1
خلف ما قيل منذ آلاف السنين كان عقلكَ طيراً كونياً يرقص كي يثير موجودات الـ هناك. أنتَ الوحيد الآن، روحك حاصلُ قطرات تساقطت من سقف القصيّ الغامض.
2
يتملككَ خوفكَ منك. إلى أين تهرب أنتَ الذي ليس لك إلاّك؟
3
لا ملكوت لكَ سوى فطرتك الضائعة.
4
عندما يتماهى الجزء مع الكل. يخسر “الجزء” اسمه. لكن السؤال: ما الذي يربحه جسدُ “الكل”؟!
5
لم يعد يهمّكَ أن تكون شاعراً. ﻷولئك الذين يفكرون كثيراً في الموت ولم ينتحروا، تكتب رسائل.
6
من العميق الدفين البعيد جاءت هذه المسوخ الشيطانية بلبوس حرّاس على البوابات المخلّعة للغتكَ.
7
الجوهر مهجور. الورثة السفلة الذين سرقوا اسمه، المنقطعون عنه يشوّهون أشكاله.
8
الميثولوجيا طفولة الوعي حيث كان الشغل لعباً، والعقل ساحة رقص، حيث كانت الحدوس والمخاوف قابلة لأن تنجز عوالم، جمالها أكثر أصالة من أوهامنا عن الحقيقة وأكثر إمتاعاً من اكتشافاتنا اﻵن.
9
تحبّ طفولتكَ وهي تلعب. تكدح في أرض اللغة.
10
كان حلمكَ ولا يزال أن تكون منجزَ خراب علاقتكَ مع الكون وليس منجز خراب اشتباكاتكَ مع المجتمع.
11
ما يجعل الوجود ضرباً من العبث أن الحماقات العظيمة التي ارتُكِبت لا أحد يستطيع تصحيحها.
12
تتعامل مع نفسكَ كأنك أمام قضاة غير عادلين سيحكمون عليك بالإعدام. قضاة أشباهك….. ظلالك.
14
مؤلمٌ أن تبرهن العبث في عالمٍ كلَ ما فيه يفور عبثاً، ولا يريد الاقتناع بذلك.
15
لا يسائل المؤمنون إيمانهم. لذلك يبدون مدّعين ومسيئين إلى الذي يؤمنون به.
16
لا يشكّك الأتباعُ في تعاليم معلّمٍ شكّكَ في التعاليم، ثم آمن بما قادَ إليه شكُّه.
17
كأن اللغة مراهقة
لن تبلغ سن البلوغ أبداً.
18
داخل يومكَ راهنٌ جارٍ على هيئة ماضٍ متمكّن مستحيله.
19
حدِّقْ في الصوت ترَ عقلَ العتمة.
20
مسلٍّ أن ترقب هذه الكائنات الخارجة من غرفة نوم الوعي.
21
الحق يتوارى ويتوارى ويتوارى حتى ينعدم. لن ترى صورته، لكنها صائرة.
22
السوء سوق باعة ومشترين.
23
سوءة كونكَ هنا إن هي إلا انبهاركَ باللاشيء.
24
في الحبّ تهب المحبوب نقصاناتكَ لتكتمل فكرة الحب. أنتما ثمرتان ناضجتان على شجرة ميتة.
25
الحبّ الذي يعلق في الكتابة والتاريخ، ذاك الحبَ الذي يخوّض في وحل الوعود.
26
أنتَ ترسم في العتمة وراء الصورة. لن يراكَ أبناء الـ هنا.
27
قلةٌ هؤلاء الذين يحاولون حيكاتك وحكايتك عارياً أيها الجمال.
28
ملعون أنتَ، إذ إن الأبد وشم على قلبكَ، وأنتَ وشمُ قلب في قلب وشمٍ ممحوّ.
29
بقايا جسدك الذي نهشه سرطان انشغالكَ بالكون عائلةٌ تئنّ على السرير.
31
عنفهم غاية في الشذوذ. حتى أنه يفتقر إلى جذره الحيواني. إنه شرور الإنسان وقد تراكمت عبر قرون. عنفكَ تأليف نسيانات.
