1- قراءة ساد صعبة، إنه واضح، سَلِسَ الأسلوب، وذو لغة صريحة. إنه ينشد المنطق؛ يفكّر، ولا يهتم إلاّ بالتفكير؛ وهذا العقل، الخالي من الأحكام المسبقة، يتكلّم ليُقنع، وبالاستعانة بالحقائق التي يعطيها شكلاً عاماً، والتي تبدو له بديهية إلى حدّ أن كلّ اعتراض يُعزى بقوة إلى اعتقاد باطل. إنه يصبو إلى العقل، وبالعقل يهتم، بعقلٍ يقترحه على الجميع وسيكون موافقاً للجميع. أظن أنه لا ينبغي نسيان ذلك أبداً، أي علاقة ساد هذه بعقل ما [من هنا الطابع البرهاني لأقل كتاباته والذي يهزأ به الواعظون]. وكيف ستنساه القراءة، وهي تصادف حالاً هذا الطموح، هذا الشرط المعقول، إنما كيف لا تنساه، وهي تصادف حالاً كل ما يلزم لدحضه: التناقضات الأكثر وقاحةً، حجج تنقلب، قضايا لا تصمد، تنافر أمانٍ ومبادئ نتفاجأ بها إما بشدّة وإما شيئاً فشيئا؟ يستطيع كلّ واحد أن يختبر ذلك بنفسه. ولن أذكر غير مثل عام واحد مقتبس من الكتيّب المشهور(1). ففي الجزء الذي يعالج موضوع الدين، يطالب المؤلَّف باستبعاد هذا الأخير إذا أردنا أن يكون عندنا مواطنون صالحون وآباء صالحون وأزواج صالحون؛ أمّا المبرّر الذي يثبت ذلك فهو أن رجالاً مذعورين، جهلة وأذلاّء، كما هم جميع المؤمنين، لا يستطيعون القيام بواجباتهم المدنية لكونهم قد فقدوا كلَّ إحساس بالحرية. لكنه، في الجزء الثاني، يوصينا بمثال مختلف تماماً، وإذا به يقترح علينا أولاداً بلا أب ويقرّ شيوع النساء وشيوع الرجال ويلغي العائلة أخيراً، وبتأكيد قوي يقول: «لا تتصوّروا أن تصنعوا جمهوريين صالحين ما دمتم تعزلون الأولاد الذين ينبغي ألاّ ينتموا إلاّ إلى الجمهورية داخل عائلاتهم». حسناً، ها قد اقتنعنا. لكننا في موضع آخر أو في الوقت ذاته، نتبيّن فكرة مختلفة كلياً: أولاد بلا أب، نعم، إنما ليس من أجل رفعة الجمهورية بل من أجل سهولة الفسق؛ النساء الشائعات للرجال [والرجال الشائعون للنساء]، ليس من أجل شيوعية شريفة للأعراف إنما لتيسير الاستمالة إلى البيوت المخصَّصة للدعارة؛ أما العائلة، فإذا كنّا لم نعد الآن مستعجلين لإلغائها، فذاك للحفاظ بوجه أفضل على الزنا، كما على كلّ الانحرافات التي ستزول معه، بدءاً بارتكاب المحارم الذي يكتب عنه ساد بدعابة خفيّة خاصة به: «أسمح لنفسي بأن أؤكد بأن ارتكاب المحارم يجب أن يكون قانون كلّ حكم يكون الإخاء أساسه». لنتوقف هنا. فإن قارئاً سوف يلقي الكتاب من يده مقتنعاً بخرق مؤلِّفه؛ بينما سيحتفظ به قارئ آخر بسبب هذا الخرق. وأعتقد أنهما سيكونان كلاهما على خطأ. ربما كان ساد مجنوناً مثلما لابدّ أن نكون جميعاً في أوقاتنا الليلية الحلوة، غير أن ما يكتبه لا يقع تحت طائلة هذا الحكم. والدليل هو أننا معرّضون لطريقة في الفهم تفوتنا، ومع ذلك تجذبنا. بسبب ذلك، فإننا، رغماً عنّا وعلى الرغم من رغبتنا في منطق بسيط، نستأنف القراءة، مجذوبين بحركة لن تتوقف من بعد.
2- ثمة شيء يُبحث عنه في ساد. وهذا البحث، الذي هو بحث عن وضوح جديد، لا يتواصل على طريقة استفهامية، إنما بتأكيدات واضحة، مضمونة، وحاسمة على الدوام. وذلك خاص به. إن العقل التحليلي، بمسلّماته وسرعته الإثباتية، موضوع هنا في خدمة مبدأ نهائي لا يُكتشف، وذي جاذبية لا تأخذ في الاعتبار قطعاً تحديدات التحليل. وهذا المزيج، هذا الخليط من الوضوح والغموض هو ما يربكنا ويعقّد قراءتنا، جاعلاً إياها عنيفة باطنياً. عنفٌ أشدّ بكثير من عنف الانقلابات القاسية، والتي تفيد بالأحرى لتسليتنا ما لم تكن تمثّله. بالطبع، يمكن القول إن ساد يكتفي بأن يستمدّ من عصره ذلك العقل الوضعي الهادئ، مثلما يستمد منه اللغة الواضحة والكتابة الخطيّة (Linéaire) الخالية من الظلال. وسوف نضيف بأنه يجعلها تخدم بطريقة ما حقائق أو مبررات لا تتوافق معها. أما وقد قيل ذلك، فإنه يمكن أن يصمد. أعتقد أنه ينبغي أن نوضح فكرتنا بطريقة مغايرة. فما يوجد من مغالاة عند ساد، في تجربته وفكره، وضرورة الإفراط تلك، لا يؤكد فقط حقه في العقل، ولا يكتفي بالإقرار بتوافقه مع مبادئ عقل وضعي [عقل المادية الملحدة] بل يعرف أنه أكثر إدراكاً من هذا الأخير، لأنه يبالغ أكثر منه في الحركة الماثلة فيه ولا يخشى أي عاقبة. المسألة عند ساد هي دائماً مسألة منطق: فهو يشعر أنه أكثر دقّةً وأكثر ارتباطاً وحتى أكثر تماسكاً –تماسك يشتمل على التفكك- من الآخرين، والهيجان الذي يستولي عليه هو في أكثر الأحيان هيجان عقل مقموع، معاق في تقدّمه الذي يوشك أن يلقيه في المهاوي. أن يكون العقل قادراً على صيرورة نشيطة، وأن يكون هو نفسه في صيرورة نشيطة، وأن يكون هو نفسه في صيرورة دائمة، بما أنه في الأساس حركة، فتلك هي إحدى حقائق ساد، ويمكننا القول إن تلك هي أيضاً الحركة التي تثير نتاجه، وهي حركة مفرطة طبعاً، إنما أن يكون المرء عاقلاً فهذا يعني دائماً أن يكون أولاً عاقلاً بإفراط. 3- العقل المفرط. ولن أشدّد على مختلف الطرق التي يكشف بها نتاج ساد هذا الإفراط. إنما للتعداد – للتبسيط- يمكن القول إن هناك ثلاث طرق: – الأولى ذات طابع موسوعي. والمقصود هو إحصاء كلّ الإمكانات البشرية، وبالضبط تلك التي تُعتبر مشوَّشة والتي هي أقوى مظاهر الطاقة، التي بدونها لا يعود العقل طبيعياً [لا يعود تلك النار التي أشعلتها الطبيعة والتي فيها تحرق هذه الأخيرة وتحترق بطريقة لا تقبل الفساد]. – الثانية ذات طابع جدلي. وهذه إحدى السمات البارزة لنتاج ساد، والتي لم تعد مجهولة. إنني أحيل القارئ هنا إلى البحث المكتوب بعنوان عقل ساد وكذلك أفكار جورج باتاي وبيار كلوسوﭭسكي العميقة. عندما يؤكد بأن جلّ ما فعله هذا النبيل الداعر هو التفتيش في المبادئ المادية الوضعية عن الحجج السهلة القادرة على تبرير سوء سلوكه، وعندما يُضاف أنه ظاهرة عصرٍ وأنه ينتمي إلى عصره، فإنما يُقال الحق حتى ولو استخدم ساد، جلياً، للتنديد بالإلحاد المادي، وحتى ولو سارع البعض، في الوقت نفسه، إلى ردّ المغالاة الموجودة عند ساد إلى لا أخلاقية العصر. يُقال الحق باستثناء أن ساد لا يسعى قطعاً في كتبه إلى التبرؤ من سلوكه الذي كان يبدو له دائماً عادياً للغاية، وأنه، مع ذلك، إذا كان هذا تبريراً، فإنه تبرير أحمق، إذ يميل إلى إظهاره فرضيا بأنه مذنب في جرائم هائلة لم يقترب منها أبداً. لكن، أن يفتِّش عن معنى لفكره الذي لا يميّزه، بحق، عن مقدرته التخيّلية، وأن يتساءل على طريقة التأكيد: لماذا يمكن أن أتصوَّر ذلك؟ وإلى أي حدّ من التخيّل الزائد يمكن أن أصل؟ وماذا يعني هذا النزق، وهذه الحركة الرائعة، وربما الفريدة، إنما غير مخصَّصة قطعاً، كما هي، لي وحدي والتي يكمن أساسها في سبب خفيّ؟ فصحيح تماماً أن ذاك هو اهتمامه وأن هذا الاهتمام، الماثل في كلّ نتاجه، يتوكد فيه باستمرار كعمل عقل أكبر، سواء كان هذا العقل يتهيّأ أم يتغيّر أم يتهيّأ بالانهيار. إنما لماذا صفة الجدلية؟ أو ليس هناك شيء من المجاملة أو من التهوّر في قول هذه الكلمة الموعودة بمستقبل كبير إلى هذا الحدّ؟ ساد ليس هيغل، فثمة بون بينهما. لكنني لا أرى أية مفارقة تاريخية في إطلاق صفة الجدلية بالمعنى الحديث على الطموح السادي* أساساً إلى بناء سيادة الإنسان العاقلة على قدرة إنكارية متعالية، وهي سلطة لا يفوته أن يقرّ بها لمبدأ أوضح وأبسط عقلٍ وضعي. كيف تُبين هذه القدرة الإنكارية اللامحدودة وتلغي دورياً، بتجربة دائرية، مفاهيم الإنسان والله والطبيعة لتؤكّد في النهاية الإنسان الكامل «الإنسان الفريد من نوعه»، وكيف ينتهي إذاً إنكار لا متناه، بتطابقه مع كل مراحل تجربته –تطابقاً ليس توفيقاً بل حدث خاطف- إلى التماسك كتأكيد هو أيضاً لا متناه، فإنني أعتقد أنه لا يسعنا قراءة ساد دون الاعتراف بأن هذه هي بالضبط حقيقة الحركات المشوَّشة التي ستكشف نفسها في نتاج واسع. – إنها تستكشف نفسها فيه بواسطة حركة الكتابة. وهذا هو الشكل الثالث الذي يظهر فيه اعتدال عقل مفرط. فالكتابة هي جنون ساد الخاص. لا يفتَّش عن هذا الجنون في انحرافات أخلاقه التي سمّاها هو نفسه بهذا الاسم دون تردّد، والتي يرى فيها إما مجرّد نتيجة لجبلته ومزاجه وإما، على نحو أبرز، علامة على حريته، تلك التي، بتنحيته جانباً، تحرّره من الأحكام المسبقة لمجتمعه إلى حدّ التأكيد بأنه سيتخلى بشدّة عن هذا المجتمع يوم يكفّ هذا الأخير عن مقاومتها. إنه لتصريح رائع. وبسرعة كبيرة، يكفّ عن التفريق بين نفسه وعزلة سجنه، ومن هذه العزلة الدفينة التي كانت ترعبه [مضاعفاً: هي بنفسها، ومن خلال العقاب الذي كانت تمثّله له] نشأت وانطلقت، حين انقلب الرعب إلى اغراء. الحاجة إلى الكتابة المتعذّر كبتها، كطاقة كلامية مخيفة لم تعد تهدأ. ينبغي قول كلّ شيء. فأوّل الحريات هي حرية قول كلّ شيء. وهكذا يعبّر، على شكل مطالبة ملازمة من الآن فصاعداً لجمهورية حقيقية، عن الضرورة الأساسية. غير أن “الكل” المقصود في حرية قول كل شيء هذه، لم يعد فقط شمولية المعرفة الموسوعية [ولو كانت معرفة إمكاناتنا المنحرفة] ولا حتى مجمل تجربة يتحقَّق فيها المعنى بحركة إنكار موصلة إلى نهايتها –خطاب دائري هو إذاً التأكيد، المبثوث والمنجز، على السيطرة على كلّ شيء. إن قول كلّ شيء عند ساد، كل ما يُسمع