المدونة

  • زيرفان أوسي – شرايين.

    زيرفان أوسي – شرايين.

     

    Bahram Hajou – Syrian Artist

    الجنديُّ يخافُ من ظلّهِ
    هل الظلُّ بندقية؟
    ينامُ المَلكُ
    في أوْج حُلمهِ، يفقد المُلكَ
    ماذا يعني أن تملك الفقدان نفسه؟
    الشاعرُ لا يَرى
    يفكّر بالأشياءِ التي لم تلدْ
    ماذا سيحدث إنْ نرى الأشياء وهي تلد؟
    غروبُ المُدن القديمة
    لا يشبه شيئاً
    يتوجَّسُ العجوز عذراً
    ثم يتساءلُ
    ألمْ يكنِ الغروبُ قبل خمسين سنةٍ أجمل؟
    الطفلُ قرويٌّ
    يحرثُ الشمسَ بيديهِ
    هل الإشارةُ تكفي أنْ تكونَ الأرضُ طاهرة بلا حرب؟
    ميّتون إنْ نتكلمْ
    ميّتون إنْ نسكت
    أيّ الموتين أقرب إلى الخلود؟

    ” الكائن ”
    الكائن الملاذُ،
    ينتظر خطوتك في خراب المدينة،
    الكائن الملتبس،
    تجاه الآلهة يموت وحيدًا .
    ” تائه ”
    يملكُ عنواناً ومنزلاً ،
    طوال اليومِ يبحثُ عن أرضهِ ،
    لم يكن لديه فكرة عنها .
    ……………………………………………………………………………….
    الموت ضعيف بالنسبة للألم الخالص الذي يترك أثرًا ولا يتعب.
    ****
    أنا حارسُ بوابة الأرواحِ، أتحسس بعذاب البشرية كلها .
    ****
    الشاعرُ طفلٌ يلعب بدمية الزمن .
    ****
    أنا حزين، مثل وحيدٍ يمضغ حديد الأرض، الحزنُ اللامعروف في وحدة معروفة .
    ****
    كُنّا أمواتاً قبل الحب، أصبحنا بعده خلقاً آخر .
    ****
    متى يكون اليأس انتصاراً ؟ عندما تصاحبه الحكمة .
    ****
    من يرى وجهه في اِزدحام صورنا؟

  • منال محمد علي – رمادي.

    منال محمد علي – رمادي.

     

     

    Bahram Hajou – Syrian Artist

    المدى للطيور
    المجد للرمادي
    والحزن الرمادي
    والرماد من يعرف طعم النهايات
    ولا يفشى سرها.
    المدى
    لجناح لا تثقبه رصاصات الخوف
    لا يمرغ نفسه بوحل المدن.
    المجد للريح
    لا يرهقها الانتماء.

  • محمد عبدالرحيم – فى البدء.

    Bahram Hajou – Syrian Artist

     

    فى البدء ..
    خلق الله ابتسامتها ..
    ثم اشتق منها هلالًا
    بعدها خلق دولًا كثيرة
    و صراعات شتى،
    حروبا و أحزانا غير حقيقية
    خلق لها
    أقارب، خالاتٍ و عماتٍ
    أربعة من الأبناء يحبونها
    زوجا ضخما يعمل بالحقل
    ثم منحها منزلًا غير منعزل
    طيورًا ملونة تصلح للأكل.
    ثم خلق المعادن
    فاختار لها الذهب
    و لأنه يعرف بشرتها
    خلق الحرير و الساتان
    إلا أنها تفضل أن تبدو عادية
    بملابس نسائية رقيقة
    و حقيبة غالبًا من الجلد
    و حرّم كل ذلك على الملائكة.