32
للتوّ دخلتَ إلى لغتكَ فوجدتَها مسروقة، داخلها كائن مشوّه. كيف لظلٍّ أن يطرد خالقه؟
33
تتفرج على جمهور يتفرج على أبطاله المثيرين للشفقة. إنها لعبة مضحكة إلى حد البكاء.
لم تعد تفكر في مقاومة التفاهة. إذ كيف لفرد أن يتصدى للكوارث الطبيعية. وكيف لك أن تقنعهم بأن هذا الكوكب الذي يسمّى الأرض درنة قيح صغيرة، صغيرة جداً على جسد الكون إلى درجة أن استئصالها على وجه السرعة ليس بهذه الأهمية. مع ذلك ستزول.
لا أحدَ سيلتفتُ لكَ
وأنتَ هناكَ
مُعلقٌ على الجدارِ
بإطارٍ أنيقٍ وشريطٍ أسود
وكمن يُطلُ من نافذةٍ
ستراهم يُحررونَ أرواحهم
كأرانبَ بريةٍ للرصاص
لا أحدَ أيضاً
سيبتسمُ لكَ
كلهم مشغولون بالخراب
إلا أنتَ
آمناً في صورتِكَ
تبتسمُ لهم
كناجٍ وحيدٍ
من يدِ الوحشةِ
وسكين العذاب
ليسَ لديكَ امرأة لكنك بطريقةٍ مبتكرة ستعلقُ صورةً لشجرةٍ ثم تضحكُ للعائلة التي كان ينقُصها سماد ظهركَ وليونة زائدة في مفاصلِ قلبك ليصبحَ وجودها مُمكناً.
محاولةٌ ليستْ سهلة أن تدربَ لسانَك على النطق وأن تحل العقدة في حبالك الصوتية صارَ بإمكانك أن تصرخ لكنك الآن وحيدٌ تماماً وستمنحُ حبالك الصوتية لفرسٍ صهباء تصهلُ مع الخيولِ الشاردة
بإمكانك أن تُخيط صُراخاً أو أن تَربط دلواً بحبالكَ ثم تُسقطه في البئرِ هكذا ترمي صوتَك وتسحبُ صداك دون أن يشعرَ بك أحد ..
ليس لديكَ امرأة ولا كتاب مع هذا لديكَ سرير وعليك أن تقطعَ سريراً كاملاً كل ليلةٍ بِمفردك من أجلِ الوصولِ إلى شربةِ ماءٍ في جهةٍ مجهولةٍ على السرير نفسِه ..
ليسَ لديكَ امرأة ولا بيت ولا كتاب مع هذا اقتنيتَ باباً للبيت وباباً للكتاب وباباً للاحتمالات الواردة
الرجل الذي بلا امرأة يفتحُ الأبوابَ كلها ويبقى، هو، مُغلقاً.
1- من باستطاعته أن يحرّك هذه العظام كلّ ما يمرّ يمرّ لم ينتهِ الليل لأنّ يده في يد الصباح أغنية الحب تدور هذا يعني أن يهمد شيء في القاع وأنّ ساقاً صغيرة تشقّ الأرض منتصبة كالسهم. تتبقّى لمسة واحدة أو كلمة حتى تنفجر الأزهار على الغصن. 2 أشعر بتفاهة الكلمة هي لا تفعل شيئاً، هي لا تتحرك لا تنطق أو تصرخ لا تقول احترس أو تمهّل على الأقلّ إنها ببطء تسحب جذراً من الأعماق تسحب أعماقاً إلى الخارج وتترك بئراً تترك فماً حفرةً لضحايا آخرين. 3 سنواتنا العديدة لا لأن نتقاسم أيّ شيء لا لأن تبلغَ يدي كالوليد أو تنبتَ وردةً الموسيقى فقط من أجل انتصاب الأعضاء من أجل أن تبلغ هذه الأداة، وتسرج صهيل حيوان في الحقل. وياللخيبة، في العزلة كنتُ أراكَ كائناً مثيلاً يحبس الأنفاس ويطلقها حلقةً سوداء لقطارٍ معطّل قد يكون أنا. لستَ الشبيه، لستَ على مقربة من الفداحة واليأس فالكراهية هي العاطفة الوحيدة التي نتكسر داخلها في انفعال قرنين يدكّان الحائط. 