أريد أن أقول “أحبك”
لكن تنقصني الشجاعة
أريد أن أغني لك
وأقرأ القصائد
وأحكي لكِ القصص
لكن صوتى يصير صمتا
حين أراكِ
فالصمت في حرم الجمال
القلب يخفق مرتين في غيابك
وعدد لانهائي من المرات
حين يظهر طيفك في نهاية الطريق
الحب ليس أن تكون سعيدا
الحب أن أسقط فتلتقطني يداكِ
أبحث عن منزلك في خرائط جوجل
وأحفظ الطريق إليه
كي أزورك في الحلم مرة
حينما أصير شجاعا
وأنظر إلى عينيكِ
وأقول أنهما أجمل من غابتا النخيل
فتضحكين
فأبحث في ضحكتك عن سر الخلود
وأتيه
في تقاسيم وجهك
المدونة
عمر بركة – حب
أحمد مظهر غالي – كاميرات المراقبة

Phil Hale دائماً كان ما يحدُث
بينهُم
حدوثُه يتم بالأسفل
في الطابق السُفليّ
او أسفل سُلَّم
أو أسفل سيارة نقل
ضخمة أو كبيرة
أو أسفل ممشاة الكورنيش
أسفل الشاطئ والصخور
أسفل المدينة وأبراجها
ومنازلها الصغيرة
والفقيرة
أسفل مواسير المياه ،
وأسفل المصعد الكهربائي
أسفل الآسرة والكراسي
أسفل جراچات الفنادق
المشهورة
وأسفل كبائن المُنتزة
والمعمورة
دائماً كان ما يحدُث بينهُم
حدوثه يتم
بالأسفل
أسفل الكتُب والجرائد
والحوائط
أسفل المناضد
ويحُها تلك المنضدة ! ،
ويحُها تلك الرُقعة
ويحُه ذاك المكان ،
يومها
كانوا في المكتبة
يفترضون القراءة
يصطنعون ذلك
ويالها من براءة !
حين انهوا ما دوماً
يحدث
وهموا بالرحيل
أوقفهُم رجال الأمن
على البوابة
منعوهم
وأداروا فيلماً تسجيلي
وتوثيقي
يتضمن كل ما قد حدث
ليكُن شاهداً
على فعلتهم النكراء
ليروا
تسجيل قُبلةً
قد تبادلوها
خلسة
بين حاملات الكُتب
وأرفُفها
بعيداً عن عيون الناس ،
مُتحرين الدقة والتأكُد
في إلتفات
لكنهم من كثرة الأحداث
نسوها
كما نسَيُّوا كاميرات المراقبة ..!منال مكرم – لكن أعيننا تحتاج من يفهم أبجديتها

Oswaldo Guayasamín عاجزة كلمات تلك اللغه على وصف الكثير من الأمور
تقف الأبجدية مكتوفة الأيدي
تبدي الأسف في مواقف نحتاج فيها جدا لكلمات فلا نجد
يشرد ذهننا بعيدا و كأنها مؤمراة كونية
لأعلان الصمت سيدا وقت الحاجه للكلام
فقط أعيننا ترسل نظارتها أبلغ من أي بيان
فقط أعيننا تفتح أبواب العمق
تضحك و تبكي و تحب و تشتاق
تودع و تلاقي بدموع كأنها حروف النور وسط إستتار شمس النهار
لكن أعيننا تحتاج من يفهم أبجديتها و يترجم الأشارات
فيرى إنعاكاسات أعماقنا فوق تلك اللمعة الزجاجية
يشق طرقا و يمهد لعلاقات تمتد لسنوات
تبدأ فقط بتبادل للنظرات
منال مكرم – خطوت كغزالة

Sergey Smirnov خفتت أنوار تلك الليلة
أضاء بريق عينيه الأفق
خطوت كغزالة أقتل كل مسافة بيننا
تشابكت أناملي بأنامله
نامت يدي الأخرى على كتفه
كأنها رست بعد طواف
حوطت يده خصري بخفة ساحر
وأرسل سهام من عينيه
أصابت لب فؤادي
مع كل خطوة كنت أغزو أرضا جديدة
بعُد فص قلادتي مع تمايلي بين يديه
رفض أن يقف بيننا في تلك الليلة الحالمةفلورنس أنتوني ( آي ) – سالومي | ترجمة: عابد إسماعيل

