَتْ..
وسْطَ ضجيجِ الملائكة.3
جلستُ أسفلَ عينيها ؛
فغطتْـنِي بأهدابِها،
وحين قُمْتُ من مكانِي..
وجدْتُ حفرتينِ عميقتينِ،
ودمًا يتطايرُ حولِي.4
أخْبَـرَنِي لسانُها أنَّها تخافُ مِنِّي،
وأخبرَتْـنِي شفتاها أنها تُحبَّنِي،
وأنا لا يرضيني أنْ تحدثَ
في فمها فتنةٌ عائليةٌ بسببِي ؛
لذا أحاولُ جاهدٌا
أنْ أجمعَ كلَّ الأطرافِ في فمِي.5
حَذَّرَتْـنِي صديقتُها..
من أنّها ترمِي قُبلاتِي من شُبَّاكِها
كلَّ مساءٍ..
فصعَـدْتُ علي الشجرةِ المواجهةِ لبيتِها،
في محاولة لاصطيادِ قُبلاتِي..
قبل أن تسقطَ علي الأرضِ،
وقبل الفجرفتحتْ الشباكَ،
وجذبَتْـنِي من شَفَتَيّ،
وغَلَّـقَت الأبواب.
تَـوَحُّش
القصائدُ المتوحشةُ التي قفَـزَتْ عَلَيَّ..
من صدورِ النساءِ ـ
طرحَتْـنِي أرضًا،
رغم أننِي أقسمْتُ لها أنني لمْ أقرأْ
كتابَ »قصيدة النثر لسوزان برنار»،
إلا أنها لم تصدقْـنِي،
وخَمَشَتْ وجهِي بأظافرِها،
وبأسنانِها الحادةِ شَقَّتْ صدرِي،
وعلقَـتْنِي علي سورِ محطةِ القطارِ..
بجوارِ إعلانِ مُقَوٍّ جِنْسيٍّ،
والدم يتساقطُ من بنطالي..
قطرةً..
قطرةً..
في مشهدٍ دراماتيكيٍّ مُثيرٍ.
النساءُ اللاتِي احترَزْنَ من أسلحتِي –
لم يزلْنَ يَهْتَمِمْنَ بي،
ويتهمْنَنِي بالشَّبَقِ،مَرَّتْ واحدةٌ منهنَّ أمسِ،
وعندما رأتْنِي معلقًا..
أطلقَتْ ضِحكةً أوقفَتْ القطاراتِ كلَّها،
ومَدَّتْ يدَها في بنطالِي،
وقالتْ بخبثٍ:
تستحقُّ كلَّ ما يَجرِي لَكْ !
تَـذَكَّـرْتُ..
عندما بَـكَـتْ علي صدرِي ذاتَ عُـرْيٍ،
وأقسمَتْ لِي أنَّها ليسَتْ خائنةً،
وأن زوجَها هو مَنْ يخونُها.
يومَها أخبرتُها أننِي أكرَهُ الخيانةَ !
وألبسْتُها ثيابَها،
وأهديتُها شَفَـتَيّ ولسانِي،
ومشيتُ وأنا أشعرُ بفراغٍ في فمِي،
وهواءٍ باردٍ يصفعُ قلبِي.
ويومَ أنْ ماتتْ..
لمحتُها طائرةً في جنازتِها عارية ً،
ستْرتُها بقميصِي،
ووقـفْـتُ علي بابِ القبرِ
في محاولةٍ بائسةٍ لتقبيلِها،
غيرَ أنَّ أبناءَها الثلاثةَ منعونِي،
وقال لي كبيرُهم:
سعيُكم مشكور،
كلما زرْتُ قبرَها..
قرأتُ عليها بعد الفاتحةِ ـ
قصيدةً من القصائدِ التي تحبُّها ؛
فتصطفُّ بقيةُ الجثثِ لسماعِها،
وينفتحُ القبرُ،
وقبل أن أرفعَ عنها قميصِي لأري وجهَها..
أجِدُ عظامَها تكتبُ علي ترابِ القبرِ:
أحبُّكَ أيها الشاعرُ،
وتنهضُ لتحضنَـنِي،
ربما.. لتعيدَ إليّ قميصِي.
هل تخيلتَ بيتَكَ طائرًا؟!
هلْ تَخَيلت بيتك طائراً؟
يجري وراءَكَ من قصيدةٍ لقصيدةٍ،
يبحثُ عنكَ،
وكلما غرقتَ في كتابٍ..
أرسلَ إليكَ حبلًا ممدودًا من الطوبِ ؛
لتصعدَ عليهِ،
وكلما اختبأتَ أسفلَ ذاتِكَ..
أَفْرَغَ محتوياتِهِ فوقَ رأسِكَ،
يمنحُكَ السريرَ..
الذي حشوتَ وسادتَهُ يومًا بقصائدَ سريةٍ..
منذ أنْ بدأْتَ تُحْيِي موتَكَ،
بحروفٍ منقوشةٍ علي جدارنِ هذا العالمِ،
أو يُلْقِي عليكَ بصورِ القططِ الثلاثة الضاحكةِ..
التي تعلَّقَـتْ بجدارِ رأسِكَ،
وأضحكَتْ كلَّ أصدقائِكَ طويلًا.
…تفتحُ بابَ البيتِ ؛
فتلمحُ وجهَ أبيكَ..
حديقةً تنمو فيها أشجارُ التوتِ،
يتسلقُها طفلٌ يشبهُكَ،
وكلما أكلَ ثمرةً..
دبَّتْ فيكَ حياةٌ،
ساعدَتْكَ أنْ تتخلصَ من سَطْوَةِ صفحاتِ الكتبِ ؛
فترفعُ عن قلبِكَ كلَّ الألفاظِ المعجميةِ،
تغسلُ بدمِكَ كلَّ الصفحاتِ الخطأ..
التي تداخلَتْ فيها السطورُ،
ولم تتركْ للكلماتِ فضاءً تتنفسُ فيهِ.
كلما مشيتَ في صحراءِ الوجودِ..
لمحتَ فوقَ بيتِكَ حصيرَ البيتِ
سحابةً..
يجلسُ عليها شيخُكَ،
يَسقُطُ ماؤُه المثلج.
الشـيشُ الذي شهدَ ضوءَ الشمسِ،
وقتلَ الجراثيمَ العالقةَ تحتَ جلدِكَ –
هو نفسُهُ الذي أدخلَ يدَ صديقِكَ..
الذي سرقَ منكَ ديوان نزار قباني،
و ثقب قلبَكَ ثُـقْـبًا..
مازلَ يسيلُ منهُ الدمُ،
كلما مَرَرْتَ بجوارِ ذكرَي معَهُ.
كلما كَـلَّ القلبُ،
واختفي الأكسجينُ..
تَحَـوَّلَ البيتُ لمضخةٍ كبيرةٍ،
وأطلق روائحَهُ المحملةَ بالترابِ..
الممزوجِ بعرقِـكَ وأنْتَ تلعبُ في الشارعِ..
الذي يبتسمُ كلما لمحَكَ عائِدًا إليهِ،
رغم أنَّـك أصبَحْتَ ترتدِي حذاءً..
عازلًا..
يفصلُ بينَ جلدِكَ وقلبِ الشارعِ.
فتح
جاءَتْـنِي قبلَ الفجرِ..