4 تعرف أنّ الوقت باكر وأنّ السكينة كالغبار على الأدراج القفل محتقن داخل الباب وأمامك المرآة تقرأ وتنتفض أمامك الطائر يرفرف في الصفحات ولا يطير صياح الديك على الشرفة قلبٌ يشمّ الضوء ولا يراه الخراف على الأصابع وفي الفم الثغاء الموسيقى تمشي على أطراف الأصابع في الممرات تمشي على أطرافها وتتعثّر في صدرك تتعثّر الغبار يشهق الأقفال تفتح المرآة تتكسّر الطير يتابع الرفرفة الديك والثغاء المشي والتعثّر تدور في المشهد تدور تدور بلذّة فأر يلاعب عجلة… 5 الأيام قليلة الذاكرة تنجب كأنها امرأة ولود كأنها أعشاش بمناقير حمراء مفتوحة وألسنٍ تدقّ أجراساً داخل الأفواه لا يتحرك الموج إلا ليهزأ بمركبٍ يتأرجح في الوقوف لا تشعّ من الشبابيك سوى القصائد التي تومض فقط خلف الزجاج فتيلاً يشتعل وينطفئ. 6 ببساطة يحدث كلّ شيء يحدث مثلما تحرّك النسمة روائح الشجر مثلما يبلغ أيّ لحن بك قمّة السعادة أو الحزن لا أسهل من ذلك الهشّ والصلب في آن لن تضبط الرنين إذ بنفخة تحرّك وتراً متأهباً للانهمار ليس بإمكانك أن تبقى مروّضاً دائماً أن ترتب الصلابة وتخبو داخلها مجرّد حجر. 7 تمرّ الفكرة بي تمرّ بي بفتنةِ من قطعوا أصابعهم ولم ينتبهوا إلى الدم الذي يلطّخ الثمار. 8 في كلِّ زاوية للانتظار ستلمحُ ظلاً يعترضك ستلمحُ جسدٍاً ممدّداً ينفع أن يكون طاولةً لمرفقيك وأوراقك الكثيرة ستلمحُ أقداماً رفيعةً تستند بهدأة على رؤوس أصابعها ستلمحُ الضوء يسقط من محجريّ ورأسي يتدحرج مثل مزهرية فارغة…
بقدمين عرفتا الركض جيداً أدخل مدفوعة إلى “الباب الدوار”، لم يكن ما أريده، لكن، عليّ مجاراته قبل أن يمزقني، أن أعتاد الضحك لحظة والبكاء في أخرى، قد أبدو مجنونة جداً، لكنني أجاري الجنون فحسب بأن أقفز أكثر، بأن أقفز أسرع، كأرنب، كغزالة، كنمر، لا يهم، كلّ ما عليّ فعله التنقل بين فرح وكآبة، لا أحد يصدقني حين أشير للعالم بكآبة كنت أود قول: يبدو بائساً مرعباً كسفاح. لا أحد يصدقني حين أشير للعالم بفرح كنت أود قول: يبدو مشرقاً جميلاً كضحكة صيفية. لم يصدقني أحد حين وضعت يديّ على أذنيّ كنت أود قول: أصواتكم تتداخل، ليس بمقدوري سماعكم جيداً. لم يصدقني أحد، لم يسمعني أحد، فكل كلماتي تتساقط داخلي كما لو أنني بئر لا نهاية لها. كلماتي ما عاد بمقدوري التقاطها، مددت لساني طويلاً علّه يلعق كلمة أو حتى كلمتين، لكن الدوار سريع جداً وكل شيء يتطاير في لحظة يتساقط في أخرى، فلم أعد أعرف مكاني، كل ما أعرفه أنني أدور، وأنني تعبة. ولا أعرف متى سأريح قدميّ.
هذه الغرفة المطفأةُ النور أضحت مكاني أُدخلتُ فيها عنوةً لتُنادي المخيلة جنودها للحضور. حجرة مأوى، يُدير بها الوافدون من القرى حرب لصوص على الغنيمة، كلّ يسرق الآخر تسترهم عتمة موروث ثقيل.
