المدونة

  • جمال القصاص – رهن الحب

    جمال القصاص – رهن الحب

    أنا رهن الحب

    ألتمس له الأعذار دائما..
    أن الطريق مزدحمٌ
    أن اللصوص لا يقرعون الأبواب
    ثمة فوضى في كيس البن
    ثمة نجمة تستحم في النهر
    تحتاج أن تسرق عطبَ النوم .
    هكذا ..
    تعودتُ ملمس الطبق الفارغ
    كيف أصير اثنين:
    رجلا وامرأة
    شاعرا ويمامة
    ثمة حكمة للجوع
    أن تكون وحدك في وحدك
    تعضّ أصابعك في كرمشة الملاءة
    تتخيلها ظلَّ عاشقة
    تتأهب للنوم .

  • أمل الأخضر – سهرة الموتى

    أمل الأخضر – سهرة الموتى

    سَأَحْكي عَنِ الْبَحْر ِ أَسَرَّ لِي
    بِمَا لَمْ يَقُلْهُ لِأَحَدٍ ..
    عَنِ المْرأَةِ الْعَاقِرِ تَحْلُمُ
    بِوَجْهٍ مُدَوَّرٍ لوليد مَلاكٍ .
    سأحكي عن الأحْزان الصَّديقَةِ ،
    والْبسَماتِ الحَبِيبَةِ ، وعن شامَاتِ العُنُقِ ،
    وعن النَّظرَاتِ الغَرْقَى في ماءِ البُحيْرَةِ ،
    وعنِ القَلَقِ العَتيدِ .
    سَأَحْكي عن شاعِرٍ كَسُولٍ ،
    مُقَوَّسِ الظَّهْرِ ،ونَحيفٍ ،
    بعيَنَيْنِ ذابِلَتَيْن ، وبنَظْرَةٍ سَاهِمَةٍ ،
    وَبِقَرْنَيْ اسَتِشْعارٍ مُثَبَّتَتَيْنِ عَلَى جَبْهَتِهِ ،
    يَلَتَقِطُ بِهِمَا إِشاراتِ السَّماءِ السَّابِعَةِ
    وَ إِشاراتِ الْحُزْنِ والفَرَحِ لِلْعابِرينَ .
    و سأَكْتُبُ عنْكَ .. و عَنِّي
    سَأَحْكِي عَنْ كُرْسِيِّ يَوْمِ الْأَحَد ،
    عَنْ عاشِقَةٍ جَسُورَةٍ تَلْوِي يَدَ حَبيبِهَا ،
    تَكادُ تَبْتُرُها ،
    عن بَهْجَةِ المَسَرَّاتِ ، و عن سَكْرَةِ المُحِبِّينَ ،
    و خَمْرَةِ العُشَّاقِ ، و غُصَصِ المَكْلُومينَ ،
    وجوْقَةِ الضِّباعِ ، وَ قَهْرِ المُسْتَضْعَفينَ .
    عَنْ حفْلةِ الْخُزَامى ، و حَرِّيفِ الزَّعْتَرِ ،
    وَ هُدْنَةِ النَّعْناعِ ، وَ ضَوْعِ الحَبَقِ ، و صَلافَةِ الصَّبَّارِ ،
    و سأَكْتُبُ عنْكَ .. و عَنِّي
    عَنِ النَّقْرِ المُتَواتِرِ لِمَطَرٍ غَزيرٍ
    على سَقْفٍ مَعْدِنِيٍّ رَخيصٍ ،
    وعن مَمْلَكَةِ الأَرْواحِ سأَكْتُبُ ..
    الأَرْواحِ الأثيرَةِ ، الأرْواحِ الرَّشيقَةِ ، الأرْواحِ الغَليظَةِ ،
    الأَرْواحِ الشَّفَّافَةِ ، الأَرْواحِ الْحانِقَةِ و الْأَرْواحِ الْقانِعَةِ ،
    والْأَرْواحِ المُتْعَبَةِ ، و الأَرْواحِ الْجَذْلَى ، وَ الأَرْواحِ القَريبَةِ .
    سأكْتُبُ عَنِ الْخَرَزَاتِ الزَّرْقاءِ
    المُعَلَّقَةِ في حَوَانيتِ سُوقٍ قَديمٍ ،
    عن صَرِيرِ الأَبْوابِ الثَّقيلةِ بِالْحَمَّاماتِ الشَّعْبِيَّةِ ،
    و عن الْحَدائقٍ الْخَلْفِيَّةِ لٍريَاضِ الْعُشَّاقِ بالمَنازِلِ الْعَتيقَة ِ ،
    عَنْ بَلْغَةِ جَدِّي سَأَكْتُبُ ،
    وَعَنْ بَلَلِ الْوُضوءِ يَسيلُ مِنْ أًَصَابِعِهِ ،
    وَ عَنْ سُبْحَتِهِ ،
    وَعَنْ حَجَرِ التَّيَمُّمِ تَحْتَ وِسَادَتِهِ ،
    وَعَنْ نَحْنَحَة صَوْتِهِ في بَهْوِ الْمَنْزِلِ ،
    وَ عَنْ هَيْبَةِ وَقْفَتِهِ ،
    وَتَعَثُّرِ نِسَائِهِ الثَّلاثِ فِي حَضْرَتِهِ ،
    وَ عَنْ خَوْفِ الصِّغَارِ مِنْ سَطْوَتِهِ ،
    وسأَكْتُبُ .. عَنْكَ و عنِّي..
    سَأَحْكِي عَنِ الصَّحَافَةِ الصَّفْراءِ ،
    و عَنِ كَتَبَةِ العُهْرِ و الْعارِ ،
    سَأَحْكِي عَنْ مُومِسٍ نَسِيَتْ شَالَهَا
    بِسَيَّارَةِ الْوَزِيرِ .
    و عن رفاقِ الأَمْسِ سَأَكْتُبُ ،
    الرًِّفَاقِ الْمُتَخَلِّينَ عنَ خطَاباتِهم ،
    وَ عَنْ سَراويلٍ الْجينْزِ الْكالِحَةِ ،
    المُتَحَمِّسينَ لِأَناقَةِ الْبِدَلِ الرَّسْمِيَّةِ ،
    والْمُتَصالٍحينَ مَعَ السَّيِّدَةِ الحُكومَةِ ،
    في أَحْزابٍ مُخَضْرَمَةٍ ، لاَ إِلَى الْيَمِينِ تَميلُ ،
    وَ لَا إِلَى الَيَسارِ ،
    و عَنِ السَّماسِرَةِ الدُّهَاةٍ ، والبَرْلَمانِيِّينَ الدُّعاةِ ،
    و عن بَاطْرُوناتِ الأَمْوالِ المُهَرَّبَةِ إِلَى أَبْعَدِ بَلَدٍ .
    و عَنِ اللِّحَى الْمُرْسَلَةِ أَيْضاً سَأَكْتُبُ ، و الرُّقَى الشَّرْعِيَّةِ ،
    والشَّيَاطينِ الْخادِمَةِ لِسَيْلِ الْعَرَّافينَ وَ الْعَرَّافاتِ ،
    و عَنِ الْحُروزِ والتَّمائِمِ ، وَ عَنِ الْمَرَدَةِ الصِّغارِ وَ الْكِبارِ ،
    وَ عَنْ عُشْبَةِ الْحَرْمَلِ الْمَجيدَةِ ، وَ تُفَّاحِ الْجِنِّ الْعَجيبِ ،
    وَ عَنِ الْحَلْتيتِ الَأَزْرَقِ ، وَ نَبْتَةِ الَعَرْعَرِ
    وَ ثَمَرِ النَّبَقِ الْمُفيدِ ، وَشَجَرَةِ السِّدْرِ الْمُبارَكَةِ .
    وَ سَأَكْتُبُ عَنْكَ وَ عَنِّي …
    سَأَحْكِي عَنْ سَهْرَةِ الْمَوْتَى بالْمَقْبَرَةِ الْمُجاوِرَةِ ،
    في قَلْبِ اللَّيْلِ ،
    وَ عَنِ الضَّحَكاتِ الْمُجَلْجِلَةِ لِعَريسَيْنِ حَديثَيْنِ ،
    وَ عَنِ نَمِيمَةِ النِّساءِ ، وَثَرْثَرَةِ الرِّجَالِ بُعَيْدَ الْعَصْرِ ،
    وَعَنِ الْعُواءِ سَأَكْتُبُ ..
    عُواءِ الْقِطَاراتِ ، عُوَاءِ الذِّئابِ يَقْطَعُ سُكُونَ اللَّيْلِ ،
    عُواءِ الْمَخَاضِ الصَّعْبِ ، عُواءِ الرِّيحِ الَغَضْبَى ،
    عُوَاءِ الْحُبِّ الَمَخْذُولِ ، عُواءِ النُّفوسِ الْجَرْحى .
    و سَأَكْتُبُ.. عَنْكَ ..وَ عَنِّي ..
    عَنْ لُعابِ الْمَحْرُومينَ سَأَكْتُبُ أَمامَ فَاتْريناتِ الْمَطاعِمِ
    وَ عَنْ حُشودِ الْعَطَاشَى الْغَازِيَةِ ،
    بِشِفَاهٍ مُتَشَقِّقَةٍ ، وَ بِنَظَراتٍ زَائِغَةٍ ، و رُؤوسٍ رَخْوةٍ ،
    وَ خُطُواتٍ عَشْواءَ .
    وَ عَنِ الدَّمِ الْمٌراقِ ، سَأَكْتُبُ ، الدَّمِ الْمَسْفُوحِ ،
    وَ الدَّمِ اللَّزِجِ عَلَى الْأَرَصِفَةِ ، وَ أَبْوَابِ الدَّكاكِينِ ،
    عَنِ الصِّغَارِ الْمَذَهُولِينَ ، أَمامَ هَوْلِ الْحُرُوبِ ،
    وَ عَنِ الْكَلامِ الْكَبيرِ الُمُكَدَّسِ بِالْغُرًفِ
    السِّرِّيَّةِ لِقِبَاءِ الْأَرْواحِ .
    وَ سَأَكْتُبُ .. عَنْكَ .. وَ عَنِّي .

  • عفاف إبراهام – على جسد الأبد

    عفاف إبراهام – على جسد الأبد

    Couple on the shore – Edvard Munch

    ذكرى…
    البحر مرآة السماء
    والنفْسُ سماء يلمُّها البحر
    يلمّني المساء
    لا تنجو منّي قطرة
    يمتصّ المحيط ارتعاش اللون
    خلف سابع البحار
    عينان صديقتان تنجوان من الدمار
    مَن يتأمّلُ زرقتهما في هذا الكمّ من الغبار!
    المحيط عيناك
    قطرةٌ أنا
    عيناي تتسمّران
    تقيسان عمق الفراغ
    نبضُ الأزرق يهدر فيَّ
    ونبضة في قلبي تطهو الوقت
    الوقت دوماً طازج
    والحياة دوماً طفلة
    أولد معها
    ألعب معها
    أكبر دونها
    وأتلاشى مع هذا الزبد
    سكونُ المساء هو جسدي
    ويدك التي مرّت خطأً كونيّاً على نهدي
    -كالحرب المسمّاة “كونيّةً” على بلدي-
    سرَت على وجه البحر
    وأزهرت رعشةً
    على جسد الأبد!

  • شارل أزنافور – البوهيمية

    شارل أزنافور – البوهيمية

    البوهيمي هي أغنية منفردة صدرت في عام 1965 للمغني الفرنسي من أصل أرميني تشارلز أزنافور بمشاركة الكاتب جاك بلانت. تعد الأغنية من كلاسيكيات الأغنية الفرنسية الأكثر شهرة على الإطلاق. وتحكي كلمات الأغنية قصة رسام يتذكر بحنين شبابه البوهيمي على مرتفعات حي مونمارتر الباريسي الراقي.

