المدونة

  • بريد السماء الافتراضي – حوار مع جويس منصور

    Woman Floating
    Jennifer Bartlett

    ((بريد السماء الافتراضي))
    جزء من حوار مع الشاعرة المصرية جويس منصور
    ————————————————

    س/تحدثتِ عن مراكبَ تسبحُ في مياه تخرج من الصخر.وتحدثَ رامبو فيما مضى عن المركب السكران .ما الذي يُمَيّزُ مركبك عن مركب رامبو برأيك ؟
    ج/ثمة فرقٌ شاسعٌ ما بين المركبين بالطبع.رامبو كان يستعملُ الخمرَ وقوداً لمركبهِ.فيما كان مركبي لحمي يعملُ بطاقةِ الحبّ .

    س/ولكن الخمر والحب من فصيلة (أثنية) واحدة .إلا تعتقدين بذلك؟
    ج/أنا معكَ.ولكن الحبّ هو خريطةُ طريقِ الخمرِ ومشتقاته.هكذا كان علىّ أن أدخر ذلك الإيمان القوي بمثل فكرة من ذلك القبيل.

    س/إلا تعتقدين بأن الإيمان بفكرةٍ محددة يُفسدُ الحياة الشعرية،لأنه يمنعُ التنوعَ من أن يأخذَ مداهُ في مكونات الشاعر وتكوينهِ جسداً ولغةً ورؤى؟
    ج/كما أظن،فلا عهد للشيطان بنمط فلسفي واحد موحد،لأنه سيدُ التبدلات،ولا يريدُ لنفسه أن يكون أسير نظرةٍ ضيقة.أما أنا فقد حاولتُ أن أسدَّ الفراغات بسوريالية كانت تحتاجني.

    س/ومن أين أدركتْ جويس بأن السوريالة كانت تحتاجها؟!
    ج/عندما شعرت بأن في جسدي تموجاً ،قد بدأ يبلغُ مداهُ الناريّ ما بين اللحمي واللغوي.تأكدتُ من أن ذلك الطقس السريالي هو منْ يُسرّعُ عمليات الانبعاث الحيويّ للمخيّلة،ولكنه أيضاً ، لا يحول دون التمتع حتى بكتابة الآثام،تلك التي تنظر إليها الشعوب على أساس قوانين التابو أو الخجل والحرام.

    س/وهل للشعر أخلاقٌ مختلفةٌ عن بقية أخلاق المجتمعات مثلاً؟
    ج/عندما يفكرُ الشاعرُ بالأخلاق وتوابع الأخلاق،ينتهي كما الصرصار على الرصيف.
    س/ يكشفُ القارئ الحاذقُ بأن نصوصّ جويس تتضمنُ مثليةً جنسيةً .ما رأيكِ ؟

    ج/ كل الحركات الفنية والشعرية والأدبية من واقعية ودادائية وسريالية وتكعيبية وفطرية، إنما تمثلُ أجساماً قابلةً للتعدد الوظيفي في العمل الجنسي الشاذّ،وبالتالي فأن ما تطرحهُ من نصوص ،هي في حقيقتها ليس إلا نصوصاً مثليّة .
    فما من مؤلف أو شاعر –ذكراً أم أنثى- إلا ويملك رغبةً بتوريط أبطاله بمثليّة ما من المثليّات،سواء كانت جنسية أو سياسية أو أخلاقية أو اقتصادية أو فنية أو إيديولوجية.

    س/هل لأن التجربة الفنية، لا تبنى إلا على أساس إشكالي ؟

    ج/بالضبط.فما من مفكر أو روائي أو فنان، إلا ويبني نظريتهُ على أساس إشكالي .فكلّ نصّ فارغٍ منذ ذلك الحطب الإشكالي ،لا يتقدم على أرض الذهن البشري بوصة واحدة.ولا يقدح.

  • ممكنات – فيسوافا شيمبورسكا

    ممكنات – فيسوافا شيمبورسكا

    أُفضِّلُ الأفلام.

    أُفضِّلُ القطط.

    أُفضِّلُ أشجار السنديان على امتداد نهر الفارتا.

    أُفضِّلُ ديكنز على دوستويفسكي.

    أُفضِّلُ نفسي في حبها للناس

    على نفسي في حبها للجنس البشري.

    أُفضِّلُ أن أحمل معي إبرةً وخيطاً على سبيل الاحتياط.

    أُفضِّلُ اللون الأخضر .

    أُفضِّلُ أن لا أصِرّ

    على أن العقل لا يُلام على كل شيء.

    أُفضِّلُ الاستثناءات.

    أُفضِّلُ أن أمضي في وقت مبكر .

    أُفضِّلُ أن أتحدث مع الأطباء حول أمرٍ آخر.

    أُفضِّلُ الرسوم التوضيحية القديمة بخطوطها الدقيقة.

    أُفضِّلُ عبثية كتابة القصائد

    على عبثية الامتناع عن كتابة القصائد.

    أُفضِّلُ، فيما يخُصّ الحب، المناسباتِ غير المحددة

    التي يمكن الاحتفال بها كل يوم.

    أُفضِّلُ أصحاب المبادئ الأخلاقية

    الذي لا يَعِدونني بشيء.

    أُفضِّلُ اللطف الماكر على ذلك النوع من اللطف المبالغ فيه.

    أُفضِّلُ الأرض ,وهي ترتدي الملابس المدنية.

    أُفضِّلُ البلدان المقهورة على البلدان الغازية.

    أُفضِّلُ أن تكون لديّ بعض التحفظات.

    أُفضِّلُ جحيم الفوضى على جحيم النظام.

    أُفضِّلُ حكايات الجنيات من تأليف الاخوين غيم على الصفحات التي تتصدر الصحف.**

    أُفضِّلُ أوراق الزهور بلا زهور على الزهور بلا أوراق .

    أُفضِّلُ الكلاب التي لها ذيول غير مقصوصة.

    أُفضِّلُ العيون ذات الألوان الفاتحة لأن عينيّ داكنتان.

    أُفضِّلُ أدراج المكاتب.

    أُفضِّلُ أشياء كثيرة لم أذكرها هنا

    على أشياء كثيرة أهملت ذكرها هي الأخرى.

    أُفضِّلُ الأصفار التي تكون طليقة

    على تلك المصفوفة وراء صفر.

    أُفضِّلُ وقت الحشرات على وقت النجوم.

    أُفضِّلُ أن أطرق على الخشب.

    أُفضِّلُ أن لا أسأل كم ومتى.

    أُفضِّلُ أن آخذ في الحسبان حتى إمكانية

    أن لدى الوجود أسبابه الخاصة التي تبرر وجوده.

    ترجمة أ / نزار سرطاوي

  • محاورة كاهن ومحتضر: الماركيز دو ساد

    محاورة كاهن ومحتضر: الماركيز دو ساد

    تقديم: عبد القادر الجنابي
    ترجمة: سحبان أحمد مروة

    “إنّ أكثر الناس تسامحاً لن ينفي حقّ العدالة في قمع الذين يجرؤون على نشر الإلحاد، وأن ينفي حقها حتى في إعدامهم إن لم تتمكن بطريقة أخرى من تخليص المجتمع منهم. إذا كان بإمكان هذه العدالة أن تعاقب من يسيء إلى شخص واحد، فلديها دون شكّ الحق نفسه في معاقبة الذين يسيئون إلى مجتمع بأكمله برفضهم أن ثمّ إله… شخص من هذا النوع يمكن النظر إليه عدوّاً لمجمل الآخرين”


    يعطي هذا المقطع الذي كان ديدرو ودالمبير بين موقّعيه فكرةً عمّا كان عليه القرن الثامن عشر، بالرغم من ادعائه التنويري وأفكاره الليبرالية من تزمت في الآراء وتصلب في المعتقدات حتى لدى فلاسفته الأكثر إدعاءً برفض الدين.
    ماركيز دو ساد، نموذج الإباحية الشاملة والإلحاد الذي لا رجوع عنه، هو ابن هذا القرن؛ قرن التنوير المتواطئ.
    عتّم على أدبه لمدّة قرنين، كان عليه أن ينتظر ظهور السوريالية حتى يزاح عنه الستار فها هي أعماله تذهل أندريه بروتون وغيّوم ابولينير الذي عرّف دو ساد بأنه “أكثر العقول حريّةً على الإطلاق”. على أن الروح الحرّة هذه قضت معظم حياتها في السجن الذي دخلته لأول مرة عام 1763 لتمضي في ظلماته سبعاً وعشرين سنة من الحبس المتقطع، موزّعة على ثلاث أنظمة سياسية واحدى عشر سجناً، انتهت في مصحّ عقلي عند موت الماركيز عام 1814. عالم دو ساد، عالم السجن الذي فضل البقاء فيه على أن يتخلى عن أفكاره ورؤاه. إنه عالم مغلق وصفه بروتون بالحافز الآخر، عند ساد، لفائض الخيال، بعد الحافز الأول؛ العبقرية.
    “حوار بين كاهن ومحتضر” نص لم يكتبه دو ساد على شكل مسرح، لكنّه أقرب ما يكون من المسرح. وبالفعل فالكتابة المسرحية عند دو ساد تبرز في نحوها الأمثل عندما لا يكتب المسرح. أتمّ دو ساد هذا النص الفلسفي في تموز (يوليو) 1782 خلال سجنه في فينسين. ولم يظهر له أثر إلا بعد قرن من تاريخه حيث بيع مرات عديدة ووصل أخيراً إلى يد السوريالي موريس هاينه الذي نشره للمرة الأولى عام 1926. وهو يجسد تكثيفاً لفلسفة دو ساد بأسلوبه الشامل الموجه، ويوضح موقف “السادية” إزاء الإجرام والتخريب اللذين تعتبرهما مساهمين ضروريين لتحقيق “الطبيعة” بالاضافة إلى قوى الخلق ويوضح النص ارتباط هذه القيم “السادية” المباشر بالالحاد وبنوع هذا الأخير منها. ويتضح فيه الفرق في نقد الدين ما بين دو ساد ونقّاد عصره وذلك في نفيه الجذري لوجود الله ورفضه “لطيبة الطبيعة”: فها هو يسأل وكأنه ضمير الحياة الفعلية: «أنت يا مَن خلقت، فيما يُزعم، كلّ ما هو موجودٌ في هذا الكون؛ أنت يا مَن أجهلُ عنه كلَّ شيء؛ أنت يا مَن لا أعرفه إلاّ بالخبر وبما قاله لي عنك ناسٌ يخطئون كلّ يوم؛ أيّها الكائن العجيب الغريب الذي يسمّي الله، أُعلن بصريح العبارة وعلى رؤوس الأشهاد أنّ ليس لي فيك أدنى اعتقاد لسببٍ لا يضاهيه سببٌ هو أنّي لا أجد ما يقنعني بوجود مُحالٍ لا يبين عنه أيُّ شيء في الدنيا». وربّ سائل يسأل ما القيمة من شتم الله بعد تيقننا من عدم وجوده؟ «إن عبارات التجديف، يجيب دو ساد، ضرورة جوهرية تمدّ يد العون للمخيلة؛ هذه القوّة التي يُشك بها إلى أبعد الحدود الدعاة والاقتصاديون والاديولجيون وكلّ من يسعى إلى عرقلة النشاط الحرّ للفكر والمشاعر الجنسية. المخيلة هي التي تكشف لنا عن حدود الامكانيات وتغذي الرغبات بالأمل في اشباعها. إنّ سعادة الانسان كلّها تكمن في مخيلته ولا يمكنه تهنئة نفسه ما لم يلبّ سائر نزواتها. والتجديف هو الأداة الأولى»

  • السفاح والكتابة عند ساد: بياترس ديديه

    السفاح والكتابة عند ساد: بياترس ديديه

    ترجمة: حسين عجة

    لا شك أنّ جريمة السفاح، من بين كلّ جرائم العشق في أعمال ساد الروائية، تحتلّ مكانة مميزة. فالعقدة التراجيدية “لدورجفل” (Dorgeville) تكشف عن نفسها عبر الجملة الوحيدة التالية: «حسناً، يا “دورجفل”، لتقر أنّك تتعرّف على أختك المجرمة من خلال زوجتك السيئة الحظ هذه»! أمّا في رواية “فلورفيل” (Florville) و”كورفال” (Corval)، فيطال الموضوع ذروة تعقيده؛ كذلك نشعر ضمن أي فرح يسمح الروائي-الخالق (romancier -démiurge)، قبيل الخاتمة، بالكشف عن تعدّديّة العلاقات والجرائم المشدودة في عقدة واحدة: «لتعترف بي، يا “سنفال” (Senneval)، لتعترف في آن معاً بأختك، تلك التي أغوتك في مدينة “نانسي” (Nancy)، قاتلة ولدك، وزوجة والدك، والكائن الشنيع الذي قاد أمك إلى المشنقة». على العكس من ذلك، تمثل رواية “يوجيني دو فرانفل” (Eugenie de Franval) الحدّ القصي من البساطة؛ غير أنّ تلك الوحدة ليست فاعلة إلاّ من حول انفعال واحد (seule passion)، متطرّف، وتم إعداده منذ وقت بعيد لكي يكون ناضجاً: عشق الأب لابنته الفتية تماماً.
    في نفس المرحلة، يؤلف ساد “مائة وعشرون يومًا” (cent vingt journées) حيث يتخيل جماعة من الخُلعاء المتحدين عبر شبكة علاقات سفاحية (incestueux): «منذ أكثر من ستة أعوام كان هؤلاء الفساق الأربعة المُتطابقون بثرائهم وذوقهم، يتخيّلون تقوية علائقهم أكثر عن طريق التحالفات التي يحتلُّ فيها الفجور موقعاً أكبر من أيّ دافع آخر، أي الدوافع التي تُؤسس عليها عادة العلاقات». وفي رواية “فلسفة الصالون الصغير” (la philosophie dans le boudoir)، تنفجر “يوجيني”: «ها أنا إذاً سفاحة، خائنة لزوجها، وممحونة في آن معاً»!
    إلى جانب هذه الممارسة السفاحية بين الشخوص الأكثر دلالة في العالم الساديّ، تُضاف، كبطانة للفعل، نظرية (une théorie). في “يوجيني فرانفل”، يستدعي الأب التقاليد القديمة، ولأنّ محاوره هو بالدقة قسّ، لذا يشير إلى الأنجيل وقصة لوط (l’histoire de Loth). وفي “لتبذلوا، أيها الفرنسيون جهداً أكبر، إذا ما أردتم أن تكونوا جمهوريين” (Français encore un effort si vous voulez être républicains)، يشرعُ ساد بتبرير سياسة السفاح (politique de l’inceste): «هل أنّ السفاح خطير؟ كلاّ، لا، أبداً، إنه يوسع العلاقات العائلية وبالتالي يجعل حب المواطنين للوطن أكثر فاعلية». بعد ذلك، يُطرح ما لا حصر له من الأمثلة، التي يلجأ إليها ساد عبر مناقبية تاريخية وجغرافية، لكي ينتهي بالقول بأنّ السفاح نتيجة مباشرة للـ “التجمع النسويّ” الذي ينبغي تأسيسه في الجمهورية الحقيقية.