في الغرفة، على المنضدة، فأس ترتفع على الماضي الجريح، يخولني الاقتراب مني أن أقطع البوادي، صياداً أو فريسةً أدخلُ الغابةَ حطاباً ثم أهرب طريدة من خوف الكمائن. ذخيرتي في العتمة، وعدّة معركتي، كلمات، حشرات ـ مجرد دبيب أرجلٍ للحروف على البلاط لا تفكك لي الكمائن.
في الغرفة المعتمة يفوّضني الماضي أن أحضر وأشهد الحروب: كيف تروّض المعرفة خدماً للعاصفة وتقلع الحكمة أنيابها متحدثةً معي في آخر الليل عن التصالح مع ضيوف غرباء يضمرون العداوة.
في الكهف الصغير ـ المربع الذي تتقلص أضلاعه من تلف الزمان ـ كل شيء يقف قبالتي ضيّقاً مكبّلاً بميراث ثقيل: صدري ومجرَيّ، نومي ودهشتي المقتضبة، وكذلك أيامي المروّضة كالأسود تنتسب كلّها الى المراثي وتنوح بعيدةً عني مثل نجم منفلت بين النجوم يخرّ وينطفىء ذلك القلب، المحمل بالمواعيد، الذي أمطر الغيمة، هو الآن ينأى بي الى هناك حيث الصقيع قاسٍ في حضن الضغائن المغلقة، وصحراء الصداقات مازالت تحترق دون انطفاء. في هذا الكهف المضيّق بي كفهدٍ مثخن بالجراح أنتظرُ وألعق الحكمة المؤجّلة وليس للوقت حساب، لكنّ الساعة، تؤذن وتدقّ. تدقّ بإلحاح في الثانية تدقّ وفي الثالثة أو في الرابعة، وفي ما سيأتي بعدها، تدقّ لتخطو الأشباح والأرواح المنسوخة نحوي آتية من الماضي صامتةً تجثمُ على صدري فتستدعي لها الوليمة ثمّ تأكل من قلبي العجوز وقد تلفت أليافه في الغابة التي توهمتها لنفسي وتوغلتها منذ زمن بعيد.
لقد عشت حياة بأكملها أحاول أن أخبرك أن هذا ليس بحراً بل متحف للغرقى .. و أن الحجارة أسماء يابسة و ثقيلة .. حياة بأكملها و أنا أبحث عن كلمة لها رائحة البدء الغامضة .. كلمة لها يد دافئة تصلح لأن نغلق بها عيون موتانا ونجر بها عرباتهم في الممرات الباردة.. عشت حياة بأكملها أكتب كمصلوب يقتلع المسامير من يده و يعلق عليها صورا لقتلى حروب لا تعنيه.. فقط لأنه يظن بأنهم ، بطريقة ما، أخوته في الأسى ….
2-
انتهت الحرب وعدنا إلى بيوتنا محملين بكل شيء بنياشين وخسارات برؤوس اعدائنا ووصايا الرفاق الأخيرة… بعيدون عن ساحة المعركة الأمهات بانتظارنا الامهات اللواتي لا ينمن القاسيات مثل خشب البلوط الدافئات مثل خشب البلوط.. على العتبة يقمن بتفقدنا بأيديهن و أعينهن كما لو أنهن يعرفن أننا نعود ناقصين دائما من الحروب ناقصين و باردين كأكواب زجاجية “لا تعانقيني بحرارة سأنكسر” يقول جندي “سأنكسر مثل كوب زجاجي بارد قمت بمعانقته بحرارة”..
3-
لا أعرفك لكن كان عليّ أن أناديك تماماً كما تنادي الأمهات أبناءهن هكذا بكل الأسماء.
4-
وعندما هدأت حروبنا القديمة ابتكرنا لأنفسنا أعداء جدداً ابتكرنا ساحات لمعاركنا قطّاعاً لطرقنا و ذئاباً لقطعاننا.. نحن الرّعاة رعاة خوف الأشياء.
