المدونة

  • آناند ثاكور – رحيق | ترجمة: ظبية خميس

    The Voice
    Agnes Lawrence Pelton

    الغروب كان خلفنا عندما وصلنا إلى النهر ­

    الصيف جففه من كل حركة، غير أن سطحه الرمادي

    كان لايزال باردا ونقيا. راقبتكِ وأنت ترتجفين

    فيما قمنا نخلع ملابسنا، سبحنا، وبين الطحالب

    سبح القمر معنا مثل سمكة فضية ­ ثم غرق

    في الأعماق مثل صحن مكسور،

    فيما أصابعك لعبت بماء النهر الساكن،

    الإنعكاس جعل ذلك يبدو أبعد بكثير،

    ولم يكن لدينا طعمْ نستطيع به أن نصطاد سريعا

    بقايا الضوء ­

    فقط الذكرى القوية للذاكرة،

    كم قد طال الوقت للماء كي يعود إلى سكونه، والنظر

    جمع تلك الشظايا من جديد لبورسلين القمر المكسور.

    سبحنا، عراة كما قد كنا وكما قد كان النهر الذي سبحنا فيه

    ثم عميقا في المياه الساكنة استرخينا،

    سوف تتذكرين ذلك الآن بالرغم من أنك كنت تشيحين بوجهك

    ونحن نتجه للشاطيء عبر جلد النهر المبتل،

    والغيوم تتجمع تحتنا مثل أسماك السالمون الرمادية.

  • آرونداثي سابرامانيام – رائحة الذكرى – ترجمة : ظبية خميس

    آرونداثي سابرامانيام – رائحة الذكرى – ترجمة : ظبية خميس

    جدتي حكيمة

    حتى عندما كانت في الثامنة من عمرها

    اختبأت تحت السرير

    عندما جاء أولج خجطابها إلى المنزل.

    شامخة وهادئة

    مَلَكيةْ مثل وجهي على عجملَة قديمة،

    لاحظت ذلك عبر الصور، الغائمة

    بتغير الفصول،

    مثل صورة فضية

    على حرير كانجيفارام،

    البنات في الثامنة

    لم يكن لديهن أسنان مكسورة

    أو أكواع متسلخة.

    الآن في مطبخها،

    تجحَركج في هدوء روائح الجدود

    من ترانيم جوز الهند الدافئة،

    صوتها يتبع الفسيفساء المألوفة

    لأحجيات العائلة، التي شققها التكرار،

    ومع ذلك،

    في الإلتفاف الطويل للساري،

    تحملج هي سِرا لعالمي

    يمشي فيه النساجون مازالوا

    بتجارة سائلة لأولئك الذين

    يعرفون أجسادهم كما يعرفون عقولهم،

    مازالت تمشي في شوارع مهجورة

    لتقابل كائنات سمراء مجحَرَمَة،

    عيونها تلمعج مثل المصابيح في الشتاء،

    وتعود قبل مغيب الشمس،

    الزهور في شعرها فَوَاحَةْ

    بعطر للغة غير مكتوبة للرومانس.

    سر العالم

    الذي ترفضج أن تهجره

    عبر وصفات طبخها

    وعبر جيناتها.

    لحظة من العاج

    ‘إلي جين أوستن’

  • لورنس فرلنغيتي – المتنبئة | ترجمة: فيء ناصر

    لورنس فرلنغيتي – المتنبئة | ترجمة: فيء ناصر

    Young Xhosa woman
    Irma Stern

    الى كاهنة دلفي المتنبئة

    أيها الكاهن العظيم لماذا تحدق فيّ

    أحَيركَ أم أُصيبكَ بالقنوط…؟

    أمريكو أنا الأمريكي

    تشكّلتُ من ظلام أمي من زمن سحيق

    من عتمة أوربا القديمة

    لماذا تحدق بي الآن؟

    عبر غبار حضارتنا

    لماذا تحدق فيّ؟

    كما لو كنت أمريكا ذاتها

    أمبراطوريتنا الجديدة

    الأخطبوطية أكثر من كل الأمبراطوريات السابقة

    بطرقها السريعة الألكترونية

    تنقل شركاتها ذات العين الواحدة

    وانكليزية أيامنا هذه

    الى أرجاء العالم

    أيها الكاهن العظيم، النائم عبر القرون

    أَفقْ الآن على الأقل

    وأخبرنا كيف ندخّر أنفسنا لأنفسنا..؟

    وكيف ننقذ مبادئنا..؟

    كيف يمكن صنع ديمقراطيتنا..؟

    مجتمع الثروة

    بهذه القسمة العظمى

    بين الغنى والفقر.

    لأن والت ويتمان سمع أمريكا تغني

    صمت سيبل الطويل

    لأحلامك المجنحة

    ترنم عاليا من معبدك الضوئي

    مثل كواكب تتلاحق

    بأسماء اغريقية

    لازالت تنظر للأسفل، إلينا

    مثل منارة تدّور مكبرات صوتها

    فوق البحر

    ترنم عاليا وأشرق علينا

    عبر بحر الضوء الاغريقي

    عبر ماسة الضوء الاغريقية

    يا سبيل الخارقة النظر لكل مخفي

    اخرجي من كهفك في النهاية

    كلمينا بصوت الشعراء

    صوت الانسان المفرد

    صوت المبهم مستقبلنا

    صوت اختلاط الناس

    مع ضحك بربري رقيق

    وامنحينا أحلاماً جديدة كي نحلم

    أساطير جديدة كي نواصل العيش بها.

  • لبنى ياسين – إلى رجل يتقن الغياب

    Aspecta Medusa
    Dante Gabriel Rossetti

     

    1-

    دعتني النارُ إلى المبيتِ في حضنِ سعيرِها
    عندما أيقظتْ شهوةَ العصيانِ في دمي
    وكان قبولي سارياً
    حتى ايعازٍ آخرَ بموعدٍ لم أحدده بعد
    فلم أنتبه إلى الشركِ المجدولِ في ضفيرةِ الوقت
    وها هو اللهيبُ قد التهمَ ثوبَ أحلامي

    2-
    في غاباتِ الغيابِ المنسية
    على مدى آخر آهةٍ حرَّى
    ينعقُ غرابُ البين
    يمسكني الشركُ ثانية
    فلا أصغي إلى صوتِ المطر
    وهو يغسلُ آثارَ مرورهم
    عن انحناءات أوردة الانتظار
    3-
    ينشطرُ غيابكَ على حدِّ وجعي
    أنحتُ من ملامحِ شطره الأول
    تراتيل الناي والشغف
    ومن الشطرِ الآخرِ أيقونةَ لونٍ
    لا يمكنُ تشكيله مرتين
    أعلقها في حلقِ العصيان
    تعويذةَ شتاءاتٍ مطرزةٍ بالصقيع
    باردٌ حضورُ غيابكَ حدَّ الصراخ
    لكن الصدى يعاندُ صوتَ ألمي
    فأقابلُ غيابك بعتابِ صامتٍ
    لا صوتَ له ولا ظل

    4-
    بكماء مرآتي
    تقابلُ شحوبَ صوتي
    بذهولِ بلورها المصقول
    تمسحُ حمى أرقي
    بنسيجِ الوقتِ الضائع
    ما بينَ الصمتِ..والسكون

    5-
    أشرِّع حيرةَ صوتي
    لأسئلةٍ لا إجابة لها
    أحيلـُهَا إلى صمتِ المرايا
    وأسكبُ خوفي في شغافِ الليل
    كيفَ لكَ أن تسمعَ ما يكابدُه أرقي
    ووجهكَ حائرٌ بين طيفٍ لم تراه
    ولونٍ لم يتشكلْ بعد؟