    إليكم ترجمة الأغنية

    أخبركم عن وقت
    من هم بسن المراهقة الآن لا يعلمون عنه شيء
    حين كان حي مونتمارتر معلقاً ليالكه
    تحت نوافذ غرفتنا, مع كونها متواضعة الأثاث
    إلا أنها كانت مكاننا الصغير
    حيث كنا نلتقي
    أنا أتضور جوعاً, وأنتِ فتاتي أرسمكِ عارية
    البوهيمية, البوهيمية كانت تعني أننا كنا سعداء
    البوهيمية, البوهيمية بالرغم من كوننا لا نأكل إلا مره كل يومين

    في المقاهي المجاورة
    كنا أناس
    ننتظر المجد, مع كوننا بؤساء
    بالرغم من بطوننا الخاوية
    لم نتوقف عن الإيمان به
    في بعض الحانات, في مقابل الحصول على لقمة دافئة
    نبيع لوحة, نذهب نقرأ الأشعار
    نتجمع حول المدفأة ننسى الشتاء
    البوهيمية, البوهيمية كانت تعني أنكِ جميلة
    البوهيمية, البوهيمية كانت تعني أننا مبدعون

    يحدث لي أحياناً
    أمام لوحتي
    أقضي الليالي ساهراً
    أعدل الرسمة؛
    خط الثدي
    انحناءة الورك, وفقط في الصباح
    نجلس أخيراً
    أمامنا القهوة مع الحليب
    متعبين لكن مبتهجين
    أحببنا بعض؛ فأحببنا الحياة
    البوهيمية, البوهيمية كانت تعني أعمارنا بالعشرون
    البوهيمية, البوهيمية كانت تعني أنّا عشنا روح عصرنا

    في يوم من الأيام
    وأنا أتمشى قررت الذهاب
    لعنواني القديم
    لم أعد أتذكر شيء
    لا الحيطان, ولا الشوارع
    التي شهدها شبابي
    في مقدمة السلم
    بحثت عن ورشتي
    لم يبقَ منها شيء.
    بشكله الجديد الآن
    بدأ مونتمارتر حزين وماتت ليالكه
    البوهيمية, البوهيمية كنا شباب, كنا مجانين
    البوهيمية, البوهيمية لم تعد تعني أي شيء الآن

  • رسالة روبيرتو بولانيو إلى أمه – ترجمة أحمد عبد اللطيف

    رسالة روبيرتو بولانيو إلى أمه – ترجمة أحمد عبد اللطيف

    أمي الحبيبة، أم روحي: ماتيتا بانتيرا روسا، أنا في تشيلي.
    جئت في مركب مليء بالتشيليين كان عائدًا بعضهم من أوروبا، ومعظمهم رجعي جداً، يرددون اللعنات على الليندي: «هذا الرجل!». كانوا ينظرون إليّ بشيء من الاحتقار، ما أعتبره فخراً لأن حتى وجهي يبدو عليه أنني من الحزب البلشفي، ولا أجد تفسيراً آخر. سألوني إن كنت أعمل أم أدرس، فقلت لهم، برضا «أنا كاتب»، لم يكن أحد يعرف شيئاً، لكن بمجرد أن عرفوا أن عائلتي في المكسيك سألوني: «وماذا ستفعل حضرتك في تشيلي؟». قلت: «لا أعرف، أنا تشيليّ»، وخلال الثلاثة أيام على ظهر المركب كانوا ينظرون إليّ بخوف، وأثناء الطعام كانوا يقولون لي مبتسمين: «يبدو أن حضرتك من الطبقة العليا». «لا يا رجل، كيف!» كنت أرد، رغم أنني في النهاية وعدتهم أن أطردهم من البلد شر طردة.
    البحر جميل، هائل، يشعر المرء بأنه محض نملة، لكنه يثير الخوف. تذكرت نهاية رواية بوب كان فيها شاب طيب وجريح يتنبأ بأن الشاطئ سيبتلع كل شيء ذات يوم. أنا لا أرى ذلك، بيقين كبير أتذكر قرب وصولي من ماناجوا، على بعد 30 كيلو متراً من ماناجوا، استيقظت ورأيت السماء ملأى بالنجوم، لم أرها عبر نافذة، بل من ثقب صغير. كان مشهداً معتاداً ومكرراً، غير أنني استمتعت به، وشرعت في الضحك وحدي، ورفعت جسدي لأنظر للنجوم. نجمة بدت كطبق طائر. هكذا كنت أسلي نفسي في المركب، بمشاهدة الصور في السحاب وارتداء عدسات بعض أصدقاء فرنسيين، وتحققت من حاجتي الفعلية لشراء عدسات مماثلة. تعرفت على بحيرة نيكاراغوا، بالقرب من مدخل كوستاريكا: بحيرة جميلة، شديدة الجمال. فكرت، ولا زلت أفكر، في حضرتك، يا عزيزتي الأعز، «يا أقدم إنسانة أعرفها»، وفكرت في بابا، وفي مي، وفي تالي، وفي خايمي، وفي المكسيك، وفي المكسيكيات، وفي المكسيكيين. البحر جميل جدًا، يعرف الواحد من خلاله الشرق والغرب، الحقيقة أن الغرب هو الشرق.
    أكلت قليلاً من الطعام التشيلي الشهي، الحريف، وقرأت في أنطولوجيا بابلو نيرودا الشعبية التي توزع مجانًا في المدارس، وهربت مني دمعتان من دموع التماسيح. نيرودا جيد، شعره ثوري ومحارب. «في بنما سرت بلا قبلة»، وعرفت المدينة كاملة، وعرفت «بابلوا» التي تقع عند القناة، وركبت مواصلات عامة، وركبت تاكسيًا مرتين. الناس تبهرني. لكن لا أعرف، لا أفهم بنما، ليس لدي فكرة، لكن الناس في لحظات صعبة، وربما تنتظرهم لحظات أصعب. هل حكيت لك عن جمال نساء كوستاريكا؟ في كوستاريكا وبنما اليانصيب ساحر.
    سافرت إلى «كولون» في قطار، كريستوفر كولومبوس كان هناك ملتصقًا: في قطار لعبة في طريق/ غابة، في الدرجة الثانية، بجانب أناس من «كولون» وأطفال زنوج من «جامبوا» وأولاد من جامايكا متأملين وألمان وأميركيين شماليين بيض وأنثروبولوجيين، وسوسيولوجيين، يهبطون في فريخولس أو في محطة أخرى- كلها في القناة- تسمى تقريبًا مستر هوب، مونتي أسبيرانثا. عبرت ببحيرة جاتون، مذهلة، وكان القطار يعبر ببحيرات يمينًا ويسارًا، بحيرات ملوثة، قذرة، وبحيرات نظيفة جدًا حيث تعكس القطار. بحيرات هائلة. وكل شيء في القطار مضيء. كانت الحادية عشرة صباحًا، والنهار مشمس جدًا، والجو حار، والرطوبة عالية لدرجة أستغربها الآن. هل أنت مستعد؟
    – نعم سيدي.
    ركبت المركب في كولون وعبرت القناة في اليوم التالي. كانت الغرفة بأربعة أسرّة، لكن استخدمنا اثنين فقط: داريو نوسيكوانتو، تشيليّ الجنسية، 19 عامًا، وجونيور ماوديت، 18 عامًا، يعيش في فنزويلا وأرسله أهله إلى تشيلي ليتاجر في الدولار من أجل والدته التي تتمنى تكوين ثروة وأن يصبح رجلًا ويتوقف عن قطع الطريق في كاراكاس. الصبي الضجر والأحمق لم يضايقني إطلاقًا، لكنني ذات مرة كنت على وشك أن أكسر له فكه. «فجأة أصبحت شجاعًا، أصبحت شريرًا». لم أنفق دولارًا واحدًا. الفتيات كن يهدينني علب السجائر، رجل إسباني أراد أن يهديني أيضًا علبة سجائر، شيء فظيع. لم أقرأ شيئًا. لم أكتب شيئًا. الطعام كان لذيذًا. لو كان بيدي أن أرسل لك القائمة! كان هناك أيضًا واحدة من بنات القبطان، فتاة إيطالية جميلة جدًا، في سن الـ 16، وصارت الأمور على ما يرام وكسبت مشاعري. في «أريكا» ركبت جميلة بيضاء، تشيلية، في الـ 32، هكذا قالت لي، ولديها طفلان، ومتزوجة بالطبع. اسمها أديلي، أبوها سويسري ألماني، وصوتت لصالح أليساندري، لكنها الآن مع الليندي. تعمل سكرتيرة في مصنع، طويلة، بيضاء، نحيفة، أقول طويلة، مهرة، بعينين زرقاوين، وفيضان من اللطف. الجميع كان ينظر إليها، وهي كانت تغازلني، وأنا أغازلها. «هل أنتِ شاعرة حالمة».
    كانت تقضي إجازتها في أريكا. لوحدها. وحيدة. وفي هواء البحر، فطرنا وتغدينا لثلاثة أو أربعة أيام، كانت أيامًا جميلة. وفي خط الاستواء أقاموا حفلة ليلًا ولم أحضرها، لأني لا أملك بذلة ولا كرافات، كما أن الحفلة كانت في الدرجة الأولى، حيث 10 أفراد فقط وبنات القبطان (الحزانى). في ليما فقدت تذكرة السفر في بيت فتاة فنزويلية صديقة لزميل في الغرفة…
    من بعيد رأينا «بينيا»، رأينا «كينتيرا»، حيث مصنع النحاس، ورويدا رويدا تتضخم المدينة (كنا قد رأينا الساحل قبل ساعتين) وما زلنا نرى الساحل، وكان الجسر يكتظ بالتشيليين، وكلهم بين السعادة والمفاجأة والخوف. وصلنا في الثانية عشرة نهارًا، لا، في الرابعة عصرًا (لأننا أكلنا في الواحدة) «بينيا» و «بالباراييسو» وضواحيها، والجبال. سيدة تقول لسيد: انظر، هذا جبل المتع. وأنا أسألها فتشير لي: أشعر بسعادة. لا يُسمح للمركب بالرسو ونبقى معلقين. «بالباراييسو» في الليل مدينة خلابة: الجبال تضيء. وفي اليوم التالي نهبط للميناء دون مشكلة: لا أحد يساعدني بطوق. أرتدي ملابس زرقاء، بحذاء بدون جوربين. أخرج مشيًا وفي الجمرك كل شيء يسير على ما يرام. ينظرون في حقائبي وينتهي الأمر. وأسير حتى القطار، وأتعرف على كل الشوارع: نصب «برات»، وشعارات «مير». أركب القطار لثلاث ساعات وأهبط في الليسيه، بعد أن أتأمل «ريكريو» و«كاليتا أباركا». أقول إنني رأيت نفسي طفلًا وشقيًا وجميلًا بشكل عميق. أعبر بـ «كيلبوي»، بالمزرعة الألمانية، لم ينتظرني أحد لكنني أكثر سعادة. عمال الميناء رأوني كأخ دون مبالغة. وفي القطار، وبجانبي رفيق كرسي يساري وبيروقراطي (يعمل بالجمرك) وأناس كثيرون واقفون، توقف شاب بقميص أبيض، نصف متسخ، وبلوفر بلا أكمام وبيده كتاب ضخم، برفقة فتاة، تشيلية جميلة، كلاهما شاب، كلاهما فقير، كلاهما متعلم، صادقتهما. جلست الفتاة بجانبي. كانا يبدو عليهما الجوع. قدمت لهما مما معي فأخذاه بابتسامة. قبلها كنت قد اشتريت سندوتشًا من المزرعة الألمانية، وهما اشتريا سندوتشا واقتسماه. نصف لكل منهما. كان الولد يدخن، وليأكل أطفأ السيجارة وعاد بعدها مسرورًا وهو يشعل الجزء المتبقي منها. حينها كانت نفدت سجائري الدنهيل التي أهدوها لي في المركب، وفي الطريق لم يشعل الولد سيجارة رغم أنه قدم لي سجائره الهيلتون دون أي شعور بالمعاناة بل بكرم شديد. شعرت حينها بأنني مثل كاردينال أصبح كاهنًا. نظرت إليهما. هذا هو الحب، الحب الصافي، وضحكت حرفيًا، فعلا، بقهقهات من الحب، واحتفيت به. وقبل أن نصعد لمطلع توقف القطار، أخرجنا رؤوسنا لنرى ماذا حدث. عربة السائق كانت قد فلتت من القطار وسارت وحدها. لو حدث ذلك بعد صعودنا المطلع، ما كنت كتبت إليكِ هذه الرسالة. في النهاية، كل شيء كان أوديسة، أو إلياذة.. ووصلت إلى سانتياجو.
    قابلت خايمي الذي قابلني بذهول، كأنني كنت مختفيًا وظهرت، ورأيت صِبية يتعاركون. خرجنا من المركز في الحال: كل شيء كان يبدو محتقنًا. كان ثمة تجمّعان: أحدهما لنساء يؤيدن الليندي والآخر لنساء يعارضنه بضراوة، وفي الشارع كانت هناك مشاجرات، غازات قوية مسيلة للدموع. وحشد ثالث لأناس من القرى. ورابع للطبقة الوسطى والبرجوازية، حشد أكبر من حشود الليندي، لأن أنصار الليندي كانوا في مظاهرة ضخمة أمس. دخلنا في المنتصف. الجميع كان مرتبكًا. شيء شبه طبيعي. وفجأة مجموعة من الناس تجري في اتجاه، وفرد يجري في اتجاه معاكس، وآخر يجري في اتجاه آخر، وثالث يبتعد ويجري آخرون في أي اتجاه ويبحث أحدهم عن مخرج. قضيت اليوم الأول متوترًا. المدينة تطاردني. خوذات في كل ناصية. مجموعات تأتي لتهاجم نصيرات الليندي، وتظهر خوذات أخرى حمراء لشباب الشيوعية أو الاشتراكية أو الميرية أو المابو الموجودين هناك للدفاع عن السيدات، ومسلحون آخرون يقفون ليمنعوا أي تصادمات. بعدها توجهنا لمركز الفن. الفنانون يصيبونني بالاكتئاب. شاهدنا معرضًا للرسم. كان هنا الشاعر لامبيرج، الفائز بجائزة البيت الأميركي الأخيرة. قدمه لي خايمي. كان طبيبا بيطريا بلا طعم، فظيعا. قابلت مجموعة شباب دعوني لمجموعة «الشباب الشيوعي». أحيانًا يجتاحني كره مجنون لكل شيء، أرى كل شيء أنانيا، وأنا بالأساس. أشعر بضيق، بيأس. (يبدو ذلك عملا دراميًا). لدي القليل من الدفاعات: الأدب مخلصي الوحيد. ليس المهنة الميديوكر التي تمارس فيها الحفلات والتوقيعات والجامعات وقراءات الكُتّاب المتقدمين أو في طريق التقدم ولا «ماريجوانا الكُتّاب المنحلين، الإقطاعيين. أتوه نعم، لكن عندي إرادة، أتمنى أن تكون عندي إرادة صلبة، ويجب أن أحارب. في الشارع أرى صفًا يدفن شابًا رفيقًا (15 سنة) كلهم يرتدون القميص الأحمر، والبنات جميلات جدًا، بعضهن يبكي بحرقة. مشيت قليلًا وقابلت مونيكا، الآن هي أسمن من قبل، كانت نحيفة جدًا. فرحت بمقابلتها وهي أيضًا. كانت تدافع عن الحكومة، شديدة الحماس. دعتنى لتناول الغداء معها يوم الأحد، رحت وتغديت. كانت هناك سيلفيا، متزوجة، وتحافظ على نفسها كما كانت من خمس سنوات، عرفتني على زوجها وكان ظريفًا جدًا. مونيكا تعيش بمفردها في «بيلباو» وتعمل مدرسة. أكلنا فقط طبق فاصوليا…

