جان رينوار هو ابن الرسام الفرنسي اوغست رينوار. والذي كان له بالغ التأثير على رؤية رينوار الابن الحياتية والفنية، فقد تعلم منه أن الشغف بالطبيعة هو مصدر أساسي لاكتشاف الجمال، حيث كان رينوار الأب يقول لإبنه:” كي تكون فنانًا عظيمًا عليك أن تتعلم قواعد الطبيعة”.. كتب رينوار سيرة والده في كتابه:” رينوار.. أبي” ذكر فيه تناقضاته وضجره من الحروب وشغفه بالطبيعة وبالرسم، حيث لم يتوقف عن الرسم حتى آخر يوم في حياته، ففي يومه الأخير طلب فرشاته وألوانه وقال: لقد تعلمت اليوم شيئًا جديدًا، وبدأ بالرسم، ثم مات في الليلة ذاتها..
لذلك فقد تسلل شغف هذا الأب الفنان إلى عمل ابنه السينمائي، حيث أصبح كل حدث هو كشف باهر بالنسبة إليه، مهما كان يصور المشهد نفسه أو الفتاة نفسها، مثلما كان رينوار الأب ميالًا إلى رسم المشهد نفسه عدة مرات، وكان يقول إذا ما سئل عن ذلك: لا توجد ورقة شجر تشبه الأخرى.”
ولد العام 1894 في باريس، ومات العام 1979 في بيفرلي هيلز كاليفورنيا، و بدأ حياته مع السينما في مسرح العرائس والسينما الصامتة التي كان يحضرها برفقة قريبته وصديقة عمره غابرييل، وتحدث في مذكراته: حياتي وأفلامي. عن السحر الذي تملكه لحظة دخوله إلى مسرح العرائس أول مرة في التاسعة من عمره، وعن التأثير الذي حوته به السينما في طفولته، تلك التي سيمنحها في المقابل عمره كله..
كان رينوار يشبه والده في هوسه بالخلق رغبته في أن يصبح فنانًا..بدأت رحلته مع الفنون بأن أصبح خزافًا، ولم تستمر تلك المرحلة طويلًا قبل أن يتجه للعمل في السينما..
تمويل أفلامه الأولى جاء من خلال بيعه للوحات والده، وقد ذكر رينوار مرارًا حسرته كلما كانت جدران المنزل تتعرى أكثر فأكثر من اللوحات، وفيما يخص لوحات والده، تحدث رينوار أيضًا بمرارة عن لوحات والده الأخيرة وغير المكتملة، والتي تم التعامل معها بفجاجة، فقد استخدمتها أخته وزوجها المقيمان في الريف في سد ثقوب السقف وبناء حظائر للأرانب!
أنجز رينوار ما يقارب خمسة وثلاثين فيلمًا، خمسة عشر منها تقريبًا استمدت من أعمال روائية، في العام 1926 حقق فيلمه الأول كمخرج وكان عنوانه “فتاة الماء” وهو منذ ذلك العام لم يتوقف عن العمل السينمائي، فحقق بعض أهم الأفلام الفرنسية، ثم عمل خلال الحرب العالمية الثانية في السينما الأميركية. وحقق في العام 1951 فيلم “النهر” في الهند، كما حقق العام 1952 فيلم “العربة الذهبية” في ايطاليا، قبل ان يعود الى فرنسا ويعمل فيها من جديد. يقول رينوار عن نفسه أنه” مواطن سينمائي، واعتبر السينما ” فن بلا حدود..” كما أطلق على نفسه لقب ” شاعر السينما” حيث كان مأخوذًا بفكرة خلق شعرية سينمائية خاصة به، أصبحت فيما بعد اتجاهاً معروفاً في السينما الفرنسية له اتباعه ـ مثل الموجة الجديدة في نهاية الخمسينات ـ أعاد قراءة الرؤية الجمالية والغنائية في أعمال رينوار، وأبرزها: الوهم الكبير، فتاة المياه، البهيمة الإنسانية، النهر، العربة الذهبية، قواعد اللعبة.
أكثر رينوار في أفلامه الحديث عن العلاقات الإنسانية، وعن الحروب، وناقش قضايا مثل الوطنية، ومثل القومية، وحرص على بيان زيف مفاهيم كهذه، ففي فيلم الوهم الكبير، والذي يستمد عنوانه من كتاب «الوهم الكبير» للاقتصادي البريطاني نورمان أنجيل، والذي تحدث فيه عن لا جدوى الحرب، وأنها قائمة في الأساس على مصالح مشتركة بين الدول.. لذلك فقد ترسخ لدى رينوار هذا الاعتقاد باعتبار الحرب أفضل طريقة لقتل الإنسان، وعليه استخدامها – أي الحرب- لبيان زيف عالمنا هذا.
