المدونة

  • النغمة الناعمة لغلقِ الزرّ الثالث – أحمد سالم

    النغمة الناعمة لغلقِ الزرّ الثالث – أحمد سالم

    ‏النغمة الناعمة لغلقِ الزرّ الثالث

    ‏تصرّ أصابعكِ

    ‏ووحدها تقدرُ سدّ

    ‏تلك الفجوة،

    ‏في قميصي المجعد،

    ‏والتي تتسرّب منها اللحظات الباردة،

    ‏والمشاهد الضبابية في الصباح،

    ‏وذكرى شخص عالق بينَ تنهيدتين،

    ‏وامرأة

    ‏أراقبها كالعادة

    ‏في المرآةِ

    ‏تعيد ترتيبي

    ‏مجدداً.

    ‏####

    ‏لا ضمانات

    ‏على من ستوقظ

    ‏وأنت تمشي على رؤوس أصابعك

    ‏إلى آخر الليل

    ‏ربما تتعثر بسلك ذكريات

    ‏شخص آخر

    ‏أو تصطدم فجأة

    ‏بباب عشوائي تفتحهُ

    ‏على صباح في مدينة لا تعرفها

    ‏أو لعلّك

    ‏تغمض عينيكَ

    ‏فتكتشف أنك ترى أكثر

    ‏أو تشعر أقل مما يمكنك

    ‏وقد تعثر بالصدفةِ

    ‏على زرٍ في الجدار

    ‏تضغطه

    ‏وتلاحظ خطواتك

    ‏وهي تصنع خريطة

    ‏تذهب فيها إلى أقصى وحدة

    ‏يمكنك أن تندس فيها.

    ‏####

    ‏صورة متخيلة

    ‏نعلقها على جدار متخيل

    ‏ونستند هناك طويلاً

    ‏نرفع رؤوسنا فوق ما نتخيّل

    ‏ونرى ما نفكر به

    ‏ينفجر في عتمة أبدية

    ‏نضع أيدينا كستار حاجز

    ‏بين أعيننا وما نفكر به

    ‏من ثمّ يعمّ سكون لدقائق

    ‏ننزل رؤوسنا

    ‏ونكسر الصورة

    ‏ونهدم الجدار

    ‏ونوقف-لمدّة من العمر-

    ‏تطلّعنا لأشياء غير مرئية

    ‏###

    ‏بينما تغوص قدماها

    ‏بعيداً في رمالِ الوحدة،

    ‏تقفُ بوداعةٍ

    ‏أمام الذكريات

    ‏التي تسحبها الأمواجُ

    ‏من مكان أبعدَ

    ‏مما تتخيل.

    ‏ساكنةً، يدورُ من حولها كل شيء

    ‏والأصواتُ كلها

    ‏ليست أعلى صوتاً من

    ‏ذكرى حزينةٍ

    ‏ترتطمُ بصخرة ملساء،

    ‏وبخفةٍ يرجعُ الأطفال خطوةً

    ‏خطوة، ثم يركضونَ بطائراتهمِ الورقية،

    ‏ويشدّون خيط انتباهها

    ‏فتبتسم،

    ‏وتُرخي يديها المضمومتينِ

    ‏إلى صدرها

    ‏محاولةً بغير فائدة

    ‏الخروجَ من المشهدِ

    ‏الذي لم ينتبه له أحد غيري.

  • لمبة المطبخ – سلمان الجربوع

    عندما يذهب البيت إلى النوم

    تحرسه
    لمبةُ المطبخ،
    الكنبةُ المصابة بالأرق
    وحيدةً
    في غرفة الجلوس
    بعدما كنست الخادمةُ الأحاديثَ اليوميّة
    تسلّيها لمبة المطبخ،
    الأفكار التي تطنّ حول رأس ربّة البيت
    عن السعادة الزوجيّة
    تُحرقها
    ……فكرةً
    ………فكرةً
    لمبةُ المطبخ،
    الأب العائد
    متأخّرًا
    إلى البيت
    تفضحه لمبة المطبخ.

    عندما تحترق لمبة المطبخ
    تهتزّ ثقة البيت
    في نفسه.

  • ستانلي كونيتز – الطبقات | ترجمة : د. شريف بقنه

    ستانلي كونيتز – الطبقات | ترجمة : د. شريف بقنه

    لقد سِرْتُ خلالَ أكثر من حياةٍ ،
    البعضُ منها كانَ لي،
    وأنا لستُ مَن كُنتُ،
    علَى الرغم مِن ثَمَّة مبدإٍ للوجودِ
    يظلُّ، والذي يجعلني أُناضلُ
    بأن لا أضِلُّ.
    عندما أنظر خلفي،
    بما أنني مُرْغمٌ على النَّظر
    قبل أن أتمكّن من جمْعِ قوَّتي
    والمضيّ في رحلتي،
    أرى المعالمَ تتضاءلُ
    نحوَ الأفقِ
    والحرائقَ البطيئةَ تنتقلُ
    من أماكن المخيّماتِ المهجورةِ،
    حيثُ الملائكةُ جامعو القمامةِ
    تحومُ بأجنحةٍ ثقيلةٍ.
    مِن مشاعري الحقيقيةِ
    جعلتُ من نفسي قبيلةً،
    و قبيلتي مبعثرةٌ!
    كيف يتصالح القلبُ
    مع وليمةِ خساراتِهِ؟
    في الرياح الصَّاعدةِ
    غبارٌ ممسوسٌ لأصدقائي،
    أولئكَ الذين سَقطوا على طول الطَّريقِ،
    رياحٌ لسَعتْ وجهِي ولذعتْني
    ومع ذلك، أستديرُ، أستديرُ،
    مبتهجًا بعضَ الشيءِ،
    وإرادتي سليمةٌ لترحلَ
    أينمَا رَغِبْتُ أن أرحلَ،
    وكلُّ حَجَرٍ علَى الطَّريقِ
    عزيزٌ عليَّ.
    في أحْلَكِ ليلةٍ لي
    عندما احتجبَ القمرُ
    وتجولّتُ من خلالِ الحُطامِ،
    ثمَّةَ صوتٌ تَغَشّى بهالةٍ نُورانيَّةٍ
    وجهَّني:
    “عِشْ في الطبقاتِ،
    وليسَ على القمامة”.
    على الرّغمِ مِن أنَّني أفتقِرُ إلى الفنِّ
    لحلِّ شفرتِهِ،
    لا شكّ أنَّ الفصلَ التاليَ
    مكتوبٌ بالفعلِ
    في كتابي للتحوُّلاتِ.
    أنا لم أنتهِ بعْدُ مع تغيُّراتي.

    نص: ستانلي كونيتز – ترجمة: د. شريف بقنة

  • مسعد محمد أحمد – البيت ليس بعيداً

    Cottage with Peasant Coming Home
    Vincent van Gogh

    لا شئ بيميني
    وهذا الذي أتوكأ عليه ضمير معطوب،
    أهش به الزرافات التي تمد أعناقها مِن أسوار التاريخ

    من أين يفوح المسك؟!
    القناديل غافية

    المدينة تفرك أجفانها
    وثمة يمامة تهدل فوق رأس عجوز
    يدق بعكازه مربعات البازلت

    الكاوتشوك يحترق،
    الدخان الكثيف لن يمكنك أن ترى بصمات أصابعك،
    لكنك حتما ستلمح الجرذان تفر إلى جحورها،
    وظبي خجول يمرح في دغل أخضر

    الجدران لا تشكو من مفاصلها،
    وأخر كيس من الأدوية ألقته في القمامة،
    هي فقط -كأي جدة- اشتاقت لرائحة الصغار،
    وللبهجة التي يثيرونها بأرجاء البيت

    البيت ليس بعيداً،
    المفاتيح معلقة بعنقي،
    والطريق ليس سوى إفلات روح من أسر العتمة.

  • تشارلز بوكوفسكي – طائر أزرق – ترجمة : عبود الجابري

    تشارلز بوكوفسكي – طائر أزرق – ترجمة : عبود الجابري

    ثمَّة طائر أزرق في قلبي
    يهمُّ بالخروج
    لكنني أقسو عليه
    أقول له :
    إبق في الداخل هناك
    فلستُ أسمح لأي أحد أن يراك
    ثمة طائر أزرق في قلبي
    يهمُّ بالخروج،
    لكنني أرتشف الويسكي
    وأستنشق دخان السجائر معه
    دون أن تعرف العاهرات
    سقاة الحانة
    وعمّال المخازن
    إنَّهُ في الداخل هناك
    ثمة طائر أزرق في قلبي
    يهمُّ بالخروج لكنني أقسو عليه
    أقول له : إبق هادئا
    هل تريد أن تثير جنوني ؟
    وتقود أعمالي الى الفشل ؟
    هل تريد أن تحرق مبيعات كتبي في أوربا ؟
    ثمة طائر في قلبي يهم بالخروج
    لكنّني ذكي جدا
    فقد سمحت له
    بالخروج ليلا وحسب
    في بعض الأحيان
    عندما يكون الجميع نائمين
    أقول له:
    أعلم أنَّ مكانك هناك
    فلاتحزن
    ثم أعيده ثانية
    لكنه يقتصد بالغناء هناك
    فأنا لم أمنحه فرصة أن يموت تماما
    وننام معا
    بحالتنا هذه
    مع صندوق أسرارنا
    وإنَّه من الجميلِِ جدّاً
    أن تجعل رجلا يبكي
    لكنّي لاأبكي
    ،،
    هل تبكي أنت؟