اجتثَّـتْ قلبِي،
طافَتْ حولَ الرئتينِ
وطارتْ بعروقي نحوَ سماءِ اللهِ الواسعةِ ؛
لتَسقطَ كلُّ دمائي فوق رءوسِ الخلقِ ؛
فتَـنبتُ غاباتٌ لا يسكنها الشعراءُ،
ولا يقربُها العشاقُ،
علي أطرافِ حدائقِها..
يمشي التاريخُ مع الجغرافيا..
ينتزعانِ الجلدَ عن الدنيا ؛
فيُغَـنِّي الدودُ الخارجُ من أفئدةِ الخلقِ،
وينقُرُ بيضَ فراخِ الطيرِ ؛
فتَخرجُ منه عماليقُ تغطي الشمسَ،
وتفرد شعرَكِ هذا الأسودَ ؛
كي يتعلقَ فيه النورُ..
ويصعدُ..
وحدَكِ تغتالين الليلَ بحد رموشكِ،
لا يتبقي خارجَ ملحمةِ الموتِ سواكِ،
وحين أري أشجارَ الدمِ تهتزُّ..
ولا يسّاقطُ منها الثمرُ..
أفرُّ لحِضنِ الأرضِ ؛
عساكِ هناكَ..
تُغذينَ جذورَ الحُلمِ..
بضحكتِكِ المخلوطةِ بحليبِ الأطفالِ..
هناك يجيءُ الغيمُ،
ويُسقطُ ضحكًا يكفي الخلقَ ؛
ليردمَ كلٌّ منهمْ نهرَ الدمعِ..
النابعِ من أعماقِ القلبِ،
ويَدخُلُ في الأوردةِ.. يُطَهِّـرُها..
ويذيبُ تَجَلُّطَ بعضِ أحبتِهم فيها ؛
كي تصبحَ كلُّ مساراتِ الرُوحِ..
مُمَهَّدَةً لعروسةِ بحرٍ مثلَكِ..
تَدخلُ بالتاريخ وبالجغرافيا ـ
مركزَ هذا الكونِ،
وتطلقُ من كل خلايا الجلدِ رحيقًا،
يحفظُ للأرضِ توازنَها،
وكأنَّ مقابرَ كلِّ الجثثِ اُخْتُـزِلَتْ،
ثم أُبيدتْ أسفلَ قدمِكِ،
أنتِ نهارِي..
عند قدومِكِ تخرجُ كلُّ طيورِي..
تفتحُ رأسِي،
تفتحُ صدرِي،
علَّ ثمارَ الحُلمِ تُطَهِّـرُ قلبِي.
من حديث المقابر
كلما مَرَرْتُ بجوارِ المقابرِ..
خرجَتْ لي هذه الجثةُ،
تدعوني بابتسامتِها المدهشةِ،
وكلما همَمَتُ بالدخولِ..
حذرَتْـنِي جثةٌ أخري غاضبةٌ،
فاعتدَلْتُ في طريقِي،
وسِرْتُ في انتظارِ لحظةٍ مناسبةٍ.الكلابُ تجوسُ المقابرَ،
وأنا أحملُ في يدِي بعضَ الأورادِ،
وفي قلبِي متاهاتُ الذكرَي،
هل حقا كانوا هنا؟!
يبدو أن حالتَنا البشريةَ
ليسَتْ إلا مرحلةً ثلجيةً،
تعودُ بعدَها المياهُ للبخار.هل يدركُ الجهلاءُ
أن هذه مقبرة ُ »عبد الوهاب المسيري»
وأنّ أوراقَ موسوعتِهِ عن الصهيونيةِ
تدورُ حولَ المقابرِ كلَّ يومٍ،
تحرسُها من العفاريتِ،
لو كانوا يدركونَ..
فما كلُّ هذه الإبرِ الملقاةِ علي بابِها؟!الموتُ كائنٌ خرافِيٌّ،
لا يقبلُ الموتَ،
يفتحُ كلَّ يومٍ ثُقْـبًا في السماءِ ؛
لتصعدَ منْهُ بعضُ الأرواحِ،
ثم لا يلبثُ أن يجلسَ علي بابِ المقابرِ،
يَمُدُّ يدَهُ للثكالَي..
طالبًا منهم الإحسان. -

قصائد قصيرة جدّا – روبى كور
1-
أنزف
كل شهر
لكنني
لا أموت
كيف
لا أكون
ساحرة.2-
ليس الحب قاسيًا
نحن القساة
ليس الحب لعبة
نحن من جعل الحب لعب .3-
أنا متحف ممتلئ بالفنون
لكن عينيك مغمضتان .4-
تتطلع إليَّ وتبكي
كل شيء مؤلم
أحضنك وأهمس
لكن كل شيء يمكن علاجه.5-
في تلك الليلة بعد رحيلك
أستيقظت وأنا جد متكسرة
و كان المكان الوحيد
لوضع الشظايا
تلك الانتفاخات تحت عيني.6-
ما الجدوى
إن كنت تحبني أو
تفتقدني أو تحتاج إليّ
عندما لا تفعل شيئًا
لكي تكون بجواري.
إن كنت لا تجعل مني
حب حياتك فلسوف أكون
في المقابل
خسارة حياتك.7-
إن كنت قد خلقت
مع ضعف لكي أسقط
فقد ولدت أيضًا
ومعي القوة لكي أنهض.8-
لم تكن مخطئا في رحيلك
لقد أخطأت لعودتك
والتفكير
بأنك تستطيع امتلاكي
عندما يتاح لك
وتهجرني
عندما لا أتاح لك.9-
ما أقوى
قلب الإنسان
يتحطم المرة تلو المرة
ومع ذلك
ما زال يحيى.10-
طريقتهم
في الرحيل
تقول لك
كل شيء.11-
أراك
فأغرق في الحزن من جديد.12-
جسدك
متحف
للكوارث الطبيعية
تستطيعين أن تستوعبي
كم مذهل هذا.13-
في كل مرة
تقول لابنتك
تصرخ في وجهها
بلا حب
تعلمها أن تخلط
الغضب بالشفقة
والذي يبدو فكرة جيدة
إلى أن تكبر
وتثق في رجال يؤذونها
لأنهم يبدون أكثر
شبها بك.14-
عندما أغضب
لا أصرخ، بل أحترق
لابد أن تراني عندما ينكسر قلبي
لا أحزن
بل أتحطم .15-
لففت أصابعك
حول شعري
وجذبت
هكذا
تخرج الموسيقى مني.16-
ظهورنا
تحكي قصصًا
ليس للكتب
عمود فقري
لحملها .17-
تستنزف
القلب
والروح مني
بالخداع
وما زلت تتوقع
ألق السعادة.18-
لساني فظ
بسبب التوق
إلى فقدك.19-
بحبي لنفسي
أتعلم
كيف أحبه.20 –
يجب عليك
أن تطلب قضاء
ما تبقى من حياتك
مع نفسك
أولًا.21-
أنت تتكلم كثيرًا جدًا
هو يهمس في أذني
أستطيع أن أفكر في
أفضل الطرق لاستخدام هذا الفم.22-
كل ثورة
تبدأ وتنتهي
بشفتيه.23-
تقول لي اهدأي لأن
آرائي تجعلني أقل جمالًا
لكن لا حيلة لي بحريق في بطني
لذا لا أستطيع أن أخمده.