في كتبه كاجترار هائل لكلام أبدي، واضح أبديًا، وفارغ أبدياً، يذهب إلى أبعد من ذلك أيضاً. لم يعد المقصود هو كل الممكن الذي يقدَّم ويُبان فيه. وهو ليس أيضاً –كما ظُنّ بسهولة زائدة –عموم القيم التي يمنعنا دين أو مجتمع أو أخلاق من التعبير عنها. المحظور يلعب دوره قطعاً، في حركة اللاتحديد هذه، كحدّ يجب تجاوزه. لكنّ هذا ليس إطلاقاً الحدّ النهائي. وفي وسع ساد أن يحسّ بمتعة، بمتعة عادية صحية، في المشاهد القوية التي يتخيّلها، حيث تُهزّأ جميع حقائق عصره وحيث يقول ما لا يُقال، وينصح بالرعب. فتوجيه السبِّاب وتظيم الشرّ والدفاع عن الشهوات الإجرام، كلّ ذلك هو بالنسبة إليه أقل شيء لا يحرم نفسه منه، إنما لا مجال لأن يكتفي به. فثمة شيء أعنف يتجلّى في جنون الكتابة هذا؛ عنف لا يفلح في استنفاده أو تهدئته كل إفراط خيالٍ رائع أو شرس، إنما دائماً أقل من احتداد كلام لا يحتمل التوقيف مثلما لا يتصوّر نهاية. عنف قوي بقدر ما هو بسيط، يتوكدّ بكلام لا لبس فيه، خال من كلّ قصد خفيّ، يقول دائماً كل شيء بلا تكلّف ولا يتصنّع بشيء، متكلّماً هكذا بطهارة، خالياً فعلاً من تلك البذاءة غير المحتشمة التي ستعكّر بها الكلام قريباً انفعالات شاتوبريان العظيمة، دون أن يندّد به أي قانون. هنا تُردّ الوقاحة الكبرى إلى القوة التكرارية فحسب، وهي وقاحة سرد لا يصدم بالمحظور لأنه لم يعد ثمّة محظور آخر [كل هذا النتاج –الحدّ يخبرنا إياه برتابة إشاعته المخيفة] غير وقت ما بين القول (l’entr-dire)، ذلك التوقف الصرف الذي لا يمكننا بلوغه إلاّ بالاستمرار دوماً في الكلام. 4- الكتابة هي جنون ساد الخاص. والحرية لا تخلّص من هذا الجنون، الذي سبّبه السجن أو على الأقل أوصله إلى ما هو عليه، من قوة غامضة وخفيّة دوماً، إنما هي تضيف إليه بالأحرى جنوناً آخر يجعله يعتقد بأن في وسعه أن يتوكّد في وضح النهار، وكأنه مخزون أو مستقبل الإمكانات المشتركة. وهكذا تتزامن للحظة –الوقت الذي تلتقي فيه الثورة والفلسفة وراء قضبان الحديد(2)– هاتان الفُرجتان التاريخيتان، المختلفتان كثيراً طبعاً، واللتان تبقى إحداهما ذكراً دائماً وتفتح التاريخ بينما تُشكّل الأخرى ما يريد التاريخ دوماً أن ينغلق عليه. لن أدخل في فحص سلوك ساد السياسي خلال السنوات التي كان فيها، على نحو يضايق كثيراً فاضلي الثورة ويرضي كثيراً فاضلي الثورة المضادة، “مواطناً نشيطاً”، يتكلّم ويكتب ضد الملك، ويتكلّم ويكتب إكراماً لمارا (Marat)، وحيث ظهر في الجمعية التأسيسية فخطب أيضاً وترأس خليّة البستوني [خليّة روبسپيير]، واقترح عبادة لا آلهة، ودافع عن أفكاره الخاصة حول مفهوم السيادة وانتزع تبنّيها، وأطلق أسماء ثورية على شوارع باريس، وكان حتى عضواً محلّفاً، بكل سرور، في هيئة اتهامية. ويمكننا أن نتناقش بلا كلل حول مشاعره، وحول ما إذا كان متوافقاً أم لا، بصدق أو برياء، مع سلوكه وتصاريحه الخارجية. لا أظن أن في ذلك لغزاً كبيراً. فهو نفسه غيّر رأيه. وقد صحّ ذلك على الجميع، حتى على سان جوست وروبسبيير اللذين لم يكونا أول من طالب بسقوط الملكية –وذلك ببساطة لأن حقيقة الأحداث كانت تتفوّق على الأفكار دائماً. لقد كان حذراً، إنما بدون حذر حقيقي، ولم يكن دائماً كثير التقلّب، ذاك التقلب الذي يعني الوفاء لسرعة الصيرورة. ولأنه حذر، فإن شيئاً لم يمنعه من البقاء بعيداً أو محاولة الهرب: كان بمقدوره ذلك. حتى لو أخذنا في الاعتبار كل الأسباب الأخرى التي كانت تحمله على البقاء في باريس، فقلّما كان هناك شك في أنه سيبدي أشدّ الاهتمام بما كان يحدث وبأن جزءاً كبيراً منه يجد نفسه في ذلك. أي جزء؟ ذلك الجزء الغامض [الغريب] الذي كان يحكم عليه بالكتابة بلا نهاية دون أن يتمكن من أن يجعل منه كاتباً حقيقياً، مستساغاً اجتماعياً. أعتقد أن كلمة توافق هي الأصحّ. فمع ساد –وبدرجة عالية جداً من الحقيقة المفارقة- لدينا أول مثل [ولكن هل ثمة مثل ثان؟] على الطريقة التي يمكن أن تتوافق بها الكتابة، وحرية الكتابة، مع حركة الحرية الحقيقية عندما تقع هذه الأخيرة في أزمة وتسبب فراغاً تاريخياً. لكنّ هذا التوافق ليس تماهياً. وليست دوافع ساد هي تلك التي أطلقت الطاقة الثورية. إنها تناقضها حتى. ومع ذلك، لولاها، ولولا المغالاة المجنونة التي مثلها اسم ساد وحياته وحقيقته، لحُرمت الثورة من قسط من عقلها. 5- لتكوين فكرة عن تصورات ساد السياسية، أظنّ أنه يكفي الاستشهاد بنصوص قليلة. فعنوان الكتيّب(3) ذاته، المتّسم بتهكّم خفي، يكلّمنا بوضوح كاف. فهو يقول إنه لا يكفي أن يكون المرء في جمهورية حتى يكون جمهورياً؛ ولا أن يكون عنده دستور حتى يكون في جمهورية؛ ولا أخيراً أن تكون عنده قوانين حتى يدوم الفعل التأسيسي، تلك السلطة المبدعة، ويبقينا في حالة تكوّن مستمرّ. ينبغي بذل جهد –ومزيد من الجهد باستمرار- وهنا التهكّم الخفي. من هنا الاستنتاج المضمر بأن العصر الثوري مازال في بدايته. إنما من أي نوع سيكون هذا الجهد؟ ومن سيطلبه منّا؟ ساد يسميه تمرّداً، وهو الحالة الدائمة للجمهورية. بتعبير آخر، فإن الجمهورية لا تعرف حالة بلا حركة فقط –وهي في ذلك مماثلة للطبيعة. وهذا الاهتزاز الدائم ضروري أولاً لأن الحكومة الجمهورية مُحاطة بحكومات معادية تكرهها أو تحسدها [فرضية المحاصرة]: لا سلام للإنسان الذي استيقظ دفعة واحدة؛ فالتيقّظ الثوري يستبعد كل هدوء، ومذ ذاك، يكون السبيل الوحيد للبقاء هو عدم اعتماد نهج محافظ أي عدم الراحة. وهو موقف يعتبره ساد متناقضاً مع الأخلاقية العادية التي ليست سوى جمود وركود: «حالة الإنسان الأخلاقية هي حالة سلام وهدوء بينما حالته اللاأخلاقية هي حالة حركة دائمة تقرّبه من التمرّد الضروري الذي يتعيّن على الجمهوري أن يبقى فيه دوماً الحكم الذي هو عضو فيه». هو ذا سبب أول، إنما هناك سبب آخر يُعطي لنا بتفكير جريء جداً: إن كلّ الأمم التي تريد أن تحكم نفسها اليوم في جمهورية ليست مهدَّدة فقط بالعنف الخارجي: فهي بنفسها، بماضيها، عنيفة أصلاً من الداخل أو مجرمة وفاسدة، حسب مصطلح العصر. فكيف ستتغلَّب على هذا العنف القائم الموروث إن لم يكن بعنف أقوى، وأرعب أيضاً، بما أنه بلا تراث، وأصلي تقريباً؟ إن الفضيلة التي يضعها كلّ المشرّعين في أساس الجمهورية لا تناسبها إلاّ إذا كان بوسعنا بلوغها دون ماضٍ، خارج التاريخ نفسه وببدء التاريخ معها. لكننا أصلاً في التاريخ وفي الجريمة ولن نخرج منهما دون المزايدة في العنف والإجرام. [فرضية نقرّ بها تماماً، ولا يكفي أن نسخط عليها بتسميتها هيغلية لمنعها من أن تكون حقيقة]. ولكن، هل سنخرج منها يوماً؟ وما سيكون الفرق؟ ماذا نكون قد كسبنا؟ أولاً تغيير مصطلحي: فما كان يسمى جريمة سوف يسمّى طاقة: إنه تغيير غير مهم، ومع ذلك، تترتب عليه نتائج جسام. فالعالم المقبل لن يكون عالم قيم. فلا الخير ولا الشر سيكونان قطبيه؛ ولا الفضيلة ولا الرذيلة، إنما العلاقة بهذا الأساس التي يستجيب لها، بالتماهي، الإثبات والنفي المدفوعين إلى أوجهما. عندما يقول ساد: «كلّ شيء جيد عندما يكون مفرطاً»، فإن هذا الإفراط الذي يختلف عن حالة الغليان ويمرّ بما يسمّيه دولمانسيه (Dolmancé) الخمول، والذي هو حالة توتر شديد وفقدان واضح للإحساس، يدلّ على الأخلاقية الوحيدة للإنسان الطاقي كما يدل على نوع السيادة التي يمكن أن يطمح إليها في حركة الحرية هذه حيث لم يعد يشعر، ولو مركَّزاً في ذاته، أنه متميّز عن الانحلال الذي هو السمة المشتركة للكل. الإفراط، الطاقة، الانحلال، تلك هي الكلمات الرئيسة للعصر الجديد(4). 6- لنُعِد الآن القراءة الكاملة للمقطعين اللذين ألمحتُ إليهما. أظن أننا سنفهمهما بوجه أفضل إنطلاقاً من الفكرة الشاملة التي يجدان موضعهما فيها. «لقد شعر مشرّعو اليونان تماماً بالضرورة المهمة لإفساد الأعضاء، حتى ينجم عن انحلالها الأخلاقي المؤثر على ذاك المفيد للجسم، التمرّدُ الضروري دوماً في حكم موفَّق تماماً، كالحكم الجمهوري، لابدّ من أن يثير كره وحسد كل ما يحيط به. كان هؤلاء المشرّعون يعتقدون أن التمرّد ليس قط حال أخلاقية: مع ذلك، يجب أن يكون الحالة الدائمة لجمهورية؛ وسيكون إذاً من المحال ومن الخطر الاشتراط بأن يكون الذين يتعيّن عليهم الإبقاء على الاهتزاز اللاأخلاقي، الدائم للجسم، بأن يكونوا هم أنفسهم أشخاصاً فاضلين جداً لأن الحالة الأخلاقية لإنسان ما هي حالة سلام وهدوء بينما حالته اللاأخلاقية هي حالة حركة دائمة تقرّبه من التمرّد الضروري الذي يتعيّن على الجمهوري أن يبقي فيه دوماً الحكم الذي هو عضو فيه». وهو ذا النص الثاني الذي لا يقل عنه وضوحاً: «ثمة تفكير خاص جداً يخطر لي هنا، لكن، بما أنه صحيح رغم جرأته، فسأفصح عنه. إن أمّة تبدأ بحكم ذاتها في جمهورية. لن تقف على قدميها إلا بواسطة فضائل، لأنه للوصول إلى الأكثر، لابد من البدء دوماً بالأقل؛ غير أن أمة قديمة وفاسدة أصلاً، تريد أن تتمرّد بشجاعة على الحكم الملكي لتعتمد حكماً جمهورياً، لن تصمد إلا بجرائم كثيرة؛ ذلك لأنها الآن في الجريمة، وإذا كانت تريد الانتقال من الجريمة إلى الفضيلة أي من حالة عنيفة إلى حالة هادئة، فستقع في جمود ينتج عنه سريعاً انهيارها الأكيد»(5). إنني بقراءتي ثانيةً لهذا المقطع، أقرّ بأن كلمة جريمة ضرورية تماماً ويجب أن تحافظ فيه على طاقتها الاستحضارية والتحريضية. فللجريمة قوةُ بريق، وحريةُ تحدٍّ، وروعةُ استدعاء تثير دائماً لسان ساد وقلبه على السواء، لكنها ليست أقل إثارة للغة الثورة الصارمة. فهل هو ساد أم سان جوست الذي قال: «لا شيء يشبه الفضيلة مثل جريمة كبرى»؟ وذلك التأكيد الأكثر لغزاً مما يبدو عليه: «الفضيلة تتطابق مع الجريمة في زمن الفوضى» -وتلك النصيحة المخصَّصة لتُدوي بشدّة في جمعية اليعقوبيين: «سلّحوا الفضيلة بحذق الجريمة ضد الجريمة»، حيث يكفي، بقصد الصراحة، أن نستبدل الحذق بالعنف –كيف يمكن أن يكون صواب الفعل هنا إلاّ عنيفاً؟- حتى نهتدي إلى الجوهري عند ساد. أخيراً، عندما يمدح سان جوست الطاقة منذ خطابه الأول، بقوله عنها: «الطاقة ليست القوة»، فإنه يقول شيئاً يحاول كل نتاج ساد أن يقوله أيضاً بمزيد من الاحتداد. [أذكّر بالعبرة الأخيرة لمؤلف جوستيين وجولييت: لا يكون البشر سعداء أو تعساء حسب الكثير أو اليسير من الفضيلة أو الرذيلة، إنما حسب الطاقة التي يظهرونها، لأن «السعادة تتوقف على طاقة المبادئ ولا يمكن أن يمتلكها من يتردد باستمرار»] لنقرأ أيضاً سان جوست «الحل هو تمرّد العقول الفعلي»، وساد: «يجب أن يكون التمرد هو الحالة الدائمة للجمهورية». فما الذي يميّز لا أقول بين هذين الرجلين الغريبين عن بعضهما بقدر ما يمكن أن يكونه رجلان متعاصران قريبان الواحد من الآخر، إنما بين هذين الحُكمين المطلقين بالتساوي؟ إن ذلك واضح. ففي رأي ساد أن التمرد يجب أن يكون تمرّد العادات وتمرّد الأفكار على السواء؛ يجب أن يطال كل الإنسان وكلّ ما في الإنسان؛ بل أكثر من ذلك: إن التخريب المستمر والمفرط في آن سوف يشكّل السمة الدائمة لحياتنا المرفوعة باستمرار إلى أعلى درجاتها، أي إلى أقرب نقطة من نهايتها، بما أنه حيث توجد الطاقة، كإدخار للقوى، توجد الطاقة، كإنفاق للقوى، وهذا إيجاب لا يتحقق إلا بأكبر قدر من السلب. أفهم أن يندَّد هنا باليوتوبيا وبخطر اليوتوبيا [التي تتميّز على الأقل بعدم كونها فقط يوتوبيا الشرّ]. إنما لندع الآراء جانباً. 7- ثمة نص ثالث من شأنه أن يساعدنا على توجيه تأويلنا بشكل أفضل. إنني أقتبسه من الجزء الرابع من قصة جولييت: «حكم القوانين فاسد؛ وهو أدنى من حكم الفوضى. وأكبر دليل على ما أقول هو ضرورة أن يغرق الحكم نفسه في الفوضى عندما يريد أن يصلح دستوره. لكي يلغي قوانينه القديمة، فإنه مضطرّ لإقامة نظام ثوري حيث لا قوانين قط؛ وعن هذا النظام تنشأ في النهاية قوانين جديدة، لكن هذه الحالة الثانية هي حتماً أقل صفاء من الأولى، بما أنها مشتقة منها، وبما أنه كان لابد من تلك الأولى، أي الفوضى، للوصول إلى الثانية، أي تكوين الدولة». إنه نص واضح ظاهراً وموضَّح أيضاً بنصوص أخرى كثيرة حيث نسمع ساد وهو يؤكد بأنه لا يوجد حكم حرّ واحد –ولأي سبب؟ لأن الإنسان هو وسيكون، في كلّ مكان، ضحية القوانين. فالقوانين قادرة على ظلم يجعلها باستمرار أخطر من أي نزوة فردية. إن الشهوة الخطرة لإنسان فرد قد تؤذيني، إنما في النطاق الذي ستحدّده لها شهوتي الخاصة. أما القانون الذي يُلزمني في كل مكان، فلا مجال للطعن فيه: القانون يقضي بأن أكون دائماً محروماً من نفسي، ودائماً بلا شهوة، أي قليل الذكاء وعما قريب غبيّاً. من هنا تلك الانتقادات التي تتكرّر بكل الأشكال: القانون جائر لأنه يملك السلطة ويغتصب السيادة، التي لا ينبغي أن يفوَّض أمرها أبداً فيما يخصّ الأساس؛ والقانون، المبتكر لاحتواء أهواء جاري قد يحميني، لكنه يتركني بلا ضمانة ضد تأكيدات القانون الخاصة، الأكثر فساداً والأكثر قسوةً، لأنها لا تمثّل أبداً شيئاً حراً، ولا تمثل غير قوة باردة، عديمة الحرية؛ وهي أخيراً تضعف وتزيّف علاقات الإنسان الصحيحة، سواء مع الطبيعة أو مع مستقبل المعرفة: «لولا القوانين والأديان، لكان مستوى المجد والعظمة الذي كانت ستبلغه اليوم المعارف الإنسانية متعذّر التصوّر؛ فمن الغريب كم أخّرت هذه الكوابح المعيبة مسار التقدم… إننا نجرؤ على التنديد بالأهواء، ونجرؤ على تقييدها بقوانين… وإلى الأهواء الشديدة وحدها يُعزى الإبداع وروائع الفنون… إن الأفراد الذين لا تحرّكهم أهواء شديدة ليسوا سوى أناس قليلي الذكاء؛ فالمرء يصبح غبيّاً عندما لا يعود صاحب هوىً»(6). إنها سلسلة قناعات ينهيها هذا التأكيد المذهل: «لا تتفجَّر الأعمال العظيمة إلا لحظة صمت القوانين»، لكن من الواضح أن تأكيداً كهذا سيظل عديم الأهمية، وإنه من الأفضل الاكتفاء بخلاصة تنمّ عن تسوية: إذا كان لابدّ من قوانين، فيجب أن تكون قليلة العدد وليّنة؛ وإذا كان لابدّ من أن “تعاقب” الذين نستمرّ في تسميتهم مذنبين، فلا ينبغي أن تطمح إلى إصلاحهم؛ أخيراً، يجب ألاّ تتعدى أبداً على الحياة نفسها، ويستحيل التساهل حول هذه النقطة، لأنه إذا لم يكن بوسع شعب ما أن يظهر حقه في السيادة فكيف سيكون باستطاعته أن يفوّض حقه في الحياة، يعني بالنهاية حقه في الموت؟ «أياً كان الاحترام الذي تفرضه عليّ سلطة جان جاك روسّو، فإنني لا أسامحك، أيها الرجل العظيم، على كونك قد برّرت حق الموت…» إنه إخطار لا يصدر في الحقيقة عن ساد، بل عن سان جوست مرة أخرى. مما لا يعني أن هذا الأخير قد جعل مطلب الفوضى مطلبه. فلا شيء كان سيرعبه أكثر من ذلك. ويبدو لي أن لكلمة قانون، في فمه، عندما يلفظها، الصدى الغريب ذاته والصفاء ذاته اللذين يكونان لكلمة جريمة في فم ساد. مع ذلك، وبالضبط لأن القانون هو دائماً فوق القوانين ولأنه دائماً محقَّر من قبل القواعد، فإن سان جوست يطالب، هو أيضاً، بأن يكون هناك عدد قليل من هذه القوانين [«حيث يوجد الكثير منها، يكون الشعب عبداً»]. ويؤكد أن القوانين المديدة هي كوارث عامة، وأنه يرفض كل ما من شأنه أن يقدّس باسم القانون قوة القمع المدنية، التي يقول عنها بصلابته المهيبة: «أنا لا أرضى بأن أخضع لأي قانون يفترضني كافراً بالنعمة وفاسداً». وفي موضع آخر، في جملة مقتضبة تعبّر عن كل شيء تقريباً، يقول: «في البدء، ليس للمواطن علاقات إلا مع ضميره والأخلاق؛ إذا نسيهما، تكون له تلك العلاقة مع القانون؛ وإذا احتقر القانون، لا يعود مواطناً: هنا تبدأ علاقته مع السلطة». ينتج عن ذلك أن القانون ليس سوى بداية سياق طويل من التقهقر تصبح السلطة في نهايته، وقد غدت قمعية، غارقة في القوانين، مثلما حدث في ظل الملكية. «أما الخضوع للقوانين، فليس هذا واضحاً»، «القوانين المفرطة تقابلها مؤسسات مدنية دون الكفاية». «إذا أردتم تأسيس جمهورية، انتزعوا من الشعب أقل ما يمكن من السلطة». «إذا أردتم إعادة الإنسان إلى الحرية، فلا تضعوا قوانين إلا له، ولا ترهقوه تحت ثقل السلطة». في ظل الملكية «كان القانون يصنع من أطهر الميول جريمة» –إنها حكمة على وزن البحر الإسكندري كان ساد مهيّأً دوماً لتقبّلها، مثلما كان يعترف دائماً بأن «الاستبداد معنيّ برخاوة الشعب»، لأن الاستبداد لا يقوى إلا من ضنى الطاقة، القادرة وحدها على الحد منه، والتي هي المبدأ الصحيح الوحيد في نظر ساد. 8- يسمّي ساد إذاً نظاماً ثورياً الزمن الصرف حيث يُبقي التاريخ المعلَّق ذكراً دائماً، وذلك الزمن الحالّ في أثناء ذلك (temps de l’entre-temps) حيث يسود بين القوانين القديمة والقوانين الجديدة صمت غياب القوانين، وتلك المدة التي تطابق بالضبط فترة ما بين القول حيث ينتهي كلّ شيء ويتوقَّف، بما فيه دافع التكلم الأبدي، لأنه لا يعود حينئذٍ ممنوعاً. إنه لحظة الإفراط والانحلال والطاقة التي لا يعود الإنسان خلالها –كما سيقول هيغل بعد سنوات قليلة- سوى حركة اللانهاية التي تلغي ذاتها بذاتها وتولد باستمرار في زوالها، و«مفسقة الحقيقة حيث لا يستطيع أحد أن يظلّ زاهداً». إن لحظة الجنون الصامت هذه، المعلَّقة باستمرار، هي أيضاً اللحظة التي يبلغ فيها الإنسان، في توقف يتوكد فيه، سيادته الحقيقية، بما أنه لا يعود هو نفسه فقط ولا الطبيعة فقط –الإنسان الطبيعي-، بل ما ليست عليه الطبيعة أبداً: الوعي بالقدرة اللامحدودة على التدمير، أي على الإنكار، التي بواسطتها يتكوَّن وينحلّ باستمرار. تلك هي النقطة القصوى لفكر ساد التي لا يستقر فيها دائماً إنما التي ينزع ويصل إليها. خصوصاً في الجزئين الثامن والتاسع من “جوستين الجديدة”. وحيث لا تبذل جولييت، في صرخات رائعة، جهداً أقل لرفض الطبيعة من ذاك الذي بذلته لرفض القوانين والأخلاق والدين. فالطبيعة، كما تقول، ليست أكثر حقيقة من الله نفسه. «آه، أيتها الصبيّة، إنك تخدعيني ربما، مثلما كنت مخدوعة سابقاً بالخرافة الإلهية الكريهة التي قيل إنك خاضعة لها. إننا لا نخضع لك أكثر مما نخضع لها». «أجل، يا صديقي، أجل، إنني أكره الطبيعة». وهكذا، في لحظة من اللحظات، في تلك اللحظة الخارقة التي يخصّها ساد بصفة الثورية، تصمت القوانين، القوانين الاجتماعية والقوانين الأخلاقية والقوانين الطبيعية، وذلك كي تخلي المكان لا لهدوء أي عدم كان –كعدم ما قبل الولادة مثلاً-، إنما لتلك القدرة على الانحلال التي يحملها الإنسان في ذاته مثل مستقبله، والتي هي حبور الإهانة [لم يكن في هذا الاقتراب للّحظة العاصفة القصوى أي شيء كئيب في النهاية، ولم يكن فيها غير روعة وبشاشة]. وحاجة إلى التجاوز هي قلب العقل، الذي هو طبعاً خطر، مرعب، بل الرعب عينه بالمعنى الحصري، إنما الذي لا يُنتظر منه أي شيء مشؤوم، ولكن بشرط واحد: «عدم الافتقار أبداً إلى القوة اللازمة لتجاوز الحدود الأخيرة»، تماماً مثلما يقول سان جوست، بكلمة يجعلها إيجازها مرتعدة: «الفضيلة هي مبدأ الحكم الجمهوري، إن لم يكن الرعب». 