المدونة

  • محاولة حائط للتعبير عن قلقه – سلمان الجربوع

    محاولة حائط للتعبير عن قلقه – سلمان الجربوع

    محاولةُ حائط للتعبير عن قلقه

    حائطٌ
    يتقشّر،
    ……ذاك وجهي
    ……في الشتاء
    ……قلِقًا
    ……يتأمّل البحر.

    هل يرى السائرون في خيال الميناء
    وجهًا
    بعينين مفقوشتين
    يتخثّر سوادُهما الرجراج
    على هيئة طلاء،

    ……ذاك حائطٌ
    ……في الشتاء
    ……حطّ عليه رجلٌ قلِق،
    ……تأمّل البحر…
    ………….وراح

    ***

    هاوية

    الهاوية
    أمان البيت،
    لم أركض إليها مثل طائرةٍ على أهبة الإقلاع
    لأطرق الباب.

    مخضوضًا بالذكريات
    أقتحم حافّتي
    وأهوي

    ………….أنا
    …………….وقلبي المنخلع
    ……………….وأثاث جسدي المتطاير

    ………..نصغي
    ………..لأوبرا الريح…

    ***

    العالم

    يقف
    مثل مخبول
    على الرصيف
    في انتظار أوّل سيّارة أجرة
    تأخذه
    إلى يوم القيامة.

    ***

    تذكرة عودة

    ليلةٌ مفقوءة العينين
    وذراعُ سكران
    ترك رأسه في الحانة
    على سبيل الإكراميّة،

    هذا كلّ ما أحتاجه
    لأقطع الشارع المؤدّي إلى الوطن

    ***

    فكرة البيت

    أقيم في فكرة البيت أكثرَ من البيت نفسه
    ويعجبني
    أنّ غرفة النوم واسعة مثل صحراء،
    وأنّ سريري سرابٌ مزدوج.

    ***

    كلاب أليفة

    إنّهم فتيةٌ عرفتُهم
    هربوا من بيوتهم مطعونين بظلم ذوي القربى
    وأووا إلى كهفٍ في حُلْم كلب
    وناموا طويلًا…

    كانت أرواحهم الشاحبة
    تسيل في شوارع الليل وتتناسخ
    حتى صاروا كلابًا أليفة
    مرعوبةً
    من فكرة الاستيقاظ

    ***

    قميص

    – أيَّ قميصٍ تلبسه في السكينة؟
    – في السكينة لا أرتدي غير جلدي القديم
    أتذْكرُهُ؟
    لا أظنّك تعرفني فيه
    فما زال منذ اتّسع الخرق على الخريطة
    معلَّقًا في الخزانة
    حتى صار بلونِ المقبرة،

    لا السكينةُ زارت
    ولا اهتديتُ إلى بيتها.

  • لقد فاتني أن أكون نبياً‎ – فيصل خرمي

    لقد فاتني أن أكون نبياً‎ – فيصل خرمي

    لم آكل من تلك الشجرة،
    ولم أدخل جنة حتى أُطرد منها.
    إني هنا، بفعل خطيئة لم أرتكبها.
    أجلسُ في غار،
    لا يظهر لي جبريل،
    كم تؤلمني هذه الوحدة يا رب،
    كم تمنيت لو أنّي أصادق أحدهم،
    حتى لو كانت مجرد نملة،
    نتجاذب أطراف الحديث،
    لكنني لستُ سليمان على أية حال،
    وحين أعود إلى بيتي،
    لن تكون هناك خديجة لتدثرني.
    آه، لقد جئت متأخرًا جدًا،
    ولم ألحق بسفينة نوح،
    ولن يتجمّد أي بحر من أجلي،
    لا معجزة لدي،
    فأنا لستُ موسى.
    أنا أغرق الآن،
    وعندما يبتلعني الحوت،
    لن أنجو مثل يونس،
    سأموت ولن يتذكرني أحد،
    لقد فاتني أن أكون نبياً.

  • هذه صورةٌ فوتوغرافيّةٌ لي – مارغريت آتوود

    هذه صورةٌ فوتوغرافيّةٌ لي – مارغريت آتوود

    التُقطتْ منذ بعض الوقت.
    تبدو لأوّل وهلة
    صورةً مطموسة المعالم: خطوطٌ غير واضحة ونُقطٌ رماديّة
    ممتزجةٌ بالورق؛

    ثمّ، بينا تدقّق فيها،
    تبصر في الزاوية اليسرى
    شيئًا يشبه غصنًا: جزءًا من شجرة
    (شجرة بلسم أو صنوبر) ناتئًا
    وإلى اليمين، منتصفَ الطريق إلى أعلى
    ما يجب أن يكون منحدرًا
    سهلًا، منزلًا صغيرَ الشكل.

    في الخلفيّة ثمّة بحيرة،
    وخلف ذلك، بعض التلال الخفيضة.

    (التُقطتْ الصورةُ
    في اليوم الذي تلا غرقي.

    أنا في البحيرة، في وسط
    الصورة، تمامًا تحت السطح.

    من الصعب أنْ أقول أين
    على وجه الدّقة، أو أنْ أقول
    كم أنا ضئيلةٌ أو ضخمة:
    تأثير الماء
    على الضوء تزييف

    لكنْ إنْ أمعنت النظر طويلًا بما فيه الكفاية،
    في النهاية
    سيكون في مقدورك أن تراني.)

    ترجمة: سلمان الجربوع.

  • عودة مفاجئة إلى مسقط الرأس – بكاي كطباش

    عودة مفاجئة إلى مسقط الرأس – بكاي كطباش

    أمس مات صاحب الدكان الوحيد في القرية
    وزعوا على التلاميذ حبات تمر وأرغفة
    اه لو يموت كل يوم
    صاحب الدكان الوحيد في القرية !

    جلبنا من النهر الماء
    جمعنا الحلزون
    أصابعنا سوداء
    وأرواحنا تلمع كالكهرمان

    سكة المحراث
    أنظري كيف تشق القلب
    هل عرفت الآن؟

    العين في الكف
    على الباب حدوة الحصان
    الرّغيف في فرن الطين
    والجرة سكرانة
    أدخل إذن أدخل
    على الرحب والسّعة

    إخلع حذاءك
    إخلع الوظيفة
    أوقف ساعتك
    هذا الوعي الشّقي
    أزحه جانبا
    أنظر!
    البرتقالة تنضج في هدوء
    ولا تبالي.

  • ألفونسو غاتو – لا تنظر إلى شيء غير السماء – ترجمة اسكندر حبش

    ألفونسو غاتو – لا تنظر إلى شيء غير السماء – ترجمة اسكندر حبش

    لا تستمع إلى القطارات،
    لا تنظر إلى شيء غير السماء
    قبر القمر البارد، استمع إلى خطوة
    الحراس الحديدية. العالم ملكهم
    ولم يعد يقول شيئا، لا يعطي
    أي فرصة للشفقة، ولا أي هدنة للغضب.
    خطوة، كانوا يسمعونها وهم ينسجون
    على ظل القمر أو على صمت
    المدينة التي تعيد الصدى إليهم.
    اتركهم وحدهم، هم الذين يتقدمون وحدهم
    في ضحكة الله الجامدة.
    كان الصبي يقول لها
    ابقي معي في الليل، كم هو طويل
    ولا يكفي الحب ليعطيه معنى.
    عند الفجر يأتي باكيا، البرد
    عديم الشفقة، خطوة أمي
    في ذكرى كآبتها المسورّة
    خطوة متعبة، أضعف دائما.
    من يدري إن كنت سأعود حيث تنتظرني.
    أن أراك في الجوار وبسأم أستقبل
    من يديك النهار على جبهتي،
    يساعدني ذلك على أن أنغلق على نفسي
    داخل عينيّ
    من يقاوم الشتيمة يحبنا،
    يسهر الهدوء، يمكن للنعاس أن يأتي.