لا حيلة لي بخفة على لساني
حتى أستطيع أن ابتلعه
لقد جعلت حادة
نصف نصل ونصف من حرير
صعب أن أنسى، وليس سهلًا
على العقل الانقياد.24-
كان يجب أن تعلم أنني نار
لم أفهم أبدًا
لماذا تمسك بي
إذا كنت خائفا من الدفء.25-
ابق
همست
بينما كنت
تغلق الباب خلفك.26-
أمتلك
ما أمتلك
وأنا سعيدة
لقد خسرت
ما خسرت
وأنا
ما زلت
سعيدة.27-
العالم
يعطيك
الكثير جدا من الألم
وها أنت هنا
تستخرج من ذلك الذهب.28-
قل لهم أنني كنت
أدفأ مكان عرفته
وأنت من صيرني صقيعا .29 –
لا أحد منا سعيد
لا أحد منا يريد الرحيل
ومع ذلك يصر كلانا على إنهاك الآخر
ونسمي ذلك حبًا.30-
أنت في حاجة إلى أم
في حاجة إلى أحد ما
هناك فرق. -
جالواي كينيل – انتظر | ترجمة : د.شريف بقنه
انتظر الآن.
لا تثق بكلِّ شيءٍ إذا كان عليك أن تفعل.
لكن ثِقْ في الساعات. ألم تحملك
في كلِّ مكانٍ، حتَّى الآن؟
ستصبح الأحداثُ الشخصيةُ ممتعةً مرةً أخرَى.
سيصبح الشَّعْر ممتعًا مرةً أخرَى.
سيصبحُ الألمُ ممتعًا.
البراعم التي تُفتِّحها المواسم ستصبح ممتعةً.
القفّازات المستعملة ستصبح جميلةً مرةً أخرى.
ذكرياتها ستبعث الحاجة لليَدِ التي لبستها.
أسَى العشاق هو ذاته:
عندما نطلب أن نملأَ
ذلك الفراغَ الهائلَ المنحوتَ
من هكذا كائناتٍ صغيرةٍ؛
الحاجة لحبٍّ جديدٍ
هي الإخلاص للقديم.
انتظرْ.
لا تذهبْ مبكّرًا.
أنت مُتعَبٌ. لكن الجميع مُتعَبٌ.
و لا أحد مُتعَبٌ بما يكفي.
انتظرْ قليلًا واستمعْ:
موسيقى الشَّعر،
موسيقَى الألم،
موسيقى النّول تَحِيكُ حبَّنا مرةً أخرى.
كُنْ هناك لسماع ذلك، سيكون الوقت الوحيد،
الأهمُّ من ذلك كلِّه، الاستماع لوجودك كلِّه،
تَمرَّنْ بالأحزان وهي تَعْرضُ ذاتَها في إنهاكٍ تامٍّ. -
سيلفيا بلاث – بضوء شمعة | ترجمة : د.شريف بقنه

A boy blowing on an ember to light a candle
El Grecoهذا الشتاء، هذه الليلة، حُبٌّ صغير
شيءٌ كشَعر حصانٍ أسود
سقط متاع ريفي، أعجميٌّ فظّ
مصقول بالبريق
أي نجمات خضراء تلك التي تَجعله عند أبوابنا.
أحمله على ذراعي.
الوقت متأخّر
الأجراسُ البليدة تنفثُ الوقت
والمرآةُ تعوم بنا نحو قوّة وحيدة لشمعة.هذا هو الماء
حيث نلتقي أنفُسَنا!
هذا الألق النوراني الذي يتنفّس
ويذوي بظلالنا
فقط ليلفظها مرّة أخرى
بعُنفٍ صوب الجدران!
عود ثقاب واحد تشحذه يحوّلك حقيقة.في البدء لن تُشعَّ الشمعة حتى أوجِها
سوف تشعلُ برعُماً
كي لا تُبقي شيئاً تقريباً
حتّى برعماً أزرقَ باهتاً.أقبضُ على شهقتي
حتّى تصرصر الحياة فيك.
قنفذٌ مكوَّر
صغيرٌ ومتشابك!
السكِّين الصفراء تزدادُ طولاً!
هيّا انهشْ فريستك
إن غنائي يجعلك تزأر.ألجأ إليك مثل زَورق
فوق بساط الريح!
على أرض باردة
بينما ذلك الرجل النحاسي
يركع مُنحنياً إلى الخلف بكل ما يقوى
ناصباً عموده الأبيض المضيء
ليُبقي السماء في مجدهاكيسٌ أسود! في كلّ ناحية، مربوط، مربوط!
إنه لك أنت أيها التمثال النحاسيّ
كل ما تملكه من إرث قد تداعى.
عند كعبي قدمَيك يتدلّى
مدفع تخرج منه خمس قذائف
بلا زوجة ولا طفل.
خمس قذائف مدفع!
خمسُ قذائف نحاسيّة فقط.
لكي تحتال عليهم يا حبيبي!
عندما تسقط السماء من فوقك. -

بعد الطوفان، نحن – مارغريت آتوود
لا بدّ أنّنا الوحيدان
الباقيان، في الضباب الذي يتصاعد
ويعلو كلّ الأماكن بما فيها
هذه الأحراشأعبر الجسرَ ماشيةً
صوبَ أمانِ الأرض العالية
(قممُ الأشجار تشبه الجزر)ألمّ العظام المغمورةَ
للأمّهات الغريقات
(متيبّسةً ومستديرةً في يديّ)
فيما الضباب الأبيض يغسل
ما حول ساقيّ مثلما يفعل الماء؛لا بدّ أن السمك يسبح الآن
في الغابة أسفلَ منّا
كالطيور، من شجرةٍ إلى شجرة
وعلى بُعْد ميل
ترقد المدينة، متراميةً وصامتة،
في الضياع، بعيدًا تحت البحر.وأنت تمشي الهوينى إلى جانبي، تتحدّث
عن جمال الصباح،
لا تدري حتى
أنّ طوفانًا مرّ من هنا،راميًا بحصى صغيرة
كيفما اتّفق وراء كتفك
في الهواء الكثيف العميق،لا تسمع الخطوات الأولى
المتعثّرة للموشكين على أنْ يولدوا
تجيء (ببطء) من خلفنا،
لا ترى الوجوه القاسية
للموشكين على أن يكونوا بشرًا
تتخلّق (ببطء)
من الحجارة. -

سفرٌ على جبل – جيم هاريسون.
الغيومُ ساكنةٌ قربَ كامبريا
لكنّ الجبلَ الذي أنا فوقَهُ
ينزاح مع الريح جنوبًا،
طريقةٌ جديدةٌ للسفر، تمتطي
جبلًا كأنّه حصانٌ
من حجارةٍ وتراب. أميالًا قليلةً فقط
لكنّها كافيةٌ لتقلقَ نسرًا
على القمّة، الظلُّ عابرًا
قربَ قدميّ، نظرةُ الطائرِ لي
متسائلًا، “ماذا تفعل هنا؟”
كنت خائفًا بعضَ الشيءِ آويًا
تحت شجرة شوح، مريحًا رأسي
على ثمرةٍ مخروطيّةٍ هائلة،
حَذِرًا من الأفاعي المجلجلةِ بين الأزهار البريّة
لكنني سبق وقرأتُ عن هذه التجربة في البوذيّةِ
قبل المسيح، رهبانٌ يمتطون ظهورَ الجبال.
هل توقّف البشرُ عن المشي على الماء
أو عن ركوب الجبال من بعد المسيح؟
ما الذي سيفعله إنسانٌ إن لم يستطع ركوبَ الجبال؟
غدًا سأمشي ضدّ التيار على ماء النهر.
أمّا الآن، فلقد تدفقّت الأرضُ من تحت قدميّ.
