المدونة

  • إلى سيزار فاييخو – سركون بولص

    إلى سيزار فاييخو – سركون بولص

    “من بين أسناني أخرجُ داخناً،

    صائحاً، دافشاً، نازعاً سراويلي”

    سيزار فاييخو، «عجلة الإنسان الجائع»

    يا سيزار فاييخو، أنا من يصيح هذه المرّة.

    إسمح لي أن أفتح فمي، وأحتجّ على الدم الصاعد في المحرار

    دافعاً رايةَ الزئبق إلى الخلف. لتصطكَّ النوافذ، لتنجَرَّ ميتافيزياء الكون

    إلى قاع الأحذية الفارغة لجنديّ ماتَ بحَربته المعوجّة.

    «عجلةُ الإنسان الجائع» ما زالت تدور…

    من يوقفُ العجلة؟

    قرأتـُك في أوحَش الليالي، لتنفكّ بينَ يديّ ضماداتُ العائلة.

    قرأتُ عواصفكَ المُتململة حيثُ تتناوَمُ الوحوشُ في السراديب

    حيثُ المريضُ يتعَكّزُ، على دَرب الآلام، بعَصا الأعمى الذي رأى…

    وفي هذا المساء، يا فاييخو، تعلو الأبجديّاتُ وتسقط. المبنى ينهار، والقصيدة

    تطفئ نجومها فوق رأس الميّت المكَلـَّـل بالشوك. ثمّة ما سيأتي

    ليسحبَ أجسادَنا على مَجراهُ الحجريّ كاندفاعة نَهر.

    ثمّة حجر سيجلسُ عليه شاعرُ الأبيض والأسود في هذا الخميس.

    واليوم، أنا من يصيح.

  • مختارات من الشعر الصيني – ترجمة: منير يزيد

    مختارات من الشعر الصيني – ترجمة: منير يزيد

    العشب

    قصائد بي جيي (مَعروف كذلك بِبو جيي وبو تشيي)

    العشب يَنتشرُ عبر السهلِ
    كُلّ سَنَة يَمُوتُ، ثمّ يَزدهرُ ثانيةً
    يحترق بنيرانِ المرجِ
    لكن لا يتحطم
    حين تهب الرياح الربيعية
    تعيده للحياة
    رائحتَه تَغْزو الطريقَ القديم
    يَجتاحُ أخضرُه الزمرّديُ البلدة المتهالكة
    مرة أخرى
    أَرى صديقَي النبيل يُغادرُ
    أَجِدُ نفسي مزدحما بالكامل
    بمشاعر الفراق

    الربيع المتأخر

    هان يو

    كُلّ النباتاتَ تَعْرفُ
    بأنّ الربيعِ سَيَعُودُ قريباً
    كُلّ أنواع الأحمرِ والإرجوانيِ
    في تنافس في الجمال
    زهرة شجرةَ الحور وبذورَ الدردارِ
    بلا جمال
    فقط يَمْلأونَ السماءَ بالطيرانِ مثل الثلجِ

    أسلّي نفسي

    لي بي

    بمُوَاجَهَة نبيذي لم ارَ الغسقَ
    الأزهارُ السَاقِطةُ تمْلأُ طيّات ملابسِي
    سكرانأ
    أَرتفعُ وأَقتربُ مِنْ القمرِ في الجدولِ
    الطيور بعيدة جدا
    وقليل من البشر أيضا

    الشرب وحيدا
    دو مو
    خارج النافذةِ
    ريحِ وثلجِ يهبان مباشرة
    أَمْسكُ بالموقد وأَفْتحَ قارورة النبيذ
    مثل قارب صيد في المطر
    الشراع منخفض
    نائم على نهرِ الخريف

    أرسلَ شمالاً في ليل ماطر

    لي شانجين

    تَسْألُني متى سأعود
    لا يمكنني تحديد الموعد
    في الليل
    المطر في تلالِ (با)
    يَطْفحُ البركاتَ الخريفية
    َ متى يمكننا أَنْ نُشذّبَ معا الشمعةَ
    بالقرب من النافذةِ الغربيةِ
    ونتحدث سوية عن المطرِ
    في تلالِ (با) خلال الليل

    إمرأة سماوية مَسْجُونة في القصرِ

    لي يو

    إمرأة سماوية مَسْجُونة في القصر
    ِ في تَلِّ (بينجلي)
    الكُلّ صامت
    وهي تنَامُ في النهار
    في حجرتها الملونة
    شَعرها اللمّاع ينتشر
    مثل غيمة على الوسادةِ
    ملابسها المطّرزة تَحْملُ عطرا ساحرا
    أَجيءُ سرَّاً
    لأضع وأعيد صندوق اللؤلؤ
    وراء الشاشةَ الفضّيةَ
    مسحورة مِنْ حلمِها
    وجهها المبتسم يَفِيضُ بالنعمةِ
    نُحدّقُ في بعضنا البعض
    بالحبِّ اللامتناه

    بيت ريفي

    مَي ياوتشين

    يصيح الديك ثلاث مراتِ
    السماء خفيفة تقريباً
    شخص ما يضع صحون الرز
    سويّة مع أقداح الشاي
    بشوق شديد
    يُسرعُ الفلاحون لبَدْء الحِراثَة مبكراً
    أَسْحبُ درفةَ الصفصاف جانبا
    وأُحدّقُ في نجم الصباحِ

    كتابة حُزنِي

    مَي ياوتشين

    أَخذتْ السماءُ زوجتُي
    الآن أَخذتْ إبنَي أيضاً
    عيوني لم تجف بعد
    قلبُي يشتهي الموت فقط
    المطر يَسْقطُ ويتغلغل في الأرض
    لؤلؤة تغرق في أعماقِ المحيط
    أغطس في البحر
    يمكنك أن تبحث عن اللؤلؤة
    احفر في الأرضِ
    يمكنك أَنْ تَرى الماءَ
    الناسُ فقط يعودون إلى المصدرِ ـ تحت
    طوال الزمن ، هذا ما نعرفه
    أمسك صدري
    لمن يمكنني أن أعود اليه …؟!
    هزيل ، شبح في المرآةِ

    الرحيل من وانج وي

    مينج هاوران

    بهدوء إنتظرتُ هنا طويلا
    يَومَاً بَعدَ يَومٍ
    لكن الآن يَجِبُ أَنْ أَعُودَ
    الآن أَذْهبُ للبحث عن العشبِ المعطّر
    لَكنِّي أَحْزنُ على فراق صديق قديم
    مَنْ هناك ليساعدني في الطريق ؟
    الأصدقاء الحقيقيون قليلون جدا
    يَجِبُ أَنْ اتأمل عزلتي فقط
    وأغلق مرة أخرى باب بيتي القديم

    مركب خفيف بالمجاذيفِ القصيرةِ

    ويانج كسيو

    مركب خفيف بالمجاذيفِ القصيرةِ ـ
    البحيرة الغربية رائعة
    منحنى لطيف في الماءِ الأخضرِ
    العشب المعطّرعلى طول المانع الأرضي
    الصوت الخافت للأنابيبِ وللأغنية
    يتبعني في كل مكان
    بدون ريح
    سطح الماء يرقد ناعما كالصقيلِ
    لم أُلاحظ عبور المراكب
    حركاتُ صغيرة جداً تحدث موجات
    طيور سحرية تنهض من الرمل
    وتَرْعى على الضفة

    أحلم بروجتي المتوفية

    سو شي

    عشْرة سَنَواتِ غير محدودةِ الآن
    تفصل الأحياء عن الأموات
    مَا فكّرتُ بها في أغلب الأحيان
    لكني لا أستطيع النسيان
    قبرها الوحيد على بعد ألف (لي)
    لا أَستطيعُ أن أقول أين ترقد زوجتي باردة
    لن نَستطيع أَن ْنميز بعضنا بعضا
    وان إجتمعنَا ثانيةً
    وجهي مغطى تقريبا بالكامل بالغبار
    معابدي زجّجتْ بالصقيعِ
    في أعماق الليل
    حلم مفاجئ يُرجعُني إلى وطنِي
    تَجْلسُ أمام نافذة صغيرة
    نَنْظرُ إلى بعضنا بعضا
    دون أن نتفوه بكلمة
    والآن ألف دمعة تتدفق
    يَجِبُ أَنْ أَقْبلَ بأنّ كُلّ سَنَة
    علي أن أُفكّرُ بذلك المكانِ المفجعِ
    حيث يَسْطعُ القمرَ في الليلِ
    وصنوبرات عارية تحرس القبر

    دراسة

    وانج وي

    هناك غيمة خفيفة
    ورذاذ حول السُرادق
    في الساحةِ المُظلمةِ
    متعبا
    أَفْتحُ البوابة
    أَجْلسُ
    وأَنْظرُ إلى لونِ الطحلب الأخضر
    جاهزا لملابس الناس

    الشمس والمطر
    يي فو
    هذا الصباحِ
    كان هناك شمسُ ومطرُ
    الأرضَ معطّرة
    لكن أقدامَي قذرة
    بيتي ما بعد حافةِ الغيومِ
    يَجِبُ أَنْ يكونَ للأجنبي
    قلب سعيد

  • ريم قمري – صدور ديوان ” ما لم يقله الحلم “

    صدر مؤخرا عن دار السكرية المصرية الديوان الثالث للشاعرة التونسية ريم القمري ، و جاء هذا الديوان بعنوان ” ما لم يقله الحلم ” و هو يندرج في إطار قصيدة النثر ، و جاءت اغلب نصوص الديوان في شكل نصوص قصيرة و ايضا ومضات ، ويحتوي الديوان على مئة صفحة و به 58 نص

    و قد قامت برسم لوحة غلاف الديوان الشاعرة و التشكيلية التونسية سليمى السراريري

    و يتميز هذا الديوان الثالث في تجربة الشاعرة ريم القمري بنص شعري يعتمد

    بناء فكريا عاطفي له أجزاؤه التي تكونه فيتشكل من خلالها ليصبح بناءاً متكاملاً ذا مضمون واضح والشاعرة

    التي تختزن فيها أسئلة حائرة تدل على حالة الذات الشاعرة المسكونة بالقلق والحيرة والتشظي.

    كثم تتوالى الصور التي ترسم شكل النص وبنيته وتعبر عن أداء شاعري سامق وموفق، أمكن للشاعة أن تغمرنا بعالمها الفني والجمالي والدلالي والأسلوبي والسياقي. فها هي صورة الصوت المجسدة ولكن قلب الشاعرة تتتعارك معها ..كي تبقى على عهد الصوت الذي يبدد وحشتها وقلقه وصمتها وعزلتها. ورمانسية “الروح الحبلى”ويحتل “الحب” القيمة الجميلة والجمالية والثيمة المهيمنة ..تجددد الشاعرة تقنياتها الفنية بشكل واعٍ وحساس وموضوعي، أي أنه تستحضر معادلات موضوعية وتراكيب شعرية وأبنية فنية من رحم الطبيعة والواقع كي تخدم الفكرة

    سيكون هذا الديوان متوفر في اغاب المكتبات المصرية و العربية ، و ايضا في اغلب معارض الكتاب العربية خلال الموسم القادم ، في انتظار حفلات توقيع في كل من مصر و تونس لاحقا.

  • هاجر سيد – إننى أخرس

    هاجر سيد – إننى أخرس

    بكُل أسى إننى أخرس، تتلعثم الأحرف على أطراف شفتاى وتسقط، إن نحيب المقاومه يطغو على مسامعى قانطاً يآبى أن يستسلم، كئيب، عابس، سوداوى البصيره، بينما لون خصلات شعرها يلون الرؤيه فى عينى، يجعل الرؤيه لها معنى، والأشياء تستحق النظر. إلتفاف منحنياتها كإلتفاف مسار الحياه، ليس سالكاً البته، ويعجُ دائماً بالإنكسارات المتواليه تماماً كشاماتها المُتلاصقه، لا فروقات، لا فوارق، لا مُتنفس، فقط ثغراتٌ وخطوط عسيره شتى، خانق الممرات كحياتى تماماً. تنهد بكُل معاناه العالم ناظراً للسماء: إننى أعانى أكثر من نبتهٍ فى الصحراء منحها الرب الروح لتشعر بكُل أشعه الشمس الحارقه ولا تنطق! الظُلمات تُخّيم أيامى وبُنيتها الآلم. حظى، وحُبى، وإعتقادى كل هذا آتى من الآلم، إننى آلحد بكُل شىء إلاها، هى فقط. والآلم، هما الوحيدان اللذان أشعر بهما أكثر من أى شىء آخر عالإطلاق.