إنّي أتحدّث عنكَ لا عن ظلّكَ الجالسِ – وحيداً – تحت سكون الشجرةِ عند المفترَق حيث أعمدة تلغراف قديمة منزوعة الأسلاك، وعابرون يمرّونَ بِسَهْوِكَ ولا يلتفتون
إنّي أتحدّث عنكَ لا عن خيالك الماثل أمام عينيّ أو منامي أتحدّث عنكَ لا عن المصباح الذي يرفع الظلَّ إلى مصافِ الساحرات اللواتي كُنّ ظلالاً ماكرة ولا عن الأعراقِ التي استخرجتها الأيدي الحاذقةُ من جوفِ الأرض،
ولا عن المناجم التي كانت تُسمّى، في حياةٍ أخرى، مملكةُ الكدّ وأهراء الشقاء
لم يبق أحدٌ
لا أحد هنا سوى أنتَ ملاذ الهَاجرين بيوتهم إلى الأبد،
لا أحد هنا، وملاذُكَ أنتَ مثل هذا الأرق الطويلْ
لا أحد هنا يحبّ الحجَرَ أو يأنَس إلى برودتِه وصمتِه حتّى المناماتِ المُرعِبَةِ لم تُبقِ للحجَرِ معنىً حتّى الشجرة العاقر لم تثمر يوماً حصاة
وإذا أعيتنا الحيلةُ في أمرِ موتانا جئنا بتقوانا إليكَ ورِعينَ، مُطرقينَ، مضمومي الأيدي، متوسّلينَ أن تكون ملاذاً لذكرياتنا وحسراتنا وخشيتنا من كونكَ الملاذ الأخير
إنّي أتحدّث عنكَ – كما يتحدّث أحياءٌ عن أحياءٍ مثلهم –
وأتحدّث عن جوفِكَ الذي هو نارٌ خامدة، نارٌ باردة،
عن ملمَسِكَ الخشِن الذي يشبه الضغائن الدفينة، ملمَسِكَ المخادِع الذي يسري خدراً في الجسم
إنّي أتحدّث عنكَ أنتَ الحقيقي
عن كتابك الغامض كالمتاهِ
إنّي أتحدّث عنكَ، لا عن الشواهد والجدران والبيوت والمزارات والصروح
عن الحكمة الموروثة عن سلالتكَ الحجريّة
أتحدّث عنكَ
عن المأثور على قوسِ بابِك:
هنا جانبُ الظلِّ رَحْبٌ وأبوابُه واسعةٌ والقاصدون كُثُرٌ وما من طريقٍ إليه كمنزلٍ ريفيّ وسطَ المروج لا درب يهتدي إلى بابهِ الضيّق المتوحّدِ فوق العتبة لا أنا ولا أنتَ ولا المُبصِرُ في منامِه ندري ما الخيالات المترائيّة عند مفترَقٍ قريبٍ بعيدٍ عائمٍ على صفحةِ السرابِ الذي ترفَعُه العيونُ المترقّبة المتعبة المتوهّمة: شخوصٌ نابتةٌ في الوعرِ كمخلوقاتِ التوهّم، – ليست من الأنس وليست من الجنّ – كأشجار سروٍ مُستنفَدٌ هواؤها كأعمدة تِلِغراف صامتة،
كأناسٍ ليسوا مثلنا، نحن أرواح البيوت المطمئنّة،
كأناسٍ ليسوا مثلكم، أنتم روّاد السُبُل الزائلة،
بل كمِثْلِ المقيمين عند المفترق، جنبَ الطريق،
أهل المزارات التي لا يأتيها إلاّ غرباءُ حاملين باقاتٍ وزاداً، وشموعاً توقَدُ مرّةً وحيدة لكي تأخذ الريحُ، إذا هبّت ريحٌ، شعلتَها، وتبقى، هناك، شموعاً كأعواد البلّور المطفأة
سكينةٌ مُطبقةٌ يرجّها زعيق السيّارات المسرعة إلى حطامها
إله ساذَجٌ إلهٌ ساذَجٌ وفتيٌّ وميت إله ساَذَجٌ – وفتيٌّ لأنّه ميت –
جَعَلتْ له الأيدي الغريبةُ مزاراً عند المفترق،
كومة أحجار رُفِعَت، مُرتَجَلةً، بجانبِ الطريقِ، مطوّقة بباقات وعباراتٍ خُطّت على لوحٍ مُرتَجل، وصورة – ما كانَ لبعض الوقت صورة – في إطارٍ مُرتَجَل
لا أحد هنا، وهنا لا تُسمّى القبور – ولو مأهولةً بالموتى – تلك التي يخلّفها المسافرون – قبوراً بل علامات لمسافرين سوف يمرّون بها من بعدهم ويتركون بجوارها قِربَةَ ماء وأطعمةً وأغطيةً وآثار أقدام،
هنا لا تُسمّى المواكبُ إليها جنازاتٍ بل أسفار،
لا تُسمّى القبور إلى جانبِ الطريق – ولو غير آهلةٍ – قبوراً بل مزارات
بيوتٌ مُرتَجلةٌ في العراء لم تكتمل بعدُ ولم يقطنها بعدُ أحدْ لكنّها، منذ البَدءِ، مأهولة بشخصِ الذكريات
ولا تُسمّى أضرحةً فلا مَن يرقد فيها مجرّد علاماتٍ يلتفت إليها العابر بسيّارته مُسرِعاً أو المارّ بها سائراً على القدمين، ساهياً،
لا أشجار باسقة شاكيةً تحيط بها أو تظلّلها، لا شواهدَ لا أسماء لا أسوار لا شارات لا دروبَ
أنصابُ عبورٍ خاطف إذ تمرّ بها مبتعداً تتضاءلُ رويداً قبل أن يحجبها المفترق عن عينيك
الفن والفلسفة توأمان لدى شوبنهاور في وظيفتهما الإدراكية لماهية الوجود، إذا كان التفلسف يمارس الوعي بالحياة عن طريق التصورات فإن الفنّ يمارس الوعي بالحياة عن طريق المُثل، وإذا كانت إرادة الحياة ذات طبيعة باطنية عمياء لأنها تندفع بلا سبب وتتحرك دون هدف فإن الفن هو السبيل الوحيد للتحرر من عبثيتها، عالم الحياة هو محل اشتغال الإرادة التي تتجسّد في الصراع الشامل في الطبيعة وتتسبب بانتشار العذابات والآلام، لكن عالم المثل التي يُعيد الفنان اكتشافها عن طريق التأمل فخالٍ من الألم لخلوه من الإرادة، يقول شوبنهاور: “في التأمل الفني يصير الشيء الجزئي صورة نوعه دفعة واحدة، ويستحيل الفرد المتأمل إلى ذات عارفة خالصة”.
