المدونة

  • أنسى الحاج – يسوع المسيح احضر حالاً

    أنسى الحاج – يسوع المسيح احضر حالاً

    لم نعد نريد أناجيلك.

    لم نعد نريد أعاجيبك ومواعظك والحقّ الحقّ أقول لكم.

    لم نعد نريد حكاياتك وأمثالك.

    لم نعد نريد صلواتك وتهديداتك.

    تعال.

    احضرْ حالاً.

    الجميع بانتظارك والأهل والأقارب ليسوا في خير.

    احضرْ حالاً.

    الأرض التي أنجبتك خربانة.

    الجيران متدهورون.

    روما الحديثة مسعورة وبيلاطس ملايين ويهوذا الاسخريوطي قوانين والرسل الإثنا عشر أفلسوا.

    “أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة أبني بيعتي” لكنهم بنوا على الصخرة مؤسسة تلعب الرياح فيها بالأوراق والملفات والغبار والألفاظ.

    أأنت المسيح صاحب قصة لعازر؟ إذن تفضّل.

    الألفا سنة فاصل طويل. معنا ضعف نظر ولم نعد نراك.

    المسافة شاسعة. اقترب وادخل. هذا وقتك. لن يكون لك وقت أفضل. إذ لم تجئ الآن فلا تجئ بعد ذلك. الحاجة إليك الآن.

    نريد أن نعرف.

    نريد أن يقول لنا أحد ماذا نفعل، أين الحقّ، لماذا نعيش، من هم هؤلاء ومن هم أولئك.

    نريد أن يقول لنا أحد من نحن، ولماذا يضربوننا، ويكذبون علينا، ويجوّعوننا، ويبّشعون حياتنا، ويهدرون مستقبل أولادنا، ويعهّرون الحياة من بابها إلى محرابها.

    نريد أن نعرف منك أنت مع من.

    لقد سئمنا التراتيل والأناجيل ومتّى ومرقس ولوقا ويوحنا. وسئمنا خصوصاً أعمال الرسل. وبولس. وبطرس. والرؤيا. وجميع القديسين.

    وفلقونا بالأخ بابا نويل.

    شكراً. شكراً لمجهودات ذوي النيات الحسنة والذين يحبون أن يزينوا لنا الحياة في المناسبات.

    ليس هذا المطلوب.

    المطلوب واحد وهو حضورك. حضورك حالاً، وكلّ عذر لعدم حضورك مرفوض.

    أنت مسؤول.

    أنت المسؤول الأول والأخير فلا تقف في ظل الأناجيل.

    قالوا انك ستعود.

    شرّف.

    تعال أخبرنا، تعال تكلم من جديد، تعال نقِّح أقوالك القديمة، تعال أعد النظر في هذا العالم، تعال راجع ضميرك وأعمالك وأقوالك.

    قل لنا أين الطريق. أعرف أعرف: “أنا هو الطريق والحق والحياة”. لكنْ قديمة. نريد غيرها الآن في ضوء الطرق اللانهائية المتداخلة، والحقوق التي لا يُعرف سرابها من طغيانها، والحياة التي نعيشها بالحبوب والأقراص.

    نريد أن نعرف موقفك من اليهود،

    موقفك من اسرائيل،

    موقفك من العرب،

    موقفك من الغرب،

    موقفك من الزنوج،

    موقفك من الحب، والجنون، والطب، والعمل، والمال، والحرب، والعائلة، والبابا، والعقائد، وموت الأطفال، والأمم المتحدة، والفنون، والشعر، والجنس، ومسيحيي لبنان، وسوريا، والأردن، ومصر، والسودان، والعراق.

    الكلمة عظيمة. الكلمة الله. الكلمة أنت.

    لكنْ قديمة.

    نريدك “أنت”.

    جسداً وصوتاً، كما أنت، نازلاً من السماء، طالعاً من القبر، آتياً من الجدار، أومنبثقاً من الماء لا فرق.

    تعال.

    الأمم مجنونة وبلهاء والشعوب مسحوقة وغبية والزعماء يقتلون ويعبدون أنفسهم.

    الكنائس تعيش على الذكريات.

    الأديرة مهجورة.

    الرهبان رهبان لأجل أنفسهم.

    الصليب نجم سينمائي.

    الأناجيل صارت كتاباً كجميع الكتب.

    لا بد من حضورك.

    اقطع أشغالك الحالية، أجِّل ما تفعل الآن، انهض من بين الغيوم واترك كل شيء واتبعنا.

    اتبعنا على الأرض.

    احمل صليبك واتبعنا.

    ذات يوم طلبتْ منك أمرأة كنعانية أن تشفي لها ابنتها المجنونة، فلم تجبها، وقلت لتلاميذك انك أرسلت لخراف بيت اسرائيل وحدهم. فسَجَدتْ الكنعانية لك وقالت: “يا سيد أعنّي”. فأجبتها: “ليس حسناً أن يُؤخذ خبز البنين ويُطرح للكلاب” . فقالت لك: “نعم يا سيد، والكلاب أيضاً تأكل من الفتات الذي يسقط من مائدة أربابها”.

    “الكلاب”.

    معك حق. لقد كَشَفْتَنا.

    من أيامها ونحن كلاب.

    لكن الكلاب أيضاً يا سيد “تأكل من الفتات”.

    عد إلينا.

    نحن الكلاب أحوج إليك من أرباب المائدة لأن أرباب المائدة أكثر توحشا من هؤلاء الكلاب.

    عد إلينا.

    قل لنا مرة أخرى إننا نحن الكلاب وسنصدق.

    قل لنا عندما تجيء إننا لا نستحق وسنصدق.

    قل لنا أي شيء عندما تجيء وسنصدق.

    لكنْ تعال.

    كلامك السابق سَبَقَتْه الأحداث.

    نعم كلامك أبدي لكن الأبدية أيضاً تسبقها الأحداث.

    لم نعد نريد الكتب.

    لم نعد نريد سفراءك على الأرض.

    لم نعد نريد اللجوء إلى الغيب والتجريد. نريدك بلحمك وعظمك.

    أنت يسوع المسيح.

    نريد أن نعرف.

    أن نعرف كل شيء.

    نريد أن نعرف منك أنت شخصياً، بكلام جديد، واضح، هادئ أو صارخ.

    تعال.

    الناصرة تنتظر.

    بيت لحم تنتظر.

    القدس تنتظر.

    جبل الزيتون ينتظر.

    الجلجلة تنتظر.

    فلسطين تنتظر.

    العالم كله ينتظر.

    اللوحة ل Mojo Wang

  • أنسى الحاج – أنا وأنت ناقصان

    أنسى الحاج – أنا وأنت ناقصان

    ■ أنا وأنت ناقصان

    انظرْ إلى صور القتلى، مَن يَقْدر أن يَقتل هكذا؟

    الجميع،

    إلّا أنا وأنت… لأنّنا ناقصان.

    يجب أن ننتظر بشراً آخرين يتوقّفون عن فعل هذا،

    بشراً ناقصين مثلي ومثلك،

    ناقصي الصلابة، ناقصي العضلات، ناقصي البطولة، رخوين جبناء مثلي ومثلك.

    ■ ■ ■

    قبل أن نكره الحرب يجب أن نكره الرجولة، هذه الكتلة الصمّاء. عنتر والزير وأبو زيد الهلالي. السيف والرمح. شوارب الكرامة الكاذبة وحواجب الإرعاب الهزلي. يوم يغدو الشارع امرأةً ينتهي سفك الدم. ما دام الشارع صِبْيَةً ورجالاً وسواطير فلا أمل. عندما يغدو الشارع معرضاً للغوى يصبح القبضايات فيه من آثار المتاحف. الركض يجب أن يكون وقفاً على المراهقات الطائرات بشعرهنّ وتنانيرهنّ. السير يجب أن يصبح فسحةً لتنزّه المتضجّرات في خدورهنّ الأميرات الفقيرات والثَّريّات لا يفرّق بينهنّ غير نسبة الفتنة. يجب أن لا يكون في العالم فتنتان، فتنة الدم وفتنة السحر. الثانية هي الأولى والثانية والثالثة والرابعة بإجماع القلوب والغرائز

    والعصافير.

    ■ ■ ■

    انظرْ إلى صور القتلى، مَن يقدر أن يَقتل هكذا؟ أيُّ جنسٍ هو هذا الجنس؟ ورثةُ أيّ حضارة، أولادُ أيّ دين؟

    هل ينبغي أن يبقى إنساننا العربي طفلاً ابن بضع سنوات حتّى نستطيع أن نشفق عليه؟ لماذا كلّما كبر العربي لم يعد يُحسب على البشر؟ عندما تريد الشاشات استدرار العطف ترينا مشاهد أطفال قتلى أو جياع.

    أيُّ فضلٍ لنا إنْ أشفقنا على الأطفال؟

    ■ ■ ■

    ليت الناس جميعاً منتزَعو العصبيّة السياسيّة. أنا حيوان عاطفي لا سياسي، ولو كان هناك مجال لاخترتُ العيش في «غيتو» من أهل الحنان والرقّة. كلّ عالم سياسي هو خندق وكلّ خندق معمل موت. وأنا أخاف كثيراً.

    وأنا وانتَ يا شبيهي ناقصان. حتّى لو كنّا أكثريّة عدديّة فنحن لا نساوي نفخة أمام الرجال الرجال.

    كان الأمل بالطوفان. لكنّ نوح، بعد الشطف، أعاد جنساً بشريّاً أرذل.

    العزاء في المجهول. يبقى الأمل معقوداً على الغيب، نستيقظ فجأةً في أرضٍ أخرى، إلى جانب ناسٍ ليس في عيونهم غير العطف.

    ■ جَلْد الذات

    لماذا يُعرّي المخطئ قلبه؟ استمتاعاً بالذلّ؟ صَدْماً للمرآة؟ تمثيليّة؟

    ربّما كلّ هذا، ومعه الحاجة إلى انتزاع احترام قد لا يلقاه عند الآخرين لا قبل التعرّي ولا بعده، لكنّه قد يلقاه في ذاته هو إذا سَلَخها.

    ■ الفجر الأوّل

    أوّلُ فجرٍ يستيقظ في الفتى هو أروع من كل أفجار الأيّام. وأوّل فجرٍ يستيقظ في الفتاة هو الأروع. إنّ ما يضفيه على النظر لا قبلُ ولا بعد. هو لحظة، وهذه اللحظة هي الشبكة التي تصطاد ما يتحرّك أمامها.