  • يا جاك كيرواك – وديع سعادة

    يا جاك كيرواك – وديع سعادة

    كثير من الأخطاء في الإشارات والأسماء على الطريق يا جاك كيرواك

    الأسهم المشيرة إلى أمكنة

    توصل إلى أمكنة أخرى

    واليافطات المكتوب عليها ينابيع

    صحارى.

    ماذا جرى يا جاك كي أرى السهل حوتاً يريد أن يبتلعني

    والفراشةَ جداراً؟

    وهل السنونوة التي سقطت ميتةً أمامي

    كانت تعبر كي ترسم الطريق أم كي

    تمحو العبور؟

    يا جاك، يا جاك، إنزعِ اليافطات عن الطريق

    إلغِ الينابيع والغابات والأمكنة

    دلَّني فقط إلى الممرِّ الذي بلا إشارات ولا أسماء

    أريد أن أعبر.

  • لا تأخذِ الخيل إليه ولا الخَيَال – وديع سعادة

    لا تأخذِ الخيل إليه ولا الخَيَال – وديع سعادة

    أَعدِ الماء إلى النبع ولا تُزعج الغيم

    ولا تُصلِّ، لا تُقلق الموتى

    دعْهم في ترابهم يستريحون

    وإنْ انهمر مطر فخفِّف من لهاثك

    لهاثُك يصعد غيماً إلى الفضاء ويمطر

    والمطر يوحل التراب

    ويزعج الموتى.

    أَعدِ الماء إلى النبع ولا تأخذ الخيل إليه ولا التخيُّل ولا الخَيَال

    النبع جرَّة مكسورة

    لا ماء فيها

    فاذهبْ بلا ماء ولا خيل ولا خَيَال.

  • تلك المسافة – وديع سعادة.

    تلك المسافة – وديع سعادة.

    هل تتذكرون

    تلك المسافة الطويلة التي مشيناها

    كي نقعد على حجر؟

    المسافة الطويلة كي نطرد

    الذئابَ التي تأكل الخراف في قلوبنا وكي

    نبقى أبرياء من دم الأرض

    ودم المسافة؟

    هل تتذكرون العصافير

    التي أردنا ذات يوم أن تكون بيننا وبينها قربى

    فزقزقنا

    وانهمر الرصاص علينا؟

    تلك المسافة

    تلك المسافة الطويلة نحو خروف

    نحو عصفور

    نحو حجر.

  • بقليل من الحطب، بقليل من الدخان – وديع سعادة.

     

     

    Rima Salamoun – Syrian Artist

     

    بقليل من الحطب

    أُحْيي الآن ذكرى الشجر

    ذكرى غابات كثيرة نبتت في ذاك الماضي في رأسي

    وكنتُ طيورها

    وحطَّابها

    والمشتعلين في مواقدها.

    شجرٌ أحاول الآن بقليل من الحطب إحياء ذكراه

    ذكرى طير ملوَّن حطَّ على غصن أمامي وطار

    ذكرى سُحْلية على صخرة ليتني استلقيتُ قربها قليلاً

    ذكرى ثمار حسبتُها أفئدةً

    وأفئدةٍ حسبتُها ثماراً وقطفتُها

    وإلى الآن لا أعرف ماذا أفعل

    بدم تلك الغصون.

    بقليل من الحطب المتبقّي في قلبي

    أُشعل سيجارة

    وأرى في دخانها رفاقي

    الذين ماتوا سكارى على الطرقات

    الذين عبروا النهر بلحظة واقتادوا اليباس في تجوالهم كي يكون لهم رفيق

    الذين نخزوا في عروقهم أخيلةً علَّ الدم الضجر في شرايينهم لا يبقى وحيداً في الليل الطويل

    رفاقي

    الذين في عيونهم طرقات

    وقطارات

    لا تتوقف في محطَّة

    الذين تركوا المفاتيح في الداخل وصفقوا الباب ومشوا

    وفي بحار نظراتهم وُلدت أسماك غريبة

    وصنَّارات

    رموها

    واصطادوا عيونهم.

    من الحطب المتبقّي من غابات ماضٍ بعيد

    أُشعل سيجارة

    وأُحاول أن أختبئ تحت دخانها

    وأُخبّئ معي موتى لا يُحْصون

    تحت دخان سيجارة أُخبّئ موتى وأُخبّئ أحياءً كي لا يموتوا

    أُحاول أن أطرد الموت

    بدخان.

    بالحطب المتبقّي

    بالدخان المتبقّي

    أُحْيي ذكرى شجر وناس

    تعانقوا

    وصاروا دخاناً.

  • حسين بن حمزة – طقس

    أحبُّ أن أقرأ قصائدي لشخصين أو ثلاثة لا أكثر
    أن يُحنوا رؤوسهم قليلاً
    لكي يتلذذوا بنبرتها المنخفضة
    ويلتقطوا الاستعارات المدفونة فيها
    أن يبدو المشهد وكأننا نتبادل نخب صداقة حميمة
    وأنني بدلاً من قراءة القصائد أُقطّرُ كلماتِها في آذانهم
    كأنهم يتلقّون مخدّراً مضاداً للأرق فينعسون ويميلون أكثر عليّ
    فأبدو كمن يربّت على أكتافهم
    ويمسّد على رؤوسهم
    وأنني في الحقيقة
    لا أقرأ شعراً
    بل أحرك شفتيّ فقط
    مردداً تعويذة صامتة
    تكفي لكي أميلَ أنا أيضاً إليهم
    وأغرقَ
    مغمضَ العينين
    في بحيرة نومهم.

  • كارين بوي – أنت | ترجمة : يوسف سامي اليوسف

    Studland Beach
    Vanessa Bell

    عذب هو صوتك مثل وشوشة الينابيع،

    ووجودك طازج على نحو حرّيف مثل فواكه

    الخريف المعطرة.

    وبصفاء يستقر في عينيك

    المرح المقشعر لأواخر أيلول.

    ألا إنك لنافورة،

    شعاعها متألق بشكل مشمس جميل في

    توازنه، وفي قوسه ذي الشكل الكامل.

    إنها نافورة جميلة بقوتها

    وهي تحوز القوة التي تمكنها من أن

    تحب الحدود والأبعاد النبيلة.

    تحية للعبك الهادئ، ولصحتك الربيعية.

    وتحية لنبل روحك العذب الشبيه بالذهب،

    والمنساب في نقاء ملامحك،

    وفي التناغم الغنائي لأعضاء جسدك .

  • فتحي قمري – ليس سوى منمنمة

    Winston Chmielinski

    ليس سوى منمنمة
    فتحي قمري / تونس

    في حانة الشّعراء
    و قطّاع الطّرق
    و الصّيادين
    و سائر المجروحين
    كلّ ما يحدث جميل:
    طلاء الجدران الباهت لونه
    مزاج راقصات في خريف العمر
    وهنّ يتزاحمن على غرف تغيير المشاعر،
    رطوبة الهواء المليء دموعا ودما،
    صور المجاهدين القدامى وهي تنادي،
    الأنوار التي اتّخذت أوضاعا مختلفة،
    رقرقة النّسيان أكوابا و دخانا يحلّق حيث شاء
    ومناديل الورق المدعوكة بمشاعر اختلفت أصابعها.
    في حانة ضجّت بالسّعال و أنهكها اللّيل
    كلّ ما يحدث ليس بعيدا عن حكاية أغضبت أبطالها عندما جفّ الحبر
    ما يحدث ليس سوى منمنمة .

    بعد قليل
    بعد ساعة، ساعتين
    و ربّما أكثر
    سيحمل السّكارى أرجلهم و يركبون اللّيل
    سيحتفلون بالمطر الخفيف الذي يملأ جيوبهم بنكهة السّماء و أسرارها.
    و يراقصون كلّ أعمدة النّور في الشّارع
    كما لو كانت فساتين لعرائس الماوراء.
    سيلاطفون كلاب الشّارع العائدة توّا بعاهات ونباح مزّقه الجوع.
    و لأنّ السّماء وطيئة جدّا هذه اللّيلة
    لن يركلوا بريد القمامة بنذالة الجياع
    لن يصدّوا الهواء البارد و هو يسري في معاطفهم
    سيحتفلون كعادتهم عند نهاية الشّارع بعبارات الوداع الماجنة،
    و بقهقهات أشدّ قتامة من ناصية الفجر
    ثمّ تفترق نعالهم السكرى مثل أغصان.

    بعد قليل
    بعد ساعة، ساعتين
    و ربّما أكثر
    المشهد ذاته سيعيد نسخته
    ستعبق الحانة برائحة السّمك
    و أنفاس الشّعراء
    و عويل أقدام أضاعت ظلالها فجأة.
    سيكون للمقاعد هيأة قطّاع الطرق
    و غريزة ذئاب جريحة.
    ستستعيد الأكواب رفوفها
    و تحتمي ببهرجة الظّلام.
    ستكون الأنوارُ هباءً يُنثر في غياب العصافير،
    و القواريرُ أجداثَ نخلٍ أهانها اللّيل
    و لم يغادر ضلوعها.
    ستزدحم العربة الرّابضة منذ أوّل اللّيل براقصات مجروحات،
    و كأيّ شجرة مثقلة بالرّيح ستمضي نحو آخر اللّيل.
    فقط
    هي صور المجاهدين
    ستظلّ تنادي و تتجرّع البرد،
    في حين تزدحم غرف الملابس بمناديل الورق.

  • نازك الملائكة – أنا

    نازك الملائكة – أنا

    Dans l’œil du cyclone
    Theo Gerber

    الليلُ يسألُ من أنا

    أنا سرُّهُ القلقُ العميقُ الأسودُ

    أنا صمتُهُ المتمرِّدُ

    قنّعتُ كنهي بالسكونْ

    ولففتُ قلبي بالظنونْ

    وبقيتُ ساهمةً هنا

    أرنو وتسألني القرونْ

    أنا من أكون

    والريحُ تسأل من أنا

    أنا روحُها الحيران أنكرني الزمانْ

    أنا مثلها في لا مكان

    نبقى نسيرُ ولا انتهاءْ

    نبقى نمرُّ ولا بقاءْ

    فإذا بلغنا المُنْحَنى

    خلناهُ خاتمةَ الشقاءْ

    فإِذا فضاءْ!

    والدهرُ يسألُ من أنا

    أنا مثلهُ جبّارةٌ أطوي عُصورْ

    وأعودُ أمنحُها النشورْ

    أنا أخلقُ الماضي البعيدْ

    من فتنةِ الأمل الرغيدْ

    وأعودُ أدفنُهُ أنا

    لأصوغَ لي أمسًا جديدْ

    غَدُهُ جليد

    والذاتُ تسألُ من أنا

    أنا مثلها حيرَى أحدّقُ في ظلام

    لا شيءَ يمنحُني السلامْ

    أبقى أسائلُ والجوابْ

    سيظَل يحجُبُه سراب

    وأظلّ أحسبُهُ دنا

    فإذا وصلتُ إليه ذابْ

    وخبا وغابْ.

  • نجلاء حسين عبد العال – خبر أخير

    نجلاء حسين عبد العال – خبر أخير

    Holes
    Shozo Shimamoto

     

    يقال أن مدينة عمتها السكينة فأبحرت دون شراع
    وأن روح السلام تهطل على نهر يسكب الدماء
    يقال أن العطر القديم مازال يحرض الأماكن نحو الذاكرة…يفتت القلوب في اتجاهات دون عودة
    وأن غرباء لا يمتون بصلة..
    يفتحون الأبواب على مصراعيها أمام الموت
    وبرغم ذلك تنضج عناقيد الكروم

    يقال أن رفات الأحبة يعرش ياسمينا فوق أسوارها
    بينما يدور التساؤل حول من القاتل ومن القتيل؟!

    هناك يتناول الإثنان العشاء سويا
    فعلام نفكر كثيراً أنا و أنت
    لنمضِ مطمئنين
    لأن يد الله دوما تمسك فأسنا
    حين أطلقت الخيانة
    لم نعرف أبدا في يد من كانت البندقية .

  • أسعد الجبوري – نيويورك ملجأ لأيتام الملائكة

    أسعد الجبوري – نيويورك ملجأ لأيتام الملائكة

    في المرآة …

    أعينٌ يتبخر منها النوم

    للانتشار على أسلاك نفسٍ خارجةٍ للتو من مستودعها

    وثمة مدينةٌ تثرثر في مصعد يلتهم السحاب

    ليست تلك صوراً لإيحاءات متجمدة

    لوردة تشبه رحم الخلاط

    بل هي نيويورك

    تضطرب تحت جلد من زجاج

    خريفها قارئ في حديقة للميكافيليات

    حيث السيدُ شجرٌ من حديد

    والقانونُ في المعلبات

    هذه القبلة ضيقة… نيويورك

    والماء يسأل عن أنثاه في تخت روزفلت

    حيث السراويل والخوذ والمناطيد والأوبئة مبعثرة

    هذه القبلة ضيقة

    لأنها لا تطير فوق ضفاف .