9- إن ساد، الذي أُفرج عنه في نيسان 1790م اعتقل كمشتبه في كانون الأول 1793م، قد أسهم خلال أربع سنوات تقريباً في قيام الجمهورية، وشارك خلال ستة عشر شهراً في الثورة، لا في واجهة المسرح إنما كرجل له دور عام، يتكلّم باسم الشعب ويمارس وظائف هامة. لا يمكن نسيان ذلك. فثمة شيء من ساد يخصّ عهد الرعب كما أن شيئاً من عهد الرعب يخص ساد. إننا نتذكر النص الشهير الذي يشبه إحدى صور إپينال (Epinal): «يقال إنه عندما تعب روبيسبير وكوتون وسان جوست وكولو ووزراؤه من أعمال القتل والإدانات، وعندما شعرت هذه القلوب القاسية ببعض التبكيت، وعند رؤية الأحكام العديدة التي كان يجب عليهم أن يوقّعوها، كانت الريشة تفلت من أصابعهم فيمضون إلى قراءة بعض صفحات من جوستين ويعودون للتوقيع». إن هذا النص المكتوب سنة 1797م بقلم ڤييه (Villers)، لم يُكتب للتنديد بـ ساد ككاتب لاأخلاقي فحسب إنما لتعريضه للخطر بجعله شريكاً لأسياد الثورة. وهذا النص، في حماقته، يقول مع ذلك شيئاً صحيحاً، بمقدار ما يلتقي فيه رجال متعارضون حول ما تنطوي عليه حرية حركتهم من إفراط وحول ذلك الاعتقاد المشترك بأن تجربة الحرية تمرّ دوماً بلحظة قصوى: من يجهلها، يجهل كل شيء عنها. إذاً، ما الذي يميّز هؤلاء الرجال المعتبرين كلهم سفلة؟ يبدو ذلك في بادئ الأمر بدهياً. عندما صعد سان جوست آخر مرة إلى منبر المجلس قبل التاسع من ترميدور ليرسم عن الإنسان الثوري صورة مكوَّنة من مبادئ راسخة: الثوري هو إنسان صلب، عاقل، زاهد، وبسيط، إنه العدو اللدود لكل رياء، لكل تساهل، لكل تكلّف، إنه بطل الرشاد والاستقامة(7)، فإن هذه الصورة الأخلاقية لا تشبه تلك التي قد تُرسم عن الإنسان الكامل، إلاّ فيما يختصّ بصلابة المبادئ –ذلك أن أرباب الفسق أيضاً هم بدورهم زاهدون بفعل الشبع وفاترون بفعل الحساسية الزائدة ومتقشفون بفعل الإفراط في المتعة، وبسطاء بفعل التجرد من كل خبث. عندما يأخذ سان جوست على ديمولين (Desmoulins) في أثناء اتهامه، بأنه قال: الشرف مثير للسخرية، المجد والخلود غباء فإن هذا المأخذ كان يطال ساد أيضاً، لكنه كان، في رأيي، مديحاً له، لأن كلمة مجد هذه، التي نجدها في جميع خطابات ذلك العصر والتي هي أيضاً على لسان جان بول مارا، لا نصادفها أبداً تقريباً في كتابات ساد الذي لا يرى فيها أيضاً سوى وهم، مثلما لا يرى في الخلود سوى غش بارد الأسلوب(8) [ولابدّ من الإيضاح أيضاً بأن مآخذ سان جوست كان يستهدف في ديمولين المتشكّك اللطيف، في حين كره الأحكام السبقية، عند ساد، وما سيُسمّى فيما بعد ضرورة العقل النقدي، أي شغف الإنكار المحض، هو الذي يمنعه من الاكتفاء بهذه القيم المعترف بها بسهولة مفرطة]. وأخيراً، عندما يستنكر سان جوست انحلال الأخلاق بإلحادية النفوس(9) ففي هذه النقطة ربما، سوف نجد أشدّ الاختلاف بين الفلسفتين –إن لم يكن بين الرجلين– وهنا أيضاً أجيز لنفسي بأن أقول إنه لصالح ساد كذلك. «إننا مغمورون بكتابات محرَّفة: هنا تؤلَّه الإلحادية المتعصّبة والمتزمّتة؛ فنخال أن الكاهن أصبح ملحداً وأن الملحد أصبح كاهناً. يجب الكفّ عن الكلام في هذا الموضوع! إننا بحاجة إلى الطاقة: فيقترحون علينا الهذيان والضعف». إنه اتهام يستهدف المشبوهين المعتقلين أصلاً والذين يوجد في عدادهم، وفي ذلك التاريخ بالذات، الماركيز دو ساد. أن يكون قد اعتقل بسبب العلاقات التي كانت له سنة 1971م أم بسبب معارضته للتدابير التي اعتبرها جذرية فوق الحدّ [مثلاً، إنشاء جيش ثوري في باريس، أشبه بنوع من حرس الطاغية الذي أوشك أن يكون، في نظره، ملاذاً للطمّاعين والغاصبين، ومرة أخرى، أبى أن يعرض على التصويت، كونه رئيساً لخليته، “عملاً فظيعاً” و”وحشياً”]، أم ببساطة لأنه كان يجذب المواقف التشهيرية باستمرار، كونه ارستقراطياً ومتهوّراً، فهذا صحيح ومحتمل. أما أن يكون أيضاً قد عرّض نفسه للشبهة بسبب تعصبه الإلحادي، فإنني أصدّق ذلك بطيبة خاطر: ذاك أنه قبل ثلاثة أسابيع من اعتقاله، خطب على منصة الجمعية التأسيسية مدافعاً عن مشروع عبادة للفضائل كان قد احتفل بها، بالأناشيد والبخور، على مذابح الكثلكة المحوَّلة لغرض آخر- وبأية عبارات؟ بعبارات يتحدَّث فيها عن نفسه، بطريقة تكاد تكون مكشوفة: «طالما سخرت الفلسفة خفيةً من حركات الكثلكة المضحكة؛ أما إذا كانت قد تجاسرت على رفع صوتها فقد كان ذلك في زنزانات قلعة الباستيل حيث ألزمها الصمت بعد قليل استبدادُ الوزارة. «إيه! من قال إن الاستبداد لم يدعم الاعتقاد الباطل؟…» وقبل ذلك بقليل، قال: «لقد أزال عهد الفلسفة أخيراً عهد الدجل؛ أخيراً، استنار الإنسان، فحطّم بيدٍ اللعب التافهة لدين عبثي وأقام باليد الأخرى مذبحاً لأعزّ إله على قلبه. فقد حلّ العقل محلّ مريم في معابدنا…» لقد حظي مشروع الإلحادية البارزة هذا [بما أنه لم ترد فيه، إطلاقاً، أية إشارة إلى أي كائن أسمى] بالتقريظ، إنما كان لابدّ من أن يسترعي الانتباه المعادي لأولئك الذين كانوا يستلمون الحكم، والذين كانوا كلهم تقريباً من عابدي اللّه وحده وكانوا يخشون، فوق ذلك، من أن تشكّل مثل هذه العبادة المُشركة، المثيرة لعموم الشعب الذي لماّ يزل كاثوليكياً، ذريعة لمبادرات الثورة المضادة. إن موطن القوة عند المرء هو غالباً سبب هلاكه. فكان لابدّ من أن يصحّ ذلك على ساد. كانت الإلحادية معتقده الأساسي، وشغفه، ومقياسه للحرية. حين كان سجيناً في الباستيل، رجته السيدة دو ساد أن يخفي مشاعره؛ فردّ بأنه يفضّل الموت ألف مرة على إخفاء حقيقته، ولو في رسائل شخصية، ومن أول كتاباته “حوار كاهن محتضر” الشهير حيث يعبّر أبلغ تعبير عمّا سيحافظ عليه دائماً وحتى النهاية: اليقين بالعدم. إنه لم يرعبني قط، وإنني لا أرى فيه غير التعزية والبساطة؛ كل الأنظمة الأخرى هي من صنع التكبّر، أما هذا فهو وحده من صنع العقل». إنه تصريح ينبغي ضمّه إلى تصريح إحدى شخصياته: إذا كانت الإلحادية تريد شهداء، فلتقل ذلك، ودمي جاهز تماماً»، كما ينبغي ضمّه أخيراً إلى ذلك التأكيد، الذي هو أحد أكثر تأكيدات ساد حسماً وأحد مفاتيح النظام، حيث جاء: «إن فكرة الله هي الخطأ الوحيد الذي لا يسعني أن أغفره للإنسان». فالله هو الخطيئة الأصلية، تلك التي تفسّر كوننا عاجزين عن الحكم ببراءة. 10- نجا رأس ساد من المقصلة بفرق ضئيل، وذلك بفعل الخطأ ليس إلاّ؛ ولو لم ينجُ منها، لكان عهد الرعب قد قدَّم لنا شهيد الإلحادية، بفعل سوء فهم آخر. لقد أُطلق سراحه في شهر تشرين الأول 1794م، بعد تحقيق وبعد شهادة من خليّة البستوني، التي كانت قد أذلَّته في بادئ الأمر [أيام روبسبيير] آخذةً عليه قوله إنه يتعذّر ممارسة الحكم الديمقراطي في فرنسا(10)، لكنها عادت الآن لتمدح حسّه المدني ومبادئه كوطني صالح، فبدأ آخر حياته كرجل حرّ. والحالة هذه، ماذا يفعل؟ كلّ ما يلزم لتقويض هذه الحرية التي يتعلّق بها كثيراً. هذا لا يعني أنه يسيء التصرف. فبعد أن انفصل منذ 1790م عن المتقشفة رينيه دو ساد، التي حرّرها حيناً من فضيلتها ثم وقعت ثانية في اللامبالاة، عاش حياة زوجية مع شابة ناعمة وحسَّاسة لم تتركه بهد ذلك. شيطانه ليس شيطان الشبق. بل أخطر. إنه جن سقراط الذي قاومه سقراط دائماً والذي كان يودّ أفلاطون ألاّ يستسلم له: جنون الكتابة، حركة لا محدودة، لا متناهية، ودائمة. لقد ظُنّ زمناً طويلاً، عندما أعتقل سنة 1801م، أنه أوقف لأنه تحدّى بونابرت برسالة هجاء مجهولة. وقد حكم جيلبير لولي (Gillbert Lely) بالعدل على هذا التقليد المجازي بإفراط. صحيح أن ساد سُجن في ﭭنسين والباستيل في ظل الاستبداد الملكي، وأنه اعتقل في سان لازار وبيكبوس في سجون نظام الحرية (Liberté). ,انه اقتيد إلى سانت-ﭙيلاجي وبيساتر وشارنتون من قبل الطغيان العسكري المتوَّج بعد قليل، غير أن ما يجدر إيضاحه، وملاحظته برأيي، هو أن مؤلَّف جوستين وحده لا الخصم السياسي هو من حكمت عليه بالسجن مدى الحياة الأخلاق العالية لبونابرت، أي للمجتمع بأسره. لأن تلك هي حقيقة ساد: حقيقة خطرة بقدر ما هي واضحة، معروضة بجلاء، ومعبَّر عنها ببساطة –بالضبط في الصفحة الأخيرة من “رواج الرذيلة” وبالشكل الأسهل قراءةً [بالأحرف الكبيرة]: «يجب على الفلسفة أن تقول كل شيء، مهما ارتعد الناس من ذلك». كل شيء. لقد كان هذا السطر وحده كافياً لتعريضه للشبهة، وهذا المشروع كافياً لإدانته، وتحقيقه كافياً لإدخاله السجن. ولا مجال لإلقاء المسؤولية على بونابرت وحده. فنحن مازلنا نعيش عهد بونابرت ما. ومازال ساد ملاحقاً وبسبب الضرورة ذاتها: قول كل شيء، يجب قول كل شيء، الحرية هي حرية قول كلّ شيء، وتلك الحركة اللامحدودة التي هي نزعة العقل، أمنيته الخفيّة، وجنونه.
