المدونة

  • بعد الطوفان، نحن – مارغريت آتوود

    بعد الطوفان، نحن – مارغريت آتوود

    لا بدّ أنّنا الوحيدان

    الباقيان، في الضباب الذي يتصاعد
    ويعلو كلّ الأماكن بما فيها
    هذه الأحراش

    أعبر الجسرَ ماشيةً
    صوبَ أمانِ الأرض العالية
    (قممُ الأشجار تشبه الجزر)

    ألمّ العظام المغمورةَ
    للأمّهات الغريقات
    (متيبّسةً ومستديرةً في يديّ)
    فيما الضباب الأبيض يغسل
    ما حول ساقيّ مثلما يفعل الماء؛

    لا بدّ أن السمك يسبح الآن
    في الغابة أسفلَ منّا
    كالطيور، من شجرةٍ إلى شجرة
    وعلى بُعْد ميل
    ترقد المدينة، متراميةً وصامتة،
    في الضياع، بعيدًا تحت البحر.

    وأنت تمشي الهوينى إلى جانبي، تتحدّث
    عن جمال الصباح،
    لا تدري حتى
    أنّ طوفانًا مرّ من هنا،

    راميًا بحصى صغيرة
    كيفما اتّفق وراء كتفك
    في الهواء الكثيف العميق،

    لا تسمع الخطوات الأولى
    المتعثّرة للموشكين على أنْ يولدوا
    تجيء (ببطء) من خلفنا،
    لا ترى الوجوه القاسية
    للموشكين على أن يكونوا بشرًا
    تتخلّق (ببطء)
    من الحجارة.

  • سفرٌ على جبل – جيم هاريسون.

    سفرٌ على جبل – جيم هاريسون.

    Fateh Al Moudarres

    الغيومُ ساكنةٌ قربَ كامبريا
    لكنّ الجبلَ الذي أنا فوقَهُ
    ينزاح مع الريح جنوبًا،
    طريقةٌ جديدةٌ للسفر، تمتطي
    جبلًا كأنّه حصانٌ
    من حجارةٍ وتراب. أميالًا قليلةً فقط
    لكنّها كافيةٌ لتقلقَ نسرًا
    على القمّة، الظلُّ عابرًا
    قربَ قدميّ، نظرةُ الطائرِ لي
    متسائلًا، “ماذا تفعل هنا؟”
    كنت خائفًا بعضَ الشيءِ آويًا
    تحت شجرة شوح، مريحًا رأسي
    على ثمرةٍ مخروطيّةٍ هائلة،
    حَذِرًا من الأفاعي المجلجلةِ بين الأزهار البريّة
    لكنني سبق وقرأتُ عن هذه التجربة في البوذيّةِ
    قبل المسيح، رهبانٌ يمتطون ظهورَ الجبال.
    هل توقّف البشرُ عن المشي على الماء
    أو عن ركوب الجبال من بعد المسيح؟
    ما الذي سيفعله إنسانٌ إن لم يستطع ركوبَ الجبال؟
    غدًا سأمشي ضدّ التيار على ماء النهر.
    أمّا الآن، فلقد تدفقّت الأرضُ من تحت قدميّ.
    ونهرٌ مستديرٌ يطفو في السماء.

    ترجمة: سلمان الجربوع.

  • الحل – عبد الله حمدان الناصر

    الحل – عبد الله حمدان الناصر

    ليست القرية الحَل
    ولا في المدن الحل
    الحل في التيه

    الحل أن تفوت نصف المواعيد
    كي لا يتلوث نصف الهواء النظيف

    الحل في الطلقة لا الطلقات

    الحل أن يمّحي المقبض
    وتسقط أسنان المفاتيح

    الحل في رقبة الضبع التي تعجز عن الالتفات

    الحل أن لا تُفتح الرسائل ولا المعلبات

    الحل أن تكون الوفاة طبيعية،
    كي لا نقلق أقسام الطواريء
    ونأخذ الأطباء من زوجاتهم
    نصف الجميلات
    في منتصف الليل

    الحل في عدم النوم
    حتى لا ننجب المزيد من الأولاد الذين سيبحثون أيضاً عن حل

    الحل
    في حرق كل براميل النفط حتى آخر مصباحٍ في الشارع،
    وفي غرف النوم
    كي يفلس الأمراء
    ومفسرو الأحلام
    وكل المستفيدين من العتمة والنوم

    الحل
    أن تُخفى كل أرقام المخارج
    واللوحات الإرشادية
    وكاميرات المراقبة
    وأكتاف الطريق

    الحل ألا يسمح إلا بالسير إلى الأمام

    الحل أن تتركنا الملائكة في حالنا
    والشياطين

    الحل في الورقة البيضاء لا الحبر
    الحل في الجناح لا السماء
    الحل في المشي لا الحذاء
    الحل في الرقصة لا المرآة
    الحل في الأمهات يخبزن لا في الخبز تخبزه الأمهات
    الحل في تحميص القهوة لا في القهوة المحمصة
    الحل في ابتسامة النادل لا الأقداح
    الحل في إشعال السيجارة لا السيجارة
    الحل في النسمة لا العطر
    الحل في الضرع لا زجاجة الحليب
    الحل في الشرفة لا الفتاة على الشرفة
    الحل في القبو لا النبيذ
    الحل في السجدة لا المعبد
    الحل في القوقعة لا البحر
    الحل في البئر لا القصر
    الحل في الذين لن يدخلوا الباب ولن نعرف أسماءهم على الإطلاق
    الحل في الصهيل لا في خط النهاية
    الحل في الرعي لا في العشب
    في ليونة الصحراء لا النهد

    الحل في أن تكشط الرقم في راحة يدك
    وتلد نفسك
    في فلاة.

  • حادث سير – سلمان الجربوع

    حادث سير – سلمان الجربوع

    تقاطعُ شارعين رئيسيّين
    في الصيف
    في مدينةٍ ساحليّة
    وإشارةُ مرور المشاة حمراء.

    على الرصيف
    سيّدة أعمال في يدها رواية خيالٍ علميّ،
    متشرّدٌ ينبح كلبَه،
    مراهقةٌ تشعل سيجارةً جديدة
    بسيجارةٍ شبه منطفئة
    وترى ذلك
    مثيرًا،
    رجلٌ طاعن في السنّ يسأل عن الوقت،
    سائحٌ يضحك في وجه زوجته
    ويفكّر في العفش الزائد،
    ولدٌ ينظر بلهفة
    إلى بنت
    في الجهة المقابلة،
    نيّةُ قبلته الأولى
    مثقلةً بالأفكار حول الكيفيّة المثاليّة
    تقطع الشارع
    وتموت في حادث سير.

    يؤسفه جدًّا
    أنّ صديقته لم تنتبه لدم القبلة الشفّاف
    مسفوحًا
    في الطريق إليها

  • الأمل واللامعقول في أعمال كافكا – ألبير كامو

    الأمل واللامعقول في أعمال كافكا – ألبير كامو

     

     

    لا یكفي أن نقرأ كافكا مرة واحدة . لا بد على الأقل من قراءتین، إذ تتطلب النھایات لدیه أو بالأحرى غیابھا قدرًا من التفسیر. لكن المھم ھو أن الجانب الخفي في ھذا الأدب یضطرنا إلى أن نعید قراءة التاریخ من زاویة جدیدة . وحیث تبدو ضرورة القراءتین یصبح ھناك إمكانیتان للتفسیر و ذلك ھو ما یقصده الكاتب. غیر أنه من الخطأ أن نحاول تفسیر أدب كافكا في تفاصیله لأن الرمز دائما في عمومه و مھما حاول الكاتب أن یحدده فإنه لا یفعل أكثر من أن یمنح الحركة، و
    إذن لا مجال ھنا للتفسیر الحرفي. فیما عدا ذلك، لابد من الاعتراف بأنه لا یوجد شيء أكثر صعوبة من فھم عمل رمزي . فالرمز یتجاوز دائما من یستخدمه ، و یعني أكثر مما أراد أن یعبر عنھ . وفي ھذا الصدد تصبح الوسیلة الأكیدة لأدراك الرمز ھي ألا نضغط علیه، و أن نتناول العمل الأدبي بروح متحرر ولا نبحث فیه عن التیارات الخفیة . و بالنسبة إلى كافكا ، حسبنا أن نرضى بلعبته، وأن نأخذ لدیه المأساة بحسب الظاھرة ، والروایة تبعا للشكل.
    تبدو أعمال كافكا، للوھلة الأول ، ولدى القارئ العادي، عبارة عن مغامرات مقلقة تمثل شخصیات مثیرة و متصلبة، تبحث عن مشكلات لیست من صنعھا. وفي القضیة، جوزیف ك.. متھم لكنه لا یعرف تھمته ! و ھو یشرع دون شك في الدفاع عن نفسه ، لكنه یجھل السبب. و یرى المحامون أن جریمته شنیعة، وفي أثناء ذلك لا یھمل جانب الحب كما أن یأكل و یقرأ جریدته، ثم یحكم علیه: قاعة المحكمة شدیدة الظلمة و ھو لا یفھم شیئا. إنه یحدس فقط بأنه محكوم علیه، لكن بأي تھمة، یكاد یتساءل، لكنه یشك في ذلك. و یواصل حیاته . و بعد وقت طویل، یتقدم منه رجلان مھذبان، في ثیاب أنیقة، و یدعوانه أن یتبعھما. و بكل مظاھر الأدب، یصحبانه إلى ضاحیة مقفرة، ثم یضعان رأسه فوق حجر، و یذبحانه! العبارة الوحیدة التي یتفوه بھا قبل أن یموت: (( ھكذا مثل الكلب ! )) .

    إننا نرى أنه من الصعب الحدیث عن الرمز في روایة تعتبر أعمق من عناصرھا تأثیرًا مجرد شيء طبیعي . لكن ((الطبیعي )) لیس من السھل دائمًا فھمه. ھناك أعمال یبدو فیھا الحدث طبیعیا للقارئ، لكن ھناك أعمالًا أخرى ( وھي نادرة في الحقیقة ) تجد فیھا الشخصیات أن ما یحدث لھا أمر طبیعي . وعن طریق تعارض فرید، لكنه واضح، تصبح مغامرات الشخصیة غریبة ، و في حین أن ما یحدث التأثیر إنما ھو الشيء الطبیعي فیھا، و ھكذا تبرز أمامنا المعادلة التالیة: أننا نشعر، و في وقت واحد ، بغرابة حیاة إنسان و بالبساطة التي یتقبل فیھا ھذا الإنسان تلك الغرابة. و یبدو أن (( الطبیعي )) خاص بكافكا نفسه. و ھذا ما أرادت لقضیة أن تعبر عنه .