إذا جئتَ لتبقى، تقولين لي، لا تقل شيئًا يكفي المطر و الريح على القرميد، يكفي الصمت الذي يتراكم على الأثاث كغبار منذ قرون في غيابك لا تتكلم الآن، أنصت للسكين تحز لحمي: في كل خطوة، إلى تلك الضحكة في البعيد نباح الكلاب، الباب الذي يصطفق، و هذا القطار الذي لا يتوقف عن المرور
فوق عظامي. لا تقل كلمة: ليس هناك ما يقال. دع المطر يعود مطراً من جديد و الريح هذا المستنقع تحت القرميد، دع
الكلب ينبح إسمه في عتمة الليل، و الباب يصطفق ، و المجهول الذي يرحل الى مكان ما حيث أموت. إبق إن جئتَ لتبقى.
أعرف تقولين بصوت عال، أعرف، لا وجود للهاتف، و نهاية العالم في كل مكان، و الناس على الرصيف يموت بعضهم فوق بعض من الزحام وقوفا، أو على ظهورهم، و وجوههم،
دون إشعار. ليس سوى القطط التي تعرف كيف تعلن عن الحب و هي على حافة الهاوية، و بؤسا لأولئك الذين ينامون بسلام، بؤسا لهم.
1 وأنت تخرجين من حياتي أرجوك اتركي الباب مفتوحًا فبعد قليل سألحق بكِ
2 لماذا الحب دائمًا من هواء لماذا الندم دائمًا من معدن؟
3 ترين الياطرَ الأحمر فأساً في صدر غروبٍ مخيف أقول إنها مجرد قطعة معدن على جدار مستودع تقولين انظرْ إلى كل هذا الدم أصدّقكِ أرتبكُ وأخاف مني وأنا أعانقك
4 الذئب الذي سأكونهُ لن يحلّ المتاهة
5 في الزاوية نَعِدّ قبلاتنا سوداءُ أرقامُ الفقد
6 في الارتجاف نتكوّن
7 داخل كلمات مثل ظلال ممزقة يحدث مستقبلنا
8 تمثال الخسارة أدور حوله طفلنا الذي فرّ من المشهد
9 هذا الحجر الذي وجدناه على سفح جبل ذاكرةُ غراب ضعيهِ على الطاولة قرب علبة الميك آب ستحتاجين إلى قطعةٍ من جلد الريح مقطعٍ من أنفاس الرعاة في برية باردة
10 كلما عضضتُ على ذاكرتكِ رأيتُ نفسي رجلاً آخر ينزف كلما قلتُ أحبك ربحتُ حياة لن أعيشها
11 يدك على قلبي لها صرير بابٍ لا يُفتح ولا يُغلق يدي في المسافة إلى شعرك تقليد سيئ للريح
12 لماذا ماضيك رسالة استلمُها كل يوم؟
13 في ليلٍ ما في طبيعة ما وعلى سرير من عشب حيث الجسدان والنسائم جدلٌ ناعم حدثتْ حياة لن يرويها أحد
14 هكذا إذن جررتِ الله إلى المشهد هكذا رأيتُ الرعب فماً مفتوحاً هكذا تنتقل الحياة من الطابق الأرضي إلى العلوي تاركة خلفها هالة من الأزهار السّامة
15 إنها أخطاء الأمل أن نخرج إلى شرفة لا تتسع لاثنين
16 أن أربط بين رائحتكِ وبين خوفٍ عتيق بين هذه الالتماعات الغامضة التي تسيل بمحاذاة جسدينا وبين جيوش من القتلى ينظفون حياتي من التجربة يعني (لي وحدي دون أن يفهم أحد) أن أرى حروف الجر حشراتٍ تقرض الأثاث في بيتك الأصفر الصغير
17 لا شيء سيعيدني إلى نفسي حين لن أطالب الهاتف بأن يرنّ البريد بأن يصل لا شيء سينقذني مني حين لن أنسى الموجة اليتيمة تطير في مطبخك الريش/ الزبد الذي يغطي حياتي الجنين الذي لن يكبر أبداً
18 رائحة سمكة ستموت رائحة العرق تحت إبطي الحلاّج رائحة قفازات علماء يشرّحون هيكلاً غريباً في مختبر تحت الأرض رائحة الضجة التي يثيرها أعداء دائماً ينتصرون رائحة كائنات بورخيس العحيبة رائحتك وأنت تغادرين
19 اليد الثرثارة التي تحترق يدي التي حاولتْ صيفكِ
20 في حفرة نفسي أجلسُ وإياكِ لهذا.. كلانا يتعذب
21 كيف سأقلّد أناي التي امّحتْ من فرط التحديق بكِ؟