ونهرٌ مستديرٌ يطفو في السماء.ترجمة: سلمان الجربوع.
-

الحل – عبد الله حمدان الناصر
ليست القرية الحَل
ولا في المدن الحل
الحل في التيهالحل أن تفوت نصف المواعيد
كي لا يتلوث نصف الهواء النظيفالحل في الطلقة لا الطلقات
الحل أن يمّحي المقبض
وتسقط أسنان المفاتيحالحل في رقبة الضبع التي تعجز عن الالتفات
الحل أن لا تُفتح الرسائل ولا المعلبات
الحل أن تكون الوفاة طبيعية،
كي لا نقلق أقسام الطواريء
ونأخذ الأطباء من زوجاتهم
نصف الجميلات
في منتصف الليلالحل في عدم النوم
حتى لا ننجب المزيد من الأولاد الذين سيبحثون أيضاً عن حلالحل
في حرق كل براميل النفط حتى آخر مصباحٍ في الشارع،
وفي غرف النوم
كي يفلس الأمراء
ومفسرو الأحلام
وكل المستفيدين من العتمة والنومالحل
أن تُخفى كل أرقام المخارج
واللوحات الإرشادية
وكاميرات المراقبة
وأكتاف الطريقالحل ألا يسمح إلا بالسير إلى الأمام
الحل أن تتركنا الملائكة في حالنا
والشياطينالحل في الورقة البيضاء لا الحبر
الحل في الجناح لا السماء
الحل في المشي لا الحذاء
الحل في الرقصة لا المرآة
الحل في الأمهات يخبزن لا في الخبز تخبزه الأمهات
الحل في تحميص القهوة لا في القهوة المحمصة
الحل في ابتسامة النادل لا الأقداح
الحل في إشعال السيجارة لا السيجارة
الحل في النسمة لا العطر
الحل في الضرع لا زجاجة الحليب
الحل في الشرفة لا الفتاة على الشرفة
الحل في القبو لا النبيذ
الحل في السجدة لا المعبد
الحل في القوقعة لا البحر
الحل في البئر لا القصر
الحل في الذين لن يدخلوا الباب ولن نعرف أسماءهم على الإطلاق
الحل في الصهيل لا في خط النهاية
الحل في الرعي لا في العشب
في ليونة الصحراء لا النهدالحل في أن تكشط الرقم في راحة يدك
وتلد نفسك
في فلاة. -

حادث سير – سلمان الجربوع
تقاطعُ شارعين رئيسيّين
في الصيف
في مدينةٍ ساحليّة
وإشارةُ مرور المشاة حمراء.على الرصيف
سيّدة أعمال في يدها رواية خيالٍ علميّ،
متشرّدٌ ينبح كلبَه،
مراهقةٌ تشعل سيجارةً جديدة
بسيجارةٍ شبه منطفئة
وترى ذلك
مثيرًا،
رجلٌ طاعن في السنّ يسأل عن الوقت،
سائحٌ يضحك في وجه زوجته
ويفكّر في العفش الزائد،
ولدٌ ينظر بلهفة
إلى بنت
في الجهة المقابلة،
نيّةُ قبلته الأولى
مثقلةً بالأفكار حول الكيفيّة المثاليّة
تقطع الشارع
وتموت في حادث سير.يؤسفه جدًّا
أنّ صديقته لم تنتبه لدم القبلة الشفّاف
مسفوحًا
في الطريق إليها -

الأمل واللامعقول في أعمال كافكا – ألبير كامو
لا یكفي أن نقرأ كافكا مرة واحدة . لا بد على الأقل من قراءتین، إذ تتطلب النھایات لدیه أو بالأحرى غیابھا قدرًا من التفسیر. لكن المھم ھو أن الجانب الخفي في ھذا الأدب یضطرنا إلى أن نعید قراءة التاریخ من زاویة جدیدة . وحیث تبدو ضرورة القراءتین یصبح ھناك إمكانیتان للتفسیر و ذلك ھو ما یقصده الكاتب. غیر أنه من الخطأ أن نحاول تفسیر أدب كافكا في تفاصیله لأن الرمز دائما في عمومه و مھما حاول الكاتب أن یحدده فإنه لا یفعل أكثر من أن یمنح الحركة، و
إذن لا مجال ھنا للتفسیر الحرفي. فیما عدا ذلك، لابد من الاعتراف بأنه لا یوجد شيء أكثر صعوبة من فھم عمل رمزي . فالرمز یتجاوز دائما من یستخدمه ، و یعني أكثر مما أراد أن یعبر عنھ . وفي ھذا الصدد تصبح الوسیلة الأكیدة لأدراك الرمز ھي ألا نضغط علیه، و أن نتناول العمل الأدبي بروح متحرر ولا نبحث فیه عن التیارات الخفیة . و بالنسبة إلى كافكا ، حسبنا أن نرضى بلعبته، وأن نأخذ لدیه المأساة بحسب الظاھرة ، والروایة تبعا للشكل.
تبدو أعمال كافكا، للوھلة الأول ، ولدى القارئ العادي، عبارة عن مغامرات مقلقة تمثل شخصیات مثیرة و متصلبة، تبحث عن مشكلات لیست من صنعھا. وفي القضیة، جوزیف ك.. متھم لكنه لا یعرف تھمته ! و ھو یشرع دون شك في الدفاع عن نفسه ، لكنه یجھل السبب. و یرى المحامون أن جریمته شنیعة، وفي أثناء ذلك لا یھمل جانب الحب كما أن یأكل و یقرأ جریدته، ثم یحكم علیه: قاعة المحكمة شدیدة الظلمة و ھو لا یفھم شیئا. إنه یحدس فقط بأنه محكوم علیه، لكن بأي تھمة، یكاد یتساءل، لكنه یشك في ذلك. و یواصل حیاته . و بعد وقت طویل، یتقدم منه رجلان مھذبان، في ثیاب أنیقة، و یدعوانه أن یتبعھما. و بكل مظاھر الأدب، یصحبانه إلى ضاحیة مقفرة، ثم یضعان رأسه فوق حجر، و یذبحانه! العبارة الوحیدة التي یتفوه بھا قبل أن یموت: (( ھكذا مثل الكلب ! )) .إننا نرى أنه من الصعب الحدیث عن الرمز في روایة تعتبر أعمق من عناصرھا تأثیرًا مجرد شيء طبیعي . لكن ((الطبیعي )) لیس من السھل دائمًا فھمه. ھناك أعمال یبدو فیھا الحدث طبیعیا للقارئ، لكن ھناك أعمالًا أخرى ( وھي نادرة في الحقیقة ) تجد فیھا الشخصیات أن ما یحدث لھا أمر طبیعي . وعن طریق تعارض فرید، لكنه واضح، تصبح مغامرات الشخصیة غریبة ، و في حین أن ما یحدث التأثیر إنما ھو الشيء الطبیعي فیھا، و ھكذا تبرز أمامنا المعادلة التالیة: أننا نشعر، و في وقت واحد ، بغرابة حیاة إنسان و بالبساطة التي یتقبل فیھا ھذا الإنسان تلك الغرابة. و یبدو أن (( الطبیعي )) خاص بكافكا نفسه. و ھذا ما أرادت لقضیة أن تعبر عنه .