    لقد جرى الحدیث دون شك عن صورة للحیاة الإنسانیة. لكنھا في وقت واحد بسیطة جدًا و معقدة جدًا. اقصد أن معنى الروایة خاص جدًا و شخصي بالنسبة لكافكا. و إلى حد ما فإنه ھو الذي یتحدث، و نحن ھم الذین یسمعھم اعترافاته . إنه یحیا و ھو محكوم علیه . یخبرنا بذلك منذ الصفحات الأولى في روایته التي تتبع ھذا العالم ، محاولة أن تجد له دواء و یتم ذلك أحیانا على نحو غیر مفاجئ . إنه لا یندھش قط مما یفقد الدھشة، و تلك ھي التناقضات التي نتعرف منھا على العلامات الأولى للعمل اللامعقول، حیث یطرح الذھن في العالم المحسوس بمأساته الروحیة، و ھو لا یستطیع أن یفعل ذلك إلا عن طریق التناقض المستمر الذي یعطي للألوان القدرة للتعبیر عن الفراغ، و لصور الحیاة الیومیة ( العادیة ) قوة ترجمة الأحاسیس الخالدة.
    كذلك تعتبر روایة القصر لاھوتًا تطبیقیًا. لكنھا تمثل، قبل كل شيء مغامرة فردیة لنفس تبحث عن الھدایة .. لإنسان یطلب من الأشیاء أن تبوح بسرھا الملكي، ومن النساء: السر الإلھي الذي یختبئ فیھن .

    أما روایة المسخ ، فتمثل بالتأكید عملیة التخیل العنیف للسلوك، لكنھا أیضا نتاج الدھشة اللامحدودة ، حیث یبتلى إنسان بأن یشعر بشعور الحشرة التي تحول إلیھا بدون جھد. و في ھذا الغموض الأساسي یكمن سر كافكا . ذلك التوازن المستمر و الخالد بین الطبیعي و الشاذ، الفردي و العام، المأساوي و الیومي، اللامعقول و المنطقي .. بین تلك الثنائیات التي تنتشر في أعمال كافكا كلھا، وتعطیھا في الوقت نفسه، دلالتھا وصداھ.. و ھكذا، على أساس تلك المتناقضات التي یجب أن نرمقھا، و المتضادات التي یجب أن نؤكدھا یمكن أن نفھم العمل اللامعقول .
    في الواقع، یفترض الرمز دائما مستویین، عالمیین من الأفكار و الأحاسیس، ثم قاموسًا یحول أحدھما الاخر. وتلك اللغة ھي أصعب ما یتم بناؤه. لكن الوعي الحاضر بالعالمین یضعنا على طریق علاقتھما الخفیة. و لدى كافكا، یتمثل ھذا العالمان، وفي مجال الحیاة الیومیة من جانب، و مجال القلق فوق الطبیعي من جانب آخر ( ١) . و یبدو ھنا أننا قد ألمحنا بعض الشيء من تفسیر لا نھائي لعبارة نیتشه: (( أن المشكلات الكبرى توجد في الشارع )) .

    إن الحیاة الإنسانیة، الموضوع المشترك بین كل الآداب، تحتوي في وقت واحد لا معقولیة أساسیة، وعظمة ھائلة . الوجھان كما ھو الطبیعي یتزامنان، ویتمثلان في ذلك الفراق الغریب بین شراھات النفس، و متع الجسد السریعة الزوال. و یكمن اللامعقول في أن النفس تتجاوز ھذا الجسد بمراحل لانھائیة ، لذلك ینبغي على من یرید ان یصور تلك (( اللامعقولیة )) أن یلجأ للعبة المتناقضات المتوازنة ، وینفخ فیھا الحیاة. و بھذه الطریقة یعبر كافكا عن المأساة بواسطة ما ھو یومي ، ومن اللامعقول بما ھو منطقي.

    عندما یتقمص الممثل بكل ما یمكنه من قوة في الأداء، شخصیة مأساویة، و یجھد أن یبالغ فیھا، فإنه یحول تأثیرھا المحدود في الرعب إلى نحو غیر محدود. و في ھذا الصدد، تبدو المأساة الیونانیة ملیئة بالدروس. فیھا یتم تحدید المصیر في صورة منطقیة و طبیعیة. فقد أعلن مصیر أودیب سلفًا، عندما تقرر على نحو فوق طبیعي، أنه سیرتكب جریمتي قتل أبيه و الزنا بأمه. و یكمن جھد المأساة كله على إبراز النظام المنطقي الذي، بانتقاله من استنتاج إلى آخر، ینتھي باستنفاد عذاب طویل. و لا تتمثل الرھبة في مجرد إعلان ھذا المصیر، فقد یكون ذلك محتملا . لكن إذا أدخلته الضرورة في مستوى الحیاة الیومیة، و المجتمع، و الدولة، و الانفعال فعندئذ تبدأ ھذه الرھبة في التخصص و التفرد والخلود .. و ھكذا فإنه في أثناء تلك الثورة التي تھز الإنسان ، و تجعلھ یقول : (( أن ھذا غیر ممكن )) یوجد في الواقع يقین بائس في أن (( ھذا )) یمكن أن یكون (( ممكنا )) .

    ذلك ھو سر المأساة الیونانیة، أو على الأقل، أحد أسرارھا، لأن ھناك سرًا آخرًا یتمثل في المنھج العكسي الذي سوف یتیح لنا أن نفھم كافكا . أن القلب الإنساني یحتوي على اتجاه عنیف یسمي كل ما يسحقه مصيرًا.
    لكن السعادة تعتبر بدورھا كذلك، من حیث إنھا دون سبب لا یمكن تجنبھا. و الانسان المعاصر إننما يضفي علیھا الفضل من عدم اعتراف بھا. وعلى العكس، یمكن أن یقال الكثیر على المصائر السعیدة، في المأساة الیونانیة ، والتي تنجو بنفسھا وسط مغامرات أشد سوءًا كما في أسطورة أليس Ulysses
    ما یمكن استخلاصه من ھذا كله، ھو ذلك التعقید الخفي، الذي یوجد في المأساة، بین ما ھو منطقي و ما ھو یومي. ھذا بطل المسخ، التاجر المتحول، لا یعاني من شيء، في تلك المغامرة الفریدة- التي تحول فيها سامزا إلى حشرة- إلا من أن صاحب العمل غاضب من تكرار غیابه . و تنبت له قوائم وقرون استشعار، و یتقوس ظھره، و تنتثر على بطنه نقاط بیضاء – و لا أقول : أن شیئا من ھذا یدھشه . إنه یسبب له فقط (( ضجرًا خفیفا )) .
    أدب كافكا كله من ھذا اللون. في عمله الرئیسي القصر، لا تبرز تفاصیل الحیاة الیومیة، و مع ذلك، فإن ھذه الروایة الغریبة، التي لا یتوصل فیھا لشيء، یبدأ كل شيء مرة أخرى من جدید. إنھا عبارة عن مغامرة نفس باحثة عن ھدایتھا المرسومة. و نجد ترجمة ھذه المشكلة إلى الفعل، بما تشتمل علیه من تزامن بین العام و الخاص، موجودة في الخصائص الصغیرة لكل إبداع أدبي كبیر. في القضیة كان یمكن أن یسمى البطل شمیدت أو فرانز كافكا ، لكن یسمى
    جوزیف ك .. إنه لیس كافكا، و مع ذلك فإنه ھو نفسه : أوروبي متوسط، مثل كل الناس. لكنه أیضا الھویة ك .. الذي يمثل رمز (ص) في معادلة الجسد.
    وإذا كان كافكا قد اختار أن یعبرعن اللامعقول، فإن ما استخدمه لذلك إنما ھو التناسق . إننا نعرف قصة ذلك المجنون الذي كان یصطاد في ( البانیو )، والطبیب الذي كانت لدیه أفكاره عن علاج الأمراض العقلیة و النفسیة، حین سأله: (( و إذا عضك ھذا ؟ )) فأجابھ المجنون على الفور بكل صرامة : (( لا یا أحمق إنه بانیو )) . و إذا كانت ھذه الحكایة ذات طابع باروكي فإننا ندرك منھا بصورة محسوسة ، كیف یظل الواقع اللامعقول مرتبطًا بمدخل إلى المنطق . إن عالم كافكا یدق عن الوصف، حیث یمنح الإنسان نفسه ( المتعة المؤلمة ) باصطیاده من ( البانیو ) ، ھو یعلم تماما أنه لن یُخرج منه شیئا.
    إنني أعترف ھنا بعمل لامعقول في جمیع أسسه . و بالنسبة إلى القضیة مثلا، أستطیع القول بأن النجاح كامل . فالجسد ینتصر. ولا شيء یفتقد فیھا: لا الثورة غیر المعبر عنھا ( مع أنھا ھي التي تكتب) ولا الیأس الواضح والصامت ( وھو الذي یبدع ) ولا تلك الحریة المدھشة للغرابة التي تستنشقھا الشخصیات حتى اللحظة الأخیرة.
    ومع ذلك ، لیس ھذا العالم مغلقا كما یبدو. ففي ھذ العالم الخالي من ضروب التقدم، سوف نجد كافكا یدخل الأمل في شخصیة ( فریدا ). و في ھذا الصدد، فإن القضیة والقصر لا یسیران في نفس الإتجاه . إنھما یتكاملان. و یمثل التطور المحسوس في كل منھما فتحًا ھائلًا في میدان الغزو.
    القضیة تثیر المشكلة بینما تحاول القصر حلھا. القضیة تصف، تبعا لمنھج شبه عملي، و القصر یتخیل العلاج. لكن الدواء المقترح ھما لا یشفي . إنه فقط یدخل المرض في مسیرة الحیاة الیومیة، و یساعد على قبوله. و بمعنى ما ( نقصد ھنا كیركجارد ) یجعلھ شیئا عزیزًا .
    إن المھندس ك .. لا یستطیع أن یتخیل أي ھم آخر، غیر ذلك الذي یضنيه. والذین یحیطون به إنما یھیمون بذلك الفراغ، و ذلك العذاب المجھول الاسم، كما لو أن المعاناة ھنا قد اكتست وجھًا مفضلًا. تقول فریدا للمھندس ك .. :(( ما احوجني الیك ! لم أشعر بأنني مھجورة منذ عرفتك . و تزداد حاجتي إلیك عندما لا تكون بالقرب مني )) . إن ھذا الدواء الدقیق الذي یجعلنا نحب من یسحقنا، و یولد الأمل في عالم في عالم بدون مخرج، و تلك الطفرة التي یتغیر بھا تقریبا كل شيء: ھما سر الثورة الوجودیة و سر روایة القصر نفسھا .
    قلیل من الأعمال أكثر صرامة من خطواتھا من القصر، فقد عین ك .. مھندسًا للقصر، و ھو یصل إلى القریة، و ھناك یكتشف أن كل الطرق المؤدیة إلى القصر مستحیلة. و خلال مئات الصفحات ، ترى ك .. یصر على أن یجد طریقه ، و یطرق كل السبل، و یكید، و ینحرف، و لا یغضب أبدًا .. و أخیرًا یلتحق بالوظیفة المقدمة له . أن كل فصل في الروایة یعتبر سقوطًا، و ھو أیضًا عبارة عن بدایة من جدید. ھنا لا نلتقي بالمنطق، و لكن بروح التتبع و الاستقصاء، و مدى
    ھذا العناد ھو ما یصنع المأساة، فعندما یتصل ك .. بالقصر تیلفونیا، لا یصل إلى سمعه سوى أصوات غامضة، مختلطة، و ضحكات مبھمة، و نداءات بعیدة .. و ذلك ھو كل ما یغذي أمله ، مثل تلك السحابات القلیلة التي تظھر في سماء الصیف، أو تلك الوعود المسائیة التي تمنحنا الرغبة في الحیاة، و ھنا نجد سر كآبة كافكا، الخاصة به، و ھي نفسھا في الحقیقة التي نستشفھا من أعمال بروست ، أو لدى افلوطین في (( الحنین الى جنات مفقودة )) تقول أولجا : (( غدوت كئیبة للغایة عندما قال لي برنایا ، ھذا الصباح أنه سوف یذھب إلى القصر. ربما كانت ھذه المسافة غیر مفیدة. ربما كان ھذا الیوم ضائعا . ربما كان ھذا الأمل عبثا )) . على ھذا الوتر (( ربما .. )) یعزف كافكا عمله كله. لكنه لا یحقق فیه شیئا . أما البحث عن الجانب الخالد ، فھو مغرق في التفصیلات ، و نقدم تلك الشخصیات الآلیة صورة لما سوف ( نؤول إليه جمیعا ، مجردین من ملاھینا الزائلة، و متجردین بالكلیة إلى الخضوع الإلھي ( ٢