    يمكننا الإشارة إلى تقاليد فلسفية وأدبية معاً. لكن كلّ تلك الحجج، وهذه الأمثلة، كان ساد قد أخذها من العلم التاريخي (science historique) الذي ورثه عن “فلاسفة” عصر الأنوار، وكذلك من حكايات الرحالة، كـ شاردا (Chardin) أو بوغانفيل (Bougainville). كما كان السفاح موضة في العالم الرومانسي، ومن ثم امتدت تلك التقليعة حتى فجر القرن التاسع عشر، لكي تصل إلى سرد قصص العشق المحرمة عند رينيه (René).
    وبالرغم من ذلك، نشعر بإصرار وعنف ساد، ما أن يتناول هذا الموضوع، حيث لا يبقى “للمصادر” و”التأثيرات” من فاعلية تُذكر. نحن نجد أنفسنا أمام أحد الدوافع الجذرية للمخيلة (imagination)، للفلسفة وللرغبة السادية. لا شك أنّه من الصعب تماماً، والعبثي حتى، رؤية ما هي الحوادث البيوغرافية التي تمكنت من تحريك تلك الرغبة. كذلك نجهل إلى حد بعيد طفولة كتّاب تلك المرحلة، لكن ربما نجد أنفسنا، مع بيار كلوسفسكي (P. Klossowski) في كتابه “مع ساد”، أمام عقدة أوديبية (complexe oedipien)، غير مُحدّدة، بيد أنّ هناك عدداً كبيراً من العصابين، الذين يكبحون لديهم رغبة السفاح، التي يشرع منها قلق الإخصاء (angoisse de la castration)، وذلك لأنهم نادمون على رغبتهم بالتضحية بالأب لصالح تلك الأيقونة المُزيفة، الأم»(1). نحن نلاحظ، في الحقيقة، الدور الفقير تماماً للأم في أغلب حالات السفاح السادية. أمّا الحادث السفاحي الآخر لـ دي ساد، فهو متأخر وعديم الضرر نسبياً: يتعلق الأمر بخطفه لأخت زوجته “آن-بروسبير دو لوني” (Anne-prospère de Launay) الراهبة. غير أنّ هذه الشخصية المنقولة عن السفاح الأخويّ (inceste sororal) ما هي إلاّ شخصية ثانوية.
    لا تتمع، دون شك، كلّ أشكال السفاح بذات الأهمية. فعلاقة الأم-الأبن مُنحطة على الإطلاق، لكن علاقة الأب-البنت مُثيرة. كما تتضمن هذه العلاقة، كشيء ملازم، على التضحية بالأم. في “يوجيني دو فرانفال” تكون تلك التضحية، في البدء، مجرد تضحية سايكولوجية: تتألّم السيدة “فرانفل”؛ لكن بعد ذلك مباشرة، لا بدّ من الوصول إلى القتل، بالسم الذي يُكلّف الأب ابنته بتحضيره. أمّا سفاح الأم-البنت في “الفلسفة في الصالون الصغير”، فهو جوهرياً محض إغتصاب، واغتيال للأم، على النقيض من الرضا والسعادة الواضحتين تماماً ما بين الأب والبنت في “يوجيني دو فرانفال” [من الواضح أنّ الخاتمة التراجيدية لهذه الرواية مُسطحة ومجرد مُحاكاة: النبرة العامة لتلك الرواية تنشدُ سعادة العشاق]. لكن في رواية “الفلسفة” يقوم الأب بنفسه بإخضاع الأم للبنت. غير أنّ أشكال السفاح الأخرى ما بين الأخوة والأخوات، فلا تتمتع بذلك البهاء المُقتصر على علاقة الأب بابنته. وما علينا سوى العودة لرواية “فلورفيل” و”كورفيل”: لن نعثر فيهما على أي مشهد يمكن مقارنته بتألق “يوجيني” في رواية “يوجيني دو فرانفال”. وما السفاح الأخوي إلاّ شكل ضعيف، مجازي (métaphorique) للسفاح الجوهري. ولهذا لا تنادي يوجيني، قبل أن تقوم بالفعل، على والدها إلاّ بعبارة «يا صديقي، يا أخي».
    وهكذا يصبح الأب مالكاً مزدوجاً (doublement possesseur)، فإلى جانب حقوقه التقليدية حيال ابنته الصغرى، يُضاف حق العاشق. ليس هناك إذاً من حدود لإرادة القوة (volonté de puissance). بالإضافة لتلك القوة التي تنطوي عليها طبيعة العلاقة، يحلو لـ ساد منح أبطاله كل أشكال السلطة (formes du pouvoir). وفي مقدمتها الثراء. فسادة قصر “سيلنغ” (Silling) هم من السادة العظام؛ كما أنّ السيد “فرانفال” «يمتلك، إضافة إلى مبلغ 400000 ليرة من ريع الأرض، القوام الجميل، والسحنة الجسدية الأكثر لطفاً، والمواهب الأشد تنوعاً».
    تكمن المتعة الجوهرية للأب في عثوره على صورته الشخصية المُنعكسة عبر ابنته، لكنه إنعكاس مختلف إلى حد ما، ولا يمكن التحكم فيه. حينئذ، تصبح المتعة مضاعفة، متعة السيد والعبد المختلطتين في آن معاً في غبطة واحدة. فنحن نلاحظ، عند “فرانفال”، درجة القرابة التي تجمعُ ما بين السعادة النرجسية (bonheur narcissique) والاستمناء (onanisme)، لكنه استمناء يخلو من كلّ ظل للكآبة. كذلك ندرك إلى أية درجة يمكن فيها المقاربة ما بين الموقف السفاحي وموقف السجين (situation du prisonnier)، وبشكل خاص موقف هذا السجين، أي ساد الكاتب (Sade écrivain). بالقدر الذي يكون فيه ممنوعاً من أية علاقة بالعالم الخارجي، يرفض الزوج السفاحي (couple incestueux) أيضاً نقل تلك العلاقة إلى مكان آخر، أو نحو الخارج. لكن، في الوقت الذي يكون فيه الحبس (claustration) مؤلماً، يكتفي ساد بتخيل عزلة السفاح وكأنها ذروة السعادة. فيوجيني فرحة بفكرة أنها تمكنت من إبعاد إلى الأبد أية علاقة “بغريب” (un étranger): «أنا، تابعت القول بحرارة، أنا أرتبط بأجنبي لا يتمتع مثلك بأسباب مزدوجة (doubles raisons) لعشقي، وذلك يعني إخضاع عواطفي لمعياره الخاص، لاسيما تلك العواطف المتعلقة برغباته». إنّ المضاعفة في اثنين التي توحي بها مفردة “مزدوج” تتيح، في الحقيقة، بلوغ منفذ الرغبة اللانهائية (accès à l’infini du désir) والعاطفة اللتان ستصبحان، ضمن هذه العلاقة المميزة، مُتناغمتين بصورة إعجازية (miraculeusement) واستثنائية (exceptionnellement).
    كذلك يتمتع رفض يوجيني الزواج بشخص من خارج العائلة (exogamie) بخصوصيته. أنه يتموضع في صميم مصادر التحريم، وتابو السفاح، إذا ما سلمنا بما يقوله ليفي شتراوس (Lévi-Strauss) من أنّه ينبغي علينا البحث عن أصل التحريم ضمن نفس حركة التبادل العامة (mouvement général d’échange) التي يحصل منها المجتمع على حياته الخاصة: «إنّ الجماعة التي يُحرمَ في صميمها الزواح توحي فوراً بفكرة مجموعة أخرى… يكون الزواج في صميمها ممكناً، أو لا يمكن تفاديه؛ فالكبح الجنسي المُتعلق بالبنت أو الأخت يرغم على تزويج البنت أو الأخت برجل آخر، و، في ذات الوقت، يخلق حقاً على ابنة أو أخت ذلك الرجل الآخر. وهكذا تحصل كلّ الإفتراضات السلبية للتحريم على مقابلها الإيجابي»(2). لذا فإنّ رفض “يوجيني” هو بمثابة رفض للتواصل مع العالم الخارجي، الرغبة في البقاء مع قبيلتها (son clan). كما يمكن للبعض رؤية ذلك الرفض باعتباره شكلاً حاداً من المرض (paroxystique)، تطرفاً، متولداً عن عدم الرغبة في الإخفاق، وبالتالي الزواج مع أحد من أفراد طبقتها (sa classe) –تطويعه لكي يبقى عند حدود العائلة إذاً-. يكشف فنطازيا السفاح في نهاية القرن الثامن عشر إذاً، في آن معاً، عن الرغبة والخشية من الإنغلاق على الذات، أو ضمن طبقة بعينها –النبالة- التي شرعت بالوعي بأنها لم تعد الطبقة المُهيمنة.
    يرى البعض الآخر في السفاح السادي شكلاً من أشكال الأُحادية (manichéisme). أمّا الشرّ، فستتم مماثلته مع الخارج. السفاح إذاً، بالتقارب، وسيلة ناجزة لتبني نقاوة مطلقة (pureté absolue). بالإرتكاز على هذا التأويل، يمكننا الإستشهاد بتقاليد هرطيقية كان ساد يعرفها جيداً، كما صنع منها ستندال (Stendhal) صدى لروايته “سنسي” (Cenci): لقد جعل “فرانسوا” (François) «تلك البنت تدرك هرطقة مُفزعة، لا أستطيع إلاّ بالكاد ذكرها، أي إذا ما عاشر أبٌ ابنته، سيكون الأطفال الذين يلدون قديسين بالضرورة، وبالتالي يكون كلّ القديسين العظام الذين تمجدهم الكنيسة قد ولدوا بهذه الطريقة». حينئذ، سنتذكر كيف أنّ “يوجيني”، في رواية “فلسفة في الصالون الصغير” نفذت حكم الأعدام بأمها، وفقاً لأوامر الأب، كذلك فإنّ “يوجيني فرانفال”، التي عرفت سعادة السفاح مع والدها، تحمل نفس الاسم، الذي يوحي بالطيبة (la bonté)، بالجمال (la beauté)، ونقاوة العنصر (pureté de la race): من المهم أنّ لا يطال الفشل تلك القيم. لقد حافظت “يوجيني فرانفال” على نقاوة الدم الذي يرمز إليه اسمها.
    ولأنّ السفاح يُشترك مع صورة الحبس (claustration)، بذات القدر الذي يشترك فيه لأسباب إجتماعية، لذا سيفتح لعبة بكاملها تدور من حول السر (secret) والظهور (dévoilement). في رواية كرواية “فلورفل وكورفال”، تكون الخاصية المُغطاة للسفاح جلية: تكمن طريقة السرد إذاً في الكشف (révélation). وكذلك في رواية “دورجفل”، حيث يتحقق الظهور في النهاية، ويشكل الخاتمة ذاتها. كلّ واقعة جديدة لا يمكنها أبداً من فعل أي شيء آخر سوى الحصول على نتيجة سلبية، الانتحار (suicide) على سبيل المثال، فالخاتمة ببساطة ما هي، في نهاية المطاف، إلاّ ضوء يُلقي فجأة على ماض برمته، ويمكن لقوته تغطية سنوات عديدة، إلى جانب تعقيد متطرف من الحبكات (intrigues). غير أنّ الأمر لا ينطبق البتة على رواية “يوجيني دو فرانفال”، فهنا أيضاً له مكانة مميزة، مادام السفاح كان واضحاً من البداية، وهو مطروح باعتباره نظرية أولية (théorème initial). فالدور الذي تم توزيعه في الروايات الأخرى من أجل تكتيك كامل، يهدف إلى التغطية (à cacher)، سيتم، على العكس من ذلك، إبداله بمسار له خاصية معاكسة تماماً: تكتيك إخراج المشهد (mise en scène). كما سيُكبح التابو (tabou) بطريقة مزدوجة، ما دام أنه ليس في الظل، وموضوع بكامله تحت الأنوار، أي كمشهد مسرحي (scène d’un théâtre). فـ “فرانفال” كان قد رتبَ بدقة الحفل الذي ستمنح ابنته فيه نفسها له: سوف تجلس يوجيني على «عرش من الزهور» ومُزينة «كتلك العذارى اللواتي كان يضحى بهن في السابق في معبد فينوس (Vénus)». كذلك سوف تتنوع الديكورات: «هنا، في صالة مُزينة، تجلس يوجني فوق قاعدة تمثل فتاة وحشية مُتعبةً من الصيد وتتكئ على جذع نخلة، ترتفع أغصانها لتغطي أنواراً لا نهاية لها (infinité des lumières) موضوع بطريقة لا تُظلل فيها الإنعكاسات سوى سحر هذه البنت الجميلة، وتجعلها مُشتهاة بصورة فنية».
    ففي ذلك اليوم كان على يوجيني الظهور أما صديق فرانفال، “فالمونت” (Valmont)، الذي لم يكن له أي حق آخر سوى النظر إليها، وكمكافأة له على هذا الشذوذ، ستترك له فرصة إغراء الأم. أي أنّ النظرة، وحدها، بمثابة تعويضٍ عن الأشكال المُخففة لقتل الأم، التي تنبثق عنها، في هذه الرواية، عقوبة أعدامها النهائية. حيال لذة البصاص (voyeur) التي يشعر بها “فالمونت”، تزمع يوجني ردّ عملته هذه عليه، وذلك بإستدعائه لكي تتأكد «من عينيه وحسب من سقوط أمها». في رواية “يوجني دو فرانفال”، كما في رواية “سنسي” لـ ستندال، لم يعد السفاح شيئاً مُخجلاً، وكأنه مفروض من قبل حتمية ما (fatalité)، وإنما يُفتخر به، وواعي، برفقة التلصلص (voyeurisme)، وتعثر فيه الإيروسية (érotisme) على مكانتها، بل ويطالب بإلغاء كلّ مبدأ أخلاقي إجتماعي.
    ذلك لأن السفاح لدى ساد هو، في النهاية، شكل من أكثر أشكال النفي فاعلية (plus efficaces de la négation). أولاً، لأن التابو متجذر، عند هذه النقطة، حداً لم يدفع ساد على فقدان أي شيء من عنفه، قوته –وما علينا للتأكد من ذلك سوى الرجوع إلى المساجلة من حول “نفحة في القلب” (souffle au cœur). ومن ثم، لأن السفاح يَسمحُ، بحكم أصول التحريم ذاتها، بالتنكر، في آن معاً، للنظام الإجتماعي والنظام الديني. لذا كان على الإحتجاج الجوهري، الذي لا يقبل أي تنازل لـ ساد، بحكم ضرورة ما (sorte de nécessité)، الاحتفاظ بمكانة متميزة للسفاح.
    كسلاح معركة، يرد هيجان السفاح إذاً على الدوافع الجذرية (pulsions fondamentales) لدى ساد؛ أنه التعبير المطلق والناجز عن عالم الحبس، على ذلك الغلق، والسجن الذي سيصبح فوراً بالنسبة لـ ساد أكثر من عقبة أمام وجوده حتى (même de son existence): الشكل الجوهري لعالمه. فإذا كان الماركيز قد تعذب من عثوره ثانية، في زنزانة “الباستيل” (Bastille) أو “فنسان” (Vincennes)، على نفس الحبس الأول والرحميّ [المُتعلق برحم الأم. م.م]، لذا فهو ينتقم من ذلك السجن المزدوج، وذلك عبر خلقه لحبس مُظفر وسعيد، سجن يوجيني ووالدها. لكن علينا تجاوز هذه الخطة، لأننا نرى بأن الأمر لا يتعلق بالإنتقام من الحياة، بفضل العمل (grâce à l’œuvre). فالسفاح لا يحتل مكانة كهذه في العالم السادي إلاّ لأنه، بالضرورة، شكل من أشكال الكتابة (figure de l’écriture)، على الأقل بالطريقة التي يمارسها ساد. ضمن هذين المسارين، نعثر على نفس نقطة الانطلاق: إن إرادة كسر التابو تلك؛ –في القول، وخاصة في الكتابة، أي عندما يطلب من المرء عدم قول ذلك، وخاصة عدم كتابته، يعني بأنّ الكاتب يواجه منعاً، وهو يعرف جيداً، كما يعرف شخوصه عبر السفاح، أنه يضع على المحك كل المنظومة الاجتماعية، ومدونة الإشارات (code des signes) برمتها. حينئذ، سيعرف الكاتب حبس الفاسق. ذلك لأن ساد قد سُجنَ، لا سيما بعد وضع الميثاق (Concordat)، بسبب كتاباته وليس على أفعاله. لكن ثمة من خطر آخر يهدده: كان بمقدور منظومة الكتابة (système de l’écriture) ذاتها أنّ تكون سجناً له، على الأقل إذا ما عجز هو عن صياغتها بصورة كاملة. بيد أنّ ساد قد نجح، مثل “فرانفال”، على تحويل السجن داخل الكلمات، وسرية العمل، إلى كشف عظيم ومُتفجر لفضيحته هذه، لذلك التمزق الجوهري، لموت الأم هذا الذي يشكل واقعة الكتابة ذاتها.

    الهوامش:
    1) “قريبي ساد” Sade mon prochain، منشورات Seuil، 1967، ص 177-1778.
    2) “البنى البدائية للأبوة” Structures élémentaires de la parenté، منشورات P.U.F، 1949، ص 65.

  • دستويفسكي ضدّ الماركيز دو ساد: جون آتاريان

    دستويفسكي ضدّ الماركيز دو ساد: جون آتاريان

    ترجمة: أسماء القناص

    Fedor Dostoievski by Séverine Scaglia
    كان الماركيز دي ساد (1740-1814)، الفاجر، المُنحرف والإباحي، شخصيةً مِحورية في الفكر الغربي. قدّمت رواياته مثل: “جوستين” (1791)، “الفلسفة في المخْدَع” (1795)، “جولييت” (1797) ولأول مرّة الفلسفة العَدمية مُوضحةً كُل ما يترتب عليها من شُرور.
    لقد تدفقت فلسفة ساد من تضخّم الأنا، مما دفعهُ إلى التطّرف الشديد في مُحاربة الإيمان. إن عدم وجود الله يجعل من الكون مُجرد طبيعة مادية بحتة، آلية تشغيل ذاتي «الحركة الدائبة للمادة تُفسر كل شيء». إن البشر مُجرد آلاتٍ تتملصُ من المسؤولية الأخلاقية، وطالما لا توجد حياةٌ أخرى، فإن سلوككَ غيرُ مُهم، سواء كُنت مُنحرفاً، أو فاسِداً. تُؤكد الأعرافُ المحلية أن الأخلاق نِسبية، وتختلِف باختلاف الثقافة، والجغرافيا، وبالتالي مُبتدعة. الطبيعة وحدها هي دليلُنا الأخلاقي، ومُذْ تبنّت الطبيعة مَسألة خلِق حيوات جديدة من أشكالِ الحياة الميتة، أصبحتْ أهميةُ البشر لا تعلُو عنِ الحشرات، جميعُهم سواسية. استخدمَتْ الطبيعة الجرِيمة، التدمير، والموت ضرورةً ومُتعةً لها، لذلك يكونُ القتلُ أمراً طيّباً، والسفّاح هو أسمى صورة من صور البشرية.
    لقد وُلد الفردُ وحدهُ، وهو المُهم فقط، لا وجود إلا لدوافِعه الأنانية، وبدون أية التزامات لأحد. كُل فرد مُحرّض ضِد الآخرين «أُمتّع نفسي بغض النظر عنِ الحساب». الفردُ يميلُ بطبيعته إلى الهيمنة، وإلحاق الألم بالآخرين، وهذا ما يُمتعه، لذلك الناسُ العادية ليست إلاَّ كائنات نَفعية، لُعبةٌ بيد الأثرياء، الأقوياء، والإلهيون. أولئكَ الذين لا يمنحُون الحُب على الإطلاق. يكون الجمالُ، والبراءة، مُلهماً للقسوة، والتصرفاتِ الشيطانية. منذُ جعلت المادية المُتعة تتناسبُ طردياً مع الإثارة، بقدر ما كُنتَ قاسياً، بقدر ما تستمتع. لذلك فإنّ الأنانية، التطرّف، والقسوة هي المسارُ الصحيح.
    إذا لم يكُن هناك إله، جحيم، لا حق، ولا باطل، وبدون أية مسؤولية أخلاقية، فلا وجود لمعنى يتجاوزُ حدود المُتعة، ثم يكون الوُجود بأكملِه، بلا أية معنى أو قيمة. لا شيء مما تفعلهُ يبدو مُهماً، والآخرون يفقدون قيمتهم، ما تفعله معهم، ولهم لا يعني أية شيء. إن العدمية تُحرّرنا، وعندها يُصبحُ كل شيء مسموحاً.
    سوّغ ساد باستمرار الأنشِطة الجنسية الأكثر انحطاطاً، وتفسخاً، وقام بتبرير كُل جريمة تتضمن القتل، وأكلَ لُحوم البشر. لقد قاد الضجر، والنهم ساد لأبشع الجرائم التي بلغت ذروتها في المجازِر، حتى أن جرائمهُ الغارقة في الشر جعلتْ مِن التوبةِ، والاستقامة أمراً مُستحيلاً. وبسبب عجزِ الواقع عن إشباع رغباته اللامحدودة، الرغباتُ المتلهفة نحو الدمار الشامل، أصبح الإحباط، والسخط حليفاً له.
    بما أن دينامية الشر، ووجهات نظر ساد في القسوة، والقتل تُشير إلى أن العَدمية في نهاية المطاف شيطانية لا أكثر، ولا تحتوي إلا على تدنيس للمُقدسات، إدانات مسعُورة لله، والمسيحية، والمُمارسات الشيطانية بما فيها السوادُ الذي يَطغى روايات ساد، حيثُ المركز الوحيد هو التمرّد، والسعي للتفوق عن طريق الشر، والسيادة.
    أثّر ساد بشكل واضِحْ على الكُتّاب الرومانسيين، والمنحلين أمثال: تشارلز بودلير، جوستاف فلوبير، ألغرنون سوينبرن وراشيلد. لقد أخبرُهم ساد ما أرادوا سماعه، وسَعتْ فلسفتهُ لتحريرهم، وحثّهم على الانغماس، والتعبير عن هوسهم في القسوة، والانحراف، لذلك ساهَم ساد بشكل جلي في تفشّي هذا المرض في الفكر، والثقافة الغربيين.

    II
    كرّس أحدُ الكُتّاب نفسهُ لمعارضة الفلسفة السادية، التيار العَدمي في القرن التاسِع عشر وهو فيودور دستويفسكي. لقد عرَف دستويفسكي ساد جيداً، كما وضح الباحث روبرت لويس جاكسون، وذكرُه بشكل متكرر في مذكراته، و رواياته، كـ “مذلون مهانون”، “الشياطين”، و”الإخوة كارامازوف”. سبّب ساد الهَلع لـ دستويفسكي، بعيداً عن كونه “ساد الروسي” كما نعته إيفان تورجنيف، أو سادي، سادومازوشي كما ادعى ماريو براز، وسيغموند فرويد، و كان ذلك جلياً ابتداءً من مذاكرتِه إلى آخر أعماله، “الإخوة كارامازوف”. يقولُ دستويفسكي: «مع كُل ما تترتب عليه الشهوة الحيوانية، مروراً بالقسوة، والجريمة جميعها تتجلى في شخص الماركيز دي ساد». وَجد جاكسون تجسيداً واضحاً للفلسفة السادية، ومُبرّراً للفجور في شخص “سفيرديجالوف”، الفاجر، المثير للاشمئزاز، و الذي اعتدى على امرأة في رواية “الجريمة والعقاب”. يُخلص دستويفسكي إلى مَدى خطورة الأسئلة الأخلاقية، والنفسية التي يُثيرها ساد، لكنه رفض بشكل قطعي لاأخلاقية التوجه السادي الذي تسبب في تشويه، وتدمير النسيج الأخلاقي، والاجتماعي للفرد، والمُجتمع.
    في الحقيقة، لقد فعل دستويفسكي أكثر من ذلك، بينما احتضن الرومانسيون، والمنحلون ساد بصفته المثل الأعلى، والمُحرر لهم، واجههُ دستويفسكي، وتنكر له، وأكّد وجهة نظر العالم المسيحي الذي رفضُه ساد بشدة. الأدلة في “الجريمة والعقاب” (1866)، و”الإخوة كارامازوف” (1880) توّضح أن دستويفسكي قد قام بقراءة، وتأمل أعمال ساد عن كثب، التفت لحوادث مُعينة فيها، وتناول حججاً مُحددة. شاركَ دستويفسكي ساد البصيرة ذاتها في إنكار الله، والمنُاداة بالعدمية من أجل تحقيق أقصى مراحل التحرّر، والحصول على الرخصة في الجنس، الجريمة، التدمير، والقتل. في الوقت ذاته الذي بشر ساد بذلك، قام دستويفسكي بإدانته، وهنا يكمنُ الفرق بينهما. تتعاطى أعمالُ دستويفسكي نقداً عميقاً لـ ساد، بلغ ذروتهُ في روايته الأخيرة، “الإخوة كارامازوف”.
    في البداية، لم يكُن ساد إلا شَخصية هامشية في اعتبار دستويفسكي، و روايتُه “مُذكرات من البيت الميت” (1862)، تناولت الحياة في سجن سيبيريا، والعقاب البدني. أشار دستويفسكي إلى أن بعض الجلادين قد حملُوا داخلهم شيء ما يوحي بـ الماركيز دي ساد «هناك بشرٌ كالنمور، مُتعطشة دائماً للدماء». وصف أيضاً كيفَ أن الّدم، والسُلطة تُسكر الإنسان، ودينامية الفساد تُحول هذه العينات القاسِية إلى طُغاة لن يكونَ بمقدورهم العودة إلى وضعِهم الإنساني. يظهر وعي دستويفسكي في ساد بشكل ماكِر في روايته “مذلون مهانون” (1862)، جشعُ الأمير “فالكوفسكي”، فلسفتُه، التنصل من كل الالتزامات، و المُثل العُليا هي إحدى أشكال تضخّم الأنا. في هذه المَرحلة مِن مِهنة دستويفسكي، شكّلتْ الأنا السادية، والعدمية مُشكلة مَركزية لم يُكرّس أية مجهود لحلها.
    بَعد عامين، وفي رِواية “الإنسان الصرصار”، تناولَ دستويفسكي القسوَة، والاعتداد بالذات بشكل مُعقد جداً، واحتقرَ الحجج ذات الطابع المُتفائل التي تقُول بأن الناس يُسيئون التّصرف فقط لأنهم لا يعرفون مَصالحهم، وسوفَ يَتصرفون بشكل صحيح حِين يتم تبديد هذا الجهل. المُتفائلون يقومون بتأويل المصالح للسلام، الحُرية، الثروة، والإخاء الخ… مُخطئون كُلّ أولئك الذين يؤمنون بأن الحَضارة الحَديثة قادرة على جَعل الفرد أكثرَ سلاماً. في الواقع، لقد جعلتْ مُنه أكثر حَساسية إلى درجة التمتّع بإراقة الدماء. يظُن دستويفسكي أنه في عالم مِثالي من التقدميين في القرن التاسع عشر، وفي وقت ازدهار العُلوم التي تنفي إرادة الفرد الحُرة، وإمكانية حل جَميع المُشكلات. في عالم كهذا، رُبما يُمارس البشر القسوة بسبب الضجر، والملل. مُذ كانت أعظمُ رغبات الفرد هي التغاضي عن القيم، والتفوق على الآخرين، فإنه سَيرتكب أفعالاً غبية، ومُضرة لإثبات أنه لن يكون دُمية يتلاعبُ القدر بها. ويضيف دستويفسكي «إن أكبر فشل للبشرية هو افتقارها للحس الأخلاقي».
    لكن بطريقة أُخرى، يَرى دستويفسكي الآن الفرد كما يفعل ساد، يمتلكُ الإرادة الحُرّة لفعل أيّ شيء مما يَجعله عُرضة لارتكاب أعمال غير منطقية، كالسادية، والافتقار إلى الحِس الأخلاقي. وعلاوة على ذلك، غض البصر عن حاجة الفرد للنظام الأخلاقي، والإشباع الروحاني خطأ فادِح يُحرض على التجاوزات السادية. هنا يكون دستويفسكي هو البداية للتعامل مع مَأزق الحداثة، وساد.

