منذ البدء كان الحقل ينتظر. وراء شجر الدرّاق، قريبا من الينابيع، حصان أبيض عظيم بعينين نائمتين يأخذ، كما يبدو، الصباح كله. العنق مائلة مثل منمنمة فارسية، الهلب والذيل يهشان. مستقيم و متماسك بمنحنيات طويلة . أذكر سطرا غريبا لشوسر: حصان “حصانيٌّ” جدا. لا يمكن أن نقارنه بأي شيء و ليس على مقربة منا تماما، لكننا نعرف بأنه رفيع.
لا شيء الآن سوى منتصف النهار.
الحصان هنا و الآن : شيء ما مختلف، لأنه أيضا حصان في حلم الإسكندر المقدوني.
لا شيء سيكون مثلما كان من قبل بما في ذلك الإستمتاع بالأشياء ذاتها لن يكون الشيء نفسه. و أحزاننا لن تشبه أحزاننا الأخرى و سنكون مختلفين أحدنا عن الآخر في القلق
فلا شيء سيكون كما كان من قبل، لا شيء مطلقا. الأفكار البسيطة ستبدو مختلفة، و أكثر جدّة، ما دامت ستكون بسيطة أكثر وجديدة أكثر في الكلام. سيعرف القلب كيف يتفتّح لكن الحب لن يكون حبا أبدا. كل شيء سيتغيّر.
لا شيء سيكون كما كان من قبل و هذا أيضا سيكون أمرا جديدا في صورة ما، بعد كل شيء، كان في وسع الأشياء من قبل أن تتشابه: صباحا أو في بقية النهار، بالمساء و الليل، لكن ليس الآن.
في الشاشة، وحده الكلب غافٍ. ثم أخيراً عرفت أن ذلك كان لمباغتتك بتسجيل لحظة وصولك، وسرور الكلب بقدومك. والآن ستة أعوام مضت، هل يبدو هذا مكتوباً ومقصوداً: الدقائق الطويلة الفارغة التي قضتْها تنتظر، ساهية لكنها حاضرة ــ وراء عين الكاميرا ــ كما لو كانت توجهني لأدرك خفقان صدرها في تجلي واختفاء الشاشة، وأسمع لأعرف من سعلة واحدة، لا شيء، أو نحنحة في حلقها. ثم ها أنت أخيراً تعود إلى البيت ناظراً إلى الكاميرا التي كانت تمسك بها، عابراً منها إليّ ــ لامرئياً، خارج المخيلة فيما انضم إليها آخرون ليروا عبر المؤقت فينا صَبواتنا الدائمة. دفنتُ كلب الراعي لأجلك، محاولة أن أخفف عنك الألم، بالحفر عبر جذور شجر غليظة، مطر سابق على أرض مندّاة لتقسو، وتراب يابس مهلهل.
أكثر من الحمد الى أن أفقد كل حواسي
وأكثر من الحمد لأني خارج السجن
وأحمد الله أن علاقتي طيبة مع وزارة الداخلية
وعندما أخرج من الحانة أشكرخمرتي
لم أته عن بيتي ولم أتبول في سروالي
يأتيني البؤس ببلاغته الغير المألوفة
ويعاتبني على تأنقي المزيف
على خربشاتي في صفحة أرملة لم تكن وفية للحداد
أنا أكتمل عندما أجعل المرأة تعود الى التفاح
وأراها تلحس الخوف وكل المفردات المنحنية الظهر
أحتاج الى أن أصاب بهذا الخدر الناعم
أنا رجل يصيبه الذعر كلما صنعت محاكمتي
أعرف جيدا أن لاأحد سيزورني لوسجنت
حتى هذه الأرملة التي نزعت عنها رائحة
الرجل الميت
أستعمل غربال جدتي وأنا أتكلم
لاأخجل من نفسي ان قلت انني سأصمت
ليست لي حبيبة ولا بيت ولا جواز سفر
لاأتخيل نفسي داخل السجن
يكفيني أنني محراث خشبي قديم
وشغوف جدا بأنني سكير يدفع ثمن زجاجته
يستمد فيلم غزل البنات” إنتاج 1949 إخراج أنور وجدي” جماله الخالد من روح قصة الخلق: آدم وحواء؛ فهو يستبطنها وتشكل روحه، فمثلما خُلق آدم من الطين، كان حمام/ نجيب الريحاني. وحيدًا يعيش في طين الواقع الأرضي حيث الفقر والجهل والكذب، يعرف أسرار اللغة ونحوها وكيفية نطق الأسماء بالطريقة الصحيحة ويعلمها للأطفال الأبرياء كالملائكة / كما علَّم آدم الملائكة الأسماء.