     

    أحبك جدًا. وأحب بابا، سلامي له ومرري إليه الرسالة. وسلامي لمارتا ومرري لها الرسالة، ولتاتي كذلك. في أقل من عام سنلتقي. الواحد منا لا يشعر أبدًا أنه وحيد، وتشيلي جميلة. وسلامي لمارتا، وللجميع في المكسيك، اعتنوا بأنفسكم وزوروا الطبيب، وادخروا. لقد أقلعت عن التدخين وصحتي في تحسن، انتصرت أخيرًا على السل.
  • تعليمات للبكاء – خوليو كورتاثر

    تعليمات للبكاء – خوليو كورتاثر

    بعيدًا عن الأسباب، علينا أن نركز في الطريقة الصحيحة للبكاء، وأن ندرك أن البكاء لا يصح أن يتسبب في فضيحة، ولا أن يهين الابتسامة بتشابهه الموازي والأحمق معها. يكمن البكاء المتوسط أو الاعتيادي في انقباض عام في الوجه، وتشنج مصحوب بدموع وأمخطة. الدموع والأمخطة هي نهاية البكاء، إذ ينتهي في اللحظة التي يسيل فيها المخاط بعنف. كي تبكي، عليك أن توجه خيالك صوب نفسك. وإن استحال ذلك لأنك من أنصار الإيمان بالعالم الخارجي، تخيل صورة بطة تأكلها مجموعة هائلة من النمل، أو تخيل خلجان مضيق مجالانس حيث لا يدخلها أحد، قط. حين تبلغ البكاء، غط وجهك برصانة براحتيّ يديك. عندما يبكي الأطفال يغطون وجوههم بكم قميصهم، ويفضّلون الجلوس في ركن ما من غرفة مظلمة. مدة البكاء، ثلاث دقائق.

    ترجمة: أحمد عبد اللطيف

  • أدريانا بانيارِس – قصيدة توازن دوراني

    أدريانا بانيارِس – قصيدة توازن دوراني

    اسمح لي أن أحكي ما في البوستال.

    خريف ومطر. ثمة امرأة بلا توازن
    في مركز الصورة. مثل السمكات
    تفقد توازنها حين يقترب الموت.
    خلف المرأة وأعلاها، في مستوى ثانٍ
    على يمين الصورة، ثمة سيقان أربع.
    سيقان أربع بيضاء جدًا، سيقان أربع غليظة
    تقطعها يدان متعانقتان في الوسط.

    تلك الإيماءة تحرر البوستال من أي لمحة درامية.
    ما من أحد ينبغي أن يلتفت إلى زوجين مقصوصين. ولا حتى المصور
    انتبه لهما حين التقط الصورة، لكن الوقت تأخر. فها نحن نشاهدها.

    تلك الإيماءة تحتوي السيقان الأربع من أعلى وتمنح
    توازنًا لتجوال الزوجين، لكنها تربك كل ما يحيط بها.
    المرأة اللا متزنة لا تغدو بطلة الصورة.
    المطر لا يعود مرئيًا. المرأة اللا متزنة
    تعوج فمها وترنو بجانب عينيها. تلاحظ مطرًا
    قد توقف عن النزول.

    الزوجان، مع ذلك، لا يبديان النية للحركة.
    المرأة اللا متزنة تتعثر وتشرع في الدوران
    حول مركزها. انظر بدقة. خذ البوستال بين يديك.
    ستلحظ أنك لا تراها كاملًة، ستلحظ أنها مطوية.
    نتأمل البوستال على اتساعه، بأعلاه زوجان،
    وسماء، وموسيقى حادة وبطيئة يرن صداها برتابة
    فيما تمطر ثلجًا.

    الزوجان يغدوان مكسوَّين بالبياض
    والمرأة اللا متزنة تواصل الدوران في
    دائرة تبدو أبدية.
    نهاية الشارع سد من غمامة بيضاء جدًا
    حتى تغدو الصورة محروقة. هذه العبارة تضحكنا، طبعًا،
    إذ بينما نتأمل البوستال، يكسو الثلج كل شيء بالبرد.
    تحت ساقيّ المرأة اللا متزنة، ثمة دائرة كاملة
    نجت من الثلج.

    هذا ما جئت لأمنحه لك:
    مأوى يقيك البرد في مقابل نقطة مستقرة.

    ترجمة: أحمد عبد اللطيف

  • شعرية – أدريانا بانيارس

    شعرية – أدريانا بانيارس

    1
    للحظة أتوهم مضاجعة رجل. رجل لا يحبني حقيقًة. رجل لا يحبني قليلًا.
    رجل لا يحبني نهائيًا.
    أدخل الشات وكلهم هو.
    بنفس اسمه، بعمره ذاته وفكاهته ذاتها.
    هذه المصادفة تجعلني أفكر أن هؤلاء لا يعنون أنهم هو
    بل أنا، فأنا الآن بلا شيء وبلا اسم،
    أنا قد أكون أي أحد.
    أنا قد أكون أي أحد وهو، رغم أنه كلهم، كلهم ليسوا إلا هو،
    هو يتقرب مني، دون أن يعرف أني أنا،
    يقول لي لماذا لا تأتين لبيتي
    ونسمع بعض الألبومات.
    2
    وحيدًة أعود اليوم لبيتي. لا أحد رغب في الرقص معي ولا حتى قتل نفسه لأجلي.
    نحصد ما نزرعه وأنا
    لم أعرف أبدًا الإغواء بالنظر.
    اليوم أكتب كمن يعزف على بيانو، لكني نسيت النوتة الموسيقية.
    ألمح بردًا خفيفًا بين شفتيّ. بردًا سائلًا كأن ذاتي
    داخله جدًا
    مجمّدة. وهذا الدم
    دمي لأني من أثرته
    بلسان ميت عضته الغيرة.
    لكن هذه الضربة وهذا الموت ليس ذنبي وحدي.
    على حافة عينيّ المغمضتين، فوق أرض مفتوحة
    لا علاقة لها بي
    أختبيء.
    هذه الأرض الكامنة تحت جسدك ليست لمن يرغبها. أقولها ببطء وفي صمت
    كصلاة دنيوية. كمن يستدعي الرب لحظة النشوة. هذه النائمة بجوارك
    ليست المرأة التي ترغبها.


    وحيدة عدت اليوم لبيتي لأن أحدًا لا يرغب مراقصة جثة.


    على الباركيه، ومختبأة تحت ضوء، دون فكاهة، تتحرك هي. الحركة
    تقدم لها نبيذًا على البار، على عينيك وعينيّ خصمك. وأنا ثملة أتحدى هذا الجسد
    أمام فانتازيا لن تتحقق.
    وأنا، من قد أمنحك كل شيء دون القدرة على قول ذلك لك
    كنت قادرة على العشق هكذا دون أذى،
    أصب نفسي فوق مرتبة برائحة الأرض وأخفي
    هذا المشهد الفارغ الذي هو وجهي
    الذي هو عناقنا ونحن نفكر في بعضنا كغريبين
    الذي هو رغبتي في أن أكون هذه الأخرى التي ترغب في التعرف إليها
    تلك هي البصمة الوحيدة التي يمكن للحب أن يهادينا بها.

    ترجمة: أحمد عبد اللطيف.

  • يمكنني أن أشرح لك كل شيء – محمد مقصيدي

    يمكنني أن أشرح لك كل شيء – محمد مقصيدي

    1-
    يمكنني أن أشرح لك كل شيء
    في هذه الحياة
    إلا الموت والحب،
    الموت والحب وحدهما
    ما يمكنهما أن يشرحا لك
    من أنا.

    2-
    يا أبانا الذي علمنا الشعر:
    لطالما سألت نفسي،
    ذلك الذي كتب أول قصيدة شعر
    هل كان جالسا أم واقفا؟
    هل كان يضحك أم يبكي؟
    هل كان على وشك الحب أم كان
    على فراق؟
    هل كان طفلا أم شيخا سيغادر الحياة بعد
    قليل؟
    هل كان ثملا أم بعد صحو؟
    يا أبانا الذي علمنا الشعر
    حدثنا
    فنحن الشعراء
    ما زلنا نبحث على الطريق…

    3-
    في كل التاريخ البشري،
    هل كان سيبقى الإنسان هو
    الإنسان
    لو كان منزوع الخيال والحب؟

    4-
    تطاردني الكلمات مثل وحوش ضارية.

    وها هي كالنمل تتسرب كل يوم،
    من الأذن،
    من المسام،
    من العين،

    وبدل أن تخرج من فمي تدخل إليه.

    سوف أموت مختنقا بكلمة ما.

    تطاردني الكلمات مثل وحوش ضارية،

    وبالكاد،
    بعد مشقة،
    أنجح في أن تخرج من يدي
    بين الفينة والأخرى
    بعض كلمات
    لعلها تدعني وشأني
    وتلتصق بالقارئ.

    5-
    كم من ألف سنة ربما تكفي
    لأقرأ
    كل ما كتبه المؤلفون منذ
    أن اكتشف أول مجنون
    أسرار الشعر؟
    كم من مليون كتاب إلى الآن
    منذ ما قبل الكتابة المسمارية
    وما قبل الرسوم
    على الجدران والعظام وألواح الطين،
    كم من مخطوطات الأنبياء والفلاسفة والأدباء
    وعلماء الطبيعة والمؤرخين والكَتَبَة،
    كم من دفاتر من كل أرجاء الأرض
    علي أن آخذها معي
    إلى القبر
    حتى أعرف كيف أكتب
    على الورقة،
    بشكل لائق كلمة واحدة:
    أحبك.

  • كلمات جوفاء – كاميلا ماريا تشيديرنا – ترجمة: محمد مقصيدي

    كلمات جوفاء – كاميلا ماريا تشيديرنا – ترجمة: محمد مقصيدي

    يا عزيزي الله ، رأيت فيما رأيت
    طبقات الجثث
    طبقات تلو الطبقات من
    الجثث والصلوات.
    الأجساد المسحولة، الأجساد المقطوعة الأطراف
    الأجساد الغارقة في الرمل
    وفي الماء .
    رأيت فيما رأيت تلك الكلمات الفارغة
    كانت فارغة تمامًا وضائعة
    العالم في غرفة التعذيب
    الطرق الموحشة والأكثر حزنا
    رأيت فيما رأيت أحدهم يتسول : أنا جائع
    ورأيت يديه اللتين تنتظران
    في يأس
    تحت شمس متوهجة تتناثر في الأنحاء
    وكذلك الظلال التي تمشي رأيتها
    العيون التي وراء حجاب
    والأفواه الموصدة
    الحرية والحب المرجوم حتى الموت
    ورأيت فيما رأيت
    امرأة بلا رأس
    تضحك من طاغية
    ودموعا يابسة في الغسق
    ورأيت أرضا من الدم واجمة مكروبة
    لكنني ما رأيتك أيها الله
    ما رأيت قط ملائكة ، لكنني رأيت
    القتلة والشيطان
    المقتولين والجلادين
    سادة الحرب
    وخطباء الفتك
    وأنبياء الضغينة رأيتهم
    وما رأيتك أيها الله
    كل ما رأيت هو عصابات من قطاع الطرق
    رأيت فقط الرعب
    الرعب
    الرعب
    آمين.


    *نص: كاميلا ماريا تشيديرنا

    *ترجمة: محمد مقصيدي

  • مسمارٌ في نعش العالم – إبراهيم مبارك

    مسمارٌ في نعش العالم – إبراهيم مبارك

    لم يكن أبي نجاراً
    رغم رائحته الخشبية
    كَعَوسَجٍ فرَّ من غابةٍ
    سمَّاها الوطَنُ الَّذي نَخَرَتْهُ الصَّواعِقْ
    ولم يكن جدي حطاباً
    لو لم يكن بتسع أصابع
    وفكرة واحدةٍ
    وفأسٍ – مركونٍ إلى شجرة العائلةِ –
    وجده بالصدفة
    ولم يكن بقية أعمامي كذلك..
    لو لم يجيئوا ويرحلوا
    بذات الصدفةِ
    التي وجد بها جدي ذلك الفأس..
    عرفتهم كلهم
    مزارعين بلا حقول
    وبنائين بلا منازل
    وباعة بلا محلات
    وبحارة بلا سفن أو قوارب
    إذاً فلماذا ولدت وبيدي مطرقة
    ومسمار أخير في نعش العالم.

  • أوّل الجسد آخر البحر – أدونيس

    أوّل الجسد آخر البحر – أدونيس

    – 1 –

    خَرَجَ الوردُ منْ حوضِه

    لملاقاتها،

    كانتِ الشمسُ عُريانةً

    في الخريفِ، سِوَى خَيْطِ غيمٍ على خَصْرِها.

    هكذا يُولَدُ الحبُّ

    في القريةِ التي جئتُ مِنْها.