في العلم يتم الانطلاق من الكلي من أجل استتباع الجزئي لكن في الفن تكون البداية من الجزئي لمحاولة احتواء الكلي، العلم يتطلب البرهان ويصل لهدفه بالتجربة بينما الفن لا يتطلب سوى الموهبة وعادة ما يصل لمبتغاه بالبصيرة، نسيان الأنا هو شرط المتعة الجمالية إذْ لا تتحقق إلا بالتسامي الذي لا يخدش الإحساس بالجلال مع إجالة النظر في غضبة الطبيعة، ولا يكتمل إلا بالاتصال بين الذات والموضوع ليصبح التأمل في الحقيقة عملا لاإراديا، الجمال يتحقق في أتم صورة وأبهى حلة في النوع الإنساني لأنه يمثل أعلى مراتب تحقق الإرادة في هذا العالم، إعادة اكتشاف المثال الذي تتجسد أشكاله في الطبيعة عن طريق التأمل العميق هو ما يتيح للفنان التعبير عنه بصورة تفوق نظيرها الموجود في الطبيعة.
إذا كان الجمال لدى كانط ينصرف إلى ما تروق لنا صورته وليس إلى ما تروق لنا مادته فإن الشعور بالجمال لدى شوبنهاور “يأتي بواسطة عيان خالص تُدرك فيه الصور المتحققة في الموضوعات المحسوسة”، لذا كان الفن المعماري لدى شوبنهاور هو أدنى درجات الجمال لأنه لا يتجاوز مجرد الانسجام الهندسي، ثم يليه فن النحت والتصوير حيث يميل الأول لتوكيد إرادة الحياة وتحققها في الزمان والمكان بينما يميل الثاني لإنكارها لأنه ينحو لاستخلاص طابع إنساني عام من خلال الفرد باعتبار أن كل إنسان يساهم في مثال الإنسانية.
ثم يليه فن الشعر بوصفه إدراكا للذات من داخلها واستثارةً للخيال بواسطة الكلمات على حد تعبير شوبنهاور، الشعر يستوعب المُثل بكل درجاتها، لذا كانت القصيدة رمزا لتفوق الإنسان الروحي وأهم مظاهر التعبير الجمالي، الشاعر “مرآة الإنسانية” لقدرته على النفاذ إلى سر الوجود وملامسة الجوهر ومغالبة الخواء الداخلي، ثم يليه فن الموسيقى التي يراها شوبنهاور من أوضح تعبيرات الشيء في ذاته الذي لم يعد محجوبا بأشكال أخرى للتكييف المعرفي، وبخلاف حال الفنون الأخرى تبدو الموسيقى من أشد التعبيرات الفنية عن الوجود في وحدته المطلقة، للموسيقى كينونة مستقلة عن العالم وهذا يُكسبها أهمية ميتافيزيقية، خصوصا أن الطابع المتجدد للألحان يشبه الطابع المتجدد للطبيعة من خلال تنوع الأفراد، رؤية شوبنهاور للموسيقى تجسدت في الموسيقار ريتشارد فاغنر الذي وجد فيه نيتشه “فلسفة شوبنهاور وهي حية تسعى على قدمين”.