يتم استدعائه إلي قصر الباشا” سليمان نجيب” ليعلم ابنته الشابة الجميلة ليلي” ليلي مراد” الشقية اللاهية اللغة العربية، يدخل حمام القصر كما دخل آدم الجنة، فإذا به عالم كامل من البراءة، الكل فيه كالأطفال منعمين: الخدم يرتدون كما يرتدي الباشا، والباشا يرتدي كما يرتدي الجنايني، بل هو غالبًا في الحديقة، وفوق الاشجار “من الشجرة دي أو الشجرة دي ” كما قال لسكرتيره عبد الوارث عسر.
وابنة الباشا” ليلي” لا تعرف شيئًا، سوي ركوب الخيل في الحديقة الكبيرة الواسعة كأنها الجنة، والغناء والمرح مع صديقاتها، كأنهن الحور العين بريئات ناعمات محلقات كالأرواح معها في عالم الحب والنغم:
اتمخطري واتميلي ياخيل / وارقصي ويا عرايس الليل..
لكن أنور/ محمود المليجي، لا ينتمي إلي النور وإنما إلي النار، يعيش في الكباريهات، التي هي جهنم الحمراء، كما وصفها حمام، إنه الشيطان الذي يوسوس في أذن ليلي، من خلال التليفون، لتخرج إليه من جنتها وبرائتها، وهي منتشية ناسية حالها وحليها ودروسها، فترسب في اللغة، ويأتي حمام ليصوَّب لها الخطأ، ويعيدها لليقظة، لكنها تغويه وتوهمه بحبها له، ليكون حبل هروبها من قصر أبيها، يقودها عبر عالم الأرض إلي أبليس الماكر.
أحب حمام ليلي بجنون، ووافقها علي الهروب من القصر، وخرجا في الليل البهيم لا يعرف إلي ماذا يذهبان، وركبا العربة يغنيان
“علي شانك أنت أنكوي بالنار والقح جتتي/ وادخل جهنم وانشوي وأقول يالهوتي.
لكنه يكتشف أن ليلي / حواء، مخدوعة ومغرر بها وأنها ذهبت بواسطته إلي الشيطان، ودخلت الجحيم، مكان التآمر والخديعة والخيانة، وأن “أنور” ذلك الشيطان، أملس الجلد كالثعبان، لا يفعل شيئًا سوي غواية الطفلات البريئات، وأن ليلي ليست الأولي ولن تكون الأخيرة، وإنها ضمن طابور، فهناك ” اللي قبلها واللي قبل قبلها”. وكأن لسان حاله يقول: لأغوينهن جميعًا
حاول “حمام” المسالم الطيب رجل العلم إنقاذها من الكباريه بيت الشيطان وشياطينه وحرباياته القبيحات- ومنهن “زينات صدقي” العجوز الشمطاء الغيور التي تريد الاستحواذ علي أنور، رغم أنها تعلم بفساده- لكن حمام لم يستطع، وطرد من الكبارية أعزلًا ضعيفًا مسكينًا، وبقت “ليلي” هناك وسط الفساد والخراب والجحيم.