  • بروين حبيب – القوة الناعمة

    بروين حبيب – القوة الناعمة

    ثمة أشياء لا تفهمها، مثل تلك الشراكة الزوجية التي تتجاوز الواقع الزوجي العادي لتصبح حدثا عالميا، ليس من باب الاقتران، بل من باب صنع «هزّة ثقافية» تكون ارتداداتها أقوى من أي علاقة بسيطة تجمع رجلا وامرأة. مثل الشراكة الزوجية التي جمعت عضو الأكاديمية السويدية الشاعرة كتارينا فورستنسون بالمصور الفرنسي جان كلود آرنو، وهما زوجان عاديان، لو أنهما من مجتمع آخر غير المجتمع السويدي، فالمصور الفرنسي الذي لم يتخلص من بعض عقده الفرنسية تجاوز حدوده في مغازلة النساء إلى التحرش بهن، كما تجاوز حدوده حين مدّ يده لأسرار زوجته واستخدم أسماء الفائزين بجائزة نوبل قبل الإعلان عنها في مقامرات عبر الإنترنت من أجل مبالغ مالية كبيرة. «العقلاء» ساهموا جميعا في ستر نجم الكاميرا الفرنسي الأشهر في السويد، لعلّهم اعتبروا تصرفاته نوعا من اللانضج، ولم يأبهوا بما فعله، سقط من أعينهم ربما، لكن الرّجل واصل حياته في صالونات العالم بشكل طبيعي، إلى أن أسقط عروش أعضاء الأكاديمية، فاستقال من استقال، وامتعض من امتعض، وشل من شل أمام تبعات سلوكياته غير الطبيعية.
    ألغيت جائزة نوبل للآداب هذه السنة، وسال حبر كثير في الصحافة العالمية والعربية، وأطلقت اتهامات كثيرة ضد اللجنة ومصداقيتها، وقال بعض العرب أشياء غير منطقية من باب قراءة ما حدث، لكن الحدث المهم اليوم هو أن القرن الواحد والعشرين بدأ بتأنيث العالم، وإن عاد قارئي إلى مقالات سابقة سيجد ما أرمي إليه، وما كنت أراه ولا تريد أن تراه الأغلبية، وما أقصده هو هذه القوة الناعمة التي بدأت بإسقاط الرجال عن عروشهم، رؤساء ومشاهير ورموز دينية.
    متغيرات العالم الجديدة تمكن المرأة اليوم ليس فقط من إيصال صوتها، بل برسم حدود لدعم مكانتها اجتماعيا وسياسيا من خلال تقليص السلوك العدواني الذكوري تجاهها.
    فبعد الصدمة التي هزت النخبة بما حدث في كواليس الأكاديمية السويدية، ها هي الصدمة الثانية تأتي من مدينة «كان» لتهز أكبر شريحة من الجمهور العالمي من كل الفئات، كون إدارة المهرجان خصصت خطا ساخنا للتبليغ عن المتحرشين!
    ثمة ثورة تقوم بها المرأة لتخرج من كهفها الذي دفنت فيه على مدى قرون، لكن اللافت اليوم، أن خروج امرأة عن صمتها بخصوص موضوع التحرش بإمكانه أن ينهي مسار رجل قوي يمتلك سلطة سياسية أو مالية أو غيرها.
    من أستراليا أثار أيضا انسحاب الكاتب الأمريكي جونو دياز ضجة كبيرة، هو الحائز جائزة بوليتزر المرموقة من مؤتمر أدبي، بعد أن اتهمته الكاتبة الأمريكية زينزي كليمونس بالتحرش خلال جلسة من جلسات مهرجان سيدني للكتاب، ومع أن الكاتب حاول تشتيت الرأي العام نحوه بسرد قصص تخصه، اعترف فيها بأنه تعرّض للاغتصاب حين كان طفلا، وأن هذا الأمر أربك على مدى حياته علاقته بالنساء، إلاّ أن الأمر خرج عن سيطرته، حين تشجعت كاتبتان أخريان بكشف نظرته العدائية نحو المرأة، ما جعله يكتب في ما بعد أنه حان الوقت «لتثقيف الرجال على أن تكون العلاقة مع المرأة بالتراضي».
    نظريا يبدو الموضوع كله غير قابل للنقاش عند فئات كثيرة، لأنه مرتبط بالأخلاق، لكن مفهوم الأخلاق أيضا تغير منذ مطلع هذا القرن، فكون المرأة دائما هي العنصر الأضعف، وهي المتهم الأول لإثارة الرجل، وتحريضه على التحرش بها، بقيت أخلاق الرجل تتأرجح ضمن السلوك الشخصي وانعكاس التربية العائلية عليه، والوسط الذي ينمو فيه الذكور والإناث معا، وفي خلفية أخرى، تكون الحرية الممنوحة للذكور على حساب تقليص حرية الإناث في وسط ما، هي المحرض الأساسي للاعتداءات بأنواعها على الإناث، وهذا ما نعيشه يوميا في مجتمعنا، لدرجة أن التحرش في وسائل النقل العامة، والأماكن المزدحمة يتم علنا، بدون الشعور بأي حرج من طرف المتحرش لأنه سلفا يعرف أن ضحيته ستكون المتهم الأول كنتيجة حتمية لما سيقوم به، حتى إن كانت محتشمة في ثيابها، ويُشهد لها بحسن السلوك، إذ أن الخطاب الاجتماعي والديني السائدين على مدى قرون حدد أن الفضاء الطبيعي للأنثى هو البيت، بالتالي فإن المرأة على هذا الأساس هي المعتدية على فضاء الرجل ولهذا تستحق ما يحدث لها. هذا الفصل بين الجنسين وتقسيم فضاءات العيش ومهام الواجبات والحقوق منذ نعومة أظافرهما هو الذي سبب هذا الإرباك في التعامل مع الآخر، لكن تغير ظروف الحياة وقسوتها ودخول العالم في حروب، ومجاعات، وأوبئة، قلّصت من عدد الرجال وأجبرت المرأة على العمل لتعيش، خلق تشويشا في تلك المفاهيم التي رسخها الدين ورفضها الواقع. فهذه المرأة التي هي شريكة الرجل الطبيعية في حياته، وهي شقه الثاني، والفلقــــة الثانية لبذرته، لم يكتمل تواصلها معه ولم يبلغ مستويات الرضى والتراضي بينها وبينه، مع أن الحقبة الزمنية التي فتحت النقاش حول طبيعة المرأة ونوعها ككائن حي طويلة جدا منذ مؤتمر فرنسا العجيب أواخر القرن السابع.
    أربعة وعشرون قرنا مضت والمرأة تعيش في متاهات الظلم والتهميش والتحقير والإذلال، وفرض ما يجب أن تفعل وما لا تفعل إلى أن آن أوان سماع صوتها في عصر الإنترنت والأبواب المفتوحة على كل الغرف التي كانت مغلقة سابقا.
    انتشر هاشتاغ «أنا أيضا» الذي أطلقته الممثلة الأمريكية أليسا ميلانو ليصبح مفتاحا لثورة نسائية على صمتهن أولا ورفض الاستمرار الغبي في حماية المتحرشين، ثم تحوّل بوحهن إلى علامة فارقة ميزت الحملة المناهضة للتحرش على مستوى العالم. للأسف لم يتجاوب معها في عالمنا العربي غير فئة قليلة من النساء الواعيات والمدعومات من عائلاتهن، إلاّ أن الأمر ليس نهائيا، فالحملة مستمرة منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وها هي تبلغ مرحلة حاسمة كونها اقتحمت معاقل رجالية كان من الصعب اقتحامها في سنوات سابقة. ولعلّ أهم ما وصلت إليه هذه الحملة هي كشف ما تخفيه ستارة النخبة، وزبدة المجتمعات المخملية والبراقة، من انهيار أخلاقي وتواطؤ مع الفاسدين مقصود أو غير مقصود.
    انهارت أسماء كبيرة بين أركان السياسة والمال والفن عالميا، مثل استقالة وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون بعد اتهامه من طرف زميلة له بالتحرش، وعُلِّقت عضوية النائب كالفن هوبكينز بعد أن اتهمته إحدى الناشطات في حزب العمال بالتحرش بها، كما استقال جاستن فورسايث نائب مدير منظمة الأمم المتحدة للطفولة للسبب نفسه.
    لكن السؤال الذي يبقى معلقا هل يكفي كل هذا لردع المتحرش؟ أحد أهم مشاهير التحرش المخرج رومان بولنسكي الذي طرد من قبل الأكاديمية الأمريكية لجوائز الأوسكار بسبب علاقة جنسية مع قاصر في الثالثة عشرة من عمرها عام 1977 يصف حملة «أنا أيضا» بأنها «مجرّد هوس نسائي» في سخرية لاذعة وتحقير متعمّد للنساء، وهذا يعكس استهتار فئة من المتحرشين بما يحدث، ولعل هذا هو السبب الذي زاد من غضب النساء حتى امتدت الحملة لتطال نخبة النخبة، وتهز الكيانات التي صنعت الحدث الفكري والثقافي عبر العالم، إنه جرس إنذار لإعلان يقظة العقل ومواجهة جنون الغريزة. وهذه قراءتي الخاصة لما يحدث في انتظار موقف واضح من النخبة العربية التي لا تزال في الغالب متأرجحة بين العقل وصراخ الغرائز.

  • رسالة انتحار فرجينيا وولف الى زوجها

    رسالة انتحار فرجينيا وولف الى زوجها

    أيّها العزيز، لقد عدتُ إلى الجنون مرة أخرى. ولا أظنّ أن بإمكاننا النجاة مجددًا من تلك الأوقاتِ السيئة. أنا لن أتعافى هذه المرّة. أصبحت أسمع أصواتًا كثيرة داخل رأسي، ولم أعد قادرةً على التركيز. لذلك سأفعل الأفضل لكلينا. لقد وهبتني أعظم سعادةٍ ممكنة. لقد كنتَ بكل الطرق، كلّ ما يمكن لشخص واحد أن يكونه. لا أظن أنه من المعقول لاثنين أن يصبحا أكثر سعادة منّا، حتى أصابني هذا المرض اللعين. لا أستطيع القتال أكثر. أعلم أنني أفسد عليك حياتك، لولا وجودي لاستطعت الخروج والعمل. أعرف أنك ستخرج للعمل إن غادرتُك أنا متأكدة من هذا. انظر، لا أستطيع القراءة حتّى. لا أستطيع كتابة هذه الرسالة بشكل جيّد حتى. إنني أخسر كل شيء. ما أريد أن أخبرك به هو أنني مدينة لك بكل السعادة التي عشتها في حياتي. لقد كنت صبورًا معي وطيّبًا بشكل لا يعقل. أريد أن أخبرك -والجميع يعلم هذا- لو كان لرجلٍ أن ينجح في إنقاذي فستكون أنت هذا الرجل. فقدتُ كلّ شيء يا ليونارد، عدا إيماني بك وبقلبك. لا أستطيع الاستمرار في إفساد حياتك. هذا يكفي. لا يمكن لشخصين أن يكونا أكثر سعادة مما كنّا عليه.”

  • قصائد مختارة لـ مارك ستراند | ترجمة: ميلاد فايزة

    النبوءة
    في تلك الليلة جنَحَ القمرُ فوقَ البحيرة
    مُحيلاً الماء إلى حليب، وتحت
    أغصان الأشجار، الأشجار الزرقاء،
    تَمشّت اِمرأة شابّة، وَلِلَحْظةٍ

    وقفَ المستقبلُ بين يديْها:
    المطر ينهمر فوق قبر زوْجها، المطر ينهمر
    فوق مروج أطفالها، فَمُها
    يمتلئ بالهواء البارد، بينما ينتقل غرباء إلى بيتها

    في غرفتها رجل يكتب قصيدة، يجنح فيها القمر،
    تتنزّهُ امرأةٌ تحت أشجارها، مُفكّرةً في الموت،
    مُفكّرةً فيه وهو يُفكّر فيها، بينما الريح تشتدُّ
    آخذةً القمر وتاركةً الورقة للظلام.

    مجيء النور

    حتى في هذا الوقتِ المتأخّر يحدثُ:
    أنْ يأتي الحبُّ ويأتي النورُ.
    تستيقظُ والشموعُ تضيءُ وكأنّها قد اشتعلت من تلقاء نفسها،
    تتجمّع النجومُ وتتدفّق الأحلامُ على وسائدك
    باعثة باقاتِ هواءٍ دافئة.
    حتى في هذا الوقتِ المتأخّر تلمعُ عظامُ الجسد
    ويتوهّج في الأنفاسِ غبارُ الغدِ.

    سبع قصائد
    إلى أنطونيا
    ١
    على حافةِ
    ليلِ الجسدِ
    عشرةُ أقمار تعلو.
    ٢
    ندوبٌ تتذكّر الجرحَ
    الجرحُ يتذكّر الألمَ
    ها أنّك تبكي مرّةً أخرى.

    ٣
    عندما نمشي في الشمس.
    تكونُ خيالاتُنا مِثل بوارج صمت.
    ٤
    جسدي يتمدّد أرضاً
    وأسمع صوتي
    متمدّداً بجانبي.

    الصخرةُ لذّةٌ
    وتتفتّح
    وندخلها
    كما ندخل أنفسَنا
    كل ليلة.

    ٦
    عندما أتحدّثُ إلى الشبّاك
    أقول إنّ كلّ شيء
    هو كلّ شيء.

    ٧
    عندي مفتاحٌ
    أفتح البابَ وأدخل
    إنه ظلام ولكني أدخل
    ظلامٌ أكثر ولكني أدخل.

    سطور لأجل الشتاء
    إلى روص كراوس

    قُلْ لنفسك
    عندما يبرد الطقس وتكفهرّ السماء
    أنك ستستمرّ
    ماشياً، سامعاً
    نفس النغمة حيثما
    تجد نفسك-
    داخل قبّة الظلام
    أو تحت البياض المشقّق،
    بياض تحديق القمر في وادٍ من الثلج.
    الليلة عندما يشتدّ البرد
    قل لنفسك
    ما تعرفه، والذي لا يساوي شيئا
    غير اللحن الذي تعزفه عظامك
    وأنت تتقدّم في المسير. وسوف يكون بمقدورك
    لمرّة واحدة أن تتمدّد تحت نارٍ صغيرة
    لنجوم الشتاء.
    وإذا حدثَ أنْ لمْ تستطع
    أنْ تستمرّ أو تعود
    وتجد نفسك
    حيثما ستكون في النهاية،
    قل لنفْسك
    في ذلك الانسيابِ الأخيرٍ للبرد في
    أطرافك
    إنك تحبّ ما تكون.

    الحديقة
    إلى روبرت بان وارن

    في الحديقة تضيءُ،
    في الأوراقِ البيضاء لشجرة الكستناء،
    على حافة قبّعة أبي
    وهو يمشي على الحصى.