لقد وضع شوبنهاور قيمة الجمال في أعلى مرتبة ممكنة لأنه كان يتغيا بواسطتها الوصول إلى ما يشبه “الفناء التام” التي تحققه إرادة الفنان، يقول شوبنهاور:” لو استطاع الإنسان، مدفوعاً بقوة العقل أن يطلق الطريق المألوف في رؤية الأشياء… لو توقف عن اعتبار ما في الأشياء من متى وأين ولماذا، وتطلّع إليها ببساطة كما هي فقط، لو حال بين فكره المجرد وفكر التصورات… فترك وعيه في تأمل هادئ للموضوع المتمثل أمامه، منظراً كان أو شجرة أو جبلاً أو بناية … الخ . فلو كان له ذلك لتخلص الموضوع من كل رابط يشدّه إلى غيره، ولتخلصت الذات من كل رابط يشدها إلى الإرادة، وما سندركه حين ذلك لن يكون هذا الشيء الجزئي أو ذلك، وانما هي فكرة الصورة السرمدية، والتمثل المباشر للإرادة في درجة ما، وفي إدراك كهذا يتخلص الإنسان من كل فردية، فيغدو ذاتاً من المعرفة الخالصة وأعلى من الإرادة والألم والزمن”.
نُحتت عظامهم بروح الحب فذابوا واستهلوا، واستلهموا، فذرفوا دموع وجدهم قصائدا وروايات خلدها التاريخ على أغلفة القدر،فالعشق هو ذلك الكائن الذي لا تخلوا الروح السوية آبدا منه،منهم من بالغ حد العتب ومنهم من تفرّد حد الجنون ومنهم من مات في رحاب العشق.
العشق.. الذي جعل فريدرش هلدرلين يقدس زونتسيه وكأنها إلهة من أساطير الإغريق ويدثرها بأعمق التعابير الصوفية ينشد لحن الوفاء لحب امرأة لم تكن يوما له حتي قضى نحب عشقه وأسلم روحه متوجعاً متألماً،صامتاً آخيرا عن مناشدة فيروزة شطوطه ومسامرة طيفها فبكت على جثته عصافير الود وضفاف النهر وأغصان الشطئان.
العشق ذاته هو الذي أتقنه العابث جا دي لافونتين كزهرة نرد يخوض احتمالاتها كلما لاح له طيف حب جديد وجسدا جديد فيغدو عند كل كرَّة عاشقا حد الثمالة محباً حد التخمة،شغوفاً حد الصدق يكرر روايات شبقه بذات الكم وذات الكيف في غير ذات الشخوص، فكل امرأةً تتسلل قلبه هي مشروع قصيدة ناجحة وكأنها الحب الأول،الحب الأوحد،الحب الذي لا حب بعده،كان يصرخ عشقاً ويصرخ شوقاً ويصرخ فجعاً عند مغادرة كل حبية له،كان يتقن تلك اللعبة فكل حب جديد يعني له ولهٌ جديد وابداعاً جديد وطاقة عظمى
العشق ذاته هو الذي جعل فولتير الثوري المتسامح عاشق الحرية يُلبي نداء إملي المعجبة التي سمعت عنه وبحثت عنه وأصرتّ على أن تلقاه وتعرض عليه حبها ليتخبأ بعد ذلك -ـ حين يتم طلب القاء القبض عليه ـ في قصرها وقلبها،فتحبه حباً نرجسياً متسلطاً،غيورورا ليعيش مستقرا في روحها،عشقته الى الحد الذي يبدوفيه أنه من الجنون تصديق أنها خذلته وصفعته بخيانةٍ حملت على إثرها من أحد الأمراء لتعود لائذة به منكسرة،معترفة بخطئها،فيصفح العاشق الإنسان فولتير ويترجم احترامه لحرية الغير ومبادئه ونضاله من أجل الإنسانية فيعتني بها حتى تلد مولودة فيهمس في أذنيّ الطفلة قائلا ” ما أجملك وأنتِ طاهرةً بلا ذنب” ماتت إملي بحمى النفاس وأوفى فولتير لعشقه وتبنى الطفلة ورباها حتى غادر الحياة،مترجماً بذلك تطبيقه لقيم التسامح وشعارات الصفح التى نادى بها.
العشق الذي غلفّ قلب المحب شاعر الرقة والاحساس “لامارتين” ذاك المحب الذي وهب رياح الفقد فرحه فولت مع غياب شمس محبوبته التي نهشها المرض وسرق روحها مخلدة، ورائها روحا شفافة وقامة أدبية تمطر في سماء الشعر حباً ووجع. فلكأنه كان يرى بضوء عينيها حتى إذا ما غابت انطمس نور البصر.
العشق هو ذاته الذي قتل “بوشكين” ليخوض مبارزةً غير متكافئة مع ضابطا محترفا دفاعاً عن حبه وعن شرفه وعن زوجته التي عشقها حد الفناء ليغادر العطاء شاباً،فمات نصير المقهورين ومحرض الثورة برصاص دانتس،فمات على ذمة عشقه.
وغمامة أفكار مشتتة تلتحلم شيئا فشيئا في فكري المتصدع ليبعثرها كل حين وآخر إحساسي بالظهيرة الخانقة، وطنين ذبابة لا أستطيع أن أراها.
نحن العدم المطوي على ذاته كلفافة تبغ تحترق قربانا على مذبح وجودنا المتهالك أو لا وجودنا المغرور .