هنا كان علي أدم/ حمام، أن يموت، ويبعث من جديد في صورة حمام آخر، طائر طيار، بمقدوره أن يطير فوق الأرض وخرابها، وأن ينقذ ليلي من الطوفان الشرير، هكذا عثر حمام علي بديله الطيار، قائد الطائرة، سفينة السماء، التي تطير فوق الغمر وحيد صفوت / أنور وجدي / أو نوح الذي حمل الأخيار في سفينته، وعبر بهم بر الأمان. وفعلا استجاب الطيار قائد سفينة النجاة، عندما عرف أنه سيكسر الدنيا ويحطم الأشرار ويسقطهم تحت قدميه، وينقذ ابنة عمه ليلي الجميلة البريئة ففعل وخرج بها.
أدرك حمام ابن الطين اللي بيطير بالفول والذرة / أدم القديم، أن الطيار الجديد الحديدي سيحصل علي ليلي، وأنه سيأخذ دوره ومكانه في قلب ليلي، فكان علي حمام أن يضحي بنفسه في سبيل سعادة محبوبته ليلي / أو البشرية النقية، فيتحول إلي عبد الوهاب / المسيح عاشق الروح وليس الجسد :
ضحيت هناي فداه / أشهد يالليل / وأعيش علي ذكراه/ أشهد يالليل.
إنه الضحية البريئة، كما يقول يوسف وهبه الأب الثاني لليلي، فأبوها الأول الباشا العائش في الجنة فوق الاشجار نائم.
يوسف وهبه الأب الفنان خالق القصص، الذي يري الدنيا مسرحًا كبيرًا، هو من يقود حمام إلي تحوله الأخير ” ليكون روحًا تهيم في سماء الخيال”.
يبكي حمام ويختار التضحية بنفسه
” أبيع روحي فدا روحي/ وأنا راضي بحرماني / وعشق الروح ما لوش آخر لكن عشق الجسد فاني”
ويصلب جسد حمام علي الباب باب المسرح / الحياة، ويطل باكيًا علي خلود الروح، ويرضي بأن تذهب حواء/ ليلي، إلي الطيار الذي يفوز بها ويركبون العربة / السفينة ويذهبون ثلاثتهم إلي القصر.
انور وجدي/ نوح الشاب القوي، يقود سفينة النجاة بعيدا عن الطوفان، الذي تضطرب فيه الأرض خلفه، وبجوارة ليلي/ حواء/ البشرية الجديدة النقية, وحمام / آدم يجلس في الخلف، فوقهما قليلاً كروح أبويه تحرصهما، وتضحي بجسدها من أجلهما، ويبتسم بأسى ورضي وقبول مغنيا في سره:
ضحيت هنايا فداه/ اشهد يا لليل / وأعيش علي ذكراه، اشهد ياليل. هايم علي دنياه / ذي الضحا والليل / يالليل.
1
خلف ما قيل منذ آلاف السنين كان عقلكَ طيراً كونياً يرقص كي يثير موجودات الـ هناك. أنتَ الوحيد الآن، روحك حاصلُ قطرات تساقطت من سقف القصيّ الغامض.
2
يتملككَ خوفكَ منك. إلى أين تهرب أنتَ الذي ليس لك إلاّك؟
3
لا ملكوت لكَ سوى فطرتك الضائعة.
4
عندما يتماهى الجزء مع الكل. يخسر “الجزء” اسمه. لكن السؤال: ما الذي يربحه جسدُ “الكل”؟!
5
لم يعد يهمّكَ أن تكون شاعراً. ﻷولئك الذين يفكرون كثيراً في الموت ولم ينتحروا، تكتب رسائل.
6
من العميق الدفين البعيد جاءت هذه المسوخ الشيطانية بلبوس حرّاس على البوابات المخلّعة للغتكَ.
7
الجوهر مهجور. الورثة السفلة الذين سرقوا اسمه، المنقطعون عنه يشوّهون أشكاله.
8
الميثولوجيا طفولة الوعي حيث كان الشغل لعباً، والعقل ساحة رقص، حيث كانت الحدوس والمخاوف قابلة لأن تنجز عوالم، جمالها أكثر أصالة من أوهامنا عن الحقيقة وأكثر إمتاعاً من اكتشافاتنا اﻵن.