الهوامش: 1. المقصود هو صفحات لـ ساد مقتبسة من الفلسفة في الصالون، ومكتوبة تحت عنوان: أيها الفرنسيون، مزيداً من الجهد إذا أردتم أن تصبحوا جمهوريين [ في شأن “الكتابات السياسية”، أحيل القارئ إلى: Œuvres Complètes de Sade, Volume VIII, J. –J Lauvert. * نسبة إلى ساد نفسه. 2. التعبير هو لساد الذي يطبّقه على نفسه: «أيها الفرنسيون المحظوظون، لقد شعرتم بذلك بسحقكم أنصاب الرعب وتلك السجون الكريهة حيث كانت الفلسفة وراء قضبان الحديد تصرخ لكم بذلك، قبل أن تشكّكوا بالطاقة التي ستجعلكم تحطّمون السلاسل التي خُنق بها صوتها» 3. الكتيّب المذكور آنفاً: «أيها الفرنسيون، مزيداً من الجهد…» 4. لنذكر بلاك في الحال وليس نيتشه: «الطاقة والحياة الوحيدة. الطاقة هي نعيم أبدي»، وحتى فان غوغ: «ثمة حسنة في كل حركة طاقية»، لأن الطاقة هي الفكر [الحدّة، الكثافة، رقّة الفكر المدفوع إلى مداه الأقصى]. 5. يقول سان جوست بالعكس، إنما على نحو مشابه: «الثورات تسير من الضعف إلى الجرأة ومن الجريمة إلى الفضيلة». 6. العبارة نفسها عند هلقيثيوس: «يصبح المرء غبياً عندما لا يعود صاحب هوى» 7. في خطاب آخر، يقول سان جوست أيضاً: «الرشاد البسيط، قوة النفس، برودة العقل، حماسة قلب حار وطاهر، التقشف، والنزاهة، ذاك هو طبع الإنسان الوطني» 8. في خطابه الهادئ، يوم التاسع من ترميدور، سوف يفكّر سان جوست على النحو ذاته تقريباً: الشهرة هي شائعة باطلة، لنُصغ إلى العصور المنصرمة، فإننا لن نسمع شيئاً» 9. في أحد أروع خطاباته حيث توجد الجملة التالية: إن الذين يصنعون نصف ثورات قد حفروا لأنفسهم قبراً» 10. أن يكون ساد قد تكلّم هكذا، فهذا محتمل. وهذا يظهر صدقه وقلّة احتراسه. فالنص يقول: «مجرياً باستمرار في أحاديثه الخاصة مقارنات مستمدة من التاريخ اليوناني والروماني ليثبت استحالة إقامة حكم ديمقراطي وجمهوري في فرنسا». مستحيل «بدون جهد ومزيد من الجهد»؛ ذاك هو موضوع الكتيّب الذي وضعناه؛ لم تكن تلك جريمة؛ فقد كان ذلك يُقال في كلّ مكان. وكان أيضاً رأي سان جوست الذي يرى أنه بعد ليكورغُس، جاء طغاة هدموا عمله الإصلاحي؛ «حقائق محزنة».
المصدر: مجلة العرب والفكر العالمي، العدد 10، سنة 1990
ترجمة: جورج أبي صالح مراجعة: فريق مركز الإنماء القومي
ثمة كثير من النساء غير الحريصات يتخيلن أنه بمَ أنهن لا يتورطن كثيراً مع عشيق فيمكنهن دون إهانة أزواجهن بأن يسمحن لأنفسهن على الأقل بعلاقة تودّد مع رجل، وينتج غالباً عن هذا الأسلوب في التعاطي مع الأشياء نتائج خطيرة كأن سقوطهن كان مكتملاً. ما حدث للماركيزة “قويساك”، وهي امرأة من الطبقة الأرستقراطية في نيم من مقاطعة آلون غدوك، دليل على ما نقدمه هنا كقاعدة.
اعتقدت السيدة “دو قويساك”،الحمقاء المتهورة والمرحة شديدة الفطنة والكياسة، أن بعض الرسائل العاطفية التي تتبادلها مع البارون “دوميلاس” لن ينجم عنها أيّ نتيجة، أولاً لأنه لا أحد سيعلم بها، وثانياً لأنه في حالة ما إن اكتُشف أمرها وبمَ أنها قادرة على إثبات براءتها لزوجها فلن تحتاج لطلب الرحمة منه، لكنها أخطأت، فقد تسرب الشكّ إلى السيد “قويساك” الغيور جداً فشكّ في علاقة تودّد واستجوب خادمة زوجته وأخذ منها الرسالة ومع انه لم يجد في البداية ما يبرر مخاوفه إلا أنه كان فيها ما يكفي لتغذية شكوكه. وفي حالته القاسية من الشكّ، أخذ معه مسدساً وكأس ليمون، ودخل حانقاً إلى غرفة زوجته. صاح في وجهها غاضباً:
– لقد خنتني، سيدتي. اقرئي هذه الرسالة التي بينت لي ذلك. لم يعد الوقت مناسباً للتلاعب بي، وها إني أترك لك أن تختاري طريقة موتك. دافعت الماركيزة عن نفسها وأقسمت لزوجها أنه مخطئ وأنها يمكن حقاً أن تكون مذنبة بسبب طيشها لكنها بكل تأكيد لم تقم بأي جرم. أجابها زوجها حانقاً: – لا تثقلي عليّ أكثر أيتها الخائنة. لا تثقلي عليّ أكثر واختاري بسرعة موتك وإلا فسيحرمك هذا السلاح للتوّ من الحياة. قررت السيدة “قويساك” المسكينة المرتعبة أن تختار السم وتناولت الكأس وبدأت شربها. قاطعها زوجها حين شربت كمية لا بأس بها من الكأس قائلاً: – توقفي. فلن تموتي وحدك. بمَ أنك تكرهينني وقمت بخيانتي فماذا عليّ أن أصبح في نظر العالم؟ وبينما يقول هذا الكلام تناول الكأس وشرب منها ما بقي فيها، فصاحت السيدة “قويساك”: – آه يا سيدي في هذه الحالة الرهيبة التي وضعتَ كلاً منا فيها، فلا تحرمني من رؤية كاهن الاعتراف وأن أتمكن في الوقت نفسه من تقبيل أبي وأمي للمرة الأخيرة. أرسل الماركيز مباشرة في طلب الأشخاص الذين أرادتهم السيدة سيئة الحظ. ارتمت في حضن الأبوين اللذين منحاها الحياة واحتجت من جديد مؤكدة أنها غير مذنبة، لكن أي لوم قد يوجه لزوج يظنّ أنه قد خانته زوجته ولا يعاقبها بكلّ هذه القسوة إلا ويخضع هو بدوره للمصير ذاته؟ لم يعد ثمة مجال إلا لليأس وعلا البكاء من كل اتجاه. عندما جاء الكاهن قالت الماركيزة : – في هذه اللحظة القاسية من حياتي أريد أن أعترف علانيةً لمواساة والدي ولتبقى ذكرايَ طاهرة. ثم اتهمت نفسها بصوت عال بكل ما أملاه عليها ضميرها من آثام أتتها منذ ولدت. نهض الزوج، منتبهاً لما تقوله زوجته فلم يسمعها تتكلم قط عن البارون “دومولاس” مع ثقته أنها في مثل هذا الظرف لن تلجأ لإخفاء شيء، وصاح معانقاً حماه وحماته وهو في قمة السعادة: – أبويَّ العزيزين هوّنا على نفسيكما ولتسامحني ابنتكما لما سببته لها من رعب لكنها سببت لي ما يكفي من القلق فسمحت لنفسي أن أسبب لها بعضاً منه. لا يوجد بالشراب الذي تناوله كلانا سمّ قط، فلتطمئن هي ولتطمئنوا جميعكم ولتتعلم هي على الأقل أنه لا يجب على المرأة الشريفة حقاً أن ترتكب شراً، بل ألاّ تقوم أيضاً بما قد يُسبب أدني شك. عانت الماركيزة عذابات الدنيا لتعود لحالتها الطبيعية. فقد ظنت أنها تسممت حقاً حتى أن قوة خيالها جعلتها تحسّ بكلّ ما قد يسببه موت مشابه من جزع. قامت مرتجفة وضمت زوجها وحلّ الفرح محل الألم. ووعدت في صدقٍ السيدة الشابة، التي قوَّم المشهد الفظيع سلوكها إلى أبعد حد، أن تتحاشى مستقبلاً أبسط مظهر من مظاهر الأخطاء، واحترمت وعدها وعاشت مع زوجها أكثر من 30 سنة فلم يجد مبرراً أن يوجه إليها أدنى تأنيب.
هناك، تحت ضوء القمر، ترقص امرأة، إنها تشعُ في الليل، ثوبها يرفرفُ بشدة، عينان تتألقان بصفاء، مثل لآلئ في وجهٍ صخري شفاف. تعال إلى هنا، أيها البحر الأزرق، سأقبلك بشوق. اضفرْ لي تاجاً من الصفصاف، حِكْ لي عباءةً خضراء مزرقة. «أجلبُ ذهباً بديعاً وزمرداً أحمر حيث يخفقُ هناك دم قلبي. كانت على صدر دافئ لعاشق متعب، غرق في المحيط. «لك، سأغني أغنياتي، يجب أن تنبثق تلك الريح والموجة سأقفزُ عالياً في الرقصة وعلى الريح والموجة أن تبكيا!» أن تمسكُ صفصافاً بيدها وتربطهُ بشريط أخضر إنها تنظرُ إليه بطريقة غريبة وتأمرهُ أن يتقدم بخفة. «الآن أقرِضني أجنحتك ليكون لصوتي صدى أسفل البحر: أيتها الأم، ألم تعرفي كيف طوقت بحبٍ ابنك؟» كم هي مظلمةٌ الأماكن هنا وهناك حيث مضتْ مكدسةً كل الصفصاف إلى جانب البحر رقصت بفخرٍ هناك في الأعلى والأسفل حتى يكتمل سحرها.
لغنائها وقعٌ غريب في الأذن، مثل قيثارة تهتزُ، مثل أوتار مرتجفة، توقظ المغني النائم. «لماذا يدقُ القلبُ بمثل هذا الخوف، ما هذه الأصوات، الشبيهة بهارمونيا نجومٍ وأرواحٍ تبكي؟» ينهضُ، يقفزُ من فراشه، يديرُ رأسهُ باتجاه الظلال ويرى أوتار الذهب. «تعال، أيها المغني، إنها ترفعك إلى الأعلى والأسفل، عالياً في الهواء، عميقاً في الأرض، هذه الأوتار التي لا يستطيع إمساكها». إنه يراها وهي تنمو، تتفرع كثيراً، روحهُ، في الداخل، قلقة بعمق. يرتفعُ الصوتُ في الهواء. إنهُ يتبعهُ، وهو يغويه بسلالم لا مرئية في الأعلى والأسفل، هنا، هناك، وفي كل مكان. إنهُ يقفُ، ينفتحُ بابٌ ويهتزُ على مداه. انفجارٌ موسيقي من الداخل سيحملهُ يعيداً. قيثارة ذات تألقٍ ذهبي رائع تتصاعدُ الأصواتُ بأغنيةٍ طوال الليل والنهار، لكن ليسَ ثمة من يعزف. أنها تتشبثُ به مثل الرغبة، مثل الألم يهتز صدرهُ، قلبهُ يدقُ بإيقاع أعلى من أن يسيطر عليه. «تعزف القيثارة من قلبي، إنها نفسي، وخزانتها – الفن الذي يتدفقُ من روحي». بطريقةٍ جميلةٍ يصنع الأوتار، يهتز الصوتُ عالياً مثل ينابيع جبل، ينتفضُ بدويّ يشبهُ الجحيم يتدفق دمهُ وحشياً، يعيداً تتحركُ أغنيتهُ، لم يكن يتوق للألم بمثل هذه القوة، إنه لم يعد يرى العالم.
-1-
حين تنفتحُ عيناك المشرقتان
مبتهجةً ومرتعشة،
مثل وترٍ موسيقي شارد
تلك الكآبة،
ذلك النوم الخفيف،
المربوطانِ بالقيثارة،
في الأعلى خلال حجاب الليل المقدس،
ثم من الومضة العليا
تدخلُ بحب
نجومٌ أبدية.
-2-
مرتعشاً تغرقُ
بصدرٍ لاهث،
ترى العوالم الأبدية
فوقك، تحتك،
لا يمكن الوصول إليها، بلا نهاية،
طافية في قطاراتٍ راقصة
من أبديةٍ قلقة
تسقطُ أنت مثل ذرةٍ
خلال الكون.