    أوّل فجرٍ ليس الفجر الأخير. الروح تصنع تجلّياتها في مختبر المجهول، وأيّامها غير الأيّام.

    ■ الحياة أصدق

    نتغندر ونُنَظّر. الحياة أصدق من هذا التمثيل، أبسط. طبعاً هناك ما نريده من بَعد، وراء ما نحصل عليه، هذا الحنين الغامض. ولكنْ أن نجعل منه فلسفة؟ أن نبني عليه؟ إنّه صناعة الحياة نفسها لتستبقيك غير منتبه.

    كلّ متفلّت وهارب، نسمّيه حبّاً. هل النجوم حبّ؟ والجسد وراء النافذة؟ والثأر العاجز؟ والثروات المُتخَيَّلة؟ هل الموت حبّ؟

    … هي هكذا ربّما. والحبّ الذي نتداوله؟ مثل كلّ ما نتداول.

    ■ تفسير

    تبدو الموسيقى نفحة من الطبيعة، وهي في الواقع صناعة. الموسيقى ثمرة إلهام + رياضيّات + مجموعة من التقنيّات العمليّة والشديدة الواقعيّة.

    نتناول الموسيقى كما يتناول المسيحي القربان المقدَّس: معطىً بديهيّاً، رعشةً مُنزلة. لكنّ نظرةً إلى ورقة النوتة تَهْدم هذه السذاجة، مع الأسف.

    الشعر، الشعر الموزون المقفّى خصوصاً، هو كذلك صناعة. ثمرتها ليست بأثيريّة الموسيقى، وإتقانها لا يستوجب الجهود والكفاءات التي يستوجبها إتقان التأليف والتلحين، لكنّ الشعر، إضافة إلى الإلهام والخَزْن الداخلي، هو صناعة بوجهيه اللغوي والإيقاعي.

    جهةُ الصناعةِ هذه هي ما حوَّلَ البعض عن النَّظْم إلى النثر. لا لصعوبة النظم، فهو ليس على هذا القَدْر من الصعوبة، بل في محاولة لتضييق الشقّة بين الهيولى وتطوّرها، بين الشرارة والعبارة.

    هل حصل ذلك على حساب شيء؟ طبعاً. كلّ ما يردم هوّة يفتح هوّة. وما يُحرّر من صناعة يؤسّس لصناعةٍ جديدة.

    وهكذا في الشعر الحديث، ومع قصيدة النثر خاصّة، تجاوزنا مسافة لا لننفذ إلى صحراء وإنّما لنصوغ لغةً أقرب.

    لا عَدَم في الطبيعة بل عوالم تتوالد إلى جانب عوالم. لا سيادة للزَّيَف ولا للعدم في الفنّ بل أيدٍ تَخْلق جمالاً للوقت وتجدّد الرغبة في الحياة.

    سيبقى لكلٍّ صناعته. والغايةُ واحدة: الكلمةُ الذي كان في البدء يعود فيولد اللحظة، ليعود اللحظة ويصبح هو البدء…

    وجميعها بدايات.

    عابــــــــرات

    يَطمئنُّ الأطفال لأصوات أهلهم ولو لم يفهموا ما يقولون. ظهور المعنى يُعرّض الروح، النغم الحلو يغطّيها.

    ■ ■ ■

    ضحكةُ الرجلِ رَفْض وضحكةُ المرأةِ قبول. في الأولى عِواءُ ذئابِ الأنا وفي الثانية أزرارٌ تتفكّك.

    ■ ■ ■

    هل يستطيع أن يُحبّ كثيراً مَن يفكّر قليلاً؟

    الكلبُ يتعلّق بصاحبه، تُجيب.

    مَن يجزم بأنّ الكلب لا يفكّر؟

    ■ ■ ■

    خسرتَ سعادةً لا تُعوَّض؟ ربّما لأنّكَ قَبْلها لم تؤدِّ نصيبكَ من العذاب.

    ■ ■ ■

    عندما تشعر الحسناء أنّها مستقرّة عند شاطئ أمان، تكون عشيّة الدخول في ما سيقلب حياتها.

    شؤون القلب تتبع قواعد غريبة، وهذا المجهول هو الرعاية التي تحمينا من الاستسلام للظلام.

    ■ ■ ■

    أُصلّي لما لا أعرفه فيك أكثر ممّا أُصلّي لما أعرفه.

    الصورة ل Hans Bellmer

  • كمال أبو النور _ عادات عائلية

    من فضلك

    توقفي عن ملاحقة السفن

    فهي متجهة إلى مدن لاتخصك

    مدن تستحم برائحة أمراضي

    كما تطلقين عليها

    وأنت تعرفين أن قلبي

    لا يعمل إلا بالحليب

    لم تنجحي أن تستبدليه بالقطران

    عاداتك العائلية لم تفلح معي

    لأنني محصن بطرطشة الهواء

    بالبهجة

    بإسالة الضحكات حول فمي

    بترطيب وجهك المقطب

    بالقبلات الطائرة

    رأسي الذي أضعه بجوارك آخر الليل

    محشو بالبنج

    لا أشعر بالانفجارات المتوالية

    التي تعصف بالهواجس الملازمة لك

    هل أنت متأكدة أنك تنامين بجواري

    أنت تكذبين فأنا لاأستيقظ

    إلا وحولي أجنحة كثيرة

    عائدة للتو من السفر

    تحتاجين إلى حكم عاجل

    بإعدام الرعونة

    العصافير التي أهديتها لك

    أطعمتها في غفلة منك

    وجبات متوالية من

    من الملائكة الطيبيبن

    سربت في أحلامهم

    مضادات لمحو التجاعيد بالفطرة

    وهذه الأبواب محكمة

    لا تسمح مطلقا بعبور

    مستحضرات لتجميل الكراهية

    أعرف أنك تختبئين وراءها

    وأنك في حالة استنفار

    لإطلاق الرصاص في أية لحظة

    لكنها ستكون أول ضحاياك

    تستطيعين ببساطة

    أن تزيحي الحشرات الميتة

    التي تفوح من رأسك

    سأقدم لك هدية بسيطة

    شجيرات من الياسمين

    تزرعينها حول حواف روحك

    واترك كل أعضائك

    تتصرف كطفل له

    مطلق الحرية في العبث له

    مطلق الحرية

    أن ينام باستغراق

    داخل ميسم زهرة

    اللوحة ل Anne-Marie Zilberman

  • ماهر نصر _ الحصاة والعجوز

    هل رأيت الطريق ؟

    حفاة يحملون النعال

    ولا يرون العجوز الذي يعبر الطريق

    إلى بحر في رأسه

    وكما ترى

    الحصاة تسقط من جيبه

    وبهدوء يركلها

    كشجرة تركل ظلها

    ربما كان يحاول أن يردم البحر

    الحصاة لم تكن من الملح

    حتى يضعها العجوز في أركان قبره

    أو ترشها إمرأة

    تزوج نفسها لرفات جندي مجهول

    الحصاة على الشاطئ

    بيضاء ولامعة كالفضة

    كقشرة سمكة غارقة

    لكنها لم تكن جثة لغريق

    لم تكن عينها اليمنى شمسا

    ولا اليسرى حفرة لدموعه

    ولم تكن عروقها شجرة

    كي تبني العصافير أيامها

    والدم لم يكن بئرا

    لتلعقه الذئاب

    والكف لم يكن قاربا للحفاة الذين يعبرون أوجاعهم

    الحصاة على الشاطئ

    والعاشقان هناك يتبادلان الحصاة

    وهى تطير من جبل إلى جبل

    من سماء إلى زرقتها

    من زهرة برية لأفواه الحفاة

    ولا تستقر كنجمة

    النجوم كلاب السماء

    كلما رأت عاشقا نبحت

    الحصاة تمنح العاشق شفة ووجها

    وتنبت عروقا وعظاما في هيئته

    كما تمنح العاشقة نهديها

    وتمنح عينيها نباح نجمة

    وحبلا تتسلق عليه

    لتطل من نافذة

    وبهدوء ترى صورتها

    الحصاة كانت آخر بسمة في جيب العجوز

    سقطت

    وهو يلوح بيديه لجثته الطافية

    اللوحة ل Pablo Picasso

  • أحلام عثمان _ الجيران يشتكون من صوت الحب في بيتي ..!؟

    الجيران يشتكون من صوت الحب في بيتي ..!؟

    جارتي اختلفت مع زوجها ،
    أوراق الدلفة عن شرفتها ،
    حاولت الإنتحار.
    لا أعرف ..!
    ربما سوف ينام الليلة خارجا .

    الفتاة العائدة من السهرة أيضا ،
    حين مرت قرب بابي
    سمعت صوت الجنون ،
    بمناديل الموسيقا ،
    لملمت جسدها المبعثر
    أظنها الليلة تركت صديقها .
    وأظنّه ، شرب كأس آخر قُبلة .

    ريش الحب خلف بابي،
    الحب الذي بأول البحر لرُكبة سماء،
    والذي يشتكي منه الجيران.

    هنا ..

    مع هذه الأغنيه ،
    الأغنية التي أقلقت سكان العمارة ،
    كل شئ يغني ،
    صوت المطرب غير مسموع ،
    كل شئ حول الموسيقا يغني ،
    الطاولة
    الحائط
    السقف
    الوقت
    وأنا .

    اللوحة ل Val Telberg

  • محمد عيد إبراهيم _ أُلَمّع خيالي كحذاءٍ قديم

    محمد عيد إبراهيم _ أُلَمّع خيالي كحذاءٍ قديم

    إهداءً إلى المبدع المغربيّ: رشيد وحتي

    كلّ فراغٍ يحملُ في طياتهِ مَلئاً
    كلّ فراغٍ صوفُ غَيمٍ، ضِمنهُ كلامٌ
    كلّ فراغٍ كتَصوّرِ مَثّالٍ وهو يفكّرُ في بنيلوبي،
    أو مُنَجِّمٌ بلاغيٌّ يطيرُ كزرقاءِ اليمامةِ
    كلّ فراغٍ نشمّ فيهِ ككلبِ الصيدِ لحمَ الفريسةِ…
    .

    لو كانَ لي أن أسطّرَ الفراغَ
    لكتبتُ ألفاظاً لها رنينٌ في دماغي
    ألفاظاً مجهولةً، تسبحُ في غيرِ سياقٍ،
    ألفاظاً بيضاءَ مِن غيرِ سوءٍ
    أُحوِّرُها لتحمِلَ آثامنا، كما فعلَ قابيلُ بأخيهِ…
    .