9
تحبّ طفولتكَ وهي تلعب. تكدح في أرض اللغة.
10
كان حلمكَ ولا يزال أن تكون منجزَ خراب علاقتكَ مع الكون وليس منجز خراب اشتباكاتكَ مع المجتمع.
11
ما يجعل الوجود ضرباً من العبث أن الحماقات العظيمة التي ارتُكِبت لا أحد يستطيع تصحيحها.
12
تتعامل مع نفسكَ كأنك أمام قضاة غير عادلين سيحكمون عليك بالإعدام. قضاة أشباهك….. ظلالك.
14
مؤلمٌ أن تبرهن العبث في عالمٍ كلَ ما فيه يفور عبثاً، ولا يريد الاقتناع بذلك.
15
لا يسائل المؤمنون إيمانهم. لذلك يبدون مدّعين ومسيئين إلى الذي يؤمنون به.
16
لا يشكّك الأتباعُ في تعاليم معلّمٍ شكّكَ في التعاليم، ثم آمن بما قادَ إليه شكُّه.
17
كأن اللغة مراهقة
لن تبلغ سن البلوغ أبداً.
18
داخل يومكَ راهنٌ جارٍ على هيئة ماضٍ متمكّن مستحيله.
19
حدِّقْ في الصوت ترَ عقلَ العتمة.
20
مسلٍّ أن ترقب هذه الكائنات الخارجة من غرفة نوم الوعي.
21
الحق يتوارى ويتوارى ويتوارى حتى ينعدم. لن ترى صورته، لكنها صائرة.
22
السوء سوق باعة ومشترين.
23
سوءة كونكَ هنا إن هي إلا انبهاركَ باللاشيء.
24
في الحبّ تهب المحبوب نقصاناتكَ لتكتمل فكرة الحب. أنتما ثمرتان ناضجتان على شجرة ميتة.
25
الحبّ الذي يعلق في الكتابة والتاريخ، ذاك الحبَ الذي يخوّض في وحل الوعود.
26
أنتَ ترسم في العتمة وراء الصورة. لن يراكَ أبناء الـ هنا.
27
قلةٌ هؤلاء الذين يحاولون حيكاتك وحكايتك عارياً أيها الجمال.
28
ملعون أنتَ، إذ إن الأبد وشم على قلبكَ، وأنتَ وشمُ قلب في قلب وشمٍ ممحوّ.
29
بقايا جسدك الذي نهشه سرطان انشغالكَ بالكون عائلةٌ تئنّ على السرير.
31
عنفهم غاية في الشذوذ. حتى أنه يفتقر إلى جذره الحيواني. إنه شرور الإنسان وقد تراكمت عبر قرون. عنفكَ تأليف نسيانات.
32
للتوّ دخلتَ إلى لغتكَ فوجدتَها مسروقة، داخلها كائن مشوّه. كيف لظلٍّ أن يطرد خالقه؟
33
تتفرج على جمهور يتفرج على أبطاله المثيرين للشفقة. إنها لعبة مضحكة إلى حد البكاء.
لم تعد تفكر في مقاومة التفاهة. إذ كيف لفرد أن يتصدى للكوارث الطبيعية. وكيف لك أن تقنعهم بأن هذا الكوكب الذي يسمّى الأرض درنة قيح صغيرة، صغيرة جداً على جسد الكون إلى درجة أن استئصالها على وجه السرعة ليس بهذه الأهمية. مع ذلك ستزول.