-3-
يقظتكَ
هي نهوضٌ بلا نهاية
نهوضكَ
هو سقوطٌ بلا نهاية.
-4-
حينَ تنطلقُ الشعلة المتموجة لروحك
في أعماقها،
من داخل صدرك
هناك تبرزُ
أنغامٌ سحرية
مرفوعة بواسطة أرواح.
محمولةً بغرورٍ جميل،
سر الروح
ينطلقُ من الأرواح
كشيطانٍ جهنمي.
-5-
هبوطك
هو ارتفاعٌ لانهائي
ارتفاعك اللا نهائي
هو بشفاه مرتجفة –
الاحمرار الأثيري
توهج،
أبديةُ
قبلة حبٍ لجبهة الإله.
***
….. بعد همهمات لم يفهما أحد تغادر الأوراق مع الريح .
….. اعلى من سور الحديقة شذا الوردة هذا الصباح .
…. حقل القمح الجديد مثبَّتة بالمسامير ابتسامة الفزاعة .
…….
طفلة خلف الزجاج بشريط لاصق تثبِّت قمر الليلة . ……
جملة واحدة تتصفَّح الرّيح بسطة الكتب .
….. ليس قريبا ليس بعيدا العالم خلف الضباب . ……. اخيراً تسكن الريح البيت المهجور . ….. ضباب يد تلوح لصوت القطار ….. حديث عن الحرب – ظلُ مجهولٍ على ضر يح الجُّندي المجهول .
…… العام الجديد أقلب جوربي القديم وأرتقه .
……
الانقلاب الخريفي أعيد ترتيب ملابسي التي فات أوانها . ….. داخل المعبد داخل الصّمت داخل نفسي .
تذكرت ليلى والسنين الخواليا
وأيام لا نخشى على اللهو ناهيا
ويوم كظل الرمح قصرت ظله
بليلى فلهاني وما كنت لاهيا
بثمدين لاحت نار ليلى وصحبتي
بذات الغضى تزجي المطي النواجيا
فقال بصير القوم وألمحت كوكبا
بدا في سواد الليل فرداً يمانيا
فقلت له بل نار ليلى توقدت
بعليا تسامى ضوؤها فبدا ليا
فليت ركاب القوم لم تقطع الغضى
وليت الغضى ماشى الركاب لياليا
فياليل كم من حاجةٍ لي مهممةٍ
إذا جئتكم بالليل لم أدر ماهيا
خليلي إن لا تبكياني ألتمس
خليلاً إذا أنزفت دمعي بكى ليا
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما
يظنان كل الظن ان لا تلاقيا
لحى الله أقواماً يقولون إننا
وجدنا طوال الدهر للحب شافيا
ولم ينسني ليلى أفتقار ولا غنى
ولا توبة حتى أحتضنت السواريا
ولا نسوة صبغن كيداء جلعداً
لتشبه ليلى ثم عرضناها ليا
خليلي لا والله لا أملك الذي
قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليا
قضاها لغيري وابتلاني بحبها
فهلاِِ بشئٍ غير ليلى ابتلانيا
وخبرتماني أن تيماء منزلاً
لليلى إذا ماالصيف ألقى المراسيا
فهذه شهور الصيف عنا قد انقضت
إن رأيتم أحداً يحدق في أعينكم دون أن ينبس بكلمة دون أن تنفرج شفتاه عن ابتسامة دون أن يشيح ببصره أو يدعي نظرة للأفق من ورائكم فاعرفوا أنه أنا، وتحاشوا النظر في وجهي لئلا تحملوا دون جرم عبء إكمال الحكاية. بدأ كل شيء في لحظة فضول مثل هذي وسينتهي في مثلها، وها أنا منذ ذلك الحين حاملاً زجاجة الكلام، ومن خلفها تكبر عيني ومن أمامها تلتمع أعينكم المتفاجئة وها أنا منذ ذلك الحين أستجدي الصدقة والشفقة في صمت عابر بين عينين مجهولتين في إشاحة أو تلويحة أنتظر أن يومئ لي القدر برأسه أو يطرف بجفنه مرة فأقول: ها قد انتهى كل شيء ولم تكتمل الحكاية.
الناقدة المسرحية زهراء المنصور تكتب في عدد “التقدمي” الأخير عن العرض المسرحي: “صولو”
“لم يكن هناك زمن أكثر قسوة من زمننا، لكننا – مع ذلك – لم نسمح للجانب الإنساني في الإنسان أن يموت”.
فاسيلي غروسمان/ كاتب روسي
تحمل الذاكرة الحاضرة والمتخيلة قصصا مروية عبر التاريخ عن الحروب التي تخلف خسائر لا حصر لها؛ بشرية ومادية ونفسية. ورغم أنها تتسبب في تعطيل الزمن من عمر الإنسانية، نحو التطور والإنجاز، إلا أن لا أحد قادر على إيقاف آلة الحرب التي يوقظها مغامرون عابرون، تنتهي أعمارهم بعد حياة طويلة يقضونها في الدمار والخراب والقتل. و”صولو”، المسرحية المعدة بعناية عن قصة “رائحة الدم”، للكاتب مصطفى محمود، أو كما كتبها المخرج “أنشودة الدم”، تدخل في دهاليز الحرب، وما جانبها، وما خلفته من أثر نفسي لدى بطلي المسرحية. فالجندي السابق (عمار زينل) الذي يحرس المكان/ المضيف/ المقبرة، قد عانى أشد الآلام النفسية في القسوة التي جابهته وهو يرى تناثر الدم في كل جانب، وسقوط القتلى في منظر مهيب، “وكانت هذه السماء مضيئة بآلاف القناديل، ولولا صرخات الموت هنا وهتاك لخيل للواقف أنه في محفل سماوي رائع. إن منظر الدم يسكر.. أقول إن منظر الدم يسكر، ولا يعرف هذه الحقيقة إلا من جربها”(1). وكان قدر هذا الجندي أن يبقى في هذا المكان بقرار منه، بعد أن زامل كل الموتى حوله في المعركة، وقرر أن يكون مثواه الآني والتالي هنا أيضا، خصوصا بعد وصفه الدقيق لموت صديقه وهو يحتضنه، منتشيا بنصر كاذب، وحرب لا تعرف إلا الخسارات، حتى وإن كانت النتيجة “نصرا”.
هذا الديالوج يبدأ بدخول الغريب (مهدي سلمان)، حاملاً آلة التشيلو بغطائها المثير لصوت الموسيقى، متلعثما، وتبدو التأتأة جلية في كلامه، يطلب مكانا للنوم بأدب جم، يأكل بأناقة ما ضيف به، وهو يستمع بإنصات إلى حوار طويل للجندي الذي اقترب في بعض تفاصيله إلى حديث النفس، ليبين مدى القسوة التي تعرض لها كثيرا، وخلقت منه هذه التجربة شخصاً آخر، قرر أن ثمة ولادة جديدة له في هذا المكان، ومرقد أخير، ويمني نفسه بليلة غارقة بالفن مع الغريب الذي بدا وجهه مألوفا له جدا. ولا يستغرق الأمر طويلا حتى يكشف الغريب عن هويته، عندما يطلب منه الأول أن يعزف على آلته الموسيقية التي كانت عبارة عن مدفع رشاش! كان هذا الغريب المتلعثم قائدا عسكريا اشتاق للقتل، فعاد يبحث عن من يمكن قتله! هذا الشعور الصادم الذي خلَّفه القائد للمتلقي نابع من كون الصورة الأولى المختلفة كلياً عن شخصيته الحقيقية، التي لم يتوانَ عن التصريح بها بعبارات أجاد المعد/ الممثل/ المخرج إبرازها من النص الأصلي للمسرحية، عبارات مثل هذا الحوار:
-إنها صناعتي الحقيقية.. إني قاتل، صناعتي القتل.. أما الموسيقى، فهواية أمارسها في وقت الفراغ.
– ولكن – يا سيدي – ماذا تريد أن تقتل هنا؟ إن كل من تراهم هم قتلى بالفعل! أكثر من ثمانين ألف قتيل تحت هذا التراب!
– إذن لا مفر من إحيائهم من جديد، لأقتلهم ثانية! هذه سُنَّة الحياة.
– ومَنْ وضع هذه السُّنَّة؟
– القادة المصلحون، أمثالي!
– وهل القادة والمصلحون صناعتهم القتل؟
– نعم، يها الأحمق. لابد أن يكونوا قتلة لينظفوا الأرض من الحثالة القديمة، ويعدُّوها لغرسهم الجديد!! ص (2)
ومن المهم الإشارة إلى الفهم الكامل للنص في إعداده، حيث تدور القصة الأصلية حول جندي يقترب حديثه من الهلوسة، عن واقعة زيارة القائد حامل الآلة الموسيقية، لدى راوي الحدث، فيتداخل الحدث بين الواقع والحلم نظراً لما حملته شخصية الجندي من سمات، وضعت الحرب آثارها عليه. فاقتصار الحدث على الشخصيتين الرئيستين أضفى للحدث واقعية أكثر، رغم الإشارة للحلم عبر الإضاءة الزرقاء الدالة على الحلم في أكثر من موقع أثناء الحوار.
أيضاً، لم يكن الوعي أثناء الإعداد هو الحسنة الوحيدة، بل الاختيار أيضاً للممثلين في دوريهما: القائد العسكري بتعابير وجهه المستكينة – بالبداية – والتأتأة المستمرة أثناء الحديث، وهي ابتكار المعد، لعدم الإشارة إليها في النص الأصلي، حيث يضطرب جهاز الكلام، أو يعمد إلى تكرار كلمات أكثر من مرة، في الحالات العادية تصنف أنها عائق تواصل، مما يؤدي إلى العزلة الاجتماعية، والقلق من المواجهة، والخوف من التحدث، خاصة في العلن، وإقران التلعثم بشخصية القائد الشرسة، عاشقة الدم والموت، وصوت السلاح الذي يغلفه بغطاء الموسيقى –مجازاً – في إشارة إلى طربه لصوت الموت. غير أن علم النفس يرجع التأتأة لهذا النوع من الشخصيات إلى أن الأشخاص الذين لديهم مشكلات نفسية وانفعالات في التفكير تؤدي أن تكون طريقة الكلام أو إيقاعه لا يشبه هذه الشخصية المسرحية، التي أجاد فيها مهدي سلمان الشاعر أولاً ذو الصوت الرخيم/ القوي توظيف صوته وانفعالاته لخدمة الشخصية القوية/ الحازمة/ الجازمة، بأن لعبة القتل الفردية لا تروقه! حتى كتلة جسمه الأطول والأثقل، مقارنة بزميله الجندي الأقل منه مكانة في الترتيب العسكري، نبرة الصوت التي أخذت موضعها في شخصية القائد المزدوجة، وأيضاً في مونولوجات الجندي، الذي رغم طولها أحياناً ألا أن فهم الممثل لطبيعة النص والحدث وتقلب الشخصية وصدق الأداء، ووصف الحدث كأنه مازال ماثلاً أمامه، لم يثر في المتلقي أي شعور بالرتابة أو الملل، لأنه نجح في التوصيف والمعايشة وصدق الأداء، عوضاً عن الانتباه لسلامة الحوار وحسب.
وكان لاختيار قاعة العرض في (ساحة مشق للفنون)، دون أن يكون المكان مهيئاً تقنياً لعرض مسرحي له وجهان متضادان؛ فالقطع الموجودة بالمكان أصلاً، وطوعت لصالح العرض، قد نجحت في إضفاء واقعية للحدث من ناحية كونه مكان ضيافة بشكل ما، أما الإضافات التي اجتهد فريق العمل في تكوينها حتى تظهر بمؤثر الدبابة، لم يزد في العرض الذي كان ممثلاه يؤديان بما يكفي لإثارة خيال المتفرج بالدبابة التي جاءت تهشم كل من يقف في طريقها بصوتها الأرعن القبيح. وما ينطبق على القطعة التي استخدمت كدبابة، ينطبق على المؤثر الصوتي للسلاح الذي يفترض أنه جزء حميمي من القائد كأداة متعة. “إنك لن تستطيع أن تصبح قائداً، إلا إذا استطعت أن تقتل وأنت تغني. لن تستطيع أن تصنع الحياة، إلا إذا صنعت لآخرين الموت.. هذه سُنَّة الوجود!” (3). فإذا أحس المتلقي أن السلاح الذي يتباهى به القائد جزء مكمل/ مفصول، وليس أساسياً في التخلي عنه على الطاولة، أو عدم انسجام المؤثر الصوتي مع الأداء، حين يبين القائد نشوته في الطلق الحر بالهواء، ليبين أن صوت الرصاص يشجيه، ويحبه، ويتعامل معه كأنه جزء من جسده، لأنها في مكونه الضمني الداخلي.