    في الحديقة المُؤبّدة في الوقتِ
    تجلسُ أمّي على كرسيّ من الخشب الأحمر:
    يملأ الضوءُ السماءَ،
    وثنايا فستانها،
    والورودَ التي تشابكت بجانبها .

    وعندما ينحني أبي
    ليهمسَ في أذنها،
    عندما يقومان ليترُكا المكان
    وطيور الخطافِ كالسهام تنطلق في السماء
    ويغفو القمرُ والنجوم ،
    فهي تضيء.

    حتى وأنت تميلُ على هذه الصفحة
    متأخراً ووحيداً، فإنها تضيء: وحتّى الآن
    في هذه اللحظة قبل أنْ تختفي.

    واضحاً في ضوء سبتمبر
    يقف رجلٌ تحت شجرة محدّقاً في بيت صغير غير بعيد. يخبط بذراعيه كأنّه عصفور، مرسلاً، ربّما، إشاراتٍ إلى شخص لا نستطيع أنْ نراه. لعلّه يصرخ، ولكن بما أنّنا لا نسمع شيئا، فلعلّه ليس كذلك. ترسل الريحُ الآن قشعريرة من خلال الأشجار وتسوّي الحشيش بالأرض. يسقط الرجلُ على ركبتيه ويضرب الأرض بقبضتيْهِ. يأتي كلبٌ ويجلس بجانبه، فيقف الرجلُ، ويخبط مرة أخرى بذراعيه. لا علاقة بي بِما يفعله. يَأْسُهُ ليس يأسي. لا أقف تحت شجرة ناظراً إلى بيوتٍ صغيرةٍ. ليس لي كلبٌ.

    لغز رسالة غير عادية

    كان اليوم طويلا في المكتب وكانت رحلة العودة إلى البيت حيث سكنت طويلة. فتحت النور عندما وصلت فرأيت على الطاولة ظرفا عليه اسمي. أين كانت الساعة؟ أين كانت الروزنامة؟ كان خطّ اليد لأبي، ولكنه قد مات منذ أربعين عاما. وكما يتوقّع المرء فقد بدأت أفكر أنه ربّما، فقط ربّما، يكون على قيدِ الحياة، يعيش حياة سرّية في مكان ما قريب. وإلاّ كيف يمكن تفسير حكاية الظرف؟ ولكيْ أتماسك فقدْ جلست وفتحتهُ وسحبتُ الرسالة. «ابني العزيز،» هكذا افتتحها. «ابني العزيز» ثم لا شيء.

    المصدر: جريدة القدس العربي.

  • إيميلي يوحنا فورست – خذ لك

    The Engineer’s Lover
    Carlo Carra

    1ـ خذ لك

    خذ لك…

    كلماتي،

    أغنيتي،

    خذهما …

    كمن يقطف الأزهار

    من المروج…

    واربطهما

    بألوانها الزاهية

    باقة ورد…

    لعل الزنبور يطن

    منهما.

    لعل الفراشة تتعرج

    في مكان ما

    ثملة بالحب

    حول ورقة البنفسج

    التي قيلت لك منها

    كلمتي…

    متحركة كزهر

    مستيقظ

    موضوعة في

    حجرك.

    2 ـ القصائد

    القصائد…

    شوارع الأحلام

    في العالم

    مولودة في أعاليها…

    مدعوة من أعماقها…

    إلى عظيم،

    لا زمني…

    القصائد …

    تصعد كالطيور

    في العاصفة…

    وهي لها الريح

    التي تولدها…

    القصائد

    هي التي تتشكل وتعد

    في رقصة إيقاعات

    عالم ألوان

    لا يشبع.

    القصائد…

    لها في الطيران،

    أجنحة مالك الحزين

    الشقيق للحقول المشمسة

    فالقصائد تتحدث

    وتغني…

    حيث يغني ( التوركان)

    على جانب غابات

    المطر.

    القصائد…

    كالزهور في ريح

    آذار…

    والتي لم يفهما بعد

    الشتاء…

    القصائد كلمة،

    في استيقاظ الربيع

    تنضج فينا.

    القصائد…

    واسعة كالأبدية،

    هي أطفال الإنسان

    المحبوبة…

    مولودة من ثنيات

    مباشرته،

    وتحمل في ذاتها

    الكلمة…

    تحملها دائما ومن جديد

    للحديث.

    3 ـ الرحّال

    رحّال أنا

    في هذا العالم…

    وليس عندي سقف

    على رأسي

    فقط، أحيانا

    أستلقي برأسي

    تحت الجسر

    الذي يشد قوسه

    بين شاطئين.

    أدع لي( من الدعاء)

    كي لا تفترسني الذئاب

    في الخارج…

    لأني سلكت الطريق

    وعكاز رحالي

    شعاع وحيد

    من النور…

    أدعُ لي ( من الدعاء)

    ألا يقوظني.

    حين انكسر عكازه

    أخذ يضئ بنفسه

    ما استطاع…

    يا لها من غرابة!

    فالذئاب لم يروها

    في النهار بعد،

    وفي الليل

    هو الراحل بين النجوم.

    4 ـ نصر اليوم

    قوات الظلام

    في لعبة زماننا

    إلى حدود اضطرابنا

    غير المقاسة…

    خطوة بعد خطوة

    في تخريب عوالمنا

    رقصة التناهي

    في الصراع العظيم،

    على سلطة اليوم

    ولكن نصر اليوم

    هو النور.

  • حميد عقبي – ثلاث حالات

    Luigi Guardigli

    كانت الشمس تعزف مزاميرها في الصباح الباكر، توقظني قاطعة المشهد الأخير من الحلم، لحظة الذروة.. كنت على وشك فعل شيء ما.. ها هي الشمس تمشط شعرها بغرور متباهية بأنها ترى الحقول والأزقة وأصابع الموج، وأنا في صف الطابور المدرسي، كنت أتظلل بغيمة تحب الرقص، نهرني أستاذ التربية الدينية وعاقبني بالطواف سبعة أشواط حول غيمة سمينة وكسولة تركها قطار الريح لخوفه من شبقها بعد أن أكلت تَّرَائِب تسع غيمات، كنت أركض وأصرخ محذراً صديقتي الراقصة.
    أتخيل أن شاربي قد نبت في حصة النشيد الوطني، أتحسسّ طعنة الرماح وصراخ خالد بن الوليد يصعد جبل أحد..غضب المعلم مرة أخرى لأني قرأت الدرس الملغي من المنهج، زمجر.. عربد ثم طردني من الفصل.
    لأني لا أجيد السباحة في بركة الوضوء، كنت أركض إلى تبة التراب، أتسلقها، أظنني بلغت السماء الأولى، وقت الظهيرة الحار، يبني السراب جدرانه من ماءٍ باردٍ وشرابٍ، تسخر منه الفراشات العائدة من الحقل، صوت رصاص.. الآن طائرات الأباتشي تقصف التل والربوة والفراشات، تقصف الطفل والمدرسة.

    2
    السماء، هذه البالونات الهوائية الزرقاء، بمقدرتي مصافحة الله لو صعدت سطح أعلى غرفة في بيتنا، استعرت معراج المسجد المجاور، أشعر بالأرض تميد لكنها بعيدة الآن، خمسة أمتار لا بل سبعة وربما عشرة، أرى الرفاق يلعبون الكرة بالساحة قُرب المقبرة، رفيقي يضيع هدفاً سهلاً لو كنت في مكانه سأركلها بذكاء فبعض الأهداف تحتاج منك الهدوء وأخذ أنفاس هادئة، في الجهة الأخرى، يا الله.. إنها بنت الجيران تغتسل عارية، تفرك قناع الصابون على وجهها.. لأول مرة أرى جسداً أنثوياَ عارياً، يتحتم الموقف أن أنزل ثلاثة أمتار، هبوط، لحسن الحظ أغصان شجرة الليمون تمد أياديها، تحتضنني لفرجة ساحرة.

    3
    هذه العشر خطوات كانت أصعب لحظات في حياتي، فقط أعبر الزقاق وأصل إلى عتبة بيتنا عند عودتي من المذاكرة مع رفاقي في التاسعة مساءً، كان ذلك الشيء ينتظرني، أسمعه يلْهَث، في دُبرة ملعقة كبيرة ويغطي وجهه بعجينة خبز طرية، نعم هو، أظافره الطويلة القذرة لها روائح كريهة، ربما بقايا لحم أدمي، نعم لا يمكن لأحد أن يزعم رؤية وجهه كاملاً لأنه لا تفاصيل له نستطيع نحن البشر فهمها، ذلك الوجه ببساطة لوحة سيريالية مرعبة، يقال إن له ثلاث أياد، واحدة قصيرة وملتوية تشبه مقبض الباب، والثانية عادية، أما الثالثة فهي طويلة ويستطيع مطها، استرقت النظر ذات مرة لقدميه التي تشبه خف الجمل. نصف دقيقة كي أصل، أستحضر آية الكرسي وأهمس لسيدي ومولاي عبدالقادر الجيلاني «نعم أحتاج مساعدتك.. الآن».
    يا ربي أنت موجود وقوي وبمقدرتك أن تحرق الشياطين والعفاريت فلماذا لم تفعلها؟
    سمعت أنهم فروا من سجون الملك النبي سليمان بن داود، لكن ما الذي يفعلونه هنا؟ لماذا يختبئ هذا الوحش المفزع في تلك الزاوية بالزنقة المؤدية إلى بيتنا؟
    تكثر الأسئلة في رأسي الصغير، حفظت أدعية كثيرة فقط لمواجهة هذا الموقف، سأحرقة الليلة لو وجدته، إنها لحظة المواجهة، كأن الزمن يتوقف، لا أسمع شيئاً، فقط أنفاسه، الدم والصديد يقطر من مؤخرته، أخطو الثلاث الخطوات الأولى، فجأة، ضجيج، ثم أكتشف القط الرمادي والقطة البيضاء ذات البقع الزرقاء ـ يتزوجان ـ ، يحتلان تلك الزاوية المظلمة، تقترب يدي لتمسك مقبض الباب، بقيت الخطوة الأخيرة، يا الله .. جسدي يقشعر..لم يكن مقبض بابنا! كانت.

  • هيموفيليا – عبد الله حمدان الناصر

    هيموفيليا – عبد الله حمدان الناصر

    (هيموفيليا)

    سكين مطبخ في يد طفلٍ مصاب بالهيموفيليا

    سمكة زينة في عيادة أسنان

    أكعب عاليةٌ على الشط

    جديلة طفلة يابانية في الحرب العالمية الثانية

    أسنان ذهبٍ وكمنجة مدفونة في قبر غجريّ

    : ضحكتكِ الأخيرة قبل الوداع

    @@@@@

    رغبة يدكَ الملحة في تعديل اللوحات المائلة في بيوت الأصدقاء. في تزرير الزر المفتوح سهواً في ثوب العريس. في تفويت الركعة من أجل تعديل حذاء مقلوب. في مسح لطخةٍ عالقة في نظارة الشقيق. في إطفاء النور المنسي في سيارة الغريب. في استضافة طرد كبير للجار الذي لا يرد على الطَرْق. في تنبيه امرأة تَعلَقُ عباءتها بباب سيارة مسرعة. في حماية طفلةٍ على وشك الاصطدام بعربة تسوق. في تعديل نقاب مائل لامرأةٍ في المول. في إحكام ربطة عنق رجل الأمن. في تنظيف الملاعق والسكاكين كما ينبغي في المطعم الشهير. في إصلاح الأخطاء الإملائية في لوحات المحلات. في صيانة أضواء النيون الخَربة في مصاعد البناية.

    الرغبات الملحّة ليدك التي لم تهذّب أظفارها منذ أسابيع.

    @@@@@@

    لأن الله لا يعيد الكتب التي استعارها منك..
    لأنكَ لم تُصبح كتاباً في يد أحدٍ ما..
    لأن المسدسات غير المستعملة اختفت من السوق..
    لأن الكيميائيين أضاعوا المعادلة..
    والناس تمّ تسكينهم في هواتف ذكية

    تستمرُ في تنظيف البيت الذي يخلو عادةً منك.