    الفراغُ كَونٌ لا سِباحةَ فيهِ
    مع أني أتصوّرُ السّديمَ امرأةً عاريةً
    وعليّ أن أُغطّيها بكلامٍ، كلامٍ شفّافٍ، لا يعي
    أنهُ غطاءٌ، ولا يعي أنها امرأةٌ، كما لا يعي
    أنهُ كلامٌ أصلاً، حيث تختفي البلاغةُ في العُري…
    .

    في الفراغِ حياةٌ، كسِلكِ هاتفٍ مجنونٍ
    في الفراغِ موتٌ، علينا بإيقاظهِ من مَكمَنهِ
    في الفراغِ ظِلٌّ، كنَسرٍ مُجَنَّحٍ قربَ ذيلكَ
    في الفراغِ سَراحٌ، قد يُناظِرُ الضّجَر
    في الفراغِ فَناءٌ، تُذِيبهُ الكلماتُ كفِئرانٍ بالقمر…
    .

    عليّ أن أتلبّسَ الفراغَ ـ
    كراويةٍ مترهّلٍ في الضوءِ
    كنخلةٍ وحيدةٍ فوقَ تلٍّ وقد شاخَت
    كمَن يسافرُ في الجانبِ الآخرِ من الزجاجِ
    بصاريةٍ مِن مَراجلِ الفِعلِ…
    .

    لن تقبضَ على الفراغِ وأنتَ تغنّي ـ
    فالغناءُ مانعُ صدماتِ الكلامِ،
    والكلامُ في الريحِ كزَهَرٍ يرجُفُ تحتَ المطرِ،
    كمَن يلعبُ أدواراً في مسرحٍ صامتٍ
    بأزياءَ خاطفةٍ، جنبَ ساحرةٍ كالشبحِ…
    .

    المزيدُ من الفراغِ يأكلُ روحكَ، فانتظرْ:
    أن تبيعَ الفراغَ لقاءَ كِلمتَين عاطِلتَين
    ببطءٍ حديديٍّ، كقطارٍ يدخلُ في نفقٍ ولا
    عودةَ منهُ، إلا كنَقّارٍ يضيءُ نافذةَ الشجرةِ
    نحوَ مجهولِ البريدِ في آخرِ العالمِ…
    .

    عندَ رؤيةِ الفراغِ، أضحكُ مِلءَ عمري
    عمري الذي ضاعَ من حِرمانِ ما يُمليهِ الفراغُ
    عليّ، في شهوةِ أن يراني الناسُ
    سِحليةً في الشمسِ تبحثُ عن عَقربٍ باردٍ
    لا لتأكلَه، بل تُناورَ مِخيالَه بهزيمةٍ ومقتلَةٍ…
    .

    كَسولٌ هو الفراغُ ـ
    كطفلٍ مُعاقٍ يتمنّى لِحياتهِ التوفيقَ
    كحَلبةِ صراعٍ على سُطوحِ العدمِ
    كلسانٍ ذي عُجْمةٍ أمامَ شُرَطةِ النسيانِ
    أو قردٍ حائضٍ في حِبرهِ وهو يكتبُ…
    .

    أن تديرَ الفراغَ بينَ يديكَ كبرقيةٍ
    معناهُ ضدّ معناهُ، لو اقتربتَ وهو مُعلّقٌ؛
    لن تَغتَني قبلَما تَسلُبهُ حَلواهُ
    كالقَشّةِ التي تُوقِعُ البَعِيرَ في الفلاةِ
    فتمدَحَ خائِنةَ الأعينِ وما في الصدورِ…
    .

    كما قالَ الفراغُ: أنا بومةٌ،
    سيقولُ الفراغُ: أنا بروتسَ عندَ قيصرَ
    أو الضِلِّيلَ وقد عادَ بالقُروحِ من القسطنطينيةِ
    أو بورخيسَ وهو ينحدرُ في الظلامِ إلى المكتبةِ
    أو كحديثِ النبيّ عن الجِنّيّ الفَحلِ وقد مُسِخَ امرأةً…
    .

    أومِنُ بالفراغِ ـ
    كوَطءِ امرأةٍ وهي في شُغُلٍ عن اللّهوِ
    كمَن زرعَ فَسِيلةً يبتغي الضُّرَ من بعدهِ
    كطائرٍ يتأخّرُ طيلةَ الوقتِ على أُمهِ فيُصادُ
    كإيزيسَ وقد جَمعَت أشلاءَ عاشقِها، إلا قَضِيبَه…
    .

    يُعجبني الفراغُ، وهو يعَضُّ شَفتَه السُّفلَى
    يُعجبني الفراغُ، برُقعةٍ تنمو كالإهانةِ
    يُعجبني الفراغُ، كقَوسِ قُزَحٍ بلَونَين فقط
    يُعجبني الفراغُ، كجارةٍ تحتَ السريرِ وقد نامَت
    يُعجبني الفراغُ، كحِمارٍ على رأسِ كَوكَبٍ…
    .

    أنا الفراغُ ـ
    أنا الجنينُ الوَزَغُ وقد تَسَمّمَ بدمهِ
    أنا الضّحكُ المنهمرُ بُعَيدَ القبضِ عليكُم
    أنا الفتنةُ البيضاءُ قربَ الفجرِ تصرخُ
    بصوتِ رسولٍ كذوبٍ: كونوا معي!

    اللوحة ل Gunter Brus

  • قمرٌ أزرق – هيرومي كاواكامي – بثينة الإبراهيم .

    قمرٌ أزرق – هيرومي كاواكامي – بثينة الإبراهيم .

    أعود بذاكرتي أحيانًا إلى أحداث بعينها وأجد نفسي محتارة حول الوقت الذي بدأت فيه بالضبط.