  • أحمد مطر – أحاديث الأبواب

    أحمد مطر – أحاديث الأبواب

    (1)

    كُنّا أسياداً في الغابة،

    قطعونا من جذورنا

    قيّدونا بالحديد، ثمّ أوقفونا خَدَماً على عتباتهم.

    هذا هو حظّنا من التمدّن.

    ليس في الدُّنيا مَن يفهم حُرقةَ العبيد

    مِثلُ الأبواب.

    (2)

    ليس ثرثاراً

    أبجديتهُ المؤلّفة من حرفين فقط

    تكفيه تماماً

    للتعبير عن وجعه :

    طَقْ!

    (3)

    وَحْدَهُ يعرفُ جميعَ الأبواب

    هذا الشحّاذ

    ربّما لأنـه مِثلُها

    مقطوعٌ من شجرة!

    (4)

    يَكشِطُ النجّار جِلدَه

    فيتألم بصبر

    يمسح وجهَهُ بالرَّمل

    فلا يشكو

    يضغط مفاصِلَه

    فلا يُطلق حتى آهة

    يطعنُهُ بالمسامير

    فلا يصرُخ

    مؤمنٌ جدّاً

    لا يملكُ إلاّ التّسليمَ

    بما يَصنعهُ

    الخلاّق!

    (5)

    ( إلعبوا أمامَ الباب )

    يشعرُ بالزَّهو

    السيّدةُ

    تأتمنُهُ على صغارها.

    (6)

    قبضَتُهُ الباردة

    تُصافِحُ الزائرين

    بحرارة.

    (7)

    صدرُهُ المقرور بالشّتاء

    يحسُدُ ظهرَهُ الدّافىء

    صدرُهُ المُشتعِل بالصّيف

    يحسدُ ظهرَهُ المُبترد

    ظهرُهُ، الغافِلُ عن مسرّات الدّاخل،

    يحسُدُ صدرَهُ

    فقط

    لأنّهُ مقيمٌ في الخارِج.

    (8)

    يُزعجهم صريرُه

    لا يحترمونَ مُطلقاً

    أنينَ الشّيخوخة!

    (9)

    ترقُصُ،

    وتُصفّق

    عِندَها

    حفلةُ هواء!

    (10)

    مُشكلةُ باب الحديد

    إنّهُ لا يملِكُ

    شجرةَ عائلة!

    (11)

    حَلقوا وجهَه

    ضمَّخوا صدرَه بالدُّهن

    زرّروا أكمامَهُ بالمسامير الفضّية

    لم يتخيَّلْ،

    بعدَ كُلِّ هذهِ الزّينة،

    أنّهُ سيكون

    سِروالاً لعورةِ منـزل!

    (12 )

    طيلَةَ يوم الجُمعة

    يشتاق إلى ضوضاء الأطفال

    بابُ المدرسة

    طيلةَ يوم الجُمعة

    يشتاقُ إلى هدوء السّبت

    بابُ البيت!

    (13)

    كأنَّ الظلام لا يكفي

    هاهُم يُغطُّونَ وجهَهُ بِستارة

    لستُ نافِذةً يا ناس

    ثُمّ إنني أُحبُّ أن أتفرّج

    لا أحد يسمعُ احتجاجَه

    الكُلُّ مشغول

    بِمتابعة المسرحيّة!

    (14)

    أَهوَ في الدّاخل

    أم في الخارج ؟

    لا يعرف

    كثرةُ الضّرب

    أصابتهُ بالدُّوار!

    (15)

    بابُ الكوخ

    يتفرّجُ بكُلِّ راحة

    مسكينٌ بابُ القصر

    تحجُبُ المناظرَ عن عينيهِ، دائماً،

    زحمةُ الحُرّاس!

    (16)

    يعملُ عملَنا

    ويحمِلُ اسمَنا

    لكِنّهُ يبدو مُخنّثاً مثلَ نافِذة

    هكذا تتحدّثُ الأبوابُ الخشَبيّة

    عن البابِ الزُّجاجي!

    (17)

    لم تُنْسِهِ المدينةُ أصلَهُ

    ظلَّ، مثلما كان في الغابة،

    ينامُ واقفاً!

    (18)

    المفتاحُ

    النائمُ على قارعةِ الطّريق

    عرفَ الآن،

    الآن فقط،

    نعمةَ أن يكونَ لهُ وطن،

    حتّى لو كان

    ثُقباً في باب!

    (19)

    مَن الطّارق ؟

    أنا محمود

    دائماً يعترفون

    أولئكَ المُتّهمون بضربه!

    (20)

    ليسَ لها بيوت

    ولا أهل

    كُلَّ يومٍ تُقيم

    بين أشخاصٍ جُدد

    أبوابُ الفنادق!

    (21)

    لم يأتِ النّجارُ لتركيبه

    كلاهُما، اليومَ،

    عاطِلٌ عن العمل!

    (22)

    – أحياناً يخرجونَ ضاحكين،

    وأحياناً .. مُبلّلين بالدُّموع،

    وأحياناً .. مُتذمِّرين

    ماذا يفعلونَ بِهِم هناك ؟!

    تتساءلُ

    أبوابُ السينما .

    (23)

    (طَقْ .. طَقْ .. طَقْ )

    سدّدوا إلى وجهِهِ ثلاثَ لكمات

    لكنّهم لم يخلعوا كَتِفه

    شُرطةٌ طيّبون!

    (24)

    على الرّغمَ من كونهِ صغيراً ونحيلاً،

    اختارهُ الرّجلُ من دونِ جميعِ أصحابِه

    حَمَلهُ على ظهرِهِ بكُلِّ حنانٍ وحذر

    أركَبهُ سيّارة.

    ( مُنتهى العِزّ )..قالَ لنفسِه

    وأمامَ البيت

    صاحَ الرّجُل: افتحوا

    جِئنا ببابٍ جديد

    لدورةِ المياه!

    (25)

    – نحنُ لا نأتي بسهولة

    فلكي نُولدَ،

    تخضعُ أُمّهاتُنا، دائماً،

    للعمليّات القيصريّة

    يقولُ البابُ الخشبي،

    وفي عروقه تتصاعدُ رائِحةُ المنشار

    رُفاتُ المئات من أسلافي

    المئات.

    صُهِرتْ في الجحيم

    في الجحيم

    لكي أُولدَ أنا فقط

    يقولُ البابُ الفولاذي!

    (26)

    حسناً

    هوَ غاضِبٌ مِن زوجته

    لماذا يصفِقُني أنـا ؟!

    (27)

    لولا ساعي البريد

    لماتَ من الجوع

    كُلَّ صباح

    يَمُدُّ يَدَهُ إلى فَمِـه

    ويُطعِمُهُ رسائل .

    (28)

    إنّها الجنَّـة

    طعامٌ وافر،

    وشراب،

    وضياء،

    ومناخٌ أوروبـّي

    يشعُرُ بِمُنتهى الغِبطة

    بابُ الثّلاجة!

    (29)

    – لا أمنعُ الهواء ولا النّور

    ولا أحجبُ الأنظار

    أنا مؤمنٌ بالديمقراطية

    لكنّك تقمعُ الهَوام.

    تلكَ هي الديمقراطية

    يقولُ بابُ الشّبك.

    (30)

    هاهُم ينتقلون

    كُلُّ متاعِهم في الشّاحِنة

    ليسَ في المنـزل إلاّ الفراغ

    لماذا أغلقوني إذن ؟!