    III
    أصبحتْ الحرُب الروحانية، ونظرة ساد للعالم الشاغل الرئيسي لـ دستويفسكي، وذلك يَظهر في “الجريمة والعقاب”، و”الإخوة كارامازوف”. إدراك دستويفسكي، وانتباهه لفسوق ساد تنامَى على قدم وساق، مما يوحي بأن رؤيته نضجُت، وأصبحت أكثرَ عُمقاً للتركيز على مأزق الفرد، والعمل على مصِيره في إطار الحداثة. حينها يتصادمُ الإله، والشيطان من خلال معركة ما بين المسيحية، والعدمية السادية. كان المركز في رواية “الجريمة والعقاب”، قتلُ الطالب “روديون راسكولينكوف” لامرأة عجوز، وشقيقتها، وتورطه مع “سونيا” فيما بعد ممّا يُؤدي إلى اعترافه، واقتياده إلى سِجن سيبيريا.
    مِثل ساد نفسه، وتضخّم الأنا السادية، يَقضي “راسكولينكوف” مُعظم وقته في التأمل داخل غرفته الحقيرة، مَعزولاً عن الآخرين، وبلا أصدقاء تقريباً، وحين يَكون في الشوارع يَكون غافلاً غيرَ مُدركاً لمُحيطه. يُلاحظ زَميل “راسكولينكوف” حسّه العالي بالتفوق على الآخرين، وأنه في بعض الأحيان لا يكون إلا تجسيداً للقسوة، والبرود، واللاإنسانية، إن أناهُ السّادية تتوق إلى التحرر الأخلاقي «إن الأخلاق مُجرد تحامل، لأن الفرد ليسَ ببهيمة» وليسَ هُناك ما يمنعك من فعل أي شيء تُريده، وهذا مَا يَنبغي أن تكُونه. يَتضح أن “راسكولينكوف” قد نَشر في وقت سابق مقالاً تناول فيه فلسفته الاجتماعية التي تتوافق مع رؤية ساد. قسّم في مقالِه المجتمع إلى فئتين، فئةُ “العاديين” الذين لا وجود لهم إلاّ من حيث أنهم مَواد إن صح التعبير، وليسَ لهُم من وظيفة إلا أن يَتناسلُوا، ويجب أن يُعانوا من سوء المُعاملة لأن واجبهم هو الانقياد، والطاعة فقط، وفئة عُليا هي فئة “الخارقين” الذين لا يقومون إلا بالتدمير الفعلي، وكسر القانون، والذين لكونهم خارقين لديهم الحق في ارتكاب أية جريمة، أولئك المتفوقين هم مُجرمون بحكم مَلكاتهم. سورجوس، وسولون، ومحمد، ونابليون، وغيرهم. يُمكن أن يُوصفوا بأنهم مُجرمون، لأنهم حِين أقاموا قانوناً إنما خَالفوا بذلك قانوناً قديماً كان يُعد مُقدساً» هذه الصُورة تتبع تقنية ساد في تبرير القسوة، والفَساد وذلك عن طريق إعطاء قوائم بجميع المُؤسسين، والمُشرعين الأشهر الذين خولت لهم الجَريمة. في الواقع، باستثناء نابليون، كُلّ هذه الأسماء التي ذكرها “راسكولينكوف” تَظهر عِند ساد في روايته “الفلسفة في المخدع”.
    أرادَ “راسكيلنكوف” أن يَكون خارقاً “تأليه الذات السادية”، كَان مُعجباً بـ نابليون «الحَاكم الحقيقي هو المسمُوح لهُ كُل شيء»، لقد أخبرَ “راسكولينكوف” “سونيا” لاحقاً أنهُ قتل المرأة العجوز لأنه أرادَ أن يُصبح نابليون.
    يُظهر “راسكولينكوف” توافقاً قوياً مع “رودان” جرّاح “جوستين”، اسمهُ الأول “روديون” يُشابهه، وكلا الرجُلين بررا جرائمهما لأسباب مُتماثلة تقريباً. تآمرَ “رودان” و زميلُه لقتل، وتشريح ابنته البالغة من العُمر خمسة عشر عاماً من أجل تجربة طبية، يقول “رودان”: «فكّر بها!! تُضحي بشخص واحد من أجل حِفظ آلاف الأرواح» رُبما يُمكن للمرء أن يَتردد إذا كان السّعر بخساً! أليسَ الغرض من عقوبة الإعدام، الذي عادة ما يكون حكيماً، هو التضحية بفرد من أجل حِفظ البقية؟». قبل القتل، سَمِع “راسكولينكوف” طالباً يُناقش قضية الطالب الذي قتل المرأة العجوز، وأخذَ مالها، مُبرراً أن فِعلته هذه تُعد خيراً عظيماً. هذه الأفكار كانت تَستحوذ على “راسكيلينكوف” نفسه، «حسناً، ألا تظن أن جَريمة صغيرة من الممكن أن تُكفر عن خطاياك؟ تَقضي على حياة واحدة من أجل حِفظ الآلاف من الفساد، والانحلال إنها بسيطة جداً، فَرد واحد مُقابل مئات الأرواح.».
    في لمسة سادية أُخرى، حطّ “راسكولينكوف” من آدمية المرأة العجوز، وأشارَ إليها مراراً وتكراراً بأنها مُجرد قملة. بالنسبةِ إليه، لم تكُن العجوز إلا مجرد مَادة مُثيرة للاشمئزاز. “راسكولينكوف” لم يستقِل تماماً عن الإنسانية، على العكس من ساد. إنّهُ نوع مُتقطع، كان مُحباً تارةً، وفاسداً تارة أُخرى. لقد حَاول حِماية شقيقته “دونيا” مِن “أركادي”، أحدُ مُلاك الأراضي الذي تحرش بها جنسياً، هُنا دستويفسكي يُشير إلى حجة ألكسندر سولجينتسين «حتّى داخلَ القلوُب التي طَغى عليها الشر، يَتبقى جسر صغير من الخير» هذا الجسر يترُك “راسكولينكوف” مُنفتحاً على الإحسان، والهداية من خلال مَحبة “سونيا”.
    تُجسد “سونيا” الفضيلة مثل ما تفعل “جُوستين” بطلة ساد، ابنة لأب سكّير، وأم مُصابة بالسل، احترفت البغاء من أجل إعالة أُسرتها، وكما “جوستين”، احتفظت بنقاء رُوحها على الرغم من تعرّضها الوحشي للانحراف، والشر، ولكن هُنا ينتهي التشابُه. يُجيب دوستويفسكي ساد من خلال “سونيا”، لم تكُن مَسيحية “سونيا” عاطفية أو ليبراليةً مُتسامحة بل كانتْ حازِمة، وصارمة.
    عندما طَغت النزعة السادية لدى “راسكولينكوف” قامَ بتجريد ضحّيته من الإنسانية، لكن “سونيا” لم تَفعل ذلك مما أحبَطه:

    «سونيا، لكنّي لم أقتُل إلا قملة، مُقرفة، ضارة، ولا فائدة لها» سألته باستنكار: «إنسان يكُون مُجرد قملة؟»
    «سونيا، أعلم.. أعلم أنها لم تكُن قملة، لكنني أفترِض أنني أتحدّث فقط عن كثير مِن العفن»

    “راسكولينكوف” أخبر “سونيا” أنّهُ يُريد أن يقتلَ دون ضمير، من أجلِ إشباع ذاته «مثلَ ساد، سَعى للتفوّق من خِلال العدوان، أرادَ أن يتعلمَ شيئاً عن نفسِه كما يقول، ما إذا كانَ مِن المُصطفين أو مُجرد حشرة كالبقية، ما إذا كانَ بإمكانه تخطّيهم أم لا، إنّه يُريد أن يَعرف هل لديهِ الحق لفعل ما يريد أم ليسَ لديه الحق!!» صَرخت “سونيا” برُعب: «الحق لتقتُل، لتقتُل؟» أجابها “راسكولينكوف” بانزعاج، ثم حوّر اللوم على الشيطان، كما يفعلُ ساد، لكن “سونيا” لم تسمح له بالتهرب من المسؤُولية الأخلاقية «وأنت قتلت، قتلت!» إصرارُها على ذلك حطّم دفاعات “راسكولينكوف” حتى انهارَ يائساً. توّسل “سونيا” لتتركهُ لوحده ثم سألها ما ينبغي القيام به.
    حضّت “سونيا” “راسكولينكوف” على الاعتراف بجرِيمته، والاستسلام للألم تكفيراً عن ذلك، وأصرّت بأن هذا هو أمُله الوحيد للخلاص. بحُبها المسيحي، و وداعتها، ولطافتها نَبذت شر “راسكولينكوف”، وبالرّغم من مخاطر غَضبه طالبته بالتوبة، والإعتراف. وبعدها اتضحت رحمتُها عن طريق الاستسلام للمُعاناة مَعه. من خلالِ “سونيا”، أنكرَ دستويفسكي على ساد اختزاله، وتجريده للإنسانية، وأكّد مِراراً على قيود الأخلاق المسيحية التي رَفضها ساد، الأخلاق التي كما يظن تحمِل في طياتها الكثير من الحُب، والفداء.
    مُواجهة أُخرى تحدُث بين الأنا السادية، والفضيلة، بين “دونيا”، و”أركادي” الذي جسّد فجُور ساد. لقد ضرَب زوجته بالسوط، وقامَ بقتلها كما تَعتقد السيدة “راسكولينكوف”. طارَدَ الخادمات، واعتدى بوحشية على فتاة بكماء، وصماء تبلُغ من العمر خمسة عشر عاماً أو أربعة عشر، ثم بعد ذلك شَنقت نفسها.
    خلال أحادِيثه مع “راسكولينكوف”، زعَم أن المرأة تتمتع بالإذلال، وقد افتخر بإغواء سيّدة فاضلة. يبلُغُ من العمر خمسين سنة، مَخطوب لفتاةٍ في السادسة عشر لكنه لا زال يُطارد “دوينا”. الشهوة السادية للتدنيس جُزء لا يتجزأ من نَشاط “أركادي” الجنسي، والوحشي. قارن وجه خَطيبته الشّابة بوجه “مادونا السيستينية” لـ رفاييل، وكانَ يَرى إنكارها لذاتها، وبراءتها أمراً مُغرياً. لقد أثارَ “أركادي” احتمالية وُقوعه في الحب، ورُبما كانَ هو الضحية الحقيقة “عبداً للرغبة” استشهد بميولَه الطبيعي لتفسير سلُوكه، وأضاف أنّه لا يَرى سبباً لكبح جماحه مع النساء، وأن رَذيلته دائمة، ومُستمرة، جُزء من الطبيعة لا يخضع لهَوى من الأهواء، وشيء يَجري مِنه مجرى الدم.
    «مرّة أُخرى هنا، تابع دستويفسكي ساد بشكلٍ وثيق، ولَجأ للطبيعة لتفسير أسوء السلوكيات الجنسيّة على أنها سادية، وعلاوة على ذلك، الكثير مِن حديث “أركادي”، وتبرئته لنفسه تتلخّص في خطاب الرّاهب “كليمنت” في رواية “جوستين” «أية رجل يحمِلُ داخله أذواقاً مُنحرفة هو مَريض، ويستحق التعاطُف.» حينما حاولَ “أركادي” التقرب منِ “دونيا” للمرة الأخيرة، صدّته بسُرعة مما أشعلَ ثائراً داخِله، وهنا إجابة لـ ساد. إن الأهداف المُفضلة لدى الفَاجر هن العفيفات من النساء اللواتي لهن كل الحق في مُقاومة الشّر.
    من خلال “أركادي”، يُحذر دستويفسكي مِن الأنا السادية، وأنها لن تُقدم لمعتنقيها سِوى الموت. رَغِب “أركادي” بشدة بحُب “دونيا”، ولكن بسبب شرّه، وأنانيته صدّته، وازدرت توسلاته الأخيرة. ابتعلته العُزلة بعدَ إحباطه في مسعاه، وانتحر بكُل يأس.

    IV
    كانت آخِر أعمال دستويفسكي “الإخوة كارامازوف” غَارقة في الوعي التام بـ ساد، وتُعتبر الرواية أكبر جُهد قدّمه دستويفسكي لمواجهة فساد ساد الشيطاني. لا يخفى على القارئ أن قتل “فيودور كارامازوف” مِن قبل ابنه غير الشرعي، وإلقاء اللوم على ابنه “ديمتري” كان المركز في الرواية، وكان هذا من قبل التحرر، مُحاربة الإيمان، والعدمية في صَميم فلسفة ساد. هُنا دستويفسكي يُفصّل الجوانب المُختلفة للروح السادية، و رُؤية العالم من خلالها.
    يُعطي البطل “ايڤان كارامازوف” تجسيداً تاماً لفكر ساد في نظر دستويفسكي، “ايڤان” كما تم اقتباسه مِن قبل “بيتر ميزوف”، يعرِض فلسفة ساد في وقت مُبكر من الرواية “شخصنة الفلسفة السادية”:

    «لم يُوجد قانون في الطبيعة يُجبر الفرد على أن يُحب العرِق البَشري، أية حُب على وجه الأرض، لم يكن ذلك بسبب قوانين الطبيعة، لكن ببساطة لأن المرء يُؤمن بالخلُود، القانون الطبيعي بأكمله يكمُن في الإيمان، لو كُنتَ ستُحطم إيمان البشرية بالخلود، سيَجّف الحُب، والقوة للحفاظ على الحياة، وعلاوة على ذلك، لا شيء بعد هذا سيكُون غيرَ أخلاقي، حتى أكل لُحوم البشر سيكون قانونياً لكل شَخص لا يؤمن بالله أو الخلُود. يَنبغي أن يتم تَغيير القانون الأخلاقي للطبيعة حالاً إلى نَقِيض القانون الدّيني السابق.
    تضخّم الأنا، حتى الجَريمة، لن تكون قانونية فقط، ولكن يَنبغي أن يُعترف بها على أنها حتمية، وعقلانية لأية نَتائج مُشرفة.»

    يكُون الثيم المركزي للرواية، والذي يَظهر بشكل مُتكرر هو صِيغة ساد من أجل التّحرير «إذا لم يكُن هناك إله، إذن كُل شيء يُصبح مَشروعاً». لا وجود للإله، وبالتالي لا وجود للخلُود، هُنا أعلن “إيڤان” “العدمية المُطلقة” كما فعل “راسكولينكوف”. يُجيد “إيفان” العُزلة السادية، الكبرياء الفِكري، والانفصال التام عن الآخرين. في وقت مبكر من الرواية، يُخبر “إيڤان” أخاه “إليوشا” «لن يَأخُذ الكثير من ديمتري ليقتُل والده» صرخ “إليوشا” برعب وأردف: «معاذ الله» ابتسم “إيڤان” لهُ، وسأله: «لماذا يجب أن ينهى الله عنهُ؟ ستلتَهمُ دابة أُخرى، وذلك سيخدِمُ كليهما»

    تُوضح مُناشدات “إيڤان” السادية حَتمية الطبيعة، واعتقاده التام بأن أنا الفرد الطبيعية تتمنى الشّر للآخرين، ورَفض رفضاً قطعياً وضعهُ لحدود أخلاقية على رغباتِه، وخياله. تتجلى عدميتُه في احتقار الحياة البشرية الذي يتّضح عندما يقول لـ “إليوشا”: «يُقرر الفرد من الذي يستحق أن يَعيش على أسس طبيعية، وكُل فرد له الحق في تمنّي موت أية فرد آخر» لماذا تكذب على نفسِك؟ طالما أن جميع البشر متشابهين؟». دستويفسكي مُرددا مَقتهُ الشديد لفُسق ساد، يفتتح بـ “إيڤان” فصل “المُحقق الكبير” بالاعتراف إلى أخِيه “أليوشا” أنّه لم يفهم مُطلقاً كيف بإمكان المرء أن يُحب جيرانه، و بعدها.. حَادثُه بوحشيّة المرء الطبيعية مُقارباً عن كثب ساد.
    مُناقشة “إيڤان” عن جَلد الأطفال، وديناميكية المُتعة السادية هي مُستوحاة بشكل واضح من قِبل العديد من كَوالِيس جلد الأطفال في رواية “جوستين وجولييت” لـ ساد «هُناك أناس مع كل ضربة يصِلون إلى الشّهوانية، شّهوانية حَرفية، مما يَزيدُ من مُعاناتهم تَدريجياً مع كُلّ ضربة» نُقص دفاعات الأطفال هي التي تُغري الجلّاد، مُجرد الثقة الملائكية للطفل الذي لا يُوجد لديه ملاذ أو مناشدات تجعلُ من دم الجلّاد الخسِيس يثُور.
    يَرى “إيڤان”، مثل ساد تَأصّل الوَحشية، والسادية في الطبيعة البشرية «في كُل مرء هُناك شيطان كامِن، شيطانُ الغضب، شيطانُ الشهوانية جراء صرخات الضّحية المُعذبة، شيطان الانفلات للخرُوج عن المألُوف» حتى الآن، لم يكُن “إيڤان” سادياً بأسره، عدمُ مقدِرته على فِهم الحُب تنبعُ من الاشمئزاز من الوحشية، السادية، مُعاناة الأبرياء، ورَفض بشدّة تَبرير استخدام السّادية، والوَحشيّة كوسيلةٍ لتحقيق الصّالِح العام.
    كَما كان “أركادي” مُكملا لـ “راسكولينكوف”، كَان طالِب اللاهوت “راكيتين”، الجَشع، الكلبّي، المُهتم بمصالحه فقط، مُكملا لـ “إيڤان”. يَرى “راكيتين” أن المرء لا يُحب إلا لدواعٍ أنانية «وُجد الحَمقى من أجل انتفاع الرجُل الحَكيم». أرادَ “راكتيين” أن يكتُب مقالاً يُثبت فيه أن “ديمتري” لم يُساعد في مقتل “فيودور” لأن بيئته أفسَدته. حين زارَ “ديمتري” في مُعتقله، قَام بشرح المَادية السادية، والجبريّة لِفضح المسيحيّة، قائلاً لـ “ديمتري”: «إن المرء يَرى، ويُفكر بسبب الألياف العصَبية في الدماغ، وليس «لأن لدي رُوحاً، وأنا نوعاً ما صورتُها، ومثالُها» سأله “ديمتري”: «إلى ما سَيؤُول الفرد بدون الله والخلُود؟ كُل الأشياء تحِل بعد ذلك! يُمكن للفرد أن يفعل ما يحلُو له!» استجاب “راكتيين” بإجابة تُغلّف ساد: «الرجُل الذكي يفعلُ ما يشاء.»
    الخَلاعة المُضطربة لدى “فيودور”، و”ديمتري كارامازوف” تُعطي بورتريه عن الجنسانية الساديّة. “فيودور” السّكران، الفاسِق، و دُون أية خجل من شرّه، ينجذِب لجمال شاّبة، وبراءتها، لكنّه ينجذِب إليها فقط على أنها دعوة إلى الوَحشية. جَعلها زوجتهُ الثانية، وأخضعَها للقسوة، والتدهور. تُثير تقواها العميقة التدنيس لأيقُونة السيّدة العذراء «أنت تُؤمن أنها مُعجزة، و لكن هُنا.. سأبصِق عليها، ولن يحدُث لي شيء!».
    يُشير “فيودور” إلى الشبّان الذين يقومُون بجلد فتياتٍ حُكم عليهن بذلك، الفتيات أنفسهن، بعد إساءتهن للأب المُقدس زوسيما، أصبحن يُشكلن مَجموعة من دي ساد. يُخبر “فيودور” ابنه “إليوشا”: «إذا كان هُناك إله سيضطرُ للإجابة عن ذلك، ولكن إذا لم يكُن هُناك، فلا يحق للآباء أية شيء». مثل ساد، أراد أن تُقمع المسيحية من أجل أن تسُود الحقيقة.
    اعترف “ديمتري” بحُبه للرذيلة، و لقسوة على “إليوشا”، وتخلى عن خطيبته “كاترينا” بسبب هوسه الجنسي في “غروشينكا”، بعد أن اشتهاها والدُه أيضاً. شارَك في حفلات السُّكر، وهاجم والِده، وفي ليلة مَقتل “فيودور”، اعتدَى على “غريغوري” خادم “فيودور” العجوز، وسحقه.
    من أجلِ أهوائِه، وحماقاتِه كان “ديمتري” في حالة تأَهب لتسويغ كل ما يُريد أن يَفعله، ارتبط برؤية “إيڤان” التي التي تقول «إذا لم يكن هُناك إله، إذن كُل شيء يُصبح مشرُوعاً» كان مُنفتحاً على مادية “راكتيين”، وأعرب عن نسبيّة الأخلاق الساديّة «يكُون الخير شيء واحد معي، وشيء آخر، ومُختلف مع رجل صيني، لذلك فهو نِسبي».
    كان “سمردياكوف” مُذ صِباه يُمثل الإجرام في الأنا السادية، صامتاً، مُتجهم الوجه، مُنكفئاً على نفسه. حينما كان في الثانية عشرة من عُمره حاول “غريغوري” تعليمَه الكتاب المُقدس، لكن “سمردياكوف” سخِر من رواية الخلق. لقد كان مُلحداً، وسادياً. حينما كان صغيراً لطالما استمتَع بشنق القِطط، وقبل مقتل “فيودور كارامازوف”، أَمر الفتى “إلوشا” بوضع دبّوس في قطعة خُبز، ورميها لكلب جَائع الذي أكلها، وهرب يَئنّ من الألم. خلال زيارة “إيڤان” بعد الجريمة، يقوُل “سمردياكوف” لـ “ايڤان”: «أنت الذي قتلته.. أنت القاتل! لقد كُنتُ فقط أداتك، خادِمُك المُخلص الذي يفعلُ ما تقولُه.»
    كان سرِقة المال دافعُه لبدء حياة جديدة، لكن الفكرة تجذّرَت ولا سيما لأن كُل الأشياء مُستباحة «هذا ما كان يشرُحه “إيڤان” لهُ في كثير من الأحيان. كان مُحقاً، لقد أخبرَه “إيڤان” سابقاً بأنه «إذا لم يكُن هُناك إله، تُعد الفضيلة غير موجوُدة أو ضرورية حتّى وهذه الطريقة التي رأيتُ بها الأمر».
    برّر تحرُّر ساد ارتكاب الجرائِم، وخصوصاً القتل. في تقسيم هذه الأدوار يكُون “إيڤان” الأول، و”سمردياكوف” الثاني. تحرُر “إيڤان”، وسُلطته على “سمردياكوف” دفَعته لقتل “فيودور كارامازوف”، هُنا حقق دستويفسكي صُورة مُصغرة لخطر ساد الحضاري، وغيره من المثقفين العدميين في تقبّل المُجرمين. بالفعل قد تقبلوا مُرتكبي الجَرائم الصغيرة الذين حررتهم عدميتهُم، وشجعتهم على أسوأ التجاوزات.
    تُكمل ابنة السيّدة “هالكوف” الخبيثة “ليز” المعرض السّادي “للإخوة كارامازوف”. كما هو واضِح لكُل شخص على دِراية بالسادية، “ليز” هي المونتاج للخلاعة الأنثوية لـ “جولييت”:

    «أودُّ أن يُعذبني شخص ما.. أُريد مَرضاً. أظل دائماً أرغب بإضرام النّار في المنزل.. يا إلهي كم أشعُر بالضجر!! اجعلني غنية واجعل الفقر ينهش الجمِيع.. سآكل الكعك، والقشدة ولن أُعطي أي أحد آخر.. سأقتلُ شخصاً ما لو أصبحتُ فقيرة للأبد، حتّى وإن كنتُ غنية ربما أقتُل.. أود فِعل الشّر، لذلك سوف يتدمر كُل شيء.. أوه ما ألطف أن يكون كُل شيء مُدمراً.. جميعُهم يُحبّون الشر سرّاً.. الجميع يُحب الجريمة (قالت ذلك لرجل قام بصلب طفل يبلغ الرابعة من العُمر) أخبرها أن الطفل كان يئن، وبقيَ يشتكي حتّى أن الرجُل وقف له اعجاباً..» هذا جميل.. أحياناً أتخيلُ أنني أنا من صَلبَه، سأعلقه هُناك و هو يئن، وأجلسُ أمامه وأنا آكل مُربى الأناناس (هنا يتضح فُجور جولييت التي أقامت مأدبة حينما تعرّض الأطفال للتعذيب، والخوزقة الخ ) أنا أكره كُل شيء.. لا أريد أن أعيش.. لأنني لا أحب أحداً!!»