    ***

    لا الرغبة تعوم

    ولا القمر الأزرق في الهدسن

    كل شيء لا يماثل نفسه

    هكذا تنمو الطعنة في الاحتفال

    لأجل بلوغ نهار هارلم المعلق كالغسيل

    أهي حديقة حليب اسود،

    يُؤسلح الأنسنة .

    لا سؤال في مدينة تجاوزتها الفصول،

    وسقط عن جسدها الغلاف .

    ***

    هو ليس احتمالاً ../

    وهي ليست وصيفة الاحتمال .

    لقد تفسخت الحياة هنا :

    في السلطة .

    في الهواء .

    في النهد .

    في الكحول .

    ***

    كل التألق

    لمناطق البحار في الرؤيا .

    لكن الميسيسبي تفاحة ماريجوانا

    في ردهة الرأس .

    الآن …

    أتوسط سيفاً وعصافير قرميد .

    جالساً، وفي ظلالي تتموجُ أريكة ُ

    فلاسفة المصحات .

    فيما كاترين،

    تطهر ثقوب أميركا بالديتول .

    فوقها أكاليل الإيدز،

    وتحتها الغيوم الهابطة نحو تلال فئران

    تتمركز في الأعصاب .

    ***

    سلّمٌ أميركي

    يستند على عضلة الهواء/ متذوقين جاذبيته الإعتدائية/ سلّم/ وفي الطابق الأخير من الموسيقى والإغتصابات/ تجلس نيويورك على حافة الإمبريالية/ حاملة ببرونة المسيح المسلح/ سلّم معلق لا مرتفع عليه يصل/ ثمة أيام بسراويل نايلون/ ثمة مصور بروتستاني وحديقة للمصادفات/ ثمة تماثيل وأحذية لأرمسترونغ وأناجيل معطلة/ ثمة مداخن يبرز من بين شقوقها نافخو البلوز/ ومحامون إزاء البناء الطريف للسخرية/ ثمة تشكيلات من لغة التناسق في الدمار/ ثمة قبل ضيقة وسكرتيرات يعزفن الترومبيت المجرد من بواعثه/ ثمة كاسحات لألغام البهجة/ وبطاريك للنواح وحشرات لتفكيك مباني الرأس / أية أنثى أنتِ يا نيويورك/ أية سمكة تبحر في غيمة من الأمونياك .

    ***

    الآن…

    لا توجد غرفة شاغرة في كتاب نيويورك .

    هي التي تركت السوتيان، وفرّت بنهديها للغبار .

    هي التي مشي وخلفها الأسئلة .

    هي التي يضايقها عروة بن الورد

    وأنتيكات الشرق وصحة الطير .

    نيويورك…

    كيف نتحاور، وفي فمك طوربيد

    مراهق .

    الوقت محفظة نقود يا كولومبوس .

    ***

    ترسمين خيمة…

    وأرومة للنفط .

    وحين أسال عن معناي،

    تلفظين الزفير .

    ***

    GOOD NIGHT NEW YORK

    وأنت تهبطين مع الروبوت إلى فراشك

    ببذلة السموكينغ .

    لكن،

    لِمَ هذه الأوركسترا النازفة على الوجه .

    لِمَ شفرة الشهوة صدئة بين الأدغال .

    إن وقتك متطوع في أساطير القديس

    كينغ كونغ أو حامل خراطيم البوربون

    المعتق بالمارينز .

    فيما وقتي مندوب إعلانات يتسكع

    بين جرائد .

    ***

    هنا…

    مدجنة ذعر الأنسنة .

    ما هي الروح

    إذ نيويورك بروجكتور محطم

    في الخلايا .

    ما هي البلاغة

    إذ نيويورك بثوب موسلين،

    وأنا حصان تقضمه راقصة الستريبتيز

    في السيوسول المؤدي إلى غرفة كمان

    من فئة المنتحبين .

    أي قبر يتسع نيويورك .

    الزهرة… أم القصيدة .

    القبائل… أم جبهة ماريلين مونرو .

    الديسكو… أم حبة منع الحمل .

    المصباح… أم فوهة المسدس .

    رعاة البقر… أم الأمم الرعاع .

    أبني النداءات…

    لكن بلادي كعكة طازجة بالجثث .

    ***

    نيويورك…

    هذه عيون، أم ملجأ لأيتام

    الملائكة .

    سندخل الدماغ .

    لنحرر صورنا من التقاويم المؤجلة .

    كذلك،

    ستذهب بنا طفولتنا نحو البريد

    لنرحل في كمال الرماد .

    لا بلاد لنا إلا اللغة .

    ***

    لماذا على سلة الغسيل…

    أن تحمل ورد الـ T. N . T في الشرق .

    تلك هي نيويورك ..

    اللا فاصل التاريخي ما بين جثة المتنبي

    والـ C.I.A .

    ***

    كم من الطبقات…

    يتألف نهد نيويورك جيولوجياً .

    كم من كنيسة دون ورشة للحكمة أو الجمال .

    كم من الوجوه الذابلة في السرعة

    والجنون .

    الليل مضاء،

    لأن خنزيراً يرقص في القاعة المجاورة .

    الليل مضاء،

    لأن امرأة تأخذ دش كوكايين تحت قبعة

    الغد السعيد .

    هكذا عضلة الحلم .

    نافرة متوترة .

    ***

    بعد الرأس. ..

    الشارع

    المبلط بأحجار الفاليوم .

    ستخرج طفولة العرب من أنهر

    لا تمر بين الإذاعات .

    ***

    ندخل حقل اللامبالاة…

    ونرمي نظراتنا إلى الأبراج البعيدة .

    الذهن إكواريوم من الكونياك،

    لأجل نشيد الحرية بين الشهوات

    المؤكسدة .

    الساكسوفون. ..

    الساكسوفون. ..

    لم يخترع التاريخ .

    وشمس نيويورك لا تزال مقفلة .

    الهدم مقود شاحنة وحيد في طريق الكتابة .

    وقت تام،

    وأنا أستمتع بالوريث المضاد .

    حيث تتسكع الأوبئة على طاولة العشاء

    الديبلوماسي .

    لأي حكمة تذهب نيويورك .

    لأي سماء أو شيخوخة .

    لأي صراع أو نزاع. لأي نحت أو خيال

    في ميدان المعارف والكشوفات .

    ***

    نيويورك…

    عربة مدفع فضائي .

    خلفها جوقة من أبواق الإلكترون .

    فيما الحب

    قلنسوة تنتحب فوق صلع أميركا .

    أيها العراب،

    أنت لم تسمع غير نواح القبائل .

    والأيام المقبلة،

    ارتجاجات دماغ .

    ***

    يقول الهواء…

    أنا هواء .

    تقول نيويورك :

    أنا قانون التنفس .

    وسلاماً لأخي بالعدم .

    ***

    ثمة وردة مليئة بالإيحاءات،

    اسمها العزلة .

    ثمة مدن. ..

    تجلس في حديدها .

    قليلاً،

    أرفع السماء عن رأسي…

    ولولا هذا، لكنت روحاً دون

    زلزال .

    ***

    يا إلهي…

    أنا طفلك الوحيد

    يترسب في ثمر الكهولة والإغماء .

    أخرجني من مضيق السعادة في برونكز

    حيث القبلة الضيقة .

    والنوم الضيق .

    والسرير المقمش بنسوة

    الجوكر .

    ***

    نيويورك…

    تفاحة تقابل سريرها مشرحة .

    نيويورك كاهن يستفرغ في كاميرا .

    العيون أرانب في الحقول،

    ويتبعها الحنين كالذئب .

    نحن دم الليل…

    نحن جحفل الكتابة…

    نحن في الناقلة غياب .

    كل شعب همزة وصل في المجهول .

    وفيما تنظر إلى اليانكي،

    القصيدة بين فكيه .

    ***

    أرى بلاداً يتجمهر فيها المجهول .

    وكل عدم بما فيه .

    وهل لا يهم،

    إن أقمتَ على صدر امرأة

    أو على بطن مرآة .

    ربما… تقول رأسي نابت في الأفق .

    وإن رسولاً سيرشدني إلى حتفي في المحبرة .

    وما يهم،

    وكل اللغات تنشر أقفاصها في المخيلة .

    ***

    حدِّثني…

    أيها البعير القاطع بي صحارى نيويورك

    أو صحارى الرسائل .

    هل من هوى

    لنسند إليه قامة الزمان .

    هل لنا غير متحف عظام الضوء والنبات

    والكلام .

    هواء الدولة نباحٌ

    يسيل بين الدفاتر .

    والأمل نفسه من شلة الزعران،

    يطارد تنورة الحزب في الزقاق .

    وفي كل يوم لنا شق عميق،

    تتقدمه جارية من جواري اليأس .

    هنا… جثث الفرسان والغصون والأعياد .

    فهل من فم للغريق على الشاطئ،

    كي نلقي إليه بحبل الرماد .

    ***

    الروح غرفة…

    فيها الغيـمة أنتَ

    وجذعكَ الجدار .

    القصيدة طارت من غلافها

    وثمة كلب يخربش الأفق بصوته .

    هنا…

    المؤلف والطاحونة في قاعة المؤتمر .

    هنا تماثيل القطط تقرقر تحت إبط الجنرال .

    والشرق فرن لأزياء تتفسخ .

    ماذا سأدخل بعد خروجها من الجملة .

    المكان هروب

    يسوق اللغة بمطر من فصيلة الأفعال

    التي خذلتها المآتم .

    ***

    غناؤنا أسود .

    وكلما لامسته وردة،

    اعشوشب الفضاء بالاختناق .

    أهو ورد الحب

    أم ورد العراق .

    نحن على السجاد السياسي .

    أمامنا أراملُ الأحزاب والطوائف .

    وبيننا بنات الهوى المؤدلج والبنوك .

    وفي الخلف قبائل المذاهب ومطلقات

    المعارضة .

    تلك بلاد،

    تخنقها قلادة.

    وهذا الورد لغير احتفالنا .

    نيويورك الطاولة الشاهقة للحذف .

    والكأس

    خريطة الغريب .

    ماذا ستحدث النهرين

    والقباب والجنائن وأشباح الدستور

    المؤقت،

    وكل امرئ في البلاد كحاكم في الجحيم .

    تعال نهرب بالنصوص من باب الطوارئ،

    حاملين الحرائق على ظهورنا مباخر شموع .

    إنها طاولة العشاء الأخير .

    أهو الجسد…

    سلسلة جبال في قاموس .

    أم نحن على مفترق الغناء،

    ونطفو كالريح .

    قلتُ الشبحَ سيفكك البلد .

    بعدها صعدت الروح لتقيم

    بين الغيوم .

    هكذا غادر البلدُ منازله القديمة وحيداً .

    وهكذا وجدتنا مبتسمين تحت قوس قزح

    وأفواهنا كمداخل الثكنات .

    عقل اسود…

    أتجمهر في رماده،

    مأخوذاً بتفاصيل العرق والمذهب .

    ورعب أميركا بين القامات…

    ويعم حويصلة العصفور .

    مثله مثل دفتر اللجوء وبطاقة الضمان

    الصحي وفاتورة التهدم في بلاد الفرنجة .

    السماء…

    ورقٌ .

    والثمار أثداء كلاب تتدلى فوق الشفاه .

    فهل ستقفل عائداً كالبخار إلى الصور القديمة .

    كثيراً ما يحط الإحساس على الحائط

    كالغراب،

    وينظر رائحته التي فينا .

    إن الموت جد ضئيل .

    وتلك المواعظ مشبعة برائحة

    المتاحف .

    نحن لاجئون على سطح .

    سكارى ننازل مصارعي الثيران .

    أمامنا نيويورك

    فرن تحميص .

    ***

    نيويورك…

    غبار يغطي ورقي .

    وأنا أطير وأحط تحت زجاج الساعة الصغيرة

    ما بين النهرين .

    لا مكان لك في مياهي .

    وليس لك من الأرض إلا وجوه

    تتبخر من أنوفها النفايات .

    * من كتاب “طيران فوق النهار”

  • أسعد الجبوري – أهي تايتانيك أم أرض مقذوفة في أكواريوم سكران؟

    Iesu nativitas –
    Salvador Dali

    ونحن من وراء جلودنا

    عيونٌ عليها ثيابٌ

    فلا نرى.