    (31)

    وسيطٌ دائمٌ للصُلح

    بين جِدارين مُتباعِدَين!

    (32)

    في ضوء المصباح

    المُعلَّقِ فوقَ رأسهِ

    يتسلّى طولَ الليل

    بِقراءةِ

    كتابِ الشّارع!

    (33)

    ماذا يحسبُ نفسَه ؟

    في النّهاية هوَ مثلُنا

    لا يعملُ إلاّ فوقَ الأرض

    هكذا تُفكِّرُ أبواب المنازل

    كُلّما لاحَ لها

    بابُ طائرة.

    (34)

    من حقِّهِ

    أن يقفَ مزهوّاً بقيمته

    قبضَ أصحابُهُ

    من شركة التأمين

    مائة ألفِ دينار،

    فقط

    لأنَّ اللصوصَ

    خلعوا مفاصِلَه!

    (35)

    مركزُ حُدود

    بين دولة السِّر

    ودولة العلَن

    ثُقب المفتاح!

    (36)

    محظوظٌ ذلكَ الواقفُ في المرآب

    أربعُ قفزاتٍ في اليوم

    ذلكَ كُلُّ شُغلِه

    بائسٌ ذلك الواقفُ في المرآب

    ليسَ لهُ أيُّ نصيب

    من دفءِ العائلة!

    (37)

    ركّبوا جَرَساً على ذراعِه

    فَرِحَ كثيراً

    مُنذُ الآن،

    سيُعلنون عن حُضورِهم

    دونَ الإضطرار إلى صفعِه!

    (38)

    أكثرُ ما يُضايقهُ

    أنّهُ محروم

    من وضعِ قبضتهِ العالية

    في يدِ طفل!

    (39)

    هُم عيّنوهُ حارِساً

    لماذا، إذن،

    يمنعونَهُ من تأديةِ واجِبه ؟

    ينظرُ بِحقد إلى لافتة المحَل:

    نفتَحُ ليلاً ونهاراً .

    (40)

    أمّا أنا فلا أسمحُ لأحدٍ باغتصابي

    هكذا يُجمِّلُ غَيْرتَه

    الحائطُ الواقف بينَ الباب والنافذة

    لكنَّ الجُرذان تضحك!

    (41)

    فَمُهُ الكسلان

    ينفتحُ

    وينغَلِق

    يعبُّ الهواء وينفُثهُ

    لا شُغلَ جديّاً لديه

    ماذا يملِكُ غيرَ التثاؤب ؟!

    (42)

    مُعاقٌ

    يتحرّكُ بكرسيٍّ كهربائي

    بابُ المصعد!

    (43)

    هذا الرجُلُ لا يأتي، قَطُّ،

    عندما يكونُ صاحِبُ البيتِ موجوداً

    هذهِ المرأةُ لا تأتي، أبداً،

    عندما تكونُ رَبَّةُ البيتِ موجودة!

    يتعجّبُ بابُ الشّارع

    بابُ غرفةِ النّوم وَحدَهُ

    يعرِفُ السّبب!

    (44)

    مُنتهى الإذلال

    لم يبقَ إلاّ أن تركبَ النّوافِذُ

    فوقَ رؤوسنا

    تتذمّرُ

    أبوابُ السّيارات!

    (45)

    أنتَ رأيتَ اللصوصَ، أيُّها الباب،

    لماذا لم تُعطِ أوصافَـهُم ؟

    لم يسألني أحد!

    (46)

    تجهلُ تماماً

    لذّةَ طعمِ الطّباشير

    الذي في أيدي الأطفال،

    تلكَ الأبوابُ المهووسةُ بالنّظافة!

    (47)

    – أأنتَ متأكدٌ أنهُ هوَ البيت ؟

    – أظُن…

    يتحسّرُ الباب :

    تظُنّ يا ناكِرَ الودّ ؟

    أحقّاً لم تتعرّف على وجهي ؟!

    (48)

    وضعوا سعفتينِ على كتفيه

    – لم أقُم بأي عملٍ بطولي

    كُلُّ ما في الأمر

    أنَّ صاحبَ البيتِ عادَ من الحجّ

    هل أستحِقُّ لهذا

    أن يمنحَني هؤلاءِ الحمقى

    رُتبةَ ( لواء ) ؟!

    (49)

    ليتسلّلْ الرّضيع

    لتتوغّلْ العاصفة

    لا مانعَ لديهِ إطلاقاً

    مُنفتِح!

    (50)

    الجَرسُ الذي ذادَ عنهُ اللّطمات

    غزاهُ بالأرق

    لا شيءَ بلا ثمن!

    (51)

    يقفُ في استقبالِهم

    يضعُ يدَهُ في أيديهم

    يفتحُ صدرَهُ لهم

    يتنحّى جانباً ليدخلوا

    ومعَ ذلك،

    فإنَّ أحداً منهُم

    لم يقُلْ لهُ مرّةً :

    تعالَ اجلسْ معنا!

    (52)

    في انتظار النُزلاء الجُدد…

    يقفُ مُرتعِداً

    علّمتهُ التّجرُبة

    أنهم لن يدخلوا

    قبل أن يغسِلوا قدميهِ

    بدماءِ ضحيّة!

    (53)

    ( هذا بيتُنـا )

    في خاصِرتي، في ذراعي،

    في بطني، في رِجلي

    دائماً ينخزُني هذا الولدُ

    بخطِّهِ الرّكيك

    يظُنّني لا أعرف!

    (54)

    الولدُ المؤدَّب

    لا يضرِبُ الآخرين

    هكذا يُعلِّمونهُ دائماً

    أنا لا أفهم

    لماذا يَصِفونهُ بقلَّةِ الأدب

    إذا هوَ دخلَ عليهم

    دون أن يضربَني ؟‍!

    (55)

    عبرَكِ يدخلُ اللّصوص

    أنتِ خائنةٌ أيتها النّافذة

    لستُ خائنةً، أيها الباب،

    بل ضعيفة!

    (56)

    هذا الّذي مهنتُهُ صَدُّ الرّيح…

    بسهولةٍ يجتاحهُ

    دبيبُ النّملة!

    (57)

    إعبروا فوقَ جُثّتي

    إرزقوني الشّهادة

    بصمتٍ

    تُنادي المُتظاهرين

    بواّبةُ القصر!

    (58)

    في الأفراح أو في المآتم

    دائماً يُصابُ بالغَثيان

    ما يبلَعهُ، أوّلَ المساء،

    يستفرغُهُ، آخرَ السّهرة!

    (59)

    اخترقَتهُ الرّصاصة

    ظلَّ واقفاً بكبرياء

    لم ينـزف قطرةَ دَمٍ واحدة

    كُلُّ ما في الأمر أنّهُ مالَ قليلاً

    لتخرُجَ جنازةُ صاحب البيت!

    (60)

    قليلٌ من الزّيت بعدَ الشّتاء،

    وشيءٌ من الدُّهن بعد الصّيف

    حارسٌ بأرخصِ أجر!

    (61)

    نحنُ ضِمادات

    لهذه الجروح العميقة

    في أجساد المنازل!

    (62)

    لولاه…

    لفَقدتْ لذّتَها

    مُداهماتُ الشُّرطة!

    (63)

    هُم يعلمون أنهُ يُعاني من التسوّس،

    لكنّ أحداً منهم

    لم يُفكّر باصطحابِهِ إلى

    طبيب الأسنان!

    (64)

    – هوَ الذي انهزَم

    حاولَ، جاهِداً، أن يفُضَّني

    لكنّني تمنَّعْتُ.

    ليست لطخَةَ عارٍ،

    بل وِسامُ شرَف على صدري

    بصمَةُ حذائه!