  • ريتا الحكيم _ حينَ يُبعَثُ النَّص حيًّا

    ريتا الحكيم _ حينَ يُبعَثُ النَّص حيًّا

    النّصوصُ التي لا تُطبِقُ على عُنُقِ القارئ، لن تُكتَبَ لها النّجاةُ حين يُقرّرُ أن ينتقمَ لدَمِ سلالتهِ المسفوحِ بين سُطورِها، منذُ عهدِ آدَم
    النّصوصُ أدواتُ قتلٍ لا يُستهانُ بها
    الشّاعرُ المُقيمُ في أحضانِ حسناواتٍ عبرنَ خيالَهُ الواسِعَ الأرجاء،ِ يفيقُ على خسائرَ فادحةٍ
    رأيتُهُ ذاتَ حنينٍ يتسلّلُ إلى تلكَ الأحضانِ الباردةِ ليسرقَ ما جَنَتْهُ يداهْ مِنْ إبداعٍ
    يعودُ منها خاليَ الوِفاضِ
    وعلى قلمِهِ المكسورِ، يتّكِئُ كعجوزٍ في السّبعين
    النّصوصُ الرّفيعةُ المَقامِ تلك
    تنتعلُ كعوبًا عالية
    تدقّ بتواترٍ على أرضيّةِ صالةِ العَرضِ
    حيثُ لا أحد يُعيرُها انتباهًا
    إنّها النّحيلةُ الشّامخةُ أمامَ حشودٍ لا تهتمّ إلا بأثوابِها الفاضِحَةِ
    ترتَجِلُ الموتَ في خُطاها
    تُدحرِجُه أمامَها إلى أن تَصِلَ إلى المدافنِ
    هناك..
    تَنْضو عن جسدِها نظراتِهِمُ الشّبِقَةِ
    وتنزلقُ في خندقِ النّسيانِ بانسيابيةِ اللغةِ التي خطّها الشاعرُ
    حين حَزمَ أمرَهُ واعتزلَ الكِتابةِ
    مُعلنًا بذلك موتَهُ
    دونَ صلواتٍ.. ولا مُعزّين
    فقط، نصوصٌ باردةٌ آلتْ على نفسِها الموتَ على جثّتهِ
    من جديد..يُبعَثُ النّص حيًا بين يديّ قارئٍ
    يتكفّلُ بمراسِمِ الدّفنِ مرّةً ثانيةً
    وهكذا.. إلى أبد الآبدين

  • ديمة الخطيب – أشياء أحبها.

    ديمة الخطيب – أشياء أحبها.

     

    أشياء أحبها

    أنت واللاشيء .
    صديقا العدم المستمرِ في رئتيّ
    وأتنفسُ
    لربما ذرة ُغبارِ طلعٍ تخطئ مسارها
    وتقتلني .

    أشياء ُأخافها

    أن أرقدَ في فراشِ الوحدة
    ويدي مسدلةٌ تحملُ أدعية
    أسخرُ منها
    لأن ظلّ الله أخطأني .

    أشياءُ ليست لك وليست لي

    نشوة ُالفراغِ والاشتياقِ
    حين يخرجُ أحدُنا من الأخر
    خاويا من الحنين للآخر .

  • حسين صالح خلف الله – الحضرة

     

    الحضرة
    أرقص ليس شرطا أن تكون ملمًا بالنوتة الموسيقية
    و لاخبيرًا بالرقص
    لترقص كأنتوني كوين في فيلم زوربا اليوناني
    فقط أسلم جسدك لإيقاع قلبك تتجاوز الموسيقى
    قرب أهمس في أذنيك
    سيقولون فيك ما قال مالك في الخمر
    سيحدثونك عن المهابة
    وعن الوقار
    عن عمامتك التي طارت مع العصافير
    عن شعرك الأبيض
    أو ماتبقى منه
    لا عليك أرقص
    و دعهم يموتون بغيظهم
    هذي لحظة حظك
    أنت الآن شفيف جدا
    شفيف بما يكفي
    لتكون في حضرة صاحب الحضرة.