1- “ما أجمل الخروج من الغابة”- أقول، أنا الشجرة الضالة. أحمل عصافيري، وأمحو الطريق. لو كانت السماء بناية لأكلتها الريح. ولو كانت امرأة لانتحرت في بار شعبي، لكن السماء جدار نائم تسكنه العقارب. كل مرة أولد خائفا، وأعيش منتظرا، وأموت غريبا. وجدت اسمي مبللا، فآويته، لكنه اسم شارد يحن دائما للغياب. أتنفس سحبا وطائرات ولآلئ. أتنفس جثثا ودماء وترابا. أتنفس أسلافا يتامى ووحوشا مريضة. ما أجمل الخروج من الغابة. لو كنت نهرا لبكيت، ولكنني قطار تائه، فاتبعوني. لدي سيارة حمراء قدماها غائرتان، ولدي قطة مربوطة في آلامها. وفي قلبي شجرة تنوح كل صباح لتقطع أقدامها. أقول إنني الشجرة الضالة، وأعني أنني سماؤها. أقول إنني الجثة، وأعني أنني قبرها، أقول إنني النهر، وأعني أنني بكاؤه. ولو كتبت لكم شعرًا لبكيتم، ولكنني أختبئ في اللغة، وأبكي وحدي لكي تموتوا وحدكم، فأدفنكم في الجدار.
2- قال لي: “أنت الماء، والنار سريرك”. وفتحت في قلبي نافذة، ثم وضعت عليها وردًا ذابلاً، وناديتُ الطيور كلها، لكي تأكل وتشرب أو تعلق نفسها على الجدران. وصنعت لقلبي سلما، فصعدت عليه الكائنات كلها، وتبعتها الحواس والأحاسيس. وجاءت الأفكار بلا عدد، فانهار السلم، واشتعل البيت بالنهايات. لم أحزن، لأن ما ينهدم يقام، فليس هناك زمن بين النقيض ونقيضه، وليست هناك خسارات أو حسرات، ولا يوجد مكان لألم ممتد بين لحظتين. ووضعت يدي على الأفق، فجاء السلام من حيث جاءت الحرب، وجاءت المحبة من حيث جاءت الكراهية. وفي القلب نفسه، احتضنت الكائنات وجودها. 3-
لأنني أحببت الحياة، رأيتها عارية كالملك. وأوجدت المحبة على شكل ثلاجة، وأوجدت القتل لكي لا تزيد كثافة المواد. بين ظلين أتممت بكائي، ورسمت على الغمر نجومًا على هيئة الطير، وبابًا لكل كوكب يشبه القفص، ونافذة لكل حياة، حتى تقفز عندما تحب. وسحبت النور من جيبي، وأطلقته من يدي حتى صار ظلاما كاملا، وكتبت عليه الموت والحياة، ثم أنشأت التكرار وصفّيته، وسميته الزمن. وبدا لي كل شيء مكتملا، حتى قفزت الكراهية من الماء، وتعلقت بالأشياء كالدودة، واختفت في الكائنات لتحرس فناءها، وجاء الغضب سريعا، حافيا، وأعرج، وسمّى نفسه العدل. وكذلك كان خوف يختبئ وراء كل صخرة، وكان جبل من الآلام. 4- ختر غناءك على الباب. هنا مرت التماسيح الصغيرة، والأشجار التي اقتلعتها المحبة. وهنا بكى الذئب لينجو من النهاية. وكذلك ثمار الكمثرى، والحلزونات التائهة، وبيت العنكبوت، مروا من هنا. ما طعم المغفرة يا أبي؟ حزينة كالأمل يا بني؟ كان هناك نداء خلف الباب، وكانت هناك نجوم تدخل وتخرج عندما استيقظت الغواية في قلبي. ورأيت ثعابين ترقص، وأراجيح على مرمى البصر، ونورا يشبه الظلام. وهناك جلس الكون متكورا على ذاته، وانتبهت الكائنات لخطوة الغريب. “تقدم”، يقول أبي، ويقول النهر الذي يبكي منذ الخليقة على الطاولة: “تقدم”. ليس أمامي أمام، ولا خلفي خلف، وليست تلك إلا لحظة الذوبان. 5- بتلك الفرشاة بنيتك، ووضعت فوقك تلالا من اللهب، لأخفيك عن أعين الحطابين. وزرعت فيك جنونا دائما ألهمتك أن تسميه الحنين، وسويّتك كاملة بنقصانك، وعلمتك الأنين. ولوّنتك باللمسة والشهقة والخيال، وأعطيتك أن تفتحي بابك لي كلما شردني الشوق إلى الخلق، وأتممت عليك جنونك حتى فاض على الكون، فكانت منك حياة لكل كائن، وكان موت عظيم.