    حياة المُسن “زوسيما”، وتعاليمه “الكتاب السادس- الراهب الروسي” الذي كتبُه دستويفسكي لدحض الإلحاد، ويُعتبر تتويجاً لأعماله. تُقدَّم إجابة دستويفسكي المسيحية على أكمل وَجه لـ ساد. إن قصّة “زوسيما” هي قصّة عن التحول من الأنا السّادية إلى القداسة المَسيحية. كان “زوسيما” في صِغره ضابِط جيش غني، وكان يَرى رجاله مُجرد قَطيع. ثمل، ماجِن، مُشتعل، وعازم على إثلاج شهيته، مُتغطرس، ومُنغمس في ذاته أيضاً. تم تحريض “زوسيما” على مُبارزة الرجل الذي تزوّج المرأة التي أرادها، وقبل الُمبارزة بليلة، هاجمهُ بوحشية في وجهه. وفي صباح اليوم التالي، كانت ذكرى وفاة شقيقه “ماركيل” الذي تُوفي وفاة القديسين في السابعة عشر من عمره خلال عيد الفصح، شعرَ “زوسيما” بالندم الجليل (الحس الذي ندده ساد) كان هذا الندمُ مُصاحباً للميتانوما (تغيُّر عميق وعادة ما يكون روحياً في طريقة عيش الفرد-التحوُّل) توسّل الغُفران على الدوام رافضاً إطلاق النار من الخلف في المبارزة، ولهذا ترك كتيبته ليُصبح راهباً.
    من خلال زائر “زوسيما” الغامِض، وتعاليم الشيوخ، رفضَ دستويفسكي الفردية الراديكالية لـ ساد، والحُرية لبيع الوعود الفَارغة. الفردانية المُتطرفة لا تُحقق الامتلاء، إن ما تُحققه هو التدمير الذّاتي. لأنه في النهاية لا ينتهي في تحقيق الذات، ولكن في الانعزال، والانسحاق. تفسِّر العُزلة، والخوف مِن المحن على أنها التّحرر وذلك لتكاثر، واشباع الرغبات «إن الحُرية المزعُومة تستعبدنا لشهواتنا.»
    نُقطة تلو أخرى، يُجيب دستويفسكي ساد بواسِطة الأضداد. بشّر ساد بالرذائل تجاه الله والآخرين، أمّا “زوسيما” فقد بشر بالتقوى تجاه كليهما، يقول ساد: «إن كل فرد هو عدو للكُل»، أما “زوسيما” يُبشر بالأخوة الروحية، والاحترام المُتبادل، والإحسان. يُنادي ساد بالعُزلة الراديكالية، والتمركز حول الذات، ويُبشر “زوسيما” بأننا نحفظُ بعضنا. إن تحُرّر ساد المُتواصل لإثبات الذات يُؤدي إلى الإحباط، أمّا “زوسيما” فيُعطي السلام المُتدفق من التقوى. الحَيوات المُتحررة، الصّاخبة، المحمومة، المُرتكزة حَول الأنا تم ابعادُها مِن نطاق الرحمة الإلهية، لكن هدُوء “زوسيما”، وتأمّله يُدخله داخل حدود هذه الرحمة. في الواقع، يرفُض ساد نفسه هذه الرّحمة، أما “زوسيما” فإنه يُشدد على الانفتاح، والاهتداء مِن خلالها.
    الجَمال هو الشاغل الكبير في “الإخوة كارامازوف”، والوسيلة المُهمة لسلُوك طريق الرحمة. يَجعل دستويفسكي أهمية الجمال واضِحة في وقت مُبكر من الرواية، حين أخبرَ “ديمتري” “إليوشا” أن الجمال «رهيب وفظيع» غيرُ مفهُوم ولا يفهمه. يعتمدُ دورهُ في حياة الفرد على الكيفية التي يَستجيب له، تضارُباته، وقُدراته المُصاحبة للمثالية والفساد. أغلب البشرية ترَى أن «الجمال في سدوم» الجمال غامض «الإله والشيطان يَتقاتلان هُناك، وقلب المرء هو ساحة المَعركة.».
    أما الجمَال لدَى ساد فهو مُجرد تحريض للشهوة، والتدنيس، دعوَة إلى الشّر، وأنه يَصلُح بالتالي لـ “فيودور كارامازوف”. بالتأكيد على النقيض لدى “زوسيما”، الجمال هُو شاهِد عيان على الله، ودعوة للخشوع. في الفِكر الدّيني الروسي، يَلعبُ الجمال دوراً حاسماً في التوبة. جمالُ الخليقة، الكتاب المُقدس، الكنَائِس، الأيقُونات، والقداس تُثير umilenie (خليط من الرقة والخشُوع). الرّحمة قد تُؤدي إلى الوعي بالإله، وتُوحي بالرهبة، والتقوى، والإيمان. يلعب umilenie دوراً بارِزاً في تحولات “ماركيل” “التوبة” (الذي قد تخلّى في وقت سابِق عن الأرثوذكسية) و “زوسيما” نفسَه. الجمَال هُو التجلّي الإلهي، مصدر الرّحمة التي تُؤدي إلى التحول الجِذري «الجمال سُينقذ العالم» هذا ما كتَبهُ دستويفسكي في مُذاكرته.
    الذّكريات الثّمينة للجمال، الكُتب المُقدسة، الأشخاص الجيدون وهلم جراً… هُم كما يَقولُ “زوسيما” وسائل ثَمِينة للرحمة. قد تَلعُب الذّكريات التي تسترجعها في وقت لاحق دَوراً حَاسماً في الخلاص. وفي نهاية الرواية يسترجِع “أليوشا” «ذكرياتُه المُقدسة» والتي سوف تُبقيه آمِناً حتّى مماته، و ربما تكُون وسيلة للخلاَص ومنع الشّر»
    حينما بَشّر ساد بالتفوق من خِلال العُدوان، كان “زوسيما” يَحض أتباعه للسمو مِن خلال الحُب. إن المُتعة الرُّوحية هي المُكافأة التي تُمنح فقط للصالحين، على النقيض مِن ذلك، تُؤدي الأنا السادية إلى الجحيم. سألتُ الآباء والأساتذة : «ماهو الجحيم؟ لقد افترضت أنّه المُعاناة مِن عدم القُدرة على الحُب». في الفقرة الأخِيرة لـ “زوسيما”، يَصِف الأروَاح التي تفتقِد الحُب في الجحِيم، وقد أجاد وصفَ ساد وأتباعه بشكل مِثالي «الكائنات المُتغطرِسة، والشرسة حتّى في الجحِيم.» على الرغم من معرِفتهم وتأملهم للحقيقة، قد ضحّوا بأنفُسِهم للشيطان ورُوحه المُتغطرسة «إن أمثال هذه الأروَاح اختارت الجحيِم، لأنهم لَعنوا الذّات الإلهية والحَياة. هُم الذين حَكمُوا على أنفسِهم بذلك، لقد أهدروا المغفِرة وكرِهوا الإله» يَصرخُون عالياً بأن الإله يجبُ أن يُبيدهم جميعاً، وإن هذا الإله يَنبغي أن يُدمر نفسه وخليقته، وأنهُم سوف يَحترِقون في نار الغضب إلى الأبد توّاقين للموتِ والفناء»
    إنّ “الجريمة والعِقاب” مِثل “الإخوة كارامازوف” تبعثُ على الأمل للتوبة والخَلاص. وقد خاض “ماركيل” و”زوسيما” هذه التجربة. لقد تحوّل “ديمتري” من الجهلِ الرُّوحي وحياة الفجُور إلى محبة الإله إثرَ اعتقاله. حينما سقَط “ديمتري” مرِيضاً بعد إدانته بتُهمة القتل، كانت “ليز هولكاف” مِن بين هؤلاء الذين نجحُوا في الوصُول إليه، لقد استقرّت في غُرفة مُنفصلة في قِسم السّجن من المُستشفى، وأرسلت الزهُور إلى جنازِة “إلوشا” مُلمحة إلى “جِسر الخير” الموجُود حتّى في النفس السادية، ومن خِلال هذا الجسر يُمكن للرّحمة أن تحدُث.
    كانت أرثوذكسية دستويفسكي حاسِمة بلا شك في تَشكِيل رده على ساد، لقد كانت الأرثوذكسية الفرع مِن المسيحية الذي تلوّث باتصاله مع أثم التنوِير العقلاني ولكن رُؤية دستويفسكي المسيحيّة لم تتأثر بهذا الغُبار المُقاوم للرحمة. لقد كان قادِراً على مُراقبة الحَداثة مِن الخارِج واختراقِها مع منظُور نقدي مُستقل، وعلاوة على ذلك، ضغُوط الأرثوذكسية على الجمَال، الرّحمة، الخير، والتواضُع جَعلتهُ النّقيض التام لاستِّخفاف ساد الراديكالي، وهذا ما يَجعل مِن دستويفسكي الكاتِب الذي واجه رُؤية العالم بشكل مُعد، وفريد للكشف عن كُل ما هو لعنة على الأرثوذكسية، وقام بفضح جوهرِها الشّيطاني.
    و خُلاصة القول، يَعرض دستويفسكي عدميّة الأنا السّادية، مُحذراً مِن عواقِبها الوَخيمة، ويكشِف عن نبذ المسيحيّة الشّديد لـ ساد، ويقُوم بعرض المسيحيّة على أنّها البَديل الوَحيد لفلسفة ساد. يرفُض دستويفسكي أي حلِّ ثالِث من العلمَانيّة الإنسانيّة، والفلسفات القائلة بأن الفرد يمُكن أن يكُون خيّراً بدوُن الإله، ويكُون الإيثار الاجتماعي هو البديل للمسيحيّة. يَرى دستويفسكي أن النّزعة الإنسانيّة العلمانية لا تُولد التقوَى، والمَحبة التي بإمكانها إنقاذُنا مِن الانزلاق في هَاوية ساد.
    إن اعرابه هذا ينُم عنِ الكثير من الرّفض من خلال توبة “ديمتري”. ويُلاحظ هذا البطل بمهارة إمكَانيّة تبرير الأفعَال التي تَسعى لها النّفس الإنسانيّة كتملق “راكتيين”، وتودد الثريّة “مدام هولاكاف” الجشِع «لديهِم هذا التّبرير الاجتماعي لكُل شيء مشبُوه يفعلُونَه» وذلِك سيكُون قيد غير كافٍ على الشّر. حينما أخبرَ “راكتيين ديمتري”: أنّهُ «عن طرِيق الحِفاظ على أسعار اللحُوم مُنخفضة بدلاً عن الفلسفة، سيُظهر المرء الحُب للإنسانيّة بشكل مُباشر وأكثَر بساطة» فأجابه: «حسناً، إذا كان يُناسبك ويصنَع روبلاً من كُل قرش، إنّهم من دُون الله أكثر عُرضة لزيادة أسعار اللحُوم»
    من كتّاب عصر دستويفسكي الذين قَرأوا ساد، كان وحده من تولّى حجم ساد، وسَعى لصد تهدِيده الرهّيب للحضارة. إنّه يُشبه في هذا ونستون تشرشل، لقد أدرَك وحدُه الخَطر الكوني للبلشفيّة وهتلر. ومثلما كان تشرشل وحدُه قادِراً على التعامُل مع هتلر، فقط مُفكر في تقوى دستويفسكي المسِيحي وتميّزه، قادر على الرد على عبقرِيّة ساد الشيطانيّة. دستويفسكي يَظهرُ هُنا كبطل عظيِم في الحرب الرُّوحية للتاريخ الضمنِي.

    المصدر: Dostoevsky vs. the Marquis de Sade by John Attarian
    مصدر الترجمة: مدونة “اندفاعات” لأسماء القناص

  • لمحات من الماركيز دي ساد – ترجمة رشيد وحتي

    لمحات من الماركيز دي ساد – ترجمة رشيد وحتي

    انتخاب وترجمة: رَشِيدْ وَحْتِي

    Ce n’est point ma façon de penser qui a fait mon malheur, c’est celle des autres.
    لَيْسَتْ طَرِيقَتِي فِي التَّفْكِيـر هِيَ الَّتِي تَسَبَّبَتْ فِي مَأْسَاتِي، بَلْ طَرِيقَةُ الْآخَرِينَ.
    *
    Quand l’athéisme voudra des martyrs, qu’il les désigne, et mon sang est tout prêt.
    إِنِ احْتَاجَ الْإِلْحَادُ إِلَى شُهَدَاءَ، فَلْيُعَيِّنْهُمْ، وَدَمِي فِي أَتَمِّ الْاسْتِعْدَادِ.
    *
    Tout est bon quand il est excessif.
    كُلُّ شَيْءٌ جَمِيلٌ حِينَ يَكُونُ مُسْرِفًا.
    *
    Je suis l’homme de la nature avant d’être celui de la société.
    أَنَا إِنْسَانٌ يَنْتَسْبُ إِلَى الطَّبِيعَةِ قَبْلَ أَنْ أَنْتَسِبَ إِلَى الـمجْتَمَعِ.
    *
    Voir, c’est croire; mais sentir, c’est être sûr!
    أَنْ تـرى يَعْنِي أَنْ تُؤْمِنَ؛ لَكِنْ أَنْ تُحِسَّ، فَيَعْنِي أَنْ تَتَيَقَّنَ!
    *
    Tout le bonheur des hommes est dans l’imagination.
    كُلُّ سَعَادَةِ الْبَشَرِ تَتَجَلَّى فِي الـمخُيِّلَةِ.
    *
    Tous les hommes sont fous, et qui n’en veut point voir doit rester dans sa chambre et casser son miroir.
    كُلُّ الْبَشَرِ مَجَانِينُ، وَمَنْ لَا يـريدُ أَنْ يَنْتَبِهَ إِلَى ذَلِكَ أَبَدًا فَمَا عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَبْقَى فِي غُرْفَتِهِ وَيَكْسِرَ مِرْآتَهُ.
    *
    C’est dans le silence des lois que naissent les grandes actions.
    فِي صَمْتِ الْقَوَانِينِ تَنْشَأُ الْأَفْعَالُ الْعَظِيمَةُ.
    *
    On déclame contre les passions sans songer que c’est à leur flambeau que la philosophie allume le sien.
    تَتَوَجَّهُ خُطَبُنَا ضِدَّ الْأَهْوَاءِ دُونَ أَنْ نَتَفَكَّرَ بِأَنَّ الْفَلْسَفَةَ تُوْقِدُ مِشْعَلَهَا مِنْ نَارِ هَاتِهِ الْأَهْوَاءِ.
    *
    Je ne m’adresse qu’à des gens capables de m’entendre, et ceux-là me liront sans danger.
    أُوَجِّهُ خِطَابِي لِلْقَادِرِينَ عَلَى إِدْرَاكِي، وَأُوْلَاءِ سَيَقْرَؤُونَنِي دُونَ مَخَاطِرَ.
    *
    Les rêves sont des mouvements secrets qu’on ne met pas assez à leur vraie place.
    اَلْأَحْلَامُ حَرَكَاتٌ سِرِّيَّةٌ لَا نَضَعُهَا كَمَا يَنْبَغِي فِي مَكَانِهَا الْحَقِيقِيِّ.
    *
    Vous m’avez fait former des fantômes qu’il faudra que je réalise.
    صَوَّرْتُمْ لِي أَشْبَاحًا عَلَيَّ أَنْ أَجْعَلَهَا وَاقِعِيَّةً.
    *
    C’est seulement en côtoyant l’excès qu’on trouve la liberté.
    فَقَطْ بُمُجَاوَرَةِ الْإِسْرَافِ نُلَاقِي الْحُرِّيَّةَ.
    *
    Le pouvoir est par nature, criminel.
    اَلسُّلْطَةُ بِطَبْعِهَا مُجْرِمَةٌ.
    *
    L’insurrection n’est point un état moral; elle doit être pourtant l’état permanent d’une république.
    لَيْسَ اَلْعِصْيَانُ قَطُّ حَالَةً أَخْلَاقِيَّةً؛ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رَغْمَ ذَلِكَ الْحَالَةَ الدَّائِمَةَ لِلْجُمْهُورِيَّةِ.

  • عبد القادر وساط – العاصفة

    Sounds of Spring
    Franz Stuck

    أولئك الذين كانوا واقفين
    قرب الشجرة الوحيدة في الشارع
    لم ينتبهوا لشيء

    هي ذي العاصفة تقترب الآن ،
    قالت العرافة العجوز
    التي كانت تجلس متنكرة
    في محطة القطار

    كانت هناك طيور ملونة
    تسقط ميتة
    فوق سطوح المنازل

    بينما الرجال منهمكون
    في إصلاح الأطباق الهوائية
    لنَقْل وقائع العالم السفلي

    أما الحارس الليلي
    فقد كان يئنّ من الألم
    في عرزاله الخشبي
    بعد معركة البارحة
    مع الغيلان

    وسرعان ما شاع الخبر
    بأن الراقصة الشابة
    كانت ميتة في سريرها
    منذ زمن بعيد

    وقيل إن لحى العابرين قد طالت
    بعد الإضراب الطويل للحلاقين

    وفي المدينة نفق سحري
    مَنْ يَجْتَزْهُ يكتشف
    المعنى الحقيقيّ للسعادة

    وفي الطرف الأقصى
    من الشارع المقابل

    كان المدرس الأبكم
    يرى من نافذة الفصل
    أشخاصاً عُراةً
    هاربين من الجحيم

    والحركات التي كان يقوم بها
    بكلتا يديه
    كانت تعني
    بلغة الإشارة :
    هيهات! هيهات !
    ——————————————-
    ( من مجموعتي: طبول من حجر)

  • التمرّد، جنون الكتابة: موريس بلانشو

    التمرّد، جنون الكتابة: موريس بلانشو

    1- قراءة ساد صعبة، إنه واضح، سَلِسَ الأسلوب، وذو لغة صريحة. إنه ينشد المنطق؛ يفكّر، ولا يهتم إلاّ بالتفكير؛ وهذا العقل، الخالي من الأحكام المسبقة، يتكلّم ليُقنع، وبالاستعانة بالحقائق التي يعطيها شكلاً عاماً، والتي تبدو له بديهية إلى حدّ أن كلّ اعتراض يُعزى بقوة إلى اعتقاد باطل. إنه يصبو إلى العقل، وبالعقل يهتم، بعقلٍ يقترحه على الجميع وسيكون موافقاً للجميع.
    أظن أنه لا ينبغي نسيان ذلك أبداً، أي علاقة ساد هذه بعقل ما [من هنا الطابع البرهاني لأقل كتاباته والذي يهزأ به الواعظون]. وكيف ستنساه القراءة، وهي تصادف حالاً هذا الطموح، هذا الشرط المعقول، إنما كيف لا تنساه، وهي تصادف حالاً كل ما يلزم لدحضه: التناقضات الأكثر وقاحةً، حجج تنقلب، قضايا لا تصمد، تنافر أمانٍ ومبادئ نتفاجأ بها إما بشدّة وإما شيئاً فشيئا؟ يستطيع كلّ واحد أن يختبر ذلك بنفسه. ولن أذكر غير مثل عام واحد مقتبس من الكتيّب المشهور(1). ففي الجزء الذي يعالج موضوع الدين، يطالب المؤلَّف باستبعاد هذا الأخير إذا أردنا أن يكون عندنا مواطنون صالحون وآباء صالحون وأزواج صالحون؛ أمّا المبرّر الذي يثبت ذلك فهو أن رجالاً مذعورين، جهلة وأذلاّء، كما هم جميع المؤمنين، لا يستطيعون القيام بواجباتهم المدنية لكونهم قد فقدوا كلَّ إحساس بالحرية. لكنه، في الجزء الثاني، يوصينا بمثال مختلف تماماً، وإذا به يقترح علينا أولاداً بلا أب ويقرّ شيوع النساء وشيوع الرجال ويلغي العائلة أخيراً، وبتأكيد قوي يقول: «لا تتصوّروا أن تصنعوا جمهوريين صالحين ما دمتم تعزلون الأولاد الذين ينبغي ألاّ ينتموا إلاّ إلى الجمهورية داخل عائلاتهم». حسناً، ها قد اقتنعنا. لكننا في موضع آخر أو في الوقت ذاته، نتبيّن فكرة مختلفة كلياً: أولاد بلا أب، نعم، إنما ليس من أجل رفعة الجمهورية بل من أجل سهولة الفسق؛ النساء الشائعات للرجال [والرجال الشائعون للنساء]، ليس من أجل شيوعية شريفة للأعراف إنما لتيسير الاستمالة إلى البيوت المخصَّصة للدعارة؛ أما العائلة، فإذا كنّا لم نعد الآن مستعجلين لإلغائها، فذاك للحفاظ بوجه أفضل على الزنا، كما على كلّ الانحرافات التي ستزول معه، بدءاً بارتكاب المحارم الذي يكتب عنه ساد بدعابة خفيّة خاصة به: «أسمح لنفسي بأن أؤكد بأن ارتكاب المحارم يجب أن يكون قانون كلّ حكم يكون الإخاء أساسه». لنتوقف هنا. فإن قارئاً سوف يلقي الكتاب من يده مقتنعاً بخرق مؤلِّفه؛ بينما سيحتفظ به قارئ آخر بسبب هذا الخرق. وأعتقد أنهما سيكونان كلاهما على خطأ. ربما كان ساد مجنوناً مثلما لابدّ أن نكون جميعاً في أوقاتنا الليلية الحلوة، غير أن ما يكتبه لا يقع تحت طائلة هذا الحكم. والدليل هو أننا معرّضون لطريقة في الفهم تفوتنا، ومع ذلك تجذبنا. بسبب ذلك، فإننا، رغماً عنّا وعلى الرغم من رغبتنا في منطق بسيط، نستأنف القراءة، مجذوبين بحركة لن تتوقف من بعد.