    في القصر، یصبح الخضوع إلى ما ھو یومي تصرفات و إخلاقًا . فأمل ك .. الكبیر ھو أن یبلغ ھدفه ، و ھو أن یتبناه القصر. ولأنه غیر مستطیع وحده إلى الوصول إلى ھذا الھدف، فإنه یبذل غایة جھده للحصول على تلك النعمة بأن یصبح من سكان القریة، و مع ذلك فإن كل الناس یعاملونه كغریب. إن كل ما یریده: مھنة و منزل و حیاة رجل مستقیم. لكن ھذه الأشیاء تتطلب أكثر من الجنون، و ھو حریص على أن یظل إنسانًا عاقلًا، فیحاول أن یتخلص من تلك اللعنة الملاحقة له، و التي تجعل منه غریبًا عن أھل القریة، و ھنا تظھر مرحلة فریدا، تلك المرأة التي تعرفت على أحد موظفي القصر، و صارت عشیقة له بسبب ماضیه. إنه یستلھم منھا شيء یتجاوزه، و في نفس الوقت الذي یرى فیه أنھا غیر أھل لسكنى القصر . إننا نقصد ھنا كیركجارد في حبھ الفرید لریجین أولسن: ذلك أنه یحدث لدى بعض الرجال أن نار الخلود التي تلھمھم تكون من القوة و العنف بحیث یحترق معھم قلوب الذین یحیطون بھم.
    عندما یتخلص المھندس من فریدا، یذھب إلى أخوات برنایا، والواقع أن عائلة برنایا ھي الوحیدة في القریة التي تعتبر مھجورة تمامًا من القصر، وبالتالي من القریة. فقد سبق أن رفضت أمالیا أخت برنایا الكبرى، الاقتراح غیر الشریف الذي عرضه علیھا أحد موظفي القصر، و كان لھذا أثر على سمعتھا الأخلاقیة، و تلك الأخلاق قائمة بالطبع على مقاییس اجتماعیة فاسدة، و ھنا نتعرف على موضوع مألوف في الفلسفة الوجودیة و ھو أن الحقیقة تتعارض دائما مع الأخلاق الفاسدة. و مع ذلك فإن الأمور تسیر إلى أبعد من ھذا، فالطریق الذي یقطعه بطل كافكا ، ذلك الذي یذھب من فریدا إلى أخوات برنایا ، ھو نفسه الذي یذھب من الحب المعطى إلى تعظیم اللامعقول، و ھنا أیضًا یتبع فكر كیركجارد. و من غیر المفاجئ إذن أن تأخذ حكایة برنایا مكانھا في آخر روایة القصر. و تتمثل محاولة المھندس الأخیرة في أنه یجد لله فیما ینكره و یجحده، فلا یتعرف علیه تبعًا لمقولات الخیر و الجمال، و إنما خلف الوجوه الفارغة والبشعة، اللامبالاة و الظلم و الحقد، وعندئذ یجد ھذا الغریب الذي طلب من القصر أن یتبناه، في نھایة رحلتھ نفسه منفیا ، وھنا یتخلى عن الاخلاق و المنطق و حقائق الأشیاء لكي یدخل بثورته الوحیدة من الأمل في فضاء العنایة الإلھیة ( ٣

    و ینبغي ألا ندھش من كلمة (( الأمل )) ھنا. لأن ھناك ما ھو أكثر مأساویة ، و ھو الشرط الذي یضیفه إلیھا كافكا ، والذي یجعل ھذا الأمل أكثر تحدیًا و صلابة، و إذا كانت القضیة عملًا لا معقولا، فإن تلك الطفرة التي تحتوي علیھا القصر تعتبر مثیرة وغیر شرعیة . لكننا نجد ھنا تناقض الفكر الوجودي في حالته الصافیة، كما عبر عنه كیركجارد في قوله: (( ینبغي علینا أن نقرع حتى الموت أبواب الأمل الأرضي .. عندئذ فقط سوف تنجو بالأمل الحقیقي )). ( ٤) وھو ما یمكن لنا أن نترجمه ف حالة كافكا على النحو التالي: (( كان یجب أن یكتب القضیة، لكي یشرع في كتابة القصر))
    لقد اعترف معظم الذین كتبوا عن كافكا بعمله كصرخة بائسة، في موقف لا یوجد فیه اللإنسان أي مخرج . لكن ھذا يتطلب إعادة نظر، ومن جانبي أؤكد أنه يوجد أمل، وأجد أن أعمال هنري بوردو المتفائلة مثبطة للهمة، وذلك لأنها لا تحتوي على أي قدر مما يناسب القلوب العصية، وذلك لأنھا لا تحتوي على أي قدر مما یناسب القلوب العصیة، و على العكس من ذلك، فأنا أرى فكر اندريه مالرو قويًا ومشجعًا. لكن الأمر لا يتعلق في الحالتين بنفس الأمل، ولا بنفس اليأس.

    العمل اللامعقول نفسه یمكن أن یؤدي إلى عدم الأمانة ، الذي أجھد دائمًا أن أتحاشاه. و ما یھدد العمل بأنواع الغموض واللبس ھو وقوعه في التكرار، الخالي من المضمون، لظروف عقیمة، و كذلك في محاولة التنبؤ الرافض للظواھر، سریعة الزوال. و الكاتب الحقیقي یفسر أو یعطي دائمًا شكلًا للأمل، بل إنه لا یستطیع أن یكرر شیئا في عمله .
    یبدو أن أعمال كافكا و كیركجارد وتشیكوف، و لكي نكون مختصرین: أعمال كل الفلاسفة و الروائیین الوجودیین، تتجه بكاملھا نحو اللامعقول و نتائجه . أي إنھا تصل في النھایة المطاف الى إعلان تلك الصرخة المدویة للأمل .. إن ھؤلاء الكتاب یحتوون القوة الإلھیة التي تلتھمھم . و یتم ذلك عن طریقي الخشوع و الأمل . لأن ((لامعقولیة)) ھذا الوجود تؤكد لھم ، إلى حد ما واقع ما فوق الطبیعة. و إذا أوصل طریق ھذه الحیاة إلى الله ، فھناك إذن المخرج . وھكذا یظل
    الدأب و العناد اللذان یكرر بھما أبطال كافكا وتشیكوف وكیركجارد تجولاتھم ھما الضمان الوحید للقدرة النابعة من ھذا الامل ( ٥
    یرفض كافكا أن یخلع عن إلهه العظمة الأخلاقیة و البداھة والخیر و التجانس، و كل ذلك من أجل أن یلقي نفسه بین ذراعیه على نحو أفضل، ولا شك في أن اللامعقول معترف به و مقبول . و في اللحظة التي یستسلم له الإنسان لا یصبح((لا معقولا )) . وإنما في حدود الحیاة الإنسانیة، ما أكبر الأمل الذي یتیح للإنسان أن یتخلص من ھذه الحیاة؟ إنني أرى أن الفكر الوجودي (( معجونًا )) من أمل مفرط ، و بھذا الأمل نفسه، استطاعت المسیحیة الأولى بإعلانھا البشارة أن تنھض بالعالم القدیم. لكن في تلك الطفرة التي تمیز الفكر الوجودي بالعناد، و بمساحة إلھیة دون سطح، كیف نجحدوجود الوضوح الشدید؟ إن كل ما نطلبه فقط ھو أن یطاطئ الزھو قلیلا من نفسه .. حتى ینجو و تلك محاولة خصبة . و في رأیي أننا لا نقلل من القیمة الأخلاقیة للوضوح الشدید بقولنا منھا إنھا عقیمة، ككل زھو، لأن الحقیقة، بتعریفھا نفسه، ھي أیضا عقیمة. إنه في عالم أعطى فیه كل شيء ، و لم یفسر فیھ شيء، تغدو خصوبة قیمة ما میتافیزیقا: مفھومًا
    فارغا من المعنى .
    و مع ذلك، فنحن نرى ھنا في أي مكان من التقالید الأدبیة ینبغي وضع أعمال كافكا، سوف یكون من العبث أن نعتبرالسیر من القضیة إلى القصر صارمًا، فإن جوزیف ك .. و المھندس ك .. ھما القطبان اللذان یتجاذبان كافكا ( ٦) . وسوف أتحدث مثله و أقول أن عمله ((ربما )) لا یكون معقولًا . لكن ھذا لا یمنعنا من أن نعترف بعظمته و عالمیته ، وكلاھما یجيء من أنه عرف كیف یصور ذلك العبور الیومي من الأمل إلى الحزن ، ومن الحكمة الیائسة إلى العمى الإرادي . إن عمل كافكا عالمي ( و یلاحظ أن كل عمل لا معقول لیس بالضرورة عالمیًا ) صور في الوجه المثیرللإنسان الھارب من إنسانیته ، و القادر وسط متناقضات یأسه الخصب ، أن یعتقد في الأمل، و أن یخلع على عمله الشنیع بالموت.. حیاة . إن عمل كافكا عالمي، لأنه ذو استلھام دیني. و كما في كل الدیانات، یتخلص الإنسان من ثقل حیاته الخاصة. لكنني إذا كنت أعلم ھذا، و أعرف كیف أعجب به ، فإنني أعلم أیضا أنني لا أبحث عما ھو عالمي وإنما عما ھو حقیقي، و یمكن للجانبین ألا یتطابقا.
    سوف تتضح طریقتي في الروایة أكثر، إذا ما قلت أن الفكر الیائس یتحدد بمعاییر متعارضة ، و إنه بإمكان العمل أن یكون مأساویًا، وھو یصف حیاة رجل سعید! إن الحیاة تفیض بضروب النفي و الطرد، و أكثر لا معقولیة: ھي فكرة أن نفقدھا. و ھنا یكمن سر تلك الحدة الرائعة التي نستشفھا من أعمال نیتشه.. ففي نظامه الفكري، یبدو نیتشه أنه ھوالفنان الوحید الذي استطاع أن یستخلص النتائج الأخیرة لعلم الجمال اللامعقول . حیث تبدو دعوته الأخیرة عبارة عن الوضوح الشدید، العقیم و الفاتح، و طرح كل استثارة لما فوق الطبیعة .