لا أحدَ سيلتفتُ لكَ
وأنتَ هناكَ
مُعلقٌ على الجدارِ
بإطارٍ أنيقٍ وشريطٍ أسود
وكمن يُطلُ من نافذةٍ
ستراهم يُحررونَ أرواحهم
كأرانبَ بريةٍ للرصاص
لا أحدَ أيضاً
سيبتسمُ لكَ
كلهم مشغولون بالخراب
إلا أنتَ
آمناً في صورتِكَ
تبتسمُ لهم
كناجٍ وحيدٍ
من يدِ الوحشةِ
وسكين العذاب
ليسَ لديكَ امرأة لكنك بطريقةٍ مبتكرة ستعلقُ صورةً لشجرةٍ ثم تضحكُ للعائلة التي كان ينقُصها سماد ظهركَ وليونة زائدة في مفاصلِ قلبك ليصبحَ وجودها مُمكناً.
محاولةٌ ليستْ سهلة أن تدربَ لسانَك على النطق وأن تحل العقدة في حبالك الصوتية صارَ بإمكانك أن تصرخ لكنك الآن وحيدٌ تماماً وستمنحُ حبالك الصوتية لفرسٍ صهباء تصهلُ مع الخيولِ الشاردة
بإمكانك أن تُخيط صُراخاً أو أن تَربط دلواً بحبالكَ ثم تُسقطه في البئرِ هكذا ترمي صوتَك وتسحبُ صداك دون أن يشعرَ بك أحد ..
ليس لديكَ امرأة ولا كتاب مع هذا لديكَ سرير وعليك أن تقطعَ سريراً كاملاً كل ليلةٍ بِمفردك من أجلِ الوصولِ إلى شربةِ ماءٍ في جهةٍ مجهولةٍ على السرير نفسِه ..
ليسَ لديكَ امرأة ولا بيت ولا كتاب مع هذا اقتنيتَ باباً للبيت وباباً للكتاب وباباً للاحتمالات الواردة
الرجل الذي بلا امرأة يفتحُ الأبوابَ كلها ويبقى، هو، مُغلقاً.
1- من باستطاعته أن يحرّك هذه العظام كلّ ما يمرّ يمرّ لم ينتهِ الليل لأنّ يده في يد الصباح أغنية الحب تدور هذا يعني أن يهمد شيء في القاع وأنّ ساقاً صغيرة تشقّ الأرض منتصبة كالسهم. تتبقّى لمسة واحدة أو كلمة حتى تنفجر الأزهار على الغصن. 2 أشعر بتفاهة الكلمة هي لا تفعل شيئاً، هي لا تتحرك لا تنطق أو تصرخ لا تقول احترس أو تمهّل على الأقلّ إنها ببطء تسحب جذراً من الأعماق تسحب أعماقاً إلى الخارج وتترك بئراً تترك فماً حفرةً لضحايا آخرين. 3 سنواتنا العديدة لا لأن نتقاسم أيّ شيء لا لأن تبلغَ يدي كالوليد أو تنبتَ وردةً الموسيقى فقط من أجل انتصاب الأعضاء من أجل أن تبلغ هذه الأداة، وتسرج صهيل حيوان في الحقل. وياللخيبة، في العزلة كنتُ أراكَ كائناً مثيلاً يحبس الأنفاس ويطلقها حلقةً سوداء لقطارٍ معطّل قد يكون أنا. لستَ الشبيه، لستَ على مقربة من الفداحة واليأس فالكراهية هي العاطفة الوحيدة التي نتكسر داخلها في انفعال قرنين يدكّان الحائط. 4 تعرف أنّ الوقت باكر وأنّ السكينة كالغبار على الأدراج القفل محتقن داخل الباب وأمامك المرآة تقرأ وتنتفض أمامك الطائر يرفرف في الصفحات ولا يطير صياح الديك على الشرفة قلبٌ يشمّ الضوء ولا يراه الخراف على الأصابع وفي الفم الثغاء الموسيقى تمشي على أطراف الأصابع في الممرات تمشي على أطرافها وتتعثّر في صدرك تتعثّر الغبار يشهق الأقفال تفتح المرآة تتكسّر الطير يتابع الرفرفة الديك والثغاء المشي والتعثّر تدور في المشهد تدور تدور بلذّة فأر يلاعب عجلة… 5 الأيام قليلة الذاكرة تنجب كأنها امرأة ولود كأنها أعشاش بمناقير حمراء مفتوحة وألسنٍ تدقّ أجراساً داخل الأفواه لا يتحرك الموج إلا ليهزأ بمركبٍ يتأرجح في الوقوف لا تشعّ من الشبابيك سوى القصائد التي تومض فقط خلف الزجاج فتيلاً يشتعل وينطفئ. 