  • مايا أنجيلو – الأسرة البشرية

    مايا أنجيلو – الأسرة البشرية

    قد خبرتُ الفروقَ الجَليّة
    في الأسرةِ البشرية
    بعضنا ينتعش بالكوميديا .. وبعضنا
    يأخذ الأمور بجدِّية
    بعضنا يعلنُ أنه
    عاش حياته بعمق .. وبعضنا
    يدعي أنه يعيش حقاً
    الحقيقة الحقيقية.
    تدرُّجُ ألوانِ جلودنا
    قد يُربِكُ أو يُذهِلُ أو يُفرِح:
    بُنّيٌ ، ورديٌّ ، حنطيٌّ ، أرجواني
    أسمرٌ ، أزرقٌ أو أبيض
    مخرتُ البحار السبع
    ونزلتُ في كل أرض
    ورأيتُ عجائبَ الدنيا .. لكنني
    لم أرَ إنساناً “عادياً”
    وعرفتَ عشرة آلافٍ من نساء
    يدعَينَ جين أوماري جين
    لكنني لم أرَ اثنتين
    تماماً .. وحقاً .. متشابهتين
    المرءُ وتوأمه في المرآة يختلفان
    رغم اتفاق الملامح.
    والعاشقان الراقدان على سريرٍ واحد
    كلٌّ يفكِّرُ بطريقته.
    نحبُّ ونُخفِقُ في الصين
    ونبكي فوق السِباخ الانكليزية
    نضحك وننوحُ في غينيا
    ونُزهِرُ في السواحلِ الإسبانية.
    نسعى للنجاح في فنلندا
    نولدُ ونموت في مَين
    في صغار الأمور نختلف
    في كبارها نحنُ سواء
    ولاحظتُ الفروق الجَلِيَّة
    بين الطبائع والأنواع
    لكن ما بيننا من شَبهٍ يا أصدقاء
    أكثر مما بيننا من خِلاف
    ما بيننا من شَبهٍ يا أصدقاء
    أكثر مما بيننا من خِلاف
    ما بيننا من شَبهٍ يا أصدقاء
    أكثر مما بيننا من خِلاف