    (65)

    – إسمع يا عزيزي

    إلى أن يسكُنَ أحدٌ هذا البيت المهجور

    إشغلْ أوقات فراغِكَ

    بحراسة بيتي

    هكذا تُواسيهِ العنكبوت!

    (66)

    ما أن تلتقي بحرارة الأجساد

    حتّى تنفتحَ تلقائيّاً

    كم هي خليعةٌ

    بوّاباتُ المطارات!

    (67)

    – أنا فخورٌ أيّتُها النافذة

    صاحبُ الدّار علّقَ اسمَهُ

    على صدري

    – يا لكَ من مسكين!

    أيُّ فخرٍ للأسير

    في أن يحمِل اسمَ آسِرهِ ؟!

    (68)

    فكّوا قيدَهُ للتّو

    لذلكَ يبدو

    مُنشرِحَ الصَّدر!

    (69)

    تتذمّرُ الأبواب الخشبيّة:

    سَواءٌ أعمِلنا في حانةٍ

    أم في مسجد،

    فإنَّ مصيرَنا جميعاً

    إلى النّار!

    (70)

    في السّلسلةِ مفتاحٌ صغيرٌ يلمع

    مغرورٌ لاختصاصهِ بحُجرةِ الزّينة

    – قليلاً من التواضُعِ يا وَلَد

    لولايَ لما ذُقتَ حتّى طعمَ الرّدهة

    ينهرُهُ مفتاحُ البابِ الكبير‍!

    (71)

    يُشبه الضميرَ العالمي

    دائماً يتفرّج، ساكتاً، على ما يجري

    بابُ المسلَخ!

    (72)

    في دُكّان النجّار

    تُفكّرُ بمصائرها:

    – روضةُ أطفال ؟ ربّما

    – مطبخ ؟ مُمكن

    – مكتبة ؟ حبّذا

    المهمّ أنها لن تذهبَ إلى السّجن

    الخشَبُ أكثرُ رقّة

    من أن يقوم بمثلِ هذه المهمّة!

    (73)

    الأبوابُ تعرِفُ الحكايةَ كُلَّها

    من ( طَقْ طَقْ )

    إلى السَّلامُ عليكم.

  • ناهد الشمري – لا الآن ولا أمس

    ناهد الشمري – لا الآن ولا أمس

    The Plough and the Song
    Arshile Gorky

    في معرض ردها على قصيدة (الآن الآن وليس غدا) للأخوين رحباني والتي غنتها فيروز .

    عذراً للعُرْبِ، وقد باتت
    أمتُّهم للباغي مطمعْ

    لا الآنَ، ولا أمسِ، كانوا
    لا ليس غداً شمسٌ تطلعْ

    فالكلُّ بشيطانٍ يلهو
    والبعضُ يغني بلا مسمع

    والصوتُ الحرُّ بأوطاني
    ليس له أذنٌ تَسمعْ

    فالآنَ، الآنَ، وليس غداً
    صمّوا الآذان لمن جعجع

    لايخدَعْكم من قال هنا
    للعرب مناراتٌ تُرفعْ

    مادامَ القومُ بأبوابِ ال
    أعداءِ، سفالتُهم تَسطع

    ما حفظوا ماءَ الوجهِ،ولا
    أرضُ الاجدادِ غدتْ أروعْ

    فالغيرةُ نورٌ في الأرواح
    يُلقّاها البطلُ الأشجعْ

    كفّي فيروزتَنا قولاً
    الآنَ، فلا أحدٌ يسمع .

  • عدنان الصائغ – العبور إلى المنـفى

    Cena rural
    Candido Portinari

    أنينُ القطارِ يثيرُ شجنَ الأنفاقْ

    هادراً على سكةِ الذكرياتِ الطويلة

    وأنا مسمّرٌ إلى النافذةِ

    بنصفِ قلب

    تاركاً نصفَهَ الآخرَ على الطاولة

    يلعبُ البوكرَ مع فتاةٍ حسيرةِ الفخذين

    تسألني بألمٍ وذهول

    لماذا أصابعي متهرئة

    كخشب التوابيت المستهلكة

    وعجولة كأنها تخشى ألاّ تمسك شيئاً

    فأحدّثها عن الوطن

    واللافتات

    والاستعمار

    وأمجاد الأمة

    والمضاجعاتِ الأولى في المراحيض

    فتميلُ بشعرها النثيث على دموعي ولا تفهم

    وفي الركنِ الآخرِ

    ينثرُ موزارت توقيعاتِهِ على السهوبِ

    المغطاة بالثلج

    وطني حزينٌ أكثر مما يجب

    وأغنياتي جامحةٌ وشرسة وخجولة

    سأتمددُ على أولِ رصيفٍ أراه في أوربا

    رافعاً ساقيَّ أمام المارة

    لأريهم فلقات المدارس والمعتقلات

    التي أوصلتني إلى هنا

    ليس ما أحمله في جيوبي جواز سفر

    وإنما تأريخ قهر

    حيث خمسون عاماً ونحن نجترُّ العلفَ

    والخطابات

    وسجائر اللفِّ

    حيث نقف أمام المشانق

    نتطلعُ إلى جثثنا الملولحة

    ونصفقُ للحكّام

    خوفاً على ملفات أهلنا المحفوظةِ في أقبية الأمن

    حيث الوطن

    يبدأ من خطاب الرئيس

    وينتهي بخطاب الرئيس

    مروراً بشوارع الرئيس، وأغاني الرئيس، ومتاحف الرئيس، ومكارم الرئيس ، وأشجار الرئيس ، ومعامل الرئيس، وصحف الرئيس، وإسطبل الرئيس، وغيوم الرئيس، ومعسكرات الرئيس، وتماثيل الرئيس، وأفران الرئيس، وأنواط الرئيس، ومحظيات الرئيس، ومدارس الرئيس، ومزارع الرئيس، وطقس

    ستحدّق طويلاً

    في عينيّ المبتلتين بالمطر والبصاق

    وتسألني من أي بلادٍ أنا

  • يوجين يونسكو – نحن فريسة للشرّ

    يوجين يونسكو – نحن فريسة للشرّ

    Carnival Figures
    Rene Portocarrero

    من المؤكد أن هناك مذاهب وأيديولوجيات ومعتقدات نتخذ منها ذرائع، إن مفاهيم الوطن والدين والأرض والإقتصاد وصراع الطبقات ليست سوى الذرائع؛ الأقنعة التى تبرر جرائمنا وصلفنا، إن كل انسان بل كل كائن حي يجب أن يكون متأهباً للموت فى كل لحظة كما سبق وأن قلت، ولكن كل انسان أيضاً ينبغى أن يكون مستعداً لأن يهب كل شيء لأخيه الإنسان.
    ** ** ** **
    ومن دواعى الأسف أن كل ما يقع مقدور ومقدّر ومع كل فعلى الأرض التى هى أرض الله لكل انسان الحق فى أن يعيش وأن يجد لنفسه مكاناً، لقد تجاوزنا الآن مرحلة البحث عن الأسباب؛ أسباب الأخطاء التى ارتكبها هؤلاء أو أولئك. نحن لا نعرف.. لم نعد نستطيع أن نعرف أين الخطأ. ولكن الذى نعرفه هو أنه لا بد ولا غنى للبشرية، إذا كانت تريد أن تحفظ نفسها من الفناء الكامل، من أن نتفاهم جميعاً. على البشر أن يتعايشوا وأن يتحابوا. وهذا شيء ممكن. بل وقد تحقق ذلك فى عصور التاريخ الزاهرة.
    ** ** ** **
    للأسف ينبغى أن أكون رجل دينٍ لكى يتنازل الناس ويستمعوا لما أقول، وحتى لو كنت رجل دين، فهل سيستمعون لى؟
    ** ** ** **
    إننا جميعاً نخشى بعضنا من بعض، يرتاب بعضنا من بعض، ولا يثق بعضنا فى بعض. إنّنا جميعاً فريسة للشرّ ومع كلٍّ، فإن الحقد الذى يكنه بعضنا للبعض ينبغى أن يتحول، دفعة واحدة، إلى حب، حينئذ يصبح كل شيء ممكن.
    أنا لم أفقد كل أمل ، ومازلت أؤمن بالمعجزة.