وززززز
ها هي مجددا ..حسنا إنها ليست ذبابة بل بعوضة كبيرة .ههه تتجول بصفاقة مدهشة في منتصف النهار .متحدية الطبيعة ..ههه أهي حقا من تتحدى الطبيعة ؟!
مسكينة فمنذ أن لمع المصباح في رأس أديسون .ما عادت تعرف ليلها من نهارها .إنها تلدغ بشكل هيستيري.
أظنها تعاني الأرق .
حملقت في الساعة قبالتي الوقت يحصدني كطاعون القرون الوسطى ..أشعر بثقله الشديد على دماغي المتعب .
تناولت القرص الأخير من علبة الدواء المجاورة .ابتلعته من دون ماء …نصف ساعة مرت لا شيء تغير
نصف ساعة أخرى لا شيء أيضا …أظنني أعاني الأرق .
جررت نفسي من السرير وإذ بكائن غريب رمادي بستة أرجل رفيعة وخرطوم طويل يقف قبالتي صرخت فصرخ .سقطت فسقط ….مرت البعوضة مجددا وحطت على الوسادة سحقتها بغتة ثم نمت .
للتو قبلتُ صداقةَ رجلٍ ميت
كتبَ في سيرته الذاتية : أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أبدا
ولأني بليدة كسلحفاة أصلُ أخيرا
لاشيء مثير في صداقة الأموات
سوى ابتساماتهم
يضحكون مسبقا كالبلهاء
ثم يموتون
هكذا
يخلعون الحياةَ بسرية
دون وداع أحبتهم
دون كتابة الوصايا
دون تسديد الديون
ودون بكاء أخير بتفاهةٍ مطلقة
على مشهد درامي
لرجلٍ عابر زرعَ وردا في صحراءٍ
وغادر
خاتم الزواج خاتم زواجي يقبع في سلة كأنه في قاع بئر. لن يأتي شيء ليلتقطه ويعيده إلى إصبعي ثانية. يقبع مع مفاتيح منازل مهجورة، مسامير تنتظر من يحتاجها ويدقها في أحد الجدران، أرقام هواتف لا أسماء ملحقة بها، مشابك أوراق مهملة. لا يمكن التخلص منه خوفاً من أن يجلب الفأل السيئ. لا يمكن بيعه لأن الزواج كان حسناً في زمنه، ولو أن ذلك الزمن مضى. أ يمكن لصانع ماهر أن يصوغ عليه أحجاراً براقة، أن يحوله إلى خاتم يبهر البصر لا يمكن لأحد أن يقتنيه من أجل خطوبة جادة أو لقطع عهود لن تدعه الحياة أن يفي بها؟ أن يغيره إلى هدية بسيطة يمكنني أن أهديها لصديق؟ خاتم الزواج خاتم زواجي يقبع في سلة كأنه في قاع بئر. لن يأتي شيء ليلتقطه ويعيده إلى إصبعي ثانية. يقبع مع مفاتيح منازل مهجورة، مسامير تنتظر من يحتاجها ويدقها في احد الجدران، أرقام هواتف لا أسماء ملحقة بها، مشابك أوراق مهملة. لا يمكن التخلص منه خوفاً من أن يجلب الفأل السيئ. لا يمكن بيعه لأن الزواج كان حسناً في زمنه، ولو أن ذلك الزمن مضى. أ يمكن لصانع ماهر أن يصوغ عليه أحجاراً براقة، أن يحوله إلى خاتم يبهر البصر لا يمكن لأحد أن يقتنيه من أجل خطوبة جادة أو لقطع عهود لن تدعه الحياة أن يفي بها؟ أن يغيره إلى هدية بسيطة يمكنني أن أهديها لصديق؟
إلهي: لقد حان الوقت. كان صيفاً عظيماً. القِ بظلك على الساعات الشمسية ثم اطلق الرياح في الحقول. مٌر أخر الثمار لتكتمل؛ امنحها يومين آخرين من أيام الجنوب ، حثها على النضج ، ثم ادفع آخر حلاوة بها إلى النبيذ المعتق. من لا يملك الآن بيتاً، لن يبني بيتا أبداً. من هو وحيد الآن ، ستطول وحدته. سيظل مستيقظاً ، يكتب رسائل طويلة، ثم يهيم على وجهه في الٌسبل، صعوداً وهبوطاً بلا هوادة ، بينما الأوراق تتطاير.
نحن بخير لم تلمس هذه الأصابع كمنجة في طفولتها،
لم تداعب فرشاة في نوادي الرّسم.
كانت ماهرة في نصب الفخاخ للعصافير،
بارعة في قنص فوانيس الحيّ بالمقلاع
أصابع أقدامنا تنزف في شوراع الأحياء المنسيّة
فيما نحن نركض وراء كرة الخرق وأكياس البلاستيك
ضحكاتنا عالية ومجنونة
حين نظفر بكؤوس عصير لم يشربها الضيوف.