    @@@@@@

    الوردةُ كلما قبّلها كلما أورق في جسده اليأس
    . كلما استمع إليها ماتت عضلة في ساقه.
    كلما مرّر يده على شعرها
    رأى خونةً ومراهنين يتسللون
    ويحقنون جياداً في الليل.
    الوردة ليست للشعراء.
    الوردة للقناصة وراكبي الدراجات النارية.

    @@@@@

    في عنقهِ تفاحة آدم.
    لكن الفتيات يفضلن رمي النبال على جدران الحانة
    والموت مشغولٌ بمواعدة السعداء.

    @@@@@

    من المرعب أن أحداً لم يتحدث عن صوتها
    مرت قرونٌ وكأن الغزالة زاهدةٌ في الكلام.
    أو أن حنجرتها ضمرت من شدة الذعر والجمال
    منها اكتفينا بالنظر
    واكتفت بصلاة الخوف.

    @@@@@

    كأنكِ ال g في ال champagne
    لا أحد يستطيع نطقك. لا أحد يسكر إلا بك.

    @@@@@

    أمَّنا التي تنام كل ليلةٍ في منتصف القصة.
    يا العنبة المسيجة بالصقيع.
    لا زلنا نضع الثلج على خاتمكِ الطريح
    ونسخن قهوتك منذ شهور.

    @@@@@

    أُهديكِ المزيد من أقلام الكحل، فيما بصري يختفي بالتدريج

    @@@@@

    الحجر سودناه بالخطايا. والغراب بالحُب.

    @@@@@

    قلبكِ سكينٌ سويسرية. قلبي زجاجة نبيذٍ عابرة

    @@@@@

    لم أعد بحاجةٍ لمنظم ضربات القلب. فقط أحتاج حذائكِ الرياضي

    @@@@@

    فمكِ الآن جندولٌ أزرق في فلاة.

    @@@@@

    والحياة إثركِ مباراة تنس طويلة بحذاء ضيق

  • ذئاب السماء – جيم هاريسون

    ذئاب السماء – جيم هاريسون

    كنّا في حرٍّ شديدٍ لثلاثة أسابيع
    فتحيّنتُ ليلةً باردةً وانهمكت في الشّغل
    حين في الثالثةِ فجرًا أرعدت عاصفةٌ كبيرة.
    خرجتُ في الحديقة عاريًا وجلستُ
    على طاولة النزهة كي أغتسل بالمطر
    محترسًا من أفعى مجلجلةٍ على جانب الطريق.
    أغرقت السماءُ البعوضَ
    وهو يتغذّى عليّ. كانت الصاعقةُ عنيفةً
    وأضاءت الوادي فرأيتُ
    الأشباحَ التي أمرضتني السنةَ الماضية.
    ثم صرتُ طرفًا في معركةٍ من
    قرنين غابرين عندما أغارت
    قبيلةُ شايانَ القادمةُ من الشرق على شعبِ الغراب،
    قبيلةِ أبسوروكي، في هذا الوادي. عُصْبةٌ شايانيّةٌ
    كانت تحتفل ب massaum(*)، ذئابُ السماء.
    محاربون صبغوا أنفسهم بالأصفر الفاقع.
    أحدهم ممتطيًا ظهرَ حصانٍ أسود وقف عند بوّابتنا
    لكنّه قرّر ألّا يقتلني.
    أريد أن أكون ذئبَ سماءٍ أصفر.
    ها هم الآن قد اختفوا في الصاعقة.

    (*) Massaum احتفال شعائري وطقوس راقصة تمتد بضعة أيام تمثل- رمزيًّا- الهويّةَ الثقافيّة لقبيلة شايان.

    ترجمة: سلمان الجربوع.

  • حلم يقظة رجل نائم – بكاي كطباش

    عندما أتقاعد
    ( بعد عمر طويل )
    سأربي لحية طويلة
    وأجلس في الشرفة
    على الكرسي الهزّاز
    أنشُّ ذبابَ الذكرياتِ
    يمينا شمالا
    وأتمنى قليلا
    لو كنت حيوانا لا فقريا
    بسبب ألم الظهرِ
    وأكتب الهايكو
    وأحبُّكِ
    تماما
    كما في هذا الصّباحِ
    وأنت تخرجين من المطبخ
    وتطفئين، متأففة،
    نيرانا صديقة
    وتضعين الصّينية
    على الطّاولة
    والطّاولة
    في غيمة بيضاء
    والنّعناعُ يقفزُ حولَك
    مثل كلاب سلوقية طازجة
    يقفز ويضحك النّعناعُ
    يضحك يضحك
    ملء شدقيه الأخضرينِ
    ملء الصّالة
    ملء العالم
    ملء عينيك
    الواسعتين
    الحقيقيتين
    عينيك
    اللّتين تريان فقط
    ما يستحقّ الرؤية.

  • رسول – مارغريت آتوود – ترجمة سلمان الجربوع

    رسول – مارغريت آتوود – ترجمة سلمان الجربوع

    أتى الرجل من اللامكان
    وسوف يذهب إلى اللامكان

    ذات يوم ظهر فجأةً
    خارجَ نافذتي
    معلّقًا في الهواء
    بين الأرض وغصن الشجرة

    اعتقدتُ مرّةً أنّ جميعَ المصادفات
    مقدّرةٌ مسبقًا:
    صبْيةُ الجرائد يمرّون
    في الشارع، بعناوين رئيسيّةٍ
    ملغزة، نادلاتٌ وقوائمُ
    طعامهنّ المشفّرة، نساءٌ واقفاتٌ في الترام
    بطرودٍ سريّة، جميعهم مبعوثون إليّ.
    وقد منحوني بعض الوقت لفكّ رموزهم
    لكنّ هذا الرجلَ بكلّ جلاء
    محضُ صدفة؛ من الواضح أنّه كذلك

    ليس ملاكًا أخضر، بل عفريتٌ
    في بساطة الأبيض والأسود؛ ليس رسولًا
    عليه ختم النبوة؛
    مجرّد وجهٍ عشوائيّ
    يدور خارجَ النافذة

    وإنْ كان ما منْ مغزى
    جليّ،
    فإنّ شيئًا يشبه في مفاجأته
    مرشّحًا للزواج
    من هذه الحارة المتشابهِ جيرانُها حدّ التطابق؛
    لن يكون معنيًّا بي شخصيًّا
    وإنّما بي واحدةً من العموم: من أجل أنْ يُدرسَ
    من جميع الزوايا (الأصل؛ الوظيفة؛
    الغاية من الحياة)؛ من أجل أنْ تُفحصَ
    أوراقه الثبوتيّة؛ ما إذا كان لائقًا،
    أنْ يُتحاورَ معه؛
    متى يمكن حمْلُه على الهبوط.
    أتساءل في غضون ذلك

    أيَّ أساطيرَ خضراء أو
    بيضاء وسوداء
    ابتلعها بالخطأ
    تتغذّى عليه مثل دودةٍ شريطيّة
    رفعته من على الأرض
    وأحضرته إلى هذه النافذة

    يتدلّى من حبلٍ غير مرئيٍّ ويدور
    ملامحه المميّزةُ
    تتلاشى يومًا بعد يوم:
    …………………..عيناه ذابتا
    …………………..أولًا، وفي يوم الخميس
    ………………….أصبحت بشرتُه نصفَ شفّافة

    صارخًا فيّ
    أنا (تحديدًا)
    رسائلَ يائسة بلغةٍ صامتة
    من فمه المنطمس

    ____________

    نص: مارغريت أتوود
    ترجمة: سلمان الجربوع

  • السقوط من الزمن – إميل سيوران

    السقوط من الزمن – إميل سيوران

    لطالما تمسكتُ باللحظات، لكنها تتملص مني: اللحظات عدوٌّ لي، ترفضني، وتعلنُ رفضي بالاتحادِ ضدي. كلها بغيضة تشَهِّر بمنفايَّ وهزيمتي.

    ***
    ليس بوسعنا أن نتحركَ وننخرطَ في الحياةِ دونَ أن نشعرَ بدعمها وحمايتها لنا. عندما تتخلى عنا، نفتقدُ النابضَ الضروريَ للقيامِ بأيّ عمل، مهما كانتْ درجةُ أهميته. مُحَقَّرين، دونَ مرجعيات، نتركُ لنواجهَ محنةً من نوعٍ خاص: أن لا يكونَ لنا حقٌ في الزمن.
    ***
    إنني أراكمُ الماضي في داخلي، وباستمرارٍ أحولهُ وأخرجهُ في صيغةِ الحاضر- من دونِ أن أمنحهُ فرصةً ليستنفدَ فعاليته. أن نعيشَ يعني أنْ نخضعَ لشعوذةِ الممكن، ولكنْ بمَ أنَ الممكنَ كما يبدو لي هوَ في الماضي الآتي؛ فكلَّ شيءٍ يستحيل إلى ذكرياتِ ماضٍ مرتقب، ولا يعودُ ثمةَ حاضرٌ أو قادمٌ على الإطلاق. ما أميزهُ في كلِّ لحظةٍ من اللحظاتِ هو لهاثها واحتضارها، وليس انتقالها نحوَ لحظةٍ أخرى. أُهيئُ زمنًا ميتًا وأتمرغُ في اختناقِ الصيرورة.
    ***