  • عبد الحميد الصائح – افتح قلبي

    عبد الحميد الصائح – افتح قلبي

    Woman and Dove
    Rene Portocarrero

    أِفتحْ قلْبي

    قلبي مثلُ كتابٍ مهملْ

    لا تقرأْ عن تاريخ الناس   اِسمعْ نبضَهْ

    لا تقرأْ عن خوفِ التاريخ ِ

    وأنباءِ الثوراتِ

    وأخطاءِ الثوار ِ اِسمعْ نبضَهْ

    لا تقرأ عَن عمق حضارةِ تلكَ الأرض

    وأحلام ِالشعراءِ  اسمعْ نبضْهْ

    لاتقرأْ عن أرض ٍ,شمسُ سماها منها

    أرض ٍتغلي كليالي العشاق ِالقلقين

    إسمع نبضـَه

    لاتقرأْ عن شعبٍ  يالهُ من مخلوقٍ مرٍّ

    يعملُ محترقاً

    يبني محترقاً

    يغضبُ محترقاً

    ويحاربُ محترقاً

    يصعدُ محترقاً

    يهبط ُمحترقاً

    ويحبُ ويحزنُ محترقاً

    ويموتُ بأيّ الموت حزيناً محترقا ً

    اسمعْ نبضَه ْ

    اسمعُ نبضَهْ

    فأنا من شدّة ِخوفي  من فرطِ الحبْ

    برمجتُ كيانَكَ كلَّ كيانِك ياوطني

    في نبض القلب

    اعتقني فيك

    اعتدتُ الحزنَ كأنّي الحزنُ

    أراكَ تبرقُ سراً في الليل

    إذا ما رقصَ السمّارُ

    وصحتَ بهم ْ غنّوا

    واذا ماانصرفَ الليلُ

    يوزّع ُفي آخرة ِالوقتَ

    نعاساً للمتأرق ِمن عشاق ٍجُنّوا

    وأراكَ أراكَ

    ياآخرَ قتلى التاريخ ِوأولهَم

    يامختصرَ الكون  رمادُك نحنُ

    وأنتَ الأبقى الأبقى

    يتبددُ من بعدِك كلُّ طغاة ِالأرض ِ

    يتبدّدُ من آذوكَ وآذوا باسمِكَ يا وطني

    وتتمزقُ بعدَك اعلامُ الآثام

    ونحنُ رمادُك نحن

    واراكَ اراكَ

    تولدُ يوماً وتلدْ

    واراكَ اراكَ

    كأنّكَ ساقُ الليمون يجدّدُك التجريحُ

    وكالغيمة يُمطرُكَ الطعنُ

    نحنُ رمادُك نحن ُ

    ياوطني

    خذّ كلَ بقاع ِالأرض ِوكلَّ الجدران

    خذ ْساحاتِ الرفض ِوسبّوراتِ التعليم ِ

    وكلَّ القاعاتِ وشتى الألوان

    واتركْ زاويةً بمساحةِ قلبي

    أكتبُ فيها بدمي ” يحيا الانسان ”

    يحيا الانسان

    وأنامُ على ذكرِكْ

    وأغارُ عليكَ

    أغارُ عليكَ كأنّي وحدي أحببتُك يا وطني

    متشحاً برداءِ الحزن

    اعتبُ كلََّ الوقتِ عليك

    اعتبُ اعتبُ ياوطني

    ياأمي

    كيف َيجيءُ زمانٌ ، فيه أخافُكَ يا وطني

  • والت ويتمان – وداعاً يا هواي – ترجمة :سالم الياس

    والت ويتمان – وداعاً يا هواي – ترجمة :سالم الياس

    وداعا يا هواي
    مع السلامة رفيقتي
    وحبيبتي العزيزة
    ذاهب أنا ولكن لست أدري
    إلى أين

    وماذا سيكون حظي
    ولا أعلم هل سأراك مرة ثانية
    أم لا.


    وداعًا هواي

    الان ولأيامي الأخيرة
    دعيني أنظر إلى الوراء للحظة
    خوران القوى البطيء
    يدق كالساعة فيّ
    رحيل وغروب وثم في الحال
    دقات القلب تتوقف

    طويلا” عشنا معا
    متعانقين فرحين
    ومفرح هو الان الفراق
    فوداعا هواي

    ومع ذلك لا تدعيني ان اكون عجولا”
    ففي الحقيقة طويلا” عشنا معا” ونمنا
    واندمجنا حتى غدونا كائنا” واحدا”
    فأذا ما متنا سنموت معا”(نعم سنظل واحدا”)
    واينما ذهبنا سنذهب معا” لنقابل ما سيحدث
    فلربما سنكون افضل
    ونتعلم بعض الاشياء
    وربما انت نفسك وبدون شك
    ستكونين مرشدتي
    كي اغني اغان حقيقية
    من يعلم ؟
    او ربما انت نفسك ستكونين
    عقدة بشرية مفسدة
    فسلام عليك
    و وداعا هواي

  • مختارات من شعر يوسف الخال

    Fuji-san
    Sengai

    أنا حرٌّ، يا ربُّ،
    حرٌّ: لِيَ العتمةُ
    مسرًى،
    وملعبُ الشَّمسِ مغنى.
    أتملَّى وَجْهَ الحقيقة،
    أيَّانَ
    تراءى، وأيَّ فعلٍ تبنَّى؛
    فأحيكُ الرؤى – رؤى العقلِ – فكرًا
    يتجلَّى مع الزمان، ويغنى.
    أيَّ فكرٍ يؤرِّخُ الناسُ أجيالاً
    ويبني لغايةِ الكونِ معنى،
    ويردُّ الفناءَ وهمًا، وطيفَ الحقِّ
    دنيا، وقوَّةَ الشرِّ وَهْنا.
    *** *** ***
    أنا حرٌّ، يا ربُّ،
    حرٌّ: لِيَ العقلُ
    جناحٌ وذروةُ الحقِّ مرمى.
    يا إلهي،
    شدِّدْ جناحي،
    وزِدْهُ قوةً منكَ؛
    فهوَ غضٌّ،
    ومهما
    همَّ في نفسِه وحلَّقَ أجواءً
    وطَوَى من العلاءِ وضمَّا،
    لا تزالُ الرياحُ تلوي خَوافيهِ
    وتهوي بهِ إلى ما تعمَّى،
    فيصيرُ الوجودُ غَمْرَ ظلامٍ،
    وتصيرُ الحياةُ طيفًا ووَهْمَا.
    يا إلهي، شدِّدْ جناحي:
    فما يكفيه علمٌ –
    مهما تساميتُ عِلْمَا.
    أنتَ أدرى بهِ!
    فلو ينفعُ العلمُ
    لَما زادتِ الخليقةُ إثما،
    ولَما جئتَ ههنا،
    تفتدي العقلَ
    وتروي أنَّ المحبَةَ أسمى.
    هَبْهُ من عندكَ المحبةَ،
    يا ربُّ،
    وزوِّدْهُ بالمحبَّة فَهْمَا.
    فإذا بالرياحِ غيرُ رياحٍ
    كلَّما قاربَ الوصولَ ولمَّا.
    ربِّ، هبني محبةً:
    فيها أُدركُ
    حريَّتي وأعرفُ نفسي.
    أنا، إنْ لا أحبُّ،
    ما نفعُ عقلي
    لخلاصي؟! وباطلٌ كلُّ بأسي.
    فخلاصي، أنا المسيَّرُ بالغيبِ،
    ومَن يومُهُ منوطٌ بأمسِ،
    إنَّما تمَّ بالمحبَّة والعقلِ –
    فلولاهما أغوصُ بِرِجْسي.
    نعمةٌ أستحقُّها،
    إن أنا آمنتُ
    وطوَّعتُ للحقيقةِ حسِّي.
    أنا حرٌّ، يا ربُّ:
    في أضلعي شوقٌ
    إلى رؤيةِ الحقيقةِ حرَّا.
    شاهدٌ، إن رأيتُها،
    معلنٌ عنها
    صراحًا لدى الخليقةِ طرَّا،
    مُفتديها بالروحِ،
    إنْ رامَ عبدٌ
    طَمْسَها خيفةً وجهلاً وغَدْرَا.
    ويحَ نفسي،
    ما أتعَسَ الحقَّ في الدنيا!
    فكم مرةٍ يُباع ويُشرى!
    كلُّ شيءٍ لدى العبيدِ حلالٌ –
    غير شيءٍ:
    قولُ الحقيقةِ جَهْرَا.