    – 2 –

    نهضتُ أسْألُ عَنْكِ الفجْرَ: هَلْ نَهضَتْ؟

    رأيتُ وجهَكِ حولَ البيتِ مرتَسِماً

    في كلِّ غصْنٍ. رميْتُ الفجرَ عن كَتِفي:

    جاءَتْ

    أمِ الحلمُ أغواني؟ سألتُ ندىً

    على الغصونِ، سألتُ الشمسَ هَلْ قَرأَتْ

    خُطاكِ؟ أينَ لمسْتِ البابَ؟

    كيفَ مَشى

    الى جوارِكِ ورْدُ البيتِ والشجرُ؟

    أكادُ أشطرُ أيّامي وأنْشَطِرُ:

    دَمي هناكَ وجسمي هَا هُنا – ورقٌ

    يجرُّهُ في هَشيمِ العالَمِ الشَّررُ.

    – 3 –

    صامتٌ ليلُنا.

    مِنْ هُنا زهرٌ ينحني

    مِـنْ هنـالك ما يُشبـه التَّلَعثُمَ.

    لا رَجَّةٌ. لا افْتِتانْ.

    ليلُنا يتنهّد في رئتَيْنا

    والنوافذ تُطبِق أهدابَها.

    – تقرأين؟

    – ضع الشايَ. ضوءٌ

    يتسرّبُ مِنْ جسدينا الى جسدينا

    ويغيّر وجْهَ المكانْ.

    – 4 –

    هكذا – في عناق الطّبيعةِ والطَّبْعِ، نعصفُ أو نَهْدأُ

    لا قرارٌ، ولا خِطَّةٌ، – عَفْوَ أعضائِنا،

    ننتهي، نَبْدأُ.

    جسدانا

    كوكبٌ واحِدٌ.

    نتبادَلُ أحزانَنا

    نتبادل أحشاءَنا،

    جسدانا دَمٌ واحِدٌ.

    نحن صِنْوانِ في الجرحِ، مفتاحُ أيّامِنا

    ومفتاحُ أفراحِنا وأَحزانِنا،

    جَسدانا.

    – 5 –

    فَكَّتِ الأرضُ أَزْرارَها، وسارَتْ

    حُرَّةً في خُطانَا،

    عندما سألَتْنا وقلنا:

    نعرف الحبَّ يا أرضَنا. جَبَلْنا

    طينَنا مِن هَباءِ مسافاتِهِ، وجَبَلْنَا

    فتنةَ القمر المتشرّد في طَمْثهِ بأوجاعِنا،

    ورسَمْنا

    كُلَّ ما لا يُرى مِن تقاطيعهِ،

    بتقاطيعِنا.

    هي ذي أرضُنا، –

    نتوقّعُ أن يعشقَ الحبُّ أسماءَه

    كيفما دُوِّنَتْ

    في دفاتر أيّامِها.

    – 6 –

    نَهَرٌ – مِنْجَمٌ

    نهرٌ غامرٌ

    يتلبّس أعضاءنا

    ويسافر فيها –

    يدخلُ البحرُ فيه

    تخرجُ الأرضُ منه،

    والبقيةُ لا تُفهَمُ.

    لا أحدّدُ لا أرسمُ

    الدخول الى ليل حبي مضيءٌ

    والخروج هو المعتمُ.

    – 7 –

    علَّمتني مراراتُ أيّاميَ الرائيهْ:

    ليس للحبّ إلاَّ طريقٌ عموديةٌ

    لا تُسمَّى،

    وإن قيل عنها

    لغةٌ في الهبوط الى آخر الليل،

    في ناره العاليهْ.

    – 8 –

    كيف لي أن أسمّيَ ما بيننا ماضياً؟

    “ليس ما بيننا قصةً،

    ليس تُفَّاحَ إنسٍ وجِنِّ

    أو دليلاً إلى موسمٍ،

    أو مكانْ

    ليس شيئاً يؤرَّخُ”: هذا

    ما تقول تصاريفُ أحشائنا.

    كيف لي أن أقول، إذاً، حبُّنا

    أخذته إليها تجاعيدُ هذا الزمان؟

    – 9 –

    تركتِ في جسدي ورداً، تركتِ ندىً

    تركـتِ غـابـةَ ألوانٍ، تُـراهُ غدي

    يُضيئها؟ أم ترى أمسي يُضيِّعها؟

    أفي عروقيَ ورْدٌ آخرٌ؟ شهقتْ

    إلى ترابكِ أعضائي – نمازجه

    نفيضُ فيه، ونستقصي، ونبتكرُ

    دمٌ هَوىً لهبٌ ماءٌ مدىً – أبدٌ

    لا بالحياة ولا بالموت يُختَصَرُ.

    – 10 –

    ربّما،

    ليس في الأرض حبٌّ

    غيرُ هذا الذي نتخيّلُ أنّا

    سنحظى بهِ، ذات يومٍ.

    لا تَقِفْ

    تابع الرَّقصَ يا أَيُّها الحبُّ، يا أيُّها الشِّعر،

    حَتَّى وَلو كان مَوْتاً.

    – 11 –

    لا أحبُّ الرسائلَ، كلاَّ

    لا أريدُ لحبّيَ هذا الأرقْ

    لا أريدُ له أن يُجَرْجَرَ في كلماتٍ.

    لا أحبُّ الرسائل، كلاَّ

    لا أريد لأعضائنا

    أن تسافرَ في مركبٍ من ورقْ.

    -12 –

    آهِ، كلاَّ

    لا أُريد لعينيّ أن تَسْبحَا في فضاءٍ

    غير عينيْهِ. كلاَّ

    لا أُريد لحبّي وأشيائه وضوحاً

    لا أُريد انتماءً ولا نَسَباً أو هويّهْ.

    لا أُريد سوى أن نكونَ لغاتٍ

    للجموح، وأعضاؤنا أبجديّهْ.

    – 13 –

    لا تَقُلْ، لا تُسمِّ:

    الخليقةُ يا حبُّ، أشياؤها وأعمالُها

    صُوَرٌ في كتاب من الظَّنِّ. خُذْني

    أعطني أنْ أسافر في الوهم،

    في ما تخيّلتُ أو أتخيّلُ –

    أن أتمادَى

    وأُشَهّيَ شَكّي بِنَفْسي

    وبتمزيق ما تَنْسُجُ الكلماتُ وما أتَقرّاهُ فيها،

    وما أَشْتَهيهِ

    وأَنْذرُ جِسْمي لِمعراجِهِ.

    أعْطِني أن تكون حياتي طريقاً إلى لا قرارٍ.

    – 14 –

    جالسٌ قربها

    والستار الذي نسجتْه تباريحُنا مُسْدَلٌ.

    قَامةُ الأفق مكسـورةُ الخصرِ،

    والشمسُ تمضي الى نومِها.

    مِشْطها، قلمُ الحبر، كرسيُّها، الفراشُ

    على الأرض، أكداسُ أوراقِها –

    كتباً ودفاترَ، بستانُ وردٍ

    تتناثر أكمامهُ.

    أتذكّر حتَّى كأني أرى الآنَ: ها بيتُها

    يَتنهَّدُ، هَا شُرفاتُ النوافذ تُسلم أحضانَها

    للمُريدِ المولَّه،

    والشمس في أوّل اللَّيل،

    تخلع آخر قمصانها.

    – 15 –

    لا الزمانُ سريرٌ ولا الأرضُ نومٌ،

    شجرُ الحبِّ عارٍ

    والمكان الذي شاءه الحبُّ دونَ غطاءٍ.

    أتُرَى، أيقظَ اللَّيلُ أحلامَهُ

    وهي الآنَ تركضُ في شارعِ الشمسِ؟ ظَنِّي

    أنّ هذي الشموسَ التي تَتَثاءبُ

    فِي فلكِ الحبِّ

    ليسَتْ على الأرض إلاَّ جراحاً.

    سأُغنّي لهذا المكان المُضاءْ

    بحُطامِ المحبّين قبلي،

    ليسَ هذا الوجودُ سوى فُسْحةٍ للغِناءْ.

    – 16 –

    يدها في يدي

    وكلانا غريبٌ

    وكلانا غداً ميّتٌ

    في فراشٍ بعيدٍ.

    سَرْبلينا بأوهامنا

    وبأشباحنا،

    يا أساطيرَ أيّامنا،

    واضطربْ واقتربْ

    أيُّهذَا البعيدُ الجميلُ الأَحَدْ،

    أيُّهذا الجسدْ.

    – 17 –

    غالباً أتفقَّدُ بَيْتِيَ في اللَّيلِ أُشعِلُ ضوءَ المصابيحِ،

    لكنّها لا تُضيءُ/ النوافذُ؟ أبدأ فتح

    النوافذِ لكنَّها لا تُضيءُ/ لعلِّيَ في البابِ

    ألقى ضياءً، أقولُ لِنفسي،

    وأُسرعُ للبابِ أَرْجوهُ،

    لكنَّهُ لا يُضيءُ/ الظَّلامُ هنا مثلُ جُرحٍ

    يظلُّ، على بُرئه، نازفاً،

    يقولُ ليَ الحبُّ –

    يا حُبُّ مِنْ أيـنَ يـأتي الضِّياءْ،

    والسَّماءُ تخونُ السَّماءْ؟

    – 18 –

    ها هو السَّهرُ المُرُّ يأتي ويُشعِلُ قِنْديلَهُ.

    هل أُعيدُ رسائلَ حُبّي إلى حِبرها؟

    هل أُمَزِّقُ تلكَ الصُّوَرْ؟

    أقرأ الآنَ جِسْمي،

    وأملأُ بالحُزْنِ قِنْديلَ هذا السَّهَرْ.

    – 19 –

    أفتحُ الباب، يأتي هواءٌ يزورُ الرسومَ التي تتدلّى

    ويُداعِبُ أَطْرافَها.

    بَغْتةً، يتثاءَبُ، يمضي حانياً ظهرَهُ.

    لَمْ يكُنْ حُبُّنا هنالِكَ، أطيافُهُ

    حملَتْ كلَّ ما رَسَمَتْهُ

    في السَّريرِ، وَفَوْقَ الوسائدِ، في قبضةِ البابِ،

    في قُفْلِهِ وغابتْ.

    أَتَخيّلُ؟ لكنْ

    كلُّ هذا تؤكِّده غيمةٌ –

    غيمةٌ تعبُرُ الآنَ، غابتْ.

    لا هواءٌ يزور، ولا مَنْ يقولُ لِتلكَ الرسومْ

    كيفَ تُروَى أساطيرُنَا

    كيفَ يُكْتَبُ تاريخُ هذي الغيومْ.

    – 20 –

    ما الذي سوفَ يبقى

    ويُشعِلُ للعاشقين قناديلَ أيّامِنا؟

    ما الكلامُ الذي سوفَ يَبْقى

    من مَعَاجِمِ أحشائِنا وأعضائِنا

    مِنْ أساطيرِنا البعيدهْ؟

    ما الذي سوفَ يَبْقى

    غَيرُ ما قاله قاتِلونا:

    كَتَبْنا بحبرِ مَرَارَاتِنا هَوانا

    وعِشْنَا بلا حِكْمةٍ

    وَسَكنّا قَصِيدَهْ.

    – 21 –

    سأزورُ المكان الذي كان صيفاً لنا

    بعدَ تَرْحالِنا

    بَيْنَ شطآن يوليسَ، في ليلِ دِلفي،

    وفي شمسِ هِيدْرا.

    وسأمشي مثلما كُنْتُ أمشي

    هائماً بينَ أشجارِهِ.

    سأذكّرُ أزْهارَهُ ورياحينَهُ

    بأريجِ لقاءَاتِنَا.

    وأكيدٌ سَتَسأَلُني عَنْكِ: ما صِرْتِ؟

    أينَ تكونينَ؟ ما وجهكِ الآنَ؟ لكنْ

    ما تُراني أقولْ؟

    والفصولُ مَحَتْها الفُصولْ؟

    اللوحة>


    *نصوص: أدونيس

  • ألبرتو مورافيا – الرضيع

    Geoffrey Johnson

     

    حين أتت السيدة المحسنة التي تنتمي لجمعية رعاية الأطفال لزيارتنا سألتنا، كما يفعل الجميع، لماذا ننجب كل هذا العدد من الأطفال، فانبرت زوجتي التي كانت تشعر بانقباض في ذلك اليوم لتعلن صراحة ودونما مواربة: “لو كانت لدينا الإمكانيات لذهبنا إلى السينما في المساء. وبما أننا لا نملك النقود فإننا نأوي إلى الفراش، وهكذا يولد الأطفال”. بدا الانزعاج على السيدة عندما سمعت هذه الملاحظة ومضت دون أن تضيف كلمة واحدة. أما أنا فقد عنّفت زوجتي قائلاً بأنه لا يصح الإعلان عن الحقيقة دائماً، وعلى المرء كذلك أن يعرف مع من يتعامل قبل أن يعلن الحقيقة.‏ في سن الشباب قبل أن أتزوج كنت أتسلى في كثير من الأحيان بقراءة الأخبار المحلية في الجريدة حيث يصفون كل المصائب التي يمكن أن تحدث للناس مثل حوادث السرقة، والقتل، والانتحار، وحوادث الطرق. من بين كل تلك المصائب واحدة لم أكن أتصور على الإطلاق أن أواجهها وهي أن أصبح “حالة تثير الشفقة”، أي حين يثير شخص ما مشاعر العطف بسبب حظه العاثر دون أن يعزى ذلك لمصيبة محددة أصابته، أي أن حالته تعود لمجرد كونه على قيد الحياة، ليس إلا.