أيّتها الكائانت الأنيقة
على الصالونات الفاخرة
لن نكون مجرمين وقطّاع طرق
(لن ننافسكم في ذلك)
أيتها العيون الباكية علينا أمام الكاميراً
أيها السماسرة جميعاً
نحن بخير،
سنكبر لنصبح شعراء.
على الضفة الأخرى هناك أقف بارتياب
أجترّ أيّاما يقطر المستحيل من ثقوبها
لطالما راقبت ببلاهة إنهيار جروف العمر
تبتلعها الأيام بشغف
يحدث أن تُطمر في أعماق صوتي أنهار الموسيقى
وفي دروب الوجد
تتعثر حروفي
أُحاول عبور جدار الوقت ألذي بُح من الصمت
لكني تركت على الجرف قدميّ
وبمشقة عبرت أتّكيء على رموشي
بقيت أرقب انطفاء عيوني التي نسيتها هي الأخرى في العتمة
عند عتبة لحظاتي تزاحمت خطوات القلب وهو يمشي الهوينا متجها إلى الفراغ وقد امتلأ بالقبور
لم يعد كافيا لابتلاع جثثا أخرى
أبحر طويلا عكس العمر
قدماي التي نسيتها في جرف مقفر
أنبتها قطر الانتظار..فأزهرت
وأثمرتني لكن
بعيون بارده
وقلب حدوده مشرعه
لايأبه بمرور اللحظات
تجمدت في أروقته أوراق الصبار
وعلى عيون السواقي ذرّت اشواك تذمرها
بلا وطنٍ
يُبكى في القصائد أو يُمجَّد،
أو يتجدد،
ولا سماء
تمطرني كل شتاءٍ
كما تبكي الموتى كل موت،
ولا صوت،
ولا شجرة
تمنحني خلودًا مع المعرفة؛
أزفت الآزفة!
ونادى طريقي خطاي
فسِرت
أشعل فلسفةً إثر أخرى
وأطفئ غانيةً تلو أخرى
بلا ملل أو أمل
يشحذ السؤال سيفي
ويكسر الزجاج طيفي
ويتبع الشتاء صيفي
ويومًا
غُولبت فغلبت
ومنهكًا سطرت:
من رحم الهزيمة تولد الكلمات
وبطول المسافة يعبد الطريق
ذهابًا إيابًا كانت الخطا
وآنية كانت الحدود والرؤى
وفوق كل كذبة بُنيت كذبة
وعلى كل نبوة جُعلت نبوة
ومن كل تفصيلة نبتت تفاصيل
وغاب الدليل
ومنهكًا
أصبحت سيني الملامح
منتهكًا بصلاة شفهية
لشفاه شهية
موغلًا في صحراء الحياد
بلا جواد
أما البلاد
فكانت -أينما مر الطريق-
أشجار ظل الصباح
وتفاح المساء
أما السماء
فكانت -بلا نور-
سريرًا مظلمًا و لو أضاء
وفيما بعد البدء
لم تكن كلمة
ولم يكن شيء
فخاب من شهد
وانحنى نشاط الروح
لضعف الجسد
وصُلِبَ الولد
ومن ثم دلجت
نازلًا معي في الجب
مانحًا لوجه الحب
فراشة صغيرة
أودعتها خاتمي وعصابتي
وعصاي التي في يدي
وبعد عشر دقائق
حانقًا صعدت
مستردًّا ما منحت
كافرًا بالتراتيل
مؤمنًا بالسبيل
باحثًا عن البدء
حيث كانت الحياة
نور الناس!
فجأة بدأت في اللطم على خديها الموردتين
وتبدَّل لون بشرتها
وأخذ همسُها يرتفع
ترتجف ، تبتعد ،
كطفلة
من شدة التوتر نسيت ما سترها
كان مُلقياً على الدرَّج
وواضح ، حيث شعاع ضوء طفيف ،
خلعتُه وألقتُه سريعاً
وطلبت المساعدة في ربطُه ثانيةً
لا تملُك الوصول للرباط
وربما نسيت الطريقة من هول الصدمة
الخوف يجعلنا نضطرب
ونحن كلصوص نتحسَّس للرغبة
كادت أن تخلع ما تبقى من أردية
لا تعبأ مرور أحدهُم
فقط تحاول التركيز
على أمل
ربما لن يتكرر ما حدث
وربما تُضبَّط هذه المرة ،
الجرأة ، الإقدام .. أشياءاً لم تألفها
عقب سماعها صوت الأُم
صوت خطواتها وهي على مشارف الوصول ..!
شطرنج
1••••نصوص منفصلة
بموت الموت من كوة في الغد
رفرف صدرها الطيران
علبتِ لسانك عن مشنقة
السطر مرفوعا
مولاتي في السؤال
عن عنوانك
ونكهة البحر بوصوصة أهداب نشوانك
وشقفة لغوك بلون الذرة
تبلور الليل بثرثرته المشجونة بسكونك
مع طلة كل طعنة كحول لقطرة حبر
من ولادة مصلوبة على زاوية
– رؤيا
لن تضمر هالة نضارتك البريقة
امنحك كف الزهرة.