لقد جرى الحدیث دون شك عن صورة للحیاة الإنسانیة. لكنھا في وقت واحد بسیطة جدًا و معقدة جدًا. اقصد أن معنى الروایة خاص جدًا و شخصي بالنسبة لكافكا. و إلى حد ما فإنه ھو الذي یتحدث، و نحن ھم الذین یسمعھم اعترافاته . إنه یحیا و ھو محكوم علیه . یخبرنا بذلك منذ الصفحات الأولى في روایته التي تتبع ھذا العالم ، محاولة أن تجد له دواء و یتم ذلك أحیانا على نحو غیر مفاجئ . إنه لا یندھش قط مما یفقد الدھشة، و تلك ھي التناقضات التي نتعرف منھا على العلامات الأولى للعمل اللامعقول، حیث یطرح الذھن في العالم المحسوس بمأساته الروحیة، و ھو لا یستطیع أن یفعل ذلك إلا عن طریق التناقض المستمر الذي یعطي للألوان القدرة للتعبیر عن الفراغ، و لصور الحیاة الیومیة ( العادیة ) قوة ترجمة الأحاسیس الخالدة.
كذلك تعتبر روایة القصر لاھوتًا تطبیقیًا. لكنھا تمثل، قبل كل شيء مغامرة فردیة لنفس تبحث عن الھدایة .. لإنسان یطلب من الأشیاء أن تبوح بسرھا الملكي، ومن النساء: السر الإلھي الذي یختبئ فیھن .أما روایة المسخ ، فتمثل بالتأكید عملیة التخیل العنیف للسلوك، لكنھا أیضا نتاج الدھشة اللامحدودة ، حیث یبتلى إنسان بأن یشعر بشعور الحشرة التي تحول إلیھا بدون جھد. و في ھذا الغموض الأساسي یكمن سر كافكا . ذلك التوازن المستمر و الخالد بین الطبیعي و الشاذ، الفردي و العام، المأساوي و الیومي، اللامعقول و المنطقي .. بین تلك الثنائیات التي تنتشر في أعمال كافكا كلھا، وتعطیھا في الوقت نفسه، دلالتھا وصداھ.. و ھكذا، على أساس تلك المتناقضات التي یجب أن نرمقھا، و المتضادات التي یجب أن نؤكدھا یمكن أن نفھم العمل اللامعقول .
في الواقع، یفترض الرمز دائما مستویین، عالمیین من الأفكار و الأحاسیس، ثم قاموسًا یحول أحدھما الاخر. وتلك اللغة ھي أصعب ما یتم بناؤه. لكن الوعي الحاضر بالعالمین یضعنا على طریق علاقتھما الخفیة. و لدى كافكا، یتمثل ھذا العالمان، وفي مجال الحیاة الیومیة من جانب، و مجال القلق فوق الطبیعي من جانب آخر ( ١) . و یبدو ھنا أننا قد ألمحنا بعض الشيء من تفسیر لا نھائي لعبارة نیتشه: (( أن المشكلات الكبرى توجد في الشارع )) .إن الحیاة الإنسانیة، الموضوع المشترك بین كل الآداب، تحتوي في وقت واحد لا معقولیة أساسیة، وعظمة ھائلة . الوجھان كما ھو الطبیعي یتزامنان، ویتمثلان في ذلك الفراق الغریب بین شراھات النفس، و متع الجسد السریعة الزوال. و یكمن اللامعقول في أن النفس تتجاوز ھذا الجسد بمراحل لانھائیة ، لذلك ینبغي على من یرید ان یصور تلك (( اللامعقولیة )) أن یلجأ للعبة المتناقضات المتوازنة ، وینفخ فیھا الحیاة. و بھذه الطریقة یعبر كافكا عن المأساة بواسطة ما ھو یومي ، ومن اللامعقول بما ھو منطقي.
عندما یتقمص الممثل بكل ما یمكنه من قوة في الأداء، شخصیة مأساویة، و یجھد أن یبالغ فیھا، فإنه یحول تأثیرھا المحدود في الرعب إلى نحو غیر محدود. و في ھذا الصدد، تبدو المأساة الیونانیة ملیئة بالدروس. فیھا یتم تحدید المصیر في صورة منطقیة و طبیعیة. فقد أعلن مصیر أودیب سلفًا، عندما تقرر على نحو فوق طبیعي، أنه سیرتكب جریمتي قتل أبيه و الزنا بأمه. و یكمن جھد المأساة كله على إبراز النظام المنطقي الذي، بانتقاله من استنتاج إلى آخر، ینتھي باستنفاد عذاب طویل. و لا تتمثل الرھبة في مجرد إعلان ھذا المصیر، فقد یكون ذلك محتملا . لكن إذا أدخلته الضرورة في مستوى الحیاة الیومیة، و المجتمع، و الدولة، و الانفعال فعندئذ تبدأ ھذه الرھبة في التخصص و التفرد والخلود .. و ھكذا فإنه في أثناء تلك الثورة التي تھز الإنسان ، و تجعلھ یقول : (( أن ھذا غیر ممكن )) یوجد في الواقع يقین بائس في أن (( ھذا )) یمكن أن یكون (( ممكنا )) .
ذلك ھو سر المأساة الیونانیة، أو على الأقل، أحد أسرارھا، لأن ھناك سرًا آخرًا یتمثل في المنھج العكسي الذي سوف یتیح لنا أن نفھم كافكا . أن القلب الإنساني یحتوي على اتجاه عنیف یسمي كل ما يسحقه مصيرًا.
لكن السعادة تعتبر بدورھا كذلك، من حیث إنھا دون سبب لا یمكن تجنبھا. و الانسان المعاصر إننما يضفي علیھا الفضل من عدم اعتراف بھا. وعلى العكس، یمكن أن یقال الكثیر على المصائر السعیدة، في المأساة الیونانیة ، والتي تنجو بنفسھا وسط مغامرات أشد سوءًا كما في أسطورة أليس Ulysses
ما یمكن استخلاصه من ھذا كله، ھو ذلك التعقید الخفي، الذي یوجد في المأساة، بین ما ھو منطقي و ما ھو یومي. ھذا بطل المسخ، التاجر المتحول، لا یعاني من شيء، في تلك المغامرة الفریدة- التي تحول فيها سامزا إلى حشرة- إلا من أن صاحب العمل غاضب من تكرار غیابه . و تنبت له قوائم وقرون استشعار، و یتقوس ظھره، و تنتثر على بطنه نقاط بیضاء – و لا أقول : أن شیئا من ھذا یدھشه . إنه یسبب له فقط (( ضجرًا خفیفا )) .
أدب كافكا كله من ھذا اللون. في عمله الرئیسي القصر، لا تبرز تفاصیل الحیاة الیومیة، و مع ذلك، فإن ھذه الروایة الغریبة، التي لا یتوصل فیھا لشيء، یبدأ كل شيء مرة أخرى من جدید. إنھا عبارة عن مغامرة نفس باحثة عن ھدایتھا المرسومة. و نجد ترجمة ھذه المشكلة إلى الفعل، بما تشتمل علیه من تزامن بین العام و الخاص، موجودة في الخصائص الصغیرة لكل إبداع أدبي كبیر. في القضیة كان یمكن أن یسمى البطل شمیدت أو فرانز كافكا ، لكن یسمى
جوزیف ك .. إنه لیس كافكا، و مع ذلك فإنه ھو نفسه : أوروبي متوسط، مثل كل الناس. لكنه أیضا الھویة ك .. الذي يمثل رمز (ص) في معادلة الجسد.