Lady with Roses
Greta Freist“سالومي أميرة يهودية من القرن الأول الميلادي، طالبت برأس يوحنا المعمدان مقابل تأديتها لرقصةٍ أمام الملك هيرود. في الكتاب المقدس (ماثيو 14 ـ 6) سردٌ لقصتها، لكنها لا تُذكَر بالاسم”.
أقصّ سويقة القرنفلة الحمراء
وأضعها في حوضِ الماء.
تطفو حيث يطفو رأسُكَ
إذ قمتُ بقطعِها.
ولكن ماذا لو أنني قطّعتُكَ إرباً
انتقاماً لتلك الظهيرات
عندما كنتُ في الخامسة عشرة
ومثل عصفورِة الجنّة
ذُبِحتُ من الوريدِ إلى الوريد بسبب ريشي.
حتى أنّ اسمي كان يوحي بجناحين،
وبقفصٍ مجدولٍ، وبالطيران.
“تعالي، اجلسي في حضني”، قلتَ لي.
شعرتُ بأنني طرتُ إليكَ،
وكنتُ عديمةَ الوزن.
كنتَ في الأربعين، ومتزوجاً.
لم يكن مهماً أنها كانت أمّي.
كانت بمثابة بابٍ يُفتَحُ نحوي.
اندمجَ ثلاثُتنا في ما يشبه الخَدَر
ملفوحين بعبير المسك، مسك أيام الآحاد.
ثمة تعرّقٌ وحلاوةٌ.
تلك الخوخة المجفّفة، وطعمُ عرقِ السّوس
عائداً أبداً إلى لساني
حيث لسانُكَ قبالة أسناني
ما يلبثُ أن يلامسَ لساني. كم من المرّات؟
رحتُ أحصي، لكنني لم أستطع أبداً أن أتذكّر.
وعندما ظننتُ بأننا سنستمرّ هكذا إلى الأبد،
وأن لا شيء سيقفُ في طريقِنا
ونحن نهربُ، بلا نهاية، من الوعي،
أتت الأوامرُ. حربٌ في الشمال.
سيفُكَ، والرتبةُ الذهبيةُ على كتفِكَ،
سترتُكَ العسكريةُ ذات الألوان الزاهية،
كما لا يشبهُ الحربَ، كما ظننتُ.
وجوادكَ! كيف امتطيتَهُ وخرجتَ من البوابة.
لا، بل كيف رقصَ ذلك الجوادُ تحتَك
على صوتِ نيرانِ المدافع.
كان بمقدوري أن أسمعَها على بُعدِ فراسخ قليلة.
كنتُ أراكَ تهوي، وجهُكَ قرمزيٌ،
والجوادُ يرقصُ بدونكَ.
وفي اللحظةِ ذاتِها
تنهّدت أمّي، واتجهت، متعثّرةً، إلى الأرجوحة،
حيث النبيذُ في الكأس ذات العنق النحيل
انسكبَ فوق العشب،
وشعرتُ أنني أتحوّلُ إلى لوحٍ خشبي بلون البراندي،
وصار جلدي آلافَ الأوتارِ المشدودةِ بقوّة
حتى إنني عندما مشيتُ إلى البيتِ
كنتُ أسمعُ الموسيقى
تتقافز خلفي
مثل شلالٍ من الحرير الصيني.
سحبتُ رسالتكَ من بين نهدي.
“سالومي”، سمعتُ صوتكَ يهمسُ،
“أيتها العصفورةُ الصغيرةُ، طِيري”.لكنني لم أفعل.
فككتُ الشرائطَ الليلكيةَ عن نهديّ
وارتميتُ فوق سريركَ.
بعدها بقليلٍ، سمعتُ خطوات أمي تقتربُ،
ورأيتُها تقتربُ من النافذة.
أطبقتُ عيناي،
وعندما فتحتُهما
مرّ ظلّ سيفٍ عبر حنجرتي،
وأمّي، المرتدية زيّ جنديّ،
انحنَت، وقبّلتني على شفتيّ.

وديع سعادة – ريشٌ في الريح
لا تطأْ على ظلّ
إنه نطرة نائمة.
لا تأخذْ غصناً إلى موقد
إنه يد شجرة.
التقطِ الورقةَ وأعِدْها إلى الغصن
إنها عين الشجرة.
النجوم نظرات
انظرْ تَصِرْ نجمة.
كلُّ هذه الرياح
ليست سوى
آهات بشر.
للطريق التي لا تتوقّف عن المشي
بيتٌ أيضاً
ولا تعرف كيف تفتح الباب.
فقط لو عرفوا
أن دمعة واحدة تكفي
لغسل كلّ الأرض.
وللطريق رئةٌ أيضاً
امشِ عليها خفيفاً
لئلا تختنق.
الذين يصرخون هناك
أفواههم هنا.
قال لا تقتربْ من الماء
وغرِقَ.
الغصون التي تهزُّها الريح لا تكون ترتجف
بل هي تلوّح
للغصون الأخرى.
مهما كان هذا الحمْل ثقيلاً
يمكنكَ أيضاً أن تكون
نسمة.
الأرض عمياء
اعطِها عيناً كي تراك.
الذين قلتُ لهم وداعاً هناك
سبقوني إلى هنا.
لا تطأْ على نملة
هل نسيتَ كم لعبتَ معها حين كنتَ طفلاً؟
لا تنظرْ إلى الفضاء كي ترى قمراً
ثمة قمرٌ آخر على الأرض: عينكَ.
أخفضْ رأسكَ قليلاً
إنْ أردتَ أن ترى الأرض.
للدم لسان
كلُّ نقطة منه وهي تسقط تقول:
البشرية كلّها سقطت.
حَمَلَ حياته مثل لعبة معطَّلة
أراد أن يعيدها إلى الحانوتي
ووقفَ العمرَ كلّه
أمام حانوت مقفل.
تكلَّمتُ كثيراً
لكنَّ الصمت كان كنزي الوحيد.
للأحلام قنّاصون كُثُر
لا تحلمْ
تَنْجُ.
تبقى وحيداً
ولو بين جمهور.
أيها الناظرون إلى السماء
انظروا جيّداً تروها خاوية.
الذين بلا أقدام
حين تنظر إليهم بحبّ
يصيرون بأجنحة.
نقطة دم واحدة تُهدَر من عصفور
تُظلِم كلَّ السماء.
كم كانت الأرض جميلة
لو انَّ كائناتها تقتات فقط من الهواء.
قال: بلى، ثمة ماءٌ بعد في قعر البئر
ومات عطشاناً.
كان حافياً
والطريق كلّها مرسومة على لحم قدميه.
لا أخال الأرض محمولةً إلاّ بكثافة الآهات.
هل رأيتم سحليةً في مكان ما؟
إنها شقيقتي وقد أضعتُها حين كنا نلعب في الغابة.
أقدامٌ أقدامٌ أقدام
وظِلٌّ على الرصيف
يحاول أن ينام.
ثلوجٌ ثلوجٌ ثلوج
أظنُّها دموعاً قد تجمّدت.
الطريقُ أيضاً
تسأل عن الطريق.
لا تحلمْ بمحطَّة
مهما ركبتَ قطارات
تبقى في مكانك.
ناديتُها كثيراً
ولم تأتِ
الحياة.
في البحر قشّة؟
لا تتشبّثْ بها
لو خشبة
ستغرق.
من ترابه نبتتْ شجرة
تشبهه حين كان فتىً.
من ترابه نبتتْ زهرة
تشبه عينه المغمضة.
أرى عيوناً كثيرة
في الأنهار.
حين تنزل دمعةٌ في النهر
تأخذ عينها معها.
ارمِ السماءَ
وَضَعِ الأرضَ في قلبك.
الطير الذي حطَّ على رأسكَ ذات يوم
لم يكن يريد سماء بل رفيقاً.
كم هي صبورة
الطريق التي مشت وحدها كلَّ هذه الأيام!
يا أصدقائي البعيدين
العصافير التي تأتي إلى شجرة أمام بيتي وتنظر إليَّ
في عيونها شيء من نظراتكم!
هناك هو هناك
ولكن أين هنا؟
أسمعُ أصواتاً
في العشب أيضاً.
تكلَّمَ كثيراً
لكنَّ الوحيد الذي رافقه طوال الطريق كان الصمت.
أريد أن ألعب
أمعقولٌ أن أجوب كلَّ هذه المدن وأبحث طوال العمر
ولا أجد لعبة؟!
مللتُ من انتظاركَ
يا رفيقي القديم يا شبيهي يا وديع أين ذهبتَ؟
حتى الصخر يصرخ
والنسيم ينجرح
من ريشة.
فقط لو الهواء يعيد إليَّ
الكلمةَ الأولى التي قلتُها
للريح.
مشى صامتاً
لئلا يُثقل عبورَه
الصوت.
لم يقل وداعاً
فقط رفع قليلاً إصبعه.آناند ثاكور – رحيق | ترجمة: ظبية خميس