6 ببساطة يحدث كلّ شيء يحدث مثلما تحرّك النسمة روائح الشجر مثلما يبلغ أيّ لحن بك قمّة السعادة أو الحزن لا أسهل من ذلك الهشّ والصلب في آن لن تضبط الرنين إذ بنفخة تحرّك وتراً متأهباً للانهمار ليس بإمكانك أن تبقى مروّضاً دائماً أن ترتب الصلابة وتخبو داخلها مجرّد حجر. 7 تمرّ الفكرة بي تمرّ بي بفتنةِ من قطعوا أصابعهم ولم ينتبهوا إلى الدم الذي يلطّخ الثمار. 8 في كلِّ زاوية للانتظار ستلمحُ ظلاً يعترضك ستلمحُ جسدٍاً ممدّداً ينفع أن يكون طاولةً لمرفقيك وأوراقك الكثيرة ستلمحُ أقداماً رفيعةً تستند بهدأة على رؤوس أصابعها ستلمحُ الضوء يسقط من محجريّ ورأسي يتدحرج مثل مزهرية فارغة…
بقدمين عرفتا الركض جيداً أدخل مدفوعة إلى “الباب الدوار”، لم يكن ما أريده، لكن، عليّ مجاراته قبل أن يمزقني، أن أعتاد الضحك لحظة والبكاء في أخرى، قد أبدو مجنونة جداً، لكنني أجاري الجنون فحسب بأن أقفز أكثر، بأن أقفز أسرع، كأرنب، كغزالة، كنمر، لا يهم، كلّ ما عليّ فعله التنقل بين فرح وكآبة، لا أحد يصدقني حين أشير للعالم بكآبة كنت أود قول: يبدو بائساً مرعباً كسفاح. لا أحد يصدقني حين أشير للعالم بفرح كنت أود قول: يبدو مشرقاً جميلاً كضحكة صيفية. لم يصدقني أحد حين وضعت يديّ على أذنيّ كنت أود قول: أصواتكم تتداخل، ليس بمقدوري سماعكم جيداً. لم يصدقني أحد، لم يسمعني أحد، فكل كلماتي تتساقط داخلي كما لو أنني بئر لا نهاية لها. كلماتي ما عاد بمقدوري التقاطها، مددت لساني طويلاً علّه يلعق كلمة أو حتى كلمتين، لكن الدوار سريع جداً وكل شيء يتطاير في لحظة يتساقط في أخرى، فلم أعد أعرف مكاني، كل ما أعرفه أنني أدور، وأنني تعبة. ولا أعرف متى سأريح قدميّ.
هذه الغرفة المطفأةُ النور أضحت مكاني أُدخلتُ فيها عنوةً لتُنادي المخيلة جنودها للحضور. حجرة مأوى، يُدير بها الوافدون من القرى حرب لصوص على الغنيمة، كلّ يسرق الآخر تسترهم عتمة موروث ثقيل.
في الغرفة، على المنضدة، فأس ترتفع على الماضي الجريح، يخولني الاقتراب مني أن أقطع البوادي، صياداً أو فريسةً أدخلُ الغابةَ حطاباً ثم أهرب طريدة من خوف الكمائن. ذخيرتي في العتمة، وعدّة معركتي، كلمات، حشرات ـ مجرد دبيب أرجلٍ للحروف على البلاط لا تفكك لي الكمائن.
في الغرفة المعتمة يفوّضني الماضي أن أحضر وأشهد الحروب: كيف تروّض المعرفة خدماً للعاصفة وتقلع الحكمة أنيابها متحدثةً معي في آخر الليل عن التصالح مع ضيوف غرباء يضمرون العداوة.