وإذا كان كافكا قد اختار أن یعبرعن اللامعقول، فإن ما استخدمه لذلك إنما ھو التناسق . إننا نعرف قصة ذلك المجنون الذي كان یصطاد في ( البانیو )، والطبیب الذي كانت لدیه أفكاره عن علاج الأمراض العقلیة و النفسیة، حین سأله: (( و إذا عضك ھذا ؟ )) فأجابھ المجنون على الفور بكل صرامة : (( لا یا أحمق إنه بانیو )) . و إذا كانت ھذه الحكایة ذات طابع باروكي فإننا ندرك منھا بصورة محسوسة ، كیف یظل الواقع اللامعقول مرتبطًا بمدخل إلى المنطق . إن عالم كافكا یدق عن الوصف، حیث یمنح الإنسان نفسه ( المتعة المؤلمة ) باصطیاده من ( البانیو ) ، ھو یعلم تماما أنه لن یُخرج منه شیئا.
إنني أعترف ھنا بعمل لامعقول في جمیع أسسه . و بالنسبة إلى القضیة مثلا، أستطیع القول بأن النجاح كامل . فالجسد ینتصر. ولا شيء یفتقد فیھا: لا الثورة غیر المعبر عنھا ( مع أنھا ھي التي تكتب) ولا الیأس الواضح والصامت ( وھو الذي یبدع ) ولا تلك الحریة المدھشة للغرابة التي تستنشقھا الشخصیات حتى اللحظة الأخیرة.
ومع ذلك ، لیس ھذا العالم مغلقا كما یبدو. ففي ھذ العالم الخالي من ضروب التقدم، سوف نجد كافكا یدخل الأمل في شخصیة ( فریدا ). و في ھذا الصدد، فإن القضیة والقصر لا یسیران في نفس الإتجاه . إنھما یتكاملان. و یمثل التطور المحسوس في كل منھما فتحًا ھائلًا في میدان الغزو.
القضیة تثیر المشكلة بینما تحاول القصر حلھا. القضیة تصف، تبعا لمنھج شبه عملي، و القصر یتخیل العلاج. لكن الدواء المقترح ھما لا یشفي . إنه فقط یدخل المرض في مسیرة الحیاة الیومیة، و یساعد على قبوله. و بمعنى ما ( نقصد ھنا كیركجارد ) یجعلھ شیئا عزیزًا .
إن المھندس ك .. لا یستطیع أن یتخیل أي ھم آخر، غیر ذلك الذي یضنيه. والذین یحیطون به إنما یھیمون بذلك الفراغ، و ذلك العذاب المجھول الاسم، كما لو أن المعاناة ھنا قد اكتست وجھًا مفضلًا. تقول فریدا للمھندس ك .. :(( ما احوجني الیك ! لم أشعر بأنني مھجورة منذ عرفتك . و تزداد حاجتي إلیك عندما لا تكون بالقرب مني )) . إن ھذا الدواء الدقیق الذي یجعلنا نحب من یسحقنا، و یولد الأمل في عالم في عالم بدون مخرج، و تلك الطفرة التي یتغیر بھا تقریبا كل شيء: ھما سر الثورة الوجودیة و سر روایة القصر نفسھا .
قلیل من الأعمال أكثر صرامة من خطواتھا من القصر، فقد عین ك .. مھندسًا للقصر، و ھو یصل إلى القریة، و ھناك یكتشف أن كل الطرق المؤدیة إلى القصر مستحیلة. و خلال مئات الصفحات ، ترى ك .. یصر على أن یجد طریقه ، و یطرق كل السبل، و یكید، و ینحرف، و لا یغضب أبدًا .. و أخیرًا یلتحق بالوظیفة المقدمة له . أن كل فصل في الروایة یعتبر سقوطًا، و ھو أیضًا عبارة عن بدایة من جدید. ھنا لا نلتقي بالمنطق، و لكن بروح التتبع و الاستقصاء، و مدى
ھذا العناد ھو ما یصنع المأساة، فعندما یتصل ك .. بالقصر تیلفونیا، لا یصل إلى سمعه سوى أصوات غامضة، مختلطة، و ضحكات مبھمة، و نداءات بعیدة .. و ذلك ھو كل ما یغذي أمله ، مثل تلك السحابات القلیلة التي تظھر في سماء الصیف، أو تلك الوعود المسائیة التي تمنحنا الرغبة في الحیاة، و ھنا نجد سر كآبة كافكا، الخاصة به، و ھي نفسھا في الحقیقة التي نستشفھا من أعمال بروست ، أو لدى افلوطین في (( الحنین الى جنات مفقودة )) تقول أولجا : (( غدوت كئیبة للغایة عندما قال لي برنایا ، ھذا الصباح أنه سوف یذھب إلى القصر. ربما كانت ھذه المسافة غیر مفیدة. ربما كان ھذا الیوم ضائعا . ربما كان ھذا الأمل عبثا )) . على ھذا الوتر (( ربما .. )) یعزف كافكا عمله كله. لكنه لا یحقق فیه شیئا . أما البحث عن الجانب الخالد ، فھو مغرق في التفصیلات ، و نقدم تلك الشخصیات الآلیة صورة لما سوف ( نؤول إليه جمیعا ، مجردین من ملاھینا الزائلة، و متجردین بالكلیة إلى الخضوع الإلھي ( ٢في القصر، یصبح الخضوع إلى ما ھو یومي تصرفات و إخلاقًا . فأمل ك .. الكبیر ھو أن یبلغ ھدفه ، و ھو أن یتبناه القصر. ولأنه غیر مستطیع وحده إلى الوصول إلى ھذا الھدف، فإنه یبذل غایة جھده للحصول على تلك النعمة بأن یصبح من سكان القریة، و مع ذلك فإن كل الناس یعاملونه كغریب. إن كل ما یریده: مھنة و منزل و حیاة رجل مستقیم. لكن ھذه الأشیاء تتطلب أكثر من الجنون، و ھو حریص على أن یظل إنسانًا عاقلًا، فیحاول أن یتخلص من تلك اللعنة الملاحقة له، و التي تجعل منه غریبًا عن أھل القریة، و ھنا تظھر مرحلة فریدا، تلك المرأة التي تعرفت على أحد موظفي القصر، و صارت عشیقة له بسبب ماضیه. إنه یستلھم منھا شيء یتجاوزه، و في نفس الوقت الذي یرى فیه أنھا غیر أھل لسكنى القصر . إننا نقصد ھنا كیركجارد في حبھ الفرید لریجین أولسن: ذلك أنه یحدث لدى بعض الرجال أن نار الخلود التي تلھمھم تكون من القوة و العنف بحیث یحترق معھم قلوب الذین یحیطون بھم.