The Voice
Agnes Lawrence Peltonالغروب كان خلفنا عندما وصلنا إلى النهر
الصيف جففه من كل حركة، غير أن سطحه الرمادي
كان لايزال باردا ونقيا. راقبتكِ وأنت ترتجفين
فيما قمنا نخلع ملابسنا، سبحنا، وبين الطحالب
سبح القمر معنا مثل سمكة فضية ثم غرق
في الأعماق مثل صحن مكسور،
فيما أصابعك لعبت بماء النهر الساكن،
الإنعكاس جعل ذلك يبدو أبعد بكثير،
ولم يكن لدينا طعمْ نستطيع به أن نصطاد سريعا
بقايا الضوء
فقط الذكرى القوية للذاكرة،
كم قد طال الوقت للماء كي يعود إلى سكونه، والنظر
جمع تلك الشظايا من جديد لبورسلين القمر المكسور.
سبحنا، عراة كما قد كنا وكما قد كان النهر الذي سبحنا فيه
ثم عميقا في المياه الساكنة استرخينا،
سوف تتذكرين ذلك الآن بالرغم من أنك كنت تشيحين بوجهك
ونحن نتجه للشاطيء عبر جلد النهر المبتل،
والغيوم تتجمع تحتنا مثل أسماك السالمون الرمادية.

آرونداثي سابرامانيام – رائحة الذكرى – ترجمة : ظبية خميس
جدتي حكيمة
حتى عندما كانت في الثامنة من عمرها
اختبأت تحت السرير
عندما جاء أولج خجطابها إلى المنزل.
شامخة وهادئة
مَلَكيةْ مثل وجهي على عجملَة قديمة،
لاحظت ذلك عبر الصور، الغائمة
بتغير الفصول،
مثل صورة فضية
على حرير كانجيفارام،
البنات في الثامنة
لم يكن لديهن أسنان مكسورة
أو أكواع متسلخة.
الآن في مطبخها،
تجحَركج في هدوء روائح الجدود
من ترانيم جوز الهند الدافئة،
صوتها يتبع الفسيفساء المألوفة
لأحجيات العائلة، التي شققها التكرار،
ومع ذلك،
في الإلتفاف الطويل للساري،
تحملج هي سِرا لعالمي
يمشي فيه النساجون مازالوا
بتجارة سائلة لأولئك الذين
يعرفون أجسادهم كما يعرفون عقولهم،
مازالت تمشي في شوارع مهجورة
لتقابل كائنات سمراء مجحَرَمَة،
عيونها تلمعج مثل المصابيح في الشتاء،
وتعود قبل مغيب الشمس،
الزهور في شعرها فَوَاحَةْ
بعطر للغة غير مكتوبة للرومانس.
سر العالم
الذي ترفضج أن تهجره
عبر وصفات طبخها
وعبر جيناتها.
لحظة من العاج
‘إلي جين أوستن’

لورنس فرلنغيتي – المتنبئة | ترجمة: فيء ناصر
الى كاهنة دلفي المتنبئة
أيها الكاهن العظيم لماذا تحدق فيّ
أحَيركَ أم أُصيبكَ بالقنوط…؟
أمريكو أنا الأمريكي
تشكّلتُ من ظلام أمي من زمن سحيق
من عتمة أوربا القديمة
لماذا تحدق بي الآن؟
عبر غبار حضارتنا
لماذا تحدق فيّ؟
كما لو كنت أمريكا ذاتها
أمبراطوريتنا الجديدة
الأخطبوطية أكثر من كل الأمبراطوريات السابقة
بطرقها السريعة الألكترونية
تنقل شركاتها ذات العين الواحدة
وانكليزية أيامنا هذه
الى أرجاء العالم
أيها الكاهن العظيم، النائم عبر القرون
أَفقْ الآن على الأقل
وأخبرنا كيف ندخّر أنفسنا لأنفسنا..؟
وكيف ننقذ مبادئنا..؟
كيف يمكن صنع ديمقراطيتنا..؟
مجتمع الثروة
بهذه القسمة العظمى
بين الغنى والفقر.
لأن والت ويتمان سمع أمريكا تغني
صمت سيبل الطويل
لأحلامك المجنحة
ترنم عاليا من معبدك الضوئي
مثل كواكب تتلاحق
بأسماء اغريقية
لازالت تنظر للأسفل، إلينا
مثل منارة تدّور مكبرات صوتها
فوق البحر
ترنم عاليا وأشرق علينا
عبر بحر الضوء الاغريقي
عبر ماسة الضوء الاغريقية
يا سبيل الخارقة النظر لكل مخفي
اخرجي من كهفك في النهاية
كلمينا بصوت الشعراء
صوت الانسان المفرد
صوت المبهم مستقبلنا
صوت اختلاط الناس
مع ضحك بربري رقيق
وامنحينا أحلاماً جديدة كي نحلم
أساطير جديدة كي نواصل العيش بها.
لبنى ياسين – إلى رجل يتقن الغياب