2••••
يصطاد ليلا القاتل
بالقطنة
يرهن النهار بالقات
يحمل وطنه في همه ،يشرب
راتب التوتر علاقة ممنونه
بمكمن غليونه رئته غوايات الألم
الأغاني التزحلق بمصدر رزقه لم يملك
الإالتوسد بعينيها ورصاصة حبها
القؤوله التي تكمن بثقب النهر ل قلبه
وكلما ظمأ الوطن
حك الثقب ارتوی من ضماضة عيناها.
3••••
في قرية دهشه
تعيش امرأة
طاعنة في الحكمة كالكرمة لم ينتم العمر
لحائط زغبها الفضي
خنعت لها البؤرة
ماتفعله ليس بمتسع
سوی لمسات
مشحونه ببراري البتلات لأي فتاة عذراء
تمر
تمتشقها باحدي الكفين
والأخری علی ذهبها المخصب
فوق البرتقال الطازج علی جسد
العنب الحرام
حيث تسيل
البراءة حافية في مسطور البياض بينما تغتال واحه الرماد
بريشة من رصاصة.
4••••
لاتغلق الصوت علی
إصبعك قالها المستمع
الأوحد الذي كان يرتدي علقه
فضلا عن خوذة الذِكر
لمنشد السرادق حيث
استجاب بقطع كفه.
5••••
رقص الصلصة في رحم الشارع
مات الشارع إجهاضا
ظل كقميص وحيد فقد جسده.
من خرائط الجسد وأشجاره، من مجاز القلب، من رمل يقلّب رمله في صحارى الروح، من ملح يفرُّ من الأدمع المتجمدة، من شبابيك تطل على ذاكرة الإثم، من هناك، أطلَّت علينا قصائد نمر سعدي في كتاب وسمهُ ب ” استعارات جسديَّة وأهداهُ إلى “الوحيدات”، فهنَّ العزلة مسجونةً في الأنوثة وهنَّ المنتظرات لقصائد يكتبها الجسد المشتهى، وهن الباسطات أياديهن للأقدار تخطُّ على كفوفهنَّ الآتي، وهن الغائبات عن طين الخزاف يشكلهن كما يريد، وهن الحاضرات في استعارات اللغة ووهم الشاعر.
نصوص تسكب الملح على الجرح وتحنِّط آلامه المبرحة بل وتذهب إلى نكرانه في اللغة والصوت ” فصوتي لا يبدو جافا مثل واد من الملح” لكنه يعترف بعد نكران بأن الملح ليس مسكوباً على الجرح وحسب بل هو يسري في دمه كالكرويات البيضاء ويضج بالأسئلة والصراخ، يقول: “هل من خصلة وردية أم من نداء الملح في دمنا سينبلج النهار؟”.
هو الكائن القائم على التناقض، ينكر الملح ويصدح بأصواتهِ ف “التناقض هو الملح الذي يحفظ الحقيقة من الفساد” على حد تعبير جون لانكستر سبالدنغ.
شاعر يسم كتابه باستعارات جسديَّة ويحدثنا عن هشاشة الروح وعنه ككاتب مقيم في الظلال، يحاول جمع شتاته أحيانا أو كسره أحيانا أخرى. ككائن مستقل، كحقيقة يرفضها الجسد، كفكرة طليقة في جسد يختار له سجَّانا أسماهُ القلب.
هو شاعر “نزقٌ يربِّي ظلَّـهُ عند التقاءِ النهر بالبركان” وهو المنادي والمنادى، الفاعل والمفعول به ،الجسد وظلهُ أو لنقل الظل باعتبارهِ أصلاً والجسد تابعاً.
“يا ظل انكسر فوق المياه لكي ألملمكَ، انكسر لتهبَّ مثل الأقحوانةِ، وانكسر حتى تذرِّيكَ الرياحُ، تهبُّ من أقصى اشتهائي”.
فالظلُّ حسب السعدي كائنٌ منفصلٌ لكنه الحقيقة والجسد سراب، الحقيقة المضيئةُ في ليلٍ كظلِّ الأرض أو لم يقل غوته الفيلسوف الألماني: “حيث يوجد الكثير من الظل يكون الظل عميقا”؟
هو شاعر يكتب ظلاله المنثورة في الأرض، يكتب خطاياهُ، أشكاله المتعددة في تفاصيل الظلال، يكتب أصواته الصامتة، ليله الطويل، عاطفتهُ تلك التي تخلع طيناً أثيماً، فعاطفته “سراب واضح أو ظل عنقاء ترفرف في الدماء وفي الكتابة”، هو الشاعر يقطف لنا من حدائق جنانهِ فواكه لذيذة من شجر الحلم “فيرتق القلب المخرَّم بالسفرجل والغناء”، وله “من الغيم شرفة ومن عبق التفاح موجة وزرقة”، مُدّ يديك أيها القارئ واقطف من حدائق قلبهِ المعلقة ما تشتهي من فواكه، سيصيرُ المعنى لذيذا بطعم النشوة، ستنبتُ في جسدك استعارات الأشجار، والأنهار والأطيار والرماد، كُوني أيتها الفواكه دوائر متاهةٍ تجعلك لا تخرج من جنة الفكرة.