    كنت شاباً حينذاك كما ذكرت، ولم أكن أعرف معنى إعالة أسرة كبيرة. غير أنني أرى الآن أنني تحولت تدريجياً إلى ما يعني بالضبط تعبير “حالة تثير الشفقة” وهذا ما يثير دهشتي. كنت أقرأ مثلاً: “إنهم يعيشون في حالة فقر مدقع”. حسناً، ها نحن نعيش في حالة فقر مدقع. أو يقولون: “وهم يعيشون في بيت ليس له من مقومات البيت غير الاسم”. وها أنا الآن أعيش في “تورمارانشيو”، مع زوجتي وأطفالي الستة في غرفة خالية إلا من مراتب كثيرة مفروشة على الأرض. وحين تمطر السماء يتدفق الماء فوق رؤوسنا كما يتدفق على المقاعد الموجودة في شارع “ربيتا”. أو قد أقرأ: “وما أن اكتشفت المرأة المسكينة أنها حامل حتى قررت أن تتخلص من ثمرة عاطفتها تلك”. حسناً، لقد اتخذت وزوجتي هذا القرار بناءً على اتفاق مشترك حين اكتشفنا أنها حامل للمرة السابعة. قررنا في الواقع أن نترك الطفل في إحدى الكنائس بعد أن يعتدل الطقس ويصبح أكثر دفئاً، أي أن نتركه لرعاية وإحسان أول من يصادفه العثور عليه.‏
    بالمساعي الحميدة لمثل أولئك السيدات المحسنات دخلت زوجتي المستشفى لتضع مولودها. وما أن تحسنت حالتها حتى عادت مع المولود إلى “تورمارانشيو”. قالت حين دخلت الغرفة: “أتدري؟ على الرغم من أن المستشفى يظل مستشفى إلا أنني كنت أود أن أبقى هناك بمحض إرادتي بدلاً من العودة إلى هنا”. وما أن تفوهت بهذه الكلمات حتى أطلق الوليد صرخة لا تصدق، وكأنما فهم معنى كلماتها. كان طفلاً لذيذاً يانعاً له صوت قوي بحيث أخذ يمنع النوم عنّا جميعاً حين يستيقظ ليلاً ويبدأ في البكاء.‏
    عندما حلّ شهر أيار وغدا الهواء دافئاً بحيث يسمح بالخروج دون ارتداء معطف انطلقنا أنا وزوجتي من “تورمارانشيو” إلى روما. كانت زوجتي تحتضن الطفل وتضمه إلى صدرها وقد لفته بكمية كبيرة من الخرق وكأنما ستتركه في حقل من الجليد دون أن يصيبه أذى. ما أن بلغنا المدينة، وكأنها تريد أن تخفي حقيقة أنها تمقت ما هي مقدمة عليه، فقد أخذت تتحدث دونما انقطاع وهي مبهورة الأنفاس وعلائم الإجهاد تبدو عليها وقد تناثر شعرها في كل اتجاه وبرزت عيناها من مآقيهما. تتحدث حيناً عن الكنائس المختلفة التي يمكن لنا أن نترك الطفل فيها، مؤكدة بأن من الواجب أن تكون كنيسة يرتادها الأغنياء. فمن الأفضل أن يتربى الطفل بيننا إن كان من سيلتقطونه فقراء مثلنا. وما تلبث بعد قليل أن تتحول لتقول بأنها تصرّ على أن تكون الكنيسة منذورة للسيدة العذراء لأنه كان لها ابن أيضاً وبذا يمكنها أن تتفهم أموراً معينة، وبذا ستمنحه ما يستحق من عطف. هذه الطريقة في الكلام أرهقتني وهيجت أعصابي- خصوصاً وأنني كنت أشعر بالإذلال أيضاً وأمقت ما أنا مقدم عليه. غير أنني كنت أحاول إقناع نفسي بأن علي أن أتمالك مشاعري وأبدو هادئاً لكي أساعدها على التماسك. تفوهت ببعض الاعتراضات مستهدفاً قطع هدير كلامها ثم قلت لها: “عندي فكرة… لم لا نتركه في كنيسة القديس بطرس؟” ترددت للحظة ثم أجابت: “لا، فهي كبيرة جداً وقد لا يرونه هناك… أفضّل تلك الكنيسة الصغيرة في شارع “كوندوقي” حيث توجد كل تلك المحلات الجميلة التي يرتادها الكثيرون من الأغنياء- إنها المكان المناسب!”‏
    ركبنا الحافلة حيث جلست صامتة بين الآخرين، وكانت تعيد ترتيب الحرام الصوفي وتحكمه حول الطفل بين حين وآخر، أو تكشف عن وجهه بحرص وتتأمل وجهه. كان الطفل نائماً ووجهه محمرّ ومتورد في وسط كل تلك اللفائف. ثيابه رثة شأن ثيابنا، والشيء الجميل الوحيد الذي يرتديه هما القفازان المصنوعان من الصوف الأزرق، وكان في الحقيقة يفرد يديه على اتساعهما وكأنما يتباهى بقفازيه. نزلنا في “لارجو جولدوني” وعادت زوجتي تثرثر من جديد، ثم توقفت أمام واجهة أحد بائعي المجوهرات وقالت لي وهي تشير إلى المجوهرات المعروضة على رفوف مغطاة بالمخمل الأحمر: “هل ترى ما أجملها! الناس يأتون إلى هذا الشارع ليشتروا المجوهرات والأشياء الجميلة الأخرى. أما الفقراء فليس لهم شأن بهذا المكان. وفيما هم ينتقلون من محل إلى آخر يدخلون الكنيسة ليصلّوا للحظة من الزمن، وبعد ذلك، وبينما هم في مزاج رائق يجدون الطفل ويأخذونه…” قالت كل ذلك وهي تقف وتحدق بالمجوهرات وتشد الطفل إلى صدرها وعيناها مفتوحتان على اتساعهما، وهي تتكلم وكأنما تحادث نفسها. أما أنا فلم أكن أجرؤ على مجادلتها. توجهنا إلى الكنيسة، كانت صغيرة وقد دهنت بكاملها بحيث بدت وكأنها من المرمر الأصفر؟ وبها عدد من المحاريب ومنبر كبير. قالت زوجتي بأنها تتذكرها على نحو آخر، وأما وهي كما تراها الآن فإنها لا تحبها على الإطلاق. ومع ذلك فقد غمرت أصابعها في الماء المقدس، وصلّت ثم تابعت سيرها بخطى بطيئة حول المكان وهي تتفحصه بعينين مرتابتين وبعدم ارتياع وتضم الطفل إلى صدرها.‏
    كان هنالك نور بارد ساطع ينبعث من قنديل يتدلى من قبة الكنيسة، وأخذت زوجتي تطوف من محراب إلى آخر وهي تتفحص كل شيء: المقاعد، والمحاريب والصور لتحكم فيما إن كانت مكاناً مناسباً تودع فيه الطفل.. أما أنا فقد كنت أتبعها وأسير على مسافة منها وأراقب الباب بحذر طوال الوقت.‏
    دخلت فجأة فتاة شابة ممشوقة القوام ترتدي ثوباً أحمر، يزين رأسها شعر أشقر ينسدل كالذهب، ركعت الفتاة والتصقت حينذاك تنورتها بجسمها، وصلّت لفترة دقيقة واحدة فحسب ثم خرجت ثانية دون أن تنظر إلينا. أما زوجتي التي كانت تراقبها فقد قالت فجأة: “ليس هذا بالمكان المناسب، فالناس الذين يرتادونه هم، شأن هذه الفتاة، على عجلة من أمرهم كي يمضوا ليتسلوا ويتفرجوا على المحلات.. لنذهب! ثم خرجت على الفور.‏
    عدنا أدراجنا إلى الشارع وسرنا مسافة ما عائدين بخطى مسرعة على طول شارع “كورسو”، زوجتي تتقدمني وأنا أسير وراءها. ما لبثنا أن دخلنا كنيسة أخرى قرب “بيازيا فينيسيا”. كانت هذه أكثر اتساعاً وبدت شبه مظلمة، تمتلئ بالصور واللوحات المذهبة والخزائن الزجاجية المزدحمة بقلوب فضية تتلامع في وسط النور المائل للعتمة. كان هنالك عدد كبير نسبياً من الناس داخل الكنيسة، وبنظرة عابرة تبين لي أنهم ممن يعيشون عيشة رخية، فالنساء جميعاً يرتدين القبعات في حين يرتدي الرجال ملابس مرتبة. كان هنالك واعظ يلوح بذراعيه يمنة ويسرة وهو يلقي موعظة من فوق المنبر والجميع يوجهون أنظارهم إليه. بدا لي الوضع حسناً إذ أن أحداً لن يلحظنا ضمن ذلك الجو. همست لزوجتي: “هل نحاول أن نتركه هنا؟” طأطأت رأسها موافقة فاتجهنا إلى إحدى الزوايا الجانبية التي يعمّها الظلام بحيث يصعب عليك أن ترى ما حولك. لم يكن هناك أحد، ولذا غطّت زوجتي وجه الطفل بزاوية الحرام الذي تلفه به ثم وضعته على أحد المقاعد، كما لو كانت تتخلص من لفة تعوق حرية حركة يديها، ثم ركعت وصلت لفترة طويلة وهي تضع كفيها على وجهها. أما أنا، ولأنني لم أجد ما أفعله فقد أخذت أتفحص مئات القلوب الفضية مختلفة الأحجام والتي تغطي جدران المصلى. وقفت في النهاية وقد علت وجهها إمارات الإصرار وسارت مبتعدة ببطء، وسرت وراءها على مسافة قليلة منها. وفي تلك اللحظة صرخ الواعظ قائلاً: “وقال المسيح: إلى أين تمضي يا بطرس؟” أجفلت عند ذلك وكأنما كان يوجه السؤال إليّ، وبينما كانت زوجتي تهم برفع ستارة الباب كي تخرج أفزعنا صوت انطلق من ورائنا يقول: “سيدتي! لقد تركت لفة على المقعد هناك.”‏
    كانت تلك امرأة ترتدي السواد، من ذلك النمط من النساء المتدينات اللاتي يقضين نهارهن متنقلات بين الكنيسة وغرفة المقدسات. أجابتها زوجتي: “أجل، يا إلهي، شكراً لك فقد نسيتها”. ولذا حملت اللفة ثانية وخرجنا ونحن نشعر بأننا أقرب إلى الموت منا إلى الحياة.‏
    قالت زوجتي بعد أن خرجنا: “يبدو أن أحداً لا يريد صغيري هذا.” قالت تلك الجملة وكأنها شخص حمل بضاعة إلى السوق متوقعاً أن يبيعها بسرعة ولكنه يفاجأ عندما لا يجد من يرغب بها، أخذت تسرع الخطى من جديد وتنهب الأرض بقدميها وهي تلهث بحيث بدت أقدامها وكأنها لا تكاد تمس الأرض. وصلنا إلى كنيسة “بيازا سانتي أبوستولي”، وكانت هذه مفتوحة. وما أن دخلت زوجتي ورأتها واسعة فسيحة ظليلة حتى همسة قائلة: “هذا ما نريده”. مشت تغمرها علائم التصميم واتجهت إلى إحدى الزوايا الجانبية، ووضعت الطفل على مقعد وأسرعت عائدة باتجاه المدخل دون أن تتمتم حتى بصلاة قصيرة أو تقبل جبين الطفل، وكأنما الأرض تلتهب تحت أقدامها. ولكنها، وما أن قطعت عدة خطوات حتى اهتزت الكنيسة بصوت بكاء يائس، فقد حان وقت رضاعة الطفل فيما يبدو، وحيث أنه دقيق غاية الدقة في مواعيده فقد أخذ يبكي من شدة الجوع. بدا على زوجتي وكأنها فقدت رشدها حينذاك إذ هرولت أولاً باتجاه الباب، ثم التفتت وهي ما تزال تهرول وجلست على أحد المقاعد دون تفكير وفتحت أزرار قميصها لتعطيه ثديها، وما أن أخرجته حتى التهمه الطفل وكأنه ذئب مفترس وأخذ يرضع بشراهة ويقبض على الثدي بكلتي يديه وقد توقف عن البكاء. ولكننا ما لبثنا أن سمعنا صوتاً يصيح بها: “لا يمكنك أن تفعلي ذلك في هذا المكان. اذهبي من هنا، اخرجي إلى الشارع!” كان هذا صوت قيّم غرفة المقدسات، وهو رجل عجوز ضئيل الجسم ذو لحية بيضاء، ضئيلة تمتد تحت ذقنه وصوت أكبر من جسمه. نهضت زوجتي وهي تغطي صدرها ورأس الطفل ما استطاعت ثم قالت: “ولكن العذراء تحمل طفلها بين يديها كما نراها في الصور كما تعلم.” أجاب بحدة: “هل تشبّهين نفسك بالعذراء أيتها المرأة الدعية؟”‏
    حسناً، غادرنا تلك الكنيسة أيضاً ومضينا لنجلس في حديقة “بيازيا فينيسيا” حيث أعطت زوجتي ثديها للطفل ثانية إلى أن ارتوى وعاد إلى النوم من جديد.‏
    كان المساء قد حل والكنائس تغلق أبوابها وقد حل بنا التعب والارتباك، ولم تعد في جعبتنا أية أفكار قابلة للتنفيذ. شعرت باليأس وأنا أفكر بكل ما حل بنا ونحن نقدم على أمر لا يجدر بنا أن نفعله، ولذا قلت لزوجتي: “اسمعي، لقد تأخرنا ولست أستطيع الاستمرار على هذا الحال.. علينا أن نقرر.” أجابت ببعض المرارة: “ولكنه لحمك ودمك! هل تريد أن تتركه كيفما اتفق، في أي زاوية كما قد يترك الناس لفة من الأحشاء لكي تأكلها القطط؟” قلت: “لا، لم أقل ذلك، غير أن هنالك أموراً على المرء أن يفعلها على الفور ودون تفكير، وإلا فإنه لن يقدم عليها على الإطلاق.” أجابت: “حقيقة الأمر هي أنك تخشى أن أغير رأيي وأعيده إلى البيت ثانية. أجل، أنتم الرجال جميعكم جبناء! أدركت بأن علي ألا أجادلها في تلك اللحظة، ولذا قلت لها بلهجة تتسم بالاعتدال: “لا تغضبي! إنني أدرك مشاعرك، ولكن تذكري بأنه مهما حل به فسيكون أفضل له من أن يشب في “تورمارانشيو” في غرفة دون مرحاض أو مطبخ، غرفة تمتلئ بالحشرات شتاء وبالذباب صيفاً. صمتت ولم تجب.‏
    بدأنا نسير ثانية دون أن ندري إلى أي اتجاه نحن ماضيان. شاهدت شارعاً ضيقاً صغيراً دوننا، كان مهجوراً تماماً وينحدر من الشارع الذي كنا نسير فيه، ورأيت سيارة رمادية مغلقة تقف عند أحد المداخل. طرأت لي فكرة فتوجهت إلى السيارة وعالجت بابها فانفتح. قلت لزوجتي: “أسرعي! هذه هي فرصتنا… ضعيه في المقعد الخلفي.” فعلت ما قلت ووضعت الطفل في المقعد الخلفي وأغلقت الباب. فعلنا ذلك في لمح البصر ودون أن يرانا أحد، ثم تأبطت ذراعها وأسرعنا في طريقنا إلى “بيازا ديل كورينالي”.‏
    كانت الساحة خالية وشبه مظلمة إذ لم تكن فيها إلا بضعة مصابيح مضيئة في أسفل البنايات، أما المصابيح الأخرى فكانت مطفأة. روما كانت تلتمع تحتنا أسفل السياج. توجهت زوجتي إلى النافورة تحت المسلة وجلست على أحد المقاعد وبدأت تبكي على الفور وهي تدير ظهرها لي. قلت لها: “ماذا بك الآن؟” أجابت: “أحسّ بأنني أفتقده بعد أن تركته! أشعر أن هناك شيئاً مفقوداً هنا حيث كان يمسك بصدري.” قلت في محاولة لتهدئتها: “أجل، لا شك بذلك، ولكنك ستتعودين على هذا الأمر.” هزت كتفيها وتابعت البكاء، وفجأة جفت دموعها كما يجف ماء المطر عن أرض الشارع مع هبوب الريح. قفزت ثانية من مكانها وقد تملكها الغضب وأشارت إلى إحدى البنايات المطلة على الساحة وهي تقول: “سأذهب إلى هناك فوراً وسأطلب رؤية الملك لأخبره بكل شيء.” صرخت فيها وأنا أقبض على ذراعها: “قفي، هل جننت؟ ألست تعرفين أنه لم يعد هنالك ملك بعد؟” قالت: “وماذا يهمني في ذلك؟ سأكلم من أخذ مكانه!” واندفعت راكضة نحو بوابة القصر، ولا يعلم إلا الله وحده ماذا كانت ستفعل لو أنني لم أقل لها في لحظة يأس: “حسناً! اسمعي، لقد فكرت في الأمر ثانية. لنذهب إلى تلك السيارة ونستعيد الطفل، أعني سنربيه بأنفسنا. ما الفارق؟ طفل آخر ليس إلا!” كانت تلك هي النقطة الحاسمة في القضية كلها حيث تغلبت تلك الفكرة على فكرة مخاطبة الملك. وقالت وهي تهرول باتجاه الشارع الصغير الذي كانت تقف فيه السيارة الرمادية: “هل تظن أنه ما زال هناك؟” أجبتها: “بالتأكيد! لم يكن ذلك إلا منذ خمس دقائق فقط.”‏
    كانت السيارة ما تزال هناك بالفعل، غير أنه في اللحظة التي كانت تهم فيها زوجتي بفتح الباب برز من المدخل رجل قصير القامة في أواسط عمره تبدو عليه سيماء الأهمية فصاح بها: “توقفي.. توقفي.. ماذا تفعلين بسيارتي؟” أجابته زوجتي دون أن تلتفت وهي تنحني لتلتقط اللفة من فوق المقعد: “أريد ما هو لي!” ولكن الرجل قال بإصرار: “ولكن ماذا لديك هناك؟ إنها سيارتي، هل تفهمين؟ سيارتي!”‏
    ليتك رأيت زوجتي حينذاك، فقد شدت قامتها واتجهت نحوه وهي تصيح: “ومن أخذ منك أي شيء؟ لا تخف! ليس هناك من سيأخذ منك أي شيء، أما سيارتك فإنني أبصق عليها.. انظر!”‏
    وبصقت بالفعل على باب السيارة. قال الرجل بحيرة: “ولكن تلك اللفة؟” أجابته بانفعال: ليست لفة، بل هي طفلي. يمكنك أن تراه إن أردت!”‏
    كشفت عن وجه الطفل كي يراه ثم تابعت تقول: “لن تنجب أنت وزوجتك طفلاً في مثل جماله حتى ولو ولدتما من جديد! لا تقترب مني وإلا فإنني سأصرخ وأطلب الشرطة لأقول لهم بأنك كنت تحاول أن تسرق طفلي!” ثم أخذت تشتمه وتهدده حتى أن الرجل المسكين كاد يسقط مغشياً عليه وهو يقف فاغر الفم أحمر الوجه. وفي النهاية سارت بخطى متهادية حتى وصلت إلى جانبي عند زاوية الشارع.‏