Aspecta Medusa
Dante Gabriel Rossetti1-
دعتني النارُ إلى المبيتِ في حضنِ سعيرِها
عندما أيقظتْ شهوةَ العصيانِ في دمي
وكان قبولي سارياً
حتى ايعازٍ آخرَ بموعدٍ لم أحدده بعد
فلم أنتبه إلى الشركِ المجدولِ في ضفيرةِ الوقت
وها هو اللهيبُ قد التهمَ ثوبَ أحلامي2-
في غاباتِ الغيابِ المنسية
على مدى آخر آهةٍ حرَّى
ينعقُ غرابُ البين
يمسكني الشركُ ثانية
فلا أصغي إلى صوتِ المطر
وهو يغسلُ آثارَ مرورهم
عن انحناءات أوردة الانتظار
3-
ينشطرُ غيابكَ على حدِّ وجعي
أنحتُ من ملامحِ شطره الأول
تراتيل الناي والشغف
ومن الشطرِ الآخرِ أيقونةَ لونٍ
لا يمكنُ تشكيله مرتين
أعلقها في حلقِ العصيان
تعويذةَ شتاءاتٍ مطرزةٍ بالصقيع
باردٌ حضورُ غيابكَ حدَّ الصراخ
لكن الصدى يعاندُ صوتَ ألمي
فأقابلُ غيابك بعتابِ صامتٍ
لا صوتَ له ولا ظل4-
بكماء مرآتي
تقابلُ شحوبَ صوتي
بذهولِ بلورها المصقول
تمسحُ حمى أرقي
بنسيجِ الوقتِ الضائع
ما بينَ الصمتِ..والسكون5-
أشرِّع حيرةَ صوتي
لأسئلةٍ لا إجابة لها
أحيلـُهَا إلى صمتِ المرايا
وأسكبُ خوفي في شغافِ الليل
كيفَ لكَ أن تسمعَ ما يكابدُه أرقي
ووجهكَ حائرٌ بين طيفٍ لم تراه
ولونٍ لم يتشكلْ بعد؟6-
مرافئي مطفأة يا صديقي
وقلبي شظايا بلورٍ مبعثر
على شطآنِ غربةٍ
لا حدودَ لتضاريسِ حزنها
وملامحكَ في آخرِ الكون
تشيحُ عني دونَ أن تلوِّحَ
بما يشبهُ وداعاً أخرسَ7-
هذا مداي
عاريةٌ أوجَاعِي في مهبِّ صَـقيعِك
يُحرقُـنـِي صَـهيلُ البردِ في رئتي
أنا التي ارْتجيتكَ دفءَ ربيعٍ منتظر
فوهبتني كل رياحِ كوانينك
مجدولةً بثلجِ مسافاتِ الضنى
حتى انطفأ ضوءُ قيثارتي
بينما كنت أتشققُ صمتاً
فيتخضبُ ظمئي بطوفانِ جفائك
قطافَ ذبولِ خريفٍ قادم
على شفاهِ غيمٍ لا يسكبُ دموعه
في حضرةِ شحوبِ غيابك8-
ما بين حضورٍ فاحش الغياب
وغيابٍ باذخ الحضور
يحنُّ إلى ظلكَ
صوتُ المرايا المعلقة
على لهاةِ الوقتِ
لا طيفَ للمدى وأنت ضائعٌ
بين غيابين لا شمس لهما
بينما يفتشُ قوسُ قزح
عن حكاياتِ ألوانه التي سرقتــَها
مغافلاً رائحةَ الياسمينِ
التي تحرسُ أغنياتِ الأرق
لئلا يباغتَ النعاسُ
عيوناً لم ترتدِ عباءةَ الفرحِ بعد
ولم تخلعْ عنها
ثوبَ الانتظارِ الفاحش9-
وحده غيابكَ
يعصمُ قلقَ أوردتي مرتين
عن اقترافِ الفرح
بين وهمٍ تآكلتْ حوافه
وغيظٍ يملؤه الدخان عبثاً
أعجزُ عن ارتكابِ ابتسامة الصباح
خطيئة مقدسة
لشفاهٍ ترتجفُ لوعةًإليزابيث بيشوب – فن واحد | ترجمة :د. شريف بُقنه