    6-
    مرافئي مطفأة يا صديقي
    وقلبي شظايا بلورٍ مبعثر
    على شطآنِ غربةٍ
    لا حدودَ لتضاريسِ حزنها
    وملامحكَ في آخرِ الكون
    تشيحُ عني دونَ أن تلوِّحَ
    بما يشبهُ وداعاً أخرسَ

    7-
    هذا مداي
    عاريةٌ أوجَاعِي في مهبِّ صَـقيعِك
    يُحرقُـنـِي صَـهيلُ البردِ في رئتي
    أنا التي ارْتجيتكَ دفءَ ربيعٍ منتظر
    فوهبتني كل رياحِ كوانينك
    مجدولةً بثلجِ مسافاتِ الضنى
    حتى انطفأ ضوءُ قيثارتي
    بينما كنت أتشققُ صمتاً
    فيتخضبُ ظمئي بطوفانِ جفائك
    قطافَ ذبولِ خريفٍ قادم
    على شفاهِ غيمٍ لا يسكبُ دموعه
    في حضرةِ شحوبِ غيابك

    8-
    ما بين حضورٍ فاحش الغياب
    وغيابٍ باذخ الحضور
    يحنُّ إلى ظلكَ
    صوتُ المرايا المعلقة
    على لهاةِ الوقتِ
    لا طيفَ للمدى وأنت ضائعٌ
    بين غيابين لا شمس لهما
    بينما يفتشُ قوسُ قزح
    عن حكاياتِ ألوانه التي سرقتــَها
    مغافلاً رائحةَ الياسمينِ
    التي تحرسُ أغنياتِ الأرق
    لئلا يباغتَ النعاسُ
    عيوناً لم ترتدِ عباءةَ الفرحِ بعد
    ولم تخلعْ عنها
    ثوبَ الانتظارِ الفاحش

    9-
    وحده غيابكَ
    يعصمُ قلقَ أوردتي مرتين
    عن اقترافِ الفرح
    بين وهمٍ تآكلتْ حوافه
    وغيظٍ يملؤه الدخان عبثاً
    أعجزُ عن ارتكابِ ابتسامة الصباح
    خطيئة مقدسة
    لشفاهٍ ترتجفُ لوعةً

  • إليزابيث بيشوب – فن واحد | ترجمة :د. شريف بُقنه

    Alta Pink (Corner Projection)
    James Turrell

    فنُّ الفقدانِ ليس صعبًا إتقانُه؛
    بالرَّغم مِن أنَّ أشياءَ كثيرةً تمتيء بالمعاني
    غيرَ أن خسارتَها لن تُشكِّل كارثةً.

    ولتفقدْ… كلَّ يومٍ شيئًا ما.
    ولتُسَلِّمْ وترضَى بفوضَى مفاتيحِ الأبوابِ الضائعةِ،
    وتمضية ساعةٍ رتيبةٍ.
    فنُّ الفقدانِ ليس صعبًا إتقانُه.

    مِن ثمَّ تمرَّنْ على فقدانٍ أبعدَ، فقدانٍ أسرعَ:
    لأماكنَ، وأسماءَ، وحيثُ كُنتَ تنوي
    أنْ تسافرَ.
    كلُّ ذلك لنْ يجلبَ الكارثةَ.

    لقد فَقدْتُ يقظةَ أمِّي وسهَرَها.
    وانظرْ! حتى المنزل الأخير
    و ما قبلَه، مِن بين ثلاثةِ منازلَ أحببتُها،
    فقدتُه،
    فنُّ الفقدان ليس صعبًا إتقانُه.

    لقد فقدْتُ مدينتَينِ جميلتَينِ،
    لَطَالما أحببتُهما.
    وأكثر اتّساعًا مِن ذلك،
    فقدْتُ عوالمَ كُنت أمتلكُها،
    قارّةً ونهرَينِ،
    كم اشتقتُ إلى ذلك كلِّه،
    لكنْ… لم تقعِ الكارثةُ.

    حتَّى وإنْ فقدْتَ ذاتك
    (بحّةُ ضحكتك، وإيماءتك
    المحبّبة عندما تكذبُ).
    مِن الواضح،
    أنَّ فنَّ الفقدان ليس من الصعبِ أبدًا إتقانُه،
    رغم أنَّه يبدو (ولتكتب ذلك)
    يبدو و كأنه كارثة.

  • آخين ولات – “شيفا ناتاراجا”

    آخين ولات – “شيفا ناتاراجا”

    أذكر أني شحذت سكيناً ليلة أمس، وأني صوّبتها إلى قلبي لأنام، وأذكر أني رغمَ ذلك، لم أنم.

    لم يكن من بلهٍ في السرير، ولا تحت المخدة.

    الكلّ متساوون على حدّ الشفرة.

    شفرةٌ تدخل الوريد،

    فتنعشه.

    سنقتسم الارتياحَ بالتساوي،

    والوجع.

    يجب تعليقه من أذنيه، هذا الكابوس الأخرق.

    ـ “تسرني مجالسة البَلَهِ لأنهم يجلبون النّعاس.”*

    ***

    ـ ما رأيك بغداءٍ هندي؟

    ـ مأكولاتٌ حارّة لصقيع اليوم؟ فكرة رائعة.

    مطعمٌ أكثرُ هدوءاً من شابٍ أسمر، يقف خلف الواجهة.

    يشير الشاب إلى البوفيه، ويبتسم لـ “آندي” ـ ابن أختي النائم في عربته.

    صاعقةٌ من وجهه، ضربتني؛ يطلّ من إطارٍ نحاسي.

    أطباقنا مليئة بالبهارات. فلفلٌ أخضرٌ، يسكنُ إلى بياض الطّبق.

    مطحونٌ بالصعق الكهربائي.

    ـ ألا تذكّرك رائحته بـ “بلسم الآلامِ”؟ تقول أختي.

    ـ أفضّل الرز مطبوخاً على البخار.

    تتباعد الحبّاتُ لصاعقةٍ ما.

    لن أحتسي الفلفل حارّاً.

    ماءٌ بنكهة الإجاص لـ “ميتان”.

    ***

    قاع الطبقِ، ووجهٌ يبرق بسُمرةٍ غريبة.

    ألتفت إلى الشاب. أطلب ماءً بطعم الليمون. أسأله أحمرَ النحاسِ، في الإطار.

    يلثغ بـ سويديةٍ أكّدتْ أنّه هو:

    الذي لحس حدّ السكين،

    ورمى بلسانه

    تحت قدمي “لاكشيمي” و”شيفا “.

    السكينُ التي شحذتها، وجرحتني بحيرة:

    ـ بمن تريدين البدء؟

    ***

    “شيفا ناتاراجا” و”لاكشيمي” في واجهة المطعم.

    “شيفا” وعينٌ ثالثة في الجبهة. محاطٌ بأرواحٍ شريرة، وأشباحٍ، وشياطين.

    تلتفّ الثعابينُ حول رقبته الزرقاء، وإكليلٌ من الجماجم، يطوّقه.

    “شيفا” في “غوتنبورغ” التي هي “كشمير”.

    ليت “غوتنبورغ” هي ذروةَ “الهملايا”.

    شاهقةٌ رقصته الكونية،

    في طبق الرز.

    يدهس شيطان الجهل برجله اليمنى،

    واليسرى؟

    يرفعها إلى العرش.