    2- ثمة شيء يُبحث عنه في ساد. وهذا البحث، الذي هو بحث عن وضوح جديد، لا يتواصل على طريقة استفهامية، إنما بتأكيدات واضحة، مضمونة، وحاسمة على الدوام. وذلك خاص به. إن العقل التحليلي، بمسلّماته وسرعته الإثباتية، موضوع هنا في خدمة مبدأ نهائي لا يُكتشف، وذي جاذبية لا تأخذ في الاعتبار قطعاً تحديدات التحليل. وهذا المزيج، هذا الخليط من الوضوح والغموض هو ما يربكنا ويعقّد قراءتنا، جاعلاً إياها عنيفة باطنياً. عنفٌ أشدّ بكثير من عنف الانقلابات القاسية، والتي تفيد بالأحرى لتسليتنا ما لم تكن تمثّله. بالطبع، يمكن القول إن ساد يكتفي بأن يستمدّ من عصره ذلك العقل الوضعي الهادئ، مثلما يستمد منه اللغة الواضحة والكتابة الخطيّة (Linéaire) الخالية من الظلال. وسوف نضيف بأنه يجعلها تخدم بطريقة ما حقائق أو مبررات لا تتوافق معها. أما وقد قيل ذلك، فإنه يمكن أن يصمد. أعتقد أنه ينبغي أن نوضح فكرتنا بطريقة مغايرة. فما يوجد من مغالاة عند ساد، في تجربته وفكره، وضرورة الإفراط تلك، لا يؤكد فقط حقه في العقل، ولا يكتفي بالإقرار بتوافقه مع مبادئ عقل وضعي [عقل المادية الملحدة] بل يعرف أنه أكثر إدراكاً من هذا الأخير، لأنه يبالغ أكثر منه في الحركة الماثلة فيه ولا يخشى أي عاقبة. المسألة عند ساد هي دائماً مسألة منطق: فهو يشعر أنه أكثر دقّةً وأكثر ارتباطاً وحتى أكثر تماسكاً –تماسك يشتمل على التفكك- من الآخرين، والهيجان الذي يستولي عليه هو في أكثر الأحيان هيجان عقل مقموع، معاق في تقدّمه الذي يوشك أن يلقيه في المهاوي. أن يكون العقل قادراً على صيرورة نشيطة، وأن يكون هو نفسه في صيرورة نشيطة، وأن يكون هو نفسه في صيرورة دائمة، بما أنه في الأساس حركة، فتلك هي إحدى حقائق ساد، ويمكننا القول إن تلك هي أيضاً الحركة التي تثير نتاجه، وهي حركة مفرطة طبعاً، إنما أن يكون المرء عاقلاً فهذا يعني دائماً أن يكون أولاً عاقلاً بإفراط.
    3- العقل المفرط. ولن أشدّد على مختلف الطرق التي يكشف بها نتاج ساد هذا الإفراط. إنما للتعداد – للتبسيط- يمكن القول إن هناك ثلاث طرق:
    – الأولى ذات طابع موسوعي. والمقصود هو إحصاء كلّ الإمكانات البشرية، وبالضبط تلك التي تُعتبر مشوَّشة والتي هي أقوى مظاهر الطاقة، التي بدونها لا يعود العقل طبيعياً [لا يعود تلك النار التي أشعلتها الطبيعة والتي فيها تحرق هذه الأخيرة وتحترق بطريقة لا تقبل الفساد].
    – الثانية ذات طابع جدلي. وهذه إحدى السمات البارزة لنتاج ساد، والتي لم تعد مجهولة. إنني أحيل القارئ هنا إلى البحث المكتوب بعنوان عقل ساد وكذلك أفكار جورج باتاي وبيار كلوسوﭭسكي العميقة. عندما يؤكد بأن جلّ ما فعله هذا النبيل الداعر هو التفتيش في المبادئ المادية الوضعية عن الحجج السهلة القادرة على تبرير سوء سلوكه، وعندما يُضاف أنه ظاهرة عصرٍ وأنه ينتمي إلى عصره، فإنما يُقال الحق حتى ولو استخدم ساد، جلياً، للتنديد بالإلحاد المادي، وحتى ولو سارع البعض، في الوقت نفسه، إلى ردّ المغالاة الموجودة عند ساد إلى لا أخلاقية العصر. يُقال الحق باستثناء أن ساد لا يسعى قطعاً في كتبه إلى التبرؤ من سلوكه الذي كان يبدو له دائماً عادياً للغاية، وأنه، مع ذلك، إذا كان هذا تبريراً، فإنه تبرير أحمق، إذ يميل إلى إظهاره فرضيا بأنه مذنب في جرائم هائلة لم يقترب منها أبداً. لكن، أن يفتِّش عن معنى لفكره الذي لا يميّزه، بحق، عن مقدرته التخيّلية، وأن يتساءل على طريقة التأكيد: لماذا يمكن أن أتصوَّر ذلك؟ وإلى أي حدّ من التخيّل الزائد يمكن أن أصل؟ وماذا يعني هذا النزق، وهذه الحركة الرائعة، وربما الفريدة، إنما غير مخصَّصة قطعاً، كما هي، لي وحدي والتي يكمن أساسها في سبب خفيّ؟ فصحيح تماماً أن ذاك هو اهتمامه وأن هذا الاهتمام، الماثل في كلّ نتاجه، يتوكد فيه باستمرار كعمل عقل أكبر، سواء كان هذا العقل يتهيّأ أم يتغيّر أم يتهيّأ بالانهيار. إنما لماذا صفة الجدلية؟ أو ليس هناك شيء من المجاملة أو من التهوّر في قول هذه الكلمة الموعودة بمستقبل كبير إلى هذا الحدّ؟ ساد ليس هيغل، فثمة بون بينهما. لكنني لا أرى أية مفارقة تاريخية في إطلاق صفة الجدلية بالمعنى الحديث على الطموح السادي* أساساً إلى بناء سيادة الإنسان العاقلة على قدرة إنكارية متعالية، وهي سلطة لا يفوته أن يقرّ بها لمبدأ أوضح وأبسط عقلٍ وضعي. كيف تُبين هذه القدرة الإنكارية اللامحدودة وتلغي دورياً، بتجربة دائرية، مفاهيم الإنسان والله والطبيعة لتؤكّد في النهاية الإنسان الكامل «الإنسان الفريد من نوعه»، وكيف ينتهي إذاً إنكار لا متناه، بتطابقه مع كل مراحل تجربته –تطابقاً ليس توفيقاً بل حدث خاطف- إلى التماسك كتأكيد هو أيضاً لا متناه، فإنني أعتقد أنه لا يسعنا قراءة ساد دون الاعتراف بأن هذه هي بالضبط حقيقة الحركات المشوَّشة التي ستكشف نفسها في نتاج واسع.
    – إنها تستكشف نفسها فيه بواسطة حركة الكتابة. وهذا هو الشكل الثالث الذي يظهر فيه اعتدال عقل مفرط. فالكتابة هي جنون ساد الخاص. لا يفتَّش عن هذا الجنون في انحرافات أخلاقه التي سمّاها هو نفسه بهذا الاسم دون تردّد، والتي يرى فيها إما مجرّد نتيجة لجبلته ومزاجه وإما، على نحو أبرز، علامة على حريته، تلك التي، بتنحيته جانباً، تحرّره من الأحكام المسبقة لمجتمعه إلى حدّ التأكيد بأنه سيتخلى بشدّة عن هذا المجتمع يوم يكفّ هذا الأخير عن مقاومتها. إنه لتصريح رائع. وبسرعة كبيرة، يكفّ عن التفريق بين نفسه وعزلة سجنه، ومن هذه العزلة الدفينة التي كانت ترعبه [مضاعفاً: هي بنفسها، ومن خلال العقاب الذي كانت تمثّله له] نشأت وانطلقت، حين انقلب الرعب إلى اغراء. الحاجة إلى الكتابة المتعذّر كبتها، كطاقة كلامية مخيفة لم تعد تهدأ. ينبغي قول كلّ شيء. فأوّل الحريات هي حرية قول كلّ شيء. وهكذا يعبّر، على شكل مطالبة ملازمة من الآن فصاعداً لجمهورية حقيقية، عن الضرورة الأساسية. غير أن “الكل” المقصود في حرية قول كل شيء هذه، لم يعد فقط شمولية المعرفة الموسوعية [ولو كانت معرفة إمكاناتنا المنحرفة] ولا حتى مجمل تجربة يتحقَّق فيها المعنى بحركة إنكار موصلة إلى نهايتها –خطاب دائري هو إذاً التأكيد، المبثوث والمنجز، على السيطرة على كلّ شيء.
    إن قول كلّ شيء عند ساد، كل ما يُسمع في كتبه كاجترار هائل لكلام أبدي، واضح أبديًا، وفارغ أبدياً، يذهب إلى أبعد من ذلك أيضاً. لم يعد المقصود هو كل الممكن الذي يقدَّم ويُبان فيه. وهو ليس أيضاً –كما ظُنّ بسهولة زائدة –عموم القيم التي يمنعنا دين أو مجتمع أو أخلاق من التعبير عنها. المحظور يلعب دوره قطعاً، في حركة اللاتحديد هذه، كحدّ يجب تجاوزه. لكنّ هذا ليس إطلاقاً الحدّ النهائي. وفي وسع ساد أن يحسّ بمتعة، بمتعة عادية صحية، في المشاهد القوية التي يتخيّلها، حيث تُهزّأ جميع حقائق عصره وحيث يقول ما لا يُقال، وينصح بالرعب. فتوجيه السبِّاب وتظيم الشرّ والدفاع عن الشهوات الإجرام، كلّ ذلك هو بالنسبة إليه أقل شيء لا يحرم نفسه منه، إنما لا مجال لأن يكتفي به. فثمة شيء أعنف يتجلّى في جنون الكتابة هذا؛ عنف لا يفلح في استنفاده أو تهدئته كل إفراط خيالٍ رائع أو شرس، إنما دائماً أقل من احتداد كلام لا يحتمل التوقيف مثلما لا يتصوّر نهاية. عنف قوي بقدر ما هو بسيط، يتوكدّ بكلام لا لبس فيه، خال من كلّ قصد خفيّ، يقول دائماً كل شيء بلا تكلّف ولا يتصنّع بشيء، متكلّماً هكذا بطهارة، خالياً فعلاً من تلك البذاءة غير المحتشمة التي ستعكّر بها الكلام قريباً انفعالات شاتوبريان العظيمة، دون أن يندّد به أي قانون. هنا تُردّ الوقاحة الكبرى إلى القوة التكرارية فحسب، وهي وقاحة سرد لا يصدم بالمحظور لأنه لم يعد ثمّة محظور آخر [كل هذا النتاج –الحدّ يخبرنا إياه برتابة إشاعته المخيفة] غير وقت ما بين القول (l’entr-dire)، ذلك التوقف الصرف الذي لا يمكننا بلوغه إلاّ بالاستمرار دوماً في الكلام.
    4- الكتابة هي جنون ساد الخاص. والحرية لا تخلّص من هذا الجنون، الذي سبّبه السجن أو على الأقل أوصله إلى ما هو عليه، من قوة غامضة وخفيّة دوماً، إنما هي تضيف إليه بالأحرى جنوناً آخر يجعله يعتقد بأن في وسعه أن يتوكّد في وضح النهار، وكأنه مخزون أو مستقبل الإمكانات المشتركة. وهكذا تتزامن للحظة –الوقت الذي تلتقي فيه الثورة والفلسفة وراء قضبان الحديد(2)– هاتان الفُرجتان التاريخيتان، المختلفتان كثيراً طبعاً، واللتان تبقى إحداهما ذكراً دائماً وتفتح التاريخ بينما تُشكّل الأخرى ما يريد التاريخ دوماً أن ينغلق عليه. لن أدخل في فحص سلوك ساد السياسي خلال السنوات التي كان فيها، على نحو يضايق كثيراً فاضلي الثورة ويرضي كثيراً فاضلي الثورة المضادة، “مواطناً نشيطاً”، يتكلّم ويكتب ضد الملك، ويتكلّم ويكتب إكراماً لمارا (Marat)، وحيث ظهر في الجمعية التأسيسية فخطب أيضاً وترأس خليّة البستوني [خليّة روبسپيير]، واقترح عبادة لا آلهة، ودافع عن أفكاره الخاصة حول مفهوم السيادة وانتزع تبنّيها، وأطلق أسماء ثورية على شوارع باريس، وكان حتى عضواً محلّفاً، بكل سرور، في هيئة اتهامية. ويمكننا أن نتناقش بلا كلل حول مشاعره، وحول ما إذا كان متوافقاً أم لا، بصدق أو برياء، مع سلوكه وتصاريحه الخارجية. لا أظن أن في ذلك لغزاً كبيراً. فهو نفسه غيّر رأيه. وقد صحّ ذلك على الجميع، حتى على سان جوست وروبسبيير اللذين لم يكونا أول من طالب بسقوط الملكية –وذلك ببساطة لأن حقيقة الأحداث كانت تتفوّق على الأفكار دائماً. لقد كان حذراً، إنما بدون حذر حقيقي، ولم يكن دائماً كثير التقلّب، ذاك التقلب الذي يعني الوفاء لسرعة الصيرورة. ولأنه حذر، فإن شيئاً لم يمنعه من البقاء بعيداً أو محاولة الهرب: كان بمقدوره ذلك. حتى لو أخذنا في الاعتبار كل الأسباب الأخرى التي كانت تحمله على البقاء في باريس، فقلّما كان هناك شك في أنه سيبدي أشدّ الاهتمام بما كان يحدث وبأن جزءاً كبيراً منه يجد نفسه في ذلك. أي جزء؟ ذلك الجزء الغامض [الغريب] الذي كان يحكم عليه بالكتابة بلا نهاية دون أن يتمكن من أن يجعل منه كاتباً حقيقياً، مستساغاً اجتماعياً. أعتقد أن كلمة توافق هي الأصحّ. فمع ساد –وبدرجة عالية جداً من الحقيقة المفارقة- لدينا أول مثل [ولكن هل ثمة مثل ثان؟] على الطريقة التي يمكن أن تتوافق بها الكتابة، وحرية الكتابة، مع حركة الحرية الحقيقية عندما تقع هذه الأخيرة في أزمة وتسبب فراغاً تاريخياً. لكنّ هذا التوافق ليس تماهياً. وليست دوافع ساد هي تلك التي أطلقت الطاقة الثورية. إنها تناقضها حتى. ومع ذلك، لولاها، ولولا المغالاة المجنونة التي مثلها اسم ساد وحياته وحقيقته، لحُرمت الثورة من قسط من عقلها.
    5- لتكوين فكرة عن تصورات ساد السياسية، أظنّ أنه يكفي الاستشهاد بنصوص قليلة. فعنوان الكتيّب(3) ذاته، المتّسم بتهكّم خفي، يكلّمنا بوضوح كاف. فهو يقول إنه لا يكفي أن يكون المرء في جمهورية حتى يكون جمهورياً؛ ولا أن يكون عنده دستور حتى يكون في جمهورية؛ ولا أخيراً أن تكون عنده قوانين حتى يدوم الفعل التأسيسي، تلك السلطة المبدعة، ويبقينا في حالة تكوّن مستمرّ. ينبغي بذل جهد –ومزيد من الجهد باستمرار- وهنا التهكّم الخفي. من هنا الاستنتاج المضمر بأن العصر الثوري مازال في بدايته. إنما من أي نوع سيكون هذا الجهد؟ ومن سيطلبه منّا؟ ساد يسميه تمرّداً، وهو الحالة الدائمة للجمهورية. بتعبير آخر، فإن الجمهورية لا تعرف حالة بلا حركة فقط –وهي في ذلك مماثلة للطبيعة. وهذا الاهتزاز الدائم ضروري أولاً لأن الحكومة الجمهورية مُحاطة بحكومات معادية تكرهها أو تحسدها [فرضية المحاصرة]: لا سلام للإنسان الذي استيقظ دفعة واحدة؛ فالتيقّظ الثوري يستبعد كل هدوء، ومذ ذاك، يكون السبيل الوحيد للبقاء هو عدم اعتماد نهج محافظ أي عدم الراحة. وهو موقف يعتبره ساد متناقضاً مع الأخلاقية العادية التي ليست سوى جمود وركود: «حالة الإنسان الأخلاقية هي حالة سلام وهدوء بينما حالته اللاأخلاقية هي حالة حركة دائمة تقرّبه من التمرّد الضروري الذي يتعيّن على الجمهوري أن يبقى فيه دوماً الحكم الذي هو عضو فيه». هو ذا سبب أول، إنما هناك سبب آخر يُعطي لنا بتفكير جريء جداً: إن كلّ الأمم التي تريد أن تحكم نفسها اليوم في جمهورية ليست مهدَّدة فقط بالعنف الخارجي: فهي بنفسها، بماضيها، عنيفة أصلاً من الداخل أو مجرمة وفاسدة، حسب مصطلح العصر. فكيف ستتغلَّب على هذا العنف القائم الموروث إن لم يكن بعنف أقوى، وأرعب أيضاً، بما أنه بلا تراث، وأصلي تقريباً؟ إن الفضيلة التي يضعها كلّ المشرّعين في أساس الجمهورية لا تناسبها إلاّ إذا كان بوسعنا بلوغها دون ماضٍ، خارج التاريخ نفسه وببدء التاريخ معها. لكننا أصلاً في التاريخ وفي الجريمة ولن نخرج منهما دون المزايدة في العنف والإجرام. [فرضية نقرّ بها تماماً، ولا يكفي أن نسخط عليها بتسميتها هيغلية لمنعها من أن تكون حقيقة]. ولكن، هل سنخرج منها يوماً؟ وما سيكون الفرق؟ ماذا نكون قد كسبنا؟ أولاً تغيير مصطلحي: فما كان يسمى جريمة سوف يسمّى طاقة: إنه تغيير غير مهم، ومع ذلك، تترتب عليه نتائج جسام. فالعالم المقبل لن يكون عالم قيم. فلا الخير ولا الشر سيكونان قطبيه؛ ولا الفضيلة ولا الرذيلة، إنما العلاقة بهذا الأساس التي يستجيب لها، بالتماهي، الإثبات والنفي المدفوعين إلى أوجهما. عندما يقول ساد: «كلّ شيء جيد عندما يكون مفرطاً»، فإن هذا الإفراط الذي يختلف عن حالة الغليان ويمرّ بما يسمّيه دولمانسيه (Dolmancé) الخمول، والذي هو حالة توتر شديد وفقدان واضح للإحساس، يدلّ على الأخلاقية الوحيدة للإنسان الطاقي كما يدل على نوع السيادة التي يمكن أن يطمح إليها في حركة الحرية هذه حيث لم يعد يشعر، ولو مركَّزاً في ذاته، أنه متميّز عن الانحلال الذي هو السمة المشتركة للكل. الإفراط، الطاقة، الانحلال، تلك هي الكلمات الرئيسة للعصر الجديد(4).
    6- لنُعِد الآن القراءة الكاملة للمقطعين اللذين ألمحتُ إليهما. أظن أننا سنفهمهما بوجه أفضل إنطلاقاً من الفكرة الشاملة التي يجدان موضعهما فيها. «لقد شعر مشرّعو اليونان تماماً بالضرورة المهمة لإفساد الأعضاء، حتى ينجم عن انحلالها الأخلاقي المؤثر على ذاك المفيد للجسم، التمرّدُ الضروري دوماً في حكم موفَّق تماماً، كالحكم الجمهوري، لابدّ من أن يثير كره وحسد كل ما يحيط به. كان هؤلاء المشرّعون يعتقدون أن التمرّد ليس قط حال أخلاقية: مع ذلك، يجب أن يكون الحالة الدائمة لجمهورية؛ وسيكون إذاً من المحال ومن الخطر الاشتراط بأن يكون الذين يتعيّن عليهم الإبقاء على الاهتزاز اللاأخلاقي، الدائم للجسم، بأن يكونوا هم أنفسهم أشخاصاً فاضلين جداً لأن الحالة الأخلاقية لإنسان ما هي حالة سلام وهدوء بينما حالته اللاأخلاقية هي حالة حركة دائمة تقرّبه من التمرّد الضروري الذي يتعيّن على الجمهوري أن يبقي فيه دوماً الحكم الذي هو عضو فيه». وهو ذا النص الثاني الذي لا يقل عنه وضوحاً: «ثمة تفكير خاص جداً يخطر لي هنا، لكن، بما أنه صحيح رغم جرأته، فسأفصح عنه. إن أمّة تبدأ بحكم ذاتها في جمهورية. لن تقف على قدميها إلا بواسطة فضائل، لأنه للوصول إلى الأكثر، لابد من البدء دوماً بالأقل؛ غير أن أمة قديمة وفاسدة أصلاً، تريد أن تتمرّد بشجاعة على الحكم الملكي لتعتمد حكماً جمهورياً، لن تصمد إلا بجرائم كثيرة؛ ذلك لأنها الآن في الجريمة، وإذا كانت تريد الانتقال من الجريمة إلى الفضيلة أي من حالة عنيفة إلى حالة هادئة، فستقع في جمود ينتج عنه سريعاً انهيارها الأكيد»(5). إنني بقراءتي ثانيةً لهذا المقطع، أقرّ بأن كلمة جريمة ضرورية تماماً ويجب أن تحافظ فيه على طاقتها الاستحضارية والتحريضية. فللجريمة قوةُ بريق، وحريةُ تحدٍّ، وروعةُ استدعاء تثير دائماً لسان ساد وقلبه على السواء، لكنها ليست أقل إثارة للغة الثورة الصارمة. فهل هو ساد أم سان جوست الذي قال: «لا شيء يشبه الفضيلة مثل جريمة كبرى»؟ وذلك التأكيد الأكثر لغزاً مما يبدو عليه: «الفضيلة تتطابق مع الجريمة في زمن الفوضى» -وتلك النصيحة المخصَّصة لتُدوي بشدّة في جمعية اليعقوبيين: «سلّحوا الفضيلة بحذق الجريمة ضد الجريمة»، حيث يكفي، بقصد الصراحة، أن نستبدل الحذق بالعنف –كيف يمكن أن يكون صواب الفعل هنا إلاّ عنيفاً؟- حتى نهتدي إلى الجوهري عند ساد. أخيراً، عندما يمدح سان جوست الطاقة منذ خطابه الأول، بقوله عنها: «الطاقة ليست القوة»، فإنه يقول شيئاً يحاول كل نتاج ساد أن يقوله أيضاً بمزيد من الاحتداد. [أذكّر بالعبرة الأخيرة لمؤلف جوستيين وجولييت: لا يكون البشر سعداء أو تعساء حسب الكثير أو اليسير من الفضيلة أو الرذيلة، إنما حسب الطاقة التي يظهرونها، لأن «السعادة تتوقف على طاقة المبادئ ولا يمكن أن يمتلكها من يتردد باستمرار»] لنقرأ أيضاً سان جوست «الحل هو تمرّد العقول الفعلي»، وساد: «يجب أن يكون التمرد هو الحالة الدائمة للجمهورية». فما الذي يميّز لا أقول بين هذين الرجلين الغريبين عن بعضهما بقدر ما يمكن أن يكونه رجلان متعاصران قريبان الواحد من الآخر، إنما بين هذين الحُكمين المطلقين بالتساوي؟ إن ذلك واضح. ففي رأي ساد أن التمرد يجب أن يكون تمرّد العادات وتمرّد الأفكار على السواء؛ يجب أن يطال كل الإنسان وكلّ ما في الإنسان؛ بل أكثر من ذلك: إن التخريب المستمر والمفرط في آن سوف يشكّل السمة الدائمة لحياتنا المرفوعة باستمرار إلى أعلى درجاتها، أي إلى أقرب نقطة من نهايتها، بما أنه حيث توجد الطاقة، كإدخار للقوى، توجد الطاقة، كإنفاق للقوى، وهذا إيجاب لا يتحقق إلا بأكبر قدر من السلب. أفهم أن يندَّد هنا باليوتوبيا وبخطر اليوتوبيا [التي تتميّز على الأقل بعدم كونها فقط يوتوبيا الشرّ]. إنما لندع الآراء جانباً.
    7- ثمة نص ثالث من شأنه أن يساعدنا على توجيه تأويلنا بشكل أفضل. إنني أقتبسه من الجزء الرابع من قصة جولييت: «حكم القوانين فاسد؛ وهو أدنى من حكم الفوضى. وأكبر دليل على ما أقول هو ضرورة أن يغرق الحكم نفسه في الفوضى عندما يريد أن يصلح دستوره. لكي يلغي قوانينه القديمة، فإنه مضطرّ لإقامة نظام ثوري حيث لا قوانين قط؛ وعن هذا النظام تنشأ في النهاية قوانين جديدة، لكن هذه الحالة الثانية هي حتماً أقل صفاء من الأولى، بما أنها مشتقة منها، وبما أنه كان لابد من تلك الأولى، أي الفوضى، للوصول إلى الثانية، أي تكوين الدولة». إنه نص واضح ظاهراً وموضَّح أيضاً بنصوص أخرى كثيرة حيث نسمع ساد وهو يؤكد بأنه لا يوجد حكم حرّ واحد –ولأي سبب؟ لأن الإنسان هو وسيكون، في كلّ مكان، ضحية القوانين. فالقوانين قادرة على ظلم يجعلها باستمرار أخطر من أي نزوة فردية. إن الشهوة الخطرة لإنسان فرد قد تؤذيني، إنما في النطاق الذي ستحدّده لها شهوتي الخاصة. أما القانون الذي يُلزمني في كل مكان، فلا مجال للطعن فيه: القانون يقضي بأن أكون دائماً محروماً من نفسي، ودائماً بلا شهوة، أي قليل الذكاء وعما قريب غبيّاً. من هنا تلك الانتقادات التي تتكرّر بكل الأشكال: القانون جائر لأنه يملك السلطة ويغتصب السيادة، التي لا ينبغي أن يفوَّض أمرها أبداً فيما يخصّ الأساس؛ والقانون، المبتكر لاحتواء أهواء جاري قد يحميني، لكنه يتركني بلا ضمانة ضد تأكيدات القانون الخاصة، الأكثر فساداً والأكثر قسوةً، لأنها لا تمثّل أبداً شيئاً حراً، ولا تمثل غير قوة باردة، عديمة الحرية؛ وهي أخيراً تضعف وتزيّف علاقات الإنسان الصحيحة، سواء مع الطبيعة أو مع مستقبل المعرفة: «لولا القوانين والأديان، لكان مستوى المجد والعظمة الذي كانت ستبلغه اليوم المعارف الإنسانية متعذّر التصوّر؛ فمن الغريب كم أخّرت هذه الكوابح المعيبة مسار التقدم… إننا نجرؤ على التنديد بالأهواء، ونجرؤ على تقييدها بقوانين… وإلى الأهواء الشديدة وحدها يُعزى الإبداع وروائع الفنون… إن الأفراد الذين لا تحرّكهم أهواء شديدة ليسوا سوى أناس قليلي الذكاء؛ فالمرء يصبح غبيّاً عندما لا يعود صاحب هوىً»(6). إنها سلسلة قناعات ينهيها هذا التأكيد المذهل: «لا تتفجَّر الأعمال العظيمة إلا لحظة صمت القوانين»، لكن من الواضح أن تأكيداً كهذا سيظل عديم الأهمية، وإنه من الأفضل الاكتفاء بخلاصة تنمّ عن تسوية: إذا كان لابدّ من قوانين، فيجب أن تكون قليلة العدد وليّنة؛ وإذا كان لابدّ من أن “تعاقب” الذين نستمرّ في تسميتهم مذنبين، فلا ينبغي أن تطمح إلى إصلاحهم؛ أخيراً، يجب ألاّ تتعدى أبداً على الحياة نفسها، ويستحيل التساهل حول هذه النقطة، لأنه إذا لم يكن بوسع شعب ما أن يظهر حقه في السيادة فكيف سيكون باستطاعته أن يفوّض حقه في الحياة، يعني بالنهاية حقه في الموت؟ «أياً كان الاحترام الذي تفرضه عليّ سلطة جان جاك روسّو، فإنني لا أسامحك، أيها الرجل العظيم، على كونك قد برّرت حق الموت…» إنه إخطار لا يصدر في الحقيقة عن ساد، بل عن سان جوست مرة أخرى. مما لا يعني أن هذا الأخير قد جعل مطلب الفوضى مطلبه. فلا شيء كان سيرعبه أكثر من ذلك. ويبدو لي أن لكلمة قانون، في فمه، عندما يلفظها، الصدى الغريب ذاته والصفاء ذاته اللذين يكونان لكلمة جريمة في فم ساد. مع ذلك، وبالضبط لأن القانون هو دائماً فوق القوانين ولأنه دائماً محقَّر من قبل القواعد، فإن سان جوست يطالب، هو أيضاً، بأن يكون هناك عدد قليل من هذه القوانين [«حيث يوجد الكثير منها، يكون الشعب عبداً»]. ويؤكد أن القوانين المديدة هي كوارث عامة، وأنه يرفض كل ما من شأنه أن يقدّس باسم القانون قوة القمع المدنية، التي يقول عنها بصلابته المهيبة: «أنا لا أرضى بأن أخضع لأي قانون يفترضني كافراً بالنعمة وفاسداً». وفي موضع آخر، في جملة مقتضبة تعبّر عن كل شيء تقريباً، يقول: «في البدء، ليس للمواطن علاقات إلا مع ضميره والأخلاق؛ إذا نسيهما، تكون له تلك العلاقة مع القانون؛ وإذا احتقر القانون، لا يعود مواطناً: هنا تبدأ علاقته مع السلطة». ينتج عن ذلك أن القانون ليس سوى بداية سياق طويل من التقهقر تصبح السلطة في نهايته، وقد غدت قمعية، غارقة في القوانين، مثلما حدث في ظل الملكية. «أما الخضوع للقوانين، فليس هذا واضحاً»، «القوانين المفرطة تقابلها مؤسسات مدنية دون الكفاية». «إذا أردتم تأسيس جمهورية، انتزعوا من الشعب أقل ما يمكن من السلطة». «إذا أردتم إعادة الإنسان إلى الحرية، فلا تضعوا قوانين إلا له، ولا ترهقوه تحت ثقل السلطة». في ظل الملكية «كان القانون يصنع من أطهر الميول جريمة» –إنها حكمة على وزن البحر الإسكندري كان ساد مهيّأً دوماً لتقبّلها، مثلما كان يعترف دائماً بأن «الاستبداد معنيّ برخاوة الشعب»، لأن الاستبداد لا يقوى إلا من ضنى الطاقة، القادرة وحدها على الحد منه، والتي هي المبدأ الصحيح الوحيد في نظر ساد.
    8- يسمّي ساد إذاً نظاماً ثورياً الزمن الصرف حيث يُبقي التاريخ المعلَّق ذكراً دائماً، وذلك الزمن الحالّ في أثناء ذلك (temps de l’entre-temps) حيث يسود بين القوانين القديمة والقوانين الجديدة صمت غياب القوانين، وتلك المدة التي تطابق بالضبط فترة ما بين القول حيث ينتهي كلّ شيء ويتوقَّف، بما فيه دافع التكلم الأبدي، لأنه لا يعود حينئذٍ ممنوعاً. إنه لحظة الإفراط والانحلال والطاقة التي لا يعود الإنسان خلالها –كما سيقول هيغل بعد سنوات قليلة- سوى حركة اللانهاية التي تلغي ذاتها بذاتها وتولد باستمرار في زوالها، و«مفسقة الحقيقة حيث لا يستطيع أحد أن يظلّ زاهداً». إن لحظة الجنون الصامت هذه، المعلَّقة باستمرار، هي أيضاً اللحظة التي يبلغ فيها الإنسان، في توقف يتوكد فيه، سيادته الحقيقية، بما أنه لا يعود هو نفسه فقط ولا الطبيعة فقط –الإنسان الطبيعي-، بل ما ليست عليه الطبيعة أبداً: الوعي بالقدرة اللامحدودة على التدمير، أي على الإنكار، التي بواسطتها يتكوَّن وينحلّ باستمرار. تلك هي النقطة القصوى لفكر ساد التي لا يستقر فيها دائماً إنما التي ينزع ويصل إليها. خصوصاً في الجزئين الثامن والتاسع من “جوستين الجديدة”. وحيث لا تبذل جولييت، في صرخات رائعة، جهداً أقل لرفض الطبيعة من ذاك الذي بذلته لرفض القوانين والأخلاق والدين. فالطبيعة، كما تقول، ليست أكثر حقيقة من الله نفسه. «آه، أيتها الصبيّة، إنك تخدعيني ربما، مثلما كنت مخدوعة سابقاً بالخرافة الإلهية الكريهة التي قيل إنك خاضعة لها. إننا لا نخضع لك أكثر مما نخضع لها». «أجل، يا صديقي، أجل، إنني أكره الطبيعة». وهكذا، في لحظة من اللحظات، في تلك اللحظة الخارقة التي يخصّها ساد بصفة الثورية، تصمت القوانين، القوانين الاجتماعية والقوانين الأخلاقية والقوانين الطبيعية، وذلك كي تخلي المكان لا لهدوء أي عدم كان –كعدم ما قبل الولادة مثلاً-، إنما لتلك القدرة على الانحلال التي يحملها الإنسان في ذاته مثل مستقبله، والتي هي حبور الإهانة [لم يكن في هذا الاقتراب للّحظة العاصفة القصوى أي شيء كئيب في النهاية، ولم يكن فيها غير روعة وبشاشة]. وحاجة إلى التجاوز هي قلب العقل، الذي هو طبعاً خطر، مرعب، بل الرعب عينه بالمعنى الحصري، إنما الذي لا يُنتظر منه أي شيء مشؤوم، ولكن بشرط واحد: «عدم الافتقار أبداً إلى القوة اللازمة لتجاوز الحدود الأخيرة»، تماماً مثلما يقول سان جوست، بكلمة يجعلها إيجازها مرتعدة: «الفضيلة هي مبدأ الحكم الجمهوري، إن لم يكن الرعب».
    9- إن ساد، الذي أُفرج عنه في نيسان 1790م اعتقل كمشتبه في كانون الأول 1793م، قد أسهم خلال أربع سنوات تقريباً في قيام الجمهورية، وشارك خلال ستة عشر شهراً في الثورة، لا في واجهة المسرح إنما كرجل له دور عام، يتكلّم باسم الشعب ويمارس وظائف هامة. لا يمكن نسيان ذلك. فثمة شيء من ساد يخصّ عهد الرعب كما أن شيئاً من عهد الرعب يخص ساد. إننا نتذكر النص الشهير الذي يشبه إحدى صور إپينال (Epinal): «يقال إنه عندما تعب روبيسبير وكوتون وسان جوست وكولو ووزراؤه من أعمال القتل والإدانات، وعندما شعرت هذه القلوب القاسية ببعض التبكيت، وعند رؤية الأحكام العديدة التي كان يجب عليهم أن يوقّعوها، كانت الريشة تفلت من أصابعهم فيمضون إلى قراءة بعض صفحات من جوستين ويعودون للتوقيع». إن هذا النص المكتوب سنة 1797م بقلم ڤييه (Villers)، لم يُكتب للتنديد بـ ساد ككاتب لاأخلاقي فحسب إنما لتعريضه للخطر بجعله شريكاً لأسياد الثورة. وهذا النص، في حماقته، يقول مع ذلك شيئاً صحيحاً، بمقدار ما يلتقي فيه رجال متعارضون حول ما تنطوي عليه حرية حركتهم من إفراط وحول ذلك الاعتقاد المشترك بأن تجربة الحرية تمرّ دوماً بلحظة قصوى: من يجهلها، يجهل كل شيء عنها. إذاً، ما الذي يميّز هؤلاء الرجال المعتبرين كلهم سفلة؟ يبدو ذلك في بادئ الأمر بدهياً. عندما صعد سان جوست آخر مرة إلى منبر المجلس قبل التاسع من ترميدور ليرسم عن الإنسان الثوري صورة مكوَّنة من مبادئ راسخة: الثوري هو إنسان صلب، عاقل، زاهد، وبسيط، إنه العدو اللدود لكل رياء، لكل تساهل، لكل تكلّف، إنه بطل الرشاد والاستقامة(7)، فإن هذه الصورة الأخلاقية لا تشبه تلك التي قد تُرسم عن الإنسان الكامل، إلاّ فيما يختصّ بصلابة المبادئ –ذلك أن أرباب الفسق أيضاً هم بدورهم زاهدون بفعل الشبع وفاترون بفعل الحساسية الزائدة ومتقشفون بفعل الإفراط في المتعة، وبسطاء بفعل التجرد من كل خبث. عندما يأخذ سان جوست على ديمولين (Desmoulins) في أثناء اتهامه، بأنه قال: الشرف مثير للسخرية، المجد والخلود غباء فإن هذا المأخذ كان يطال ساد أيضاً، لكنه كان، في رأيي، مديحاً له، لأن كلمة مجد هذه، التي نجدها في جميع خطابات ذلك العصر والتي هي أيضاً على لسان جان بول مارا، لا نصادفها أبداً تقريباً في كتابات ساد الذي لا يرى فيها أيضاً سوى وهم، مثلما لا يرى في الخلود سوى غش بارد الأسلوب(8) [ولابدّ من الإيضاح أيضاً بأن مآخذ سان جوست كان يستهدف في ديمولين المتشكّك اللطيف، في حين كره الأحكام السبقية، عند ساد، وما سيُسمّى فيما بعد ضرورة العقل النقدي، أي شغف الإنكار المحض، هو الذي يمنعه من الاكتفاء بهذه القيم المعترف بها بسهولة مفرطة]. وأخيراً، عندما يستنكر سان جوست انحلال الأخلاق بإلحادية النفوس(9) ففي هذه النقطة ربما، سوف نجد أشدّ الاختلاف بين الفلسفتين –إن لم يكن بين الرجلين– وهنا أيضاً أجيز لنفسي بأن أقول إنه لصالح ساد كذلك. «إننا مغمورون بكتابات محرَّفة: هنا تؤلَّه الإلحادية المتعصّبة والمتزمّتة؛ فنخال أن الكاهن أصبح ملحداً وأن الملحد أصبح كاهناً. يجب الكفّ عن الكلام في هذا الموضوع! إننا بحاجة إلى الطاقة: فيقترحون علينا الهذيان والضعف». إنه اتهام يستهدف المشبوهين المعتقلين أصلاً والذين يوجد في عدادهم، وفي ذلك التاريخ بالذات، الماركيز دو ساد. أن يكون قد اعتقل بسبب العلاقات التي كانت له سنة 1971م أم بسبب معارضته للتدابير التي اعتبرها جذرية فوق الحدّ [مثلاً، إنشاء جيش ثوري في باريس، أشبه بنوع من حرس الطاغية الذي أوشك أن يكون، في نظره، ملاذاً للطمّاعين والغاصبين، ومرة أخرى، أبى أن يعرض على التصويت، كونه رئيساً لخليته، “عملاً فظيعاً” و”وحشياً”]، أم ببساطة لأنه كان يجذب المواقف التشهيرية باستمرار، كونه ارستقراطياً ومتهوّراً، فهذا صحيح ومحتمل. أما أن يكون أيضاً قد عرّض نفسه للشبهة بسبب تعصبه الإلحادي، فإنني أصدّق ذلك بطيبة خاطر: ذاك أنه قبل ثلاثة أسابيع من اعتقاله، خطب على منصة الجمعية التأسيسية مدافعاً عن مشروع عبادة للفضائل كان قد احتفل بها، بالأناشيد والبخور، على مذابح الكثلكة المحوَّلة لغرض آخر- وبأية عبارات؟ بعبارات يتحدَّث فيها عن نفسه، بطريقة تكاد تكون مكشوفة: «طالما سخرت الفلسفة خفيةً من حركات الكثلكة المضحكة؛ أما إذا كانت قد تجاسرت على رفع صوتها فقد كان ذلك في زنزانات قلعة الباستيل حيث ألزمها الصمت بعد قليل استبدادُ الوزارة. «إيه! من قال إن الاستبداد لم يدعم الاعتقاد الباطل؟…» وقبل ذلك بقليل، قال: «لقد أزال عهد الفلسفة أخيراً عهد الدجل؛ أخيراً، استنار الإنسان، فحطّم بيدٍ اللعب التافهة لدين عبثي وأقام باليد الأخرى مذبحاً لأعزّ إله على قلبه. فقد حلّ العقل محلّ مريم في معابدنا…» لقد حظي مشروع الإلحادية البارزة هذا [بما أنه لم ترد فيه، إطلاقاً، أية إشارة إلى أي كائن أسمى] بالتقريظ، إنما كان لابدّ من أن يسترعي الانتباه المعادي لأولئك الذين كانوا يستلمون الحكم، والذين كانوا كلهم تقريباً من عابدي اللّه وحده وكانوا يخشون، فوق ذلك، من أن تشكّل مثل هذه العبادة المُشركة، المثيرة لعموم الشعب الذي لماّ يزل كاثوليكياً، ذريعة لمبادرات الثورة المضادة. إن موطن القوة عند المرء هو غالباً سبب هلاكه. فكان لابدّ من أن يصحّ ذلك على ساد. كانت الإلحادية معتقده الأساسي، وشغفه، ومقياسه للحرية. حين كان سجيناً في الباستيل، رجته السيدة دو ساد أن يخفي مشاعره؛ فردّ بأنه يفضّل الموت ألف مرة على إخفاء حقيقته، ولو في رسائل شخصية، ومن أول كتاباته “حوار كاهن محتضر” الشهير حيث يعبّر أبلغ تعبير عمّا سيحافظ عليه دائماً وحتى النهاية: اليقين بالعدم. إنه لم يرعبني قط، وإنني لا أرى فيه غير التعزية والبساطة؛ كل الأنظمة الأخرى هي من صنع التكبّر، أما هذا فهو وحده من صنع العقل». إنه تصريح ينبغي ضمّه إلى تصريح إحدى شخصياته: إذا كانت الإلحادية تريد شهداء، فلتقل ذلك، ودمي جاهز تماماً»، كما ينبغي ضمّه أخيراً إلى ذلك التأكيد، الذي هو أحد أكثر تأكيدات ساد حسماً وأحد مفاتيح النظام، حيث جاء: «إن فكرة الله هي الخطأ الوحيد الذي لا يسعني أن أغفره للإنسان». فالله هو الخطيئة الأصلية، تلك التي تفسّر كوننا عاجزين عن الحكم ببراءة.
    10- نجا رأس ساد من المقصلة بفرق ضئيل، وذلك بفعل الخطأ ليس إلاّ؛ ولو لم ينجُ منها، لكان عهد الرعب قد قدَّم لنا شهيد الإلحادية، بفعل سوء فهم آخر.
    لقد أُطلق سراحه في شهر تشرين الأول 1794م، بعد تحقيق وبعد شهادة من خليّة البستوني، التي كانت قد أذلَّته في بادئ الأمر [أيام روبسبيير] آخذةً عليه قوله إنه يتعذّر ممارسة الحكم الديمقراطي في فرنسا(10)، لكنها عادت الآن لتمدح حسّه المدني ومبادئه كوطني صالح، فبدأ آخر حياته كرجل حرّ. والحالة هذه، ماذا يفعل؟ كلّ ما يلزم لتقويض هذه الحرية التي يتعلّق بها كثيراً. هذا لا يعني أنه يسيء التصرف. فبعد أن انفصل منذ 1790م عن المتقشفة رينيه دو ساد، التي حرّرها حيناً من فضيلتها ثم وقعت ثانية في اللامبالاة، عاش حياة زوجية مع شابة ناعمة وحسَّاسة لم تتركه بهد ذلك. شيطانه ليس شيطان الشبق. بل أخطر. إنه جن سقراط الذي قاومه سقراط دائماً والذي كان يودّ أفلاطون ألاّ يستسلم له: جنون الكتابة، حركة لا محدودة، لا متناهية، ودائمة. لقد ظُنّ زمناً طويلاً، عندما أعتقل سنة 1801م، أنه أوقف لأنه تحدّى بونابرت برسالة هجاء مجهولة. وقد حكم جيلبير لولي (Gillbert Lely) بالعدل على هذا التقليد المجازي بإفراط. صحيح أن ساد سُجن في ﭭنسين والباستيل في ظل الاستبداد الملكي، وأنه اعتقل في سان لازار وبيكبوس في سجون نظام الحرية (Liberté). ,انه اقتيد إلى سانت-ﭙيلاجي وبيساتر وشارنتون من قبل الطغيان العسكري المتوَّج بعد قليل، غير أن ما يجدر إيضاحه، وملاحظته برأيي، هو أن مؤلَّف جوستين وحده لا الخصم السياسي هو من حكمت عليه بالسجن مدى الحياة الأخلاق العالية لبونابرت، أي للمجتمع بأسره. لأن تلك هي حقيقة ساد: حقيقة خطرة بقدر ما هي واضحة، معروضة بجلاء، ومعبَّر عنها ببساطة –بالضبط في الصفحة الأخيرة من “رواج الرذيلة” وبالشكل الأسهل قراءةً [بالأحرف الكبيرة]: «يجب على الفلسفة أن تقول كل شيء، مهما ارتعد الناس من ذلك». كل شيء. لقد كان هذا السطر وحده كافياً لتعريضه للشبهة، وهذا المشروع كافياً لإدانته، وتحقيقه كافياً لإدخاله السجن. ولا مجال لإلقاء المسؤولية على بونابرت وحده. فنحن مازلنا نعيش عهد بونابرت ما. ومازال ساد ملاحقاً وبسبب الضرورة ذاتها: قول كل شيء، يجب قول كل شيء، الحرية هي حرية قول كلّ شيء، وتلك الحركة اللامحدودة التي هي نزعة العقل، أمنيته الخفيّة، وجنونه.