  • أميمة موليف _ كآبة الألوان

    أميمة موليف _ كآبة الألوان

    الكتابة على علاقة جدلية مع الألم و الإضطراب..لا أعني أن هذه قاعدة عامة ، بل الأمر كذلك فقط بالنسبة لي..لم أعد على تواصل بما أشعر به ، خصوصا ما يضرب جدوره في أعماقي ..معظم الفن صار مجرد خربشات ضعيفة تافهة..لم أظنني يوما سأراه بهذا الشكل الهلامي ، بعد أن كان بر الأمان الذي كانت سفينتي ترسو عليه كلما عصفت بها الرياح مهددة كيانها الهش..نعم ظننتي بنيت صرحا عاليا حول كل ما اعتدت على دعوته بال”ثمين” داخلي..خلتني استجمعت ما يكفيني من القوة من مواطن ضعفي لأستمر بالعيش..لكني بدأت أحس بأظافره الحادة تخدشني من كل جانب ، مرة أخرى..هو ليس هنا بعد ، لكني لازلت اتذكر جيدا عبق رائحته النفاذة التي كان يتركها بصدري بعد كل زيارة..هو ليس هنا بعد ، لكني أحس بوجوده بشدة..أتراني صرت مهووسة به؟ ..ربما !..لكن حدسي عادة لا يخونني..و المرعب في الأمر أنني لم أعد أملك الطاقة لأضيفه بشكل جيد خاصة و أنه ضيف ثقيل صعب الإرضاء..ياليتني استطعت قطع صلتي به مذ آخر مرة تواصلنا بشكل مباشر..كانت ليلة ربيعية دافئة..ثملة كنت بالأزرق و الأسود .. و محاطة بالأحمر..حاولت أن أودعه و بدل أن أودعه عانقته عناقا حارا ، و بالمقابل أهداني 50 حبة صغيرة وردية اللون..سألته بكسل و بعينين نصف مغلقتين : “ما هذه ؟ “..قال بابتسامة مغرية : “إنها لذيذة و إنها الخلاص”..قبل أن ينهي كلماته كنت قد بدأت أرسل الحبات الصغيرة إلى معدتي..الواحدة تلو الأخرى..وأذكر أنه-لحنانه- ساعدني بذلك ،لأني كنت ثملة و واهنة..
    انتهيت..انتهى الأحمر..انتهى الأزرق..بقي الأسود و رافقه الرمادي ..غادر ضيفي كذلك ، أو ربما خرج في نزهة..بقيت وحدي في الظلام لمدة يومين و نصف..علمت بهذا بعد أن فتحت عيني في غرفة مشعة مع رجل ببذلة طبيب ينظر بعيناي و يقول متعجبا :” أنت بخير!”..ذرفت دمعتين ساخنتين..ثم فجأة لمحت صديقنا في زاوية الغرفة ينظر إلي بابتسامة محبطة..شعرت فجأة بالغضب و أردت القفز من على السرير نحوه و صفعه بقوة ، عقابا له على كذبه.. و على كل شيء..لكني كنت عاجزة تماما عن الحركة ، فجسدي كانت تلصقه قيود جلدية بالسرير..تبا ما هذا!..ما الذي يحدث هنا؟..أين أنا؟…أسئلة كثيرة كانت تمطر بغزارة و دون توقف داخل رأسي..حاولت الحراك مرة أخرى لكن دون فائدة ، ثم استسلمت أخيرا و حاولت أن أهدأ ثم فعلت..فكرت مطولا بعد أن أدركت كل ما حدث و يحدث..فجأة نهض صديقي من مكانه..تحرك نحوي..وقف يحملق بوجهي لدقائق ثم ارتمى بجانبي على السرير بجثته الضخمة..تبا ماذا الآن؟..أتراه هو ايضا منهك مثلي؟..لا يهم..سأتجاهل وجوده..لا يمكنني طرده على كل حال…و هكذا ظل الحال لشهور ، مع تغيير غير مهم في الأماكن و الشخوص..تجاهل..لامبالاة..تجاهل..لامبالاة..حتى بدأت ألاحظ أنه بدأ يتخفى عني معظم الوقت..حتى أنني بدأت أنساه تماما في بعض الاوقات..لوقت طويل لم أعد أبالي أين تراه قد يكون ، أو كيف عساي سأمضي الليلة التالية من دونه..في الواقع هذا أعطاني شعورا مغلفا بالإرتياح..و بدأت أخلق لنفسي ملهيات تافهة من لاشيء..ضحكات و قهقهات عالية..صداقات مزعومة سرعان ما تنطفئ..ثم مجددا بدأ الاحساس بالوحدة يتسلل إلي من كل جانب..استخدمت معه نفس النهج : تجاهل..لا مبالاة..لكن اللاجدوى و اللامعنى دائما تصيحان بي أن هيهاااات!…أنا الآن مرعوبة و متشوقة في آن واحد !..فأنا لم أعد أحسن قواعد الضيافة..و ليست لدي الطاقة الكافية لأتعلم من جديد …كيف تراها ستسير الأمور هذه المرة؟..
    في الواقع ، ليس مقدار اهتمامي أكبر من مقدار لااهتمامي بهذا…رغم أني أتظاهر بالعكس..
    لم أستطع الكتابة لشهور..ثم استيقظت فجأة من نوم مضطرب و مزين بالكوابيس ، لأجد نفسي أكتب الآن دون حتى أن أفكر فيما أكتب..
    ألا تبا لي و لضيفي و لكوابيسي و لصراخ جارتنا الذي لا ينقطع و يكاد يصم أذني الآن! ألا تبا للكتابة و لكلماتي المهترئة و لابتسامة الطبيبة النفسية الخرقاء! و ألا تبا للنهار الذي صار ليلا و للمبتذل الذي صار مهما و لله الذي صار كلمة! و أخيرا تبا لي بعد أن كنت لي و لم أعد لي ! .