    لقد كان يومًا جميلًا بسماء صافية، وقد منحني المبني ذو الطوابق السبعة –في الضواحي الغربية من طوكيو- إطلالة واضحة على جبل فوجي. جعل مكيف الهواء الغرفة باردة على نحو عذب، ورغم ذلك فقد بدا الاثنا عشر شخصًا تقريبًا، الذين يرتدون ثيابًا بيضاء بانتظار إجراء فحوصاتهم الطبية، كأن لديهم أمورًا أفضل للقيام بها.
    لكوني شخص يقضي معظم وقته في الكتابة في مكتبي، بدأت أعتبر فحصي الطبي السنوي تغييرًا للمشهد أكثر من كونه أمرًا يتعلق بصحتي. كنت قد فقدت السمع بأذني اليمنى منذ حوالي عشرين عامًا، وكان تعداد كريات دمي البيضاء أقل من المعدل بقليل لنحو عشر سنوات. “إن حدث تغيرٌ كبير في تعداد الكريات لديك فقد نكون بحاجة لإجراء فحوصات أكثر، لكن لا داعي للقلق” كان هذا ما يقال لي عادة. كانت مسائل صغيرة كهذه، كما بدا لي، طبيعية لامرأة في منتصف الخمسينيات، وقد يكون من المحرج قليلًا ألا أشكو شيئًا على الإطلاق.
    بعد أن أنهينا الفحوصات، استدعينا واحدًا تلوا الآخر للتحدث قليلُا مع الطبيب. كيف تشعرين؟ مثلما كنت أشعر المرة الماضية تمامًا. جيد، حافظي على ذلك، أراك العام القادم، ربما تحاولين ممارسة بعض التمارين الرياضية. كانت المحادثات عادة تمضي على هذا النحو، وظننتها اليوم ستكون كذلك أيضًا، لذا حين قال لي الطبيب بصوت ناعم “لديك ورم في البنكرياس، لا بد من إجراء فحوصات فورًا”، وجدت صعوبة في فهم كلماته لوهلة.
    أخذت موعدًا بعد ظهر ذلك اليوم في مستشفى الجامعة، ودونت الموعد في تقويمي بشيء من الدوار. لم يكن هنالك وسيلة لأعرف إن كان هذا الأمر بداية لتغيير حياتي. لم أكن أشعر بشيء، فلم يكن هنالك مؤشرات، وكانت شهيتي للطعام جيدة، لم أكن أتألم، وبدوت على ما يرام. لكن الأورام الخبيثة هي الأورام التي ليس لها أعراض غالبًا. بنكرياسي، جزء مني يستحيل علي رؤيته أو لمسه، حتى لو كان عضوي شخصيًا، ووجدت ذلك غريبًا على نحو رهيب.
    أجريت لي عدة فحوصات، وبعد مراجعة تقاريري من العيادة قال الطبيب “هناك احتمال كبير أن يكون الورم خبيثًا، لا بد من إجراء المزيد من الفحوصات، لا بد أن تدخلي المستشفى، متى يمكنك القدوم؟”
    لمَ يتحدث كل الأطباء بهذا الصوت اللطيف الناعم؟ أحسست برغبة خفيفة بالضحك لكني لم أفعل.
    وهكذا أدخلت إلى المستشفى في الأسبوع التالي لمزيد من الفحوصات. تخدير، محلولات وريدية، أشعة. بيكريل: وحدة قياس عرفتها للمرة الأولى إبان انهيار مفاعل فوكوشيما للطاقة النووية[1]. كم عدد وحدات البيكريل التي تمر عبر جسدي في هذه اللحظة؟ أخذت أتساءل بهمس. استلقيت على السرير بانتظار النتائج. قال لي الطبيب بصوته الناعم “من المحتمل بنسبة 90 بالمئة أن يكون الورم خبيثًا”. يا للضغط الذي يرزح تحته هؤلاء الأشخاص الذين يتعين عليهم نقل أخبار كهذه للمرضى كل يوم. إن كان خبيثًا، فما هو احتمال النجاة؟ احتمال البقاء على قيد الحياة لخمس سنوات ليس أكثر من 10 بالمئة. يفترض بي السفر إلى روسيا الأسبوع القادم في رحلة عمل، هل أستطيع ذلك؟ نعم، ولكن عليك التوجه إلى المستشفى فور عودتك، سنجري عملية جراحية. هل علي اتباع تعليمات معينة، هل هناك أمر لا يتعين علي القيام به، هل أتجنب تناول طعام ما أو شراب ما؟ لا، لا شيء، تابعي حياتك كالمعتاد.
    كالمعتاد، بهاجس الـ 10 بالمئة. كان احتمال كون الورم حميدًا واحتمال العيش لخمس سنوات إن كان الورم خبيثًا متكافئان، 10 بالمئة، رقم واضح جدًا. لا بد أن الجو بارد في روسيا، يجب أن أتذكر أخذ قبعة دافئة.
    حين وصلت إلى موسكو، وجدت أنني نسيت جلب دفتر صغير. كلما سافرت خارج اليابان، كنت أحرص على الذهاب إلى المكتبة لشراء دفتر أدون فيه كل تفصيل: رقم تذكرة الطائرة، مصروفي اليومي، جداول المواعيد، الأشخاص الذين ألتقي بهم، الطعام الذي أتناوله، لون السماء في يوم محدد. كانت رحلة تدوم أسبوعًا تعني عادة أنني سأملأ دفترًا ذا خمسين صفحة من الغلاف للغلاف، رغم أنني في بلدي لا أحتفظ بمفكرة على الإطلاق.
    ترددت، كنت محتارة إن كنت سأقتني واحدًا في المطار، لكن قفزت الفكرة في ذهني عندها: لم أتكبد العناء؟ ما الغاية من تسجيل كل شيء على هذا النحو؟ حين أعود من أسفاري لم أكن أفتح هذه الدفاتر لقراءة ما دون فيها إلا نادرًا. كل هذه الذكريات، أسطر وأسطر منها، تملأ حوالي اثني عشر دفترًا أو أكثر. وهكذا اخترت ألا أشتري واحدًا، ولوحت للشخص من “جابان فاونديشين” الذي جاء للقائي. هذه المرة الأولى التي يهطل فيها الثلج بغزارة هذا العام، وقد نستغرق بعض الوقت للوصول إلى المدينة. حقًا؟ في اليابان ما يزال الفصل أول الخريف، ما يزال الطقس حارًا. تجاذبنا الحديث في السيارة. كنت متوترة وأرتعش قليلًا، إما بسبب العشرة بالمئة أو بسبب عتمة المدينة التي أزورها للمرة الأولى.
    لكن النسيان من طبيعة البشر، ربما عليّ ألا أعمم، النسيان من طبيعتي أنا. ألقيت محاضرة في معرض موسكو الدولي للكتاب، واستمتعت بها، لقد فعلت حقًا. وفي سانت بطرسبرغ، صدق أو لا تصدق، تمكنت من الاستماع لغناء لودميلا بيتروشيفسكايا. لقد حدث ذلك بالصدفة؛ في رحلة القطار من موسكو إلى سانت بطرسبرغ كان الأستاذ ميتسويوشي نومانو، الذي كان عضوًا في مجموعتي، يجلس بجانب بيتروشيفسكايا، ودعته إلى حفلة موسيقية لها في اليوم التالي وسألها إن كان باستطاعته اصطحاب ضيف فقالت طبعًا! وهكذا، بكلمة واحدة من الكاتبة الشهيرة، كنت أجلس هناك مع الجمهور. لقد حظيت بوقت طيب. استمعت في مقهى للكتب إلى قصائد هايكو كتبها بعض الروس، وألقيت بعضًا من قصائدي، لقد كان الأمر ممتعًا؛ ممتعًا حقًا.
    ربما كنت مشغولة بالموت طوال الوقت، هذا ما تفعله حقًا عندما تكتب الأدب؛ أن تفكر بالموت. الأمر الوحيد الذي لا يمكن لأحد، لأي أحد على الإطلاق، تجنبه، الأمر الوحيد الذي يحدث لكل البشر، بلا استثناء. لقد فهمت ما يعنيه الموت بعد أن بدأت بكتابة الأدب فقط. كان علي أن أعرفه، لكني لم أفعل. لقد عرفته فقط حين بدأت العيش مع الشخوص في قصصي، وقد أدهشني ألا أعرفه من موت أحد في حياتي، بل من موت الشخوص الذين لم يموتوا بعد، الذين يعيشون في رواياتي.
    أمضيت في موسكو وفي سانت بطرسبرغ ما مجموعه ثلاث وأربعون دقيقة ربما في التفكير في الموت. في سيارة الأجرة وهي تنتظر أن تشق طريقها في الشوارع المسدودة بسبب الثلج، على السلم المتحرك الذي يهبط إلى أعماق المترو، في لحظات الصمت تلك أثناء الاستراحة في جلسات النقاش، في الدقائق التي تسبق خلودي إلى النوم في وقت متأخر من الليل، لقد كانت أطول بقليل من الوقت الذي أمضيته في التفكير في الموت في الأيام التي سبقت معرفتي بالعشرة بالمئة. على نحو غريب، كنت كلما فكرت بموتي كان يحدث ما يعرقل ذلك. كنت أفكر فيه بشكل مجرد فقط.
    مشيت على الطرق المثلجة ووصلت إلى مقهى الكتب، كنت سألتقي بجماعة هايكو روسية. كانت المرأة التي ستترجم قصائدي قد وصلت قبل الموعد وجلست في زاوية من المقهى في أعلى طابق في المبنى. يتضمن شعر الهايكو مفردات فصلية (كيجو)[2]، مفردات تصف شيئًا ما في السماء أو النسيم أو الطيور أو الحشرات أو النباتات أو القمر والنجوم في فصل معين، وكنت أتساءل ما هي المفردات “الفصلية” التي سيستخدمها الروس حين يكتبون الهايكو؟
    بدأ الناس يتوافدون في جماعات من شخصين أو ثلاثة وبدأ اللقاء. كانت اليابانية تُترجم إلى الروسية والعكس صحيح، وكانت المعاني في ظاهرها صحيحة لكني لم أكن متأكدة من ظلال المعاني، فالتباينات الدقيقة للكلمات لصيقة بالثقافة التي تستخدمها. راودني الشك حول استطاعة أحد نقل الفروقات الدقيقة في لغة ما إلى نظيرتها في اللغة الأخرى، وهما لغتان مختلفتان كثيرًا، كنت أراقب المترجمة وهي تنقل اليابانية إلى الروسية والروسية إلى اليابانية. كل ترجمة هي ترجمة خاطئة، كما يقول موتويوكي شيباتا المترجم والباحث في الأدب الأمريكي الذي أثق به، أعرف أنه كان يقول هذا كنوع من الدعابة، لكن هناك جانب صحيح في قوله أيضًا.
    ترجمت لي المترجمة قصيدة هايكو من الروسية إلى اليابانية:
    يتساقط ثلج ناعم. تلقيت معطفًا من أخي الميت.
    كان الشخص الذي كتب القصيدة يجلس أمامي، رجل في الستين من عمره تقريبًا.
    حاولت أن أحولها إلى قصيدة هايكو يابانية:
    ثلج ناعم، يتلقى معطف أخي الميت.
    دهش الرجل وحدق بي.
    أُلقيتْ بضع قصائد هايكو أخرى بالروسية، وكان كل واحد منا يقول رأيه. كلمات مثل هش، أشياء صغيرة. أخذت أتساءل إن كان الرجل أيضًا يواجه احتمال الموت. كلمات، حياة…. هشة جدًا، ضئيلة جدًا وتافهة. أدركت أنني أصبحت عاطفية بعض الشيء. في البدء نكون خلايا بنصف مجموعة من الكروموسومات دون أي صفات مميزة، وفي لحظة ما نصبح كائنات بشرية، ثم نصبح لا شيء على الإطلاق، ما الذي قد يفاجئنا في هذا؟
    انتهى اللقاء وتقدم الرجل الذي كتب قصيدة هايكو عن الثلج الأملس ومد يده نحو يدي، صافحها و ضغطها بشدة.” لم أكن أعرف شيئًا عن الشعب الياباني، لكن اليوم بلقائك تعرفت إليه للمرة الأولى، أنا سعيد”. تنقل لي المترجمة باليابانية ما قاله الرجل بالروسية، وصارت الظلال الدقيقة للمعاني خلفي، ابتسم الرجل، كانت عيناه رماديتين. كيف كان أخوك؟ سألته. لقد كان شخصًا صالحًا، أجابني. كنت أتذكر الرجل ذا العينين الرماديتين في ليالي الأرق.
    أنا لست امرأة متدينة، لقد خطر لي أن الأمر سيكون صعب الاحتمال حين أموت لأنني لست متدينة، لكن ربما لأنني كنت متعلقة بنسبة العشرة بالمئة لم أعد أخشى الموت.
    بعيدًا عن الموت نفسه، كان اختفاء الأثر هو ما يبدو مزعجًا وحزينًا، أن تختفي كل العلامات التي تدل على أنني عشت، الآثار التي سكنت معطفًا امتلكته يومًا، ذلك الذي سيصبح عندها ملكًا لأخ لي… حين يصبح المعطف قديمًا ومهترئًا، ستذبل ذكراي أيضًا ثم ستتلاشى في النهاية. ستسكن آثاري في الصور العائلية القديمة، أو على رفوف متاجر الكتب المستعملة، ربما للحظات قليلة، مثل تلكما العينين الرماديتين اللتين تجثمان داخلي للحظة. إننا نولد في لحظات قصيرة، ويجب ألا يفاجئنا كل هذا.
    عدت إلى اليابان وأجريت العملية. إن الورم في بنكرياسك حميد، أخبرني الطبيب بنبرة لطيفة ناعمة.
    وهكذا مرت الأيام. كل ترجمة هي ترجمة خاطئة، لكن لا بد أن يكون لتلك العبارة جزء آخر، كل محادثة هي سوء فهم. كنت أفكر في التناقضات التي ستكمن في الثغرات بين اللغات كلما سافرت خارج اليابان، إلى أي مكان لم تكن اللغة اليابانية –لغتي الأم- لغة مألوفة فيه. ولكن حتى عندما أتحدث بلغتي الأم تحدث الأمور نفسها، كل اللغات يساء فهمها، بدرجات.
    قبل شهرين من رحلتي إلى روسيا في بداية الخريف، سافرت مع موتويوكي شيباتا وزوجته وآخرين لقضاء ليلة في منزل ريفي لتيد جوسين الباحث في الأدب الياباني خارج تورنتو. لم يكن لدي أدنى فكرة في ذلك الوقت حول العشرة بالمئة التي سأعلم بها بعد شهرين.
    أوقدنا نارًا تحت القمر المكتمل، وكان هناك صوت ارتطام ضعيف لتفاحة تسقط على الأرض بين الحين والآخر.
    “هناك مفردة فصلية (كيجو) للقمر المكتمل في الخريف”، أخبرت تيد، “الليلة الخامسة عشرة (جوغو-يا).
    “لدينا في الإنجليزية كلمة مختلفة؛ قمر أزرق”، قال تيد وهو ينظر للأعلى.
    حين يحدث اكتمال لقمرين في شهر واحد، يسمى الثاني قمر أزرق، إنه حدث نادر. حين عدت إلى اليابان، بحثت عن العبارة. لقد شاهدنا القمر الأزرق في أغسطس عام 2012، وسيحدث ذلك تاليًا في يوليو عام 2015.
    يقدر البشر دومًا مرور الوقت بالنظر إلى السماء، فهل سأكون قادرة على النظر إلى القمر الأزرق التالي؟ قد يبدو أن الموت قد انحسر بعيدًا، لكنه لم يفعل حقًا، لم يفعل مطلقًا. أعرف ذلك الآن، ولم أكن أعرفه قبلًا.
    يقال إن الكون تشكل من انفجار هائل قبل 13.7 مليار سنة، وإن الأرض خلقت قبل 4.5 مليار سنة، وخلق الإنسان الحديث قبل مئتي ألف سنة فقط. لم يشهد أحد بدايات هذه الأحداث ولم يسجل أحد ملاحظات مفصلة عن تطورها. والأمر نفسه ينطبق على كل الوجود، صغيره وكبيره؛ الكون، أنا، الطيور المحلقة في السماوات، رقائق الثلج المتساقطة في موسكو…. لم يشهد أحد بدايات هذه الأشياء، ولا يمكن لأحد التنبؤ بنهايتها. يا له من أمر نفيس، يا له من أمر محفوف بالمخاطر أن تكون على قيد الحياة. كانت السماء مكفهرة طوال الوقت تقريبًا أثناء رحلتي إلى روسيا التي دامت أسبوعًا ، لكن هناك يوم كانت فيه السماء صافية وزرقاء وقد لمع ضوء الشمس على قبة كاتدرائية القديس إسحاق في سانت بطرسبرغ، في تلك اللحظة خطر لي أنني على قيد الحياة، وهذا كافٍ، هذا كل ما أحتاجه.