    يدٌ ترشدُ الحُجّاجَ،

    إلى الكهف.

    يدٌ تحمل رمحاً، في رأسه مثلّث.

    يدٌ فيها غزال.

    والرابعة تعقد شعره بهلال.

    ***

    نصالٌ برّاقة، تهرقُ الغزلان.

    يهرع الرجال لغسل العار. تنضح سراويلهم بـ “الفياجرا”، ووجوههم بالآثامِ.

    جرّةٌ في حضن “لاكشيمي” تنضح بالماء.

    تجلس في النيلوفر.

    تنثر قمحاً فوق الطاولة،

    وللفيَلةِ، ترمي العاج.

    “لاكشيمي” بأيديها الأربعة.

    لم أجد في إحداها شفرةً، ولا نصلاً تيبّس عليه الدم.

    ياللعار!

    حسناواتٌ يكسرن عصا الطاعة. يرغبن الحب، وأن يكنّ نساءً.

    سكينٌ بارعة تتصيدهنّ في كردستان وعربستان. في تركمانستان، كازاخستان، طاجكستان وهندستان.

    في إيران. في الصومال، في السودان؛ في أوربا الشرقية والغربية، وفي صقيع الإسكاندناف.

    يباركنا “شيفا” باللعنات.

    ***

    وعدٌ قطعته لـ “شوبنهاور”:

    لن أخسر ثلاثة أرباعي لأكون كالآخرين.

    “هيفين” عطشى.

    قال: إنزعي الذّهبَ عنكِ. الأقراط، والأساورَ والساعة.

    لا حاجة لك بالتوقيت.

    كلّ الساعات ظلامٌ، وأنتِ: بقعةٌ منه.

    تشتهي ماءً مثلجاً، يبرّد في قلبها الرّصاص…

    لم تزدكِ تفاهة دمعي، إلا احتراقاً.

    سلامٌ عليك. سلامٌ لروحك الجميلة. هادئةً. ساكنة ومطمئنةً.

    مثل إلهٍ صغيرٍ،

    ترقدين.

    تسبل “دعاء” جفنيها على الخجل.

    تجرّ أطراف الثوب إلى الساقين. يهرس الحجرُ رأسها، ويوسّع الحدقتين.

    لك في الحجر رحمةٌ.

    بشّري الروح بالسكينة.

    “ماريا” تسحب السكين من صدرها.

    للعذراءِ، تتلو الصلوات.

    سهيلة. هاجر. عائشة. أمينة و إيمان.

    نساءٌ تحت المقاصل.

    نساءٌ في الأكياس.

    يرمقن الوجوه.

    وجوهٌ تغطيها ليالٍ حمراء…

    حيّ على الصلاة. حيّ على الصلاة.

    ***

    صدور الدجاج ليست جافة. يترعها الهنودُ أساطيراً.

    سكينٌ في يمناي.

    أفتح واحداً.

    يصرخ القلب:

    أغلقي الجرحَ بلَوْعةِ الفلفل.

    نارٌ في كردستان.

    نارٌ شبقة لا تَشبَع، ولا تُشبِع طراوةَ النساء.

    ***

    ظلّت صديقتي الشاعرة، “الدهوكية”، تحكي طفولتها.

    شبابَها يذوي بين الجثث.

    جثثٌ لا وقت للتعرف عليها، في صفّارات الإنذار.

    طائراتٌ تترك الكيمياء لتفاعلاتٍ مدهشة.

    معادلاتٌ لا زلتُ أكره حلّها بأكثر من وجه، وكلّ الأوجه جائزة للانحلال.

    ثقل الليل ماضٍ.

    يصل مشارف الضوءِ،

    وأنا أتقلب في السرير.

    ثقلٌ يكتم أنفاسي. تمتلئ عيناي بتفاعلات الكيمياء.

    ثقلٌ فوق رجليّ.

    لست نائمة.

    انحباس الصوت في حلقي،

    يُنهض الثقل.

    أضيء أَخْفَتَ اللمبات.

    لن أوقظ صديقتي النائمة فوق “الصوفا”.

    أشرب ماءً.

    أندسّ في الفراش.

    أخشى إيقاظها إن حرّكت اللحاف.

    لحافٌ من الريش.

    يصدر حفيفاً كلّما تنفّست.

    ***

    هدوءٌ،

    شبحُهُ في المطبخ.

    تشرب صديقتي ماءً،

    وتخشى إيقاظي

    إن هي غطّت رأسها بالريش.

    ـ شبحٌ في سريري، سلوى. لمَ استيقظتِ الآنَ بالذات؟

    ـ أحسَسْتِ بثقلٍ يخنقكِ؟

    استيقظتُ لأنني افتقدته الليلة.

    نتجنّب الريش،

    حتى لا نوقظ “ميتان”.

  • آخين وَلات – ما تتركه امرأةٌ على الدرج

    آخين وَلات – ما تتركه امرأةٌ على الدرج

    امرأةٌ تغريدٌ، شروق.

    تستصبح العنفوان

    في الشرفة ـ الياسمين.

    تترك ضحكاتها فوق الطاولة

    خفّتها في الممرات

    وأحمر الشفاه

    على رقبة رجلها وشفتيه

    وعلى حواف الفنجان.

    ***

    تمتلىء بالهال

    ورائحة رجلٍ أغيد،

    يعصر الرمان كل يوم،

    ويقشر تيناً، أنضجه الوله

    تترك هفهفة ثوبها على الدرج،

    ياسميناً كثيراً،

    وأغنيةً بنكهة التفاح.

    ***

    وهي، تعبرني اليوم

    لم تكن عيناها مشتعلتين..

    وجهها متعبٌ،

    وشفتاها باهتتان.

    تركتْ في الشرفة ياسمينها

    يذبل

    ***

    المرأة، وهي تصعد الدرج

    تركت ظلاً كسيراً،

    رماداً يتناثر خلفها،

    ومنديلاً مبقّعاً بالضجر.

    ***

    وهي ترتب، وتستبدل

    شراشف السرير

    سقطت على الأرض مصالحةُ

    تمت ليلة الأمس

    على عجل.

    ***

    تطعم العصفورين

    في الشرفة

    تترك في القفص قلبها

    وألقها على حبل الغسيل.

    ***

    قدماها واهنتان

    رأسها مثقلٌ

    وأصابعها على الدربزون

    تهزج لجسدٍ

    أضناه القلق.

  • آخين وَلات – شعر ” داليدا ” على حافة السرير

    آخين وَلات – شعر ” داليدا ” على حافة السرير

    الليلةَ، يكتمل القمرُ، بيد أن في القاعِ؛ لن تخمدَ، النيران.

    يلفني الموج. يلوكني، يلتهمني، ويرميني صَدَفةً.

    أنا الصّدَفَة الموعودةُ، بجيبٍ مثقوب.

    في البحرِ، تدور أصدائي؛ وعازف الكمانِ يجلس فوق ضفدعة.

    عزفٌ، سيبدأ بنقيقٍ وجسرٍ واطئ.

    عزفٌ منذ شَعرِ “داليدا”،

    يتكاثف في العتمة.

    تقول أختي:

    أقلعي عن التبغ بالنّعناع.

    النّعناعُ يهيّئ الشّرايينَ أكثرَ،

    والقلبَ، للدّخان.

    تماسيحٌ. سحالي. أسماكٌ. غزلانٌ. طيورٌ. سناجبَ. قرودٌ، ديناصوراتٌ، ودلافين.

    كوبرا تلتفّ على شجرة.