    من (رسائل دون كيشوت) يوسف الخال

    دعيني يا أمي و لا تأسفي .
    لا تتحسري و لا تبكي
    و لا تندبي.
    لا تدفنيني و لا تدفني صاحبي .
    دعي الطيور الكاسرة تمزق جسدينا .
    دعي عظامنا تبيضّ
    و تعشب في عين الشمس.

    من ( في غابة لبنان ) 1979

    لا ترفعوا صوتا و لا ترتلوا .
    اقعدوا في الزوايا
    و ذروا الرماد على رؤوسكم .
    لا تنفع وجوهكم العامرة
    حين يعمر الدود جسدا فارغا من الحياة.
    بأي يد تمسكون المباخر ،
    و بأي شفة تقدسون.
    حين يسقط الجبار،
    ويل لمن يبقى واقفا.

  • بلا أوراق – (نصوص هايكو) صلاح الدين أيت عبد الله

    بلا أوراق – (نصوص هايكو) صلاح الدين أيت عبد الله

    الْفَرَاشَةُ الَّتِي تَعَقَّبتُهَا لِلَحْظَة
    تَحُطُّ فَوْقَ
    عُقْبِ سِيجَارة

    ***

    فَقَطْ لَا يَزَالُ
    الْغُصْنُ الْمَكْسُورُ عَلَى الشَّجَرَة
    بِلَا أَوْرَاق

    ***

    خَلْفَ السِّتَار
    سِيرَةُ الدُّمية
    عَبْرَ خَيْطٍ رَفِيع

    ***

    حِينَمَا تُشْرِقِين
    مِنَ الْوَرْدَاتِ الْمُتَفَتِّحَة
    حُبُوبُ الطَّلْعِ

    ***

    مَسِيرُ الرِّبَاط
    بَدَلَ الشُّمُوع
    شَمْسٌ حَارِقَة

    ***

    مِنْ شَمْعَتِي
    يُشْعِلَانِ شَمْعَة
    عَشِيقَان

    ***

    أَلْعَابٌ نَارِيَّة
    كَلُغْمٍ فِي الظَّلَام
    وَرْدَةٌ تَتَفَتَّح

    ***

    مَرحَى أيُّها الطَّائر!
    صِرتُ أنظُرُ مِثلَكَ لِلبَشَر
    منَ الطَّابقِ الرَّابِع

    ***

    رِيحُ الْخَرِيفِ الأُولَى
    نَائِماً، الطِّفْلُ
    يَجُرُّ الْملَاءة

    ***

    قَدَمٌ..نُقْطَتان.. قَدَمٌ.. نُقْطَتان
    أَثَرُ عَلَى رِمَالِ الشَّطِّ
    ذَاتَ صَبَاحٍ مِنْ شُتَنْبِر

    ***

    الطُّيُور عَلَى اللّاقِط،
    هَلْ هِيَ سَبَبُ
    عَوْدَةِ الْبَثّ؟

    ***

    عِنْدَ حَافَّةُ الْبِئْرِ،
    يَحْدُثُ أَنْ تَلْتقِي
    فَرَاشَةٌ وَزُنْبُورٌ

    ***

    سَيَنْزَعُهَا عَنْكَ الْإِسْكَافِيُّ
    أَيُّهَا الْحِذَاء!
    بَسْمَةُ الْإسْتِهْزَاء

    ***

    ثَوْبٌ صُوفِيٌّ دافئٌ
    بِنُعُومَة يَدِهَا الْبَيْضَاءِ الْبَارِدَةِ تَتَلَمَّسُ
    الْهَايكُو “لْمَغْلُوقْ”

    ***

    مِيَاهٌ عَكِرَة
    بِلَا عُمْقٍ
    هَايْكُو الْبِرْكَة

    ***

    جليدْ –
    مَا كُلُّ هَذَا الْاحْمِرَارِ
    أَيُّهَا الشَّفَقْ؟

    ***

    صَبَاحٌ بَارِدٌ
    قَطْرَاتُ نَدَى مُعَلَّقَةٌ
    عَلَى خُطَّاف

    ***

    الْحِجَارَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ
    لِتَطِيرَ أَبْعَدَ
    يَبْصُقُ جَنَاحَيْنِ

    ***

    ظَلَامُ الحَدِيقَةِ
    الأَصْوَاتُ الخَافِتَةُ
    تُزْهِرُ بِالقُبَلِ

    ***

    سَأََقُولُ وَدَاعًا
    وَأَنْتِ تَسْتَقِلِّينَ الرِّيح
    أَيَّتُهَا الْغُيُوم.


    *نصوص: صلاح الدين أيت عبد الله

  • يانيس ريتسوس – عري الجسد – ترجمة: هشام فهمي.

    يانيس ريتسوس – عري الجسد – ترجمة: هشام فهمي.

    شفاهي

    جالت أذنكِ

    الصغيرة و الناعمة،

    كيف تسع لكل

    الموسيقى؟

    *

    تحت كل الكلمات

    جسدان يتحدان

    و ينفصلان

    * * * *

    في بضع ليالٍ

    كيف للعالم أن ينخلق

    و ينهار؟

    *

    ألمس أصابع

    قدميك

    كم هو متعذر على هذا

    العالم

    أن يحصى

    * * * *

    شهران دون أن نلتقي

    قرنٌ

    و تسع ثوانِ

    * * * *

    أحمر

    مع خطّ شاقولي.

    التفاح يسقط في النهر.

    يطفو.

    ويرحل.

    * * * *

    الأعضاء المخبّأة

    تعطي إشارات

    خارج الزمن.

    السفن المضاءة

    تصل ، ثم ترحل،

    و لا تصفر أبدًا

    * * * *

    في النافذة المقابلة

    هناك ضوء.

    تتجرّدين من الثياب.

    انك دائما أنت.

    *

    لا وجود لأسمنت.

    فراغ

    مخترقٌ برافدة من الحديد.

    *

    جسدك غير مرئي

    قابل للّمس

    عصفوران تحت إبطيك

    صليب على نهدك

    و لا موت.

    * * * *

    سأحمل المطرقة،

    و أنحت الهواء،

    سأخلق تمثالك

    مفتوحًا،

    سأدخله

    و سأمكث هناك.