عندما یتخلص المھندس من فریدا، یذھب إلى أخوات برنایا، والواقع أن عائلة برنایا ھي الوحیدة في القریة التي تعتبر مھجورة تمامًا من القصر، وبالتالي من القریة. فقد سبق أن رفضت أمالیا أخت برنایا الكبرى، الاقتراح غیر الشریف الذي عرضه علیھا أحد موظفي القصر، و كان لھذا أثر على سمعتھا الأخلاقیة، و تلك الأخلاق قائمة بالطبع على مقاییس اجتماعیة فاسدة، و ھنا نتعرف على موضوع مألوف في الفلسفة الوجودیة و ھو أن الحقیقة تتعارض دائما مع الأخلاق الفاسدة. و مع ذلك فإن الأمور تسیر إلى أبعد من ھذا، فالطریق الذي یقطعه بطل كافكا ، ذلك الذي یذھب من فریدا إلى أخوات برنایا ، ھو نفسه الذي یذھب من الحب المعطى إلى تعظیم اللامعقول، و ھنا أیضًا یتبع فكر كیركجارد. و من غیر المفاجئ إذن أن تأخذ حكایة برنایا مكانھا في آخر روایة القصر. و تتمثل محاولة المھندس الأخیرة في أنه یجد لله فیما ینكره و یجحده، فلا یتعرف علیه تبعًا لمقولات الخیر و الجمال، و إنما خلف الوجوه الفارغة والبشعة، اللامبالاة و الظلم و الحقد، وعندئذ یجد ھذا الغریب الذي طلب من القصر أن یتبناه، في نھایة رحلتھ نفسه منفیا ، وھنا یتخلى عن الاخلاق و المنطق و حقائق الأشیاء لكي یدخل بثورته الوحیدة من الأمل في فضاء العنایة الإلھیة ( ٣و ینبغي ألا ندھش من كلمة (( الأمل )) ھنا. لأن ھناك ما ھو أكثر مأساویة ، و ھو الشرط الذي یضیفه إلیھا كافكا ، والذي یجعل ھذا الأمل أكثر تحدیًا و صلابة، و إذا كانت القضیة عملًا لا معقولا، فإن تلك الطفرة التي تحتوي علیھا القصر تعتبر مثیرة وغیر شرعیة . لكننا نجد ھنا تناقض الفكر الوجودي في حالته الصافیة، كما عبر عنه كیركجارد في قوله: (( ینبغي علینا أن نقرع حتى الموت أبواب الأمل الأرضي .. عندئذ فقط سوف تنجو بالأمل الحقیقي )). ( ٤) وھو ما یمكن لنا أن نترجمه ف حالة كافكا على النحو التالي: (( كان یجب أن یكتب القضیة، لكي یشرع في كتابة القصر))
لقد اعترف معظم الذین كتبوا عن كافكا بعمله كصرخة بائسة، في موقف لا یوجد فیه اللإنسان أي مخرج . لكن ھذا يتطلب إعادة نظر، ومن جانبي أؤكد أنه يوجد أمل، وأجد أن أعمال هنري بوردو المتفائلة مثبطة للهمة، وذلك لأنها لا تحتوي على أي قدر مما يناسب القلوب العصية، وذلك لأنھا لا تحتوي على أي قدر مما یناسب القلوب العصیة، و على العكس من ذلك، فأنا أرى فكر اندريه مالرو قويًا ومشجعًا. لكن الأمر لا يتعلق في الحالتين بنفس الأمل، ولا بنفس اليأس.العمل اللامعقول نفسه یمكن أن یؤدي إلى عدم الأمانة ، الذي أجھد دائمًا أن أتحاشاه. و ما یھدد العمل بأنواع الغموض واللبس ھو وقوعه في التكرار، الخالي من المضمون، لظروف عقیمة، و كذلك في محاولة التنبؤ الرافض للظواھر، سریعة الزوال. و الكاتب الحقیقي یفسر أو یعطي دائمًا شكلًا للأمل، بل إنه لا یستطیع أن یكرر شیئا في عمله .
یبدو أن أعمال كافكا و كیركجارد وتشیكوف، و لكي نكون مختصرین: أعمال كل الفلاسفة و الروائیین الوجودیین، تتجه بكاملھا نحو اللامعقول و نتائجه . أي إنھا تصل في النھایة المطاف الى إعلان تلك الصرخة المدویة للأمل .. إن ھؤلاء الكتاب یحتوون القوة الإلھیة التي تلتھمھم . و یتم ذلك عن طریقي الخشوع و الأمل . لأن ((لامعقولیة)) ھذا الوجود تؤكد لھم ، إلى حد ما واقع ما فوق الطبیعة. و إذا أوصل طریق ھذه الحیاة إلى الله ، فھناك إذن المخرج . وھكذا یظل
الدأب و العناد اللذان یكرر بھما أبطال كافكا وتشیكوف وكیركجارد تجولاتھم ھما الضمان الوحید للقدرة النابعة من ھذا الامل ( ٥
یرفض كافكا أن یخلع عن إلهه العظمة الأخلاقیة و البداھة والخیر و التجانس، و كل ذلك من أجل أن یلقي نفسه بین ذراعیه على نحو أفضل، ولا شك في أن اللامعقول معترف به و مقبول . و في اللحظة التي یستسلم له الإنسان لا یصبح((لا معقولا )) . وإنما في حدود الحیاة الإنسانیة، ما أكبر الأمل الذي یتیح للإنسان أن یتخلص من ھذه الحیاة؟ إنني أرى أن الفكر الوجودي (( معجونًا )) من أمل مفرط ، و بھذا الأمل نفسه، استطاعت المسیحیة الأولى بإعلانھا البشارة أن تنھض بالعالم القدیم. لكن في تلك الطفرة التي تمیز الفكر الوجودي بالعناد، و بمساحة إلھیة دون سطح، كیف نجحدوجود الوضوح الشدید؟ إن كل ما نطلبه فقط ھو أن یطاطئ الزھو قلیلا من نفسه .. حتى ینجو و تلك محاولة خصبة . و في رأیي أننا لا نقلل من القیمة الأخلاقیة للوضوح الشدید بقولنا منھا إنھا عقیمة، ككل زھو، لأن الحقیقة، بتعریفھا نفسه، ھي أیضا عقیمة. إنه في عالم أعطى فیه كل شيء ، و لم یفسر فیھ شيء، تغدو خصوبة قیمة ما میتافیزیقا: مفھومًا
فارغا من المعنى .
و مع ذلك، فنحن نرى ھنا في أي مكان من التقالید الأدبیة ینبغي وضع أعمال كافكا، سوف یكون من العبث أن نعتبرالسیر من القضیة إلى القصر صارمًا، فإن جوزیف ك .. و المھندس ك .. ھما القطبان اللذان یتجاذبان كافكا ( ٦) . وسوف أتحدث مثله و أقول أن عمله ((ربما )) لا یكون معقولًا . لكن ھذا لا یمنعنا من أن نعترف بعظمته و عالمیته ، وكلاھما یجيء من أنه عرف كیف یصور ذلك العبور الیومي من الأمل إلى الحزن ، ومن الحكمة الیائسة إلى العمى الإرادي . إن عمل كافكا عالمي ( و یلاحظ أن كل عمل لا معقول لیس بالضرورة عالمیًا ) صور في الوجه المثیرللإنسان الھارب من إنسانیته ، و القادر وسط متناقضات یأسه الخصب ، أن یعتقد في الأمل، و أن یخلع على عمله الشنیع بالموت.. حیاة . إن عمل كافكا عالمي، لأنه ذو استلھام دیني. و كما في كل الدیانات، یتخلص الإنسان من ثقل حیاته الخاصة. لكنني إذا كنت أعلم ھذا، و أعرف كیف أعجب به ، فإنني أعلم أیضا أنني لا أبحث عما ھو عالمي وإنما عما ھو حقیقي، و یمكن للجانبین ألا یتطابقا.