    الشجرةُ في البحيرة، وأغصانها في حساءٍ، فوق المدفأة.

    البحيرةُ، تحت الطاولة.

    صحراءٌ، انكبّت من فتحةٍ في السقف.

    سيبتلعُ صديقي الكوبرا، ويتمدّد على الأرضِ، فاغراً فاه.

    صديقي، بنابَيه المثقوبين وقَرونه الطويلة:

    نحن الآتونَ

    من بلاد الواقواق

    وللنّارِ لا نملك سوى الأجساد.

    جسدك زجاجٌ،

    وأنا مجبولٌ من حديد.

    جسدي النار، وكائناتٌ تأكل ذاتها.

    تنحّي. احذري أنيابي،

    والمخالب.

    إليك عائدٌ هذا الجسدُ،

    لا محالة.

    .

    “داليدا” في الإسكندرية.

    “داليدا” في باريس: “…وذكريات كلّ اللي فات، فاكرة يا بلدي. قلبي مليان بحكايات، فاكرة يا بلدي، أول حبّ كان في بلدي، مش ممكن أنساه يا بلدي، فين أيام زمان قبل الوداع…”

    “داليدا” متعبة. ستقتل عشاقها بحبوبٍ منوّمة، وأنا سأسترجع حبي الأول في صورة.

    صورةٌ، بالأبيض والأسود. أضمها إلى صدري. أخفيها، في كلّ مكان.

    تدخل الكوبرا ذيل الحصان؛

    و ليس ذيل الحصان،

    إلا شعر “داليدا”.

    الصورةُ، في جيب معطفٍ، شتوي.

    أُخرِجها. أقبّلها. ألملم أنفاسي. أعيدها، وأماطلُ ارتباكي، إذ هو يخفي صورةً.

    لا بدّ أنّه قبّلها، لحظة، امتدت يدي إلى باب الخزانة.

    لم أكن أنا، التي أخفاها.

    ولم تكن قبلته لي.

    تزحف الكوبرا من فم صديقي.

    تدخل جيب المعطف. تلوك زاوية الصورة اليمنى، العلوية. تلتهم الضفدعة، وتلتفّ على العازف.

    سيروّضها بطقطقة العظام.

    طائرةٌ، لا تتركُ للنافذةِ، سوى الارتجاج؛

    وعتمةٌ بالكاد تنحسر.

    عليّ شراءَ هديةٍ، وزهرة عيد الميلاد.

    لحظتي تضيق؛

    أنا، الفائضةٌ على

    بردِ الأمس.

    أمورٌ عديدةٌ، تحتّمها اللّحظةُ: مهمّاتٌ صغيرةٌ. معجزاتٌ أصغر، وعليّ أن أكون أمّاً.

    صراعاً، عاودني الحب. لن يكون حبيس جيبٍ، في خزانة…

    أنظّم فوضاي جيداً. هذا كلُّ ما أتقنهُ، لأكون جديرةً، بحبّ “ميتان”.

    لم تكن “داليدا” أمّاً.

    تلك التي أغرِمتُ بها، فخطفت قلب “فرانسوا ميتيران”، ورهطٌ كبير أُغرِم بها، من الرجال والنساء.

    سيصبح “فرانسوا” رئيساً، و”داليد” معبودة الرجال.

    “داليدا” ترتجف. تكسّرت عظامها الرقيقة. أكلَ البردُ قلبها. استسلمت للنوم.

    سأُغرم بأحدهم ريثما تفيق.

    لن تفيق “داليدا” وليس الحب، إلا سقطةٌ ثالثة.

    عليُّ انتظار قطارٍ، فاتني اللحاقُ به، في محطّةٍ استعصى اسمها عليّ.

    “سامحوني، لم تعد الحياةُ تُطاق”*.

    مُلصقاتٌ صفراء. مواعيدٌ. تواريخَ. ملاحظاتٌ، وفواتيرْ…

    على باب البرّادِ والثلاجة،ِ ولوحٍ أبيضَ، يعتلي النسيان.

    هو القلب إذاً؛ لا يكتفي، والحب رابعةًً، شبيهٌ بالموت في الظهيرة.

    عصفٌ مدمّرٌ، ومشاعلَ انطفأت باكراً، ليكون للسقوطِ، أكثر من بُعد.

    بردٌ يحتمّ الاختباء في ثِقلِ الملابس.

    أسحبُ الدّخانَ

    إلى رئتيّ،

    وأرمي لِنتف الثلجِ،

    جمرة.

    الحساءُ باردٌ، وجمرةٌ في فم صديقي. سيشربه ليُطفئ النّارَ في شعر “داليدا”.

    العازفُ، بعينين مغمضتين على نارٍ هادئة جدّاً؛ يحرّك الصهيل:

    موجٌ، والبحرُ أسودٌ، أسود.

    مشاعلكم بدائية،

    وأنا لا قرارَ،

    لعتمتي…

    هلا ترجّلَ، نوروزكم؟

    شقراءٌ تنظر إليّ، وكانت منذُ شرفةٍ قبالتي؛ قد أومأت بإشارةٍ مبهمة، وكنتُ لم أتبيّنها.

    تنفخُ في اللوحةِ، وللنّارِ تطيّرُ الفراشات:

    ترفّقي بحبيبي.

    إنّه مغرمٌ،

    ويأكلُ شفتيه

    طيلة الثلج.

    بشفتين مضمومتين، يتقدّم.

    بكتفٍ أعلى من الأخرى، ورأسٍ مربّع. يرتشفُ الحساءَ، و من النابينِ، ينفث الدخانَ.

    أجسادٌ شهيةٌ.

    رأسُ حرباءٍ، يلصقها برقبة أرنبٍ، وذيلَ الحصان، بمؤخّرة امرأة.

    يقرض العازف، كمنجته…

    نهيقٌ، يبتلع الأرنبَ، والعازف. يبتلعني. يبتلع الشقراء وحبيبها، المغرم بي.

    يبتلع الكرسيّ، والمدفأة، والبحيرة.

    يبتلع “داليدا” وذيلها الأشقر، والسّقفَ، والجدران…

    نهيقٌ، نهيق.

    اللوحةُ، وذيلُ حصان. جسد غزالٍ، برأس حمار.

    قشورٌ، قشورٌ، قشور.

    علب كوكا كولا فارغة،

    وكولاجٌ،

    منذ نوروزين،

    أو ثلاثة.

    نهيقٌ فاجرٌ، وصديقي لا زال منهمكاً في اللصق..

    مشارطٌ، وأجنحةٌ بلاستيكية.

    شيفراتٌ، وأحذية.

    ساطورٌ، وبروتوكولات.

    عدساتٌ لاصقة. مناشيرٌ حزبية. بندورة. فجل.

    أكياس قمامة. فرقةُ موسيقى ـ عسكرية، وبروشوراتٌ للوقاية من الآيدز.

    حمارٌ بحملٍ ثقيل. مشانقٌ ودراكولات..

    نظاراتٌ شمسية، مايوهاتٌ وبساطٌ أحمر.

    جثثٌ مغرية، ونشيدٌ وطني…

    شعر “داليدا” يتدلى على حافة السرير.

    أين أنتَ، نهاد؟

    *

    هامش :

    *”سامحوني، لم تعد الحياةُ تُطاق”: جملة كتبتها “داليدا” قبل أن تنطفئ.