  • محمود سباق _ الوحْدَةُ

    الوحْدَةُ
    تفاحة تشتهي منقارَ بلبلٍ أكثر مما تشتهي أسنان حبيبتي ،

    وردةٌ تعلم أنها تجرحُ ومع ذلك تجرحُ،

    ليلةٌ لم أشتِر فيها شجرةَ عيد الميلاد لحبيبتي،

    ماءٌ له طعمُ النبيذ ، ونبيذٌ له طعمُ الأغاني،

    رجلٌ له وجهُ ثور وفمُ دبابةٍ ،امرأةٌ لها مخالبُ قطةٍ وقلبُ أرنب،

    محطةٌ يائسةٌ ،وقطارٌ مكسور العجلات،شواطئُ مهجورة ،ومواعيدُ مهملةٌ،

    غضبٌ من العالم أملًا في حبِّه،وحبٌ تملأه رائحة النسيان،

    صباحٌ بكت شمسُهُ،وظهيرةٌ جامدةٌ،ومساءٌ باردٌ،

    فضاءٌ له جناحا نَسْرٍ ومَعِدَةُ تمساح،
    ندمٌ على فرصة لم تأتِ،
    شوقٌ غامضٌ لغدٍ غامضٍ،

    دخانٌ له جاذبيةُ زهرة صبّار على باب مقبرة مجهولة،
    وسحرُ آلة بيانو على مسرحٍ صامتٍ ،

    الوحدةُ
    وطنٌ خائنٌ،
    وأعينٌ متربصةٌ بشراسةٍ،

    وحبيباتٌ يهجرن فتيانَهن عند أول مُنْعَطَفٍ ،
    وشارعٌ خالٍ ليس له اسمٌ بيوتُه مغلقةُ النوافذِ دائما..

  • عبدالقادر رمضان _ بعد أن اكتمل الليل

    بعد أن اكتمل الليل،
    صارت الشجرة سكنا،
    هناك يبيت طائر،
    طائر لا يدري،
    إذا ما كانت
    شمس ستشرق.
    #
    سوف نفرغ الهواء من ثيابنا،
    ونحصي اصابع الليل
    على ظهورنا،
    ونتحسس وجع السرير،
    السرير الذي
    حطموه على رؤوسنا.

  • مختارات من قصائد تيد هيوز

    مختارات من قصائد تيد هيوز

    1
    “لاهوت”

    لا، فالحيّةُ لم
    تغو حوّاءَ للتفّاحةِ.
    هذهِ ببساطةٍ
    حقائقُ فاسدةٌ.
    فقد أكلَ آدمُ التفّاحةَ.
    حوّاءُ أكلَت آدمَ.
    أما الحيّةُ فأكلَت حوّاءَ.
    هي أمعاءُ داكنةٌ.
    عندئذٍ، تناست
    الحيّةُ وجبتَها في الجنّةِ ـ
    فابتسمَت وهي تسمعُ
    نداءَ الربِّ اللائمَ.

    2
    “خرافتان”

    1ـ أسودُ مَن كانَ دونَ عينٍ
    أسودُ مَن كانَ فيهِ لِسانٌ
    أسودٌ هو القلبُ
    والكِبدُ أسودُ، الرئتانُ سوداوان
    تعجزان عن مصّ الضوءِ
    الدمُ أسودُ في نَفَقهِ الصاخبِ
    الأحشاءُ سوداءُ في فرنٍ مكوّمةٌ
    والعَضَلُ أسودُ
    في سعيهِ لتسحُّبهِ إلى الضوءِ
    الأعصابُ سوداءُ، والمخُّ أسودُ
    ضمنَ رؤاهُ عن الضريحِ
    سوداءُ أيضاً هي الروحُ، لَجلَجةٌ كُبرى
    لصرخةٍ، تتورّمُ، وهي تعجزُ
    عن إعلانِ شمسِها.
    2ـ أسود رأسُ ثعلبِ بحريٍّ، وهو مبتلٌّ ومرفوعٌ.
    الصَخرُ أسودُ، غاطسٌ في الزَبَدِ.
    المرارةُ سوداءُ راقدةٌ في سريرِ الدمِ.
    أسودٌ كوكبُ الأرضِ، تحتهُ ببوصةٍ،
    بيضةُ السوادِ
    حيثُ يبدّلُ القمرُ طقسَهُ والشمسُ
    كي يفقسَ غرابٌ، أسودٌ قَوسُ قُزَحٍ
    مطويٌّ في فراغٍ
    على فراغٍ
    لكنهُ طائرٌ.