6- وضعت خيطا على الطاولة، وسميته “النهر”، وكسرت كأسا، وسميتها الطريق. بيديّ هاتين، وضعت المقعد فوق المقعد فوق المقعد، ليرى النملُ جبلا. نفخت في التراب فكان صباحٌ، وكانت حيواناتٌ ترعى في السهل بين الجبل وظله. العالم كبير كما تراه الكائنات، كبير وقاسٍ، مر ومزدحم بالأمل والنفايات. وهناك أشياء منسية في الخليقة، منسية وزائدة، محجوبة في الثقوب كأنها صخور مفتتة. فكرت في أن أضع صرصارا، ليعطي الطاولة طبيعة الدراما، أو كلبا ليمنح النهر شكلا تراجيديا غائما. قلت لنفسي إن هذا الجنون لا يجب أن ينتهي، فلا جدوى من تركيب عالم بلا جنون. وعلقت الخيط في رقبتي، بكل طيوره المشنوقة، وبكل مائه الذي لا يفكر في النجاة. لا أحد سيطرق الباب، لأنني لم أصنع صوتا، ولا أحد سيشعر بالحريق لأنني ارتديت النار وحدي، وحدي ارتديت النار لأكون علامة منسية على الطريق. *** ..ورأى البستاني العالم ضيقا، فبكى، ورأي النجّار يديه شجرتين أو كفنين، فحاول أن يصرخ. في كل وجود تضيع القافلة، لأن العشب ينمو بحسن نية، ولأن الريح تفكر دائما في النسيان. خوف الكائنات علامة، ولكن الخوف ابن العماء، ودليله، وهو رايته التي تمشي مع الريح، وترقص، فلا تدركها الأبصار. توقف هنا، لأن الزمن يلهث، توقف لكي لا تموت الطاولة فجأة كالقط الذي نسيتَه على النافذة. هل فكرت في الحب كوجبة فاسدة؟ *** يا أبي، يا أبي، كنتَ تظنني قمرًا، وكنتُ أضحك، وأطير في السماء كما يليق بقمر صغير. انطفأتُ الليلة، فبكتِ الذئاب في الحقل، وتألمت الوديان من شخير الجبل. أنا جبلك يا أبي، جبلك لا قمرك، ولم أتحرك منذ أن تركتَني على الطاولة وحيدا، وذبتَ.