    يسقط الآخرونَ في الزمن؛ كما سقطتُ أنا منه. تترك الأبديةُ الجاثمةُ بكلَّ ثقلها فوقَ الزمن فسحةً لتتسللَ عبرها الأبديةُ الأخرى، منطقةٌ قاحلةٌ تمامًا حيثُ لا يمكنُ لي إلا أن أرغبَ في شيءٍ واحد: الرجوعُ إلى الزمن، أن أرجعَ بأيِّ ثمن، أن أستوليَ على قطعةٍ منه، أن أسلمَ نفسي لوهمِ امتلاكِ المكان. ولكنَ بوابةَ الزمنِ محكمةُ الإغلاق، لا يمكنُ اجتيازها، واستحالةُ اختراقها هذه هي ما تؤلفُ هذه الأبدية السلبية، هذه الأبدية الضالة.
    ***
    لقد انسلخَ الزمنُ عن دمي، كانا معتادينِ على تحملِ بعضهما البعض، كانا يتدفقانِ معًا؛ والآن بمَ أن كليهما معطوبان، أيجبُ الاندهاشُ لأن شيئًا لن يحدثَ بعد؟
    قرارهما العودةُ معًا وحدهُ كفيلٌ بإعادتي إلى خانةِ الأحياءِ وإخراجي من هذهِ الأبديةِ الثانوية حيثُ أتعفن. لكنهما لا يريدان، بل لا يقدران. لا بد أنَ تعويذةً ملعونةً ما قد ألقيتْ عليهما: فلمْ يعودا يتحركان، صارا جثتينِ متخشبتين. ليس بوسعِ أيِّ لحظةٍ أن تتسللَ إلى أوردتي. دمٌ قطبيٌ متجمدٌ منذُ قرون!
    كلُّ ما يتنفس، كلُّ ما لديه أيُّ سمةٍ من سماتِ الكينونة، يتلاشى ويندحرُ في قعرٍ سحيق. هل حقًا تذوقتُ طعمَ الحياة في الأشياءِ من قبل؟ وماذا كانَ مذاقه؟ إنهُ محظورٌ عليَّ الآن، لكني لا أشتهيه. لقد أتخمني العدمُ من البداية.
    ***
    إذا كنتُ لا أشعرُ بالزمن، إذا كنتُ أبعدَ الناسِ عنه، فإنني أعرفهُ رغمَ كلِّ شيء، أراقبهُ دون توقف: إنهُ يشغلُ مركزَ وعيي. كيف يمكنني تصديقُ أنَ موجِدَهُ نفسَهُ قد تأملهُ وفكّرَ فيه بهذا القدر؟ أتحدثُ عن الرب، إذا كان بالفعل قد خلقه، فلا يمكنهُ أن يعرفَ عمقه، فليس من عاداتهِ أن يجعلَ الزمنِ موضوعًا لتأملاته. أما أنا، فقانع أنني مبعدٌ عَنِ الزمنِ لأجعلهُ موضوعَ هواجسي. في الحقيقة، أنا أُعرِّفُ نفسي بالحنين الذي يلهمني إياه الزمن.
    على افتراضِ أني عشتُ ذاتَ مرةٍ في الزمن، فكيف وبأيَّ طريقةٍ تعرفتُ عليه؟ الفترةُ التي كانَ فيها الزمنُ مألوفًا عندي كانتْ دائمًا غريبةً عني، ضاعتْ في ذاكرتي، لا تنتمي أبدًا لحياتي. وأن أجدَ لي مكانًا في الأبديةِ الحَقّةِ لهو أسهلُ من أن أجَد نفسي من جديدٍ في الزمن. ارحموا من كانَ في الزمن ولم يعد قادرًا أن يكونَ فيه.
    “انحطاطٌ لقيط: كيفَ أمكنني أن أُفتَتنَ بالزمن، رغم أنني على الدوام لم أكن أتصورُ خلاصي إلا خارجه، كما عشتُ بيقينِ أنهُ يستنفدُ آخرَ ذخائره، وينخرُ داخلهُ مفسدًا بذلكَ جوهره، و أنهُ فاقدٌ للديمومة؟”
    ***
    جالسينَ على عتبةِ الزمن، نتأملُ عبورَ اللحظات، ننتهي إلى اكتشافِ متسلسلٍ دونَ مضمون، زمنٍ فقدَ مادته، زمنٍ مجرد، صياغةٍ جديدةٍ لفراغنا. من تجريدٍ لآخر، يتضاءلُ الزمنُ بسببنا منكمشاً إلى حادث، إلى ظلِ نفسه. تعودُ إلينا مسألةُ إعطاءِ حياةٍ للزمنِ ومسألةُ اتخاذِ إجراءٍ واضحٍ في حقه، أن نسلكَ تجاههُ سلوكًا لا لبسَ فيه. لكنْ أَنّى لنا بهذا، في ظلِ المشاعرِ المتنافرةِ التي يثيرها، من نوباتِ الاشمئزازِ إلى الافتتان؟
    ***
    أساليبُ الزمنِ الملتبسة توجدُ لدى أولئكِ الذينِ جعلوا منهُ اهتمامهم الرئيس، والذينَ يميلونَ إلى جوانبهِ الشكوكية، للربكةِ التي يثيرها بينِ الكينونةِ والعدم، لصفاقتهِ وتقلبه، لمظاهرهِ الخداعة، مخاتَلتهِ ونذالتهِ الأصيلة، مديرينَ بذلك ظهرهم لجانبهِ الإيجابي. إن الزمنَ ماكرٌ على الصعيدِ الميتافيزيقي. كلما اختبرناهُ شبهناهُ بشخصيةٍ مريبة، لا نكفُ عن الشكِ بها، ولا يرتاحُ لنا بالٌ حتى ننزعَ عنها أقنعتها، وسرعانَ ما نخضعُ لسلطتها وفتنتها. ومن هذه النقطة، إلى التأليهِ والعبودية، توجدُ خطوةٌ واحدة.
    ***
    لقد رغبتُ كثيرًا في الزمن ليس لأدحضَ زيفه، لقد عزلتهُ عن العالمِ جاعلاً منه واقعًا مستقلاً عن أيِّ شيء آخر، كونًا متوحدًا، بديلاً للمطلق: سيرورةً شاذةً تبقيهِ مبعدًا عن أيّةِ تضميناتٍ أو ارتباطات، رقيتهُ من كومبارس إلى بطل، ترقيةٌ لم تكنْ ضرورية، ولكن لم يكن منها مفر. يجب أن أكونَ آخر من ينكر حقيقةَ أنَ الزمن قد نجحَ في تشويشي. لكنه أيضًا لم يتنبأ بأن هوسي بهِ سيتحولُ يومًا ما إلى وضوح، مع كلَّ ما يحملهُ ذلك لي من تهديدات.
    ***
    يبلغُ الزمنُ من شدةِ محافظتهِ أنهُ لا يقاومُ إلحاحَ العقلِ لسبرِ أغواره، تختفي كثافتهُ، تتلاشى دفاعاته، وكلُّ ما يتبقى هو بضعُ خِرقٍ ينبغي على محللِ الزمنِ أنْ يكتفيَ بها. لأنَ الزمنَ لم يُقصدْ ليُعرفْ بل ليُعاش، استكشافُ الزمنِ يعني إهانةَ الزمن، تحويلهُ إلى شيء. وكلُّ من يفعلُ ذلكَ سينتهي بهِ الأمرُ إلى معاملةِ نفسهِ بالطريقة ذاتها؛ لأنَ كلَّ تحليلٍ هو تدنيس، والاسترسالُ فيه فجور. كلما سبرنا أسرارنا الخاصة لنُقلبها، انتقلنا من الحيرةِ واحمرارِ الوجه إلى القلق، ومن القلقِ إلى الجَزع. معرفةُ النفسِ دائمًا ما تكلفُ كثيرًا، كما هي المعرفةُ ذاتها على كلَّ حال . وحالما نبلغُ القاع، لا يعودُ عناءُ الاستمرارِ في العيشِ يعنينا. في كونٍ كلُّ ما فيه مُبيّنٌ وواضحٌ تمامَ الوضوح؛ لن يتبقى معنى لأيَّ شيءٍ سوى الجنون. كلُّ ما نخرجهُ للعلنِ لا تعودُ له أيّةُ قيمة . وعليه فما إنْ ننفذُ إلى عمقِ شخصٍ ما ونسبرُ أغوارهُ، فأفضلُ ما يمكن أن يفعلهُ هوَ أنْ يختفي. وبدافعٍ من الخجلِ أكثرَ من غريزةِ حمايةِ النفسْ، يخفي جميعُ الأحياءِ زَيفهم ويرتدونَ الأقنعة. وأن نمزقَ تلكَ الأقنعة يعني أنْ ندمرَ مرتديها ومعهم أنفسنا. مما لا شكَ فيهِ أنَ التسكعَ تحتَ ظلالِ شجرةِ المعرفة -عادةٌ رذيلة.
    ***
    ثمةَ شيء ما، مقدسٌ، في كلَّ كائنٍ لا يعي وجوده، في أشكالِ الحياةِ كافة المعفاةِ من الوعي. ومن لم يحسدِ النباتَ فسيلتحقْ فورًا بالمأساةِ الإنسانية.
    ***
    لأنني قمتُ بقذفهِ في كلَّ موضعٍ، ينتقمُ الزمنُ مني بجعلي طالبَ إحسانٍ منه، بإكراهي الندمَ عليه. كيفَ أمكنني أن أشبههُ بالجحيم؟ الجحيم، هو الحاضرُ الثابت، هذا الشدُ في الرتابة، هذه الأبديةُ المعكوسةُ التي تفضي إلى لا شيء، ليسَ حتى إلى الموت، حيثُ إنَ الزمنَ الذي يستمرُ في التدفق، في المرور، يعطي على الأقل العزاءَ في شيءٍ منتظر، حتى لو كانَ هو الموت. ماذا يمكنُ أن ننتظرَ هنا، عند نهاية السقوط، حيثُ لا يمكن السقوط أكثر، أو حتى الأملُ في هاويةٍ أخرى؟ وماذا ننتظرُ من هذه الشرورِ التي تنتظرنا في الأسفل معلنةً دون توقفٍ أنها الشيءُ الوحيدُ الذي يوجدُ هناك، بل إنها الوحيدةُ الموجودةُ فعلا؟ ولو مكنّا هذا الغضبُ من البدءِ من جديد، وهو ما يشكلُ نبضَ الحياةِ والأملَ في النور، فسنجدها أمورًا زائفة في هذا الخرابِ الزماني الفرعي، هذا الانسحاقُ التدريجي، هذا الدفنُ في تكرارٍ بلا نهاية، محبطٌ ومعتم، والذي يمكن التخفّف من وطأتهِ فقط عبرَ الغضب.
    عندما يكفُ الحاضرُ الأبدي عن أن يكونَ وقتَ الله ليصيرَ وقتَ الشيطان، كلُّ شيءٍ سيفسد، كلُّ شيءٍ سيصيرُ أداةَ تعذيبٍ لا تطاق، يتهاوى كلُّ شيءٍ في تلكَ الهاويةِ حيثُ يأملُ المرءُ عبثًا في خاتمة، حيثُ يُتركُ ليتعفنَ في الخلود. من يهوي إلى تلكَ الهاويةِ يلتفتُ ويدوُر حولَ نفسه، يكافحُ بلا جدوى ولا ينتجُ شيئًا. وهكذا تتعاون كلَّ أشكالِ العقمِ والعجزِ في الجحيم.
    ***
    ليس بوسعنا الشعورُ بأننا أحرارٌ وموجودونَ دائمًا مع أنفسنا، أمامَ أنفسنا، أمامَ الشخص نفسه. هذهِ الهوية، هذه النكبةُ وهذا الهوس، ما يربطنا بعهرنا، يجرنا للوراء، ويدفع بنا من جديدٍ خارجَ الزمن. وحينَ نُطرد خارج الزمن نتذكرُ المستقبل ولا نعودُ نهرعُ صوبه.
    ***
    من الصعوبةِ أن نتحررَ من هذا اليقينِ بأننا لسنا أحرارًا. كيف يمكننا التحركُ ونحنُ نعلمُ أننا محكومونَ بمصير؟ كيفَ يمكنُ للآلاتِ أن ترغب؟ من حسنِ الحظِ أن هنالكَ هامشاً من عدمِ التحديدِ لأفعالنا – وأفعالنا فحسب: إذْ يمكنني اختيارُ القيامِ بهذا الفعلِ أو ذاك، لكني لا أستطيع أن أكونَ إلا ما أنا عليه. وإذا ملكتُ مجالاً للتصرفِ على السطح، ففي العمق، على العكسِ من ذلك، كلُّ شيءٍ محسومٌ سلفًا. من الحريةِ أنَّ الوهمَ وحدهُ حقيقي. دونه تغدو ممارسةُ الحياة ِغير ممكنة، بل لا يمكنُ حتى تصورها. ما يدفعنا لتخيلِ أننا أحرارٌ هو وعينا بالحاجةِ عموما، وبقيودنا خصوصا. الوعي يفرضُ مسافةً عن الأشياء، وكلُّ مسافةٍ تنتجُ في داخلنا إحساسًا بالاستقلال والسموّ، استقلالٌ وسموٌّ ذاتيٌ طبعا، أيّ بلا قيمة. بأيَّ شيءٍ يلطفُ وعيُ الموتِ فكرةَ الموتِ أو يقرّبُ قدومه؟ أن تعي بأنكَ زائلٌ، هو في الحقيقةِ أنْ تموتَ مرتين، لا، لا بد أننا نموتُ في كلِّ مرةٍ نعي فيها أننا هالكون.
    الجميلُ في الحريةِ أننا نتعلقُ بها في النطاقِ الذي تبدو فيه مستحيلة. والأجملُ أيضًا أن بوسعنا أن ننفيها وهذا النفيُ يشكلُ المرجعَ الكبيرَ ولبّ عديدٍ من الدياناتِ والحضارات. لن نستطيعَ ردَ الجميلِ للحضاراتِ القديمةِ التي اعتقدتْ أنَ مصائرنا مطبوعةٌ سلفا على النجوم، وأنهُ لا شيءَ لم يكتبْ وأنَ لا مكانَ للارتجالِ أو الحظِ في مسرّاتنا ومآسينا. بعجزها عن مواجهةِ خرافةٍ نبيلةٍ لا لشيء سوى لمجردِ سيادةِ قانونِ الوراثة، فإنَ علومنا أثبتتْ عدمَ أهليتها للأبد. ذاتَ مرةٍ كانَ لكلّ منا نجمه، والآن صرنا عبيدًا لكيمياءَ نتنة. هذا هو ذروةُ الانحطاطِ لمفهومِ القدر.
    ***
    ليسَ ببعيدٍ أنَ أزمةً فرديةً ستُعمَّمُ يومًا ما وتكتسبُ بذلك، بدلَ قيمتها النفسية، قيمةً تاريخيةً. لا يتعلقُ الأمرُ هنا بمجردِ فرضية، إنها إشاراتٌ يجبُ التعودُ على قراءتها.
    بعدما ضَيَّعَ الأبديةَ الحقة، سقطَ الإنسانُ في الزمن، حيثُ إنهُ وإن لم ينجحْ في التألق، نجحَ على الأقل في الحياة : الأكيدُ أنه قامَ باستيعابِ الأمر. عمليةُ السقوطِ هذهِ واستيعابهُ لها اسم: هو التاريخ.
    لكن ها هو يواجه تهديدًا آخر بالسقوط، يجهل هذه المرة مداه. لا يتعلقُ الأمرُ هذهِ المرة بالسقوطِ من الأبدية، بل بالسقوطِ من الزمن؛ والسقوطُ من الزمن يعني السقوطُ من التاريخ، إنهُ الصيرورةُ المعلّقة، التعَلّقُ بالخمولِ والرتابة، في مطلقِ الركودِ حيثُ الكلمةُ ذاتها تعلَقُ، عاجزةً عن التدنيسِ أو التوسل. وشيكةً أم لا، هذه السقطةُ ممكنةٌ، بل لا مفرَ منها. وحينَ تصبحُ المشتركَ بينَ البشر (حين يسقطُ كلُّ البشر)، سيتوقفُ الإنسانُ عن كونهِ حيوانًا تاريخيا. وحينَ يفقدُ أيَّ ذكرى عن الأبديةِ الحقة، عن سعادتهِ الأولى، سيزيحُ بصره عن الكونِ المؤقتِ إلى الجنةِ الثانية، تلكَ التي طُردَ منها سلفا.
    ***
    طالما نحنُ في الزمن، لدينا أندادٌ سنتبارَى معهم؛ وما إن نخرجَ منه، فإن كلَّ ما يفعلهُ -أندادنا- وكلَّ ما يفكرونَ فيهِ حيالنا لا يعودُ يعنينا إطلاقا، لأننا بلغنا من الانفكاكِ عنهم وعن أنفسنا مبلغًا صارَ معهُ إنتاجُ صورةٍ لنا أو حتى التفكيرُ بها بعيدًا وسخفًا بالغًا.
    انعدامُ الإحساسِ بالمصيرِ هو شيمةُ الساقطِ مِنَ الزمن، وكلما ترسخَ سقوطهُ أكثرَ وصارَ أوضح، ازدادَ عجزهُ عنْ إظهارِ نفسهِ وتلاشتْ أيُّ رغبةٍ لديهِ في أنْ يتركَ أثرًا في الوجود. لا بدَ من الاعترافِ بأن الزمنَ يشكلُ عنصرنا الحيوي؛ حينَ نفتقدهُ نجدُ أنفسنا بلا أيِّ سند، في قلبِ اللاواقعِ أو في قلبِ الجحيم. أو فيهما معا، في الملل، ذلك الحنينُ الظامئُ للزمن، واستحالةُ اللحاقِ بهِ والاندراجِ فيه، واليأسُ الذي من رؤيتهِ يتدفقُ هناكَ في الأعلى، فوقَ مآسينا. لقد خسرنا الأبديةَ والزمن! والضجرُ هو اجترارُ هذهِ الخسارةِ المزدوجة. يمكنُ القولُ إن الحالةَ الطبيعية، هي أن تُحِسّ رسميًا بأنكً من إنسانيةٍ منبوذةٍ أخيرًا من التاريخ.
    ***
    لا ينفكُ الإنسانُ عن أن يتحدى الآلهة وينفيها، مع ذلك لا يزال يقرُّ بمكانتها كأطياف؛ سينزلُ الإنسانُ أسفلَ الزمنِ إلى نقطةٍ يجدُ فيها نفسهُ بعيدًا عن الآلهةِ لدرجةِ أنهُ لن يستوعبَ فكرةَ الإلهِ نفسها. وعقابًا على نسيانه هذا سيتعينُ عليه خوضَ تجربةِ السقوطِ الكامل.
    ذاكَ الذي يسعى أنْ يكونَ أكثرَ مما هو عليه، لن يُفَوّتَ أن يكونَ أقل. هذا الاختلالُ الذي يولّدهُ ُالتوترُ سيغدو عاجلاً أو آجلاً مناسبًا لبيئةِ الركودِ والتخلّي. حالما نأخذَ ذلكَ بعينِ الاعتبار، فلا محيدَ عَنِ المضيِ قدمًا والإقرارُ بأنَ ثمةَ غموضاً في السقوط. الساقط. لا علاقةَ أبدًا بينَ الساقطِ والفاشل؛ إنهُ شخصٌ مدفوعٌ ميتافيزيقيا، كما لو أن قوىً شريرةً اتحدتْ ضدهُ وسحبتْ منهُ مَلَكَاته.
    يتجاوزُ مشهدُ السقوطِ مشهدَ الموت: كلُّ الكائناتِ تموت؛ الإنسانُ وحدهُ يمكنهُ السقوط. إنهُ يعيشُ على حافةِ الحياة (كما هي الحياةُ على حافةِ كلِّ ما هو خارجَ المادة). وكلما ابتعدَ عنها، سواءً ارتفعَ عنها أو سقطَ منها، فهو لا يفعلُ غيرَ تقريبِ هلاكه. سواءً تمكنَ مِنْ تعظيمِ نفسهِ أو تشويهها، ففي الحالتين يضيّعُ نفسه. ويجبُ التنبيهُ إلى أن هذا الضياعَ لا يمكنُ تجنبهُ من دونِ التحايلِ على مصيره.
    ***
    أن ترغبَ يعني أن تبقى دائمًا في حالةٍ من السخط ِوالانتظارِ والحمى. الأمرُ الذي يتطلبُ جهدًا مرهقًا وليس مؤكدًا أن الإنسانَ يستطيعُ تحمّلهُ دائمًا. أن تصدقَ أنَ بوسعهِ تخطي حدودهِ والانتقالِ إلى حدودِ الإنسانِ الأعلى، فهو يعني أنْ تنسى أنهُ بالكادِ يتحملُ كونهُ إنسانًا، وأنَ أقصى ما بوسعهِ هو أنْ يمددَ نابضه – إرادته – إلى حدودهِ القصوى. وتلك الإرادةُ التي تضمُ مبدأً شكوكيًا وكارثيًا، تنقلبُ ضدّ من يفرطُ في استعمالها. ليسَ من الطبيعي أن تريد، وبشكلٍ أدق، يجبُ أن نرغبَ فقط بما يكفي للعيش. متى ما رغبنا أقلّ أو أكثر، نتحطمُ أو نهوي عاجلاً أو آجلاً. إذا كان نقصُ الإرادةِ مرضًا، فالإرادةُ نفسها مرضٌ، بل أسوأُ من ذلك: من إفراطاتها، أكثر من نقصها، تجيءُ انكساراتِ الإنسان كافةً. لكنْ إنْ أرادَ حالته الراهنة، فماذا عساه يحلّ بالأنسانِ الأعلى؟ سيتحطمُ بلا شكٍ ويعود إلى ذاته. عبرَ انعطافةٍ مهيبةٍ، سيتجهُ الإنسانُ إلى السقوطِ مِنَ الزمنِ ليدخلَ الأبديةَ السُفلى، وهي – خاتمةٌ محتومة – وفي النهايةِ لا يهمّ كثيرًا إذا وصلَ هناك بانحدارٍ أو كارثة.