وكذلك، في العروض التي تعتمد على الإضاءة بشكل رئيسي، كما في هذا العرض، لابد من التركيز على التحولات التي تنشأ في تطور الشخصية، لإيضاح التغيير الذي صاحبها، وقد حدث هذا بالفعل حتى أثناء المونولوجات، لكن كانت هناك كثرة لونية أخلَّت بالمعنى المنطوق، إضافة إلى أن تأثير الإضاءة المباشرة على المشاهدة، نظراً لأماكن وجودها المختلفة تماماً عن خشبة المسرح، والتي يتم تثبيتها بطريقة لا يلاحظ المتفرجون إلا تأثيرها. ورغم أن العرض لم يستدعِ وجود الجمهور على الخشبة -المفترضة-، كما يحدث في العروض التي تكسر الحاجز الرابع، بذل الممثلون جهدهم ليتمكن الجمهور – من الطرفين – مشاهدتهم، بسبب توزيع أماكن الجلوس بما يتناسب مع مساحة المكان المفتوحة التي استقبلت من قبل عروضاً مسرحية ذات حضور جيد، وإمكانية استقبال جمهور كافٍ لإقامة ثلاثة عروض ممتعة للجمهور.
أخيراً: من المهم التنبُّه إلى التغيير الذي أضافه المعد مهدي سلمان في تغيير اسم العمل؛ من رائحة الدم، أو أنشودة الدم، إلى صولوsolo ، والتي تحيلنا تلقائياً إلى التعبير الموسيقي المقصود به: العزف المنفرد على آلة، وعن الربط الذي فعله سلمان بين المزاج الحربي للقائد، حامل غطاء الآلة الموسيقية/ المدفع الرشاش، وعن العلاقة التي أشرنا إليها، وعن الجندي التوَّاق للحياة والجمال، ويطلب الشعر والموسيقى، وهو في حضرة الموت، وخارج من حرب مدمرة، بات فيها معظم أقرانه ممن لم يغادروا المكان إلى بلدانهم تحت التراب الذي يحيطه ويحرسه، وإلى المعنى الموسيقي المباشر الذي يتركه العزف المنفرد لجمهور يراه ويسمعه، سواء كان عزفه على التشيلو.. أو المدفع الرشاش.
(1) مصطفى محمود، رائحة الدم، الأعمال الكاملة للدكتور مصطفى محمود، قطاع الثقافة، ب ت، ص (26)
(2) نفس المرجع السابق، ص 36
(3) نفس المرجع السابق، ص 38
عدم العثور على الخلاء. عدم العثور على الطفل. عدم العثور على آثار. عدم العثور على المرأة التي تظهر في كل الشبكات. عدم العثور على صك تملك الصحراء. عدم العثور على قبر الأب بعد السيل. عدم العثور على صلصة الغواكامولي. عدم العثور على الكاتب الميت في غرفته. عدم العثور على الأغنية في غيمة الصوت. عدم العثور على مفتاح زجاجة البيرة. عدم العثور على القُبلة.عدم العثور على القِبلة. عدم العثور على أثر سجود. عدم العثور على نجار. عدم العثور على محطة وقود. عدم العثور على ورق التواليت. عدم العثور على القميص الأثير. عدم العثور على الموبايل في حقيبة البنت. عدم العثور على سيارة أجرة في الأطراف. عدم العثور على تذكرة. عدم العثور على جورب. عدم العثور على إبرة لنزع شريحة الموبايل. عدم العثور على النظارة. عدم العثور على المحفظة. عدم العثور على الضحكة. عدم العثور على زجاجة الحليب عند الباب. عدم العثور على مقعد. عدم العثور على السيارة في الموقف متعدد الأدوار. عدم العثور على الحلاق القديم. عدم العثور على مصففة الشعر الوحيدة في الكون. عدم العثور على طريقة لفك تشابك سلسال البنت وتكتل الفريق البغيض. عدم العثور على الفرشاة. عدم العثور على القهوة. عدم العثور على المفتاح أمام الباب. عدم العثور على المفتاح خلف الباب. عدم العثور على أحد يطرق الباب. عدم العثور على العنوان. عدم العثور على موبايل البنت الجميلة المختفية منذ خمسة وعشرين عاماً (هل ما زالت جميلة؟ لم يكن لديها في الأصل موبايل ). عدم العثور على طريقة لتربية الأولاد. عدم العثور على مدرسة جيدة. عدم العثور على قبول. عدم العثور على وظيفة. عدم العثور على ستارة مناسبة. عدم العثور على الولاعة. عدم العثور على مكانٍ للتدخين. عدم العثور على طاولة. عدم العثور على سرير في المستشفى. عدم العثور على اسم شخص ما. عدم العثور على تفسير للأحلام. عدم العثور على أحلام. عدم العثور على قصيدة في ديوان. عدم العثور على نعناع في حافلة النعناع. عدم العثور على سكّر في السكرية الأنيقة. عدم العثور على النسخة الكاملة من الفيلم. عدم العثور على النسخة المترجمة. عدم العثور على الريموت. عدم العثور على الرقم السري لكل شيء. عدم العثور على دمعة في البيت. عدم العثور على متبرع. عدم العثور على الرجل الملعون الذي يبيع. عدم العثور على بطاقة الدخول للمبنى الغبي. عدم العثور على مقاول. عدم العثور على سائق. عدم العثور على خادمة. عدم العثور على طريق الخروج من موقف الأدوار المتعددة. عدم العثور على زر إزالة الغيوم من زجاج السيارة. عدم العثور على ناجين. عدم العثور على الطريق. عدم العثور على الضياع. عدم العثور على الحانات. عدم العثور على معبد. عدم العثور على الشهادات. عدم العثور على القناة. عدم العثور على الشبكة. عدم العثور على زبدة. عدم العثور على قنينة ماء من نوع ما. عدم العثور على امرأة من برج القوس. عدم العثور على طبيب أسنان جيد. عدم العثور على موقف عند عيادة طبيب الأسنان . عدم العثور على ابتسامة الفينير. عدم العثور على البحر في برشلونة. عدم العثور على الطقم، أي طقم. عدم العثور على الصباح، أو على أحدٍ في الصباح. عدم العثور على قرض. عدم العثور على منحة، أي منحة. عدم العثور على المسئول. عدم العثور على الحكمة، أو المنديل. عدم العثور على الألغام ومفقودي الحرب. عدم العثور على خطة للسلام. عدم العثور على ال Bra. عدم العثور على صديقٍ يعتني بالقطط وقت السفر. عدم العثور على مفتاح الضوء. عدم العثور على أحد في جميع الغرف. عدم العثور على أحد في الحمامات السبعة. عدم العثور على قصة يمكن تصديقها، أو قصةٍ يصعب تصديقها. عدم العثور. الذي نسميه (الحياة).
*نص: عبدالله حمدان الناصر *المصدر: ديوان اللحاق بالرمل
لم تكن لدى والدي مكتبة كان هناك رفّ يكدّس فوقه كتباً بأسماء غريبة وأغلفة جلدية بإطارات مذهبة بأسماء متماثلة كما لو أنها تنحدر من عائلة واحدة وهي بموضوع واحد فقط يقول:لا يجب أن تُقرأ كتب أخرى هذه كافية لأن تُغني عن كل شيء وهي قادرة على أن تُطهر النفوس الملطخة على أحد الأغلفة عنوان “القلب السليم” أتذكر الأيدي العديدة التي تناقلت هذا الكتاب كما لو أنه يحوي كنزاً لكننا في البيت لم يكن لأحدنا أن يملك قلباً سليماً وجدت كتاباً في مكان مخبوء في منتصف الصفحات صورة امرأة عارية النهدين كأنها تطل من النافذة حتى أنه لو مددت يدك لتحسست استدارتهما الكاملة والحلمتين النافرتين من خلف خصلات الشعر المندسل فوقهما عرفت وقتها أن حوريات الجنة اللواتي يُطلبن بالاستغاثة والدعاء قد تجدهن بين صفحات الكتب التي تُقرأ في السرّ.
الترجمة اختيار. لذلك فالسؤال الأول هو: كيف أختار، وماذا أختار؟
الإجابة في حالتي تحكمها رؤية بسيطة. ليس هدفي أن أنقل إلى العربية اتجاهاً محدداً في الأدب الألماني، أو كاتباً معيناً أرى أن كتاباته تتوافق مع الذوق العربي، أو نصوصاً كل ميزتها الجرأة والصراحة الكاشفة أو الفاضحة لأنها تكسر تابوهات معينة. تتوزع اختيارتي على أعمال شديدة التباين والاختلاف، لا سيما أعمال بعض الكتاب من ألمانيا الشرقية سابقا، لأنها تعالج قضايا الدكتاتورية والتحول الديمقراطي، وهي قضايا ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلينا في المنطقة العربية. لهذا قمت بترجمة رواية “قصص بسيطة” للكاتب إنجو شولتسه، ورواية “قاتل لمدة عام” للكاتب الألماني الغربي فريدريش كريستيان دليوس. وقد تكون متعة قراءة نص جيد هي الدافع للترجمة؛ كان هذا هو السبب في قيامي بترجمة أعمال مثل “الكونترباص” لباتريك زوسكيند و”العطل” و”الوعد” لفريدريش دورنمات. كان همي – ولا يزال – هو نقل أعمال متميزة من كافة اتجاهات الأدب الألماني اللغة المعاصر، أي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945. أقول أعمالاً متميزة، إما لأنها حققت شهرة في داخل المنطقة الألمانية (مثل “قصص بسيطة” لإنجو شولتسه)، أو لأنها حققت نقلة فنية أو أسلوبية وبالتالي كانت لها أهمية نقدية (مثل “مونتاوك” لماكس فريش)، أو لأنني أرى أن هذا العمل مناسب للقارئ العربي (مثلاً “الحيوان الباكي” لميشائيل كليبرغ والذي يتحدث فيه عن رحلته إلى لبنان وعلاقته بالشاعر عباس بيضون). وأحياناً أنقل عملاً لكاتب شبه مجهول لدى القارئ العربي ويجدر التعرف إليه (مثل توماس برنهارد وكتابه “صداقة”).
الترجمة تتطلب مني الالتزام بنظام صارم، فمعظم ما ترجمته، قمت به بجانب عملي اليومي في الصحافة وفي الترجمة الفورية. ولهذا تتم الترجمة ببطء نسبي، وأعتقد أن هذا البطء يخدم – عموماً – الترجمة. أترجم في البداية النص كمخطوطة، بخط اليد أو مباشرة على الكمبيوتر، وهو ما أصبحت أفضله في السنوات الأخيرة لأنه يوفر الوقت. هذه المسودة أعمل عليها أكثر من مرة. المرة الأولى لأتأكد من صحة الترجمة والمحافظة على المعنى الأصلي. في المرة الثانية والثالثة، وأحيانا الرابعة، أعمل على الأسلوب العربي – وهذه هي المرحلة الأصعب، أعني أن يُراعي المترجم سمات الأسلوب العربي وأن يحافظ في الوقت نفسه على ملامح الأسلوب الأصلي. ليس هدفي في الترجمة أن أقدم نصاً عربياً يمحو شخصية الكاتب الأجنبي (يعني مثلاً إذا كان هناك كاتب يتعمد ألا يستخدم تعبيرات شائعة أو مصطلحات مسكوكة ويستخدم الكلمات استخداماً جديداً، فعلى الترجمة أن تعكس ذلك). هدفي هو تقديم نص عربي سلس يحافظ على البيئة الألمانية والسمات الأسلوبية للأصل.
العمل الوحيد الذي تفرغت لترجمته كان “عازفة البيانو”، فبعد حصول يلينك على نوبل 2004 شعرت بأهمية نقل عملها الأساسي إلى العربية. تفرغت تماماً للترجمة، وحصلت على منحة من معهد المترجمين في مدينة شترالين الألمانية. هناك كنت أعمل ما لا يقل عن 12 ساعة يومياً. أعتقد أن هذا التفرغ كانت له ميزة، وهو أنني عايشت بطلة الرواية نهارا وليلا إذا جاز القول. من ناحية أخرى كنت أعمل تحت ضغط كبير، إذ كان عليّ أن انتهي من الترجمة بسرعة لكي تُطبع قبل معرض الكتاب في القاهرة في يناير 2005. كانت تجربة ثرية وخصبة، وما زالت أعتبر هذه الترجمة من أهم ما قدمته للقارئ العربي. ______ *تحقيق: كيف تترجم؟ جولة في الفناء الخلفي لأربعة مترجمين – حسين بن حمزة (الضفة الثالثة)
كثيرا ما تم تَبْخِيسُ اشتغال المترجم باختزاله في نقل المعاني من لغة إلى لغة أخرى، في حين أن هجرةَ النصوص هجرةُ معنًى ومبنًى من ثقافة إلى ثقافة أخرى.