  • عبد العزيز علي (باور ) – ثورة قلب – ترجمة : منير محمد خلف

    عبد العزيز علي (باور ) – ثورة قلب – ترجمة : منير محمد خلف

    تكلَّم أيا قلبُ

    عن جرح آلامكَ

    اسكبْ زلازلكَ

    اشف  غليلكَ

    واجعلْ بخارك

    يصعدُ … يصعدُ

    يصعد غيماً،

    وحوّلْ براكين سخطكَ

    أغزرَ من نهر ” زابَ ”

    ونهر الفرات،

    وموجــاً من البحر

    أعلى

    وأقوى

    وأسرع من كلّ عاصفةٍ،

    أو أعاصيرَ

    من غضب الريح

    أو يأس ذاتــــــك ْ!

    تفجـّــــــرْ…

    وكن ساطعـاً كالنجـوم

    وداو ِ جراحــك يا قلبُ

    آن لكَ الآنَ

    أن تتحيّـنَ فرصة عيشكَ

    من لحظاتــــك ْ!

    كفـاكَ صراخاً

    وآهات  حزن ٍ!

    تلفّـتْ وراء أمامكَ

    من هذه اللحظة ِ

    الآن ..

    كن كالربيــــع المكلّـل بالورد

    واخفــقْ جناحـيــــكَ

    كـــــي تتحـــــــرّرَ

    أو تتلقّـــى نسيـم الحياة

    بعنف النسور

    وصوت الرياحين والياسميــــــنْ.

  • على الغائب ألا يعود – عبدالله حمدان الناصر

    على الغائب ألا يعود – عبدالله حمدان الناصر

    على الغائب ألا يعود

    على الغائب أن يتقن دوره:

    عليه دوماً ألا يعود.

    على الغائبين كلهم

     أن يحبوا الغياب

    و لهم أن يَصِفوا على سبيل تصفية الصدر من بلغم الورد:

    هلالَ آخر الشهر

    والحصانَ الصقيل الذي بلا أحدٍ يعود من الحرب

    لهم أن يَرْثوا أسماك الزينة في إجازة الصيف

    والقططَ في إعلانات تبني القطط

    لهم أن يكتبوا في الصحف

    عن الجرائد التي لا يمسها بشرٌ

    وتنتظر دون جدوى في مداخل البنايات

    لهم أن يكتبوا عن حسرة القصائد التي لم يستطيعوا تخليصها من نفسها

    في أقراص الـ Floppy disks

    على الغائبين أن يحبوا الغياب

    أما ما بعدهُ

     فعليهم أن يدعوه ليهتم بنفسه

    فالغائبون لا يعودون (إلا فراشاتٍ أو زجاجات بحر فارغة)

    لا يعودون إلا فراشاتٍ في سبتمبر

    بعد أن نكون انتقلنا إلى القطب

    وصرنا نستخدم نيراناً

    لا تفهمها الفراشات

    ووقت يعودون فراشاتٍ بأجنحة أربعة

    نكون قد أصبحنا بلا أجنحة

    ولا نتذكر شيئاً عن بلاد الأسلاف

    أو رحيق العائلة

    وقت تعود لنا الفراشات

    يصبحُ من غير الممكن

    مقاسمتها القهوة والكتاب

    أو مساعدتنا في إطلاق النار على الكمنجات

    والبكاء معاً على وترٍ نافقٍ

    والتلذذ بنهبِ سيجارٍ سيءِ الصنع

    فالفراشاتُ تتقنُ ترف الضوء

    ولا تحسن السيجار

    ووقت تعود الفراشات

    لا تعود هي الفراشات

    فهي تعود لأن الشتاء ثقيل

    تعود لأنها لم ترث من أبويها سوى معرفة الطريق للبيت

    لا تعود الفراشات لأنها تفقد الحب

    بل لأنها تحسن البيت

    ويستحيل بسبب ذلك أن تشاركنا أريكةً

    أو مقعد طائرة في المحيط

    أو سجادةً في العِشاء الأخير

    الغائبون يحبهم الله

    ولا يكسرهم أحدٌ

    ما داموا يفهمون جيداً أن مهمتهم هي ألا يخسروا الغياب!

    الغائبون ليسوا المسيح

    ولا يجب أن يتوهم غائبٌ أنه مسيح الذين أحبوه

    فالغائب حين يعود للشرفة الأولى

    يكون الله تماماً قد غيّر المنظر

    والناس يملكون صمتاً قوياً

    يمكنه كسر الذين فجأة يعودون

    الناس ليس لديهم وقتٌ فائضٌ للذين يعودون

    لأجل ذاك

    لأجل ذاك الفراغ الحنون

    لأجل القوارب الطيبة المربوطة في الربع الخالي من الليل

    على الغائب ألا يفسد الأمر

    على الغائبِ

    ألا يعود.


    *نص: عبدالله حمدان الناصر

  • أرق – سلمان الجربوع

    أرق – سلمان الجربوع

     ويطول بك الليل
    وتحسب أنّ ضوء النجوم
    ظمأٌ
    يتفحّص الماء في العتمة،
    وتوقظ حبيبتك من نومها
    وتطلبها أن ترقص
    ولأنّها تحبّك
    ترقص
    نصفَ نائمة
    على أغنيةٍ في الرؤيا
    وتهطل
    وتسيل
    وتضطرب
    وتظنّها النجمة البعيدة ماءً
    وتهوي

    ومثل طيف
    تختفي حبيبتك في النوم
    ويغمرك وحدك
    الأرقُ
    والظمأ النازل من السماء
    والعتمة.

  • عند باب البيت – سلمان الجربوع

    عند باب البيت – سلمان الجربوع

    عند باب البيت
    ينيخ أبٌ دمَه المحترق
    ………(الرّغاء القديم يخبو في الرماد
    ………ويغدو نحنحةً يتيمة)،
    تنطفئ رغبة زهرةٍ مخدوشةِ الرائحة
    وربّما إلى الأبد
    في الحياة،
    يقف ولد الجيران على الحياد.

    خلفَ باب البيت
    عميقًا
    في القلب
    هناك أمٌّ تنتظر،
    الأمّهات دائمًا ينتظرن عودةَ أحدهم.
    لستُ أدري
    مَن سينتظر من
    لو فتحوا البابَ يومًا
    على موتها.

  • لوح – جيم هاريسون

    لوح – جيم هاريسون

     

    Talal Moualla

    نصحني الروميُّ بأن أبقيَ روحي
    عاليةً في أغصان شجرة وألّا أسترقَ النظرَ
    بعيدًا، فحفظتُ روحي في الصفصافة
    الطويلة عند حفرة الريّ النائية،
    مكانٌ آمنٌ لئلّا تلوّثَها
    ثقافةُ الجشعِ القذرةُ واغتيالِ الروح.
    ينسى الناس أنّ أرواحهم تختنق بسهولة
    لذا يجب أن يستودعوها أغصانَ شجرةٍ عالية
    حيث يسعهم نداؤها في أية لحظة.
    يستحسن أن تكون في الخارج إذ يصعب على الأرواح
    أن تلج البيوت أو البنايات أو الطائرات.
    في نيويورك اعتدتُ أن ألتقي روحي أمام
    قفص الغوريلا في حديقة حيوان الأطفال في سنترال بارك.
    لم تكن لتأتيني في فندق ذا كارلايل، لقد كان فاحشَ الغلاء
    على ذوقها. وفي شيكاغو
    لن تدخل ذا دريك رغم أنّني أستطيع رؤيتها
    من النافذة تُحوّم فوق سطحِ
    بحيرةِ ميشيغن. الروحُ- فوق أيِّ شيءٍ آخرَ-
    يجذبها التواضع. لو نمتُ
    في الشوارع لباتت تحت لوحِ الكرتونِ معي.
    ترجمة: سلمان الجربوع.