    أعتقد أن ما سبق یكفي لإبراز الأھمیة الرئیسیة لعمل كافكا في مستوى تلك الدراسة. و في حدود الفكر الإنساني، نجد أننا قد (( تحولنا )) . إن كل ما في عمل كافكا یعتبر أساسیا، و ھو یثیر في كل حالاته مشكلة اللامعقول بكاملھا . و إذا ما أردنا تقریب ھذه النتائج من ملاحظاتنا الأولى: المضمون و الشكل، و المعنى الخفي للقصر، و الفن الطبیعي الذي
    تنساب فیه . البحث المثیر و المزھو لشخصیة ك .. و الدیكور الیومي الذي یتحرك فیھ ، استطعنا أن ندرك عظمة كافكا .
    و إذا كان الحنین إلى الماضي طابع كل ما ھو إنساني ، فإن أحدًا لم یھتم بأشباحه ذلك الاھتمام الذي أولاه كافكا ، لكننا ندرك في الوقت نفسه، ما ھي العظمة الفریدة التي یتطلبھا العمل اللامعقول، و التي من الممكن ألا تكون موجودة ھنا:
    فاذا كانت خاصیة الفن ھي أن تربط بین العام و الخاص، فإن عظمة الكاتب اللامعقول تتمثل في أن یتغلغل في ھذین العالمین، و یكمن سره في معرفة النقطة المحددة التي یتصلان فیھا. أقصد نقطة عدم تناسقھما الھائل .
    الحق یقال، إن كثیرًا من القلوب الصافیة تستطیع أن ترى ذلك الوضع الھندسي لما ھو إنساني و غیر إنساني ، في كل مكان. و إذا اعتبر فاوست و دون كیشوت مخلوقات فنیة عظیمة، فإنما ذلك بسبب العظمة التي تبدو في أیدیھما الأرضیة، و مع ذلك فإن ھناك لحظات، ینكر فیھا الذھن ما تلمسه ھذه الأیدي من حقائق. و في اللحظة التي لا یعتبر فیھا الإبداع تبعا للمأساة، و إنما یؤخذ على نحو جاد، یتحول الإنسان إلى الأمل . لكن ھذا لیس من شأنه. إن دوره فقط ھو أن یحید
    عن الخداع . وھذا ھو ما أجده تحت مصطلح القضیة العنیفة التي یدعیھا كافكا على الإنسانیة جمعاء . و في النھایة یأتي قراره الذي لا یصدق .. فیبرئ ھذا العالم القبیح المضطرب ، الذي یتسلى فیه الحیوانات العمیاء التي تعیش على شطوط الترع .. بالأمل ( ٧

    ھوامش :
    -1 یلاحظ أنه قد یمكن تفسیر أدب كافكا في إطار النقد الاجتماعي ( القضیة مثلا ) . و من ناحیة أخرى لا یوجد اختیار، معین یبدو كلا التفسیرین ملائما، و تبعًا للمصطلحات الوجودیة، فقد رأینا أن التمرد ضد البشر یتجه أیضًا إلى الإله: إن الثورات الكبرى دائما میتافیزیقیة
    -2 في (( القصر )) یبدو أن (( التنوعات )) بالمعنى الباسكالي ، متمثلة في ھیئة مساعدین أو معاونین یحولون ك.. عن قلقه . و إذا انتھى الأمر بفریدا لكي تصبح عشیقة أحد ھؤلاء المعاونین، لأنھا تفضل الدیكور على الحقیقة و الحیاة الیومیة عن القلق المشترك
    -3 من الواضح أن ھذا لا یعني إلا النسخة غیر المكتملة التي تركھا كافكا من ( القصر ) . لكن من المشكوك فیه أن الكاتب قطع في الفصول الأخیرة وحدة لھجة الروایة.
    -4 طھارة القلب
    -5 الشخصیة الوحیدة التي بدون أمل في ( القصر ) ھي امالیا ، و یلاحظ أنھا ھي التي یعارضھا المھندس بكل عنف.
    -6 حول جانبي فكر كافكا یقارن (( في السجن )): (( لیس الإثم أبدًا موضع شك )) و مقطع من القصر : (( من الصعب إدانة المھندس ))
    -7 ما قدمناه في ھذه الدراسة عبارة عن (( تفسیر )) لعمل كافكا، لكن من الإنصاف أن نضیف : أن شیئا لا یمنع أن نعتبر ھذا العمل، بعیدا عن أي تفسیر، من زاویة جمالیة بحتة ، فمثلا جروتیزن مقدمته الرائعة ( للقضیة ) إھتم فقط بحكمة أكثر منا ، بتتبع التخیلات الحزینة لما أطلق علیه على نحو مدھش (( النائم الیقظان )) . إن مصیر عمل كافكا و ربما عظمتھه، ھو أن یقدم كل شيء، ولا یؤكد شیئا.

  • المشط في الليل – عبدالله حمدان الناصر

    المشط في الليل – عبدالله حمدان الناصر

    الغريبُ كي لا يوقظكِ يتعلمُ حياةً كاملةً في الظلام.
    ولئلّا يفسد أحلامكِ يتعفف عن المصابيح.

    الغريبُ كي لا يبدد منامكِ يتعلمُ المشط في الليل، ويبتكر طرقاً لتسريح شعره بعينين مربوطتين.

    الغريبُ في ليل المنضدة يميّز مشط امرأته مثلما يتشمم البحارة النجوم، والأنبياء أبناءهم.

    أنا غريبكِ أحملُ مشطكِ من شذاه ، أستضيء بخصلة الذهب العالقة فيه كما يحمل الرعاة سرجهم في الفجر.

    بنور مشطك اهتديتُ ، وبتّ أخرج للصبح بكدماتٍ أقل.

    ولأن نومتكِ عزيزة ، يتمرن الغريب في العتمة على انتقاء جوربين غير مثقوبين من بين أكداس الجوارب السود في الجوارير .

    لأن نومتكِ عزيزةٌ يتوضأ أعشاكِ منذ عقدين بماء خفيضٍ ، يصلي سراً على رؤوس أصابعه، وفي حجرتكِ لا يتحدث إلى الله جهرة.

    الغريب، لم يزل منذ عينيك ، يوقّر مفتاح الضوء في حجرة النوم.

    الغريب الذي لا زال يستيقظ قبلكِ منذ عقدين، ينهض من تختكِ يختار ملابسه في الظلام ، ويسوّي بخفةٍ ربطة عنقه أمام مراياك التي لا تبصر إلاك.

    الغريب كي لا يبدد منامك أخبر الأشياء كلها عنك.
    علّم العطر أن يكتم في الغرفة شذاه، وخشب الأدراج أن لا يصدر صوتاً، والحذاء أن يكون كتوماً، والمشط أن يمر بخفة، وساعة اليد أن تتماوت، بينما أنتِ في النوم.

    الغريب الذي بعينين معصوبتين أتقنَ تهذيب لحيته ودمعته في الظلمات، وبات يتعرف على العطر من ملمس الزجاجة، يلقي كل صباحٍ نظرةً على فتاة السهول التي لم تفق من أقحوانها ، يتهندم في ظلامٍ كاملٍ، قبل أن يتسلل إلى وظيفته كاللصوص.


    *نص: عبدالله حمدان الناصر
    *من ديوان: اللحاق بالرمل

  • محاولة حائط للتعبير عن قلقه – سلمان الجربوع

    محاولة حائط للتعبير عن قلقه – سلمان الجربوع

    محاولةُ حائط للتعبير عن قلقه

    حائطٌ
    يتقشّر،
    ……ذاك وجهي
    ……في الشتاء
    ……قلِقًا
    ……يتأمّل البحر.

    هل يرى السائرون في خيال الميناء
    وجهًا
    بعينين مفقوشتين
    يتخثّر سوادُهما الرجراج
    على هيئة طلاء،

    ……ذاك حائطٌ
    ……في الشتاء
    ……حطّ عليه رجلٌ قلِق،
    ……تأمّل البحر…
    ………….وراح

    ***

    هاوية

    الهاوية
    أمان البيت،
    لم أركض إليها مثل طائرةٍ على أهبة الإقلاع
    لأطرق الباب.

    مخضوضًا بالذكريات
    أقتحم حافّتي
    وأهوي

    ………….أنا
    …………….وقلبي المنخلع
    ……………….وأثاث جسدي المتطاير

    ………..نصغي
    ………..لأوبرا الريح…

    ***

    العالم

    يقف
    مثل مخبول
    على الرصيف
    في انتظار أوّل سيّارة أجرة
    تأخذه
    إلى يوم القيامة.

    ***

    تذكرة عودة

    ليلةٌ مفقوءة العينين
    وذراعُ سكران
    ترك رأسه في الحانة
    على سبيل الإكراميّة،

    هذا كلّ ما أحتاجه
    لأقطع الشارع المؤدّي إلى الوطن

    ***

    فكرة البيت

    أقيم في فكرة البيت أكثرَ من البيت نفسه
    ويعجبني
    أنّ غرفة النوم واسعة مثل صحراء،
    وأنّ سريري سرابٌ مزدوج.

    ***

    كلاب أليفة

    إنّهم فتيةٌ عرفتُهم
    هربوا من بيوتهم مطعونين بظلم ذوي القربى
    وأووا إلى كهفٍ في حُلْم كلب
    وناموا طويلًا…

    كانت أرواحهم الشاحبة
    تسيل في شوارع الليل وتتناسخ
    حتى صاروا كلابًا أليفة
    مرعوبةً
    من فكرة الاستيقاظ

    ***

    قميص

    – أيَّ قميصٍ تلبسه في السكينة؟
    – في السكينة لا أرتدي غير جلدي القديم
    أتذْكرُهُ؟
    لا أظنّك تعرفني فيه
    فما زال منذ اتّسع الخرق على الخريطة
    معلَّقًا في الخزانة
    حتى صار بلونِ المقبرة،

    لا السكينةُ زارت
    ولا اهتديتُ إلى بيتها.