    عشب الحداد غامقٌ

    في ذلك الصباح.

    والعتمة السائلة،

    ينتصب فيها المسافرون أعمدةً

    تشهق كالتلال.

    هو منفانا الأفقي:

    جرادةٌ زرقاء، تمسك القاع بموتها

    ولا تطير.

    وتلك عيوننا القديمة

    ولا اكتمال.

    كل جسدٍ زورقٌ للطوارئ،

    وعلقتهُ الريحُ على كتفِ سفينةٍ

    من عظام.

    والأرواحُ في أدوار الحبّ

    حقائب مغنى.

    لترقص بأقدام الفراشات.

    طيورٌ تتلبس صفات النهار.

    تحلق كالحقائب.

    لتمسك الميناءَ بنظراتها وتدور.

    بيرةٌ

    وضحكاتٌ

    ومقامرون بقبعات الصخب.

    طقوسهم خرائط تتبخر فيها

    الكشوفات.

    وما من أحدٍ دخّنَ نفسه

    أكثر من بلعوم البوقِ الأعظم

    للإقلاع.

    غروبٌ من أول العقلِ إلى آخر التخوم.

    وعلى الطريق الأعمى،

    يتدحرج الوداع ثمراً مقطوفاً

    من قامات.

    ***

    أيّ ذئبٍ تمزقت بين أصواته

    أرضُـنا.

    لنقذف للطوفان الأنفس ألواحاً،

    ونعوم منازل تتبختر على المياه.

    لم يكن للزمان في ركابنا مأوى.

    كنا نتكور

    نحدودب

    نضيق.

    ونسفح ما في اللغات من نجوم.

    تاركين الأقدام بالهجراتِ

    تفيض.

    ***

    أيها الكابتن

    نحن حطبُ تايتانيك.

    وبآهاتنا لن نحرق دلافين تسبقنا

    لمستقبل تقطع بيننا كالقلادة.

    أهي تايتانيك.

    أم أرض مقذوفة في أكواريوم سكران.

    أرض الملوك والعبيد والغجر والشحاذين

    وأهل التيه.

    أرضٌ منامةٌ

    والأحلامُ ريشٌ على الخرائط.

    ما من مُبتعد عن تراب مُبعد،

    ولونه القزح.

    وما كل راحل جنازة على المياه.

    نحن خيال الكمنجات

    تطير فوق أوتادها نهودٌ،

    عُلّقت فوانيس على صدور البنات.

    روز…

    هات يدك من العبث.

    لا تفري وحيدةً من عراق تهدّمت

    مصابيحهُ،

    وليس فيه من قلاع لقلبك.

    سيضيق بك البحر

    وأفواهنا ستخسر فهرسَ القبل.

    روز…

    جسدك يضخُّ في عيني شموساً.

    وفرشاتي تتكهرب بين الأصابع.

    أهي الريحُ،

    أم الشهوات تتصادمُ فيكِ

    وتفور.

    أهو أنا التمثالُ الراكض إلى الأعلى،

    بحبّ مقطوع الكفّ.

    ***

    جاك…

    وما قصفنا لكَ الرأس

    إلا لنعيد إليكَ مجدَ العبث.

    أنتَ الذي رأيناهُ دهوراً ممزقةً

    كتبه،

    وتحمل الرماح أطلالكَ.

    تشردكَ موجٌ بقوائم من عواصف.

    وبلادكَ نخيل ديناميت،

    وعليها العندليب الأحمر للظلام.

    ***

    يا إله الماء والكهرباء.

    من فتح الآن علبة َ الليل في نفسي ،

    وفكر في مغادرة التوحش مبكراً.

    روز…

    عينايَ كأسان،

    أطفأتهما الخمورُ.

    أيتها المقروءة في عمايَ.

    الواقعة مني كسور الصين.

    تعالي انظري في قرابين بابل،

    مسلات لسمكٍ يتقافزُ

    فوق خطوط الحروب.

    ***

    جاك…

    يا من شققت لي ليلي.

    وقشرتني تفاحةً

    كانت فوق سرتي تتدلى من سقف

    الزمان.

    أنتَ الذي غنيتَ آلهتي…

    وحتى تساقط الريش عن العرش.

    أيها المستفردُ في مشوار شهوتي،

    هاكَ صندوقي الأسود.

    هاكَ إشتقني من لغة الصوت.

    أيها النحوي الطائشُ بإعراب رقصي.

    ***

    يا إله الماء والكهرباء.

    قدمايَ رملٌ…

    وكل اتجاه لي فيك هاوية.

    روز…

    ما من سفينة بين نهديكِ،

    إلا ويجنح في قلبي عقـُلها.

    وقد رأيتُ طيري،

    يفكك أجنحةً ويهوي في هواكِ.

    روز…

    يا مصباحي الذي أقفله على نفسي

    لاستعارة الشلالات.

    جاك…

    يا فلفلي الأحمر.

    تعال نفتح البحر محارةً

    للاختباء.

    كم من مسدس في الشارع الأعمى

    يغرد خلفنا.

    تعال نواس النوارس في خمارة

    ما بعد الشهقة الأولى.

    قلبي يقفزني أرجوحة برد..

    وحتى قطيع الندى النائم في عينيكَ.

    روز…

    البحرُ مقدمةٌ لمنفى بلا فهرست.

    وميراثي قيراط حب يغني غرقي.

    أنا الذي ملكتُ لونَ الليل،

    ودفعتُ بالزلزال قارباً في ملكوته.

    عربدتي كونتيسةٌ بشعر من قماش الحقول.

    ورسائلي بنادق،

    عُلقت بمشاجب الأجفان بين اللغات

    يا إله الماء والكهرباء.

    جدران البحر في جدران السفينة…

    جدران الأجساد في جدار الموت…

    لقد جاء منفايَ الثملُ في كأس،

    يئنّ فيه الثلج.

    كأنها سكرة الغياب الأخيرة.

    ***

    جاك…

    لم تصلنا وردة ُالربّ،

    لنمسك بخيطها.

    روز…

    أحبُّنا زجاجة تهشمت.

    ففاضت برمالٍ من الأرواح،

    لتصعد.

    جاك…

    إياك أن تتجمد كالطابع أمامي.

    كن صورتكَ المعربدة في بريدي.

    كن نصّ تاريخي في الغريق

    الطرّي.

    ولا تأبه بسفينتنا المصابة بالفصام.

    روز…

    إنه الثلجُ

    منجمٌ ستختفي فيه عذوبتنا.

    تماماً،

    فهل أفرطنا في الشراب.

    جاك…

    إني أرى زماناً على الماء

    يمشي.

    كأن كفيفاً يتوكأ على عكازٍ ضبابي.

    كل شيء يذوب:

    الترابُ القديمُ والثيابُ والطيورُ والهواءُ

    واللغاتُ.

    فيما عيناي تدخنان عطوركِ.

    روز…

    تعالي نعدم العالمَ برقصة

    تتطاير منها أقدامنا.

    فما من سرير لأرواحنا سوى

    المياه.

    وهناك نتبخر مع مرآة،

    طالما تشظت عليها الرغبات بحراسها

    الأشداء.

    فأين هي أرضُ الكأس،

    لنتأمل فيها أشكال النواح بعد طول

    مسيرة الثعابين تحت ظلالنا.

    هل الأمواج أجنحةٌ من الفولاذ.

    لتخطف الكرز من الشفاه.

    يا إله الماء والكهرباء.

    ثمة علبة ثقاب أخيرة تحت المياه.

    وأنا بعيد عنها في العراء هذا.

    أهي علبة الماضي،

    حيث كنت أحرسُ نارها في الأساطير

    وعلى ظهور المسلات.

    أم انشقّ قلبي فلقتين:

    فدخلتني حربٌ

    لتستوطن هيكلي.

    وحربٌ لأختنق في جرابها.

    جاك…

    لا تكن أطلالاً لهذا الجليد.

    وانظر إلى الشبح القادم من الزقاق العلوي.

    حيث الدموع طبولٌ تخفت زقزقتها.

    وحيث التاريخ على سطر من الماء

    يتكسر.

    روز…

    كل ما لنا… ليس لنا.

    النبيذ والحب والثياب والرقص والياقوت.

    واللغة التي تقاسمنا الرغيفَ معها،

    حملت تاج هلاكها وابتعدت.

    ***

    جاك…

    هل هو الخوف.

    حيث تلمع في الأصابع خواتمه.

    روز…

    أنا

    الآن

    مطبعةٌ

    تلفظُ

    آخرَ

    الأوراق.

    نصوصي خرائب من العشاق،

    وبلاغتي تيهٌ ينمو على جسور

    تسبقني.

    جاك…

    المياهُ زجاجٌ نعسان،

    فلا تترك عليها أغنيةً

    من أسطوانتنا.

    روز…

    قلبي منطادُ بنفسج.

    يبتعد عني غارقاً في عين

    تهدّمَ سقفها.

    وأنا لا أريد الحب معي يذهب…

    فلا تولدين.

    أرى بحراً في سفينتي ينزل.

    وأسمع عربدةً تحت جسدي

    تجفّ.

    ثمة عرباتٌ تحلّق

    وشوارع كأوراق كتاب

    تتقلب.

    أرى الليلَ أبيض.

    والموتَ أبيضَ.

    فلمَ يُـكمل الربّ لوحتي إلا بحر

    رحيل يسوّدني الآن.

    عيناي نقطتان تضيعان على وجهي.

    والوطنُ الطار منا على دفعات

    لا نزال نهرول على خطوط غباره.

    جاك…

    وطن الأولين ذاك.

    كان برجاً..

    وكلانا اليوم راوٍ لأنقاضه.

    صوراً لجباله المعممة بفساتين الشياطين.

    تعال جسدي الحانة.

    ودع لسانكَ دلواً في نبيذي.

    ***

    روز…

    أحسّ

    الموتَ

    يعاقرني.

    جاك…

    سأسكر بكَ…

    ولا أراكَ قبةَ أناشيد

    تتساقط جثثاً في العين.

    فأيّ موت يغردّك بحنجرته الآن.

    وأية آلهة…

    تسحبكَ من نوافذي.

    لتصعد بكَ في قيامةٍ

    غامضة.

    خذ من هوائي جذوره.

    من قلبي فرشاةَ التلوين.

    لا أريد لركبتيكَ أن تنموَا على الماء.

    ولا لفمكَ مغارة لشهوة الجحيم.

    ***

    روز…

    سآخذ منكِ ثوبكِ

    ليحجب عن عيني مصابيحَ

    بدأ الظلام يقرأ فيها صفاتي.

    أنا العابر جسرك وحيداً…

    وكل خطوة مني مركبٌ

    ممزق.

    أنا الناظرُ فيكِ منظركِ..

    والآن

    ريحٌ

    تطمر

    ناظوري

    بكراسي

    البرد

    وألفاظ الغيب.

    ***

    جاك…

    الدمعُ

    أطلالُ

    العين.

    تعال

    نجلس تحتها وننسى.