  • أرجوانيّ – جيم هاريسون – ترجمة: سلمان الجربوع

    أرجوانيّ – جيم هاريسون – ترجمة: سلمان الجربوع

    جنايةٌ أن تدّعيَ استحقاقَكَ
    قلبًا أرجوانيًّا(*) ولمّا تنلْ واحدًا.
    السياسيّون يفعلون هذا. وأقول، “فلتنقصفْ رؤوسُهم.”
    في الربيع الماضي في حديقتنا الأماميّةِ كثيفةِ الشجر
    أسدا جبالٍ، أمٌّ وصغيرُها
    قتلا غزالًا- بقاياه كانت صارخةَ الحمرة.
    أطالب بميداليّة القلب الأحمر إذ عاينتُ
    الجثّة في ساحةِ المعركةِ الخطيرةِ هذه.
    واحدٌ غرس أنيابَه ثمّ انتهب القلبَ
    ملءَ فمِه، منتزعًا الشرايين والأوردة.
    أُسُودٌ داميةُ الوجوه، ثمّ غربانٌ داميةُ
    المناسرِ، تنعق بالنصرِ
    عندما انصرفت الضواري. مرّةً في تنزانيا
    رأيت أسدًا ضخمًا قانيَ اللبْدةِ والوجه
    بعدما غطَّ رأسَه كاملًا في أحشاءِ
    حمارٍ وحشيّ. لم يكثرث لنا ولا للذباب،
    مترنّحًا ممتلئَ البطن في الهاجرة.
    سأتقاسم ميداليّةَ القلبِ الأحمرِ مع هذا الأسد.

    (*) وسام القلب الأرجوانيّ Purple Heart وسامٌ أمريكيّ يُمنح بمباركة الرئيس لمن جُرح أو قتل أثناء الخدمة العسكرية.

  • محمد سالم – أنا استيقظت لكن الصباح لا يزال نائماً

    هذه الليلة لن أفكر فى الموتى
    ليس حسناً
    أن ألطخ الحجرة كل ليلة بالأسود
    هذه الليلة أيضاً
    أثأر من الوحدة
    أتركها وحيدةً
    مثل أرملةٍ من قرونٍ سحيقة
    تجلس أمام مدفأة
    تقلب الجمر والذكريات
    ستخرجين للشارع أيتها الوحدة
    بشعرك الأشعث
    وملابسك الممزقة
    وأظافرك الطويلة التى طالما نهشت أرواحنا
    تسألين كل عابرٍ أن يرق لكِ
    ينفثون دخان سجائرهم فى تجاعيد وجهك
    ويمضون
    والعيال الذين مات آباؤهم تحت وطأتكِ
    يقذفونكِ بالحجارة
    بتعاويذَ تعلمناها من الخوفِ نبطلُ حيلكِ
    ونمد أصابعنا فى جوفكِ
    ننزع روحكِ
    روحكِ مصاصة الدماء
    كل ألاعيبك انكشفت
    ستموتين وحدكِ أيتها الوحدة
    حتى اللعنات
    لن نصبها عليكِ
    مخافة أن تصحبك إلى قبركِ
    وتؤنس وحدتكِ
    لا تحاولى
    نحن لم ننس جرائمكِ
    وأنت أيها النسيان
    لماذا تلومنى
    ألأننى تركت لهم قلبى ليأكلوه
    ويحرقوا ما تبقى
    ثم حملتهم فوق ظهرى
    أكنت تحسبنى سأتركهم للوحشة والشقاء يأكلهم الجوع والبرد
    أم لأنك كنت تسن أسنانك
    وتنتظرنى بين ميتةٍ وأخرى
    ولماذا جمعت حولك كل هُمزة لُمزة
    وأغريتهم بوليمةٍ من النميمة
    أيها النسيان
    على ذاكرتك أن تراجع نفسها
    واحدٌ غيرى علق شارة حدادٍ فوق صورة الحياة
    كنت نائماً
    أنظر للمسامير على الحائط
    وأعِدُها أن أصالحها على الإطارات
    ثم كرهت أن أعمل سجاناً
    فتركت الأمر
    وانتبهت
    ولم أعلق شارة حداد فوق صورة الحياة
    لكن شرفتى انفتحت على سرادقٍ للعزاء
    وأشرارٍ
    يريدون أن أصحب جثةً للمقابر
    أيها المجانين
    كيف لكل هذه النعوشِ فوق ظهرى
    أن تسعها عربةٌ صغيرةٌ كهذه
    أنا استيقظت
    لكن الصباح لا يزال نائماً
    فمن علق مرآةً على الحائط قبالتى!
    أما قلت
    هذه الليلة لا أريد أن أفكر فى الموتى.

  • مها دعاس – تدمورا

    thomas
    mille dow

    تدمورا
    تدمورتا الأسيرة
    تؤرقني
    نخلة الجيران التي سقطت في حلم الحرية
    ولدت في نهار مشمس
    لم يغادر ميتافيزيقيا التاريخ
    الذي يدوي بين الحجارة على هيئة مواويل
    بينما نركن لسحابة ثكلى كلون خرج عن المألوف
    في صياغة الزمان
    النهارات الأرجوانية التي تعرج على فحواها
    تلك التي خرجت من سطر من سطور المثيولوجيا
    الشمس تغرق في صوت الكون الأخرس
    ثم تكبر فوق أسطح البيوت
    السماء مشجب علقت عليه
    الزرقة و الألوهة
    ومتسع من الصمت البنفسجي
    الحلم و ما تراءى للقلب من الشفق
    ميزان الرب
    تمرها المسحور يحرس عين القلب
    يعيد رسم الظلال وما تردد من مقولات
    يقول لآخر الراحلين :
    لا تتركوني و الأبواب المقفلة على الموت
    الراحلون الألم الذي يغوص في البحار الآثمة كخطيئة

    تحت ظلها جورية كانت على وشك أن تتفتح و شتلة حبق
    توشوش لأهل الحي بدلال
    تسرق عطر النجوم بهاجس الفرح
    تزيل تجاعيد الحرب عن الوجوه التي
    انحسرت في حتمية المصير
    لتعيد ترتيب الوقت للهاربين على أكبادهم
    من الموت إلى الفناء

    دالية عنب في أول الطريق
    هبة الكروم
    دفء المحالات
    شساعة المكان
    غرق في النبيذ
    تتدلى من شرفة الرب و تمد ذراعيها لتعانق
    شجرة زيزفون تغني في الظهيرة
    عندما تصير الشمس عامودية كمشكاة نور
    صوت رائحتها يصرخ ليوقظ
    الدوري الحزين في قفص الحلم
    وقبرة ترسم الحرية بحرفية
    تبنيتها كقصيدة للغد
    أصعد معها لسماواتي
    أبواب الرب مفتوحة لي

    ستائر مزقتها شظية عمياء
    قبل آخر رحيل
    لإمرأة تضرعت لله تستغيث
    يا منتقم يا جبار
    ثم صافحت الفجيعة بقلب ورماد
    تبحث عن ملامح ابنها في الطرقات المصابة بالنكروفيليا
    العالقة في الأنين
    بين الموت والموت

    هل جربت أن تدس أنفك في وجه التراب
    لتشم رائحة الله فيه
    هل جربت أن تفتح لك الشوارع يديها ثم تتلقفك بحضنها
    ما أرحبك يا تلك الدروب التي تسكن قلوب الراحلين من الخيبة