    1- كارثة فوكوشيما حدثت بعد زلزال عام 2011، أدت مشاكل التبريد إلى ارتفاع في ضغط المفاعل ثم مشكلة في التحكم بالتنفيس نتج عنها زيادة في النشاط الإشعاعي.
    2- Kigo كلمة أو عبارة مرتبطة بفصل معين، تستخدم في الشكل التقليدي للشعر الياباني للإشارة إلى الفصل الموصوف في القصيدة.

  • قصيدة –  فياض خميس – ترجمة: أحمد عبداللطيف

    قصيدة – فياض خميس – ترجمة: أحمد عبداللطيف

    ما الشعر بالنسبة لك غير أنه حجر جوّفته الشمس
    والمطر،
    غير أنه طفل يموت بردًا في ميناء بـ بيرو،
    غير أنه جواد ميت محاط ببقع تصف دوائر دخان أبدية،
    غير أنه امرأة عجوز تبتسم كلما حدثوها عن وصفة جديدة لعمل فطائر بالمخ،
    (بينما يحكون للعجوز عن عجائب التكنولوجيا والعالم الافتراضي والمراكب الفضائية)
    غير أنه مسدس متأجج، قبضة مغلقة، ورقة سكروبيا، فتاة حزينة أو فرحة.
    غير أنه نهر يقسم قلب الجبل؟
    ما الشعر بالنسبة لك غير أنه مصنع لعب أطفال،
    غير أنه كتاب مفتوح مثل ساقيّ امرأة،
    غير أنه يديّ عامل خشنتين،
    غير أنه مفاجآت اللغة- هذا المحيط اللانهائي الذي اخترعه الإنسان كاملًا-،
    غير أنه وداع العشاق في ليلة هجوم بقنابل عدوة،
    غير أنه أشياء صغيرة بلا اسم ولا تاريخ
    (طبق، كرسي، صواميل، منديل، قليل من الموسيقى في ريح الظهيرة؟)
    ما الشعر بالنسبة لك غير أنه كوب ماء في حنجرة العَطِش،
    غير أنه جبل من الأطلال (أطلال عالم قديم نسفته الحرية)،
    غير أنه فيلم لشارلي شابلن،
    غير أنه شعب عثر على دليله،
    ودليل عثر على شعب
    في مفترق طرق معركة كبيرة،
    غير أنه شجرة سيبا تسكب أزهارها في الهواء
    بينما يجلس الفلاح يتناول غداءه،
    غير أنه كلب يعوي على موته ذاته،
    غير أنه صخب طائرات عند كسر حاجز الصوت
    (أتخيل تحديدًا سماءنا وأبطالنا)،
    ما الشعر بالنسبة لك غير أنه لمبة مضاءة،
    غير أنه دجاجة تنقنق لأنها باضت في الحال،
    غير أنه طفل يعد فلوسه ويدفع ثمن الجيلاتي،
    غير أنه حب حقيقي، يقتسم الخبز كل يوم،
    غير أنه الطريق المؤدية من الظلمة للنور (وليس العكس)
    غير أنه الكوليرا التي نتعذب بها جميعًا
    لأننا نكافح من أجل المساواة والخبز على الأرض،
    غير أنه هذا الشيء الذي يتزحلق على رصيف مبلل وهم يشاهدونه،
    غير أنه جسد فتاة عارية تحت المطر،
    غير أنه حافلات مترعة بالبضائع،
    غير أنه أدوات تذكرنا بالعنكبوت والسحلية،
    غير أنه انتصار الضعفاء،
    غير أنه النهارات والليالي،
    غير أنه أحلام عالم الفلك،
    غير أنه ما يدفعنا للأمام نحو البشرية الرحبة؟
    ما الشعر بالنسبة لك؟
    جاوب بحروف واضحة، والأفضل بحروف مطبوعة.


    *فياض خميس
    *ترجمة: أحمد عبداللطيف

  • بكاي كطباش – قصائد هايكو

    بكاي كطباش – قصائد هايكو

    ‏الغريبان الصامتان،
    ‏مظلتاهما تدردشان
    ‏بلغة المطر
    ‏_

    ‏⁧‫في المقهى القديم
    تهبّ الريح مرّة
    ومرارا ذكراك
    __

    في الإطراقة المستديمة
    للمهاجر السرّي
    قارب يغرق
    _

    قبضة الرّضيع،
    الكَوكب الغضّ يبسط الآن
    قارّاته الخمس
    _

    يرن المنبه
    مجمدا غزالة الحلم
    في نصف وثبة
    _

    ليست أقلّ كآبة
    من سترة العَجُوز المقلوبة
    سَماء اليوم
    _

    مرآةٌ مُحَدّبة،
    أتَأمّل الـمُمَثّـل الهَزْلِي
    دَاخِلِي
    _

    الأوراق رسائل،
    الرّيح ساعِي بريد
    لا يأبه للعناوين
    _

    ‏ببعضها البعض
    ‏تدفن أوراق الخريف
    ‏بعضها البعض
    ‏_
    ‏⁧
    ‏بخطى خافتة
    ‏وكأن هناك من يصلّي
    ‏أو يسلم الروح
    ‏_

    ‏بينما أقشر موزة
    ‏تنزاح قليلا
    ‏معضلة الوجود
    ‏_

    ‏لنكتة الريح
    ‏تضحك الشّجرة
    ‏بكل أوراقها
    ‏_

    ‏ولا أرجوحة واحدة
    ‏أبقتها القذائف
    ‏لريح الخريف
    ‏_

    ‏في فمه عشبة خضراء
    ‏الغريب الذي لا يسأله أحد
    ‏كيف حالك
    ‏_
    ‏⁧
    نوافذ تحاول التحليق
    ‏وجوه الغائبين تطلّ
    ‏مليئة بالأجنحة
    ‏_

    ‏نهر يعتمر قبعة
    ‏يرفعها حين تمرّ نساء جميلات
    ‏ويواصل السير
    _

    إلى بيت العائلة
    يعود الجندي الفتي
    برتبة ميّت
    _

    في ثنية الجناح المكسور
    ترى كم من أفق
    يصير الآن هاوية؟
    _

    هو أيضا يتآكل،
    القلب البلّوري الصغير
    في حمّالة المفاتيح
    _

    ‏يتسلل اللّيل هاربا
    ‏حاملا على ظهره
    ‏كيسا مثقوبا من عيون القطط
    _

    ‏المساء المتراكم في النّافذة
    ‏يتجاذبه اثنان:
    ‏الصّبّار والنّدم
    _

    سيأتي من يقول
    كانت هناك بحيرة
    وكان هناك بجع في البحيرة
    _

    إلى المسجد
    تدحرج تنكة بيرة
    الريح الكافرة
    _

    أَيها الباب
    كفى صريرا
    أنت تُرعب الرّيح.

  • إنّه البرد – أمل خلف.

    إنّه البرد – أمل خلف.

     

    Olivia Pendergast

    اللّيل موحش بالخارج.. الرّيح ساكنة و البرد ينزل بكلّ ثقله على الجدران القديمة التي تسكنها الرّطوبة.
    الغرفة واسعة، السّقف عال، صنبور الماء لا يتوقّف عن نقراته المزعجة. يخيّل اليها أن البرد يصبح أشدّ بوقعها..
    كمحاولة لتبديد الوقت و الملل و تنشيط العظلات، أعادت فرش الزربية، تأملت حوافها المهترئة و أخذت تحسب ذهنيا عدد المكعبات بالارضية لأجل أن تكون تمامًا فى وسط الغرفة و عن ذات المسافة من السرير و الاريكة.