     

    ترجمة حصة المنيف

     

     

  • بابٌ وحيدٌ للعالم – محمد النعيمات

    بابٌ وحيدٌ للعالم – محمد النعيمات

    بابٌ وحيدٌ للعالم
    وجدرانٌ كثيرةٌ
    جدرانٌ كثيرةٌ وعالية
    وكزنزانةٍ واسعةٍ
    كان علينا
    أن نعيشَ فيها دائماً
    – رغماً عنّا –
    مع القَتَلةِ والسفاحين
    وكان علينا أيضاً
    أن نقتني الأملَ دائماً
    في قلوبنا
    كذريعةٍ وحيدةٍ للحياة
    وأن نُربي الدمعَ
    كأسماكٍ كثيرةٍ لامعةٍ
    في بِرك عيوننا
    وأن نتعلمَ الخوف ؛
    الخوف الذي نختبئ فيه دائماً
    كخندقٍ آمنٍ ووحيد
    لم نكن سيئينَ أبداً
    كنا طيبينَ بما يكفي
    لأن نؤمنَ بأننا أكثرُ هشاشةً
    وأن قلوبنا من زجاج
    وأن الحزنَ قاسٍ ومسننٍ
    كالحجارة
    كنّا طيبينَ كثيراً
    وهذا ليس بالأمرِ السيءِ
    – على الأقلِ بالنسبةِ لنا –
    ولكنهُ هكذا بالنسبةِ للأشرار
    الأشرارُ الذين يُديرون العالم
    بربطاتِ عنقٍ ملونةٍ
    وأحذيةٍ فاخرة
    الأشرارُ الذين نعلمُ جيداً
    أنهم كالسجانينَ قُساة
    ومع ذلك قدّسانهم
    حتى أننا أطلقنا عليهم ألقاباً
    لا تليق بجبروتهم ؛
    لنقنع أنفسنا
    بأنهم ليسوا سجانين
    وأن هذا العالم
    ببابهِ الوحيد
    وجدرانهِ الكثيرةِ العالية
    ليس زنزانةً كبيرةً
    ومعتمة …

  • سما الحرة ( مها دعاس ) – السوريات

     

    Geoffrey Johnson

    السوريات
    رسمن على الجدران أغانيهن
    بعفوية يومياتهن الصاخبة
    طلينها بمواويل الفرح و أهازيج شعبية
    لحن هدهدن به لطفل حتى ينام مازال دافئا يشدو

    وفي كل ركن من أركان البيوت تشم رائحة البخور يتطاير من كلمة “يقبرني ”
    ” يامو ، يا أمي، يما، نانتي، ماما
    رائحة إبريق البابونج ودلة القهوة بالهال و شراب الليمون بالنعناع

    قصائد وكتب مملوءة بالحب
    في مكتبات البيوت قرب الذكريات

    قبل الرحيل كدسن الغيم في أسرة أطفالهن
    التي يتطاير حولها فراش أحلامهن البسيطة

    دمى قربها فردة حذاء تختبىء بداخله حبات عقد لؤلؤ مفروطة سقطت سهوا يوم الطامة الكبرى

    عند باب الدار قرب شجرة التوت و زريعة المليسة
    تركن صرة تختبىء فيها رقصة الحياة المسروقة التي
    كانت توشوش لله شكواهن

    عند كل باب و تحت كل نافذة و شرفة
    تتركم أشلاء و تتكتظ ذكريات
    أقدام بترت في ساحة الدبكة التي كانت تغني للحرية

    بينما كان المخبرون يصورونهم
    و يسجلون أسمائهم أؤلئك الذين كانوا يحملون الورد بأياديهم
    و يرفعون راياتا بيضاء لم تحمهم من وحشية الوحوش

    كان الجميع على الشرفات
    يرميهم بحبات الرز للبركة
    يرشقونهم بالورد و الماء

    على رفوف مطابخهن تركن صرخة و كثيرا من الدموع
    تتلألأ في صحونهن التي تنزف غياب قدورهن و نيران مطابخهن المطفئة

    قطيع من الغزلان يتطاير في حدائق البيوت الأرجوانية
    تلك البيوت التي تعرف رائحة عيونهن الخائفة من الغد

    غرزن أظافرهن عند مقبض الأبواب الوحيدة التي تئن أرواحها على رحيلهن بعد أن
    صارت بلا ظلال

    تبكي غياب ضحكاتهن
    في الصباحات
    و صهيل حضورهن في أمسيات الصالونات

    أغصان الزيتون التي
    شذبنها نجمة نجمة
    صارت دموعا تائهة في الدروب
    التي تلفقها خطاهن التائهة

    الطيارات الورقية التي صنعنهن بأيديهن لأولادهن
    دفنت في
    قبور أكبادهن الصغيرة

    أي جراح تلك التي تشفى؟
    أي موت بطعم الغدر سَيُنسى؟

    في دروب الخذلان
    تزركشن كل مكان تطأه خطاهن بخرز العقيق المر
    و من حبات الحصى على أبواب الخيام تبدعن لوحات فسيفساء القهر

    تطرزن على الصخر غرزة من غرزات التطريز بخيوط الميلان و الأورجانزا بإبر من دموع عيونهن

    بكل إصبع لون وبكل إصبع نقش للاستمرار بمهارة

    متسع من الفرح المنتظر
    بطعم الشمس و رائحة جدائلهن التي تبعث الضوء
    تيمنا بكسر قلوبهن وغصة الذل في كلمة “لاجئات”

    في الدروب المستحيلة حيث
    تكملن الحياة بما تيسر لهن من القليل القليل
    و الكثير الكثير من الكرامة كصلاة …..