Alta Pink (Corner Projection)
James Turrellفنُّ الفقدانِ ليس صعبًا إتقانُه؛
بالرَّغم مِن أنَّ أشياءَ كثيرةً تمتيء بالمعاني
غيرَ أن خسارتَها لن تُشكِّل كارثةً.ولتفقدْ… كلَّ يومٍ شيئًا ما.
ولتُسَلِّمْ وترضَى بفوضَى مفاتيحِ الأبوابِ الضائعةِ،
وتمضية ساعةٍ رتيبةٍ.
فنُّ الفقدانِ ليس صعبًا إتقانُه.مِن ثمَّ تمرَّنْ على فقدانٍ أبعدَ، فقدانٍ أسرعَ:
لأماكنَ، وأسماءَ، وحيثُ كُنتَ تنوي
أنْ تسافرَ.
كلُّ ذلك لنْ يجلبَ الكارثةَ.لقد فَقدْتُ يقظةَ أمِّي وسهَرَها.
وانظرْ! حتى المنزل الأخير
و ما قبلَه، مِن بين ثلاثةِ منازلَ أحببتُها،
فقدتُه،
فنُّ الفقدان ليس صعبًا إتقانُه.لقد فقدْتُ مدينتَينِ جميلتَينِ،
لَطَالما أحببتُهما.
وأكثر اتّساعًا مِن ذلك،
فقدْتُ عوالمَ كُنت أمتلكُها،
قارّةً ونهرَينِ،
كم اشتقتُ إلى ذلك كلِّه،
لكنْ… لم تقعِ الكارثةُ.حتَّى وإنْ فقدْتَ ذاتك
(بحّةُ ضحكتك، وإيماءتك
المحبّبة عندما تكذبُ).
مِن الواضح،
أنَّ فنَّ الفقدان ليس من الصعبِ أبدًا إتقانُه،
رغم أنَّه يبدو (ولتكتب ذلك)
يبدو و كأنه كارثة.
آخين ولات – “شيفا ناتاراجا”
أذكر أني شحذت سكيناً ليلة أمس، وأني صوّبتها إلى قلبي لأنام، وأذكر أني رغمَ ذلك، لم أنم.
لم يكن من بلهٍ في السرير، ولا تحت المخدة.
الكلّ متساوون على حدّ الشفرة.
شفرةٌ تدخل الوريد،
فتنعشه.
سنقتسم الارتياحَ بالتساوي،
والوجع.
يجب تعليقه من أذنيه، هذا الكابوس الأخرق.
ـ “تسرني مجالسة البَلَهِ لأنهم يجلبون النّعاس.”*
***
ـ ما رأيك بغداءٍ هندي؟
ـ مأكولاتٌ حارّة لصقيع اليوم؟ فكرة رائعة.
مطعمٌ أكثرُ هدوءاً من شابٍ أسمر، يقف خلف الواجهة.
يشير الشاب إلى البوفيه، ويبتسم لـ “آندي” ـ ابن أختي النائم في عربته.
صاعقةٌ من وجهه، ضربتني؛ يطلّ من إطارٍ نحاسي.
أطباقنا مليئة بالبهارات. فلفلٌ أخضرٌ، يسكنُ إلى بياض الطّبق.
مطحونٌ بالصعق الكهربائي.
ـ ألا تذكّرك رائحته بـ “بلسم الآلامِ”؟ تقول أختي.
ـ أفضّل الرز مطبوخاً على البخار.
تتباعد الحبّاتُ لصاعقةٍ ما.
لن أحتسي الفلفل حارّاً.
ماءٌ بنكهة الإجاص لـ “ميتان”.
***
قاع الطبقِ، ووجهٌ يبرق بسُمرةٍ غريبة.
ألتفت إلى الشاب. أطلب ماءً بطعم الليمون. أسأله أحمرَ النحاسِ، في الإطار.
يلثغ بـ سويديةٍ أكّدتْ أنّه هو:
الذي لحس حدّ السكين،
ورمى بلسانه
تحت قدمي “لاكشيمي” و”شيفا “.
السكينُ التي شحذتها، وجرحتني بحيرة:
ـ بمن تريدين البدء؟
***
“شيفا ناتاراجا” و”لاكشيمي” في واجهة المطعم.
“شيفا” وعينٌ ثالثة في الجبهة. محاطٌ بأرواحٍ شريرة، وأشباحٍ، وشياطين.
تلتفّ الثعابينُ حول رقبته الزرقاء، وإكليلٌ من الجماجم، يطوّقه.
“شيفا” في “غوتنبورغ” التي هي “كشمير”.
ليت “غوتنبورغ” هي ذروةَ “الهملايا”.
شاهقةٌ رقصته الكونية،
في طبق الرز.
يدهس شيطان الجهل برجله اليمنى،
واليسرى؟
يرفعها إلى العرش.
يدٌ ترشدُ الحُجّاجَ،
إلى الكهف.
يدٌ تحمل رمحاً، في رأسه مثلّث.
يدٌ فيها غزال.
والرابعة تعقد شعره بهلال.
***
نصالٌ برّاقة، تهرقُ الغزلان.
يهرع الرجال لغسل العار. تنضح سراويلهم بـ “الفياجرا”، ووجوههم بالآثامِ.
جرّةٌ في حضن “لاكشيمي” تنضح بالماء.
تجلس في النيلوفر.
تنثر قمحاً فوق الطاولة،
وللفيَلةِ، ترمي العاج.
“لاكشيمي” بأيديها الأربعة.
لم أجد في إحداها شفرةً، ولا نصلاً تيبّس عليه الدم.
ياللعار!
حسناواتٌ يكسرن عصا الطاعة. يرغبن الحب، وأن يكنّ نساءً.
سكينٌ بارعة تتصيدهنّ في كردستان وعربستان. في تركمانستان، كازاخستان، طاجكستان وهندستان.
في إيران. في الصومال، في السودان؛ في أوربا الشرقية والغربية، وفي صقيع الإسكاندناف.
يباركنا “شيفا” باللعنات.
***
وعدٌ قطعته لـ “شوبنهاور”:
لن أخسر ثلاثة أرباعي لأكون كالآخرين.
“هيفين” عطشى.
قال: إنزعي الذّهبَ عنكِ. الأقراط، والأساورَ والساعة.
لا حاجة لك بالتوقيت.
كلّ الساعات ظلامٌ، وأنتِ: بقعةٌ منه.
تشتهي ماءً مثلجاً، يبرّد في قلبها الرّصاص…
لم تزدكِ تفاهة دمعي، إلا احتراقاً.
سلامٌ عليك. سلامٌ لروحك الجميلة. هادئةً. ساكنة ومطمئنةً.
مثل إلهٍ صغيرٍ،
ترقدين.
تسبل “دعاء” جفنيها على الخجل.
تجرّ أطراف الثوب إلى الساقين. يهرس الحجرُ رأسها، ويوسّع الحدقتين.
لك في الحجر رحمةٌ.
بشّري الروح بالسكينة.
“ماريا” تسحب السكين من صدرها.
للعذراءِ، تتلو الصلوات.
سهيلة. هاجر. عائشة. أمينة و إيمان.
نساءٌ تحت المقاصل.
نساءٌ في الأكياس.
يرمقن الوجوه.
وجوهٌ تغطيها ليالٍ حمراء…
حيّ على الصلاة. حيّ على الصلاة.
***
صدور الدجاج ليست جافة. يترعها الهنودُ أساطيراً.
سكينٌ في يمناي.
أفتح واحداً.
يصرخ القلب:
أغلقي الجرحَ بلَوْعةِ الفلفل.
نارٌ في كردستان.
نارٌ شبقة لا تَشبَع، ولا تُشبِع طراوةَ النساء.
***
ظلّت صديقتي الشاعرة، “الدهوكية”، تحكي طفولتها.
شبابَها يذوي بين الجثث.
جثثٌ لا وقت للتعرف عليها، في صفّارات الإنذار.
طائراتٌ تترك الكيمياء لتفاعلاتٍ مدهشة.
معادلاتٌ لا زلتُ أكره حلّها بأكثر من وجه، وكلّ الأوجه جائزة للانحلال.
ثقل الليل ماضٍ.
يصل مشارف الضوءِ،
وأنا أتقلب في السرير.
ثقلٌ يكتم أنفاسي. تمتلئ عيناي بتفاعلات الكيمياء.
ثقلٌ فوق رجليّ.
لست نائمة.
انحباس الصوت في حلقي،
يُنهض الثقل.
أضيء أَخْفَتَ اللمبات.
لن أوقظ صديقتي النائمة فوق “الصوفا”.
أشرب ماءً.
أندسّ في الفراش.
أخشى إيقاظها إن حرّكت اللحاف.
لحافٌ من الريش.
يصدر حفيفاً كلّما تنفّست.
***
هدوءٌ،
شبحُهُ في المطبخ.
تشرب صديقتي ماءً،
وتخشى إيقاظي
إن هي غطّت رأسها بالريش.
ـ شبحٌ في سريري، سلوى. لمَ استيقظتِ الآنَ بالذات؟
ـ أحسَسْتِ بثقلٍ يخنقكِ؟
استيقظتُ لأنني افتقدته الليلة.
نتجنّب الريش،
حتى لا نوقظ “ميتان”.