  • قصائد هايكو – هناء عبدو

    قصائد هايكو – هناء عبدو

    حَذارِ أَيُّها الغَريب

    زَهرةُ بَرسيمٍ أُخرى

    تَعلَقُ في صَندَلِك

    ***

    تحتَ شجرةِ الخَرُّوب

    لا شيء يُذْكَـر

    و بِكْلَةُ شَعر

    ***

    قَيقَبٌ قُرمُزي

    مَقْصُوصاً يَتدلَّى

    خَيطُ طائرةٍ وَرَقيَّة

    ***

    حَفيفُ شَجَرٍ يَخْفُت

    على الجِسر القَديم

    موسيقى الجاز

    ***

    لَقطَةً لَقطة

    أُصدِرُ أَلبوماً لوَجهِكَ

    مَع كُلِّ رَفَّة جَفن

    ***

    قوسُ قزح

    وعَيناهُ الخضراوان

    ماذا كنتُ سأقول! ؟

    ***

    حَفيفٌ ناعِم

    وَقْعُ بَتَلةٍ جُوريَّةٍ مُتَساقِطة

    على قَدَمها الحَافِيَة

    ***

    تُلَوِّحُ الأشجار

    وعلى الجِّهَةِ الأُخرى تَغادِر

    الرِّيحُ وَحيدةً

    ***

    انْتِظار

    يَدُهُ على الباب القَديم

    تُقشِّرُ الطِّلاء

    ***

    رَوَيداً رويداً

    مِن شَذا الزَّعتَرِ البَّري

    يَنْبَثِق القمر

    ***

    إنَّه العُصفور

    الذي حَدَّثتُه عَنه

    يُلامِسُ السَّماء

    ***

    تُكْمِلُ مَع النهر

    بجناحٍ واحدٍ

    الفراشة النافقة

    ***

    على الحائِط

    ظِلُّ العُصفور

    سجينٌ أيضاً

    ***

    العَجوز

    صاحِبُ مِتْجَرِ التُّحَف

    تُحْفَة

    ***

    صَقيع

    وُجُوهُ العابِرين

    مُشَمَّعَة

    ***

    خيوطُ الشمس الُأولى

    لبتلاتِ زهور اللوز

    شفافيةٌ أكثر

    ***

    على زهرة التوليب

    حبَّة النَّدى حُبلى

    بزهرةٍ أُخرى

    ***

    حان الموعد

    سبعة عشر جرساً يرن

    في خلخالها

    ***

    تَشحُبُ قليلاً

    الفراشة المُلَوّنة

    أمامَ قُرصِ الشَّمس

    ***

    ُأحبّك ؛

    قطعةٌ مفقودةٌ من رسالة

    في مَهَبِّ الرّيح

    ***

    لَم أكتفِ من القمر

    فقط ألتفت للخنفساء

    لأحدثها عنه

    ***

    كأس النبيذ

    بين الحُلو والمُر

    يتأرجح طَعمُ الحياة

    ***

    يداهُ المُشقَّقتان

    النقود في القبّعة تكفي

    لسكرةِ الليلة

    ***

    هزيعُ الليل الأخير

    بقيَتْ كأسٌ واحدة

    وخمسةُ خِرافٍ ،لأنَام

    ***

    انتظارٌ طَويل

    دَوران عقارِب السَّاعة

    يُكْمِلُ القَمَر

    أوائل الثلج –
    ناعمٌ
    خد الطفل الرضيع

    احمرَّت وجنتاها –
    على العشب الأخضر يُسجِّل
    انطباعه الأول

    في الحديقة
    عشرةُ أقدامٍ وكلبان –
    ياللوحدة

    موتٌ صغير –
    نِصفُ الفراشة
    هذا المساء المُوحِش

    أُلقِيَ الحَجر –
    لا يزال عالقاً على الجدار
    غُبار الفراشة

    غيرُ مُقَلْقَلةٍ
    عرَبة التفاح
    التي يَقودُها الأعرَج

    —————-

    العَولَمة في …
    لَمْ يُكمِل القراءَة
    هذا الصباح العاصِف

  • صلاة خضراء – ديمة حسون

    صلاة خضراء – ديمة حسون

    لِأَنَّ قَلبِي بِذَار الخِصْبِ

    لأَرضِ المقَامَاتِ والأَنَاشِيد
    تَقتَربُ وَبِتَوجُّسٍ
    تَطُوفُ
    تَنزَلِقُ
    وَكَالخَوفِ تَغمرُني؛
    لِتصحُو ريِحٌ اصْطَدتَهَا
    تَحتَ عَريشَةٍ نَاعِسة.
    وَكَمثلِ طَائرٍ يَكتُبُ إِلى اللهِ
    نَشِيدَاً وَبصَوتٍ أَخضَر يُغنّي
    نَسيرُ وَنرتَمِي؛
    جَسدُكَ غَابَةٌ وَأَنا رَيحَانةٌ وَكَفن.
    تَصطَادُ سُرّتِي وَبينَ أَصَابِعكَ تُطَارِدُ
    سُكُونِي
    حَركَتِي
    انطِفَائِي
    وَتدورُ .. تدور
    لِتنَامَ بَينَ ذِرَاعيّ
    فيما أُعِدّ كُؤوسِي لِما بَعدَ الحَصَاد
    قَبلَ أَنْ أَعرجَ بِوردَة وَحفنَة أُمنِيات
    وَأَرقص ثَملَةً وَأَنا أَحتَسِي
    رَائِحَةَ النّحَرِ عَلَى سَاعِدَيكَ وَاتبَعُك،
    فَثمّةَ أَرضٌ تُربَتُهَا بَيضَاء
    وَعجِينُها مُختَمر ،
    تُشِعِلُ مِشكَاةَ القَلبِ
    وَتجمَعُ غَرسَها فِيمَا الماءُ يُهَلّلُ :
    الحُبّ رَائِحَةٌ وَالّلونُ وَجَع .
    يُطَوّقُنِي صَوتُكَ المُرتَعِشُ
    بَاسِطِاً مُوسِيقَاهُ فِي برّيتَي
    فَأَرسُمُ مَزارِعَ وَأَحصِنةً وَأَسفَارَاً
    وأُعَلّقُ الشّمسَ فِي فَانُوسِي
    لِتُنغَنّي فَاتِنَاتُ ( الأُوريَانْ بَالاَس ):
    ياحَبيبي اشرَب مِنّي
    وَاحمِل بِأَصابِعكَ الطّحِين
    فأَنا الخَميرُة وَالكَأس المدَوّرة.
    تَغمُرنِي سُنونُوّاتُكَ الخَضرَاءُ
    وَرَائِحَتُكَ لَمْ تَزَلْ تَغتَسِل
    حَتّى إِذَا مَسّتنِي،
    عَرفتُ كَمْ أَنا جَمِيلَة
    وَكمْ سَوسَنَةً سَتِزهرُ
    فِي كُلِّ لَيلَةٍ
    تُحَاوِلُ أَنْ تَصطادَ بِهَا
    أَسمَاكَاً هُلاَمِيّةً وَ أَرانِبَ تَتعَثّر .
    أَمسَحُ عَنْ وَجهِكَ بَقايَا الحِنطَة
    وَأَشدّ وِثاقَ الفَجرِ هَاهُنا
    فِيمَا عَصافِيرُ صَدركَ
    تُعِدُّ طاقَةَ السّماء وَترتّلُ لِبرّيتِها :
    هَلْ سُمِعَ صَوتُ اليَمَامَة!
    هَل نوّرَ الرّمَان؟
    فِي سِرّي جَسدٌ لَايَصِلُ
    يَهربُ فِيمَا يَنتَشِي، وَكَعَادتِه
    يَفتَرسُ الأَمسَ، وَيَنصِبُ الفِخَاخ
    ثُمَّ باسمِ التّوقِ يبوحُ :
    لَمْ يَكُن رَغيفِي نَاقِصاً
    وَسُرّتي لَمْ تَزلْ دَائِرة البُروج
    وَوحدِي أَعرِفُ،
    كَيفَ يَنتَصفُ الطّريق
    وَكيفَ تُصبِحُ الاستِعَارةُ مَجَازاً
    لِصلاةٍ مُبَلّلَةٍ بِالصَّوت .
    أَمَلْتُ وَجهِي
    كُلّ شَيءٍ يَترَاقَصُ
    مَطَر
    مَطَر
    مَطَر
    صَوتُ اليَمَامَةِ يُولَدُ
    يَغمِسُ شَهقَتهُ فِي الإِنَاء
    وَيَطُوفُ مُرتَجِفَاً،
    يَحجِبُ الضّوءَ
    يَنحَنِي
    يَمْتَلِيءُ
    يَعبُرُ
    فَينهَضُ الرّبُّ ويَنهَارُ الجَسَد.

  • نصوص لمروة ملحم

    نصوص لمروة ملحم

    1
    مثل بالونٍ عقده الخوفُ إلى إصبع طفلٍ، أطيرُ عمياء وما أكثرَ الشوك في الطرقات المبهمة. أمرُّ سريعاً كإعلانٍ عن فرشاة أسنانٍ في نشرة أخبار الحرب.
    أمرُّ وأنتهي أسرعَ من شهابٍ وأفركُ عينَ الثواني التي لم تكَد تنتبه.
    أطلق تعويذةً
    فتكملُ دورتَها
    وتطعنني في الظهر. ..
    2
    وحيدة
    مثلُ كلمة
    عَـلِـقَت في فـمٍ
    أصـابهُ الخرَس…
    3

    يتكاثـرُ الصّـمتْ
    يجلسُ قلبي على عتبةِ البابِ وتخرجُ يدي من بريدِ العيدِ فارِغة ..
    أجرجرُ اﻷغاني من أسرَّتِها
    تعالي نلمِّع في الظَّهرِ سهمَ “كيـوبيـد…”
    ونكتم الملحَ النابتَ في فراغِ الصدى من اﻵجوبة
    أنا آخرُ المؤمناتِ باحتمالِ الموجِ على رملِ الجفاء
    أعضُّ البحرَ وأتذوّق غرقَ الرسائل في الانتظار
    أرسلُ حزني إلى خيمةِ المجازِ
    وأكتبُ بأنفاسي على بلّـورِ الخيال
    الصّمـتُ ذاكَ عدوِّي الأخير
    فأسٌ يمزِّقَ جسرَ العبورِ إلى المواعيد
    يتركُني بنصفِ تلويحةٍ ونصفِ قصيدةٍ ونصفِ لقاء
    أعيدُ الحنينَ لسجنِ الجسد
    ألفُّ خيبتي مثلَ سجّـادةٍ وأرميها في مغارةِ الغد. ..

  • مثل محطة قطار – إسراء أحمد

     

     

    Souad Mardam Bey

    أجُبِر العالم على سماع صوتي
    مثل محطة قطار
    والانصات فخ
    لن أنسى أحاديث الشجر
    عن الورد
    ولا أحاديث الورد
    عن الخراب
    هذا المسار الوحيد
    الذي لا تزوره الآلهة
    وهذة السماء الوحيدة
    التي لا تحمل الشياطين.
    قديمًا كان الحب ابتسامة
    وكنت حينما أبتسم للأطفال
    يضحكون
    الآن أبتسم
    فيجرون حقائبهم
    في الزوايا
    ويغفون.
    كنت أسير
    وكان الطريق
    يبكي كثيرًا
    لا أحمل الورد لأجلكِ
    أكَلت الديدان ملامحي
    أنا وحيد
    نظرتُ اليه
    فرشت الأرض حزنًا
    كان الهدوء قاسيا
    أطياف الخلود والرعب
    لا توحي بشيء
    الأرض الموبوءة
    لا يحنو عليها أحد
    كان الموت يكنس الشوارع
    ويده مليئة بالشقوق
    اقتربت منه
    روائح الزعر تنمو بالتدريج
    رائحة العراء
    والخجل
    رائحة القبور المضيئة
    رائحة رجل كان يريد
    أن يعيش أكثر من الموت
    أنا لا أحمل الدواء
    لكني أنزِل إلى الأرض
    بعد غروب الفجر
    وأمُرّ مثل إله
    لا يلحظ الخوف
    وجوده
    أحنو على بقايا الطعام
    الذي لن يأكله أحد
    أحنو على العفن
    الذي يتجنبه الجميع
    وضعت رأسي على الأرض
    كل هذة التجاعيد
    تلتحم الآن
    الماء الفاسد
    لا يقتل المرضى
    والقتل مثل فرح
    لمن لا يمتلكون الخبز
    العالم فارغ
    وأنا أتجول
    مثل جرثومة
    مظلمة
    ليست خصبة بما يكفي
    لتحمل الأرض
    على ظهرها
    الخراب ابتسامة
    لا تُنجِب الصوت
    والحقائب المتعبة
    لا تضحك
    في وجوه المساكين.