    الهوامش:
    1. المقصود هو صفحات لـ ساد مقتبسة من الفلسفة في الصالون، ومكتوبة تحت عنوان: أيها الفرنسيون، مزيداً من الجهد إذا أردتم أن تصبحوا جمهوريين [ في شأن “الكتابات السياسية”، أحيل القارئ إلى:
    Œuvres Complètes de Sade, Volume VIII, J. –J Lauvert.
    * نسبة إلى ساد نفسه.
    2. التعبير هو لساد الذي يطبّقه على نفسه: «أيها الفرنسيون المحظوظون، لقد شعرتم بذلك بسحقكم أنصاب الرعب وتلك السجون الكريهة حيث كانت الفلسفة وراء قضبان الحديد تصرخ لكم بذلك، قبل أن تشكّكوا بالطاقة التي ستجعلكم تحطّمون السلاسل التي خُنق بها صوتها»
    3. الكتيّب المذكور آنفاً: «أيها الفرنسيون، مزيداً من الجهد…»
    4. لنذكر بلاك في الحال وليس نيتشه: «الطاقة والحياة الوحيدة. الطاقة هي نعيم أبدي»، وحتى فان غوغ: «ثمة حسنة في كل حركة طاقية»، لأن الطاقة هي الفكر [الحدّة، الكثافة، رقّة الفكر المدفوع إلى مداه الأقصى].
    5. يقول سان جوست بالعكس، إنما على نحو مشابه: «الثورات تسير من الضعف إلى الجرأة ومن الجريمة إلى الفضيلة».
    6. العبارة نفسها عند هلقيثيوس: «يصبح المرء غبياً عندما لا يعود صاحب هوى»
    7. في خطاب آخر، يقول سان جوست أيضاً: «الرشاد البسيط، قوة النفس، برودة العقل، حماسة قلب حار وطاهر، التقشف، والنزاهة، ذاك هو طبع الإنسان الوطني»
    8. في خطابه الهادئ، يوم التاسع من ترميدور، سوف يفكّر سان جوست على النحو ذاته تقريباً: الشهرة هي شائعة باطلة، لنُصغ إلى العصور المنصرمة، فإننا لن نسمع شيئاً»
    9. في أحد أروع خطاباته حيث توجد الجملة التالية: إن الذين يصنعون نصف ثورات قد حفروا لأنفسهم قبراً»
    10. أن يكون ساد قد تكلّم هكذا، فهذا محتمل. وهذا يظهر صدقه وقلّة احتراسه. فالنص يقول: «مجرياً باستمرار في أحاديثه الخاصة مقارنات مستمدة من التاريخ اليوناني والروماني ليثبت استحالة إقامة حكم ديمقراطي وجمهوري في فرنسا». مستحيل «بدون جهد ومزيد من الجهد»؛ ذاك هو موضوع الكتيّب الذي وضعناه؛ لم تكن تلك جريمة؛ فقد كان ذلك يُقال في كلّ مكان. وكان أيضاً رأي سان جوست الذي يرى أنه بعد ليكورغُس، جاء طغاة هدموا عمله الإصلاحي؛ «حقائق محزنة».