في الكهف الصغير ـ المربع الذي تتقلص أضلاعه من تلف الزمان ـ كل شيء يقف قبالتي ضيّقاً مكبّلاً بميراث ثقيل: صدري ومجرَيّ، نومي ودهشتي المقتضبة، وكذلك أيامي المروّضة كالأسود تنتسب كلّها الى المراثي وتنوح بعيدةً عني مثل نجم منفلت بين النجوم يخرّ وينطفىء ذلك القلب، المحمل بالمواعيد، الذي أمطر الغيمة، هو الآن ينأى بي الى هناك حيث الصقيع قاسٍ في حضن الضغائن المغلقة، وصحراء الصداقات مازالت تحترق دون انطفاء. في هذا الكهف المضيّق بي كفهدٍ مثخن بالجراح أنتظرُ وألعق الحكمة المؤجّلة وليس للوقت حساب، لكنّ الساعة، تؤذن وتدقّ. تدقّ بإلحاح في الثانية تدقّ وفي الثالثة أو في الرابعة، وفي ما سيأتي بعدها، تدقّ لتخطو الأشباح والأرواح المنسوخة نحوي آتية من الماضي صامتةً تجثمُ على صدري فتستدعي لها الوليمة ثمّ تأكل من قلبي العجوز وقد تلفت أليافه في الغابة التي توهمتها لنفسي وتوغلتها منذ زمن بعيد.
لقد عشت حياة بأكملها أحاول أن أخبرك أن هذا ليس بحراً بل متحف للغرقى .. و أن الحجارة أسماء يابسة و ثقيلة .. حياة بأكملها و أنا أبحث عن كلمة لها رائحة البدء الغامضة .. كلمة لها يد دافئة تصلح لأن نغلق بها عيون موتانا ونجر بها عرباتهم في الممرات الباردة.. عشت حياة بأكملها أكتب كمصلوب يقتلع المسامير من يده و يعلق عليها صورا لقتلى حروب لا تعنيه.. فقط لأنه يظن بأنهم ، بطريقة ما، أخوته في الأسى ….
2-
انتهت الحرب وعدنا إلى بيوتنا محملين بكل شيء بنياشين وخسارات برؤوس اعدائنا ووصايا الرفاق الأخيرة… بعيدون عن ساحة المعركة الأمهات بانتظارنا الامهات اللواتي لا ينمن القاسيات مثل خشب البلوط الدافئات مثل خشب البلوط.. على العتبة يقمن بتفقدنا بأيديهن و أعينهن كما لو أنهن يعرفن أننا نعود ناقصين دائما من الحروب ناقصين و باردين كأكواب زجاجية “لا تعانقيني بحرارة سأنكسر” يقول جندي “سأنكسر مثل كوب زجاجي بارد قمت بمعانقته بحرارة”..
3-
لا أعرفك لكن كان عليّ أن أناديك تماماً كما تنادي الأمهات أبناءهن هكذا بكل الأسماء.
4-
وعندما هدأت حروبنا القديمة ابتكرنا لأنفسنا أعداء جدداً ابتكرنا ساحات لمعاركنا قطّاعاً لطرقنا و ذئاباً لقطعاننا.. نحن الرّعاة رعاة خوف الأشياء.
إذا جئتَ لتبقى، تقولين لي، لا تقل شيئًا يكفي المطر و الريح على القرميد، يكفي الصمت الذي يتراكم على الأثاث كغبار منذ قرون في غيابك لا تتكلم الآن، أنصت للسكين تحز لحمي: في كل خطوة، إلى تلك الضحكة في البعيد نباح الكلاب، الباب الذي يصطفق، و هذا القطار الذي لا يتوقف عن المرور
فوق عظامي. لا تقل كلمة: ليس هناك ما يقال. دع المطر يعود مطراً من جديد و الريح هذا المستنقع تحت القرميد، دع
الكلب ينبح إسمه في عتمة الليل، و الباب يصطفق ، و المجهول الذي يرحل الى مكان ما حيث أموت. إبق إن جئتَ لتبقى.