  • ﺍﻟﺸﻌﺮ لم ﻳﺒﺪﺃ ﺑﻌﺪ – ﻋﺒﺎﺱ ﺑﻴﻀﻮﻥ

    ﺍﻟﺸﻌﺮ لم ﻳﺒﺪﺃ ﺑﻌﺪ – ﻋﺒﺎﺱ ﺑﻴﻀﻮﻥ


    النقاش. سؤال هل قصيدة النثر شعر وهل للنثر أن يكون شعراً. إنه كما ترون سؤال لعوب
    وضرورة منطقية، لم يكن خطراً لأن واضعيه كانوا يفترضون ام يعرفون ما هو الشعر وما هو
    النثر. وعليه فإن الشعر ليس نثراً والنثر ليس شعراً. لم يدر في بالهم أن يبدأوا بسؤال أول ما هو
    الشعر. لو بدأوا به لعلموا أن ليس في مقدور أحد أن يتأكد من أن قصيدة النثر شعر أو أن قصيدة
    الوزن شعر. ولا أن المتنبي شاعر أكثر من سقراط ولا هيغو أكثر من ستاندال ولا هوميروس أكثر
    من إقليدس أو لوكوربيزيه. لعلموا أن هذه حيرة لا اية لها، لعلموا أن السؤال الأول لا يزال
    عالقاً ولسنا نعلم استطراداً ما هو التصوير ولا ما هي الموسيقى ولا ما هو المسرح أو الرقص، رغم
    إن هذا السؤال هو المحرك الخفي لتقلبات الفن ومسيرته. بل لعلموا أن جدله هو الذي يؤدي
    بالشعر إلى أن يخرج من الشعر، فيكون كل شعر بالنسبة لسابقه شيئاً آخر، وهو الذي يفضي
    بالرسم إلى أن يخرج من الرسم وبالموسيقى لأن تخرج من الموسيقى، ألسنا نرى الحديث نشازاً
    بالنسبة إلى مأثوره وسابقة. ثم لو عدنا إلى السؤال لتجلت لنا صعوبة أن نفرق بين النثر والشعر،
    صعوبة أن نفرق بين الصوت واللحن أو بين الحركة والرقص، بل بدت لنا صعوبة أن نفرق بين
    الشعر والعلم والسرد والفكر.
    ثم إن ما يسميه الواحد شعراً ليس إلا جماع ما قرأه وكتبه، وهذه تصح أمثلة ولا تصح
    مثالات. قد نجد بينها مشاات ومقاربات لكن لا نستطيع أن نستخلص أن هذا هو الشعر وهذه
    خاتمة البحث. إذ نعلم أن هذا الخفي وغير الموصوف وغير المعرف الذي هو الشعر لا ينتهي هنا
    وإلا كان انتهى في ذاته واكتمل، ولم يعد في مقدوره أن يستنبط في نصوص لاحقة تدابير وحيلاً
    جديدة. اسمع هنا احتجاجاً مشروعاً يقول أن رد الأمور إلى محرك خفي ليس إلا ميتافيزياء باطلة،
    تقول على الشعر أو تأليه له أو إسقاط يمتدح الشاعر به نفسه ويدغدغ نرجسيته. هذا اعتراض

    وجيه لو سمينا الشعر محركاً أو فكرة عليا أو جوهراً فائضاً. والحقيقة أننا لم ننسب الشعر إلى شيء
    كهذا. ليس الشعر سابقاً ولا لاحقاً ولا فكرة أولى ولا ثانية أو محركاً أو جوهراً. كل ما في الأمر
    أن شعراً مهما جاد لا يستطيع أن يزعم أنه الشعر، ولو كانت القصيدة، أي قصيدة، هي الشعر
    لتألهت وغدت مثالا ومبدأ فائضاً. أما والشعر لا يستوي في قصيدة، قد تكون منه قرباً وبعداً،
    وقد تكون منه وليست منه. يمكننا القول أن الشاعر يبحث عما لا يعرفه ويقابل عمله بما لا يدريه
    ولا يملك صورة عنه.
    صلة لا منطق لها وإن تراءى لنا أننا نقرأ كلاماً فوق النص وفوق الشاعر فنقول بدون
    تفكير: إنه الشعر. نقول إنه الشعر قبل أن نفكر ولا نعرف إلى ماذا نرده. نقرأ مؤلفاً ناجزاً لكن
    جذوره الأعمق هي في ما لم ينجز وإحالته الأقوى على ما لم يوجد ولا يكون. حيرة بالتأكيد لا
    أحسب أنها عصفت بالذين سألوا إذا كانت قصيدة النثر شعراً. الاكتفاء بالمتحقق والناجز لا يقيم
    حتى علماً أو تقنية، وليست كل مقابلة مع غير المسمى أو الموصوف مدارها الميتافيزياء أو الدين.
    أن يكون للموجود جذور في غير الموجود، وللمعنى جذور في اللامعنى وللصورة جذور في الفراغ
    أمر لا يستدعي إلهاً ولا أرواحا. مقابلة كهذه قد تستدعي بالدرجة الأولى نزولاً أعمق في أنفسنا
    وفي اللغة والعالم، ولنقل أن ذلك لا يستدعي إيماناً أيضاً. قد يكون الشعر (بالألف واللامأمامنانا
    أو وراءنا، وقد يكون حقيقأواو كذباً أو موجوداً أو غير موجود. أن اللامعرف كما يقرر دريدا
    هو دائما في المستقبل.
    حين يقول هيدغر بأن التفكير لم يبدأ بعد رغم آلاف السنين التي انقضت في ذلك فإنه لا
    يهون من التراث الإنساني. إنه يردنا الى البداية الأنطولوجية. التفكير لم يبدأ بعد لكننا مثول له.
    يمكننا ان نرتد الى بداية انطولوجية للشعر فنقول انه لم يبدأ بعد لكننا مثول له، ننحني بجمعنا
    لاستقباله. لا ننتظره فحسب بل نصيخ له. نقف متأهبين ومستنفرين في انتظاره. ما نسميه شعراً
    هو هذا المثول والانصات والاستعداد. من يفعلون هكذا يدخلون في الأفق المفتوح ولا يجعلهم
    سؤال من مثل ما هو الشعر، او هل هذا شعر يفعلون سوى ان يعاودوا النظر الى الأفق.
    سيقال إن هذا ليس جواباً وانه قريب من الشعر. لا حرج في القول ان كل كلام على الشعر
    قريب من الشعر او هو شعر على نحو ما. ليس عجباً ان يضم رينيه شار كلامه على الشعر الى
    شعره. الارجح ان سؤال الشعر جزء دائم من فحوى العمل الشعري.
    هل يهم حقاً ان يكون لقصيدة النثر اصل في التراث وماذا لو وجدنا شاهداً أو شاهدين؟ او
    اولنا شاهداً او شاهدين انها ثقافة التأصيل هذه تأتي بالعجائب، سمعنا عن تأصيل السيريالية
    والبنيوية وليس هذا كثيراً علينا لكن احترامهما قبل ان توجدا أمر عجيب. وأعجب منه ان نكون
    فكرنا في الأمر خفية عنا وأن يكون خامرنا من دون ان نعي، فيكون ما وجد ولم يوجد مدون في
    كتابنا، ويكون ذلك رخصة لا بد منها لتقوم لشيء شرعية وحق وجود. او يكون فيه وجه دونية
    قومية تسعى الى تلبيسنا ما لنا وليس لنا وكأن في افتقارنا اليه علامة نقص لا تعوض.
    لا يهمنا ان تكون قصيدة النثر خامرت لا وعي التراث، فالبحث هنا ضرب من الأكروباسية
    ولعب حواة. لا اعرف ما حاجة الشعراء الى شهادة كهذه وماذا يجدي الشعر ان يكون له اصل
    وفصل. الا انني اشعر فيما يخص قصيدة النثر ان هذه الاصولية المستجدة توبة ضمنية عنها ومحاولة
    لتطهيرها من ذنب اصلي.
    هذا التكفير عن قصيدة النثر لا ينفع. في كل مرة نجد فيها اصلا وفصلا لنوع مستجد نمون
    حلماً كاذباً بتوحيد عالم يزداد في حقيقة الأمر تناثراً. نمون أدبا كاذباً وفصامياً قد يكون مصدراً
    لكثير مما يحصل في فنوننا وآدابنا. لقد ولدت قصيدة النثر في لغتنا وثقافتنا، في لحظة من تحولهما
    وتفاعلهما. إذا كان ثمة تراث فهذا تراثها، واذا كان من اصل وفصل فهما هنا. التراث جار واذا
    اعتبرناه منتهيا وتاما في لحظة متأخرة وفي مثال اسطوري فهذا من مشكلتنا مع تاريخنا وزمننا
    عامة. من الظلم لقصيدة النثر ان ندعي لها معركة مع تراث هو وهم ثقافتنا وصدفتها المزعومة،
    قصيدة النثر معركتها مع الحاضر الذي هو ايضا زمن مركب. التراث لا يقاتل احدا، انما يقاتل
    باسمه الذين يجعلون منه كذبا مثابرا على العصر والحاضر.
    التاريخ الطويل نسبيا لقصيدة النثر العربية هو ايضا تاريخ علاقة سوية بالزمن. لقد بدأت من
    لحظتها واستلحقت كل شيء ذه اللحظة. لا تعاني قصيدة النثر على الأقل، من هذا الاحساس
    المر بالفوات ولا باستحالة التقدم، وهو احساس يؤدي وأدى الى سلوك انتحاري. انها تناطح
    زمنها واذا بدا انها متأخرة عنه تبقى في ذيله. الأرجح ان ادبا وثقافة ليسا مهجوسين بذلك يصلان
    الى نفاذ، اخشى ان ما فقدته قصيدة التفعيلة هو هذا الدافع الذي بدونه لا يعود ممكنا انتاج معنى،
    المعاني لا تأتي بدون مثول للزمن وقبض على اللحظة الموازية. يمكننا القول ان لقصيدة النثر العربية
    هذا الوعي لزمانها.
    إذا كان الشعر الجديد هو ابن محاورة مع الزمن فقد احتاجت قصيدة التفعيل الى اسطورة
    مسبقة على اللحظة الراهنة. كان لا بد من توسطات تحول دون الاصطدام المباشر بالزمن، اتخذ
    ذلك احياناً طابعاً حرفياً، لا ننسى اختلاط الشعر بالاسطورة ذلك الحين: التوراتية والتموزية
    عنوانان. لكن ذلك ليس وحده. كان هناك زمن شبه فلسفي، وشبه بطولي، وشبه اسطوري
    سابق على الشعر. لنقل إن طلب المعنى مباشرة من اللحظة المباشرة كان مصدر رعب لم يتهيأ له
    الشعر العربي دائماً، كان هناك في تاريخه باستمرار هذه العلاقة المتوترة بالزمن، ولنعد مثلاً الى
    صراع القدامى والمحدثين في العصر العباسي وحركة ابي نواس. نسوق ذلك للقول إن القبض على
    الحاضر بدون وساطة هو مصدر رعبنا الثقافي. وحين نتكلم عن بدايات قصيدة النثر العربية نقول
    إنها دخلت على الزمن بدون اسطورة. لا اسطورة اللغة ولا التاريخ ولا الغصن الذهبي ولا
    الفلسفة ولا اسطورة الشعر نفسه. نعم، ففي معارضة الشعر للتاريخ والواقع ما يجعل منه اسطورة
    حالِه، في حين ان الشعر الأسبق كان لا يتجاسر على ان يقبض على اللحظة بدون حبسها في
    استعارة متكاملة، فإن قصيدة النثر وحدها تجرأت على ان تكّلم الحاضر مباشرة المعاصرة وبلغة
    قريبة منه، تكّلم الحاضر بدون وسيط فولكلوري او ترميزي. الحاضر في الثقافة العربية هو زمننا
    المفقود، ولا نزال نقدر الى اليوم انه عطب تاريخي وشقاق لا يلتئم مع الكون وأهله، وهو لذلك
    بلا اعتبار وربما بلا لغة او مخيلة، ويمكن الهروب منه الى ابتكار للماضي او الى مستقبل بلا زمن،
    قصيدة النثر كانت معاكسة لذلك وبرؤية اخرى.
    لقد شاءت ان تباشر هذه اللحظة الملعونة المرجومة التي هي بلا شكل وبلا ماهية. ان تواجه
    فوراً هذا الزمن المعلق والإشكالي وغير المعترف به.

    بدأ ذلك بالمدينة التي كانت حتى ذلك الحين استعارة سدومية أو مكاناً بلا قلب. كان لا بد من
    دخولها من أبواا ومن خارج تلك اللغة البدوية الريفية الترميزية. التي كانت نوعاً من خارجنا
    الزماني. قصيدة النثر هي مباشرة المدينة، عنى ذلك اكتشافها لا كاستعارة، ولكن كحياة، كمكان
    وزمان، كفهرست ضخم وخارطة مبعثرة وحياة ليلية وكثرة وتنوع وبعثرة وانزلاق مكاني
    وزماني. المدينة هي التيمة الكبيرة المتحولة في قصيدة النثر. تيمة بآلاف العناوين بالطبع. وتيمة
    تتجدد كل مرة في المكان والزمان واللغة. كنا في لحظة اكتشاف المدينة، وكانت قصيدة النثر،
    ومعها الرواية، في هذه اللحظة.
    المدينة الانتقالية الموقوفة، على حد تعبير وضاح شرارة، هي التي صنعت المفاجأة الماغوطية،
    كانت للماغوط عينان جديدتان، لأما رأتا في هذه اللحظة ما لم يره الشعراء. فتنة الشارع
    وارتجالات الشارع وقوة الفعل والمادة والمفارقة في الصورة الشارعية. ثم الإيقاع المونولوغي
    الحواري لحياة التجوال والإغراء المونتاجي الكولاجي والفيلمي للتسكع المديني. فالشخصية
    الصعلوكية التي هي نتاج اانية المدينية وأخيراً هناك لغة المفارقة، لغة الاندهاش والاكتشاف
    والصدمة. فالسحر المديني وإدمان المدن هما المرض المقابل لخيانة أصلية، بل هنا الخيانة والانشقاق
    الادمانيان اللذان يؤسسان للتجربة المدينية.
    يبدو لن أنسي الحاج مونولوغاً متوتراً وهذيانياً. لكن الارتطام باللغة، هو ما يقابل
    اكتشاف المدينة، الارتطام باللغة هو مباشرا بدون وقاية مسبقة، وبدون تسهيلات وبدون وسيط
    ترميزي أو أسطوري. كانت اللغة هكذا رعباً ومتاهة، اا جنون لا تنظمه أنساق وإيقاعات
    ونماذج. لن كان هذا الارتطام شبه الجسدي باللغة التي يحيلها أحياناً الى شظايا وعرة وإلى
    فوران صهيري وإلى باطن متفجر. لقد كنا في لحظة اكتشاف وصدمة مباشرة. قوامها غياب أي
    ميراث. المتكلم في لن لا يملك اي سابق، اي لا يملك اي حماية، انه يتعامل مع داخل خطر
    وخارج خطر بدون حماية، مملوءًا من نفسه والرعب من العالم، لكنه مملوء ايضا بدم الاكتشاف
    ودم الحرية.