* *
ترجماتي جزء أساسي من مؤلفاتي الأصيلة، وأنا هنا أُفَضِّلُ الكلمة التراثية “صَنْعَة” على الكلمة الرائجة: تَرجمة. كليلة ودمنة للهندي بيدبا، الصنعة العربية لابن المقفع.
* *
عندما يكون لي الخيار بين طيف من الكلمات، أَسْتَرْشِدُ بأرسطو: “بين كلمتين، ينبغي اختيار أخفِّهما.” [الْقِيَمُ إِلَى نِيقُومَاخوسْ، السِّفر 2، 9.4]
* *
عندما أنقل شعراً حراً أو موزوناً عن لغة وسيطة، أصوغ الصنعة العربية نثراً، مما يتيح لي — بحرية أكبر — البحث عن إيقاعات، فواصل، جَرْسٍ حروفي وترادفات صوتية تتواءم مع حمولة النص.
* *
في تقديس النقل عن الأصل بعضٌ من ميتافيزيقا البحث عن كلام البدايات: إدراك أجواء عوالم ورؤية الشعراء النظرية أهم من تملك ناصية اللغة الأصل دون رؤية مؤسَّسة في الترجمة والحواشي الثقافية للنصوص. [سان-جون پرس/ أدونيس/ علي اللواتي.]
* *
الترجمات تشيخ، وبعضها يصمد إذا استطاع إنتاج نصٍّ نِدٍّ يَتَوَفَّقُ، وسط لغة وثقافة استقباله، في أن يقطع مع الأصل ليشكل مرجعا ومصدرا كأنَّ لا سابق له [صنعة بودلير ومالارمي لإدغار ألن پو.]
* *
لا أترجم إلا ما أُغْرِمْتُ به، حدَّ أنني أتمنى لو كنتُ كاتبَه، أَتَمَاهَى معه؛ فيما خلا حالة استثنائية واحدة: أحببتُ كثيرا قصائد الشاعر الصهيوني [يصرح للصحافة بأنه عراقي أيضا] رُونِي سُومِيكْ، رغم أني قرأته قراءةً مُتَرَصِّدَةً، قراءةَ عَدُوٍّ لِعَدُوٍّ؛ وكذلك ترجمتُه ترجمةً مترصدة: لم أَتَعَامَلْ مع النصوص التي تتخذ لها المشرقَ العربي كجغرافيا مثلما تعاملتُ مع النصوص التي تجري خارج أرض الصراع.
* *
ترجمتُ سونيتات من عصر النهضة الأورپية، وكانت تَطِنُّ في رأسي — ساعتذَاكَ — موشحات أندلسية؛ سوُنِيتَةْ: أُغْنِية صِقِلِّيَّةٌ وَجيزة، كان العرب هناك. تْرُوبَادُورْ: طَرَبْ دَوْر، دور موسيقي؟ أم دوران وحوم بين الأمكنة؟ أم هو دوران على طريقة الدراويش المولوية؟ ثمة خيط يبقى رابطا بين الكلمات حين تهاجر من ثقافة إلى ثقافة؛ الاشتقاق يحوك ما انْفَتَقَ؛ الترجمة تكشف أواصرَ لم تخطُر على بال..
* *
تَمَرَّنَتْ وانصَقَلَتْ لغتي الشعرية عبر مِحَكِّ الترجمة: محاولاتي في استجلاب تراكيب وعبارات فرنسية نحو العربية أسهمت في إبعادي عن بعض شيخوخة وطهرانية التمسك بأطروحتي فصاحة وعبقرية اللغة العربية. “الشعر لغة داخل اللغة” [پُّولْ ڤَالِرِي]، وعليه فترجمة الشعر متاهةُ لغاتٍ، لغةٌ داخلَ لغةٍ داخلَ لغةٍ..
* *
مجموع ترجمات النص الواحد هو مجموع تأويلاته؛ ليست ثمة ترجمة نهائية [مثلما ليس ثمة نص نهائي]، بما أنه ليست ثمة قراءة تأويلية تستطيع استنفاذ غِنى النص. لا ترجمة السابقين لي تثبط عزيمتي في وضع ترجمة جديدة، ولا ترجمتي تغلق باب الترجمة من بَعدي.
* *
ثمة شعراء أساسيون حجبت ترجماتُهم نصوصَهم الأصيلة، غالباً بسبب سياسة الناشرين والإعلاميين التي تُسَوِّقُ الأسماء والمطبوعات وفقَ هوى السوق: جاك لاكاريير، دومينيك ﯕـرامون، كلود إستبان، بسام حجار، محمد الشرﯕـي..
_______
*تحقيق: كيف تترجم؟ جولة في الفناء الخلفي لأربعة مترجمين – حسين بن حمزة (الضفة الثالثة)
أختار للترجمة ما ينقصني، ما ينقصني كمعرفة، أو كمتعة. أترجم مستهدفا نفسي في الحقيقة، صحيح أنني أترجم لأن هذه مهنتي التي أعيش منها. لكن من حسن حظي، أن ما ترجمته لكسب لقمة العيش فقط أقل كثيرا مما ترجمته لضرب عصفورين بحجر واحد.
***
أعترف أنني لا أقرأ كتابا بالكامل قبل أن أترجمه. بديهي أن هذا هو المنهج الصائب، لكنني حينما التزمت به مرة واحدة، جاءت الترجمة عملية كريهة ميكانيكية تخلو من أي إثارة. ما أفعله أنا ـ ولا أنصح به غيري ـ هو أنني ألقي نظرة، أقرأ الفقرات الأولى من المقال، فصلا أو اثنين من الكتاب، أتثبت من قيمة النص وجديته عبر مقال مكتوب عنه أو اثنين، ثم أشرع في الترجمة، متعجلا اللحظة التي أتجاوز فيها ما قرأت من النص سلفا، لتبدأ متعة الاكتشاف، وتصبح كل جملة أترجمها هي خطوة جديدة في طريق مليء بالمفاجآت.
***
القصائد فقط أقرؤها كاملة قبل أن أشرع في ترجمتها، ربما مرة بعد مرة إلى أن تبدأ العربية تزاحمني في القراءة، وتعترض الشعر قبل أن يصل إلى ذهني، مقترحة من عندها كلمة لكلمة في القصيدة، أو عبارة كاملة، فأبدأ الترجمة، حريصا أن ألتزم بأكثر ما ألزم به الشاعر نفسه، فأحافظ له على تقسيم السطور، والمقاطع، وربما التراكيب نفسها. ثم أُنحّي النص الأصلي، وأظل “أسمكر” في الترجمة، مضحيا بكثير مما ألزمت به نفسي، إلى أن يتسنى لي أن أقرأ القصيدة بصوت مرتفع فلا أصادف عائقا، بل أجدها تنساب سلسة على لساني، على لساني على الأقل. بذلك أكون ضمنت أن يستمتع ولو قارئ واحد، هو أنا.
هكذا لا تنفصل ترجمة الشعر عن “مراجعته”. هي عملية واحدة تقريبا. أما النصوص الأخرى، من مقالات وروايات وكتب، فللمراجعة شأن آخر.
***
أترجم عادة في الصباح، في الصباح المبكر جدا، في الوقت الذي يخصصه المؤمنون لآلهتهم، والآباء لأبنائهم، والكتاب لكتابتهم. أترجم لساعات طوال الصباح. ثم أنقطع عن الترجمة إلى شؤوني مهما تكن. وفي المساء أراجع ما ترجمته في الصباح. لم يحدث إلا مرة واحدة أن أرجأت مراجعة رواية (من تسعين ألف كلمة تقريبا) إلى حين الانتهاء من الترجمة. وكم كانت التجربة بشعة. مواجهتك بعد شهور لما راكمت من أخطاء (في فهم النص الأصلي طبعا، وفي نحو لغتك طبعا، وفي الإملاء طبعا، وفي التركيز بلا أدنى شك فتمنح اسم الكلبة لسيدتها، واسم السيدة لزوجها، واسم القاتل للقتيل، فإذا بك أمام رواية رثة لا إصلاح لها إلا بعناء شديد). أما المراجعة اليومية، للصفحات القليلة، فتضمن لي بعد شهور أن أقابل نصي فأجده مستعدا لاستقبالي، قارئا، يضبط همزة هنا، أو يضيف حرفاً هناك، أو يصحح خطأ أكثر جسامة أفلت من المراجعة الأولى. وأحسب أن الجزء المتعلق بالمراجعة اليومية هو الجزء الوحيد الذي قد أنصح به مترجما غيري.
***
حتى عام 2005 ظلت قواميسي الورقية مرجعي الوحيد تقريبا، وظللت كلما توافر لي فائض من المال أشتري مزيدا من القواميس. وفي عام 2005، أصبح لدي أول لابتوب شخصي، وأصبح لدي اتصال رخيص بالإنترنت، وأصبحت في غنى عن جميع قواميسي.
في السنوات الخمس السابقة على امتلاكي للإنترنت، ترجمت ثلاثة كتب (كلها شعر) وعشرات المقالات لبعض الجرائد، أهمها أخبار الأدب. وفي السنوات التالية ترجمت بقية كتبي، ومئات المقالات والقصائد والقصص، وتسارع إيقاعي في الترجمة بصورة لا ترجع فقط إلى تراكم الخبرة، بل إن من أهم أسبابها التيسيرات التي أدخلتها التكنولوجيا على عملي. في أول عهدي بالترجمة لم يكن يتاح لي الاطلاع إلا على نسخة من هيرالد تريبيون تصلني بعد يوم من التاريخ المثبت عليها. ونسخة أسبوعية من مجلة تايم. فإن عثرت في كليهما على عرض كتاب جيد ترجمته وإلا فلا. أغناني الإنترنت عن كل ذلك وفتح لي مصادر للعمل تكاد تكون بلا حدود. يكفي تماما أن أكون على اتصال بالشبكة فتغنيني عن كل مرجع ورقي تقريبا. والآن، مثلا، وأنا أكتب هذه الكلمات، لا يوجد حيثما أوجد قاموس ورقي أصلا. بل إن قواميسي الحبيبة الأولى خارج القاهرة كلها، فهي بيت أمي، تجمع غبارا تزيله عنها كل بضعة أسابيع يدٌ غير يدي. _______ *تحقيق: كيف تترجم؟ جولة في الفناء الخلفي لأربعة مترجمين – حسين بن حمزة (الضفة الثالثة)
منذ سنوات بعيدة كان مُدَرِّسُنا في مادة الأخلاق يسألنا مطلع كل خريف: إنْ شبّ حريق في متحف ما الذي سَتُنقذونه؟ لوحة لرامبرانت أم امرأة عجوزاً ليس أمامها غير سنوات معدودة تعيشها؟ نافدي الصبر على المقاعد القاسية لم تكن تهمنا اللوحات ولا العجائز. في السنة الأولى اخترنا إنقاذ العجوز، في السنة الموالية انْحَزْنا للفن ودائماً بقليل من الحماس. أحياناً كانت العجوز تبدو بملامح جَدَّتي وقد تركت المطبخ كي تتجوّل في متحفٍ مُوحِشٍ يصعب تخيّله. في سنة لاحقة أجبْتُ، معتقدةً أنني في منتهى الذكاء: لماذا لا نترك للعجوز الحقّ في اتخاذ القرار؟ ليندا، قال لي المُدرِّس، تَفَادَيْ عِبْءَ المسؤولية. في هذا الخريف، وقد أصبحت عجوزاً تقريباً أنا نفسي، أَجِدني في متحف واقعي أمام رَامْبرَانت حقيقي. داخل إطار اللوحة تبدو الألوان أشدّ قتامةً من الخريف، وحتى من الشتاء، رغم أن العناصر الأشد لمعاناً تضطرم في اللوحة. الآن أعرف أن المرأة واللوحة والفصل تشكِّل شيئاً واحداً وجميعها موجودة بعيداً عن إنقاذ الأطفال.
(ترجمة: المهدي أخريف)
الخصوصية في أنطولوجي
نقوم بإحصاء الزيارات واستقراء البيانات العامة، وقد يفعلُ شركاؤنا أيضًا وبعضُ الأدوات التي نستعين بها.
الموافقة اختيارية لكننا نحب لو توافقون، وبيننا وحي الأدب، وهذه سياسة الخصوصية (تُفتح في لسانٍ جديد).