    أعادت تلك العمليّة مرارًا دون نتيجة مرضية. احسّت بسخط كبير يملء نفسها. ربّما لو كان احدهم يشاركها هذا البيت لكان بامكانه مساعدتها الان فى تثبيت هذه الزربيّة الغبيّة كما يجب.
    ربّما لو استجابت لابتسامات جارها المتقاعد سي علي و توقّفت عن التمنع الذى لا طائل منه لما كان هذا حالها.
    سي على رجل لطيف ليس كريها او فجّا، يطاردها كل يوم ثلاثاء حين تستعد لزيارة المستشفى القريب.
    يطاردها من باب المقهى حتّى مسافة متر، ربّما متر و نصف عن محطّة الحافلة.
    لا يمكنها ان تشكّك باناقة سي علي، هو لا يجيد تشمير اذرع قمصانه بشكل عام لكنه ليس مائعا او قليل ذوق، كلّ الوان قمصانه درجات من الازرق الغامق. طول عطفات سراويله دائما مناسبة لطوله، و ندر ان لمحت على حذائه آثار غبار. معطفه الرّمادى مرتهل بعض الشيء ما يدلّ على فقر او تقتير تعافه نفسها، لكنّ له سترة صوفيّة باثخة النعومة، تشي بذوق رفيع و ايام هانئة.
    سي علي ابتسم لها مرّات عديدة، 15 مرّة. انتقل منذ أربعة اشهر تقريبا الى السكن بالعمارة المقابة. فى الاسبوع الاول لم تره. نزلة برد منعتها عن زيارة الطّبيب.
    لم يحدث ان أخلف موعدا لهما، هذه اشارة كرم نفس و صبر على المحبّة، قلّما تجد هكذا صفات برجل.
    حتّى طبيبها الذى يباشر على علاجها منذ اربعة سنوات و ثمانية اشهر، لا يحفظ اسمها كما ينبغي، يحدث ان يناديها فطيمة. كانت توبّخه فى اول علاقتها به، ثم ما لبث أن استسلمت لطباعه الفضّة الخشنة. اي قلّة ذوق ان يسهو رجل عن حفظ اسم امرأة بعينها! و اي استهتار ان لا تسع ذاكرة طبيب اسامى مرضاه و تاريخ حياتاتهم..!!

    زفرت ببطأ، قلبها يدقّ اسرع من العادة، دقّة اثنان،اربعة.. عشرون ، سبعون، سبعون و واحد، و اثنان و مائة.
    مائة دقّة فى الدقيقة، بالامس كانت تسعين. أخذت تتنفس و تعدّ زفراتها القصيرة، واحد، اثنان، ثلاثة..
    يجب على القلب ان يعدّل خطوته على نسق زفراتها..
    اعادت نفس التمرين اكثر من مرّة..
    ثم ازاحت الغطاء من فوق رجليها و نزلت من على سريرها بطاقة متجدّدة: تلك الزربيّة يجب ان تعدّلها.
    وقفت طويلا تعدّ مكعّبات الجليز جيئة و ذهابا ثمّ صمتت وسط العدّ، محاولة ان تتذكّر، فيم كانت تحتاج سي علي ؟؟

    لقد اصبحت كثيرة النسيان هذه الايام. انّه البرد. و تلك الحنفيّة اللّعينة!!
    تركت حافة الزربيّة و اتّجهت نحو المطبخ و هي تعدّ خطواتها فى ذهنها.. بينما يداها تفركان أطراف قدميها الممدودة فوق السّرير، حتى تدفئها..

  • كلّما أنام أصبحُ المطلق- فهمي بلطي.

    كلّما أنام أصبحُ المطلق- فهمي بلطي.

    كلّما أنام أصبحُ المطلق، كلّما أفيق أصبح أقلّ من المطلق بقليل، أضحك كثيرًا و أنا أرى أجساما متحرّكة في كلّ مكان حين أشيح بعينيّ هنا و هناك عبر بلّور سيّارة الأجرة، أجساما ليست عارية، فوقها أقمشة تتّبع بدقّة غريبة تجاويف الذّراعين و السّاقين ..من هؤلاء و ماذا يفعلون هنا؟ و من أنا أنا نفسي؟ و إلى أين أنا ذاهب و من هذا الجسم الذّي يمسك عجلة نحيفة و صغيرة بجانبي و يحدث أصواتا غريبة :” الله يرحمك يا بورقيبة، كنت تعطي بالكفّ و ترجّع كلّ واحد منين جا، برّكتوها تونس “؟ عندما أشرب قهوتي، أتقلّص أكثر من ذاك الذّي هو أقلّ من المطلق بقليل، أستعيد الذّاكرة: أنا إنسان، لا أعرف بالضّبط ما معنى ذلك و لكن، هو هكذا ، أنا إنسان و هؤلاء الذّين كنت أراهم هم أيضا أجسام من فصيلة الإنسان و نحن كلّنا هنا في نفس المكان منذ أوقات متفاوتة و كلّ منّا له قصّة و لا أحد يعرف قصّة الجسم الآخر الذّي يتقاطع معه هنا أو هناك، و لكن هو هكذا، كلّ واحد منّا له شيء يعمله و نحن تربطنا ببعضنا علاقات غامضة لا أحد يفهمها تماما حتّى أنّ الكثيرين منّا ممّن وجدوا قبلنا و اختفوا أو ممّن يوجدون معنا الآن، يبحثون عن تفسير لهذه العلاقات و يكتبون مجلّدات في ذلك ثمّ يتخلّون عنها و يجدون تفاسير أخرى يكتبون فيها مجلّدات ثانية و هكذا …ور غم ذلك كلّه ، كلّ جسم فينا يدرك جيّدا و هو متأكّد جيّدا أنّه من هذه الفصيلة: إنسان، حتّى أنّ الأمر يصبح عاديّا جدّا و لو أنّ أحدا يصرخ في الشّارع فجأة بكلّ ما أوتي من إحساس بالغربة و الخديعة: من نحن، ربّما يُزجّ به في مكان غريب اسمه المورستان يؤوون فيه كلّ من شذّ عن ذاك الإدراك العجيب: أنّه إنسان، رغم أنْ لا أحد في الحقيقة يعرف ماهو كنه هذه الفصيلة و ماهو أصلها و فصلها.. و هذه حكاية طويلة…في آخر الليل أصبح شيئا أقلّ من المطلق بكثير، شيئا يبدو أنّ الكلمة المناسبة له و التّي لا أفهمها تماما هي :شبح ….
    عند الفجر، و قبل أن أتحوّل من جديد إلى ” المطلق”، لا أصبح أفهم أصلا ما هو المطلق، و يبدو أنّني أشِذُّ تماما عن تلك الفصيلة غير أنّ شيئا ضئيلا داخلي يتبقّى و يمنعني من الصّراخ بكلّ طاقتي داخل ذلك الصّمت الرّهيب: من أنا و ماذا أفعل هنا أيّتها الكائنات المرعبة؟ …ثمّ يحملني المطلق و أنام و أحلم أنّ ذلك الشّيء الذّي منعني من الصّراخ و من ثمّ الذّهاب إلى المورستان هو الخوف، و أنّ الخوف هو أصغر ما يمكن أن أتحوّل إليه.

  • تشارلز بوكوفسكي – هنا والآن | ترجمة : ضي رحمي

    هناك أيام يسير كل شيء فيها
    على نحو خاطئ.
    على الطريق السريع، في البيت، في السوبر ماركت
    في الأماكن كلها.

    مطرِد، متواصل، عنيف ،عشوائي، عدواني
    على ما تبقى من مشاعرك
    وقواك العقلية.

    على مهل؛ تتطهى أعصابك حتى تذوب.

    في البداية، تلعب الآلهة في صفك
    لكن، سرعان ما يظهر العداء.

    الدروع الفلسفية لن تحميك،
    أي قدر من الحكمة.. غير كافٍ.

    أنت معلق كفريسة للكلاب والناس؛
    تداعيٌ كليٌ تامٌ للنسق والمنطق.

    ثم هناك دائمًا
    -فجأة-
    ذاك الوجه المبتسم المضيء بعيونه القاتمة،
    نصف الغريب الذي يصيح في جلبة:
    “مرحبًا، كيف حالك؟”

    الوجه قريب جدًا حيث يمكنك بوضوح
    رؤية كل بثرة، كل تغضن في بشرته،
    والفم الرخو كنصف حبة خوخ فاسدة.

    حينئذ تدور في ذهنك
    فكرة واحدة: أأقتله؟

    لكنك، رغم ذلك ترد قائلًا:
    “كل شيء على ما يرام. ماذا عنك؟”

    ثم تتخطاه متجاوزًا،
    تاركًا غضبك منه خلفك،
    مثلما تبرق شمس من وراء سحب
    حمضية.

    تواصل المسير
    بينما تضحك الآلهة وتضحك.
    تضع قدمًا أمام الأخرى،
    تأرجح ذراعيك مثل ناقوس صدئ بلا رنين،
    وفي رأسك يتخثر الدم كالجلاتين.

    لكن،
    هذا اليوم سينتهي
    هذه الحياة ستنتهي
    وأخيرًا ،ستحلق الطيور الجارحة بعيدًا.

    كل ما أرجوه
    أن يحدث هذا سريعًا، سريعًا، سريعًا.

    .

  • غاليلو/لي- سمر دياب

    غاليلو/لي- سمر دياب

    لو أنها تَدورُ، لرأيت بجعَ إنكلترا في حضن طفل يحتضرُ في الصومال، يضعُ رأسه في فمه ويتوسّل إليه أن يقضمه..
    لو أنها تدور لكانت دخلتْ نجمةٌ حذائي وأنا أدوس بحقدٍ على السماء وأنظر إلى جحور النمل فوق رأسي تضيء بسعادة
    لو أنها تدور، لما احتجتُ لأن أدير وجهي وأراقب شفاه جارتي الخرساء لأفهم أنها تقول: la vida es triste *
    عفواً، أنا هكذا أفهم الدوران..

    لو أنها تدور، لكان البحر الآن في عشّ طائر، فاتحاً فمه ليَدخل منقار أمّه إلى جوفه بحشرةٍ صغيرة، تسدّ جوع السفينة التي ترفسه في بطنه كل يوم..
    لو أنها تدور، لارتدى الدراويش ثيابهم النظيفة، وماتوا واقفين..
    لو أنها تدور، لاكتشفتنا القارات قبل أن نكتشفها- على الأقل كانت مشت أمريكا إلى كولومبوس وهو رضيع ووضعت وِسادةً على وجهه لخمس دقائق..
    لو أنها تدور، يا عزيزي، لهرهر الموتى من أضرحتهم، وظنناهم مطراً، وتمشينا تحتهم نتحدثُ عن الحبّ والرغبة. الصغار منهم رذاذ لطيف والباقي مطر غزير، وانتظرناهم كلَّ موسم كي لا يفسد المحصول..
    لو أنها تدور، لفعل الله شيئاً ليوقف هذا الحشد المترنّح من الكائنات، كان دقَّ مسمارين في يديها، كعادته، وأنهى هذه الفانتازيا المضحكة..
    لو أنها تدور، لماذا هذا الظلّ يتبعني حتى إلى الشعر، حتى إلى الجحيم؟
    لو أنها تدور، لماذا الرحم في مكانه، والذاكرة في مكانها، والوردة التي سيأكلها الماعز في مكانها؟
    عفواً ثانية، لكني هكذا أفهم الدوران..