    أما شوقي ابي شقرا فيذهب الى مطرح معاكس. لقد عطّل الصدمة، عطّل المفعول الدرامي
    او التراجيدي للمواجهة. انه محمي، هكذا أمكن تحويل الشعر الى ما يشبه الرحلة التي لا تتوقف
    عن إنتاج صور خاطفة وغير خطرة. إنه عالم ليس بلا ذاكرة فحسب، ولكن بدون اي منظور.
    ثمة نوع من التسطيح بالمعنى التشكيلي للكلمة هو المعادل الشعري للزمن المديني، زمن الإغفال
    والتجرد من الصفات، كما في عنوان موزيل وأخيراً التجرد من كل جوهرية وأصل. لا يغير من
    ذلك ان يستمد الشعر احياناً من قاموس شبه ريفي. إذ إن تمزيق الذاكرة هو نوع من خروج
    الريف من الريف. بل تحرير الكلام من معانيه حيث ينتظم في “بازلات” كبيرة وينتمي اولاً الى
    مكانه.
    مباشرة المكان، او مباشرة اللغة او مباشرة الصورة؟ كل هذا نوع من بناء الشعر على اساس
    مديني. الانتشار والتجزؤ والانتماء الى لحظة الكلام والتحرر من الاصول والسوابق اساس في
    ذلك. الامثلة التي ذكرت تأسيسية. لكن هذه هي البداية التي استمرت عنصراً تكوينياً وبقدر
    متجدد من التبؤر والتفصيل والانعطاف. هكذا تدرجنا الى تناقص النمذجة والتشخيص والانتقال
    من الصعلوك والبطل المضاد الى الغفل والمراقب واللامسمى، الى أنا بلا صفات تتصرف كآخر
    وكعموم بالكاد ملحوظ داخل الديكورات المدينية. هكذا تدرجنا الى استخراج الشعر من كل
    الحقول اللغوية والمنظومات، الى مساواة الداخل بالخارج والذات بالأشياء والى الافتنان بأرشفة
    العالم والتعداد التفصيلي، الى شعرية النوافل والنثريات والى شعرية الكبت والقسوة. تدرجنا الى
    توسع الشعر في النثر وشعرية التقرير والمباشرة والخبر والسرد. تدرجنا الى شعرية اللحظة
    والتسطيح بمعناه في الفن التشكيلي، اي العالم بلا بعد ثالث، بلا أبعاد داخلية وسيكولوجية
    ودراماتيكية. العالم في الخارج حيث المكان هو البطل، وحيث يندمج الفعل في المكان والفاعل في
    لحظة خاطفة. تدرجنا إلى الكتابة بجملة واحدة لا شخصية وغياب التوقيع الخاص وزوال الأدبي
    ومشارفة التعبير بلا اسلوب. تدرجنا الى قيام الخبر والفعل مقام الصورة وخروج الشعر الى
    اللاشعر والى الشعر المضاد واختراقه كل المنظومات اللغوية والاصطلاحية.

    هذه تحولات يحمدها البعض ولا يحمدها، لكنها تتم في تفاعل مع الزمن المديني والهندسة
    المدينية والتحقق المتزايد للمدينة. بما يعني ذلك من إنتاج ذاكرة ولغة ومخيلة خالصة للمدينة. أحب
    البعض هذا ام لم يحبه، اعتبره فقراً ام غنى. هناك من يصرخون ما لنا ولهذا الشعر، هناك من ينعاه
    في جملته، لكن المدينة التي تبدأ خيانة تغدو مع الزمن نسياناً. وحين يختفي ائيا الإرث الريفي تبرز
    مفاهيم أخرى. لا نصادف فقط تعديلات او تحولات نسبية فما ينقصف هو السلسلة الفقرية
    والعمود الرئيسي، مثال ذلك أن يحل التجميع محل الإيقاع، والخبر محل الصورة، والصمت محل
    الوجدان، والخارج محل الداخل، والزي محل الاسلوب. هذا قطع فعلي. إنه تقريباً شعر خارج من
    الشعر وفن خارج من الفن. هذه بالطبع معاناة مضاعفة، فمفهومنا عن الأسلوب والتفرد واللغة
    يتعرض لتدمير، ومن العبث أن نلعن اللحظة او نتذمر. في الخلف دائماً مكان مشروع لكنه في
    الخلف. يعنيني بقاء هذه المباشرة للزمن واللغة والواقع، يعنيني أن هذه الديناميكية لا تزال تعمل.
    ولدت قصيدة النثر، إذا استعرنا مصطلح دولوز أقلية في الأقلية. يمكن القول إن هذا تقريباً
    خيارها. لا أدري إذا كان مقدراً للتجربة الماغوطية أن تؤمن انتقالاً سلساً لها، لكن قصيدة النثر
    شاءت من البداية أن تكون تحدياً، ليس لأوزان الخليل فحسب، ولكن بالدرجة الاولى لعمود
    الثقافة العربية. الفصاحة هي النظام اللغوي العربي. لكن ايضا البناء الفوقي للثقافة العربية. هذا
    النظام اللغوي المتعالي هو تقريبا الاسطورة المؤسسة للعروبة القومية. كانت هنا المؤسسة الموحدة
    والهندسة العقلية والروحية للأمة، لم يخف هذا على مؤسسي قصيدة النثر، لم يغب عنهم أن
    الدعوة الى تفكيك الفصاحة العربية هي ايضاً دعوة رلى تفكيك البناء الفوقي للأسطورة القومية.
    دعوة كهذه لا تمس الصعيد الشعري وحده بل تمس معه الصعيد الايديولوجي والسياسي بعامته.
    تفكيك الفصاحة باختصار ضرب للتوحد في اللغة واتخاذها ديناً قومياً واعتمادها ايديولوجيا عليا
    وجامعة. تواقتت هذه الدعوة الى تفكيك الفصاحة او التحرر منها مع أخصب فتراتنا بالاعتداد
    القومي، في الخمسينيات والستينيات. إا فترة التماهي بين المشروع التاريخي والتعبئة الجماهيرية
    والنظام الشمولي. فيها دعي المثقفون ليصوغوا خطاب التماهي والتوحيد. كان غريباً أن تتأسس
    قصيدة النثر مجافية، إن لم نقل معارضة لهذه المسيرة الجماهيرية. أكان بصدورها عن اقليات