    أربعة شباب و قصائد حب معلقة على غصن شجرة
    كتبت على شواهد قبورهم
    تحيط بمعصمي
    حبيبات على شفا الذهول
    مناديل الصباح تحكي قصصهن الخائفة من القبيلة والحرب
    تلك المناديل التي طرزن عليها أول حرف لعشقهن
    الذي تاه مع هسيس القلب المثقوب بقذيفة

    التوقيت بين القذيفة و آخر من سقط
    هو تماما ذلك الجرح الذي أتحايل عليه كل يوم
    لأنام

    نوافذ تئن وحدتها و عزلة الجدران
    التي بكت يوم هجرناها
    لا أدري ان بقي جدران …؟
    لا أدري ان كان تحت الجدران قميصي الأزرق الذي أحب
    كنت أرتديه مع بنطال الجنز
    المنسي على حبل الغسيل
    مع ذلك الشال الذي أحضره لي أخي من الهند
    أخي الذي لم أره منذ سنين

    كم أود لو كنت حبل غسيل هناك
    بين الأنقاض و الكارثة
    أستريح لبرهة
    و أعاود الصبر
    الكثير من الصبر
    الكثير من الحلم

    يؤرقني
    الطريق النازف في قلبي
    الذي كان يحضنني إلى بيت صديقتي
    فرحا
    كل الوجوه التي أعرفها و أرتق حزنها بالمجاز
    كل الأيدي التي صافحتني و تخفق الآن في أوردتي
    وعلي أن أرتب أحزانهم
    دمعة دمعة

    يقول لي المساء عليك تقليم هذه الذاكرة
    الذاكرة انتقائية
    عليك أن تتأقلمي أقول لجثتي التي تنام بين شهيدين
    أفكر كل يوم بابتكار طريقة مناسبة لدفنها
    وقلب لا زال يحلم أن يبلغ مبتغاه

    سأخرج الآن وما
    يؤرقني أن أسير في طريق لا أسأل فيه عن العنوان ولا
    أستخدم “GPS”…..

  • كانا كاهاما – على الشاطئ | ترجمة : إسكندر حبش

    Treading Clams, Wickford
    William James Glackens

    فيما بعد، معاً،

    العاطفة، اللحظة

    الأكل، البكاء.

    المساء، البحر يشتعل

    نار شُعل

    نتنزه على الشاطئ

    الرطب. يدانا متشابكتان

    الأمواج تصل إلى أقدامنا

    كي لا أبللها

    أرفع تنورتي ببطء

    تلاحظ ذلك، نظرتك

    وانتباهك يؤثران فيّ

    تغور الرمال ببطء

    تحت الأقدام، بين الأصابع

    المياه، الرمال، بين الأباهيم

    المدير، الهمهمة

    الدغدغة

    كلا، نبقى هنا، واقفين

    لننظر إلى الشمس الهاربة

    من شِباك الليل.

    شاطئ عند المغيب.

    من ثم، في الجانب الآخر، على الصخور السوداء

    نحن، جالسين، وأنت

    قلت لي.