  • لقد فاتني أن أكون نبياً‎ – فيصل خرمي

    لقد فاتني أن أكون نبياً‎ – فيصل خرمي

    لم آكل من تلك الشجرة،
    ولم أدخل جنة حتى أُطرد منها.
    إني هنا، بفعل خطيئة لم أرتكبها.
    أجلسُ في غار،
    لا يظهر لي جبريل،
    كم تؤلمني هذه الوحدة يا رب،
    كم تمنيت لو أنّي أصادق أحدهم،
    حتى لو كانت مجرد نملة،
    نتجاذب أطراف الحديث،
    لكنني لستُ سليمان على أية حال،
    وحين أعود إلى بيتي،
    لن تكون هناك خديجة لتدثرني.
    آه، لقد جئت متأخرًا جدًا،
    ولم ألحق بسفينة نوح،
    ولن يتجمّد أي بحر من أجلي،
    لا معجزة لدي،
    فأنا لستُ موسى.
    أنا أغرق الآن،
    وعندما يبتلعني الحوت،
    لن أنجو مثل يونس،
    سأموت ولن يتذكرني أحد،
    لقد فاتني أن أكون نبياً.

  • هذه صورةٌ فوتوغرافيّةٌ لي – مارغريت آتوود

    هذه صورةٌ فوتوغرافيّةٌ لي – مارغريت آتوود

    التُقطتْ منذ بعض الوقت.
    تبدو لأوّل وهلة
    صورةً مطموسة المعالم: خطوطٌ غير واضحة ونُقطٌ رماديّة
    ممتزجةٌ بالورق؛

    ثمّ، بينا تدقّق فيها،
    تبصر في الزاوية اليسرى
    شيئًا يشبه غصنًا: جزءًا من شجرة
    (شجرة بلسم أو صنوبر) ناتئًا
    وإلى اليمين، منتصفَ الطريق إلى أعلى
    ما يجب أن يكون منحدرًا
    سهلًا، منزلًا صغيرَ الشكل.

    في الخلفيّة ثمّة بحيرة،
    وخلف ذلك، بعض التلال الخفيضة.

    (التُقطتْ الصورةُ
    في اليوم الذي تلا غرقي.

    أنا في البحيرة، في وسط
    الصورة، تمامًا تحت السطح.

    من الصعب أنْ أقول أين
    على وجه الدّقة، أو أنْ أقول
    كم أنا ضئيلةٌ أو ضخمة:
    تأثير الماء
    على الضوء تزييف

    لكنْ إنْ أمعنت النظر طويلًا بما فيه الكفاية،
    في النهاية
    سيكون في مقدورك أن تراني.)

    ترجمة: سلمان الجربوع.

  • عودة مفاجئة إلى مسقط الرأس – بكاي كطباش

    عودة مفاجئة إلى مسقط الرأس – بكاي كطباش

    أمس مات صاحب الدكان الوحيد في القرية
    وزعوا على التلاميذ حبات تمر وأرغفة
    اه لو يموت كل يوم
    صاحب الدكان الوحيد في القرية !

    جلبنا من النهر الماء
    جمعنا الحلزون
    أصابعنا سوداء
    وأرواحنا تلمع كالكهرمان

    سكة المحراث
    أنظري كيف تشق القلب
    هل عرفت الآن؟

    العين في الكف
    على الباب حدوة الحصان
    الرّغيف في فرن الطين
    والجرة سكرانة
    أدخل إذن أدخل
    على الرحب والسّعة

    إخلع حذاءك
    إخلع الوظيفة
    أوقف ساعتك
    هذا الوعي الشّقي
    أزحه جانبا
    أنظر!
    البرتقالة تنضج في هدوء
    ولا تبالي.

  • ألفونسو غاتو – لا تنظر إلى شيء غير السماء – ترجمة اسكندر حبش

    ألفونسو غاتو – لا تنظر إلى شيء غير السماء – ترجمة اسكندر حبش

    لا تستمع إلى القطارات،
    لا تنظر إلى شيء غير السماء
    قبر القمر البارد، استمع إلى خطوة
    الحراس الحديدية. العالم ملكهم
    ولم يعد يقول شيئا، لا يعطي
    أي فرصة للشفقة، ولا أي هدنة للغضب.
    خطوة، كانوا يسمعونها وهم ينسجون
    على ظل القمر أو على صمت
    المدينة التي تعيد الصدى إليهم.
    اتركهم وحدهم، هم الذين يتقدمون وحدهم
    في ضحكة الله الجامدة.
    كان الصبي يقول لها
    ابقي معي في الليل، كم هو طويل
    ولا يكفي الحب ليعطيه معنى.
    عند الفجر يأتي باكيا، البرد
    عديم الشفقة، خطوة أمي
    في ذكرى كآبتها المسورّة
    خطوة متعبة، أضعف دائما.
    من يدري إن كنت سأعود حيث تنتظرني.
    أن أراك في الجوار وبسأم أستقبل
    من يديك النهار على جبهتي،
    يساعدني ذلك على أن أنغلق على نفسي
    داخل عينيّ
    من يقاوم الشتيمة يحبنا،
    يسهر الهدوء، يمكن للنعاس أن يأتي.

  • أحمد مطر – أحاديث الأبواب

    أحمد مطر – أحاديث الأبواب

    (1)

    كُنّا أسياداً في الغابة،

    قطعونا من جذورنا

    قيّدونا بالحديد، ثمّ أوقفونا خَدَماً على عتباتهم.

    هذا هو حظّنا من التمدّن.

    ليس في الدُّنيا مَن يفهم حُرقةَ العبيد

    مِثلُ الأبواب.

    (2)

    ليس ثرثاراً

    أبجديتهُ المؤلّفة من حرفين فقط

    تكفيه تماماً

    للتعبير عن وجعه :

    طَقْ!

    (3)

    وَحْدَهُ يعرفُ جميعَ الأبواب

    هذا الشحّاذ

    ربّما لأنـه مِثلُها

    مقطوعٌ من شجرة!

    (4)

    يَكشِطُ النجّار جِلدَه

    فيتألم بصبر

    يمسح وجهَهُ بالرَّمل

    فلا يشكو

    يضغط مفاصِلَه

    فلا يُطلق حتى آهة

    يطعنُهُ بالمسامير

    فلا يصرُخ

    مؤمنٌ جدّاً

    لا يملكُ إلاّ التّسليمَ

    بما يَصنعهُ

    الخلاّق!

    (5)

    ( إلعبوا أمامَ الباب )

    يشعرُ بالزَّهو

    السيّدةُ

    تأتمنُهُ على صغارها.

    (6)

    قبضَتُهُ الباردة

    تُصافِحُ الزائرين

    بحرارة.

    (7)

    صدرُهُ المقرور بالشّتاء

    يحسُدُ ظهرَهُ الدّافىء

    صدرُهُ المُشتعِل بالصّيف

    يحسدُ ظهرَهُ المُبترد

    ظهرُهُ، الغافِلُ عن مسرّات الدّاخل،

    يحسُدُ صدرَهُ

    فقط

    لأنّهُ مقيمٌ في الخارِج.

    (8)

    يُزعجهم صريرُه

    لا يحترمونَ مُطلقاً

    أنينَ الشّيخوخة!

    (9)

    ترقُصُ،

    وتُصفّق

    عِندَها

    حفلةُ هواء!

    (10)

    مُشكلةُ باب الحديد

    إنّهُ لا يملِكُ

    شجرةَ عائلة!

    (11)

    حَلقوا وجهَه

    ضمَّخوا صدرَه بالدُّهن

    زرّروا أكمامَهُ بالمسامير الفضّية

    لم يتخيَّلْ،

    بعدَ كُلِّ هذهِ الزّينة،

    أنّهُ سيكون

    سِروالاً لعورةِ منـزل!

    (12 )

    طيلَةَ يوم الجُمعة

    يشتاق إلى ضوضاء الأطفال

    بابُ المدرسة

    طيلةَ يوم الجُمعة

    يشتاقُ إلى هدوء السّبت

    بابُ البيت!

    (13)

    كأنَّ الظلام لا يكفي

    هاهُم يُغطُّونَ وجهَهُ بِستارة

    لستُ نافِذةً يا ناس

    ثُمّ إنني أُحبُّ أن أتفرّج

    لا أحد يسمعُ احتجاجَه

    الكُلُّ مشغول

    بِمتابعة المسرحيّة!

    (14)

    أَهوَ في الدّاخل

    أم في الخارج ؟

    لا يعرف

    كثرةُ الضّرب

    أصابتهُ بالدُّوار!

    (15)

    بابُ الكوخ

    يتفرّجُ بكُلِّ راحة

    مسكينٌ بابُ القصر

    تحجُبُ المناظرَ عن عينيهِ، دائماً،

    زحمةُ الحُرّاس!

    (16)

    يعملُ عملَنا

    ويحمِلُ اسمَنا

    لكِنّهُ يبدو مُخنّثاً مثلَ نافِذة

    هكذا تتحدّثُ الأبوابُ الخشَبيّة

    عن البابِ الزُّجاجي!

    (17)

    لم تُنْسِهِ المدينةُ أصلَهُ

    ظلَّ، مثلما كان في الغابة،

    ينامُ واقفاً!

    (18)

    المفتاحُ

    النائمُ على قارعةِ الطّريق

    عرفَ الآن،

    الآن فقط،

    نعمةَ أن يكونَ لهُ وطن،

    حتّى لو كان

    ثُقباً في باب!

    (19)

    مَن الطّارق ؟

    أنا محمود

    دائماً يعترفون

    أولئكَ المُتّهمون بضربه!

    (20)

    ليسَ لها بيوت

    ولا أهل

    كُلَّ يومٍ تُقيم

    بين أشخاصٍ جُدد

    أبوابُ الفنادق!

    (21)

    لم يأتِ النّجارُ لتركيبه

    كلاهُما، اليومَ،

    عاطِلٌ عن العمل!

    (22)

    – أحياناً يخرجونَ ضاحكين،

    وأحياناً .. مُبلّلين بالدُّموع،

    وأحياناً .. مُتذمِّرين

    ماذا يفعلونَ بِهِم هناك ؟!

    تتساءلُ

    أبوابُ السينما .

    (23)

    (طَقْ .. طَقْ .. طَقْ )

    سدّدوا إلى وجهِهِ ثلاثَ لكمات

    لكنّهم لم يخلعوا كَتِفه

    شُرطةٌ طيّبون!

    (24)

    على الرّغمَ من كونهِ صغيراً ونحيلاً،

    اختارهُ الرّجلُ من دونِ جميعِ أصحابِه

    حَمَلهُ على ظهرِهِ بكُلِّ حنانٍ وحذر

    أركَبهُ سيّارة.

    ( مُنتهى العِزّ )..قالَ لنفسِه

    وأمامَ البيت

    صاحَ الرّجُل: افتحوا

    جِئنا ببابٍ جديد

    لدورةِ المياه!

    (25)

    – نحنُ لا نأتي بسهولة

    فلكي نُولدَ،

    تخضعُ أُمّهاتُنا، دائماً،

    للعمليّات القيصريّة

    يقولُ البابُ الخشبي،

    وفي عروقه تتصاعدُ رائِحةُ المنشار

    رُفاتُ المئات من أسلافي

    المئات.