سوف تتضح طریقتي في الروایة أكثر، إذا ما قلت أن الفكر الیائس یتحدد بمعاییر متعارضة ، و إنه بإمكان العمل أن یكون مأساویًا، وھو یصف حیاة رجل سعید! إن الحیاة تفیض بضروب النفي و الطرد، و أكثر لا معقولیة: ھي فكرة أن نفقدھا. و ھنا یكمن سر تلك الحدة الرائعة التي نستشفھا من أعمال نیتشه.. ففي نظامه الفكري، یبدو نیتشه أنه ھوالفنان الوحید الذي استطاع أن یستخلص النتائج الأخیرة لعلم الجمال اللامعقول . حیث تبدو دعوته الأخیرة عبارة عن الوضوح الشدید، العقیم و الفاتح، و طرح كل استثارة لما فوق الطبیعة .أعتقد أن ما سبق یكفي لإبراز الأھمیة الرئیسیة لعمل كافكا في مستوى تلك الدراسة. و في حدود الفكر الإنساني، نجد أننا قد (( تحولنا )) . إن كل ما في عمل كافكا یعتبر أساسیا، و ھو یثیر في كل حالاته مشكلة اللامعقول بكاملھا . و إذا ما أردنا تقریب ھذه النتائج من ملاحظاتنا الأولى: المضمون و الشكل، و المعنى الخفي للقصر، و الفن الطبیعي الذي
تنساب فیه . البحث المثیر و المزھو لشخصیة ك .. و الدیكور الیومي الذي یتحرك فیھ ، استطعنا أن ندرك عظمة كافكا .
و إذا كان الحنین إلى الماضي طابع كل ما ھو إنساني ، فإن أحدًا لم یھتم بأشباحه ذلك الاھتمام الذي أولاه كافكا ، لكننا ندرك في الوقت نفسه، ما ھي العظمة الفریدة التي یتطلبھا العمل اللامعقول، و التي من الممكن ألا تكون موجودة ھنا:
فاذا كانت خاصیة الفن ھي أن تربط بین العام و الخاص، فإن عظمة الكاتب اللامعقول تتمثل في أن یتغلغل في ھذین العالمین، و یكمن سره في معرفة النقطة المحددة التي یتصلان فیھا. أقصد نقطة عدم تناسقھما الھائل .
الحق یقال، إن كثیرًا من القلوب الصافیة تستطیع أن ترى ذلك الوضع الھندسي لما ھو إنساني و غیر إنساني ، في كل مكان. و إذا اعتبر فاوست و دون كیشوت مخلوقات فنیة عظیمة، فإنما ذلك بسبب العظمة التي تبدو في أیدیھما الأرضیة، و مع ذلك فإن ھناك لحظات، ینكر فیھا الذھن ما تلمسه ھذه الأیدي من حقائق. و في اللحظة التي لا یعتبر فیھا الإبداع تبعا للمأساة، و إنما یؤخذ على نحو جاد، یتحول الإنسان إلى الأمل . لكن ھذا لیس من شأنه. إن دوره فقط ھو أن یحید
عن الخداع . وھذا ھو ما أجده تحت مصطلح القضیة العنیفة التي یدعیھا كافكا على الإنسانیة جمعاء . و في النھایة یأتي قراره الذي لا یصدق .. فیبرئ ھذا العالم القبیح المضطرب ، الذي یتسلى فیه الحیوانات العمیاء التي تعیش على شطوط الترع .. بالأمل ( ٧ھوامش :
-1 یلاحظ أنه قد یمكن تفسیر أدب كافكا في إطار النقد الاجتماعي ( القضیة مثلا ) . و من ناحیة أخرى لا یوجد اختیار، معین یبدو كلا التفسیرین ملائما، و تبعًا للمصطلحات الوجودیة، فقد رأینا أن التمرد ضد البشر یتجه أیضًا إلى الإله: إن الثورات الكبرى دائما میتافیزیقیة
-2 في (( القصر )) یبدو أن (( التنوعات )) بالمعنى الباسكالي ، متمثلة في ھیئة مساعدین أو معاونین یحولون ك.. عن قلقه . و إذا انتھى الأمر بفریدا لكي تصبح عشیقة أحد ھؤلاء المعاونین، لأنھا تفضل الدیكور على الحقیقة و الحیاة الیومیة عن القلق المشترك
-3 من الواضح أن ھذا لا یعني إلا النسخة غیر المكتملة التي تركھا كافكا من ( القصر ) . لكن من المشكوك فیه أن الكاتب قطع في الفصول الأخیرة وحدة لھجة الروایة.
-4 طھارة القلب
-5 الشخصیة الوحیدة التي بدون أمل في ( القصر ) ھي امالیا ، و یلاحظ أنھا ھي التي یعارضھا المھندس بكل عنف.
-6 حول جانبي فكر كافكا یقارن (( في السجن )): (( لیس الإثم أبدًا موضع شك )) و مقطع من القصر : (( من الصعب إدانة المھندس ))
-7 ما قدمناه في ھذه الدراسة عبارة عن (( تفسیر )) لعمل كافكا، لكن من الإنصاف أن نضیف : أن شیئا لا یمنع أن نعتبر ھذا العمل، بعیدا عن أي تفسیر، من زاویة جمالیة بحتة ، فمثلا جروتیزن مقدمته الرائعة ( للقضیة ) إھتم فقط بحكمة أكثر منا ، بتتبع التخیلات الحزینة لما أطلق علیه على نحو مدھش (( النائم الیقظان )) . إن مصیر عمل كافكا و ربما عظمتھه، ھو أن یقدم كل شيء، ولا یؤكد شیئا. -

المشط في الليل – عبدالله حمدان الناصر
الغريبُ كي لا يوقظكِ يتعلمُ حياةً كاملةً في الظلام.
ولئلّا يفسد أحلامكِ يتعفف عن المصابيح.الغريبُ كي لا يبدد منامكِ يتعلمُ المشط في الليل، ويبتكر طرقاً لتسريح شعره بعينين مربوطتين.
الغريبُ في ليل المنضدة يميّز مشط امرأته مثلما يتشمم البحارة النجوم، والأنبياء أبناءهم.
أنا غريبكِ أحملُ مشطكِ من شذاه ، أستضيء بخصلة الذهب العالقة فيه كما يحمل الرعاة سرجهم في الفجر.
بنور مشطك اهتديتُ ، وبتّ أخرج للصبح بكدماتٍ أقل.
ولأن نومتكِ عزيزة ، يتمرن الغريب في العتمة على انتقاء جوربين غير مثقوبين من بين أكداس الجوارب السود في الجوارير .
لأن نومتكِ عزيزةٌ يتوضأ أعشاكِ منذ عقدين بماء خفيضٍ ، يصلي سراً على رؤوس أصابعه، وفي حجرتكِ لا يتحدث إلى الله جهرة.
الغريب، لم يزل منذ عينيك ، يوقّر مفتاح الضوء في حجرة النوم.
الغريب الذي لا زال يستيقظ قبلكِ منذ عقدين، ينهض من تختكِ يختار ملابسه في الظلام ، ويسوّي بخفةٍ ربطة عنقه أمام مراياك التي لا تبصر إلاك.
الغريب كي لا يبدد منامك أخبر الأشياء كلها عنك.
علّم العطر أن يكتم في الغرفة شذاه، وخشب الأدراج أن لا يصدر صوتاً، والحذاء أن يكون كتوماً، والمشط أن يمر بخفة، وساعة اليد أن تتماوت، بينما أنتِ في النوم.الغريب الذي بعينين معصوبتين أتقنَ تهذيب لحيته ودمعته في الظلمات، وبات يتعرف على العطر من ملمس الزجاجة، يلقي كل صباحٍ نظرةً على فتاة السهول التي لم تفق من أقحوانها ، يتهندم في ظلامٍ كاملٍ، قبل أن يتسلل إلى وظيفته كاللصوص.
*نص: عبدالله حمدان الناصر
*من ديوان: اللحاق بالرمل