أعرف تقولين بصوت عال، أعرف، لا وجود للهاتف، و نهاية العالم في كل مكان، و الناس على الرصيف يموت بعضهم فوق بعض من الزحام وقوفا، أو على ظهورهم، و وجوههم،
دون إشعار. ليس سوى القطط التي تعرف كيف تعلن عن الحب و هي على حافة الهاوية، و بؤسا لأولئك الذين ينامون بسلام، بؤسا لهم.
1 وأنت تخرجين من حياتي أرجوك اتركي الباب مفتوحًا فبعد قليل سألحق بكِ
2 لماذا الحب دائمًا من هواء لماذا الندم دائمًا من معدن؟
3 ترين الياطرَ الأحمر فأساً في صدر غروبٍ مخيف أقول إنها مجرد قطعة معدن على جدار مستودع تقولين انظرْ إلى كل هذا الدم أصدّقكِ أرتبكُ وأخاف مني وأنا أعانقك
4 الذئب الذي سأكونهُ لن يحلّ المتاهة
5 في الزاوية نَعِدّ قبلاتنا سوداءُ أرقامُ الفقد
6 في الارتجاف نتكوّن
7 داخل كلمات مثل ظلال ممزقة يحدث مستقبلنا
8 تمثال الخسارة أدور حوله طفلنا الذي فرّ من المشهد
9 هذا الحجر الذي وجدناه على سفح جبل ذاكرةُ غراب ضعيهِ على الطاولة قرب علبة الميك آب ستحتاجين إلى قطعةٍ من جلد الريح مقطعٍ من أنفاس الرعاة في برية باردة
10 كلما عضضتُ على ذاكرتكِ رأيتُ نفسي رجلاً آخر ينزف كلما قلتُ أحبك ربحتُ حياة لن أعيشها
11 يدك على قلبي لها صرير بابٍ لا يُفتح ولا يُغلق يدي في المسافة إلى شعرك تقليد سيئ للريح
12 لماذا ماضيك رسالة استلمُها كل يوم؟
13 في ليلٍ ما في طبيعة ما وعلى سرير من عشب حيث الجسدان والنسائم جدلٌ ناعم حدثتْ حياة لن يرويها أحد
14 هكذا إذن جررتِ الله إلى المشهد هكذا رأيتُ الرعب فماً مفتوحاً هكذا تنتقل الحياة من الطابق الأرضي إلى العلوي تاركة خلفها هالة من الأزهار السّامة
15 إنها أخطاء الأمل أن نخرج إلى شرفة لا تتسع لاثنين
16 أن أربط بين رائحتكِ وبين خوفٍ عتيق بين هذه الالتماعات الغامضة التي تسيل بمحاذاة جسدينا وبين جيوش من القتلى ينظفون حياتي من التجربة يعني (لي وحدي دون أن يفهم أحد) أن أرى حروف الجر حشراتٍ تقرض الأثاث في بيتك الأصفر الصغير
17 لا شيء سيعيدني إلى نفسي حين لن أطالب الهاتف بأن يرنّ البريد بأن يصل لا شيء سينقذني مني حين لن أنسى الموجة اليتيمة تطير في مطبخك الريش/ الزبد الذي يغطي حياتي الجنين الذي لن يكبر أبداً
18 رائحة سمكة ستموت رائحة العرق تحت إبطي الحلاّج رائحة قفازات علماء يشرّحون هيكلاً غريباً في مختبر تحت الأرض رائحة الضجة التي يثيرها أعداء دائماً ينتصرون رائحة كائنات بورخيس العحيبة رائحتك وأنت تغادرين
19 اليد الثرثارة التي تحترق يدي التي حاولتْ صيفكِ
20 في حفرة نفسي أجلسُ وإياكِ لهذا.. كلانا يتعذب
21 كيف سأقلّد أناي التي امّحتْ من فرط التحديق بكِ؟