  • آلان بوسكيه – سفير الندى – بكائية – ترجمة : أسامة أسعد

    آلان بوسكيه – سفير الندى – بكائية – ترجمة : أسامة أسعد

    كيف حالُكِ أيتها الأرضُ؟
    وكأنَّكِ تَضمُرين،
    كبرتقالةٍ ذابلةٍ تحت الشجرة.
    لا أحبُّ العوالمَ الناجحةَ،
    لعالمي فضيلتُهُ، فهو يزعجُني.
    عصفورُ الجنَّةِ، نتفْتُهُ.
    أنجو من نفسي، أعجوبةٌ مزريةٌ.
    كما تأكلُ، ستؤكلُ
    على مائدةِ الغربانِ الكبيرة.
    قرأتُ كارل ماركس
    والتلمودَ والقرآنَ.
    لم أرضَ، أكتبُ
    توراتي وحدي
    وأعلنُ أنَّي أضمنُ انحطاطي:
    أتقمُّصُ المستحيلَ.
    أن أقتنعَ بالجِلدِ وبالعين؟
    أودعْتُ دماغي في المصرفِ،
    فلا حاجةَ لي بهِ بعد الآن:
    أنا على عتبةِ لا جدوايَ.
    ما ينقصُني،
    هو حسُّ الواقع.
    صلاةٌ،
    موسيقى، وادٍ، قريةٌ؟
    لقد عدنا إلى حُقبةِ الشرجِ.
    الجسدُ يجنُّ ويحتجزنا رهينةً.
    المثلُ الأعلى مهترىءٌ، كبذلةِ سموكينغ، فالحبُّ مسألة قمصان.
    يا روحي، ابتسمي: على التلفازِ ستُعرضُ ميزاتكِ الفاشلةِ!
    أُهَجِّرُ،
    ببضعَ أكاذيبٍ، معاصرِيَّ.
    ديغول، لا أعرفُه!
    انصرف، أيها الشاب!
    هتلر، من يكون؟
    يستأصلونَ كليتيَّ.
    الـ “نحن”، الـ “أ”، الـ “أنا”: احسبوا المجموع،
    لاشيءَ يناسبُ أتفهَ نملةٍ.
    مبيضٌ مثلَّجٌ, سائلٌ منويٌّ عن بُعد: الكائنُ البشريُّ يخضعُ
    لتسويةٍ بين موته وعدم ِ وجودِه.
    قلبي يشكوني على الشاشات، ثمَّ يطلبُ شرطةَ النجدة.
    حساباتُ الكيمياء، إن عشقتُ، فالفضلُ لها، أيها المخاطُ الاصطناعيُّ!
    أنا، رفضتُ أن أُشبهَني.
    مقابلةٌ مع الله
    من ثلاث مقاطع، مقابل عشرة آلاف دولار: أجرؤ في الحديثِ عن هذا،
    بما أنَّني ناقلُ سيرة حياتِه الذي يُنفقُ
    ثروةً بعد ثروةٍ لأجله.
    هذا زمنُ العبثيَّةِ، تهبُّ العواصفُ أو يسقطُ الثلجُ، يعودُ لما يختارُه
    الحاسوب.
    الكرامةُ تبدأُ عند تدنيسِ القدسيِّ.
    سيكون لنا ألف رئةٍ، في المستقبل، مئتا رُكبةٍ وشجرة من الجفون.
    أتشبَّثُ بهذا القرنِ الناضجِ جدًا، اليافعِ جدًا، أوه ما قبلَ التاريخِ،
    عرضٌ خاصٌ