    اللوحة ل René Magritte

  • إنساننا الأبدي الممزق بالنسبي – قراءة في فيلم: رحلة العمر – صبحى شحاته

    لفيلم: رحلة العمر تأليف وإخراج سعد عرفة، عمق التناقض الذي حملته ثقافتنا العربية الحديثة التي حاولت التوفيق بين الجديد الوافد من الغرب والقديم، بين الاصالة والمعاصرة ذلك التناقض الذي ظهر مع اول رحلة لرفاعة الطهطاوي ابن الازهر إلي فرنسا زمن محمد علي باشا، واستمرت محاولات التوفيق بين المتناقضات تلك حتي العهد الناصري الاشتراكي، الذي انهته هزيمة السابع والستين، فسارعت مصر بالارتماء كلية في اتجاه الغرب المتفوق.
    يعرض الفيلم مصر السبعينات الخارجة من الانغلاق الإشتراكي الروسي إلي الانفتاح الغربي الأمريكي، حيث تدفق السلع الاستهلاكية الغربية السريعة ومعها انماط سلوكية غريبة وثقافة نسبية تهتم باللحظة العابرة وليس الابد، قوامها الانسان النسبي وليس المطلق
    يبدأ الفيلم وينتهي بساعة الحائط الكبيرة العتيقة ذات البندول الطويل الرتيب الوقور، وكهذه الساعة تمضي حياة مدير البنك الكبير مقامًا وسنًا فهو في الخمسين من عمره محمود ” أحمد مظهر، حياة هادئة ساكنة، فنحن الآن في يوم الخميس، ليلة الجمعة والزوج السعيد يتعشي مع زوجته الجميلة مديحة ” مريم فخر الدين ” أمام السفرة المكتظة بالطعام البيتي، عمايل يد الزوجة الموفرة نفسها لزوجها وبيتها فحسب، والتي تعرف طقوس الزمن الدائري الذي تعيشه وتألفه،الذي يبدأ وينتهي بليلة الجمعة حيث تدخل الحمام بعد العشاء الدسم، ومنه إلي التسريحة أو مائدة الزينة فتتزين وتتعطر ثم تنام في السرير باسمة واثقة، من قدوم زوجها المشتاق للعناق والتقبيل والمتعة البيتية الآمنة المستقرة، والمستمرة منذ خمسة عشر عاما من الزواج التقليدي الابدي.
    ويقفز عقرب الساعة عشرة دقائق مرة واحدة في لقطة سريعة، فنجد الزوج قد انتهي من زوجته، كما لو إنه قضي وقته المحدد بالضبط ، وإن هذه كل طاقته المنذورة له والمسموح بها له، ثم ينام قرير العين. المنزل خاوٍ إلا منه وزوجه لا أطفال، هدوء وسكون وصمت.
    يذهب الزوج في رحلة استجمام قصيرة إلي سيدي عبد الرحمن، كان ينبغي أن تكون معه زوجته، لكنها فضلت الذهاب إلي بيت عائلتها لقضاء واجبات هناك لا بد منها، فهي تنتمي إلي صورتين متناقضتين من صور العائلة، الكبيرة الممتدة الريفية، والعائلة النوويية الصغيرة المدينية، التي تعيشها مع زوجها، جامعة بين الاثنين في حالة توفيقية تعسفية، توفق بين المتناقضات ولا تحلها، وهي ملتزمة وصاحبة واجب وتحترم تقاليد الحياة الأسرية التقليدية، لذا ذهب الزوج وحده إلي الفندق السياحي الفاخر المطل علي البحر والفارغ تمامًا في مثل هذا الوقت من العام حيث لا يأتي أحد، وحيث ينعم الزوج بالهدوء المعتاد عليه.
    يطلب الزوج من موظف الاستقبال بالفندق حجرته المعتادة، فيخبره أن نزيلة سكنتها مع الغرفة المجاورة لها، تأتي النزيلة سوزان اسمها الغربي وسلوي اسمها العربي ” شمس البارودي” شابة فائقة الجمال متحررة ذات أصول اجنبية فهي متعددة الهويات مصرية وغربية، ومستقلة وفردية وحرة ومتحررة، حجزت الغرفة لصديقها فهي لا تعرف الزواج التقليدي الذي يعرفه الزوج لكن صاحبها أو البوي فريند يتصل بها ويخبرها أنه مشغول بالمذاكرة وبمباراة مهمة للتنس، ولن يأتي إلا بعد يومين أو ثلاثة ، تغضب جدا فكيف ستقضي وقتها دونه، كيف يمر عليها الوقت دون أن تستمع! ثم توافق علي ترك الغرفة لمحمود العجوز.
    وهناك بغرفتها تشعر سوزان/ سلوي بحرارة الفقد والوحدة وزهق الملل فتشغَّل الريكوردر وترقص علي موسيقاه الصاخبة، وهكذا لأول مرة تمتلأ حياة الموظف الكبير بالصخب والضجيج، وكان نائما بالغرفة اللصيقة بغرفتها بينهما باب داخلي يمكنه الدخول إليها منه، فاستيقظ وأسرع ليطلب من الفتاة شبه العارية اللاهية الملولة ايقاف الصوت والعودة إلي الهدوء، لكنها ترفض فيتصارعان علي الريكوردر هو يريد أخذه منها وهي ترفض حتي ينتزعه منها ويصفعها علي وجهها فتستسلم وتقعي كالقطة عند قدميه، ولما يهم بالانصراف محرجًا من فعلته تمسك بيده ثم تنهض واقفة وتحتويه بذراعيها وتقترب منه برغبة لم يعهدها وجرأة لم يجربها وحرية في التعبير عن الشعور خارقة له، وتقبله فيقبلها بعنف.
    في الصباح ينهض محمود الموظف المحترم التقليدي من جوارسوزان الجميلة اللاهية خجلًا متخوفًا من فعلته الشنعاء، منتظرًا اللوم التقليدي، لكنه يفاجيء بها تنهض متمطية قائلة له ووجهها مشرق بابتسامة صافية لا شي فيها : صباح الخير! هكذا كأنهما زوجان وكأنهما لم يرتكبا كبيرة من الكبائر المحرمة لدي الزوج! الذي أدرك إنه أنتقل إلي عالم آخر، لم يعهده من قبل، عالم الساعة فيه غير موجودة، والانضباط والهدوء والالتزام بالتقاليد الخ غير موجود، عالم آخر من الحرية والمرح والرغبة والتعبير عن الرغبة بصراحة ووضوح وعدم خشية من شيء مطلقًا.
    يسأل محمود المدهوش سوزان عن عمرها فتقول له أنه 2000 سنة وبالتحديد 1973 .. وهنا يقفز الحوار إلي المستوي الرمزي فنحن لسنا أمام فتاة عادية وإنما فتاة تمثل الحضارة الاوربية كلها، بقيمها المخالفة لقيم محمود ابن الشرق. حضارة انثوية تطلق لمشاعرها العنان وتحتفي بالجسد واللحظة التي تمر وبالحرية الشخصية والصراحة والوضوح.
    يقضي محمود ممثل الثقافة العربية الذكورية، الذكر الوقور مع سوزان الانثي الغربية أياما من المتعة الخالصة في غرفة الفندق وعلي شاطيء البحر يجري ويلعب ويتمتع كالاطفال ويناقش ويتحدث مع الفتاة التي تحدثة بحرية وجرأة لم يجدهما مع زوجته المحافظة الخجول أبدًا.
    يحضر صديق الفتاة شابًا في مثل سنها اسمه عصام من العصامية والاستقلال الفردي، فيعترض الموظف الكبير الذي يعتبر الفتاة بمثابة زوجة له، تستجيب الفتاة اللا هية ،وتمنع نفسها عن عصام عقابًا له علي تركها وحيدة وعدم تلبية الفوز بالمتعة علي واجب الدراسة، فينصرف عصام غير غاضب تاركًا سوزي بحريتها لمحمود، غير المستوعب هذه المنظومة لرؤية العالم القائمة علي الحرية الفردية.
    وتنتهي أيام الاستراحة سريعا ويعود محمود العجوز الذي بدا صبيًا مع سوزان في سيارتها الصغيرة السريعة، ويطلب محمود من سوزان أن تكون العلاقة دائمة بالزواج أو بغيره. فتخبره بمنطقها الغريب عنه، إنها تحتفي باللحظة فحسب وإنها لما رأته أعجبها فقالت يااااي!! ورغبت فيه واستمتعت معه وانتهت اللحظة الان وعليه تقبل انتهاء العلاقة والفراق.
    عاد محمود الموظف الكبير مدير البنك من الجنة أو الجحيم أو العالم الاخر الممتع والغريب والمشوش المتناقض وهو لا يستطيع نسيانه وحبه، فصوت موسيقي الريكوردر في إذنيه وأصوات موج البحر المتلاطمة وضحكات الفتاة الرائقة المرحة وجمالها وجنونها كل هذا في أذنيه.
    وهاهي مديحة زوجته معه علي المائدة الكبيرة العامرة بالطعام الدسم فوقها الساعة الكبيرة حارسة الزمن الرتيب، تكلمة عن ما قامت به من واجب عائلي وتخبره عن الاشخاص الذين حمَّلوها أمانه السلام عليه والتحية له، وهو صامت ذهنه هناك مع الفتاة الاخري. وهاهي الزوجة العارفة واجبها تمامًا، تدخل الحمام وتخرج إلي مائدة زينتها، ثم إلي سريرها، بنفس الابتسامة، تنتظر شغف الزوج المعهود والابدي النمطي الذي لا يمكن أن تغيره الايام ، هو الزوج الابدي والانسان الابدي، لكن الزوج يتقدم فاترًا، فالسكون ليس صافيًا كالمعتاد لا يمتليء بانفاس الزوجة، وإنما بصخب موسيقي الريكوردر المرحة وصيحات سوزان وأمواج البحر. يعانق محمود زوجته، محاولًا الفعل المعتاد البيتي، لكنه ينهض غاضبًا متضايقًا بافتعال دون أن يفعل شيئًا وينصرف فتسامحه الزوجة وتعتذر بالنيابة عنه وتكبت دموعها وحزنها وتقول له:
    إنها لا تهتم بهذه المتعة العابرة إلا من أجله فحسب، فإن كان لا يريد فهي لا تهتم، فلا يحزن، فهي تريد أن تكون معه فحسب، فهو الرجل الذي انتظرته صغيرة في بيتها وحلمت به، حتي جاء إليها، فانتقلت من بيت عائلتها إلي بيته، لا تعرف سواه، حياتها كلها من أجله هو فحسب، وجودها كله مجعول له فقط فهو المركز وهي الهامش التابع .
    لكن الزوج لم يعد يرض، لقد زاد وعيه وعرف العالم الأخر المختلف، رأي ولمس بهجة أخري وعنفوان حياة أخري أكثر قوة وجمالًا من هذه، وهو لا يستطيع العودة كما كان هادئًا وادعًا راضيًا كالساعة العتيقة المعلقة فوق الحائط هناك.
    بحث محمود المغرم بالغريب والشاذ والجميل عن بديل لسوزان فتاة الغرب، فذهب إلي بيت من بيوت الدعارة وقابل فتاة تشبه سوزان الغربية إن كان يمكن أن يكون للغربية الفاتنة شبيها، لكنه لم يستطع الاقتراب من فتاة الهوي التي بدت نسخة مشوهة من سوزي فتاة الغرب الاصلية الجمال والفتنة، والتي هي الطبيعة بكل بكارتها وطزاجتها.
    فذهب إلي بيت سوزان في الليل وطلب وصالها الدائم لأنه لا يعرف إلا العلاقة الابدية وليست النسبية الجزئية، يعرف الخلود وليس الفناء، الدائم وليس العابر، لكنه وياللمفارقة يريد الدائم بنفس شروط العابر، والتوفيق بين المتناقضات، فيمزقة النتاقض، فصار لا هو هذا ولا ذاك، رفضت سوزان فتاة الغرب الانصياع له، فهي لن تفعل ما لا تريد، ولن تعطيه جسدها غصبًا عنها، وبدت قطة قاسية علي الذكر الشرقي، قاومها ليأخذها وقاومته لتبعده تعاركا اصطدما وقعا، فيما الموسيقي الصاخبة تدوي، لكنه لم يفز بها ابتعدت باكية تلوذ بركن الحائط في شقتها الفاخرة التي تعيش فيها وحيدة مع موسيقاها وكتبها وجمالها بحرية تامة .
    قفل محمود العجوز الشرقي راجعًا حزينًا كسيفًا إلي بيته، راغبًا في العودة إلي عالمه الذي يعرفه، المعتاد الساكن، لكنه وياللأسف وجده خربًا خاويًا صامتا كالمقبرة، فلقد رحلت مديحة الزوجة المخلصة الصابرة إلي أهلها، بعدما تبينت إنها غير مرغوبة وإن زوجها لم يعد لها وإنه تغير إلي شخص آخر منفر قاس، ينفر منها ويهينها.
    إنهار الذكر الشرقي علي مقعده الوثير أسفل ساعة الحائط العتيقة التي تدق فوق رأسه وبندولها يذهب ويجيء حائرًا، في رأسه فراغ ووحدة وصمت وحيرة، لقد انتهت الرحلة، رحلة العمر بالخسارة، فالذكر الشرقي لم يفز بالمرأة الغربية المتحررة ولا بالشرقية الملتزمة الراضية بالقسمة والنصيب، وقبع تحت وطأة دقات الساعة واجمًا كما التمثال.
    فيما ينتهي الفيلم الجميل الفريد في فننا السينمائي بسوزان / سلوي فتاة الغرب ذات الاصول العربية المتجولة في العالم بكل حرية، تنطلق بعربتها تحت أضواء الليل تصحبها موسيقاها الصاخبة وعالمها المرح الحر اللاهي شمس لا تضيء سوي ذاتها فحسب وسط الليل الغامض.

  • هشام محمود – الفنان ( حِوَارِيَّةٌ مَعَ رينيه ماجريت)

    هشام محمود – الفنان ( حِوَارِيَّةٌ مَعَ رينيه ماجريت)

    Geoffrey Johnson

     