    غاليلو/ لي
    الأمر ليس كما تظنُّ يا عزيزي
    سلامة نظرك
    إنها بيضةُ طائرٍ خائفٍ، ليس إلا.

    ـــــــــــــــــــــــ

    *la vida es triste: اسبانية، وتعني: الحياة بائسة.


  • صبحي شحاتة _ ما الإنسان؟

    Bahram Hajou – Syrian Artist

    أولا من وجهة النظر الدينية
    الإنسان/ آدم: تركيب من الروح والجسد. الجسد من التراب فانٍ متغير متبدل فغياب اليدان أو الساقان أو العينان او ألأذنان و حتي غياب العقل.. لن يؤثر في كون صاحب كل هذه التشوهات إنسانا فالروح هي الإنسان وليس الجسد ..
    والروح لا تخص الإنسان وإنما هي تخص الله فهو من خلقها ويرجع أمرها إليه وليس للإنسان ..في التحليل الاخير الإنسان في الجقيقة تركيب من أشياء ليست له ومن ثم هو في ذاته غير موجود.. لأن الروح ليست مطلقة وإنما مخلوقة ..الإنسان من وجهة نظر الدين ليس جوهر نفسه إنه خلق الله صنيعة الله لا يقوم بنفسه أبدا ..لذلك حتي يكون الإنسان نفسه لا بد له من الارتباط الدائم بأصله الذي هو الله ولكن الله ليس هو الإنسان وليس كمثله شيء .. ونفس الإنسان التي هي الإنسان ليست تقوم بنفسها وإنما هي تقوم بالله أي أنها بالخلق لم تنفصل إنفصالا مطلقا عن الله فالله يمسك بها بطريقة ما لكنها ليست هي الله ومع ذلك ليست هي نفسها . هناك مسافة بين النفس ونفسها من جهة إنها ليست مستقلة بنفسها فهي لم تخلق نفسها وليست هي الله لأنها من مخلوقاته .. لذلك ما هو الإنسان من وجهة نظر الدين .. لا إجابة
    في النظرة المادية
    الإنسان مادة طاقة جسم بلا روح منفصلة أو متصلة وإنما له نفس والنفس تركيب افتراضي إنها جهاز نفسي مكون من الأنا والأنا الأعلي والهو أنها الوعي المتصل الخفي والظاهر المحسوس وغير المحسوس الإنسان إذن في النظرة المادية كل واحد لا فرق بين جسمة ونفسه .. لكنه ليس جوهر نفسه لأنه تركيب من خلايا ملايين الخلايا التي تتبدل وتتغير وتفني والنفس بما أنها تركيب ووعي فالوعي هو وعي بالخارج وليس بنفسه فالوعي لا يدرك نفسه كوعي وإنما يدرك موضوعاته التي ينعكس عليها إنه جماع الادراكات الحسية .. هذا يعني أن الإنسان من وجهة النظر المادية أيضا ليس مستقلا ولا جوهرا فردا فريدا مطلقا وإنما جماع اشياء ومن ثم السؤال ما الإنسان من وجهة النظر المادية : لا إجابة
    النتيجة الإنسان لغز
    وإذا كان الإنسان لغز فكل شيء مثله لغزا..
    أي أن الإنسان كائن افتراضي دوما يتغير دوما ومفتوح دوما علي الآخر والكون والوجود إنه والوجود المحيط به وفيه غير متصل وغير منفصل في آن واحد .. موجود وغير موجود معا واعٍ وغير واع معا مدرك وغير مدرك معا ..
    ما هو الإنسان ..
    سؤال مفتوح علي كل الإجابات اللانهائية القادمة
    كلها تصلح له ولا تصلح له في آن واحد.

  • سمية الحاج عيد – لاجئة بك.

    سمية الحاج عيد – لاجئة بك.

    Bahram Hajou – Syrian Artist

    كثير أنت لدرجة استحالت فيها معرفة حدودك
    لا قدرة على الإحاطة بكُلك .. كُلما قررت الهجرة من جنوبك إلى شمالك استوقفتني تواريخك ..
    واستدرجني الحزن المُخبأ تحت قلبك بعناية .. يأخذني إليه كفراشة ربيع .. مع فارق أن حُزنك عتمة عظيمة التكوين
    تستوقفني تضاريس همّك القديم واللوحة التشكيلة المرسومة على وجهك على شكل ابتسامة .. وأردد مع نفسي (أين يُخبئ عاشقٌ مثلك كل هذا العصف من الحُب؟
    ثم أعود لنفس الحيرة من جديد .. أين تقع نهايتك لأحتويك؟
    أحلم أن أمارس تفاصيلك بعيداً عن التقليد .. بكُل جنوني وارتباكي في حضرتك
    أن يصبح مداك العظيم هذا ملعبي أجوبك من أقصاك الى أقصاك
    كُلما اجتهدت بترتيب بعثرتك حملتني على راحة قلبك كعصفور (أليس في بلاد العجائب)
    استحال عليّ الفهم و (الاعتياد) وصرت أنت أكثر اتساعاً من مدى رؤياي
    بلادٌ أنت ووطن
    وأنا مهاجرةٌ غيرُ شرعيّة تحلم باللجوء والتملُك .. وتنتظر.

  • سميرة البوزيدي – عزلة.

    سميرة البوزيدي – عزلة.

     

    Bahram Hajou – Syrian Artist

    هذا فراق بيني
    وبيني
    ترعاه عزلة أغمضت عيونها باكرًا
    خشية أن تسمع بكاء ما،
    ولا تستطيع أن تفعل شيئًا
    سوى سكب الأسى على رأس الليل.
    هذا غياب
    يأكل الطير من رأسه
    دون أن تمتد يد
    وتهش كل هذا الحزن
    كأن القلوب الكسيرة
    هي الموكولة بشجن العالم
    أسيء التصرف حيال كل شيء
    وأسير كالعميان
    أطارد وهماً
    كرسه الشعر
    جعله ملموساً
    و بلا وصول ظل في الهواء
    معلقاً كنواح،
    كرصاصة قديمة
    سكنت بين العظم والقلب.
    هل قلتُ شيئاً
    مفيدًا؟
    هذا رحيل
    مشت الأحزان إليه
    وأكلت عروقه
    بلا استحياء مزقت قلبه
    لستُ من جلب هذه الحجارة
    من وديانها السوداء
    أنا الكذبة
    التي لن أستطع عليها صبرًا
    هذا فراق بيني
    وبيني.

  • محمد الترهوني _ أنا و العالم نجهز لكِ القهوة.

    محمد الترهوني _ أنا و العالم نجهز لكِ القهوة.