إلى مكانٍ قديمٍ أعودُ وإلى موسيقى قديمة وكي أرى جيداً أسنن الزوايا الحادة في عينيَّ وكي لا أنزلق على أقواس الطمأنينة أفكّرُ إذا كان الرجال ودودين ونبلاء وإذا كانت النساء رقيقات وحالمات إلى هذا الحد فمن أين يأتي الشرُّ كله الشرُّ الذي يدنو من عينيَّ طائراً جميلاً جارحاً وأسودَ يدنو حتى يلجهما ساحباً وراءه الظلام فلا أرى بعده شيئاً ولا أعود أتذكر من حياتي سوى أني أحببت مكاناً أجلس فيه وأنني كلما كنتُ أصبح وحيداً كنتُ أفتح عينيَّ على اتساعهما وأنادي طائراً أعمى ليأتي و ينقر ما شاء وليأخذ مني كلَّ ما أرى
ظهرت وردةٌ في كفِّه
قطفها قبل عام ولا يدري لمن أهداها
أو كيف ذهبتْ ولم تغلق الباب
فقدها ربما وهو ينظر لشيءٍ
يحاول الآن اعتباره شجرة
يحاول الآن نفخَ الصورة العائدة بريش حكايةٍ
تتبعه كقَسَم المحاربين
يحاول أن يتذكَّر حديقتها، لحظةَ هروبها
من التفاتتهِ القديمة
لكنه لا يستطيع
لا يستطيع سوى أن يجد مكاناً شاسعاً
قبل أن يصير غابة
نهرٌ كهذا الجبل هو ندبةُ صوتٍ على شرفةٍ فارغة قدمٌ لم يبق منها سوى المسافة نظرةٌ لشخصٍ مات كأكثر ما يعتصر الهواء من صورٍ تتحرَّك ثكناتٌ وحدها تراقب دخانَ السرِّ سيأخذكَ الأمر لحصارٍ باهت تتابع جنازاتٍ تدفن العراءَ وتتلوَّى كذئبٍ فقدَ عينيه، كجمجمة تحتسي الانفجار ذاتَ غيابٍ كنتَ تستيقظ على مقربة من حشدٍ آمنٍ بذنوبه تقلي أظافركَ بيضةَ النزوح للهشيم كأنه زمن آخر نعيشه بمحض صدفة فنبكي لأنه ليس لنا، كأننا سقطنا بالخطأ في مكانٍ لا وجود له وعلينا أن نثرثر بلغةٍ يفهمها الغرابُ الذي لن يدفنَ جريمةً لم نقترفها بعد.
أيها النجار
اصنعْ لي باباً
باباً ضيِّقاً كحنجرةِ العصفور
أخرجُ منه بصعوبة
لا أريده ناعماً كخدِّ الطفولةِ
اتركه قاسياً بمسامير تمدّ سيقانها
خارجَ النوم
دعني أخوض التجربة
فيتمزَّق قميصي وأنا أخرج منه
وتنهش ذئابُ الندوب صدري
ويشرب الهواءُ بعضَ دمائي الملوَّنة بالأصدقاء
وأمشي مثل ولدٍ سيقابل نفسه لأوَّل مرَّة
مثل جريحٍ يتأوّه كلَّما سحبَ مسماراً
من دمعته
وسهماً من مخاوفه
فيراني القناصُ ويومئ لي
كواحدٍ من ضحاياه السابقين
كواحدٍ من رسائل جنَّتهِ المغلقة
أيها النجَّار
اصنعْ لي باباً
ضيِّقاً كعيدِ مدينتي
لا أستطيع الدخول منه إلى غرفتي
بوزني وهو يزداد كلَّما عدتُ
بكلِّ هذه الأشجار
التي تعتبرني بيتها
وكل هذه الأصوات التي تتعرَّف بداخلي
على بعضها
وبكل القطارات التي سارت على جثَّتي
وكل الظلام وأنا أرسم عليه
رياحاً بيضاء كالفرس الأخيرة
في بلاد الكتب المأخوذة بانتصار الغريق
ما دلني عليك
سوى أنك ابنة الليل.
على مهل تقودين
الارصفة الميتة إلى يتمها،
والملصقات التي
تمتص ما تبقى من غيمة،
تشعل عود ثقاب
لتعبر إلى غابة نائية.
لا مطارات هنا،
لا أجنحة لطير المومياء الاثير.
اخفضي دقات قلبك،
لئلا يداهمك البلدوزرات الصفراء،
تسحق دمعتك الأخيرة.
الخصوصية في أنطولوجي
نقوم بإحصاء الزيارات واستقراء البيانات العامة، وقد يفعلُ شركاؤنا أيضًا وبعضُ الأدوات التي نستعين بها.
الموافقة اختيارية لكننا نحب لو توافقون، وبيننا وحي الأدب، وهذه سياسة الخصوصية (تُفتح في لسانٍ جديد).