  • تشاد دافيدسون – حمالة أثداء كليوباترا | ترجمة: صالح الرزوق

    تشاد دافيدسون – حمالة أثداء كليوباترا | ترجمة: صالح الرزوق

    أن تصبر على عواطفك هذا شيء،

    و أن تحافظ عليها شيء آخر. ذلك

    الخيط الرفيع

    بين العواطف الملتهبة و الأزياء: يمكن له

    أن يكون شكلا آخر للسيادة،

    للتقارب. من يعلم إذا تحلزنت

    المطرزات حول كل حلمة، كتلة صلبة تلتصق بالمشدات.

    كل جرعة نبيذ سترفع من حرارة جسدها

    و لمسة من الذهب

    تستحيل إلى خيط يفر

    من جلدها الداكن، ثم ينحصر في مكان

    بين حبات لؤلؤية من العرق. هذه مصر

    كما أعتقد : أهرامات،

    مسلات،

    و وادي الملوك، و حمالة أثداء واحدة ممزقة.

    في نفس الوقت، الرومان

    يبدعون في صناعة مخطوطاتهم،

    و يملأونها بحبل طويل من الحروف:

    واو،

    من وداعا، ميم من مقدس ( مبارك )،

    قاف،

    طبعا، من قيصر، وبلا فراغات بينية،

    كما لو أنها

    لا متناهيات. حاول أوغستوس ذلك.

    الجدال القديم: تعال للبيت، لدينا أخبار

    كئيبة.

    و لكن بالنسبة لأنطونيو لن تكون هناك إمبراطورية

    مجزأة: يحلم بالمرأة الحبلى و هو يرقد

    معها مجددا، الثياب على الأرض

    كأنها أوهام عن مدينة نسيناها

    تحت الرماد، و الجسدان كلاهما معا

    كرة أخرى، متحدان، و تحت بصر روما.

    و لأنها تنتهي، كما يقول فيرجيل، بدمار

    المدينة، و سقوط الأبراج، و بـ

    ديدو خيالية يسمح لها بالانتظار

    على أبواب قرطاجنة في صيف حار جدا فإن حاملي المجاذيف

    يتناسون رعبهم، و أسيستوس

    يهبط عن العرش

    قبل أن يتلف جلده، و إينياس يقع بالحب و يهاجر،

    ثم تموت ديدو. أحب أن أتخيلها و هي تكتب

    رسالة للمستقبل

    عن الحب –

    الحب الملتهب – و نيران التضحيات

    مثل تلك التي تزينت بها مدينتها في أمسية منصرمة:

    احذري من الرومان كي لا يصلوا

    و يناموا معك،

    يد واحدة و قلب ثقيل مقيد هناك

    على شاكلة مسؤول حكومي يؤدي

    قسم الولاء للمدينة. إنها تشعر بالعشيق و هو يلهو

    بالـ

    ـعناق ، لا شك أن كليوباترا تفكر،

    هل كل شيء يجد حلا له بهذا

    الوعظ البسيط

    عن الفضيلة؟. خطوة واسعة واحدة

    نحو الخلف، و تسمع إطلاق سراح

    الكلاب المحتومة، القرون المسلحة

    من الرأس و حتى أخمص القدم، و كما يقولون، رفع

    سلة قصب يائسة من الأرض.

    أحب أن أتخيلها و هي تلقي رداءها

    بهدوء، ثم كوب نبيذها الثمين

    لتفك بأناملها حمالة أثدائها من الخلف

    و كأنها أفعى تناقش بحرا

    من حرير لازوردي يباعد بينهما،

    هنا الإمبراطوريات العظمى

    تتصادم، وحراشف الظل الذهبية.

  • بهجت صميدة – عندما تسرق القصيدة نظارتك

    بهجت صميدة – عندما تسرق القصيدة نظارتك

    Faraway looks
    Rene Magritte

    1

    كلما نظرتُ ليلًا إلي السماءِ..
    انطلقَتْ من قلبي أسرابُ القصائدِ،
    بعضُها يغزو النجومَ،
    وبعضُها يبحثُ في الأرضِ عن جثةٍ..
    تشبهُـني.

    2
    الجثةُ التي فرَّتْ منْ المقابرِ بحثًا عن الحُبِّ..
    تحاولُ العودةَ،
    غير أنَّ العفاريتَ ترفضُ عودتَها،
    وتصرُّ علي عقابِها..
    بالحياة.

    3
    الجثثُ التي لمْ تعدْ تخشي المقابرَ..
    تُـوَزِّعُ الدودَ علي الأطفالِ في الشوارعِ،
    لكنَّ الأطفالَ يفرمونَ الدودَ تحتَ أرجلِهمْ،
    ويقذفون الجثثَ بالضحكات.

    4
    كلما حاولْتُ أن أجمَعَ يديّ علي صدرِي..
    تنافرتا،
    حتي أري بالونينِ ضخمينِ بحجمِ كوكبينِ..
    يُخرِجُ كلٌّ منهما لسانَه للآخَرِ،
    وأنا أحتمي داخَلَ فمِي..
    من اللعابِ المتساقطِ من اللسانين.
    5
    يالها من خدعةٍ كبيرةٍ !
    أن تظنَّ أن الأرضَ لا تناديكَ.
    إنها تَجْذِبُ رُوحَكَ..
    قبل جسدِك.