    * * * *

    وسط القصيدة

    أنت، ثم أنت.

    نفـَـسُـك يملأ

    كل الكلمات

    كل الصمت.

    * * * *

    ستأخذين القطار.

    سوف تتأخرين -قلت لك.

    أسرعي، أسرعي

    فيتصلـّب زرّا نهديك.

    * * * *

    أحملك على ذراعي

    فأطير.

    * * * *

    الجسد

    سماء

    لا ينهكه

    أيّ طيران.

    * * * *

    تجرّدنا من الثياب

    أقـفـلنا الخارج، وراء الباب

    البيوت، والكلاب

    والحدائق، والتماثيل

    والموت.

    * * * *

    كيف يعيش الموتى

    بلا حبّ؟

    * * * *

    كانت الحرب

    كان الحب

    كلانا كان ميّـتا

    جمّعنا الموتى و الجرحى

    جرّدناهم من الثياب

    و رقدنا بعد ذلك.

    * * * *

    نسيت المظلة

    في القطار

    كنت تفكّرين فيّ إذن.

    شعرك المبلّل

    سرّحته

    ووضعت المشط

    تحت القصيدة.

  • عمر بركة – حب

    أريد أن أقول “أحبك”
    لكن تنقصني الشجاعة
    أريد أن أغني لك
    وأقرأ القصائد
    وأحكي لكِ القصص
    لكن صوتى يصير صمتا
    حين أراكِ
    فالصمت في حرم الجمال
    القلب يخفق مرتين في غيابك
    وعدد لانهائي من المرات
    حين يظهر طيفك في نهاية الطريق
    الحب ليس أن تكون سعيدا
    الحب أن أسقط فتلتقطني يداكِ
    أبحث عن منزلك في خرائط جوجل
    وأحفظ الطريق إليه
    كي أزورك في الحلم مرة
    حينما أصير شجاعا
    وأنظر إلى عينيكِ
    وأقول أنهما أجمل من غابتا النخيل
    فتضحكين
    فأبحث في ضحكتك عن سر الخلود
    وأتيه
    في تقاسيم وجهك

  • أحمد مظهر غالي – كاميرات المراقبة

    Phil Hale

    دائماً كان ما يحدُث
    بينهُم
    حدوثُه يتم بالأسفل
    في الطابق السُفليّ
    او أسفل سُلَّم
    أو أسفل سيارة نقل
    ضخمة أو كبيرة
    أو أسفل ممشاة الكورنيش
    أسفل الشاطئ والصخور
    أسفل المدينة وأبراجها
    ومنازلها الصغيرة
    والفقيرة
    أسفل مواسير المياه ،
    وأسفل المصعد الكهربائي
    أسفل الآسرة والكراسي
    أسفل جراچات الفنادق
    المشهورة
    وأسفل كبائن المُنتزة
    والمعمورة
    دائماً كان ما يحدُث بينهُم
    حدوثه يتم
    بالأسفل
    أسفل الكتُب والجرائد
    والحوائط
    أسفل المناضد
    ويحُها تلك المنضدة ! ،
    ويحُها تلك الرُقعة
    ويحُه ذاك المكان ،
    يومها
    كانوا في المكتبة
    يفترضون القراءة
    يصطنعون ذلك
    ويالها من براءة !
    حين انهوا ما دوماً
    يحدث
    وهموا بالرحيل
    أوقفهُم رجال الأمن
    على البوابة
    منعوهم
    وأداروا فيلماً تسجيلي
    وتوثيقي
    يتضمن كل ما قد حدث
    ليكُن شاهداً
    على فعلتهم النكراء
    ليروا
    تسجيل قُبلةً
    قد تبادلوها
    خلسة
    بين حاملات الكُتب
    وأرفُفها
    بعيداً عن عيون الناس ،
    مُتحرين الدقة والتأكُد
    في إلتفات
    لكنهم من كثرة الأحداث
    نسوها
    كما نسَيُّوا كاميرات المراقبة ..!

  • منال مكرم – لكن أعيننا تحتاج من يفهم أبجديتها

    Oswaldo Guayasamín

    عاجزة كلمات تلك اللغه على وصف الكثير من الأمور
    تقف الأبجدية مكتوفة الأيدي
    تبدي الأسف في مواقف نحتاج فيها جدا لكلمات فلا نجد
    يشرد ذهننا بعيدا و كأنها مؤمراة كونية
    لأعلان الصمت سيدا وقت الحاجه للكلام
    فقط أعيننا ترسل نظارتها أبلغ من أي بيان
    فقط أعيننا تفتح أبواب العمق
    تضحك و تبكي و تحب و تشتاق
    تودع و تلاقي بدموع كأنها حروف النور وسط إستتار شمس النهار
    لكن أعيننا تحتاج من يفهم أبجديتها و يترجم الأشارات
    فيرى إنعاكاسات أعماقنا فوق تلك اللمعة الزجاجية
    يشق طرقا و يمهد لعلاقات تمتد لسنوات
    تبدأ فقط بتبادل للنظرات

  • منال مكرم – خطوت كغزالة

    منال مكرم – خطوت كغزالة

    Sergey Smirnov

    خفتت أنوار تلك الليلة
    أضاء بريق عينيه الأفق
    خطوت كغزالة أقتل كل مسافة بيننا
    تشابكت أناملي بأنامله
    نامت يدي الأخرى على كتفه
    كأنها رست بعد طواف
    حوطت يده خصري بخفة ساحر
    وأرسل سهام من عينيه
    أصابت لب فؤادي
    مع كل خطوة كنت أغزو أرضا جديدة
    بعُد فص قلادتي مع تمايلي بين يديه
    رفض أن يقف بيننا في تلك الليلة الحالمة

  • فلورنس أنتوني ( آي ) – سالومي | ترجمة: عابد إسماعيل

    Lady with Roses
    Greta Freist

    “سالومي أميرة يهودية من القرن الأول الميلادي، طالبت برأس يوحنا المعمدان مقابل تأديتها لرقصةٍ أمام الملك هيرود. في الكتاب المقدس (ماثيو 14 ـ 6) سردٌ لقصتها، لكنها لا تُذكَر بالاسم”.

    أقصّ سويقة القرنفلة الحمراء

    وأضعها في حوضِ الماء.

    تطفو حيث يطفو رأسُكَ

    إذ قمتُ بقطعِها.

    ولكن ماذا لو أنني قطّعتُكَ إرباً

    انتقاماً لتلك الظهيرات

    عندما كنتُ في الخامسة عشرة

    ومثل عصفورِة الجنّة

    ذُبِحتُ من الوريدِ إلى الوريد بسبب ريشي.

    حتى أنّ اسمي كان يوحي بجناحين،

    وبقفصٍ مجدولٍ، وبالطيران.

    “تعالي، اجلسي في حضني”، قلتَ لي.

    شعرتُ بأنني طرتُ إليكَ،

    وكنتُ عديمةَ الوزن.

    كنتَ في الأربعين، ومتزوجاً.

    لم يكن مهماً أنها كانت أمّي.

    كانت بمثابة بابٍ يُفتَحُ نحوي.

    اندمجَ ثلاثُتنا في ما يشبه الخَدَر

    ملفوحين بعبير المسك، مسك أيام الآحاد.

    ثمة تعرّقٌ وحلاوةٌ.

    تلك الخوخة المجفّفة، وطعمُ عرقِ السّوس

    عائداً أبداً إلى لساني

    حيث لسانُكَ قبالة أسناني

    ما يلبثُ أن يلامسَ لساني. كم من المرّات؟

    رحتُ أحصي، لكنني لم أستطع أبداً أن أتذكّر.