    صُهِرتْ في الجحيم

    في الجحيم

    لكي أُولدَ أنا فقط

    يقولُ البابُ الفولاذي!

    (26)

    حسناً

    هوَ غاضِبٌ مِن زوجته

    لماذا يصفِقُني أنـا ؟!

    (27)

    لولا ساعي البريد

    لماتَ من الجوع

    كُلَّ صباح

    يَمُدُّ يَدَهُ إلى فَمِـه

    ويُطعِمُهُ رسائل .

    (28)

    إنّها الجنَّـة

    طعامٌ وافر،

    وشراب،

    وضياء،

    ومناخٌ أوروبـّي

    يشعُرُ بِمُنتهى الغِبطة

    بابُ الثّلاجة!

    (29)

    – لا أمنعُ الهواء ولا النّور

    ولا أحجبُ الأنظار

    أنا مؤمنٌ بالديمقراطية

    لكنّك تقمعُ الهَوام.

    تلكَ هي الديمقراطية

    يقولُ بابُ الشّبك.

    (30)

    هاهُم ينتقلون

    كُلُّ متاعِهم في الشّاحِنة

    ليسَ في المنـزل إلاّ الفراغ

    لماذا أغلقوني إذن ؟!

    (31)

    وسيطٌ دائمٌ للصُلح

    بين جِدارين مُتباعِدَين!

    (32)

    في ضوء المصباح

    المُعلَّقِ فوقَ رأسهِ

    يتسلّى طولَ الليل

    بِقراءةِ

    كتابِ الشّارع!

    (33)

    ماذا يحسبُ نفسَه ؟

    في النّهاية هوَ مثلُنا

    لا يعملُ إلاّ فوقَ الأرض

    هكذا تُفكِّرُ أبواب المنازل

    كُلّما لاحَ لها

    بابُ طائرة.

    (34)

    من حقِّهِ

    أن يقفَ مزهوّاً بقيمته

    قبضَ أصحابُهُ

    من شركة التأمين

    مائة ألفِ دينار،

    فقط

    لأنَّ اللصوصَ

    خلعوا مفاصِلَه!

    (35)

    مركزُ حُدود

    بين دولة السِّر

    ودولة العلَن

    ثُقب المفتاح!

    (36)

    محظوظٌ ذلكَ الواقفُ في المرآب

    أربعُ قفزاتٍ في اليوم

    ذلكَ كُلُّ شُغلِه

    بائسٌ ذلك الواقفُ في المرآب

    ليسَ لهُ أيُّ نصيب

    من دفءِ العائلة!

    (37)

    ركّبوا جَرَساً على ذراعِه

    فَرِحَ كثيراً

    مُنذُ الآن،

    سيُعلنون عن حُضورِهم

    دونَ الإضطرار إلى صفعِه!

    (38)

    أكثرُ ما يُضايقهُ

    أنّهُ محروم

    من وضعِ قبضتهِ العالية

    في يدِ طفل!

    (39)

    هُم عيّنوهُ حارِساً

    لماذا، إذن،

    يمنعونَهُ من تأديةِ واجِبه ؟

    ينظرُ بِحقد إلى لافتة المحَل:

    نفتَحُ ليلاً ونهاراً .

    (40)

    أمّا أنا فلا أسمحُ لأحدٍ باغتصابي

    هكذا يُجمِّلُ غَيْرتَه

    الحائطُ الواقف بينَ الباب والنافذة

    لكنَّ الجُرذان تضحك!

    (41)

    فَمُهُ الكسلان

    ينفتحُ

    وينغَلِق

    يعبُّ الهواء وينفُثهُ

    لا شُغلَ جديّاً لديه

    ماذا يملِكُ غيرَ التثاؤب ؟!

    (42)

    مُعاقٌ

    يتحرّكُ بكرسيٍّ كهربائي

    بابُ المصعد!

    (43)

    هذا الرجُلُ لا يأتي، قَطُّ،

    عندما يكونُ صاحِبُ البيتِ موجوداً

    هذهِ المرأةُ لا تأتي، أبداً،

    عندما تكونُ رَبَّةُ البيتِ موجودة!

    يتعجّبُ بابُ الشّارع

    بابُ غرفةِ النّوم وَحدَهُ

    يعرِفُ السّبب!

    (44)

    مُنتهى الإذلال

    لم يبقَ إلاّ أن تركبَ النّوافِذُ

    فوقَ رؤوسنا

    تتذمّرُ

    أبوابُ السّيارات!

    (45)

    أنتَ رأيتَ اللصوصَ، أيُّها الباب،

    لماذا لم تُعطِ أوصافَـهُم ؟

    لم يسألني أحد!

    (46)

    تجهلُ تماماً

    لذّةَ طعمِ الطّباشير

    الذي في أيدي الأطفال،

    تلكَ الأبوابُ المهووسةُ بالنّظافة!

    (47)

    – أأنتَ متأكدٌ أنهُ هوَ البيت ؟

    – أظُن…

    يتحسّرُ الباب :

    تظُنّ يا ناكِرَ الودّ ؟

    أحقّاً لم تتعرّف على وجهي ؟!

    (48)

    وضعوا سعفتينِ على كتفيه

    – لم أقُم بأي عملٍ بطولي

    كُلُّ ما في الأمر

    أنَّ صاحبَ البيتِ عادَ من الحجّ

    هل أستحِقُّ لهذا

    أن يمنحَني هؤلاءِ الحمقى

    رُتبةَ ( لواء ) ؟!

    (49)

    ليتسلّلْ الرّضيع

    لتتوغّلْ العاصفة

    لا مانعَ لديهِ إطلاقاً

    مُنفتِح!

    (50)

    الجَرسُ الذي ذادَ عنهُ اللّطمات

    غزاهُ بالأرق

    لا شيءَ بلا ثمن!

    (51)

    يقفُ في استقبالِهم

    يضعُ يدَهُ في أيديهم

    يفتحُ صدرَهُ لهم

    يتنحّى جانباً ليدخلوا

    ومعَ ذلك،

    فإنَّ أحداً منهُم

    لم يقُلْ لهُ مرّةً :

    تعالَ اجلسْ معنا!

    (52)

    في انتظار النُزلاء الجُدد…

    يقفُ مُرتعِداً

    علّمتهُ التّجرُبة

    أنهم لن يدخلوا

    قبل أن يغسِلوا قدميهِ

    بدماءِ ضحيّة!

    (53)

    ( هذا بيتُنـا )

    في خاصِرتي، في ذراعي،

    في بطني، في رِجلي

    دائماً ينخزُني هذا الولدُ

    بخطِّهِ الرّكيك

    يظُنّني لا أعرف!

    (54)

    الولدُ المؤدَّب

    لا يضرِبُ الآخرين

    هكذا يُعلِّمونهُ دائماً

    أنا لا أفهم

    لماذا يَصِفونهُ بقلَّةِ الأدب

    إذا هوَ دخلَ عليهم

    دون أن يضربَني ؟‍!

    (55)

    عبرَكِ يدخلُ اللّصوص

    أنتِ خائنةٌ أيتها النّافذة

    لستُ خائنةً، أيها الباب،

    بل ضعيفة!

    (56)

    هذا الّذي مهنتُهُ صَدُّ الرّيح…

    بسهولةٍ يجتاحهُ

    دبيبُ النّملة!

    (57)

    إعبروا فوقَ جُثّتي

    إرزقوني الشّهادة

    بصمتٍ

    تُنادي المُتظاهرين

    بواّبةُ القصر!

    (58)

    في الأفراح أو في المآتم

    دائماً يُصابُ بالغَثيان

    ما يبلَعهُ، أوّلَ المساء،

    يستفرغُهُ، آخرَ السّهرة!

    (59)

    اخترقَتهُ الرّصاصة

    ظلَّ واقفاً بكبرياء

    لم ينـزف قطرةَ دَمٍ واحدة

    كُلُّ ما في الأمر أنّهُ مالَ قليلاً

    لتخرُجَ جنازةُ صاحب البيت!

    (60)

    قليلٌ من الزّيت بعدَ الشّتاء،

    وشيءٌ من الدُّهن بعد الصّيف

    حارسٌ بأرخصِ أجر!

    (61)

    نحنُ ضِمادات

    لهذه الجروح العميقة

    في أجساد المنازل!

    (62)

    لولاه…

    لفَقدتْ لذّتَها

    مُداهماتُ الشُّرطة!

    (63)

    هُم يعلمون أنهُ يُعاني من التسوّس،

    لكنّ أحداً منهم

    لم يُفكّر باصطحابِهِ إلى

    طبيب الأسنان!

    (64)

    – هوَ الذي انهزَم

    حاولَ، جاهِداً، أن يفُضَّني

    لكنّني تمنَّعْتُ.

    ليست لطخَةَ عارٍ،

    بل وِسامُ شرَف على صدري

    بصمَةُ حذائه!

    (65)

    – إسمع يا عزيزي

    إلى أن يسكُنَ أحدٌ هذا البيت المهجور

    إشغلْ أوقات فراغِكَ

    بحراسة بيتي

    هكذا تُواسيهِ العنكبوت!

    (66)

    ما أن تلتقي بحرارة الأجساد

    حتّى تنفتحَ تلقائيّاً

    كم هي خليعةٌ

    بوّاباتُ المطارات!

    (67)

    – أنا فخورٌ أيّتُها النافذة

    صاحبُ الدّار علّقَ اسمَهُ

    على صدري

    – يا لكَ من مسكين!

    أيُّ فخرٍ للأسير

    في أن يحمِل اسمَ آسِرهِ ؟!

    (68)

    فكّوا قيدَهُ للتّو

    لذلكَ يبدو

    مُنشرِحَ الصَّدر!

    (69)

    تتذمّرُ الأبواب الخشبيّة:

    سَواءٌ أعمِلنا في حانةٍ

    أم في مسجد،

    فإنَّ مصيرَنا جميعاً

    إلى النّار!

    (70)

    في السّلسلةِ مفتاحٌ صغيرٌ يلمع

    مغرورٌ لاختصاصهِ بحُجرةِ الزّينة

    – قليلاً من التواضُعِ يا وَلَد

    لولايَ لما ذُقتَ حتّى طعمَ الرّدهة

    ينهرُهُ مفتاحُ البابِ الكبير‍!

    (71)

    يُشبه الضميرَ العالمي

    دائماً يتفرّج، ساكتاً، على ما يجري

    بابُ المسلَخ!

    (72)

    في دُكّان النجّار

    تُفكّرُ بمصائرها:

    – روضةُ أطفال ؟ ربّما

    – مطبخ ؟ مُمكن

    – مكتبة ؟ حبّذا

    المهمّ أنها لن تذهبَ إلى السّجن

    الخشَبُ أكثرُ رقّة

    من أن يقوم بمثلِ هذه المهمّة!