آخين وَلات – ما تتركه امرأةٌ على الدرج
امرأةٌ تغريدٌ، شروق.
تستصبح العنفوان
في الشرفة ـ الياسمين.
تترك ضحكاتها فوق الطاولة
خفّتها في الممرات
وأحمر الشفاه
على رقبة رجلها وشفتيه
وعلى حواف الفنجان.
***
تمتلىء بالهال
ورائحة رجلٍ أغيد،
يعصر الرمان كل يوم،
ويقشر تيناً، أنضجه الوله
تترك هفهفة ثوبها على الدرج،
ياسميناً كثيراً،
وأغنيةً بنكهة التفاح.
***
وهي، تعبرني اليوم
لم تكن عيناها مشتعلتين..
وجهها متعبٌ،
وشفتاها باهتتان.
تركتْ في الشرفة ياسمينها
يذبل
***
المرأة، وهي تصعد الدرج
تركت ظلاً كسيراً،
رماداً يتناثر خلفها،
ومنديلاً مبقّعاً بالضجر.
***
وهي ترتب، وتستبدل
شراشف السرير
سقطت على الأرض مصالحةُ
تمت ليلة الأمس
على عجل.
***
تطعم العصفورين
في الشرفة
تترك في القفص قلبها
وألقها على حبل الغسيل.
***
قدماها واهنتان
رأسها مثقلٌ
وأصابعها على الدربزون
تهزج لجسدٍ
أضناه القلق.

آخين وَلات – شعر ” داليدا ” على حافة السرير
الليلةَ، يكتمل القمرُ، بيد أن في القاعِ؛ لن تخمدَ، النيران.
يلفني الموج. يلوكني، يلتهمني، ويرميني صَدَفةً.
أنا الصّدَفَة الموعودةُ، بجيبٍ مثقوب.
في البحرِ، تدور أصدائي؛ وعازف الكمانِ يجلس فوق ضفدعة.
عزفٌ، سيبدأ بنقيقٍ وجسرٍ واطئ.
عزفٌ منذ شَعرِ “داليدا”،
يتكاثف في العتمة.
تقول أختي:
أقلعي عن التبغ بالنّعناع.
النّعناعُ يهيّئ الشّرايينَ أكثرَ،
والقلبَ، للدّخان.
تماسيحٌ. سحالي. أسماكٌ. غزلانٌ. طيورٌ. سناجبَ. قرودٌ، ديناصوراتٌ، ودلافين.
كوبرا تلتفّ على شجرة.
الشجرةُ في البحيرة، وأغصانها في حساءٍ، فوق المدفأة.
البحيرةُ، تحت الطاولة.
صحراءٌ، انكبّت من فتحةٍ في السقف.
سيبتلعُ صديقي الكوبرا، ويتمدّد على الأرضِ، فاغراً فاه.
صديقي، بنابَيه المثقوبين وقَرونه الطويلة:
نحن الآتونَ
من بلاد الواقواق
وللنّارِ لا نملك سوى الأجساد.
جسدك زجاجٌ،
وأنا مجبولٌ من حديد.
جسدي النار، وكائناتٌ تأكل ذاتها.
تنحّي. احذري أنيابي،
والمخالب.
إليك عائدٌ هذا الجسدُ،
لا محالة.
.
“داليدا” في الإسكندرية.
“داليدا” في باريس: “…وذكريات كلّ اللي فات، فاكرة يا بلدي. قلبي مليان بحكايات، فاكرة يا بلدي، أول حبّ كان في بلدي، مش ممكن أنساه يا بلدي، فين أيام زمان قبل الوداع…”
“داليدا” متعبة. ستقتل عشاقها بحبوبٍ منوّمة، وأنا سأسترجع حبي الأول في صورة.
صورةٌ، بالأبيض والأسود. أضمها إلى صدري. أخفيها، في كلّ مكان.
تدخل الكوبرا ذيل الحصان؛
و ليس ذيل الحصان،
إلا شعر “داليدا”.
الصورةُ، في جيب معطفٍ، شتوي.
أُخرِجها. أقبّلها. ألملم أنفاسي. أعيدها، وأماطلُ ارتباكي، إذ هو يخفي صورةً.
لا بدّ أنّه قبّلها، لحظة، امتدت يدي إلى باب الخزانة.
لم أكن أنا، التي أخفاها.
ولم تكن قبلته لي.
تزحف الكوبرا من فم صديقي.
تدخل جيب المعطف. تلوك زاوية الصورة اليمنى، العلوية. تلتهم الضفدعة، وتلتفّ على العازف.
سيروّضها بطقطقة العظام.
طائرةٌ، لا تتركُ للنافذةِ، سوى الارتجاج؛
وعتمةٌ بالكاد تنحسر.
عليّ شراءَ هديةٍ، وزهرة عيد الميلاد.
لحظتي تضيق؛
أنا، الفائضةٌ على
بردِ الأمس.
أمورٌ عديدةٌ، تحتّمها اللّحظةُ: مهمّاتٌ صغيرةٌ. معجزاتٌ أصغر، وعليّ أن أكون أمّاً.
صراعاً، عاودني الحب. لن يكون حبيس جيبٍ، في خزانة…
أنظّم فوضاي جيداً. هذا كلُّ ما أتقنهُ، لأكون جديرةً، بحبّ “ميتان”.
لم تكن “داليدا” أمّاً.
تلك التي أغرِمتُ بها، فخطفت قلب “فرانسوا ميتيران”، ورهطٌ كبير أُغرِم بها، من الرجال والنساء.
سيصبح “فرانسوا” رئيساً، و”داليد” معبودة الرجال.
“داليدا” ترتجف. تكسّرت عظامها الرقيقة. أكلَ البردُ قلبها. استسلمت للنوم.
سأُغرم بأحدهم ريثما تفيق.
لن تفيق “داليدا” وليس الحب، إلا سقطةٌ ثالثة.
عليُّ انتظار قطارٍ، فاتني اللحاقُ به، في محطّةٍ استعصى اسمها عليّ.
“سامحوني، لم تعد الحياةُ تُطاق”*.
مُلصقاتٌ صفراء. مواعيدٌ. تواريخَ. ملاحظاتٌ، وفواتيرْ…
على باب البرّادِ والثلاجة،ِ ولوحٍ أبيضَ، يعتلي النسيان.
هو القلب إذاً؛ لا يكتفي، والحب رابعةًً، شبيهٌ بالموت في الظهيرة.
عصفٌ مدمّرٌ، ومشاعلَ انطفأت باكراً، ليكون للسقوطِ، أكثر من بُعد.
بردٌ يحتمّ الاختباء في ثِقلِ الملابس.
أسحبُ الدّخانَ
إلى رئتيّ،
وأرمي لِنتف الثلجِ،
جمرة.
الحساءُ باردٌ، وجمرةٌ في فم صديقي. سيشربه ليُطفئ النّارَ في شعر “داليدا”.
العازفُ، بعينين مغمضتين على نارٍ هادئة جدّاً؛ يحرّك الصهيل:
موجٌ، والبحرُ أسودٌ، أسود.
مشاعلكم بدائية،
وأنا لا قرارَ،
لعتمتي…
هلا ترجّلَ، نوروزكم؟
شقراءٌ تنظر إليّ، وكانت منذُ شرفةٍ قبالتي؛ قد أومأت بإشارةٍ مبهمة، وكنتُ لم أتبيّنها.
تنفخُ في اللوحةِ، وللنّارِ تطيّرُ الفراشات:
ترفّقي بحبيبي.
إنّه مغرمٌ،
ويأكلُ شفتيه
طيلة الثلج.
بشفتين مضمومتين، يتقدّم.
بكتفٍ أعلى من الأخرى، ورأسٍ مربّع. يرتشفُ الحساءَ، و من النابينِ، ينفث الدخانَ.
أجسادٌ شهيةٌ.
رأسُ حرباءٍ، يلصقها برقبة أرنبٍ، وذيلَ الحصان، بمؤخّرة امرأة.
يقرض العازف، كمنجته…
نهيقٌ، يبتلع الأرنبَ، والعازف. يبتلعني. يبتلع الشقراء وحبيبها، المغرم بي.
يبتلع الكرسيّ، والمدفأة، والبحيرة.
يبتلع “داليدا” وذيلها الأشقر، والسّقفَ، والجدران…
نهيقٌ، نهيق.
اللوحةُ، وذيلُ حصان. جسد غزالٍ، برأس حمار.
قشورٌ، قشورٌ، قشور.
علب كوكا كولا فارغة،
وكولاجٌ،
منذ نوروزين،
أو ثلاثة.
نهيقٌ فاجرٌ، وصديقي لا زال منهمكاً في اللصق..
مشارطٌ، وأجنحةٌ بلاستيكية.
شيفراتٌ، وأحذية.
ساطورٌ، وبروتوكولات.
عدساتٌ لاصقة. مناشيرٌ حزبية. بندورة. فجل.
أكياس قمامة. فرقةُ موسيقى ـ عسكرية، وبروشوراتٌ للوقاية من الآيدز.
حمارٌ بحملٍ ثقيل. مشانقٌ ودراكولات..
نظاراتٌ شمسية، مايوهاتٌ وبساطٌ أحمر.
جثثٌ مغرية، ونشيدٌ وطني…
شعر “داليدا” يتدلى على حافة السرير.
أين أنتَ، نهاد؟
*
هامش :
*”سامحوني، لم تعد الحياةُ تُطاق”: جملة كتبتها “داليدا” قبل أن تنطفئ.