    6
    النهارُ المُعَلَّقُ بأفئدةِ الطيرِ..
    يتهاوي علي قمةِ جبلِي،
    وأنا لستُ سيزيفَ..
    ربما أكونُ الحَجَر.
    تسير علي مفاتنها القصيدة

    أمشي ؛
    فتتبعُـني القصائدُ،
    كلما فارقتـُنِي..
    ومشيتُ خلفَ الذكرياتِ،
    استفردَتْ بي،
    واستبدَّتْ..
    غلَّقَـتْ أبوابَها ليلاً،
    و قالت: »هيتَ لكْ»‬.
    ما كنتُ يوسفَ،
    إنما برهانُ قلبي ردني نحوي ؛
    لأرجعَ باحثًاعني ؛
    فابصرُني علي الجدران منتشيًا.
    ورائحةُ الطلاءِ تعيدُ تأويلي،
    وتفتح في شراييني طرائقَ للنهارِ،
    أذوبُ في الملكوتِ،
    أرسمُ فوق خد الماءِ ضحكةَ عاشقٍ،
    ضمَّ الترابَ إلي الترابِ،
    وصبَّ ماءً فوقهُ ؛
    فتكونَتْ في الرُوحِ أشجارٌ،
    لها تأوي العصافيرُ الطريدةُ،
    كلما شدَّتْ من الطمْي الرحيقَ..
    تراقصَتْ سُحُبٌ،
    وألقَـتْ فوقَ رأسِ الطفلِ..
    مدرارًا من الحبِّ،
    استطاع به كتابةَ قصةٍ لمحبةِ البيتِ..
    الذي مازالَ يمشي في زوايا الرُوحِ،
    يَخرجُ من جروحِ القلبِ،
    يحملُ بعضَ رائحةِ الأحبةِ.
    كلما مرَّتْ علي عينيّ عيناها..
    يَرُدُّ التوتُ ما سرقَـتْهُ أغربةُ الوجودِ،
    ويستعيد بكارةَ الدنيا،
    وأحلامًا مَشَتْ ليلاً..
    إلي شُبّاكِهِ،
    تُهديهِ وردَتها و ضِحكَـتَها ؛
    لتَخرجَ من مكامنها القصيدةُ،
    تمنحُ الأطفالَ حباتٍ من الزيتونِ،
    ثم تَرُشُّ في الطرقِ الرحيقَ..
    بها يصيرُ الكونُ كونًا،
    تختفي منهُ الدماءُ،
    ويُمسِكُ التاريخُ مِنْجَلَهُ ؛
    يحشُّ بهِ الزوائدَ ؛
    علّها تصفو الحقولُ،
    وتستطيبُ لعاشقَـيْنِ،
    استخرجا طميًا من القلبينِ ؛
    كي يستصلحا صحراء هذا الكونِ طُرًّا،
    ربما يوماً تسيرُ علي مفاتنِها القصيدة.
    لقطات خاصة جدا

    1
    عندما ضربْتُها بسكينٍ في نهدِها..
    انفرطَتْ منْهُ شفاهٌ كثيرةٌ،
    بعضُها مازالَ يتساقطُ منْهُ الحليبُ،
    ومعظمُها مُلَطَّخٌ..
    بألوانِ أصابعِ الشفاه.

    2
    خلعْتُ جلدِي مع الثيابِ،
    ولم يتبقَّ منِي إلا رائحةٌ..
    احتضنَـتْـها..
    وطارَتْ..
    وسْطَ ضجيجِ الملائكة.

    3
    جلستُ أسفلَ عينيها ؛
    فغطتْـنِي بأهدابِها،
    وحين قُمْتُ من مكانِي..
    وجدْتُ حفرتينِ عميقتينِ،
    ودمًا يتطايرُ حولِي.

    4
    أخْبَـرَنِي لسانُها أنَّها تخافُ مِنِّي،
    وأخبرَتْـنِي شفتاها أنها تُحبَّنِي،
    وأنا لا يرضيني أنْ تحدثَ
    في فمها فتنةٌ عائليةٌ بسببِي ؛
    لذا أحاولُ جاهدٌا
    أنْ أجمعَ كلَّ الأطرافِ في فمِي.

    5
    حَذَّرَتْـنِي صديقتُها..
    من أنّها ترمِي قُبلاتِي من شُبَّاكِها
    كلَّ مساءٍ..
    فصعَـدْتُ علي الشجرةِ المواجهةِ لبيتِها،
    في محاولة لاصطيادِ قُبلاتِي..
    قبل أن تسقطَ علي الأرضِ،
    وقبل الفجرفتحتْ الشباكَ،
    وجذبَتْـنِي من شَفَتَيّ،
    وغَلَّـقَت الأبواب.
    تَـوَحُّش
    القصائدُ المتوحشةُ التي قفَـزَتْ عَلَيَّ..
    من صدورِ النساءِ ـ
    طرحَتْـنِي أرضًا،
    رغم أننِي أقسمْتُ لها أنني لمْ أقرأْ
    كتابَ »‬قصيدة النثر لسوزان برنار»،
    إلا أنها لم تصدقْـنِي،
    وخَمَشَتْ وجهِي بأظافرِها،
    وبأسنانِها الحادةِ شَقَّتْ صدرِي،
    وعلقَـتْنِي علي سورِ محطةِ القطارِ..
    بجوارِ إعلانِ مُقَوٍّ جِنْسيٍّ،
    والدم يتساقطُ من بنطالي..
    قطرةً..
    قطرةً..
    في مشهدٍ دراماتيكيٍّ مُثيرٍ.
    النساءُ اللاتِي احترَزْنَ من أسلحتِي –
    لم يزلْنَ يَهْتَمِمْنَ بي،
    ويتهمْنَنِي بالشَّبَقِ،

    مَرَّتْ واحدةٌ منهنَّ أمسِ،
    وعندما رأتْنِي معلقًا..
    أطلقَتْ ضِحكةً أوقفَتْ القطاراتِ كلَّها،
    ومَدَّتْ يدَها في بنطالِي،
    وقالتْ بخبثٍ:
    تستحقُّ كلَّ ما يَجرِي لَكْ !
    تَـذَكَّـرْتُ..
    عندما بَـكَـتْ علي صدرِي ذاتَ عُـرْيٍ،
    وأقسمَتْ لِي أنَّها ليسَتْ خائنةً،
    وأن زوجَها هو مَنْ يخونُها.
    يومَها أخبرتُها أننِي أكرَهُ الخيانةَ !
    وألبسْتُها ثيابَها،
    وأهديتُها شَفَـتَيّ ولسانِي،
    ومشيتُ وأنا أشعرُ بفراغٍ في فمِي،
    وهواءٍ باردٍ يصفعُ قلبِي.
    ويومَ أنْ ماتتْ..
    لمحتُها طائرةً في جنازتِها عارية ً،
    ستْرتُها بقميصِي،
    ووقـفْـتُ علي بابِ القبرِ
    في محاولةٍ بائسةٍ لتقبيلِها،
    غيرَ أنَّ أبناءَها الثلاثةَ منعونِي،
    وقال لي كبيرُهم:
    سعيُكم مشكور،
    كلما زرْتُ قبرَها..
    قرأتُ عليها بعد الفاتحةِ ـ
    قصيدةً من القصائدِ التي تحبُّها ؛
    فتصطفُّ بقيةُ الجثثِ لسماعِها،
    وينفتحُ القبرُ،
    وقبل أن أرفعَ عنها قميصِي لأري وجهَها..
    أجِدُ عظامَها تكتبُ علي ترابِ القبرِ:
    أحبُّكَ أيها الشاعرُ،
    وتنهضُ لتحضنَـنِي،
    ربما.. لتعيدَ إليّ قميصِي.
    هل تخيلتَ بيتَكَ طائرًا؟!
    هلْ تَخَيلت بيتك طائراً؟
    يجري وراءَكَ من قصيدةٍ لقصيدةٍ،
    يبحثُ عنكَ،
    وكلما غرقتَ في كتابٍ..
    أرسلَ إليكَ حبلًا ممدودًا من الطوبِ ؛
    لتصعدَ عليهِ،
    وكلما اختبأتَ أسفلَ ذاتِكَ..
    أَفْرَغَ محتوياتِهِ فوقَ رأسِكَ،
    يمنحُكَ السريرَ..
    الذي حشوتَ وسادتَهُ يومًا بقصائدَ سريةٍ..
    منذ أنْ بدأْتَ تُحْيِي موتَكَ،
    بحروفٍ منقوشةٍ علي جدارنِ هذا العالمِ،
    أو يُلْقِي عليكَ بصورِ القططِ الثلاثة الضاحكةِ..
    التي تعلَّقَـتْ بجدارِ رأسِكَ،
    وأضحكَتْ كلَّ أصدقائِكَ طويلًا.
    …تفتحُ بابَ البيتِ ؛
    فتلمحُ وجهَ أبيكَ..
    حديقةً تنمو فيها أشجارُ التوتِ،
    يتسلقُها طفلٌ يشبهُكَ،
    وكلما أكلَ ثمرةً..
    دبَّتْ فيكَ حياةٌ،
    ساعدَتْكَ أنْ تتخلصَ من سَطْوَةِ صفحاتِ الكتبِ ؛
    فترفعُ عن قلبِكَ كلَّ الألفاظِ المعجميةِ،
    تغسلُ بدمِكَ كلَّ الصفحاتِ الخطأ..
    التي تداخلَتْ فيها السطورُ،
    ولم تتركْ للكلماتِ فضاءً تتنفسُ فيهِ.
    كلما مشيتَ في صحراءِ الوجودِ..
    لمحتَ فوقَ بيتِكَ حصيرَ البيتِ
    سحابةً..
    يجلسُ عليها شيخُكَ،
    يَسقُطُ ماؤُه المثلج.
    الشـيشُ الذي شهدَ ضوءَ الشمسِ،
    وقتلَ الجراثيمَ العالقةَ تحتَ جلدِكَ –
    هو نفسُهُ الذي أدخلَ يدَ صديقِكَ..
    الذي سرقَ منكَ ديوان نزار قباني،
    و ثقب قلبَكَ ثُـقْـبًا..
    مازلَ يسيلُ منهُ الدمُ،
    كلما مَرَرْتَ بجوارِ ذكرَي معَهُ.
    كلما كَـلَّ القلبُ،
    واختفي الأكسجينُ..
    تَحَـوَّلَ البيتُ لمضخةٍ كبيرةٍ،
    وأطلق روائحَهُ المحملةَ بالترابِ..
    الممزوجِ بعرقِـكَ وأنْتَ تلعبُ في الشارعِ..
    الذي يبتسمُ كلما لمحَكَ عائِدًا إليهِ،
    رغم أنَّـك أصبَحْتَ ترتدِي حذاءً..
    عازلًا..
    يفصلُ بينَ جلدِكَ وقلبِ الشارعِ.
    فتح
    جاءَتْـنِي قبلَ الفجرِ..
    اجتثَّـتْ قلبِي،
    طافَتْ حولَ الرئتينِ
    وطارتْ بعروقي نحوَ سماءِ اللهِ الواسعةِ ؛
    لتَسقطَ كلُّ دمائي فوق رءوسِ الخلقِ ؛
    فتَـنبتُ غاباتٌ لا يسكنها الشعراءُ،
    ولا يقربُها العشاقُ،
    علي أطرافِ حدائقِها..
    يمشي التاريخُ مع الجغرافيا..
    ينتزعانِ الجلدَ عن الدنيا ؛
    فيُغَـنِّي الدودُ الخارجُ من أفئدةِ الخلقِ،
    وينقُرُ بيضَ فراخِ الطيرِ ؛
    فتَخرجُ منه عماليقُ تغطي الشمسَ،
    وتفرد شعرَكِ هذا الأسودَ ؛
    كي يتعلقَ فيه النورُ..
    ويصعدُ..
    وحدَكِ تغتالين الليلَ بحد رموشكِ،
    لا يتبقي خارجَ ملحمةِ الموتِ سواكِ،
    وحين أري أشجارَ الدمِ تهتزُّ..
    ولا يسّاقطُ منها الثمرُ..
    أفرُّ لحِضنِ الأرضِ ؛
    عساكِ هناكَ..
    تُغذينَ جذورَ الحُلمِ..
    بضحكتِكِ المخلوطةِ بحليبِ الأطفالِ..
    هناك يجيءُ الغيمُ،
    ويُسقطُ ضحكًا يكفي الخلقَ ؛
    ليردمَ كلٌّ منهمْ نهرَ الدمعِ..
    النابعِ من أعماقِ القلبِ،
    ويَدخُلُ في الأوردةِ.. يُطَهِّـرُها..
    ويذيبُ تَجَلُّطَ بعضِ أحبتِهم فيها ؛
    كي تصبحَ كلُّ مساراتِ الرُوحِ..
    مُمَهَّدَةً لعروسةِ بحرٍ مثلَكِ..
    تَدخلُ بالتاريخ وبالجغرافيا ـ
    مركزَ هذا الكونِ،
    وتطلقُ من كل خلايا الجلدِ رحيقًا،
    يحفظُ للأرضِ توازنَها،
    وكأنَّ مقابرَ كلِّ الجثثِ اُخْتُـزِلَتْ،
    ثم أُبيدتْ أسفلَ قدمِكِ،
    أنتِ نهارِي..
    عند قدومِكِ تخرجُ كلُّ طيورِي..
    تفتحُ رأسِي،
    تفتحُ صدرِي،
    علَّ ثمارَ الحُلمِ تُطَهِّـرُ قلبِي.
    من حديث المقابر
    كلما مَرَرْتُ بجوارِ المقابرِ..
    خرجَتْ لي هذه الجثةُ،
    تدعوني بابتسامتِها المدهشةِ،
    وكلما همَمَتُ بالدخولِ..
    حذرَتْـنِي جثةٌ أخري غاضبةٌ،
    فاعتدَلْتُ في طريقِي،
    وسِرْتُ في انتظارِ لحظةٍ مناسبةٍ.