    المصدر: مجلة العرب والفكر العالمي، العدد 10، سنة 1990

    ترجمة: جورج أبي صالح
    مراجعة: فريق مركز الإنماء القومي

  • الخدعة السعيدة –  الماركيز دو ساد

    الخدعة السعيدة – الماركيز دو ساد

    ثمة كثير من النساء غير الحريصات يتخيلن أنه بمَ أنهن لا يتورطن كثيراً مع عشيق فيمكنهن دون إهانة أزواجهن بأن يسمحن لأنفسهن على الأقل بعلاقة تودّد مع رجل، وينتج غالباً عن هذا الأسلوب في التعاطي مع الأشياء نتائج خطيرة كأن سقوطهن كان مكتملاً. ما حدث للماركيزة “قويساك”، وهي امرأة من الطبقة الأرستقراطية في نيم من مقاطعة آلون غدوك، دليل على ما نقدمه هنا كقاعدة.

    اعتقدت السيدة “دو قويساك”،الحمقاء المتهورة والمرحة شديدة الفطنة والكياسة، أن بعض الرسائل العاطفية التي تتبادلها مع البارون “دوميلاس” لن ينجم عنها أيّ نتيجة، أولاً لأنه لا أحد سيعلم بها، وثانياً لأنه في حالة ما إن اكتُشف أمرها وبمَ أنها قادرة على إثبات براءتها لزوجها فلن تحتاج لطلب الرحمة منه، لكنها أخطأت، فقد تسرب الشكّ إلى السيد “قويساك” الغيور جداً فشكّ في علاقة تودّد واستجوب خادمة زوجته وأخذ منها الرسالة ومع انه لم يجد في البداية ما يبرر مخاوفه إلا أنه كان فيها ما يكفي لتغذية شكوكه.
    وفي حالته القاسية من الشكّ، أخذ معه مسدساً وكأس ليمون، ودخل حانقاً إلى غرفة زوجته. صاح في وجهها غاضباً:

    – لقد خنتني، سيدتي. اقرئي هذه الرسالة التي بينت لي ذلك. لم يعد الوقت مناسباً للتلاعب بي، وها إني أترك لك أن تختاري طريقة موتك.
    دافعت الماركيزة عن نفسها وأقسمت لزوجها أنه مخطئ وأنها يمكن حقاً أن تكون مذنبة بسبب طيشها لكنها بكل تأكيد لم تقم بأي جرم.
    أجابها زوجها حانقاً:
    – لا تثقلي عليّ أكثر أيتها الخائنة. لا تثقلي عليّ أكثر واختاري بسرعة موتك وإلا فسيحرمك هذا السلاح للتوّ من الحياة.
    قررت السيدة “قويساك” المسكينة المرتعبة أن تختار السم وتناولت الكأس وبدأت شربها.
    قاطعها زوجها حين شربت كمية لا بأس بها من الكأس قائلاً:
    – توقفي. فلن تموتي وحدك. بمَ أنك تكرهينني وقمت بخيانتي فماذا عليّ أن أصبح في نظر العالم؟
    وبينما يقول هذا الكلام تناول الكأس وشرب منها ما بقي فيها، فصاحت السيدة “قويساك”:
    – آه يا سيدي في هذه الحالة الرهيبة التي وضعتَ كلاً منا فيها، فلا تحرمني من رؤية كاهن الاعتراف وأن أتمكن في الوقت نفسه من تقبيل أبي وأمي للمرة الأخيرة.
    أرسل الماركيز مباشرة في طلب الأشخاص الذين أرادتهم السيدة سيئة الحظ.
    ارتمت في حضن الأبوين اللذين منحاها الحياة واحتجت من جديد مؤكدة أنها غير مذنبة، لكن أي لوم قد يوجه لزوج يظنّ أنه قد خانته زوجته ولا يعاقبها بكلّ هذه القسوة إلا ويخضع هو بدوره للمصير ذاته؟
    لم يعد ثمة مجال إلا لليأس وعلا البكاء من كل اتجاه.
    عندما جاء الكاهن قالت الماركيزة :
    – في هذه اللحظة القاسية من حياتي أريد أن أعترف علانيةً لمواساة والدي ولتبقى ذكرايَ طاهرة.
    ثم اتهمت نفسها بصوت عال بكل ما أملاه عليها ضميرها من آثام أتتها منذ ولدت.
    نهض الزوج، منتبهاً لما تقوله زوجته فلم يسمعها تتكلم قط عن البارون “دومولاس” مع ثقته أنها في مثل هذا الظرف لن تلجأ لإخفاء شيء، وصاح معانقاً حماه وحماته وهو في قمة السعادة:
    – أبويَّ العزيزين هوّنا على نفسيكما ولتسامحني ابنتكما لما سببته لها من رعب لكنها سببت لي ما يكفي من القلق فسمحت لنفسي أن أسبب لها بعضاً منه. لا يوجد بالشراب الذي تناوله كلانا سمّ قط، فلتطمئن هي ولتطمئنوا جميعكم ولتتعلم هي على الأقل أنه لا يجب على المرأة الشريفة حقاً أن ترتكب شراً، بل ألاّ تقوم أيضاً بما قد يُسبب أدني شك.
    عانت الماركيزة عذابات الدنيا لتعود لحالتها الطبيعية. فقد ظنت أنها تسممت حقاً حتى أن قوة خيالها جعلتها تحسّ بكلّ ما قد يسببه موت مشابه من جزع. قامت مرتجفة وضمت زوجها وحلّ الفرح محل الألم.
    ووعدت في صدقٍ السيدة الشابة، التي قوَّم المشهد الفظيع سلوكها إلى أبعد حد، أن تتحاشى مستقبلاً أبسط مظهر من مظاهر الأخطاء، واحترمت وعدها وعاشت مع زوجها أكثر من 30 سنة فلم يجد مبرراً أن يوجه إليها أدنى تأنيب.

    ترجمة: رويدة سالم

  • أغنية المجنونة – كارل ماركس

    أغنية المجنونة – كارل ماركس

    هناك، تحت ضوء القمر، ترقص امرأة،
    إنها تشعُ في الليل،
    ثوبها يرفرفُ بشدة، عينان تتألقان بصفاء،
    مثل لآلئ في وجهٍ صخري شفاف.
    تعال إلى هنا، أيها البحر الأزرق،
    سأقبلك بشوق.
    اضفرْ لي تاجاً من الصفصاف،
    حِكْ لي عباءةً خضراء مزرقة.
    «أجلبُ ذهباً بديعاً وزمرداً أحمر
    حيث يخفقُ هناك دم قلبي.
    كانت على صدر دافئ لعاشق متعب،
    غرق في المحيط.
    «لك، سأغني أغنياتي،
    يجب أن تنبثق تلك الريح والموجة
    سأقفزُ عالياً في الرقصة
    وعلى الريح والموجة أن تبكيا!»
    أن تمسكُ صفصافاً بيدها
    وتربطهُ بشريط أخضر
    إنها تنظرُ إليه بطريقة غريبة
    وتأمرهُ أن يتقدم بخفة.
    «الآن أقرِضني أجنحتك
    ليكون لصوتي صدى أسفل البحر:
    أيتها الأم، ألم تعرفي
    كيف طوقت بحبٍ ابنك؟»
    كم هي مظلمةٌ الأماكن هنا وهناك حيث مضتْ
    مكدسةً كل الصفصاف إلى جانب البحر
    رقصت بفخرٍ هناك في الأعلى والأسفل
    حتى يكتمل سحرها.

  • القيثارة السحرية، أغنية – كارل ماركس – صلاح فائق

    القيثارة السحرية، أغنية – كارل ماركس – صلاح فائق

    لغنائها وقعٌ غريب في الأذن،
    مثل قيثارة تهتزُ، مثل أوتار مرتجفة،
    توقظ المغني النائم.
    «لماذا يدقُ القلبُ بمثل هذا الخوف،
    ما هذه الأصوات، الشبيهة بهارمونيا
    نجومٍ وأرواحٍ تبكي؟»
    ينهضُ، يقفزُ من فراشه،
    يديرُ رأسهُ باتجاه الظلال
    ويرى أوتار الذهب.
    «تعال، أيها المغني، إنها ترفعك إلى الأعلى والأسفل،
    عالياً في الهواء، عميقاً في الأرض،
    هذه الأوتار التي لا يستطيع إمساكها».
    إنه يراها وهي تنمو، تتفرع كثيراً،
    روحهُ، في الداخل، قلقة بعمق.
    يرتفعُ الصوتُ في الهواء.
    إنهُ يتبعهُ، وهو يغويه
    بسلالم لا مرئية في الأعلى والأسفل،
    هنا، هناك، وفي كل مكان.
    إنهُ يقفُ، ينفتحُ بابٌ ويهتزُ على مداه.
    انفجارٌ موسيقي من الداخل
    سيحملهُ يعيداً.
    قيثارة ذات تألقٍ ذهبي رائع
    تتصاعدُ الأصواتُ بأغنيةٍ طوال الليل والنهار،
    لكن ليسَ ثمة من يعزف.
    أنها تتشبثُ به مثل الرغبة، مثل الألم
    يهتز صدرهُ، قلبهُ يدقُ بإيقاع أعلى من أن يسيطر عليه.
    «تعزف القيثارة من قلبي،
    إنها نفسي، وخزانتها – الفن
    الذي يتدفقُ من روحي».
    بطريقةٍ جميلةٍ يصنع الأوتار،
    يهتز الصوتُ عالياً مثل ينابيع جبل،
    ينتفضُ بدويّ يشبهُ الجحيم
    يتدفق دمهُ وحشياً، يعيداً تتحركُ أغنيتهُ،
    لم يكن يتوق للألم بمثل هذه القوة،
    إنه لم يعد يرى العالم.

  • الاستيقاظ – كارل ماركس – ترجمة: صلاح فائق

    الاستيقاظ – كارل ماركس – ترجمة: صلاح فائق

    -1-
    حين تنفتحُ عيناك المشرقتان
    مبتهجةً ومرتعشة،
    مثل وترٍ موسيقي شارد
    تلك الكآبة،
    ذلك النوم الخفيف،
    المربوطانِ بالقيثارة،
    في الأعلى خلال حجاب الليل المقدس،
    ثم من الومضة العليا
    تدخلُ بحب
    نجومٌ أبدية.
    -2-
    مرتعشاً تغرقُ
    بصدرٍ لاهث،
    ترى العوالم الأبدية
    فوقك، تحتك،
    لا يمكن الوصول إليها، بلا نهاية،
    طافية في قطاراتٍ راقصة
    من أبديةٍ قلقة
    تسقطُ أنت مثل ذرةٍ
    خلال الكون.
    -3-
    يقظتكَ
    هي نهوضٌ بلا نهاية
    نهوضكَ
    هو سقوطٌ بلا نهاية.
    -4-
    حينَ تنطلقُ الشعلة المتموجة لروحك
    في أعماقها،
    من داخل صدرك
    هناك تبرزُ
    أنغامٌ سحرية
    مرفوعة بواسطة أرواح.
    محمولةً بغرورٍ جميل،
    سر الروح
    ينطلقُ من الأرواح
    كشيطانٍ جهنمي.
    -5-
    هبوطك
    هو ارتفاعٌ لانهائي
    ارتفاعك اللا نهائي
    هو بشفاه مرتجفة –
    الاحمرار الأثيري
    توهج،
    أبديةُ
    قبلة حبٍ لجبهة الإله.
    ***

  • قصائد هايكو – ميسون عرفة

    قصائد هايكو – ميسون عرفة

    بيوت دمشق القديمة
    عطر النّارنج
    يصلُ الفراغ بالفراغ .
    ……
    على حافّة الطّريق
    النرجسة التي تُذكرني بك
    تغيّر لونها .

    ***

    على ضفّة النّهر
    الصخرة حيث كنا نجلس
    يغمرها الفيض.


    ***

    ياسمينةُ الدّار
    لاشيئ أفكر فيه
    ببطئٍ أتنشق الشّذا .

    ***

    بجناح مهشم
    أنى لك اكمال فكرة الطيران
    يافراشة

    ***

    الرّيح
    كلُ هذا الجدال
    مع شبّاكٍ مفتوح .

    …..
    يبذرون القطن –
    يقطفون القطن
    في قفلة الموال .
    …..

    لم تترك أثراً
    الزهرة التي
    سقطت في الضباب .

    …..
    فساتين ضيّقة –
    الكلمات التي فات
    أوانها

    …..
    بعد همهمات
    لم يفهما أحد
    تغادر الأوراق مع الريح .

    …..
    اعلى من سور الحديقة
    شذا الوردة
    هذا الصباح .

    ….
    حقل القمح الجديد
    مثبَّتة بالمسامير
    ابتسامة الفزاعة .

    …….

    طفلة خلف الزجاج
    بشريط لاصق تثبِّت
    قمر الليلة .
    ……

    جملة واحدة
    تتصفَّح الرّيح
    بسطة الكتب .

    …..
    ليس قريبا
    ليس بعيدا
    العالم خلف الضباب .
    …….
    اخيراً
    تسكن الريح
    البيت المهجور .
    …..
    ضباب
    يد تلوح
    لصوت القطار
    …..
    حديث عن الحرب –
    ظلُ مجهولٍ على
    ضر يح الجُّندي المجهول .

    ……
    العام الجديد
    أقلب جوربي القديم
    وأرتقه .

    ……

    الانقلاب الخريفي
    أعيد ترتيب ملابسي
    التي فات أوانها .
    …..
    داخل المعبد
    داخل الصّمت
    داخل نفسي .


    قدم للأمام
    وقدم للخلف
    العام الجديد .


    عصافير قميصك المطرزة
    تثيرُ الرّيح
    شغفها للطيران .
    ……
    مالذي يدفعك ياعنكبوت
    لرَبط جدارين
    يختلفان بالاتجاه
    ….

    بافتعال الدّهشة
    تسعدني
    أحاديثه المملّة
    …..
    أواخر العام –
    قلب فارغ وفم مفتوح
    البئر القديم.

    …..
    خطوات فارغة من اقدامها
    كل مابقي منهم
    على الطريق الثلجي.
    …..
    طيُّ الصّفحة –
    ورقة ساقطة
    تغرق في انعكاسها
    ….
    دانتيلا مخرمة
    نصمت
    ونقول .
    ………

    مكسور العنق
    ظلُّ المزهريّة
    المكسورة العنق .
    ……

    مسافر بلازاد –
    النسيم الذي يمر بهدوء
    يرحل خفيفاً .
    ……..

    عاميَ الخمسين
    عقدة الشّال
    فوق القلب .

    ……

    جرح لايندمل –
    نتوء صخري
    في مجرى النهر .
    ………

    على عكازين ،
    تغرب الشّمس
    عن حقل القصب .
    …. ..
    اول المساءات البارده
    اقحوانات شالي
    برائحة النفتالين .
    ……

    كأنّه لم يكن
    الشروق
    خلف الضباب.
    …….
    هدوء الريح
    تسقط تباعاً الأشياء التي ارتفعت
    مع الريح .
    .
    …..

    قيظٌ ،
    برائحةِ الشِّواء ظلال المارّّة
    على جدارِ المطعم.
    ….

    ظلالُ الأشجار
    بفيءِ الجسر ِ،
    ظهيرةٌ حارّة.
    …..
    حقل القطن
    مكسو بزغبٍ أبيض
    قمر الليلة.
    ……..

    ثمَّ ما الحُبُّ ؟
    إن لم يكن حقل قمحٍ
    في موسم ِ الحصاد.
    …..

    طوقُ الحمامة –
    ليلكةٌ جافّةٌ
    عند باب الهجر .
    ……

    الجمالُ اصطلاحاً –
    بدرٌ
    في البادية.
    …..

    امام المرآة
    يكسر ابتسامتي
    شرخ عميق.
    ……

    رف المكتبة
    أفكاري
    في حالة توقف.
    ……

    أدفع الايجار
    للغرفة التي يسكنها العنكبوت
    بعد وفاة جدتي.
    ……

    آخر زيت القنديل
    لون الفراشات يبهت
    مع كل قطرة.
    ……

    كهطول الثلج في الخارج
    على الطاولة
    نتناول حديثا بارداً.
    ……

    شالي الخريفي
    مازال الربيع
    مطرزا على أطرافه.
    ……..
    حبقاً
    أزرع الكأس
    التي كسرتَها بالأمس.
    …….
    ضباب يلفُّ الحديقة
    شجرة البرتقال
    تهدل .
    …….
    حرباء تنزلق
    على الحائط الأملس
    كنت أفكر بالقدر.
    …….
    سنون الحرب
    ذكور المواليد
    بأسماء آبائهم.
    …….
    على متن القطار
    اصطحب المقعد
    الفارغ.
    ……..
    اول الصباحات
    في المهجر
    يُربكني السّلام.
    …….
    بيتي في المهجر
    دوري غريب
    على نافذتي .
    …….
    الله.. الله
    لولا هديل الحمامة
    كاد ان لايقول شيئا .
    ………
    حلزون نافق
    يلهو به
    سيل المطر .
    ……
    بنفس الإتجاه
    الأعشاب المداسة
    بحوافر الخيل .
    …..
    على جدار حديقتي
    يكبر ظلّها
    شجرة الجيران.
    …..

  • روضة الحاج – في موسم المد جزر جديد

    روضة الحاج – في موسم المد جزر جديد

    في موسم المد والجزر بصوت الشاعرة روضة الحاج

    اليومَ أوقنُ أنني لن أحتملْ !!

    اليومَ أوقنُ أنَّ هذا القلبَ مثقوبٌ ومجروحٌ ومهزومٌ

    وأن الصبرَ كَلْ …

    وتلوحُ لجةُ حزني المقهورِ .. تكشفُ سوقَها كلُّ الجراحِ وتستهلْ

    هذا أوانُ البوحِ يا كلَّ الجراحِ تبرجي

    ودعي البكاءَ يجيبُ كيفَ ومَا وهَلْ

    زمنًا تجنبتُ التقاءك خيفةً .. فأتيت في زمنِ الوجلْ

    خبأتُ نبضَ القلبِ

    كم قاومتُ

    كم كابرتُ

    كم قررتُ

    ثم نكصتُ عن عهدي .. أجلْ

    ومنعتُ وجهك في ربوع مدينتي .. علَّقتُه

    وكتبتُ محظورًا على كلِّ المشارفِ .. والموانئ .. والمطاراتِ البعيدة كلها

    لكنَّه رَغمى أطلْ ..

    في الدُورِ لاحَ وفى الوجوه وفى الحضورِ وفى الغياب وبين إيماضِ المُقَلْ

    حاصرتني بملامحِ الوجه الطفوليِّ .. الرَّجُلْ

    أجبرتني حتى تَخِذتُك مُعجمًا

    فتحولت كلُّ القصائدِ غير قولك فجةٌ

    لا تُحتَمَلْ ..

    صادرتنى حتى جعلتُك مَعلَمًا فبغيرهِ لا أستدِلْ

    والآنَ يا كلَّ الذين أحبهم

    عمدًا أراكَ تقودني في القفرِ والطرق الخواء

    وترصدًا تغتالني .. انظر لكفِّكَ ما جنت

    وامسح على ثوبي الدماء

    أنا كم أخافُ عليك من لون الدماء !

    لو كنت تعرف كيف ترهقني الجراحاتُ القديمة والجديدة

    ربما أشفقتَ من هذا العناء ..

    لو كنتَ تعرف أنني من أوجه الغادين والآتين أسترقُ التبسم

    أستعيدُ توازني قسرًا ..