عبد العزيز علي (باور ) – ثورة قلب – ترجمة : منير محمد خلف
تكلَّم أيا قلبُ
عن جرح آلامكَ
اسكبْ زلازلكَ
اشف غليلكَ
واجعلْ بخارك
يصعدُ … يصعدُ
يصعد غيماً،
وحوّلْ براكين سخطكَ
أغزرَ من نهر ” زابَ ”
ونهر الفرات،
وموجــاً من البحر
أعلى
وأقوى
وأسرع من كلّ عاصفةٍ،
أو أعاصيرَ
من غضب الريح
أو يأس ذاتــــــك ْ!
تفجـّــــــرْ…
وكن ساطعـاً كالنجـوم
وداو ِ جراحــك يا قلبُ
آن لكَ الآنَ
أن تتحيّـنَ فرصة عيشكَ
من لحظاتــــك ْ!
كفـاكَ صراخاً
وآهات حزن ٍ!
تلفّـتْ وراء أمامكَ
من هذه اللحظة ِ
الآن ..
كن كالربيــــع المكلّـل بالورد
واخفــقْ جناحـيــــكَ
كـــــي تتحـــــــرّرَ
أو تتلقّـــى نسيـم الحياة
بعنف النسور
وصوت الرياحين والياسميــــــنْ.