    سياسية أم ثقافية أم دينية أثر في ذلك أم اا كانت تواصل تقليداً في الاستقلال الثقافي، شاءت
    قصيدة النثر مختارة ان تنفرد وسط هذه المعمعة. كان غرضها ان تتحرر من العموم وان تتمتع
    بأقلوية وثانوية طوعيتين. اختطت لنفسها الدفاع عن الاستقلال الشعري وسط هجمة عاتية
    لاستلحاق الشعر وتحوله بوقاً. واصلت بذلك موقفاً ثقافياً لا يزال يعتبر الثقافة انشقاقاً ومعارضة
    وانفراداً، لكن معركتها الاهم كانت ضد تسييد اللغة واستعلائها الايديولوجي. رفضت ان تكون
    اللغة نواة قومية. عنى ذلك تحطيم الفصاحة كلغة عليا والاتجاه الى تفريد اللغة وتجزئتها وتحويلها
    الى ألسنة ولغات خاصة. بذلك تصدت لجماهيرية الثقافة ونزوعها الشمولي. للثقافة الكاكية
    ومثالها العسكري والبطولي.
    لم يكن الاستقلال الشعري شأناً شعرياً فحسب، ولا تفريد اللغة شأناً لغوياً فقط. كان هذا
    استثناء في ثقافة بدأت تنحو بقوة الى التعميم والشمول. لقد ذهبت قصيدة النثر ضد الجمهور
    وضد الاكثرية، وأسست لاقلوية ثقافية مبناها على الافراد والتعبير الفردي، مبناها ايضا على
    الحاضر والتجربة. لقد عادت اللغة جسد الفرد بعد ان كانت جسد السلطان وجسد المسيرة.
    وصِمت قصيدة النثر كثيراً وحوكمت، ولا تزال، باسم الجمهور وباسم الوطنية والقومية وباسم
    التراث. واجهت التفتيش والعقل الشمولي والإرهاب الثقافي والجمهور. لا نية للعودة الى هذا
    التاريخ. لكنه مثال نادر على ممانعة ثقافية ومعارضة ثقافية. حمل الظرف قصيدة النثر على أن تقوم
    بعبء ذلك واحياناً بالنيابة عن الثقافة كلها. إن تحرير الشعر من الطلب الايديولوجي والاجتماعي
    وتحرير اللغة من التصنيم التاريخي وتحرير الحقيقة من النعرات الشعبوية والجماهيرية معركة ثقافتنا
    كلها. نجحت قصيدة النثر في ان تصمد ضد طغيان ثقافي مثابر، هذا الصمود هو تأسيس للثقافة
    كانشقاق واستقلال عن السائد وعين نقدية. لم يكن ذلك لولا ان قصيدة النثر بدأت معارضتها
    المبكرة والمستشرفة للتوتاليتارية الثقافية، لولا أا في تحريرها الشعر واللغة من العموم كانت
    تؤسس لديموقراطية اللغة والشعر والثقافة.
    مع ذلك فإن هناك شبهة يحسن ان نقف عندها. معارضة السائد الذي كان، أحياناً كثيرة،
    جماهيرياً وشعبياً، أوحى بنوع من ارستقراطية ثقافية قوامها التعالي على الشارع في جملته، ما
    استجر لدى كثيرين تتريها عن السياسة وبراءة منها. انطباع كهذا لم يكن على الأرجح بلا
    أساس، لقد بدا الشعر تبعا لقصيدة النثر غالبا معارضة للسياسة ونفيا لها. بل بدا طاردا للوقائع
    والأحداث والأخبار والخارج في جملته. هكذا قادت الحمى السجالية الشعر أحيانا الى أن يدخل
    في معارضة للواقع، وأن يقتصر على المونولوغ الداخلي. بل بدا للبعض خلاصا وطوبى وحياة
    موازية، كان هذا بالتأكيد نعرة تكونت في حرارة السجال وفي تضاعيفه. مواجهة ثقافة الشارع
    قد تجر الى محافظة سياسية أو ثقافة تبرؤ طهراني من السياسة والواقع. لا نجد في أدبيات قصيدة
    النثر أي دعوة من هذا القبيل. لكننا نجدها في أولياا مزاجا عاما. مقابل الأدب البطولي الفروسي
    الذي وسم المرحلة، ومقابل الطغيان السياسي والحلولية السياسية التي لا تعترف بشيء خارج
    السياسة نما مزاج معاد للسياسة وأحيانا لكل ما يتصل ا. كان هذا يهدد بعودة قصيدة النثر كليا
    الى الشعر وهي التي قامت على تجاوزه، يهدد بانحصار الشعر في الشعر فيما كانت قصيدة النثر
    خروجا للشعر من الشعر وتجاوزا لحدوده. ربما أفضى هذا الى مبالغة بعض قصائد النثر في
    شعريتها، بل في مباراا الموزون والربح عليه. كما أن هذا هدد بفلسفة في الشعر تعيده بريئا من
    الواقع ومن التجربة ومن الفكر. إذ بدا ان الشعر أحيانا يكتفي بلعبته أو أنه لعبة فحسب. كما بدا
    أن الشاعرية تطرد ما عداها ولا تحتاج الى أي شبك ومن أي نوع مع الثقافة والحياة والعالم.
    هكذا وصلنا احيانا الى قصيدة تتنصل ائيا من المعنى ظاهرا أو باطنا، مؤولا أو معلنا. لقد
    انفرجت قصيدة النثر في السجال السلبي الذي واجهته عن اتجاهات تعيدها الى ما قبلها. أي الى
    الارتداد على بواعثها ودوافعها. إذا كان النثر إخراجا للشعر من حبس الصوت بحثا عن معادلات
    أخرى وخارجية أحيانا للصوت والصورة والإيقاع. إذا كان بحثا عن الصورة في الفكرة وفي الحيز
    وفي التقرير والمباشرة أحيانا. إذا كانت قصيدة النثر هي تجاوز الشعر إلى ترسل النثر وتفصيله والى
    شعرية السرد والى استيعاب الفكر والعلم. إذا كانت شعرية الخارج والعادي والنافل. إذا كانت
    أيضا شعرية الجمع والكولاج والمونتاج الكلامي. إذا كانت التثاقف والتناص والجدل، إذا كانت
    استيعاب اللاشعري والموضوعي في الشعري. إذا كانت في النهاية فتحا للنص على بقية الفنون
    والأنواع والمنظومات. إذا كانت قصيدة النثر هي هذا، فإا بلا مثال ولا تبنى على مثال، ومن
    العبث حبسها في نموذج أو تعريف يفرزها ائيا من النثر أو السرد أو الفكر أو الحكي. من العبث
    أن نردها الى تقليد أو نجعل منها تقليدا. لكن الأسوأ هو أن نجعل منها عوضا عن الشعر أو بديلا
    للشعر، أو أن تبنى على غرار الشعر وتسابق الموزون على شعريته متنصلة هكذا من اسم النثر
    الذي لحق بولادا، وجعلها منذ الولادة مزدوجة الجنس، مولدة من أنواع.
    وجدت قصيدة النثر لتحرير الشعرية من الشعر وطلبها في كل نظام كلامي وإخراجها من
    جديد في علاقات شعرية. قصيدة النثر هي دائما التلقيح والتطعيم والتوليد، بل هي التقاطع
    والازدواج والتركيب. إا جين مفتوح، والحلم بتأصيلها وردها نوعا ثابتا يلغيها فهي بين
    الأنواع بل هي التراسل والتمازج والجدل بين الأنواع، ولن يكون لها سبب إذا استحالت نوعا
    قائما بذاته. من الخلط أن نعتبر قصيدة النثر كما يذهب بعض نقادها وأصحاا شعرا أكثر من
    الشعر أو نعتبرها تصفية له، او خطوة أمامية في مساره، ان نلقي عليها إلزامات فوق ما نلقي عليه
    أو اشتراطات أكثر مما نشترط له. ان نريدها غناء صافيا وموسيقى صافية ونطرد منها كل اشتباه
    بالنثر فلا يبقى مكان للسرد والفكرة والاستنتاج وأدوات التشبيه. السباق على الشعر ولو أدى
    أحيانا الى إبداعات جليلة يصل الى كمال مسدود ومثالات ختامية. شيء كهذا حدث في قصيدة
    النثر عندنا، بل ان مفهوما كهذا ساد حقبة ولا يزال له أثر. لا نفكر أن هذه المباراة أنتجت تحفا
    فالموهبة تفعل، إذا وجدت، في أي طريقة وأي اقتراح. لكن الخطر في ترسمها واستخراج قالب
    نظري عنها. وليست قصيدة النثر ذه البراءة ولا ذلك الاكتفاء. إا اكتشاف تفجيري يقوم على
    مبدأ شعرية عامة لا يمكن حصرها.
    خلطة الأنواع هي اليوم حقيقة في كل نظام أدبي أو فكري أو فني، الأدلة ماثلة في كل
    شيء. قصيدة النثر لذلك تغدو أكثر معاصرة بتقدمها في الزمن، إا معادلة ثقافية بامتياز. اا في
    أفق مستقبل الثقافة كلها وليس هذا الأفق إلا مستقبل علاقات لا تزال إبان تحققها وتكوا. عصر
    جديد للفن قد يخرج فيه من كل مفهومه الماضي، بل نحن الآن على الأرجح في لحظة قطع كبيرة
    لا نعرف الى أين تنتهي.
    قصيدة النثر في وجه منها عملية ثقافية. إا معادلة وموازنة جديدتان داخل تشبيك الذاكرة
    اللغوية والثقافية، وعلى هذا فإن من العبث تسهيلها واعتبارها فطرة شعرية ليس أكثر. لا شك في
    أن قصيدة النثر لا تصدر عن الشعر وحده ولا عن التراث الشعري. لكننا لا نبسط فنقول إا
    طريقة أو فطرة فحسب، لا نرفض شعرا بسيطا لكننا لا نقول ان البساطة هي الشعر. لا نرفض
    الفطرة لكننا لا نقيم منها نظرية. من آثار حرفيتنا، وعقائديتنا أننا لا نزال نعتبر الفن طريقة ونرفع
    التقنية أحيانا الى مستوى التعريف أو المبدأ. من آثار حرفيتنا اننا لا نزال نظن أن الشعر يقول
    تعريفه لا أكثر. فهو الغرابة في قصائد وهو الترجيع في غيرها وهو الملاحظة اليومية في قصائد
    أخرى، أي إن الشاعر يضمن في كل صورة وعبارة مفهومه للشعر. يغدو الشعر هكذا تمثيلا
    متصلا على فكرة. هنا نعود الى قصيدة النثر كتشبيك ثقافي ولغوي ونتساءل إذا لم يكن في
    اختزالها الى ذلك ما يوشك أن يصير تبسيطا تعليميا. يميل الشاعر الشاب الى <التسطيح> بالمعنى
    التشكيلي للكلمة. أي انتفاء البعد الدرامي والسيكولوجي وتقديم مجاني للحظة. لنقل ان الطرفة
    حصيلة تلك العملية. ثمة طلب للخفة وتقديم للحظة الشخصية على أا مفارقة شبه برانية مع
    إدماج للمكان بالشخص وللداخل بالخارج. لا اعتراض على الطرفة بالطبع. ما نخشاه هو مزاج
    يتبرأ من الفكر والثقافة والبحث، بل ومن التجربة بالمعنى الذي يتجاوز اللقطة. ما نخشاه هو
    تصنيم الفطرة والعفوية والطرفة وتحرير الشعر من التفكير. ما نخشى عليه هو قصيدة النثر كعملية
    ثقافية وكتقاطع بين الغنائي والموضوع وبين الأنا والخارج، قصيدة النثر كنص لغوي فكري
    وثقافي، كأفق متصل للبحث والتجريب هو ما لا ينبغي سده. إدخال قصيدة النثر في عنق زجاجة
    تعريف ضيق وتحويلها الى أمثلة متصلة على مبدأ بسيط هو من عواقب ميل الى النمذجة والعودة
    الى مثال أوحد ومبدأ أول. هذا التبسيط والتسهيل يحيلان الشعر الى تطبيقات. ما يعني العودة الى
    معنى مسبق والبناء على معنى مسبق، ويعني أيضا اعتبار الشعر طريقة لا بحثا. ما يقلق في ذلك هو
    خطر كتابة معممة، لا يبقى الشعر فيها مولدا للمعاني أو متضمنا للمعاني بل مولدا للكليشيه
    الشعري. أن يكف عن كونه نصا إشكاليا ليغدو ترويجيا. الخفة بالتأكيد سمة معاصرة وكذلك
    الوضوح، لكن الأدب المعاصر هو أيضا مونتاج ثقافي، وليست قصيدة النثر التي هي نص مزدوج
    وإشكالي جاهزة لتكون أدبا عاميا وسليقيا فحسب. ليست هذه صفات مذمومة بالطبع لكن لا
    يمكن حبس قصيدة النثر فيها. أفكر ان على قصيدة النثر أن تسلك طريقا أكثر تعرجا ولا تتحول
    بسرعة الى أغنية صغيرة وفن شعبي. الكليشيه الشعري والإدقاع الثقافي لن يكونا لأمد طويل
    تطورا إيجابيا في قصيدة النثر. الأرجح أن مغامرة ثقافية لا تستبعد العلم الخالص ولا الاقتصاد أو
    السياسة والفنون والهندسة والعمران، أقرب الى مستقبلها. لا أتكلم بالطبع عن موسوعية بل عن
    امتصاص وتمثل وحساسية أخرى.
    غالباً ما يقال ان قصيدة النثر بلا قارئ ولا يسامحها كثيرون لأا جعلت الشعر لقيطا غريبا.
    لن أجادل في ما أظنه فرزا للحياة المدينية بين الثقافة والشعب، ولا في ما هو تحول للشعر عن
    وظيفته المدحية التجميلية اقتضته مسيرة الثقافة نفسها. يهمني القول ان هذه القطيعة ليست مبدأ
    ولا تاجا للشعر. إذا ذهب كثيرون الى ان الاستغلاق هو قدر الأدب وأنه في الأساس بلا قارئ
    فإن هذا ليس غاية الشعر أو الأدب. الشعر حوار ولو بدا الطرف الآخر غائبا منه. حوار لا يمكن
    الاستخفاف بالآخر فيه ولو لم يحضر. ان تعكير المياه لتبدو أكثر عمقا على حد نيتشه أو السيولة
    الفلكية حيث لا تفعل اللغة سوى أن تمتدح ذاا وتتمرى فيها، واللعب والحذلقة بدون معنى أو
    موضوع. في كل ذلك يبدو الشعر كأنه يتكلم الى قارئ ميت. ما يستجره الى أن يتكلم أيضا الى
    عالم ميت. الشعر قد يكون على حد هيدغر إصغاءً وطلباً لحوار مقطوع. في كل ذلك، الآخر،
    غائبا أم حاضرا، إلها أم إنسانا، قديما أم حديثا، هو مصدر الكلام وغايته. آخر يتكلم وآخر يسمع
    واللغة اشتراك بينهما، بل هي على نحو ما تسوية بين الطرفين، تسوية هي عهد خاص غير
    موصوف ولا مسبوق سلفا. من السخف ان نقول مثلا انه عودة الى الوزن أو الغناء أو أي شيء
    من هذا القبيل، لكن الاستغلاق إذا كان قدرا فليس أسلوبا ولا تقنية. إذا كان أنطولوجيا فلن
    يصير إجرائيا. إذا كان مأزقا فلن يتحول الى لعبة واكروباتية. اا تسوية ما وكل يقوم ا بحسبه.
    إذ ان لكل شاعر شمعته وهو يضيء ا على طريقته، ويخاطب من هناك قارئا أو إنسانا، حيوانا أو
    إلها، ينتظره في المستقبل.
    في النهاية أريد أن أقول شيئا عن نفسي ولا أجد طريقة أخرى لقوله. افنيت أكثر من ٣٠
    عاما في صناعة الشعر، ويحق لواحد بعد ذلك أن يقول انه استفاد من عمره وان مراس ثلاثة عقود
    مكنه أكثر من صنعته. بيد أن للسن آفة من ناحية ثانية، إذ قد يؤخرنا عن زماننا ولحظتنا. كثيرون
    يغتربون بسببه عن عالمهم أو يتوهمون ان العالم نفسه بات غريبا وقد يخطر لهم أن الزمن هو الذي
    يتأخر. ذلك كما ترون قاس وقد يكون مأساويا. تعلمت شخصيا أن لا أشكك بالزمن، تقدم أم
    تأخر. فكرت دائما ان على الفنان أن يبقى شابا. انه كفاح مر نجتهد فيه لنجدد أنسجتنا الروحية
    والفكرية. كفاح مر تغدو فيه السلسلة مقلوبة فيكون الشباب هم الرواد ويكون علينا أن نلحق
    م. نتعلم من الشبان أين اللحظة ونطلب منهم أن يدلونا على الحاضر، لم يزعجني أن أعود
    أحيانا الى مقعد التلامذة، في ذلك فرصة لي لأكسب شبابا ثانيا. لقد تعلمت الكثير منكم أيها
    الشبان. أدونيس وضع مصطلح قصيدة النثر وكان من أوائل المنظرين لها وشعره فيها يشمل جانبا
    كبيراً من شعره ويؤثر بقوة في تيار واسع من قصيدة النثر. الا ان أدونيس لا يعد نفسه شاعر نثر،
    كما قال، اذ لا يضع شعره في الوجهة التي اعتنت ا هذه الدراسة. هذا ما يقضي بان يكون
    لقصيدة النثر الأدونيسية وتيارها بحث آخر.