  • كيفن سبايد – مقص الأعشاب  | ترجمة : د.محمد عبد الحليم غنيم

    كيفن سبايد – مقص الأعشاب | ترجمة : د.محمد عبد الحليم غنيم

    رفعت قميص زوجتى ونظرت إلى بطنها ، رأيته يتحرك هناك ، رأيت سلسلة ظهره من وراء جلدها الرقيق، قالت :
    – نحن فى حاجة إلى مقص أعشاب .
    – أكره مقصات الأعشاب .
    – أوه ؟ ارتقعتت الحشائش إلى فوق الركبة وامتلأت بالقمامة .
    – مرجنا هو الملجأ الوحيد للفرشات فى الشارع فإذا قطعنا الأعشاب ،أين ستذهب هذه الفراشات ؟
    – ربما تطير إلى النهر وتعيش هناك حياة رائعة ، لكن من يهتم ؟
    – من يهتم ؟ من يهتم ؟ أى نوع من السلوك هذا ؟ نحن ننقذ الأرواح هنا .. هذه الفراشات جزء من هذا العالم .
    – سوف نفقده هناك ، سوف يخوض فى الوحل وراء اللعبة ، ولن نراه مرة أخرى مطلقاً .
    – أوكيه ، حسناً ، سأقطع العشب ، ويمكن للفراشات أن تأكل خراء وتموت .
    ضحكت زوجتى وأسدلت القميص إلى أسفل على ابننا . كنا نجلس على درجات السلم أمام مدخل البيت الأمامى ، لقد اعتدنا أن نجلس هناك ونشرب البيرة ، لكننا توقفنا عن ذلك بعد أن حملت زوجتى ، لكم أفتقد هذا . أفتقد هذا بشدة . لماذا كنت أبدو أحمق ومجنونا ؟ لماذا كنت مثل المخبول ؟
    قالت :
    – هل تنوى أخيراً أن تذهب وتفتح حساباً بنكياً هذا الأسبوع ؟
    – وهل أنا الآن فى حاجة إلى مقص أعشاب و حساب بنكى ؟
    – لعلك أيضاً تفكر فى شراء حذاء جديد .
    نظرنا إلى حذائى القمئ الحزين. ثم لكى أجعلها تغض النظر عن مسألة عنادى ، قلت:
    – إذن ما شعورك وأنت ترين شخصاً آخر ينمو فى داخلك ؟
    – أوه ، عليك أن تعتاد على ذلك .
    – لا يمكننى أن أعتاد على شئ مثل ذلك أبداً.
    – لا ، أنت اشتنكيت من الغثيان … أنت تتشتكى من كل شىء !
    – ليس هذا عدلاً . إنها الطبيعة . أنت فهمت خطأ تساؤلى عن السخط .أنا فقط أحب أن أخبرك عن الزفت الذى أحبطنى .
    – أنت تشتكى من كل شئ .
    – ربما فعلت ، من يعلم ؟
    نخست ابنى وقلت :
    – أنت محظوظ أيها الوغد .
    – لا توقظه
    – كيف عرفت أنه نائم ؟
    – عندما يكون فى داخك شخص آخر ، تعرف إذا كان هذا الشخص نائماً أم متيقظا ، إنه مجرد شيء من تلك الأشياء .
    – هاه . لم أكن أعرف ذلك . لم أفكر حقيقة فى ذلك مطلقاً .
    خرج الجار من منزله وبدأ يسقى شجرة الصنوبر الصغيرة التى يحتفظ بها فى الفناء الأمامى لمنزله.
    قلت :
    – تلك الشجرة مثل ابنه .
    – يا يسوع . هل تلك هى فكرتك عن الأبوة ؟ يا إلهى ؟
    – ما الذى ينبغى أن أعرفه عن الأبوة ؟ وكيف يمكن أن أعرف ؟
    – هل تعيش فى هذا العالم ؟ هل لديك جهاز عمل من مقلة العين يتصل بالمخ داخل رأسك ؟
    قلت :
    – أراهن أنه مستريح جداً فى داخل رحمك .
    تطلعت إلى ، فأضفت :
    – نوع من المرجيحة الشبكية ، وددت لو مقايضة مكانه بدقات قلبى .
    قالت :
    – ذلك مقزز .
    – يرقد طوال النهار . فقط يرقد مستريحا هناك.
    – يامسيح ، أشعر حقاً بالغثيان .
    قلت بعد لحظة من التفكير :
    – أعتدنا على أن نشرب البيرة .
    – ماذا ؟ اذهب إلى الحى وهات بيرة .
    – أنت فى الربع الثالث من الحمل .
    – نعم ، حسناً ، أستطيع أن أتعامل مع كوب من البيرة فوراً . هذه حارة ! لمن كانت فكرة بناء هذه المدينة هنا . لابد أن يكونوا قد بنوا هذا المكان فى وقت الشتاء .
    اعطتنى بعض النقود وقالت :
    – اذهب وانظر إلى فتاتك الصغيرة .
    مشيت وراء الجار . كان يمسك بالخرطوم فى يده ويحدق فى الماء الخارج منه كما لو كان لا يصدق ما يشاهده . كانت الحياة ساحرة جداً وغريبة . مدهشة ! كلنا سيموت ذات يوم ، لكن لا يهم.
    سرت فى طريقى ، كات الوحيد بلا طفل فى حينا ، و ربما فى المدينة كلها ، الذى اعتاد المشى على الرصيف كل يوم . لذلك كنت معروفا بسوء السمعة فى ذلك الأمر . عندما مشيت بجوار المنزل ، خرج الناس إلى نوافذهم يحدقون فى السيارة ، ولكن بغرابة أقل .
    كانت الفتاة التى تعمل فى متجر الحى فى السادسة عشرة من عمرها ، وجميلة بشكل غير طبيعى . اعترفت لزوجتى بأننى كنت على علاقة حب معها . وأننى كنت انتظر حتى تكبر قليلاً ، وأقدم على خطوتى .
    وصمتنى زوجة بالأبلة القذر ، وأرسلتنى إلى متجر الحى لكى أهين نفسى .كانت الفتاة هناك تقرأ الكتب المصورة وتتجول بملابسها وهى تشرب المياه المعبأة .كوتنى بعينيها . لم أعرف أبداً ماذا أقول لها كنت عاجزاً حيال عمرها وجمالها ، لكن أيضاً كانت زوجتى الحامل تنتظر البيرة على بعد خمسة عشر بيتاً على الطريق . لم يكن هناك وسيلة للتحدث مع مثل هذا الشخص على أى نحو . كما لوكنت لا أعيش فى هذا العالم . حدقت مباشرة فى داخل رأسى ولم تعطنى أى إشارة عما رأته هناك – ربما كنت أيضاً ميتا بالنسبة لها ، لكنها قالت :
    – ثلاث مئة وتسع وخمسون .
    أعطيتها النقود . وقلت :
    – يداك جميلتان
    رفعت يديها إلى أعلى ونظرت إليهما ، ثم نظر كلانا إليها ، أعجبتانى ، وعشقتهما . لقد كان لديها حقاً يدان جميلتان .مشيت إلى المنزل وأنا أحمل ست حزم تتدلى من ذراعى وبعض العملات المعدنية فى جيبى . شعرت وكأنى غوريلا متحضرة ، وكما لو كان سروالى على وشك السقوط فى أية لحظة وأنا أجر معلباتى فوق الرصيف
    كانت زوجتى ما تزال تجلس فى المدخل بإبنها الذى ينمو داخل بطنها ، رأتنى قادماً ، فقالت :
    -هاى ، اسأل غريب الأطوار الذى هناك إذا ما كان يمكن أن يعيرنا مقصه .
    كان الجار يشذب شجر الصنوبر فى شكل مخروطى ، شجرة وراء الأخرى ويلقى بما يقصه فى الشارع ، قلت :
    -إذا ظننت أن هذا الكائن يمكن أن يسمح لى باستخدام مقصه ، فأنت إذن قد تنازلت عن ذكاءك .
    – اسأله فحسب .
    – على أية حال أنت فى حاجة إلى منجل للتخلص من كل ذلك . انظرى إلى ذلك . إنها أعشاب المطر الصغيرة . أنت فى حاجة إلى منشار صغير و زوج من المقصات الحديثة ذى الموتور .
    – يمكن للمنجل أن يقوم بذلك ، لدينا واحد فى الجراج .
    – وماذا عن الفراشات ؟ إنها هنا من أجلنا ، إنها رائعة .
    – لا تبتئس ، خلال شهر ستكون أباً لطفل صغير .
    أخذت علبه بيرة وفتحتها ، ثم قلت لها :
    – هل تعتقدين أنه سيسكر هناك ؟؟
    – النصف لى ، والنصف له .
    شربت أربع علب ، وشربت هى اثنتين ، واحدة لها والأخرى له .
    مرت السيارات فى الشارع ذهاباً وإياباً ، تصادم الصبيان بدرجاتهم ، وحلقت الطيور فوقنا . وعندما خلصت البيرة ذهبت إلى داخل الجراج وأخذت المنجل . قطعت الأعشاب وسحبتها بعيداً عن الممر، ثم تركتها فى كومة لعمال المدنية .

  • ما حصل – فلاديمير ماياكوفسكي

    ما حصل – فلاديمير ماياكوفسكي

    أكثر من الممكن

    أكثر من الضروري –
    كما لو أنها
    تورمت أثناء النوم جراء حمّى شعرية –
    صارت كتلة القلب هائلة
    الجحيم:
    ذاك الجحيم هو الحب،
    ذاك الجحيم هو الكره.
    ساقاي
    تحت الوطأة
    تمشيان مرتجفتين –
    رغم أني
    كما تعرفون
    صلب العود –
    ولكن
    ها إني أجرجر نفسي هنا وهناك،
    ذيلًا من ذيول القلب
    محنيًا كتفيّ
    العريضتين
    منتفخًا بحليب الشعر –
    الذي لا يمكن سكبه
    في أي مكان على ما يبدو –
    حتى أطفح من جديد.
    منهك أنا من فرط الغنائية –
    ممرضة العالم الرطبة هذه –
    غلوّ
    النموذج الأصلي من موباسان.

  • البالغون – فلاديمير ماياكوفسكي – ترجمة: جمانة حداد

    البالغون – فلاديمير ماياكوفسكي – ترجمة: جمانة حداد

    لدى البالغين مهامٌ كثيرة:

    جيوبهم محشوة
    بالروبلات.
    الحب؟
    بالتأكيد!
    بما قيمته حوالي مئة روبل.
    أما أنا،
    الذي لا بيت لي،
    فأقحم
    يديّ
    في جيوبي الممزقة
    وأمشي مترهلًا
    وعيناي جاحظتان.

    إنه الليل.
    ترتدين أجمل ثيابكِ
    وتسترخين برفقة الزوجات والأرامل.
    موسكو،
    بحلقة طرقاتها المستديرة
    اللامتناهية،
    تخنقني في عناقاتها.

    قلوب العشيقات
    تدق ” تيك تاك”،
    وعلى سرير الحب يشعر الشريكان
    بالنشوة.
    متمددًا مثل ” ساحة الشغف”،
    أقبض على دقات القلب المجنونة
    للمدن الكبرى
    مشرّعاً
    – وقلبي يكاد يطفو على السطح –
    أفتح نفسي للشمس والوحل.
    اخترقوني بولعكم!
    تسلقوني بحبكم!
    فالآن فقدت السيطرة على قلبي.
    أعرف أين تكمن قلوب
    الآخرين:
    في الصدر – كما يعلم الجميع!
    أما معي
    فقد جن جنون علم التشريح:
    كأني لا شيء فيّ سوى القلب
    هادرًا في كل مكان.
    آن، كم من أوقات
    الربيع
    تراكمت في جسدي المحموم طوال هذه
    السنين!
    حملها غير المهرق لا يطاق.
    لا يطاق أقول،
    لا بالمعنى المجازي،
    لا شعرًا،
    بل حرفيًا.