يقول ألبار بيار بيروني في ذكريات آدم: “أحسُّ أن العالم يدخل فيَّ كما الفواكه التي آكلها، نعم حقّا إنّي أتغذّى من العالم”.
نمر سعدي مسكون بالملح والظل وصرخات الألم في طين أثيم، إثم الغواية والممنوع، إثم الكتابة الجميل، به جراح لا تبرأ يحنطها الملح والذكريات وروح شاعر لا يستكين إلى المعنى الساذج، به “جرحٌ ليس يبرأ من ضجيج النثر”، به أسئلة الغيب والغياب، به قلب يطلُّ على الكون، به فوضى الشاعر، به إصرار الكتابة، هو الحافر في المعنى بمعاول من لام والف كالرفض للسائد، والصاعد إلى الكثافة بأجنحة الخيال كالطيران في أقفاص اختارها سجوناً له، كسجن الحبيبة، كسجن الوحدة عند الكتابة، سجون تطلُّ على حرية المعنى، به لذة الألم تتقلَّى في شرايين القلب ونبضه، هو الصارخ: “لن أسدَّ شبابيك قلبي ولن أبتعد”، به قلق الفصول وأرق أيلول ونوافذ نوفمبر… قصائده هي ما يطلُّ عليه من شرفات القلب، من ثقوب الطين، من أضواء الليل الخافتة، من لحظات الفرح، وسنوات الألم، به “سقسقات العصافير” و “نداء الملح” تلك أصوات تخرج من جسد يحتفي بالمجاز وأصواتِ الأسئلة، بهِ الشِعرُ “سرُّ خساراته الجميل، به ألم الآخرين ينقر قلبه حيثُ تقطن الوحيدات اللاتي “يحتجن تقليم لبلابهن الذي امتدّ في الليل خارج أسوار أجسادهن”.
أيها القارئ هذه نصوصٌ تزخر بالمجاز، وتزخر بآثام الطين، آثام الخيبات والخسارات والخيانة، آثام جميلة يستعيرها الشاعر من الصلصال ومن الظلال ويحفر فيها استعارات المعنى خرائطَ للجراح العميقة.
نمر سعدي في استعاراته الجسدية، كان يجعل من الجسد لغة رمزية لقد “سمَّروا قلبه على خشب الصليب” كان يحدثنا عن قلبه “المخَّرم بالسفرجل” لكنها اللغة حمالة القلب والفكر معا، لغة المجاز، فصرت أراه لغة أو رمزا أو معنى، فالجسد يخرج من كونه حسيَّاً إلى دائرة المعنى ومن التراب والصلصال إلى الحياة، يقول: “هذي الحياة قصيدة لا تنتهي”، إذن هذا الجسد يتنفَّس شعرا ولا ينتهي إلا بزوال الشعر والشعور، هو المؤمن بالقلب، بالشعر العميق، ب “الوميض، العبارة، خيط المجاز”، يؤمن بالحدس واللذة في آن معا، يحدسُ بالأشياء كنبيٍّ للشعر، مرهف رهيف “يسكنه المغني العذب”، شاعر يؤمن بالزمن والفصول كتموز “كطعم الحبِّ في أيلول” يطلُّ من نافذة نوفمبر على العالم ويهزُّهُ “أرقُ أيلول” هو الذي يصغي إلى “نداء الملح”، وما يحمله الملح من رمزية الخلود والألم، يحدثنا عن اللذة والفواكه من سفرجل ورمان ونزوات نوفمبر القاسي وهو “المتعبُ من الاشتهاء”، صفوة القول انه شاعر في هذا الكتاب، شاعر الأزمنة والأمكنة والفصول، شاعر المعنى والمغنى شاعر اللذة والحب الصافي، إنهُ الإنسان في جمعهِ للأضداد، الجسد بحضوره المادي والجسد مجازاً ولغةً… هو المنشطرُ بين حسِّ الأهداب وبين لذة المعنى التي تحملها رائحة البحر، فقط هو نمر اللغة وكم يسعد بفراشة شرسة يحلق بها المعنى بعيداً، هو الذي يسمِّي جميع النساء فخاخاً ولا يقع إلا في فخ المجاز والمزاج والحيرة، فهو المهووس بالشِعر يسأل لمن يكتب الشِعر في هذهِ الأرض، أجيبك أيها النمر.. للفراش الذي حدثتنا عنه، الفراش المحلِّق بعيداً في أقاصي الأرض، لقارئ افتراضي يعشق المعنى ويغنِّي معك.
الخصوصية في أنطولوجي
نقوم بإحصاء الزيارات واستقراء البيانات العامة، وقد يفعلُ شركاؤنا أيضًا وبعضُ الأدوات التي نستعين بها.
الموافقة اختيارية لكننا نحب لو توافقون، وبيننا وحي الأدب، وهذه سياسة الخصوصية (تُفتح في لسانٍ جديد).