    وعندما ظننتُ بأننا سنستمرّ هكذا إلى الأبد،

    وأن لا شيء سيقفُ في طريقِنا

    ونحن نهربُ، بلا نهاية، من الوعي،

    أتت الأوامرُ. حربٌ في الشمال.

    سيفُكَ، والرتبةُ الذهبيةُ على كتفِكَ،

    سترتُكَ العسكريةُ ذات الألوان الزاهية،

    كما لا يشبهُ الحربَ، كما ظننتُ.

    وجوادكَ! كيف امتطيتَهُ وخرجتَ من البوابة.

    لا، بل كيف رقصَ ذلك الجوادُ تحتَك

    على صوتِ نيرانِ المدافع.

    كان بمقدوري أن أسمعَها على بُعدِ فراسخ قليلة.

    كنتُ أراكَ تهوي، وجهُكَ قرمزيٌ،

    والجوادُ يرقصُ بدونكَ.

    وفي اللحظةِ ذاتِها

    تنهّدت أمّي، واتجهت، متعثّرةً، إلى الأرجوحة،

    حيث النبيذُ في الكأس ذات العنق النحيل

    انسكبَ فوق العشب،

    وشعرتُ أنني أتحوّلُ إلى لوحٍ خشبي بلون البراندي،

    وصار جلدي آلافَ الأوتارِ المشدودةِ بقوّة

    حتى إنني عندما مشيتُ إلى البيتِ

    كنتُ أسمعُ الموسيقى

    تتقافز خلفي

    مثل شلالٍ من الحرير الصيني.

    سحبتُ رسالتكَ من بين نهدي.

    “سالومي”، سمعتُ صوتكَ يهمسُ،

    “أيتها العصفورةُ الصغيرةُ، طِيري”.لكنني لم أفعل.

    فككتُ الشرائطَ الليلكيةَ عن نهديّ

    وارتميتُ فوق سريركَ.

    بعدها بقليلٍ، سمعتُ خطوات أمي تقتربُ،

    ورأيتُها تقتربُ من النافذة.

    أطبقتُ عيناي،

    وعندما فتحتُهما

    مرّ ظلّ سيفٍ عبر حنجرتي،

    وأمّي، المرتدية زيّ جنديّ،

    انحنَت، وقبّلتني على شفتيّ.

  • وديع سعادة – ريشٌ في الريح

    وديع سعادة – ريشٌ في الريح

    لا تطأْ على ظلّ
    إنه نطرة نائمة.
    لا تأخذْ غصناً إلى موقد
    إنه يد شجرة.
    التقطِ الورقةَ وأعِدْها إلى الغصن
    إنها عين الشجرة.
    النجوم نظرات
    انظرْ تَصِرْ نجمة.
    كلُّ هذه الرياح
    ليست سوى
    آهات بشر.
    للطريق التي لا تتوقّف عن المشي
    بيتٌ أيضاً
    ولا تعرف كيف تفتح الباب.
    فقط لو عرفوا
    أن دمعة واحدة تكفي
    لغسل كلّ الأرض.
    وللطريق رئةٌ أيضاً
    امشِ عليها خفيفاً
    لئلا تختنق.
    الذين يصرخون هناك
    أفواههم هنا.
    قال لا تقتربْ من الماء
    وغرِقَ.
    الغصون التي تهزُّها الريح لا تكون ترتجف
    بل هي تلوّح
    للغصون الأخرى.
    مهما كان هذا الحمْل ثقيلاً
    يمكنكَ أيضاً أن تكون
    نسمة.
    الأرض عمياء
    اعطِها عيناً كي تراك.
    الذين قلتُ لهم وداعاً هناك
    سبقوني إلى هنا.
    لا تطأْ على نملة
    هل نسيتَ كم لعبتَ معها حين كنتَ طفلاً؟
    لا تنظرْ إلى الفضاء كي ترى قمراً
    ثمة قمرٌ آخر على الأرض: عينكَ.
    أخفضْ رأسكَ قليلاً
    إنْ أردتَ أن ترى الأرض.
    للدم لسان
    كلُّ نقطة منه وهي تسقط تقول:
    البشرية كلّها سقطت.
    حَمَلَ حياته مثل لعبة معطَّلة
    أراد أن يعيدها إلى الحانوتي
    ووقفَ العمرَ كلّه
    أمام حانوت مقفل.
    تكلَّمتُ كثيراً
    لكنَّ الصمت كان كنزي الوحيد.
    للأحلام قنّاصون كُثُر
    لا تحلمْ
    تَنْجُ.
    تبقى وحيداً
    ولو بين جمهور.
    أيها الناظرون إلى السماء
    انظروا جيّداً تروها خاوية.
    الذين بلا أقدام
    حين تنظر إليهم بحبّ
    يصيرون بأجنحة.
    نقطة دم واحدة تُهدَر من عصفور
    تُظلِم كلَّ السماء.
    كم كانت الأرض جميلة
    لو انَّ كائناتها تقتات فقط من الهواء.
    قال: بلى، ثمة ماءٌ بعد في قعر البئر
    ومات عطشاناً.
    كان حافياً
    والطريق كلّها مرسومة على لحم قدميه.
    لا أخال الأرض محمولةً إلاّ بكثافة الآهات.
    هل رأيتم سحليةً في مكان ما؟
    إنها شقيقتي وقد أضعتُها حين كنا نلعب في الغابة.
    أقدامٌ أقدامٌ أقدام
    وظِلٌّ على الرصيف
    يحاول أن ينام.
    ثلوجٌ ثلوجٌ ثلوج
    أظنُّها دموعاً قد تجمّدت.
    الطريقُ أيضاً
    تسأل عن الطريق.
    لا تحلمْ بمحطَّة
    مهما ركبتَ قطارات
    تبقى في مكانك.
    ناديتُها كثيراً
    ولم تأتِ
    الحياة.
    في البحر قشّة؟
    لا تتشبّثْ بها
    لو خشبة
    ستغرق.
    من ترابه نبتتْ شجرة
    تشبهه حين كان فتىً.
    من ترابه نبتتْ زهرة
    تشبه عينه المغمضة.
    أرى عيوناً كثيرة
    في الأنهار.
    حين تنزل دمعةٌ في النهر
    تأخذ عينها معها.
    ارمِ السماءَ
    وَضَعِ الأرضَ في قلبك.
    الطير الذي حطَّ على رأسكَ ذات يوم
    لم يكن يريد سماء بل رفيقاً.
    كم هي صبورة
    الطريق التي مشت وحدها كلَّ هذه الأيام!
    يا أصدقائي البعيدين
    العصافير التي تأتي إلى شجرة أمام بيتي وتنظر إليَّ
    في عيونها شيء من نظراتكم!
    هناك هو هناك
    ولكن أين هنا؟
    أسمعُ أصواتاً
    في العشب أيضاً.
    تكلَّمَ كثيراً
    لكنَّ الوحيد الذي رافقه طوال الطريق كان الصمت.
    أريد أن ألعب
    أمعقولٌ أن أجوب كلَّ هذه المدن وأبحث طوال العمر
    ولا أجد لعبة؟!
    مللتُ من انتظاركَ
    يا رفيقي القديم يا شبيهي يا وديع أين ذهبتَ؟
    حتى الصخر يصرخ
    والنسيم ينجرح
    من ريشة.
    فقط لو الهواء يعيد إليَّ
    الكلمةَ الأولى التي قلتُها
    للريح.
    مشى صامتاً
    لئلا يُثقل عبورَه
    الصوت.
    لم يقل وداعاً
    فقط رفع قليلاً إصبعه.