    عِنْدَمَا تَثَاءَبَ ظِلُّ فُرْشَاتِهِ فِي مِرْآتِي..
    غَنَّتْ،
    وَصَحَتْ عَصَافِيرُ ذَهَبِيَّةٌ..
    عَلَى مُوَاءِ البَحْرِ.
    وَبَيْنَمَا غَيْمَةٌ تَعْبُرُ الشَّارِعَ حَافِيَةً،
    بِلَا رُفَقَاءَ..
    شَرَعْتُ أَعْضَائِي جُرْحًا جُرْحًا،
    وَغَطَّيْتُ وَجْهِي..
    بِقِطْعَةِ مُوسِيقَى مُبَلَّلَةٍ جِدًّا،
    كَأَنَّهَا خَرَجَتْ لِتَوِّهَا..
    مِنْ الجَحِيمِ.
    – تُرَى…
    كَيْفَ طَاوَعَ السَّحَابُ أَنَامِلَكَ،
    وَأَنْتَ تُسَوِّيهِ،
    وَتَنْفُخُ فِيهِ..
    مِنْ جَمْرِكَ النَّبِيلِ..؟
    – لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ مِنَ المَوْتِ مَا يَكْفِي..
    لِأَنْ أَعِيشَ مُنْتَبِهًا عَلَى الدَّوَامِ،
    وَالبَيْضَةُ كَانَتْ تَسْكُنُهَا العَفَارِيتُ،
    لِذَا كَانَ ضَرُورِيًّا أَنْ يَخْرُجَ طَائِرِي..
    مُحْتَشِدًا بِنَشْوَةِ المُغَامَرَةِ.
    – آهٍ يَا طَائِرِي..
    مَازِلْتَ مَغْلُولًا إِلَى عُنُقِي،
    تَتَرَبَّصُ بِكَ الوَصَايَا،
    وَتَمْنَحُكَ الشَّمْسُ كُلَّ صَبَاحٍ..
    فُرْصَةً جَدِيدَةً..
    لِأَنْ تَذْبَحَنِي..
    دُونَ أَنْ تَتَأَلَّمَ.
    – النَّاسُ مَلَائِكَةٌ لَا تَطِيرُ.
    – وَالطُّيُورُ مَلَائِكَةٌ مَحْشُوَّةٌ بِالسَّحَابِ،
    لِذَا كَانَ ضَرُورِيًّا..
    أَنْ تَخُرُجَ الغَيْمَةُ مِنْ قَلْبِ البَيْضَةِ..
    دُونَ أَنْ تَنْزَعِجَ السَّمَاءُ.
    – رَجُلٌ يَحْمِلُ تُفَّاحَةً عَلَى رَأْسِهِ.
    هَلْ يَعْنِي هَذَا..
    إِلَّا أَنَّ عُنُقَ الرَّجُلِ كَانَتْ مُتَوَاطِئَةً..
    مَعَ طَائِرِهِ الأُسْطُورِيِّ..؟
    – الغَيْمَةُ قَطِيفَةٌ مُرْعِبَةٌ..
    حَدَّ الجُنُونِ،
    وَالطَّائِرُ مَصْلُوبٌ فِي جُذُوعِ الهَوَاءِ،
    لِذَا كَانَ يَتَحَسَّسُهَا كَجِنِرَالٍ مُنْهَزِمٍ..
    يَمُدُّ أَزْرَقَهُ اللَّذِيذَ المُوحِي..
    إِلَى جُرْحِ القَصِيدَةِ.
    – لِلَّوْحَةِ إِيقَاعُهَا،
    وَلِي أَنْ أُعَبِّدَ أَبْجَدِيَّتِي..
    كَسْرًا لِوَطْأَةِ المِيتَافِيزِيقَا،
    وَاحْتِرَامًا لِعَلَاقَةٍ مُفْتَرَضَةٍ..
    مَعَ الفَرَاغَاتِ.
    – حَقْلُ غَيْمٍ فِضْفَاضٌ..
    كَمَجَازٍ ذِهْنِيٍّ..
    تَمْلَؤُكَ فَوْضَاهُ المُنْضَبِطَةُ..
    خِدْرًا وَتَشَظِّيًا مُلَائِمَيْنِ..
    لِأُنُوثَةِ القَصِيدَةِ.
    فَقَطْ…
    طَيِّرْ قُبَّعَتَكَ؛
    لِتَفْضَحَ الهَوَاءَ.
    – امْرَأَةٌ تَسِيرُ أَسْفَلَ غَيْمَةٍ..
    عَلَى عَيْنٍ وَاحِدَةٍ،
    بِقَدَمَيْنِ مُعَلَّقَتَيْنِ..
    فِي فَرَاغٍ جَانِبِيٍّ،
    وَنَهْدٍ وَاحِدٍ،
    لَكِنَّهُ كَافٍ لِمُعَادَلَةِ الحَيَاةِ.
    هَلْ يُمَثِّلُ هَذَا شَيْئًا..
    فِي ظِلِّ نَزْعَةٍ خَلَّاقَةٍ..
    لِإِسْقَاطِ إِلَهٍ وَرَقِيٍّ مُتَسَلِّطٍ..؟
    صَبَاحَ الخَيْرِ أَيَّتُهَا الحُرِّيَّةُ.
    افْتَقَدْتُكِ بِشِدَّةٍ..
    حَتَّى عِنْدَمَا أَحْبَبْتُ.
    لَمْ أَقْوَ عَلَى كَسْرِ هَزَائِمِي،
    وَافْتِرَاعِ عَلَاقَةٍ مُفْتَرَضَةٍ مَعَ الفَرَاغَاتِ؛
    لِذَا سَيَبْدُو (مَاجريت)..
    فُرْصَةً لِتَشْفِيرِ أَشْيَائِي الخَاصَّةِ جِدًّا،
    وَفِي لَحْظَةٍ مُمْتَلِئَةٍ..
    سَأَجْلِسُ قُرْبَ نَافِذَةٍ نِصْفِ مُغْلَقَةٍ،
    رُبَّمَا يَحُطُّ طَائِرٌ عَلَى كَتِفِي،
    وَيُدَنْدِنُ لِي..
    بِأُغْنِيَّةٍ لِـ (فَيْرُوز).
    عِنْدَهَا سَتَصْحُو الغَيْمَةُ..
    عَلَى ضَوْضَاءَ مُرْعِبَةٍ..
    يَنْثُرُهَا الفَرَاغُ،
    وَأَكُونُ قَدْ تَحَرَّرْتُ تَمَامًا،
    حَتَّى مِنْ تَوْقِي لِلحُرِّيَّةِ.
    اللوحة ل Rene Magritte

  • تشارلز بوكوفسكي – تريد أن تصبح كاتباً؟

    إذا لم تخرج منفجرةً منك،
    برغم كل شيء
    فلا تفعلها.

    إذا لم تخرج منك دون سؤال،
    من قلبك ومن عقلك ومن فمك ومن أحشائك
    فلا تفعلها.

    إذا كان عليك أن تجلس لساعات
    محدقاً في شاشة الكمبيوتر
    أو منحنياً فوق الآلة الكاتبة
    باحثاً عن الكلمات،
    فلا تفعلها.
    إذا كنت تفعلها للمال
    أو الشهرة،
    فلا تفعلها.
    إذا كنت تفعلها
    لأنك تريد نساءً …. ….
    فلا.. تفعلها.
    إذا كان عليك الجلوس هناك
    وإعادة كتابتها مرة بعد أخرى،
    فلا تفعلها.
    إذا كان ثقيلاً عليك مجرد التفكير في فعلها،
    فلا تفعلها.
    إذا كنت تحاول الكتابة مثل شخص آخر،
    فانسَ الأمر.
    إذا كان عليك انتظارها
    لتخرج مدويّةً منك،
    فانتظرها.. بصبر.
    إذا لم تخرج منك أبداً،
    فافعل شيئاً آخر.

    إذا كان عليك أن تقرأها أولاً لزوجتك
    أو صديقتك، أو صديقك
    أو والديك أو لأي أحد على الإطلاق
    فأنت لست جاهزاً.

    لا تكن مثل كثير من الكتّاب،
    لا تكن مثل آلاف من البشر
    الذين سمّوا أنفسهم كتّاباً،
    لا تكن بليداً ومملاً ومتبجّحاً،
    لا تدع حب ذاتك يدمّرك.
    مكتبات العالم قد تثاءبت حتى النوم
    بسبب أمثالك.
    لا تضِف إلى ذلك.
    لا.. تفعلها.
    إلا إن كانت تخرج من روحك كالصاروخ،
    إلا إن كان سكونك سيقودك للجنون
    أو للانتحار أو القتل،
    لا تفعلها.
    إلا إذا كانت الشمس داخلك
    تحرق أحشاءك،
    لا تفعلها.

    عندما يكون الوقت مناسباً،
    إذا كنت مختاراً
    ستحدث الكتابة من تلقاء نفسها
    وستستمر بالحدوث مرة بعد أخرى
    حتى تموت
    أو تموت هي داخلك.

    لا توجد طريقة أخرى.
    ولم توجد قط.

     

    ترجمة محمد الضبع

    اللوحة

    Portrait of Eric Satie

    Santiago Rusinol

     

  • أن تزدهر الخيول في الموت – يحيى امقاسم

    أن تزدهر الخيول في الموت – يحيى امقاسم

    «في بكائية الصهيل، في قلب عار من صحة الحياة»
    إلى عبدالله العصيمي … ذهب عن شعب صغير.
    للوقت الذي لم يكن بيننا وداعاً، وداعاً للكدمات التي لم تُصبنا عنك ونهرع: «ليتها فينا»، وداعاً للحيطة المحببة كلما قيل «جاء أبي»، لانضباط المقام، لقدر الهيبة الناعم، لرجفة يد ما اشتعلت بعد، لصغار يهجسون بآخر عاشق في العالم، للأب الفصل يركن إلى الإحسان، للأم نوّارة تُواسي الصبرَ يقتسمه أخوة، وداعاً لِتَحَفظ مُدَلَلتك على كنه المرض، لحصافة التوخي، لمفترقات النوافذ. وداعاً، للأَسِرَّة آوتك، لقواميس اللغة تضمحل، وداعاً للقمر عذر الليل بعدك.

    وقد تأكد عنوانك – إنه الأخير – وداعاً للحذر من صرامة الذهاب، لوخز الترقب، لحاجتنا في كلمة أخيرة، لجهات الخبز، لواجب النسيان، وداعاً لتنهيدة لم تصلك، للألوان تجفل من ثيابك، وداعاً لصيانة الوقار، لفرح مفتاحك في الباب. وداعاً، للحداء الأخير، لحماس المصافحة، لوسادة الوطن يحلم، وداعاً لتفاصيل اليوم كل يوم، لهمهمات خلف أبواب تربي الفزع، لأسماء أقل ما يمكن أن تُلازم شخصنا، وداعاً لحيرتك عند عزلة أمك الصغيرة. وعلى موعد مع الرجاءات لم تُفلح، والخيبات تتزاحم، فوداعاً لوعد أن أراك هنا، لحظة أن أسمعك، لاحتمال الإياب، لصعود الجبال التي علت معك، لسلوان الكتابة.
    وعلى موعد مع اندلاع الحنين الكوني، مع انحصار الحناجر، والبكاء الطوفان، مع الخزانة والأشياء تبلى، وعلى جبهة أطولِ ليلٍ حتى القيامة، مع شتات الحقول، مع نضب البشر، ولقاء مع الحائط الكسير، وكفاف الأمل، عوز التقدم، مع المنزل العاري من صحة الحياة، مع جيرة الويل، وعلى مواجهة نصل تالي «أينك»، وأمام يتم ينهب بِكر الحب – «اثنين»، وفقد في نديين.. ديمتين، وحريق روما على تلّة القلب، وعطرك أمك الصغرى على موعد مع غُربتين.
    ومنتهاك الركوع النهائي، الهمس المشارف. بالله، شجر الرضا، عروة السكينة، الذراعة التي تشيخ في الظلام، ذرى المآذن صباح السبت، وملاك اليمين في الغبطة، وداعاً للمراحل كلّها. وداعاً للسبق فلك حنكة الترجل، لخلق الموت لا سؤاله – ذاك درب الزمردة، للوعة التي آختك ستَ «سنوات النحيب»، لقصاصات في قرآن جوهرتك، لتشييد زهوها الرفيع، لإكليل هباتها، وداعاً للبطولة الأخيرة، لشرف الأوسمة تغمرها، لعينيها توافيهما وعدك الآن، لخريف المطارات التي تُورق إلى بلادها، يا الزعفران الصباح، يا الوداع.. لمنامةِ الذهبِ ذهبك، للأمكنة تجهش عليكما، لشرفات المحَرّق مطفأة، لِلَيالي ضرّكما، للحجاز أوّلك.. آخرك، لغيثها غيثك، لحكايات لكما فقط، لعشب الكلام في حديقة السر، وداعاً لبغتة الهدايا.
    لوّحتَ لفاجعة الزجاج يصقلُ الرعايةَ شهراً شهراً، لامتياز العناية الفائقة، لاتزان الأطباء في وضح الحقيقة، لتزمت الحديد أمام زهرك المسجّى، لوّحتَ للخشب المرصع بمهجتك، لمهمات الصفح في العالم، للسمت المقدس، لوظيفة الابتسامة، للسريرة الأولى، لرسائل تخلفت…فوداعاً لحزن الخجل، لحزن ما اجتاح يدي، لحزن في صغيرتك العبق، وأنا على وعد انتفى! وغدقك النهائي قرار التنحي – أنت سيد العرش، والخيارات مذهولات لم تجربها؛ لتستنرف شتلتُنا عدّتَها في العاصفة، ليخسر الوادي النحيل سيادتَه أمام العارم.. والآن إنّا سيان، محو أو بقاء. فوداعاً لطموح العودة، وداعاً لمعنى البيت…وداعاً للوداع. ثم حتماً وداعاً لروحي حتى ألتقيها يوماً في يديك.
    *
    فلذات الازدهار: جودي وكتف البرّ يعودان بمجدٍ من أندلسِ، ورابيةٌ أمينةٌ على عافية الجسد، والممشوق طائر على الغمام، ومُزنُ البياض ربيب الأمل، ورنُوُّ السلام قلب يمامة، وغزالةُ سهب المحبة، وتالين خطفت نون النسوة والأمهات..لك يا أمه الصغيرة، لك وأنا لست نداً لحزنك، ولم أكن كُفواً لعلوه – كما قَدّرتِ – فوداعاً!
    اللوحة
    The poet and the angel
    Mario Eloy
  • سوزان عليوان – كنقطة عتمة في الضوء

    سوزان عليوان – كنقطة عتمة في الضوء

    بإمكانِ كُلٍّ منّا

    ألاّ ينامَ وحيدًا

    لماذا لا تحرّكُ مقبضَ بابي

    في هذه اللحظةِ

    و تدخلُ

    كضوءٍ

    في العتمة؟

    تجلسُ إلى حافةِ سريري

    تعيشُ أرقي

    و القهوةَ

    و موسيقى روحٍ تجلّتْ؟

    لماذا لا تأتي

    كنجمةٍ بردانةٍ

    تختبئُ تحت لحافي؟

    قلبي يتيمٌ

    كنقطةِ عتمةٍ

    في الضوءِ

    لماذا لا تفاجئني

    و تحرّكُ مقبضَ البابِ

    فالستائرَ

    فعدّةَ القهوةِ

    و جهازَ التسجيل؟

    لديَّ صمتٌ كثيرٌ

    و بنٌّ رائعٌ

    و اسطواناتٌ مجنونةٌ

    أعرفُ أنّك تُحبُّها

    اللوحة

    اسم اللوحة : الليلة لـ إدوارد مونش

    التاريخ : 1890.