    (73)

    الأبوابُ تعرِفُ الحكايةَ كُلَّها

    من ( طَقْ طَقْ )

    إلى السَّلامُ عليكم.

  • ناهد الشمري – لا الآن ولا أمس

    ناهد الشمري – لا الآن ولا أمس

    The Plough and the Song
    Arshile Gorky

    في معرض ردها على قصيدة (الآن الآن وليس غدا) للأخوين رحباني والتي غنتها فيروز .

    عذراً للعُرْبِ، وقد باتت
    أمتُّهم للباغي مطمعْ

    لا الآنَ، ولا أمسِ، كانوا
    لا ليس غداً شمسٌ تطلعْ

    فالكلُّ بشيطانٍ يلهو
    والبعضُ يغني بلا مسمع

    والصوتُ الحرُّ بأوطاني
    ليس له أذنٌ تَسمعْ

    فالآنَ، الآنَ، وليس غداً
    صمّوا الآذان لمن جعجع

    لايخدَعْكم من قال هنا
    للعرب مناراتٌ تُرفعْ

    مادامَ القومُ بأبوابِ ال
    أعداءِ، سفالتُهم تَسطع

    ما حفظوا ماءَ الوجهِ،ولا
    أرضُ الاجدادِ غدتْ أروعْ

    فالغيرةُ نورٌ في الأرواح
    يُلقّاها البطلُ الأشجعْ

    كفّي فيروزتَنا قولاً
    الآنَ، فلا أحدٌ يسمع .

  • عدنان الصائغ – العبور إلى المنـفى

    Cena rural
    Candido Portinari

    أنينُ القطارِ يثيرُ شجنَ الأنفاقْ

    هادراً على سكةِ الذكرياتِ الطويلة

    وأنا مسمّرٌ إلى النافذةِ

    بنصفِ قلب

    تاركاً نصفَهَ الآخرَ على الطاولة

    يلعبُ البوكرَ مع فتاةٍ حسيرةِ الفخذين

    تسألني بألمٍ وذهول

    لماذا أصابعي متهرئة

    كخشب التوابيت المستهلكة

    وعجولة كأنها تخشى ألاّ تمسك شيئاً

    فأحدّثها عن الوطن

    واللافتات

    والاستعمار

    وأمجاد الأمة

    والمضاجعاتِ الأولى في المراحيض

    فتميلُ بشعرها النثيث على دموعي ولا تفهم

    وفي الركنِ الآخرِ

    ينثرُ موزارت توقيعاتِهِ على السهوبِ

    المغطاة بالثلج

    وطني حزينٌ أكثر مما يجب

    وأغنياتي جامحةٌ وشرسة وخجولة

    سأتمددُ على أولِ رصيفٍ أراه في أوربا

    رافعاً ساقيَّ أمام المارة

    لأريهم فلقات المدارس والمعتقلات

    التي أوصلتني إلى هنا

    ليس ما أحمله في جيوبي جواز سفر

    وإنما تأريخ قهر

    حيث خمسون عاماً ونحن نجترُّ العلفَ

    والخطابات

    وسجائر اللفِّ

    حيث نقف أمام المشانق

    نتطلعُ إلى جثثنا الملولحة

    ونصفقُ للحكّام

    خوفاً على ملفات أهلنا المحفوظةِ في أقبية الأمن

    حيث الوطن

    يبدأ من خطاب الرئيس

    وينتهي بخطاب الرئيس

    مروراً بشوارع الرئيس، وأغاني الرئيس، ومتاحف الرئيس، ومكارم الرئيس ، وأشجار الرئيس ، ومعامل الرئيس، وصحف الرئيس، وإسطبل الرئيس، وغيوم الرئيس، ومعسكرات الرئيس، وتماثيل الرئيس، وأفران الرئيس، وأنواط الرئيس، ومحظيات الرئيس، ومدارس الرئيس، ومزارع الرئيس، وطقس

    ستحدّق طويلاً

    في عينيّ المبتلتين بالمطر والبصاق

    وتسألني من أي بلادٍ أنا

  • يوجين يونسكو – نحن فريسة للشرّ

    يوجين يونسكو – نحن فريسة للشرّ

    Carnival Figures
    Rene Portocarrero

    من المؤكد أن هناك مذاهب وأيديولوجيات ومعتقدات نتخذ منها ذرائع، إن مفاهيم الوطن والدين والأرض والإقتصاد وصراع الطبقات ليست سوى الذرائع؛ الأقنعة التى تبرر جرائمنا وصلفنا، إن كل انسان بل كل كائن حي يجب أن يكون متأهباً للموت فى كل لحظة كما سبق وأن قلت، ولكن كل انسان أيضاً ينبغى أن يكون مستعداً لأن يهب كل شيء لأخيه الإنسان.
    ** ** ** **
    ومن دواعى الأسف أن كل ما يقع مقدور ومقدّر ومع كل فعلى الأرض التى هى أرض الله لكل انسان الحق فى أن يعيش وأن يجد لنفسه مكاناً، لقد تجاوزنا الآن مرحلة البحث عن الأسباب؛ أسباب الأخطاء التى ارتكبها هؤلاء أو أولئك. نحن لا نعرف.. لم نعد نستطيع أن نعرف أين الخطأ. ولكن الذى نعرفه هو أنه لا بد ولا غنى للبشرية، إذا كانت تريد أن تحفظ نفسها من الفناء الكامل، من أن نتفاهم جميعاً. على البشر أن يتعايشوا وأن يتحابوا. وهذا شيء ممكن. بل وقد تحقق ذلك فى عصور التاريخ الزاهرة.
    ** ** ** **
    للأسف ينبغى أن أكون رجل دينٍ لكى يتنازل الناس ويستمعوا لما أقول، وحتى لو كنت رجل دين، فهل سيستمعون لى؟
    ** ** ** **
    إننا جميعاً نخشى بعضنا من بعض، يرتاب بعضنا من بعض، ولا يثق بعضنا فى بعض. إنّنا جميعاً فريسة للشرّ ومع كلٍّ، فإن الحقد الذى يكنه بعضنا للبعض ينبغى أن يتحول، دفعة واحدة، إلى حب، حينئذ يصبح كل شيء ممكن.
    أنا لم أفقد كل أمل ، ومازلت أؤمن بالمعجزة.

  • عبد الحميد الصائح – افتح قلبي

    عبد الحميد الصائح – افتح قلبي

    Woman and Dove
    Rene Portocarrero

    أِفتحْ قلْبي

    قلبي مثلُ كتابٍ مهملْ

    لا تقرأْ عن تاريخ الناس   اِسمعْ نبضَهْ

    لا تقرأْ عن خوفِ التاريخ ِ

    وأنباءِ الثوراتِ

    وأخطاءِ الثوار ِ اِسمعْ نبضَهْ

    لا تقرأ عَن عمق حضارةِ تلكَ الأرض

    وأحلام ِالشعراءِ  اسمعْ نبضْهْ

    لاتقرأْ عن أرض ٍ,شمسُ سماها منها

    أرض ٍتغلي كليالي العشاق ِالقلقين

    إسمع نبضـَه

    لاتقرأْ عن شعبٍ  يالهُ من مخلوقٍ مرٍّ

    يعملُ محترقاً

    يبني محترقاً

    يغضبُ محترقاً

    ويحاربُ محترقاً

    يصعدُ محترقاً

    يهبط ُمحترقاً

    ويحبُ ويحزنُ محترقاً

    ويموتُ بأيّ الموت حزيناً محترقا ً

    اسمعْ نبضَه ْ

    اسمعُ نبضَهْ

    فأنا من شدّة ِخوفي  من فرطِ الحبْ

    برمجتُ كيانَكَ كلَّ كيانِك ياوطني

    في نبض القلب

    اعتقني فيك

    اعتدتُ الحزنَ كأنّي الحزنُ

    أراكَ تبرقُ سراً في الليل

    إذا ما رقصَ السمّارُ

    وصحتَ بهم ْ غنّوا

    واذا ماانصرفَ الليلُ

    يوزّع ُفي آخرة ِالوقتَ

    نعاساً للمتأرق ِمن عشاق ٍجُنّوا

    وأراكَ أراكَ

    ياآخرَ قتلى التاريخ ِوأولهَم

    يامختصرَ الكون  رمادُك نحنُ

    وأنتَ الأبقى الأبقى

    يتبددُ من بعدِك كلُّ طغاة ِالأرض ِ

    يتبدّدُ من آذوكَ وآذوا باسمِكَ يا وطني

    وتتمزقُ بعدَك اعلامُ الآثام

    ونحنُ رمادُك نحن

    واراكَ اراكَ

    تولدُ يوماً وتلدْ

    واراكَ اراكَ

    كأنّكَ ساقُ الليمون يجدّدُك التجريحُ

    وكالغيمة يُمطرُكَ الطعنُ

    نحنُ رمادُك نحن ُ

    ياوطني

    خذّ كلَ بقاع ِالأرض ِوكلَّ الجدران

    خذ ْساحاتِ الرفض ِوسبّوراتِ التعليم ِ

    وكلَّ القاعاتِ وشتى الألوان

    واتركْ زاويةً بمساحةِ قلبي

    أكتبُ فيها بدمي ” يحيا الانسان ”

    يحيا الانسان

    وأنامُ على ذكرِكْ

    وأغارُ عليكَ

    أغارُ عليكَ كأنّي وحدي أحببتُك يا وطني

    متشحاً برداءِ الحزن

    اعتبُ كلََّ الوقتِ عليك

    اعتبُ اعتبُ ياوطني

    ياأمي

    كيف َيجيءُ زمانٌ ، فيه أخافُكَ يا وطني

  • والت ويتمان – وداعاً يا هواي – ترجمة :سالم الياس

    والت ويتمان – وداعاً يا هواي – ترجمة :سالم الياس

    وداعا يا هواي
    مع السلامة رفيقتي
    وحبيبتي العزيزة
    ذاهب أنا ولكن لست أدري
    إلى أين

    وماذا سيكون حظي
    ولا أعلم هل سأراك مرة ثانية
    أم لا.