    أضمُّكَ حينما ألقاكَ في زمن البكاء

    لو كنتَ تعرفُ أنني أحتالُ للأحزان … أرجِئُها لديك

    وأُسكِتُ الأشجانَ حيث تجئ .. أخنق عبرتي بيدي

    ما كلفتني هذا الشقاء!!

    ولربما استحييتَ لو أدركتَ كم أكبو على طول الطريق إليك

    كم ألقى من الرهِق المذلِّ، مِنَ العَيَاء ..

    ولرُبَّمَا .. ولرُبَّمَا .. ولرُبَّمَا

    خطئي أنا

    أنِّى نسيتُ معالم الطرقِ التي لا أنتهى فيها إليك

    خطئي أنا

    أني لك استنفرتُ ما في القلبِ ما في الروح منذ طفولتي

    وجعلتُها وقفًا عليك ..

    خطئي أنا

    أنى على لا شئ قد وقعتُ لك .. فكتبت

    أنتَ طفولتي .. ومعارفي .. وقصائدي

    وجميعَ أيامي لديك

    واليوم دعنا نتفق

    أنا قد تعبت ..

    ولم يعد في القلب ما يكفى الجراح

    أنفقت كل الصبر عندك .. والتجلد والتجمل والسماح

    أنا ما تركت لمقبل الأيام شيئا إذ ظننتك آخر التطواف في الدنيا

    فسرحت المراكب كلها .. وقصصت عن قلبي الجناح

    أنا لم اعد أقوى وموعدنا الذي قد كان راح

    فاردد إليّ بضاعتي ..

    بغي انصرافك لم يزل يدمى جبين تكبري زيفا

    يجرعني المرارة والنواح

    اليوم دعنا نتفق

    لا فرق عندك إن بقيتُ وإن مضيت!

    لا فرق عندك إن ضحكنا هكذا – كذبًا –

    وإن وحدي بكيت!

    فأنا تركت أحبتي ولديك أحباب وبيت

    وأنا هجرت مدينتي وإليك – يا بعضي – أتيت

    وأنا اعتزلت الناس والدنيا

    فما أنفقت لي من أجل أن نبقى؟!!

    وماذا قد جنيت ؟؟!!

    وأنا وهبتك مهجتي جهرًا

    فهل سرًا نويت؟؟!!!

    اليوم دعنا نتفق

    دعني أوقع عنك ميثاق الرحيل

    مرني بشيء مستحيل

    قل لي شروطك كلها .. إلا التي فيها قضيت

    إن قلت أو إن لم تقل

    أنا قد مضيت … !!!

    نص: روضة الحاج

  • محيي الدين بن عربي – ألا يا حمامات الأراكة والبان

    محيي الدين بن عربي – ألا يا حمامات الأراكة والبان

    Women of Algiers in Their Apartment
    Eugene Delacroix

    ألا يا حمامات الأراكة والبان * ترفقن لا تضعفن بالشجو أشجاني
    ترفقن لا تظهرن بالنوح والبكا * خفى صباباتي ومكنون أحزاني

    أطارحها عند الأصيل وبالضحى * بحنة مشتاق وأنة هيمان
    تناوحت الأرواح في غيضة الغضا * فمالت بأفنان علىّ، فأفناني

    وجاءت من الشوق المبرّح والجوى * ومن طُرَف البلوى إلى بأفنان
    فمن لي بجمع والمحصَّب من مِنى * ومن لى بذات الأثل من لي بنعمان

    تطوف بقلبى ساعة بعد ساعة * لوجد وتبريح وتلثم أركاني
    كما طاف خير الرسل بالكعبة التي * يقول دليل العقل فيها بنقصان

    وقبّل أحجارا بها وهو ناطق * وأين مقام البيت من قدر إنسان
    فكم عهدت أن لا تحول وأقسمت * وليس لمخضوب وفاء بأيمان

    ومن عجب الأشياء ظبي مبرقع * يشير بعناب، ويومي بأجفان
    ومرعاه ما بين الترائب والحشا * ويا عجبا من روضة وسط نيران

    لقد صار قلبى قابلاً كل صورة * فمرعىً لغزلانٍ، ودير لرهبانِ
    وبيتٌ لأوثانٍ، وكعبة طائفٍ * وألواح توراةٍ، ومصحف قرآنِ

    أدين بدين الحب أنَّى توجهتْ * ركائبه، فالحب ديني وإيماني

  • قيس بن الملوح – تذكرتُ ليلى والسنين الخواليا

    قيس بن الملوح – تذكرتُ ليلى والسنين الخواليا

    Woman from Algiers with Windhund
    Eugene Delacroix

    تذكرت ليلى والسنين الخواليا
    وأيام لا نخشى على اللهو ناهيا
    ويوم كظل الرمح قصرت ظله
    بليلى فلهاني وما كنت لاهيا
    بثمدين لاحت نار ليلى وصحبتي
    بذات الغضى تزجي المطي النواجيا
    فقال بصير القوم وألمحت كوكبا
    بدا في سواد الليل فرداً يمانيا
    فقلت له بل نار ليلى توقدت
    بعليا تسامى ضوؤها فبدا ليا
    فليت ركاب القوم لم تقطع الغضى
    وليت الغضى ماشى الركاب لياليا
    فياليل كم من حاجةٍ لي مهممةٍ
    إذا جئتكم بالليل لم أدر ماهيا
    خليلي إن لا تبكياني ألتمس
    خليلاً إذا أنزفت دمعي بكى ليا
    وقد يجمع الله الشتيتين بعدما
    يظنان كل الظن ان لا تلاقيا
    لحى الله أقواماً يقولون إننا
    وجدنا طوال الدهر للحب شافيا
    ولم ينسني ليلى أفتقار ولا غنى
    ولا توبة حتى أحتضنت السواريا
    ولا نسوة صبغن كيداء جلعداً
    لتشبه ليلى ثم عرضناها ليا
    خليلي لا والله لا أملك الذي
    قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليا
    قضاها لغيري وابتلاني بحبها
    فهلاِِ بشئٍ غير ليلى ابتلانيا
    وخبرتماني أن تيماء منزلاً
    لليلى إذا ماالصيف ألقى المراسيا
    فهذه شهور الصيف عنا قد انقضت

  • أحمد شوقي – مضناك جفاهُ مرقده

    The Sick Child (later)
    Edvard Munch

    مضناك جفاه مرقده .. و بكاه و رحم عوده

    حيران القلب معذبه .. مقروح الجفن مسهده

    حيران القلب معذبه .. مطروح الجفن مسهده

    يستهوي الورق تأوهه .. و يذيب الصخر تنهده

    و يناجي النجم و يتعبه .. و يقيم الليل و يقعده

    الحسن حلفت بيوسفه .. و السورة أنك مفرده

    وتمنت كل مقطعة .. يدها لو تبعث تشهده

    جحدت عيناك زكي دمي .. أكذلك خدك يجحده

    قد عز شهودي اذ رمتا .. فأشرت لخدك أشهده

    بيني فى الحب و بينك ما .. لا يقدر واش يفسده

    مابال العاذل يفتح لي .. باب السلوان و أوصده

    ويقول تكاد تجنّ به .. فأقول وأوشك أعبده

    مولاي و روحي فى يده .. قد ضيعها ، سلمت يده

    ناقوس القلب يدق له .. و حنايا الأضلع معبده

    قسما بثنايا لؤلؤه .. قسم الياقوت منضده

    ما خنت هواك ولا خطرت .. سلوى بالقلب تبرده

  • من قصيدة: مقهاك المفضل – المهدي اخريف

    من قصيدة: مقهاك المفضل – المهدي اخريف

    البحرُ هَبَّ على قصائديَ القصارِ

    مُبكِّرا

    سيُسائل العنوانَ عن مثْواكَ

    كالمعتادِ

    أنتَ هناك في وضح السُّماقِ

    توبِّخ المعنى المعربدَ في السياقِ

    تسُلّ بيتك بالهوينَى

    من شقوق الماء من مُون العشيةِ

    حيث أنتَ

    تطارد الأشعار وهي تسيل

    من خَبَبِ الزبدْ

    ووسادتاك تعانقان مُوَيجتينِ

    من الحرير

    الكامِدِ الصافي

    قُبالة ضاية الإيقاع أبصر راحتيكَ

    تلونان بريش (نورسة الجنونِ)

    وسادتيكَ

    وتحضنان كنايتين بغير مأوى

    أنت لاهٍ عن فوات الوقتِ

    عن (جرح) السؤال وضده

    من حَمَّة (الطيقان) بعد غدٍ تجيءُ

    دواتك المنزوعة الأوتار

    تَبْصِم للغبار براءة اِختراعك:

    (اِختراع فاق أوصافَ الحقيقةِ

    والمجازِ)

    وأنت لاهٍ عن شفوف الرملِ

    في عينيكَ

    حاولتُ أن أتقمصَ التشبيهَ

    قبل فراره مني إليكَ

    فغاص في البحر السريعِ

    تحللت قبل التقمُّصِ

    لقطةُ التوديع في الحبب المملح

    ثم حاولتُ التشبثَ

    بالفواصل والصفات العالقه

    بالريح أو صمت العبارة في الغلافِ

    فلذتَ بالحبر المراوغ

    أسأل الإيقاع عنكَ

    وأسأل المعنى الملبَّد بالمراثي

    يسأل العنوانُ عنكَ

    أريكةً في زورق المبنى

    ويسأل أصدقائي الأمسَ

    ظلَّ يسائل المقهى كراسيه الثلاثةَ

    زنبقات من نُعاسٍ تلعق الشايَ

    المخلَّل كل يوم تسأل المقهى, فقلْ

    ماذا سأفعل بالظهيرة كلَّ يوم

    وهْي تجثم فوقَ

    تنهيدات قافيةٍ مرقَّعةٍ

    هنا حجرٌ غريق يسألُ

    الممْشَى الموشَّى بارتجافتك الأخيرةِ

    رمل ماياتٍ على باب القَريقيَّة

    التقينا رُبْعَ سربٍ من طيورِ

    البحر نتْبَع حَبْلكَ السريَّ فوق المونِ

    يسأل عنك إبليسٌ حميمٌ

    طرفةً من عينيَ اليسرى وأنتَ معي

    تدوم بشخصك الغاني دوام دقيقتين

    بلا حدودٍ

    ها هنا سنواتك العشرون

    تنجب طرقةً صمَّاء في كبد الظهيرةِ

    كل يوم ثُم ترسم ظلها

    بجماجم الآتي.

  • إن رأيتم أحدًا – مهدي سليمان

    إن رأيتم أحدًا – مهدي سليمان

    إن رأيتم أحداً
    يحدق في أعينكم دون أن ينبس بكلمة
    دون أن تنفرج شفتاه عن ابتسامة
    دون أن يشيح ببصره
    أو يدعي نظرة للأفق من ورائكم
    فاعرفوا أنه أنا، وتحاشوا النظر في وجهي
    لئلا تحملوا دون جرم عبء إكمال الحكاية.
    بدأ كل شيء في لحظة فضول مثل هذي
    وسينتهي في مثلها،
    وها أنا منذ ذلك الحين
    حاملاً زجاجة الكلام،
    ومن خلفها تكبر عيني
    ومن أمامها تلتمع أعينكم المتفاجئة
    وها أنا منذ ذلك الحين
    أستجدي الصدقة والشفقة
    في صمت عابر بين عينين مجهولتين
    في إشاحة أو تلويحة
    أنتظر أن يومئ لي القدر برأسه
    أو يطرف بجفنه مرة فأقول:
    ها قد انتهى كل شيء
    ولم تكتمل الحكاية.

  • العزف الثنائي في ” صولو” – زهراء المنصور.

     

    الناقدة المسرحية زهراء المنصور تكتب في عدد “التقدمي” الأخير عن العرض المسرحي: “صولو”

    “لم يكن هناك زمن أكثر قسوة من زمننا، لكننا – مع ذلك – لم نسمح للجانب الإنساني في الإنسان أن يموت”.
    فاسيلي غروسمان/ كاتب روسي

    تحمل الذاكرة الحاضرة والمتخيلة قصصا مروية عبر التاريخ عن الحروب التي تخلف خسائر لا حصر لها؛ بشرية ومادية ونفسية. ورغم أنها تتسبب في تعطيل الزمن من عمر الإنسانية، نحو التطور والإنجاز، إلا أن لا أحد قادر على إيقاف آلة الحرب التي يوقظها مغامرون عابرون، تنتهي أعمارهم بعد حياة طويلة يقضونها في الدمار والخراب والقتل. و”صولو”، المسرحية المعدة بعناية عن قصة “رائحة الدم”، للكاتب مصطفى محمود، أو كما كتبها المخرج “أنشودة الدم”، تدخل في دهاليز الحرب، وما جانبها، وما خلفته من أثر نفسي لدى بطلي المسرحية. فالجندي السابق (عمار زينل) الذي يحرس المكان/ المضيف/ المقبرة، قد عانى أشد الآلام النفسية في القسوة التي جابهته وهو يرى تناثر الدم في كل جانب، وسقوط القتلى في منظر مهيب، “وكانت هذه السماء مضيئة بآلاف القناديل، ولولا صرخات الموت هنا وهتاك لخيل للواقف أنه في محفل سماوي رائع. إن منظر الدم يسكر.. أقول إن منظر الدم يسكر، ولا يعرف هذه الحقيقة إلا من جربها”(1). وكان قدر هذا الجندي أن يبقى في هذا المكان بقرار منه، بعد أن زامل كل الموتى حوله في المعركة، وقرر أن يكون مثواه الآني والتالي هنا أيضا، خصوصا بعد وصفه الدقيق لموت صديقه وهو يحتضنه، منتشيا بنصر كاذب، وحرب لا تعرف إلا الخسارات، حتى وإن كانت النتيجة “نصرا”.
    هذا الديالوج يبدأ بدخول الغريب (مهدي سلمان)، حاملاً آلة التشيلو بغطائها المثير لصوت الموسيقى، متلعثما، وتبدو التأتأة جلية في كلامه، يطلب مكانا للنوم بأدب جم، يأكل بأناقة ما ضيف به، وهو يستمع بإنصات إلى حوار طويل للجندي الذي اقترب في بعض تفاصيله إلى حديث النفس، ليبين مدى القسوة التي تعرض لها كثيرا، وخلقت منه هذه التجربة شخصاً آخر، قرر أن ثمة ولادة جديدة له في هذا المكان، ومرقد أخير، ويمني نفسه بليلة غارقة بالفن مع الغريب الذي بدا وجهه مألوفا له جدا. ولا يستغرق الأمر طويلا حتى يكشف الغريب عن هويته، عندما يطلب منه الأول أن يعزف على آلته الموسيقية التي كانت عبارة عن مدفع رشاش! كان هذا الغريب المتلعثم قائدا عسكريا اشتاق للقتل، فعاد يبحث عن من يمكن قتله! هذا الشعور الصادم الذي خلَّفه القائد للمتلقي نابع من كون الصورة الأولى المختلفة كلياً عن شخصيته الحقيقية، التي لم يتوانَ عن التصريح بها بعبارات أجاد المعد/ الممثل/ المخرج إبرازها من النص الأصلي للمسرحية، عبارات مثل هذا الحوار:
    -إنها صناعتي الحقيقية.. إني قاتل، صناعتي القتل.. أما الموسيقى، فهواية أمارسها في وقت الفراغ.
    – ولكن – يا سيدي – ماذا تريد أن تقتل هنا؟ إن كل من تراهم هم قتلى بالفعل! أكثر من ثمانين ألف قتيل تحت هذا التراب!
    – إذن لا مفر من إحيائهم من جديد، لأقتلهم ثانية! هذه سُنَّة الحياة.
    – ومَنْ وضع هذه السُّنَّة؟
    – القادة المصلحون، أمثالي!
    – وهل القادة والمصلحون صناعتهم القتل؟
    – نعم، يها الأحمق. لابد أن يكونوا قتلة لينظفوا الأرض من الحثالة القديمة، ويعدُّوها لغرسهم الجديد!! ص (2)

    ومن المهم الإشارة إلى الفهم الكامل للنص في إعداده، حيث تدور القصة الأصلية حول جندي يقترب حديثه من الهلوسة، عن واقعة زيارة القائد حامل الآلة الموسيقية، لدى راوي الحدث، فيتداخل الحدث بين الواقع والحلم نظراً لما حملته شخصية الجندي من سمات، وضعت الحرب آثارها عليه. فاقتصار الحدث على الشخصيتين الرئيستين أضفى للحدث واقعية أكثر، رغم الإشارة للحلم عبر الإضاءة الزرقاء الدالة على الحلم في أكثر من موقع أثناء الحوار.
    أيضاً، لم يكن الوعي أثناء الإعداد هو الحسنة الوحيدة، بل الاختيار أيضاً للممثلين في دوريهما: القائد العسكري بتعابير وجهه المستكينة – بالبداية – والتأتأة المستمرة أثناء الحديث، وهي ابتكار المعد، لعدم الإشارة إليها في النص الأصلي، حيث يضطرب جهاز الكلام، أو يعمد إلى تكرار كلمات أكثر من مرة، في الحالات العادية تصنف أنها عائق تواصل، مما يؤدي إلى العزلة الاجتماعية، والقلق من المواجهة، والخوف من التحدث، خاصة في العلن، وإقران التلعثم بشخصية القائد الشرسة، عاشقة الدم والموت، وصوت السلاح الذي يغلفه بغطاء الموسيقى –مجازاً – في إشارة إلى طربه لصوت الموت. غير أن علم النفس يرجع التأتأة لهذا النوع من الشخصيات إلى أن الأشخاص الذين لديهم مشكلات نفسية وانفعالات في التفكير تؤدي أن تكون طريقة الكلام أو إيقاعه لا يشبه هذه الشخصية المسرحية، التي أجاد فيها مهدي سلمان الشاعر أولاً ذو الصوت الرخيم/ القوي توظيف صوته وانفعالاته لخدمة الشخصية القوية/ الحازمة/ الجازمة، بأن لعبة القتل الفردية لا تروقه! حتى كتلة جسمه الأطول والأثقل، مقارنة بزميله الجندي الأقل منه مكانة في الترتيب العسكري، نبرة الصوت التي أخذت موضعها في شخصية القائد المزدوجة، وأيضاً في مونولوجات الجندي، الذي رغم طولها أحياناً ألا أن فهم الممثل لطبيعة النص والحدث وتقلب الشخصية وصدق الأداء، ووصف الحدث كأنه مازال ماثلاً أمامه، لم يثر في المتلقي أي شعور بالرتابة أو الملل، لأنه نجح في التوصيف والمعايشة وصدق الأداء، عوضاً عن الانتباه لسلامة الحوار وحسب.
    وكان لاختيار قاعة العرض في (ساحة مشق للفنون)، دون أن يكون المكان مهيئاً تقنياً لعرض مسرحي له وجهان متضادان؛ فالقطع الموجودة بالمكان أصلاً، وطوعت لصالح العرض، قد نجحت في إضفاء واقعية للحدث من ناحية كونه مكان ضيافة بشكل ما، أما الإضافات التي اجتهد فريق العمل في تكوينها حتى تظهر بمؤثر الدبابة، لم يزد في العرض الذي كان ممثلاه يؤديان بما يكفي لإثارة خيال المتفرج بالدبابة التي جاءت تهشم كل من يقف في طريقها بصوتها الأرعن القبيح. وما ينطبق على القطعة التي استخدمت كدبابة، ينطبق على المؤثر الصوتي للسلاح الذي يفترض أنه جزء حميمي من القائد كأداة متعة. “إنك لن تستطيع أن تصبح قائداً، إلا إذا استطعت أن تقتل وأنت تغني. لن تستطيع أن تصنع الحياة، إلا إذا صنعت لآخرين الموت.. هذه سُنَّة الوجود!” (3). فإذا أحس المتلقي أن السلاح الذي يتباهى به القائد جزء مكمل/ مفصول، وليس أساسياً في التخلي عنه على الطاولة، أو عدم انسجام المؤثر الصوتي مع الأداء، حين يبين القائد نشوته في الطلق الحر بالهواء، ليبين أن صوت الرصاص يشجيه، ويحبه، ويتعامل معه كأنه جزء من جسده، لأنها في مكونه الضمني الداخلي.
    وكذلك، في العروض التي تعتمد على الإضاءة بشكل رئيسي، كما في هذا العرض، لابد من التركيز على التحولات التي تنشأ في تطور الشخصية، لإيضاح التغيير الذي صاحبها، وقد حدث هذا بالفعل حتى أثناء المونولوجات، لكن كانت هناك كثرة لونية أخلَّت بالمعنى المنطوق، إضافة إلى أن تأثير الإضاءة المباشرة على المشاهدة، نظراً لأماكن وجودها المختلفة تماماً عن خشبة المسرح، والتي يتم تثبيتها بطريقة لا يلاحظ المتفرجون إلا تأثيرها. ورغم أن العرض لم يستدعِ وجود الجمهور على الخشبة -المفترضة-، كما يحدث في العروض التي تكسر الحاجز الرابع، بذل الممثلون جهدهم ليتمكن الجمهور – من الطرفين – مشاهدتهم، بسبب توزيع أماكن الجلوس بما يتناسب مع مساحة المكان المفتوحة التي استقبلت من قبل عروضاً مسرحية ذات حضور جيد، وإمكانية استقبال جمهور كافٍ لإقامة ثلاثة عروض ممتعة للجمهور.
    أخيراً: من المهم التنبُّه إلى التغيير الذي أضافه المعد مهدي سلمان في تغيير اسم العمل؛ من رائحة الدم، أو أنشودة الدم، إلى صولوsolo ، والتي تحيلنا تلقائياً إلى التعبير الموسيقي المقصود به: العزف المنفرد على آلة، وعن الربط الذي فعله سلمان بين المزاج الحربي للقائد، حامل غطاء الآلة الموسيقية/ المدفع الرشاش، وعن العلاقة التي أشرنا إليها، وعن الجندي التوَّاق للحياة والجمال، ويطلب الشعر والموسيقى، وهو في حضرة الموت، وخارج من حرب مدمرة، بات فيها معظم أقرانه ممن لم يغادروا المكان إلى بلدانهم تحت التراب الذي يحيطه ويحرسه، وإلى المعنى الموسيقي المباشر الذي يتركه العزف المنفرد لجمهور يراه ويسمعه، سواء كان عزفه على التشيلو.. أو المدفع الرشاش.

    (1) مصطفى محمود، رائحة الدم، الأعمال الكاملة للدكتور مصطفى محمود، قطاع الثقافة، ب ت، ص (26)
    (2) نفس المرجع السابق، ص 36
    (3) نفس المرجع السابق، ص 38