على الغائب ألا يعود – عبدالله حمدان الناصر
على الغائب ألا يعود
على الغائب أن يتقن دوره:
عليه دوماً ألا يعود.
على الغائبين كلهم
أن يحبوا الغياب
و لهم أن يَصِفوا على سبيل تصفية الصدر من بلغم الورد:
هلالَ آخر الشهر
والحصانَ الصقيل الذي بلا أحدٍ يعود من الحرب
لهم أن يَرْثوا أسماك الزينة في إجازة الصيف
والقططَ في إعلانات تبني القطط
لهم أن يكتبوا في الصحف
عن الجرائد التي لا يمسها بشرٌ
وتنتظر دون جدوى في مداخل البنايات
لهم أن يكتبوا عن حسرة القصائد التي لم يستطيعوا تخليصها من نفسها
في أقراص الـ Floppy disks
على الغائبين أن يحبوا الغياب
أما ما بعدهُ
فعليهم أن يدعوه ليهتم بنفسه
فالغائبون لا يعودون (إلا فراشاتٍ أو زجاجات بحر فارغة)
لا يعودون إلا فراشاتٍ في سبتمبر
بعد أن نكون انتقلنا إلى القطب
وصرنا نستخدم نيراناً
لا تفهمها الفراشات
ووقت يعودون فراشاتٍ بأجنحة أربعة
نكون قد أصبحنا بلا أجنحة
ولا نتذكر شيئاً عن بلاد الأسلاف
أو رحيق العائلة
وقت تعود لنا الفراشات
يصبحُ من غير الممكن
مقاسمتها القهوة والكتاب
أو مساعدتنا في إطلاق النار على الكمنجات
والبكاء معاً على وترٍ نافقٍ
والتلذذ بنهبِ سيجارٍ سيءِ الصنع
فالفراشاتُ تتقنُ ترف الضوء
ولا تحسن السيجار
ووقت تعود الفراشات
لا تعود هي الفراشات
فهي تعود لأن الشتاء ثقيل
تعود لأنها لم ترث من أبويها سوى معرفة الطريق للبيت
لا تعود الفراشات لأنها تفقد الحب
بل لأنها تحسن البيت
ويستحيل بسبب ذلك أن تشاركنا أريكةً
أو مقعد طائرة في المحيط
أو سجادةً في العِشاء الأخير
الغائبون يحبهم الله
ولا يكسرهم أحدٌ
ما داموا يفهمون جيداً أن مهمتهم هي ألا يخسروا الغياب!
الغائبون ليسوا المسيح
ولا يجب أن يتوهم غائبٌ أنه مسيح الذين أحبوه
فالغائب حين يعود للشرفة الأولى
يكون الله تماماً قد غيّر المنظر
والناس يملكون صمتاً قوياً
يمكنه كسر الذين فجأة يعودون
الناس ليس لديهم وقتٌ فائضٌ للذين يعودون
لأجل ذاك
لأجل ذاك الفراغ الحنون
لأجل القوارب الطيبة المربوطة في الربع الخالي من الليل
على الغائب ألا يفسد الأمر
على الغائبِ
ألا يعود.
*نص: عبدالله حمدان الناصر

أرق – سلمان الجربوع
ويطول بك الليل
وتحسب أنّ ضوء النجوم
ظمأٌ
يتفحّص الماء في العتمة،
وتوقظ حبيبتك من نومها
وتطلبها أن ترقص
ولأنّها تحبّك
ترقص
نصفَ نائمة
على أغنيةٍ في الرؤيا
وتهطل
وتسيل
وتضطرب
وتظنّها النجمة البعيدة ماءً
وتهويومثل طيف
تختفي حبيبتك في النوم
ويغمرك وحدك
الأرقُ
والظمأ النازل من السماء
والعتمة.
عند باب البيت – سلمان الجربوع
عند باب البيت
ينيخ أبٌ دمَه المحترق
………(الرّغاء القديم يخبو في الرماد
………ويغدو نحنحةً يتيمة)،
تنطفئ رغبة زهرةٍ مخدوشةِ الرائحة
وربّما إلى الأبد
في الحياة،
يقف ولد الجيران على الحياد.خلفَ باب البيت
عميقًا
في القلب
هناك أمٌّ تنتظر،
الأمّهات دائمًا ينتظرن عودةَ أحدهم.
لستُ أدري
مَن سينتظر من
لو فتحوا البابَ يومًا
على موتها.
لوح – جيم هاريسون
نصحني الروميُّ بأن أبقيَ روحي
عاليةً في أغصان شجرة وألّا أسترقَ النظرَ
بعيدًا، فحفظتُ روحي في الصفصافة
الطويلة عند حفرة الريّ النائية،
مكانٌ آمنٌ لئلّا تلوّثَها
ثقافةُ الجشعِ القذرةُ واغتيالِ الروح.
ينسى الناس أنّ أرواحهم تختنق بسهولة
لذا يجب أن يستودعوها أغصانَ شجرةٍ عالية
حيث يسعهم نداؤها في أية لحظة.
يستحسن أن تكون في الخارج إذ يصعب على الأرواح
أن تلج البيوت أو البنايات أو الطائرات.
في نيويورك اعتدتُ أن ألتقي روحي أمام
قفص الغوريلا في حديقة حيوان الأطفال في سنترال بارك.
لم تكن لتأتيني في فندق ذا كارلايل، لقد كان فاحشَ الغلاء
على ذوقها. وفي شيكاغو
لن تدخل ذا دريك رغم أنّني أستطيع رؤيتها
من النافذة تُحوّم فوق سطحِ
بحيرةِ ميشيغن. الروحُ- فوق أيِّ شيءٍ آخرَ-
يجذبها التواضع. لو نمتُ
في الشوارع لباتت تحت لوحِ الكرتونِ معي.
ترجمة: سلمان الجربوع.
أرجوانيّ – جيم هاريسون – ترجمة: سلمان الجربوع
جنايةٌ أن تدّعيَ استحقاقَكَ
قلبًا أرجوانيًّا(*) ولمّا تنلْ واحدًا.
السياسيّون يفعلون هذا. وأقول، “فلتنقصفْ رؤوسُهم.”
في الربيع الماضي في حديقتنا الأماميّةِ كثيفةِ الشجر
أسدا جبالٍ، أمٌّ وصغيرُها
قتلا غزالًا- بقاياه كانت صارخةَ الحمرة.
أطالب بميداليّة القلب الأحمر إذ عاينتُ
الجثّة في ساحةِ المعركةِ الخطيرةِ هذه.
واحدٌ غرس أنيابَه ثمّ انتهب القلبَ
ملءَ فمِه، منتزعًا الشرايين والأوردة.
أُسُودٌ داميةُ الوجوه، ثمّ غربانٌ داميةُ
المناسرِ، تنعق بالنصرِ
عندما انصرفت الضواري. مرّةً في تنزانيا
رأيت أسدًا ضخمًا قانيَ اللبْدةِ والوجه
بعدما غطَّ رأسَه كاملًا في أحشاءِ
حمارٍ وحشيّ. لم يكثرث لنا ولا للذباب،
مترنّحًا ممتلئَ البطن في الهاجرة.
سأتقاسم ميداليّةَ القلبِ الأحمرِ مع هذا الأسد.(*) وسام القلب الأرجوانيّ Purple Heart وسامٌ أمريكيّ يُمنح بمباركة الرئيس لمن جُرح أو قتل أثناء الخدمة العسكرية.





