    وداعًا هواي

    الان ولأيامي الأخيرة
    دعيني أنظر إلى الوراء للحظة
    خوران القوى البطيء
    يدق كالساعة فيّ
    رحيل وغروب وثم في الحال
    دقات القلب تتوقف

    طويلا” عشنا معا
    متعانقين فرحين
    ومفرح هو الان الفراق
    فوداعا هواي

    ومع ذلك لا تدعيني ان اكون عجولا”
    ففي الحقيقة طويلا” عشنا معا” ونمنا
    واندمجنا حتى غدونا كائنا” واحدا”
    فأذا ما متنا سنموت معا”(نعم سنظل واحدا”)
    واينما ذهبنا سنذهب معا” لنقابل ما سيحدث
    فلربما سنكون افضل
    ونتعلم بعض الاشياء
    وربما انت نفسك وبدون شك
    ستكونين مرشدتي
    كي اغني اغان حقيقية
    من يعلم ؟
    او ربما انت نفسك ستكونين
    عقدة بشرية مفسدة
    فسلام عليك
    و وداعا هواي

  • مختارات من شعر يوسف الخال

    Fuji-san
    Sengai

    أنا حرٌّ، يا ربُّ،
    حرٌّ: لِيَ العتمةُ
    مسرًى،
    وملعبُ الشَّمسِ مغنى.
    أتملَّى وَجْهَ الحقيقة،
    أيَّانَ
    تراءى، وأيَّ فعلٍ تبنَّى؛
    فأحيكُ الرؤى – رؤى العقلِ – فكرًا
    يتجلَّى مع الزمان، ويغنى.
    أيَّ فكرٍ يؤرِّخُ الناسُ أجيالاً
    ويبني لغايةِ الكونِ معنى،
    ويردُّ الفناءَ وهمًا، وطيفَ الحقِّ
    دنيا، وقوَّةَ الشرِّ وَهْنا.
    *** *** ***
    أنا حرٌّ، يا ربُّ،
    حرٌّ: لِيَ العقلُ
    جناحٌ وذروةُ الحقِّ مرمى.
    يا إلهي،
    شدِّدْ جناحي،
    وزِدْهُ قوةً منكَ؛
    فهوَ غضٌّ،
    ومهما
    همَّ في نفسِه وحلَّقَ أجواءً
    وطَوَى من العلاءِ وضمَّا،
    لا تزالُ الرياحُ تلوي خَوافيهِ
    وتهوي بهِ إلى ما تعمَّى،
    فيصيرُ الوجودُ غَمْرَ ظلامٍ،
    وتصيرُ الحياةُ طيفًا ووَهْمَا.
    يا إلهي، شدِّدْ جناحي:
    فما يكفيه علمٌ –
    مهما تساميتُ عِلْمَا.
    أنتَ أدرى بهِ!
    فلو ينفعُ العلمُ
    لَما زادتِ الخليقةُ إثما،
    ولَما جئتَ ههنا،
    تفتدي العقلَ
    وتروي أنَّ المحبَةَ أسمى.
    هَبْهُ من عندكَ المحبةَ،
    يا ربُّ،
    وزوِّدْهُ بالمحبَّة فَهْمَا.
    فإذا بالرياحِ غيرُ رياحٍ
    كلَّما قاربَ الوصولَ ولمَّا.
    ربِّ، هبني محبةً:
    فيها أُدركُ
    حريَّتي وأعرفُ نفسي.
    أنا، إنْ لا أحبُّ،
    ما نفعُ عقلي
    لخلاصي؟! وباطلٌ كلُّ بأسي.
    فخلاصي، أنا المسيَّرُ بالغيبِ،
    ومَن يومُهُ منوطٌ بأمسِ،
    إنَّما تمَّ بالمحبَّة والعقلِ –
    فلولاهما أغوصُ بِرِجْسي.
    نعمةٌ أستحقُّها،
    إن أنا آمنتُ
    وطوَّعتُ للحقيقةِ حسِّي.
    أنا حرٌّ، يا ربُّ:
    في أضلعي شوقٌ
    إلى رؤيةِ الحقيقةِ حرَّا.
    شاهدٌ، إن رأيتُها،
    معلنٌ عنها
    صراحًا لدى الخليقةِ طرَّا،
    مُفتديها بالروحِ،
    إنْ رامَ عبدٌ
    طَمْسَها خيفةً وجهلاً وغَدْرَا.
    ويحَ نفسي،
    ما أتعَسَ الحقَّ في الدنيا!
    فكم مرةٍ يُباع ويُشرى!
    كلُّ شيءٍ لدى العبيدِ حلالٌ –
    غير شيءٍ:
    قولُ الحقيقةِ جَهْرَا.

    من (رسائل دون كيشوت) يوسف الخال

    دعيني يا أمي و لا تأسفي .
    لا تتحسري و لا تبكي
    و لا تندبي.
    لا تدفنيني و لا تدفني صاحبي .
    دعي الطيور الكاسرة تمزق جسدينا .
    دعي عظامنا تبيضّ
    و تعشب في عين الشمس.

    من ( في غابة لبنان ) 1979

    لا ترفعوا صوتا و لا ترتلوا .
    اقعدوا في الزوايا
    و ذروا الرماد على رؤوسكم .
    لا تنفع وجوهكم العامرة
    حين يعمر الدود جسدا فارغا من الحياة.
    بأي يد تمسكون المباخر ،
    و بأي شفة تقدسون.
    حين يسقط الجبار،
    ويل لمن يبقى واقفا.

  • بلا أوراق – (نصوص هايكو) صلاح الدين أيت عبد الله

    بلا أوراق – (نصوص هايكو) صلاح الدين أيت عبد الله

    الْفَرَاشَةُ الَّتِي تَعَقَّبتُهَا لِلَحْظَة
    تَحُطُّ فَوْقَ
    عُقْبِ سِيجَارة

    ***

    فَقَطْ لَا يَزَالُ
    الْغُصْنُ الْمَكْسُورُ عَلَى الشَّجَرَة
    بِلَا أَوْرَاق

    ***

    خَلْفَ السِّتَار
    سِيرَةُ الدُّمية
    عَبْرَ خَيْطٍ رَفِيع

    ***

    حِينَمَا تُشْرِقِين
    مِنَ الْوَرْدَاتِ الْمُتَفَتِّحَة
    حُبُوبُ الطَّلْعِ

    ***

    مَسِيرُ الرِّبَاط
    بَدَلَ الشُّمُوع
    شَمْسٌ حَارِقَة

    ***

    مِنْ شَمْعَتِي
    يُشْعِلَانِ شَمْعَة
    عَشِيقَان

    ***

    أَلْعَابٌ نَارِيَّة
    كَلُغْمٍ فِي الظَّلَام
    وَرْدَةٌ تَتَفَتَّح

    ***

    مَرحَى أيُّها الطَّائر!
    صِرتُ أنظُرُ مِثلَكَ لِلبَشَر
    منَ الطَّابقِ الرَّابِع

    ***

    رِيحُ الْخَرِيفِ الأُولَى
    نَائِماً، الطِّفْلُ
    يَجُرُّ الْملَاءة

    ***

    قَدَمٌ..نُقْطَتان.. قَدَمٌ.. نُقْطَتان
    أَثَرُ عَلَى رِمَالِ الشَّطِّ
    ذَاتَ صَبَاحٍ مِنْ شُتَنْبِر

    ***

    الطُّيُور عَلَى اللّاقِط،
    هَلْ هِيَ سَبَبُ
    عَوْدَةِ الْبَثّ؟

    ***

    عِنْدَ حَافَّةُ الْبِئْرِ،
    يَحْدُثُ أَنْ تَلْتقِي
    فَرَاشَةٌ وَزُنْبُورٌ

    ***

    سَيَنْزَعُهَا عَنْكَ الْإِسْكَافِيُّ
    أَيُّهَا الْحِذَاء!
    بَسْمَةُ الْإسْتِهْزَاء

    ***

    ثَوْبٌ صُوفِيٌّ دافئٌ
    بِنُعُومَة يَدِهَا الْبَيْضَاءِ الْبَارِدَةِ تَتَلَمَّسُ
    الْهَايكُو “لْمَغْلُوقْ”

    ***

    مِيَاهٌ عَكِرَة
    بِلَا عُمْقٍ
    هَايْكُو الْبِرْكَة

    ***

    جليدْ –
    مَا كُلُّ هَذَا الْاحْمِرَارِ
    أَيُّهَا الشَّفَقْ؟

    ***

    صَبَاحٌ بَارِدٌ
    قَطْرَاتُ نَدَى مُعَلَّقَةٌ
    عَلَى خُطَّاف

    ***

    الْحِجَارَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ
    لِتَطِيرَ أَبْعَدَ
    يَبْصُقُ جَنَاحَيْنِ

    ***

    ظَلَامُ الحَدِيقَةِ
    الأَصْوَاتُ الخَافِتَةُ
    تُزْهِرُ بِالقُبَلِ

    ***

    سَأََقُولُ وَدَاعًا
    وَأَنْتِ تَسْتَقِلِّينَ الرِّيح
    أَيَّتُهَا الْغُيُوم.


    *نصوص: صلاح الدين أيت عبد الله

  • يانيس ريتسوس – عري الجسد – ترجمة: هشام فهمي.

    يانيس ريتسوس – عري الجسد – ترجمة: هشام فهمي.

    شفاهي

    جالت أذنكِ

    الصغيرة و الناعمة،

    كيف تسع لكل

    الموسيقى؟

    *

    تحت كل الكلمات

    جسدان يتحدان

    و ينفصلان

    * * * *

    في بضع ليالٍ

    كيف للعالم أن ينخلق

    و ينهار؟

    *

    ألمس أصابع

    قدميك

    كم هو متعذر على هذا

    العالم

    أن يحصى

    * * * *

    شهران دون أن نلتقي

    قرنٌ

    و تسع ثوانِ

    * * * *

    أحمر

    مع خطّ شاقولي.

    التفاح يسقط في النهر.

    يطفو.

    ويرحل.

    * * * *

    الأعضاء المخبّأة

    تعطي إشارات

    خارج الزمن.

    السفن المضاءة

    تصل ، ثم ترحل،

    و لا تصفر أبدًا

    * * * *

    في النافذة المقابلة

    هناك ضوء.

    تتجرّدين من الثياب.

    انك دائما أنت.

    *

    لا وجود لأسمنت.

    فراغ

    مخترقٌ برافدة من الحديد.

    *

    جسدك غير مرئي

    قابل للّمس

    عصفوران تحت إبطيك

    صليب على نهدك

    و لا موت.

    * * * *

    سأحمل المطرقة،

    و أنحت الهواء،

    سأخلق تمثالك

    مفتوحًا،

    سأدخله

    و سأمكث هناك.

    * * * *

    وسط القصيدة

    أنت، ثم أنت.

    نفـَـسُـك يملأ

    كل الكلمات

    كل الصمت.

    * * * *

    ستأخذين القطار.

    سوف تتأخرين -قلت لك.

    أسرعي، أسرعي

    فيتصلـّب زرّا نهديك.

    * * * *

    أحملك على ذراعي

    فأطير.

    * * * *

    الجسد

    سماء

    لا ينهكه

    أيّ طيران.

    * * * *

    تجرّدنا من الثياب

    أقـفـلنا الخارج، وراء الباب

    البيوت، والكلاب

    والحدائق، والتماثيل

    والموت.

    * * * *

    كيف يعيش الموتى

    بلا حبّ؟

    * * * *

    كانت الحرب

    كان الحب

    كلانا كان ميّـتا

    جمّعنا الموتى و الجرحى

    جرّدناهم من الثياب

    و رقدنا بعد ذلك.

    * * * *

    نسيت المظلة

    في القطار

    كنت تفكّرين فيّ إذن.

    شعرك المبلّل

    سرّحته

    ووضعت المشط

    تحت القصيدة.