    Bahram Hajou – Syrian Artist

    كم أتمنى لو كنت أستطيع أن أنزل مطراً خفيفاً على الأرض متى ما أحببتِ أنتِ ذلك، أن أُبدَّل الفصول لتصل نسائم الربيع إلى شَعرك متى ما أردتِ أنتِ ذلك، كم أتمنى لو كنتُ أستطيع تنقيح كل النسخ الرديئة من قصص الحب لتكون البطلة فيها تشبهكِ أنتِ، أن تتعلم البطلة منكِ الفرق بين اللقاء على أساسٍ من الرغبة واللقاء على أساسٍ من الأفكار ، لأن الحبيبة لا تكون مكروهة في لحظة ما بسبب ما تقوم به من أخطاء ، الحب دائماً لديه العاطفة الكافية لننال منه العفو عن أخطائنا، بل بسبب أنها وعدٌ بإنسانة أصبح من المستحيل أن تتحقق، وعد بإنسانة ينز منها الألم لكنها تدوس الرعب من الساعات التي تأخّرْتها وهي في طريقها للحب، إنسانة ترفض أن تكون صورة الحياة بكل كمالها وفتنتها أجمل من صورتها هي في عينيكَ، الحب مجرد وعد بأن أكون إنساناً آخر أُعِيدَ تنظيمه بصورة رائعة فقط كي أستحق الاقتراب منكِ أكثر، كي أكون جاهزاً للاستمتاع معكِ بخبايا الحب وحنانكِ الغامض، ليكون لكِ وجهًا بلا خطوط مستوية وعميقة من الحزن، كم أتمنى أن أُوقظ العالم من سباته في اللحظة التي تستفيقين فيها من نومكِ وأجهزُ أنا وهو القهوة لكِ، كم أتمنى لو أنني قادرٌ على تجريب كل مخاوفكِ وأحزانكِ، وحتى تجريب نشوة الموت بدلاً منكِ، كم أتمنى لو أجتاز بدلاً منكِ متاهة الشخصيات التافهة والسطحية، متاهة عدم فهم الرجال أنَّ الحب نوع من التأنّث القاسي، تأنّث نُزعَ عنه غلافه الناعم، عدم فهم أنّ الحب هو مَحبتي أنْ أكون الآخر، عدم محبة أن أكون أنتِ يعني خنق الحب وموته، يعني صياغتي الحزينة للخروج منكِ وعدم العودة إليكِ، ليس هناك لذة تعادل أن أكون هنا وأنا محتجزٌ هناك فيكِ، أن أتمرغ في كلماتكِ لأنسى كل الوقت الذي مر وحبي لكِ مُصادر لعدم توفر الصدفة المناسبة، بدونك كنتُ أمشي إلى ضدي وأَظهر لكل الناس كصورة يمكن أن تتكلم عن كيف يكون القلم حاداً ويجرح مثل سكين، كم أتمنى أن تكون الكتابة قادرة على تغيير الحياة والتصدي بشكل جميل وذكي للاكتئاب وما يجعلنا نفضل عليها الموت، كم أتمنى أن لا تجعل الكتابة الحزن إلى جانبي في كل صورة، كم أتمنى لو أن الحياة روايةٌ كل فصولها في بيت وسط حقول ننام فيه أنا وأنتِ على الأرض، بيت يطل على مشهد عظيم قمنا بتصميمه أنا وأنتِ، نجلس على السطح ننتظر غروب الشمس، أتظاهر بأني أكتب، تتظاهرين أنتِ برسم لوحة للمساحات الشاسعة التي قطعناها ليكون العالم صالحاً للحب بدل أن يكون غرفة تعذيب من الصعب الإفلات منها، لكن الحقيقة هي أننا لا نفعل شيئاً سوى التفكير في بعضنا البعض، التفكير فيكِ يشبه حفلة موسيقية، يشبه حلماً لا تكون الأغطية والمخدّة مسؤولة عنه بشكل مباشر، حلم غير معتاد ومفرط في نضجه، أغوصُ فيه وأنا مفتوح العينين، كم أتمنى أن لا يكون هناك ما ينبغي القيام به غير حبكِ والحلم بكِ ، أن أعيشكِ كنقطة فريدة لا تستخدمُني فيها الحياة لأغراضٍ أخرى غير الامتزاج بكِ، أن أعيشكِ كصلاة تعرف الاتجاه إلى الله لكنها لا تعرف نهاية الطريق، ألا يعجبكِ أن أقول أن الحب سيرٌ في الاتجاه الصحيح دون التفكير في مكان نصل إليه؟ كم أتمنى لو أن الشر تحالف مع الخير لمرةٍ واحدةٍ وأخيرةٍ من أجلنا أنا و أنتِ، كم أتمنى لو أن القسوة تحالفت مع الحنان لمرة واحدة وأخيرة من أجل أن يكون الطريق أكثر ضمانا وروعة، الحب لا يعرف الراحة ولا الفراغ وفي هذا لا يشبهه غير الموت، لكن الحب لا يبلغ حده الأقصى والأخير أبداً، لهذا أتمنى أن لا يبكي الناس بسبب موتي، بل بسبب ما كتبتُه عنكِ، بسبب عدم تخييب اللغة لظنهم وأنا أكتب بها عنكِ، لم أكتب يوما عن حبٍّ مختلف أو حب أفضل، كتبتُ فقط عن حب يجعلني مختلفاً ويجعلني أفضلَ، كتبتُ عن كيف تعلمتُ أن نجيد أنا واللغة والحياة التضحيةَ من أجلكِ بكل علامات الاستفهام وأن نبقى فقط على علامات التعجب، كتبتُ عن أنّ الصبر هو الزي الرسمي للحب، عن كيف أقيس بأصابعي الزمن الممتد بيني وبينكِ، عن أنّ عدم النظر إليكِ يُشوِّه ملامح وجهي، عن أني أخاف اختصار عذابي الجميل فألجأُ للكلمات التي تشرح أن الحب لا يُشكل الخلاص بل يرسم منظراً فاتناً لِتَحَمُّلِ العِقابِ وهذا ربما ما سيُبكي الناس، كم أتمنى أن لا يتغير العالم، لا يزيد و لا ينقص، ولا يتعرض فيه الإنسان دائما لامتحانٍ يصعب النجاح فيه، كم أتمنى أن يفهم الجميع مثلكِ أن الحب لا يترك شيئاً خارج عتبته، ليس هناك ما هو ضروري وما هو تافه في الحب ، كل شيء محسوب فيه بدقة، كل كلمة، حركة، نظرة، كل ساحة، حديقة، غرفة، كل كتاب، فيلم، أغنية، ما هي إلا صفقة استثنائية يُجريها الحب مع الذاكرة، كل شيء يمكن أن يكون حديثاً متبادلاً بيني وبينكِ، حتى تسويتكِ بيدكِ للمخدّة وهي تحت رأسكِ يمكن أن يكون موضوعاً لحوارٍ طويل عن كيف يقبل كل شيء التسوية والتنازل من أجل الحب، كل شيء سيكون سعيداً وهو يأخذ مكانه في قصة حب، حتى السرير يصبح له حدود ولا يمتد في كل الأنحاء، السرير سيعتبر نفسه مكاناً للرؤية الكاملة، مكاناً للخلوة الكاملة، مكاناً لمنظر جميل، لصندوق بريد، لمكتبة، لشاطئ رملي، لشمس وقمر وعواصف وأمطار، وليس سريراً للنوم، كم أتمنى ونحن هناك على السطح ننتظر الغروب أن أتكلم معكِ عن البحث قبلكِ عن المجهول، عن المأساوي في البحث عن مكان نرفع فيه رايةً كانت مُنكّسة لعقود، لكِ أن تتصوري فظاعة العيش مع الشعور بالهزيمة، مع الشعور بأن الأمل مجرد مهنة مملة يمكن تبديلها في أي وقت، مع الشعور بأنكِ تعيشين في بيتٍ للحمام لا متسع للطيران فيه، بيت يشبه الضريح، خالٍ لا أثاث فيه من تصميم روبرتو كافالي أو بوتيجا فينيتا، لا ستائر تهزها نسمة الصباح الباكر، لا إسطوانات لأغانيكِ المفضلة، لا مناديل ورقية تكفي لمسح دموعكِ، لا طاولة تضعين فوقها الكلمات بأناقة، ولا صالون لاستقبال الأحزان بشكل رسمي، لكِ أن تتصوري الحياة قبلكِ بهذه الطريقة المفجعة والخالية من كل دعابة، كم أتمنى أن تغرب الشمس كنقطة صفراء جميلة تشبه غيرتي عليكِ، و أن ينفجر حبي لكِ في هذه اللحظة بالذات إلى شظايا لا تتوقف عن التناثر إلا مع آخر نقطة من دمي، كم أتمنى أن يتحول هذا الشفق الأحمر إلى أحمر شفاه ألوِّن به شفتيكِ لأقبل فيه غرامي بكِ، كم أتمنى أن تتسع هذه الحقول غير المُجْبَرة على الحشمة لرغبتي فيكِ، لورعي، لطيبتي، وحتى لمروري من الحياة والتاريخ من خلالكِ أنتِ، كم أتمنى لو أن القبر يسمح بعد موتي بضمكِ وتقبيلكِ وأن يكون المكان المناسب لأبقى وحيداً وأفكر فيكِ وأتذكر كيف كنا أنا والعالم نجهز لكِ القهوة وننظر إليها وهي تتثاءب معكِ وتُفرد طعمها مع ذراعيكِ.

  • سامح فوزي – لا أحد بالخارج.

     

    Bahram Hajou – Syrian Artist

    يومًا ما
    ستسقط السماء
    تحت ثقل كل الذين ماتوا،
    وسيعود الموتى لإنجاز كل
    تلك الأمور العالقة التي
    تركوها،
    سنخصص لهم عربة فى المترو،
    مكان للباركينج أمام المولات،
    وكوتة منفصلة فى الوظائف العامة
    ربما سنحظى بفرصة أخرى لقول
    شيء مناسب أكثر عند الوداع.
    سنريهم كم كبر أطفالنا
    كم يشبهونهم.
    الأهم أننا سنعرف أخيرًا
    لماذا فى كل مرة
    كان يطرق أحد الباب
    كنا نفتح ولم يكن
    أحد بالخارج.

  • إنعام يونس – لا تسقط من عيني.

    أنحت اسمي على الماء
    أرش عليه جسدًا
    أقلبه تحت الشمس
    سيتبخر ماؤك
    وتصبح غيمة.

    ثم يمر الشتاء
    لاحقا تسقط من عيني وأنا أضحك
    فالبكاء بعد الضحك إخراج جميل
    لفائض القلب
    وهل يفيض في قلبي إلاك؟

    انتبه جيدا وأنت تسقط
    دع بعضًا منك
    لا تمطر كلك
    حتى لو كنت أنا حقلًا يابسًا
    سينبت عشبي
    ويصبح اسمي فاكهة
    تأكلها العصافير.

    وربما كنت ضالعًا بالصيد
    ستسقطني رصاصات
    في أصابعك
    فأعود إلى البحر
    وأصبح نقطة تبحث عن حبر لتكبر.

  • عبدالوهاب الملوح – ترميم الفراغ.

     

    Bahram Hajou – Syrian Artist

    يائسًا من بابه المفتوح!

    وحده يختصر العمر حفلة شاي على عتبة النسيان

    (نكاية في سماء تقف كشرطي عند مفترق الطرقات)

    يحمل حقائب التأويل على ظهره ويعبر سيرته؛

    لم يكن يملك غير قصيدة بيضاء تجره في ترحاله الأبدي

    يحدث أن يتشبه بشجرة كاليبتوس و غالبا لا ينجح؛

    يخلع عن الشوارع قمصانها بما لا يفكر فيه

    وينصب كمائن لما يتشرد من عاطفة منهكة

    أيها الكلام

    انتظره بالخارج، مازال لم ينته من تدريب الصمت على الصراخ.

    يُصغي إلى عرق الأشجار ويركض في الصمت

    لا يتوقف عن تشييد جسور بين سورين من فراغ؛

    سوف يترصد ظلال الغفلة

    ليس من الحكمة اصطياد الظلال في النهار؛

    يدفع دمه رهينة ليحرث الأرض!

    كساعي بريد لا ينفك يهرول

    يحمل على أكتافه

    مواعيد ليست له

    أحلًاما ليست له

    مواسم فرح ليست له

    شطآن ليست له

    وذكريات قزحية يحملها في قلبه

    يحملها على بغال صمته

    وفي شرايننه

    تتعثر خطاه فيها أحيانا ليوصلها الى أصحابها

    ليعود وقد حصد من الغيوم فكرتها

    ليعود ككل مرة إلى غصته؛

    يضطجع القصيدة لينام ولن ينام؛

    سوف يحقق مخطوطات كتاب الأرصفة بهوامشها المتعددة تفسِّر :

    أنواع البكاء،

    فضائل الشيزوفرينيا،

    فكاهة عواء غينسبرغ الأفضل من ايرونية خرائب أرض إليوت.

    رفوف الانتظار،

    الانتظار مبراة الوهم.

    ليس لأن الوهم دود نهم ٌ يطلع من بين أصابع أمل مريض.

    وحده يختصر العمر أغنية مكسورة الإيقاع؛

    يتبادل والجدران القلق.

    كان الحلم يعلق صورته عند مدخل الدار منشغلا بذاكرة الغرقى في النهر القريب.

    على الشاعر أن يترجم كتاب ما يقوله الحصى وينشغل بترميم الفراغ؛

    ما الذي قاله الحصى مثلًا في جيوب فرجينيا وولف؟

    تماما كحصَّة تلوين في قبو مظلم لا يفكر في إعادةترتيب أيام العمر ؛

    الحلم بالبلاد ترجيديا هزلية , تلك البلاد التي تغطي وجهها الآن بمحرمة الميتفزيقيا وتطيل أظافرها لضرورات ايديلوجية .

    وكأنه يجب أن يكرس ما بقي من الطريق لخذلانه

    بلا أمل يُذكر،

    يبحث عن منفى آخر غير الله وامرأة أخرى غير حواء ثم ّ يعقد صفقة مع الجنون!

    في ساعة متأخرة من الفقد يوقد ذكرى قديمة ليس بنية البحث عن الدفء وليس لأن الشهوة لغة دفاع الجسد ضد خيانة أعضائه له

    غير أنه منشغل بترميم الفراغ.