    الكلابُ تجوسُ المقابرَ،
    وأنا أحملُ في يدِي بعضَ الأورادِ،
    وفي قلبِي متاهاتُ الذكرَي،
    هل حقا كانوا هنا؟!
    يبدو أن حالتَنا البشريةَ
    ليسَتْ إلا مرحلةً ثلجيةً،
    تعودُ بعدَها المياهُ للبخار.

    هل يدركُ الجهلاءُ
    أن هذه مقبرة ُ »‬عبد الوهاب المسيري»
    وأنّ أوراقَ موسوعتِهِ عن الصهيونيةِ
    تدورُ حولَ المقابرِ كلَّ يومٍ،
    تحرسُها من العفاريتِ،
    لو كانوا يدركونَ..
    فما كلُّ هذه الإبرِ الملقاةِ علي بابِها؟!

    الموتُ كائنٌ خرافِيٌّ،
    لا يقبلُ الموتَ،
    يفتحُ كلَّ يومٍ ثُقْـبًا في السماءِ ؛
    لتصعدَ منْهُ بعضُ الأرواحِ،
    ثم لا يلبثُ أن يجلسَ علي بابِ المقابرِ،
    يَمُدُّ يدَهُ للثكالَي..
    طالبًا منهم الإحسان.

  • قصائد قصيرة جدّا – روبى كور

    قصائد قصيرة جدّا – روبى كور

    1-
    أنزف
    كل شهر
    لكنني
    لا أموت
    كيف
    لا أكون
    ساحرة.

    2-
    ليس الحب قاسيًا
    نحن القساة
    ليس الحب لعبة
    نحن من جعل الحب لعب .

    3-
    أنا متحف ممتلئ بالفنون
    لكن عينيك مغمضتان .

    4-
    تتطلع إليَّ وتبكي
    كل شيء مؤلم
    أحضنك وأهمس
    لكن كل شيء يمكن علاجه.

    5-
    في تلك الليلة بعد رحيلك
    أستيقظت وأنا جد متكسرة
    و كان المكان الوحيد
    لوضع الشظايا
    تلك الانتفاخات تحت عيني.

    6-
    ما الجدوى
    إن كنت تحبني أو
    تفتقدني أو تحتاج إليّ
    عندما لا تفعل شيئًا
    لكي تكون بجواري.
    إن كنت لا تجعل مني
    حب حياتك فلسوف أكون
    في المقابل
    خسارة حياتك.

    7-
    إن كنت قد خلقت
    مع ضعف لكي أسقط
    فقد ولدت أيضًا
    ومعي القوة لكي أنهض.

    8-
    لم تكن مخطئا في رحيلك
    لقد أخطأت لعودتك
    والتفكير
    بأنك تستطيع امتلاكي
    عندما يتاح لك
    وتهجرني
    عندما لا أتاح لك.

    9-
    ما أقوى
    قلب الإنسان
    يتحطم المرة تلو المرة
    ومع ذلك
    ما زال يحيى.

    10-
    طريقتهم
    في الرحيل
    تقول لك
    كل شيء.

    11-
    أراك
    فأغرق في الحزن من جديد.

    12-
    جسدك
    متحف
    للكوارث الطبيعية
    تستطيعين أن تستوعبي
    كم مذهل هذا.

    13-
    في كل مرة
    تقول لابنتك
    تصرخ في وجهها
    بلا حب
    تعلمها أن تخلط
    الغضب بالشفقة
    والذي يبدو فكرة جيدة
    إلى أن تكبر
    وتثق في رجال يؤذونها
    لأنهم يبدون أكثر
    شبها بك.

    14-
    عندما أغضب
    لا أصرخ، بل أحترق
    لابد أن تراني عندما ينكسر قلبي
    لا أحزن
    بل أتحطم .

    15-
    لففت أصابعك
    حول شعري
    وجذبت
    هكذا
    تخرج الموسيقى مني.

    16-
    ظهورنا
    تحكي قصصًا
    ليس للكتب
    عمود فقري
    لحملها .

    17-
    تستنزف
    القلب
    والروح مني
    بالخداع
    وما زلت تتوقع
    ألق السعادة.

    18-
    لساني فظ
    بسبب التوق
    إلى فقدك.

    19-
    بحبي لنفسي
    أتعلم
    كيف أحبه.

    20 –
    يجب عليك
    أن تطلب قضاء
    ما تبقى من حياتك
    مع نفسك
    أولًا.

    21-
    أنت تتكلم كثيرًا جدًا
    هو يهمس في أذني
    أستطيع أن أفكر في
    أفضل الطرق لاستخدام هذا الفم.

    22-
    كل ثورة
    تبدأ وتنتهي
    بشفتيه.

    23-
    تقول لي اهدأي لأن
    آرائي تجعلني أقل جمالًا
    لكن لا حيلة لي بحريق في بطني
    لذا لا أستطيع أن أخمده.
    لا حيلة لي بخفة على لساني
    حتى أستطيع أن ابتلعه
    لقد جعلت حادة
    نصف نصل ونصف من حرير
    صعب أن أنسى، وليس سهلًا
    على العقل الانقياد.

    24-
    كان يجب أن تعلم أنني نار
    لم أفهم أبدًا
    لماذا تمسك بي
    إذا كنت خائفا من الدفء.

    25-
    ابق
    همست
    بينما كنت
    تغلق الباب خلفك.

    26-
    أمتلك
    ما أمتلك
    وأنا سعيدة
    لقد خسرت
    ما خسرت
    وأنا
    ما زلت
    سعيدة.

    27-
    العالم
    يعطيك
    الكثير جدا من الألم
    وها أنت هنا
    تستخرج من ذلك الذهب.

    28-
    قل لهم أنني كنت
    أدفأ مكان عرفته
    وأنت من صيرني صقيعا .

    29 –
    لا أحد منا سعيد
    لا أحد منا يريد الرحيل
    ومع ذلك يصر كلانا على إنهاك الآخر
    ونسمي ذلك حبًا.

    30-
    أنت في حاجة إلى أم
    في حاجة إلى أحد ما
    هناك فرق.

  • جالواي كينيل – انتظر | ترجمة : د.شريف بقنه

    Woman With Fur
    Paul Wunderlich

    انتظر الآن.
    لا تثق بكلِّ شيءٍ إذا كان عليك أن تفعل.
    لكن ثِقْ في الساعات. ألم تحملك
    في كلِّ مكانٍ، حتَّى الآن؟
    ستصبح الأحداثُ الشخصيةُ ممتعةً مرةً أخرَى.
    سيصبح الشَّعْر ممتعًا مرةً أخرَى.
    سيصبحُ الألمُ ممتعًا.
    البراعم التي تُفتِّحها المواسم ستصبح ممتعةً.
    القفّازات المستعملة ستصبح جميلةً مرةً أخرى.
    ذكرياتها ستبعث الحاجة لليَدِ التي لبستها.
    أسَى العشاق هو ذاته:
    عندما نطلب أن نملأَ
    ذلك الفراغَ الهائلَ المنحوتَ
    من هكذا كائناتٍ صغيرةٍ؛
    الحاجة لحبٍّ جديدٍ
    هي الإخلاص للقديم.
    انتظرْ.
    لا تذهبْ مبكّرًا.
    أنت مُتعَبٌ. لكن الجميع مُتعَبٌ.
    و لا أحد مُتعَبٌ بما يكفي.
    انتظرْ قليلًا واستمعْ:
    موسيقى الشَّعر،
    موسيقَى الألم،
    موسيقى النّول تَحِيكُ حبَّنا مرةً أخرى.
    كُنْ هناك لسماع ذلك، سيكون الوقت الوحيد،
    الأهمُّ من ذلك كلِّه، الاستماع لوجودك كلِّه،
    تَمرَّنْ بالأحزان وهي تَعْرضُ ذاتَها في إنهاكٍ تامٍّ.

  • سيلفيا بلاث – بضوء شمعة | ترجمة : د.شريف بقنه

    A boy blowing on an ember to light a candle
    El Greco

    هذا الشتاء، هذه الليلة، حُبٌّ صغير
    شيءٌ كشَعر حصانٍ أسود
    سقط متاع ريفي، أعجميٌّ فظّ
    مصقول بالبريق
    أي نجمات خضراء تلك التي تَجعله عند أبوابنا.
    أحمله على ذراعي.
    الوقت متأخّر
    الأجراسُ البليدة تنفثُ الوقت
    والمرآةُ تعوم بنا نحو قوّة وحيدة لشمعة.

    هذا هو الماء
    حيث نلتقي أنفُسَنا!
    هذا الألق النوراني الذي يتنفّس
    ويذوي بظلالنا
    فقط ليلفظها مرّة أخرى
    بعُنفٍ صوب الجدران!
    عود ثقاب واحد تشحذه يحوّلك حقيقة.

    في البدء لن تُشعَّ الشمعة حتى أوجِها
    سوف تشعلُ برعُماً
    كي لا تُبقي شيئاً تقريباً
    حتّى برعماً أزرقَ باهتاً.

    أقبضُ على شهقتي
    حتّى تصرصر الحياة فيك.
    قنفذٌ مكوَّر
    صغيرٌ ومتشابك!
    السكِّين الصفراء تزدادُ طولاً!
    هيّا انهشْ فريستك
    إن غنائي يجعلك تزأر.

    ألجأ إليك مثل زَورق
    فوق بساط الريح!
    على أرض باردة
    بينما ذلك الرجل النحاسي
    يركع مُنحنياً إلى الخلف بكل ما يقوى
    ناصباً عموده الأبيض المضيء
    ليُبقي السماء في مجدها

    كيسٌ أسود! في كلّ ناحية، مربوط، مربوط!
    إنه لك أنت أيها التمثال النحاسيّ
    كل ما تملكه من إرث قد تداعى.
    عند كعبي قدمَيك يتدلّى
    مدفع تخرج منه خمس قذائف
    بلا زوجة ولا طفل.
    خمس قذائف مدفع!
    خمسُ قذائف نحاسيّة فقط.
    لكي تحتال عليهم يا حبيبي!
    عندما تسقط السماء من فوقك.