    لفيلمٍ حيث الإنسانُ هو المشاهدُ، النجمُ، السيناريو وشريطُ الكاميرا.
    تنفَّسْ، أيها البحرُ، احملْ معكَ الحالمينَ وحوِّلْ غسقي إلى مرجان!
    كائنٌ أو لا كائن، هكذا سُنَّةُ النيوترون.
    نصبُ الموتى التذكاريُّ ينسى حربَهُ.
    بالنسبةِ إلى
    يسوع المسيح،
    بوذا قاطعُ طريق.
    إن اعتقدتُ أنَّ خرافتي يصيبُها الانحطاطُ،
    فسأجعلُها مأهولةً: خيارٌ من حيواناتِ أم قرفة جالسة على الجبل،
    زهرةُ أوركيديا تتكلَّمُ مرتجفةً، كلماتٌ سنُّوريةٌ تعرفُ
    كيف ترتدُّ على الفكرة.
    عليَّ ألاَّ أتأثَّرَ بأيِّ ثمن: شرفي الوحيدُ
    هو أن أتهمَني، من الفقرةِ إلى الكلمة ومن المرآةِ حتى الدُّوار.
    أأنتَ من سيتكفَّلُ
    بهيكلي العظميِّ، يا ربَّ الصقيعِ،
    صدفة، أم أنتِ، إلهةٌ ملحدةٌ،
    وقاحةٌ؟
    الحقيقةُ تصابُ بالكسوفِ أمامَ الفنِّ والحلمِ الجنونيِّ، وحدهما يبقيان.
    علامَ يشتغلُ شاعرٌ عاجزٌ؟
    يقول عكسَ ما هو، حكايةٌ صغيرةٌ حيث الروحُ والدمُ يظهران أصغرَ سنًّا،
    تلك هي طريقتُه كي يبقى عديمَ الشأن.
    ليس لي ميزاتٌ ولا ألوان، بما أن المزاجَ السائدَ يميلُ للذروةِ،
    أصيرُ بزَّاقةً في خوفي.
    في عمقِ ذاتي، أعاني من نزوحي،
    تُرى أتهضمُني أمعائي؟
    فلنخرج، فلنخرج!
    السماءُ زرقاءَ صافية.
    سيأتي الجرَّاحُ ويصلِحُنا. أيتها السعفةُ العذبةُ، أيها العشبُ الثرثارُ.
    حمامةُ سلامٍ تمحو كلَّ إهاناتي.
    هويَّةٌ، ثمرةُ المعلوماتيةِ، أنتِ ضائعةٌ: لن ندافعَ عنكِ
    لا بالغريزةِ ولا بقوانينَ جائرة.
    أبتاه، أماه، فلنذهبْ الى السريرِ أولاً، دون أن نقررَ جنسَنا.
    الفضيلةُ والخطأُ مارسا سفاحَ القربى، تلاقحا مثلَ رجلٍ وامرأة.
    قوانينُ المِهبلِ, والآلهةُ مكسوةٌ بالشَّعر!
    فتحْتَ الجِلدِ يتسللُ جِلدُنا.
    كتابي ماتَ لدى الكتبِ المقروءةِ كثيرًا.
    حكمةٌ أم جسدٌ، أُشيدُ بالثقبِ
    دون أن أتأملَ هذه السفن البيضاءَ تنسابُ ببطءٍ
    بين طيورِ البجع.
    أين عاصمتي؟
    طائرةٌ قديمةٌ تحلِّقُ فوق بيتي, كما نضعُ خطًا
    تحت مقطعٍ فجٍّ في رواية.
    لا وجودَ للمنطقِ!
    أعيشُ بالغيبوباتِ، متكئًا على العدم، منهكًا، جالسًا، خبيثًا.
    حتى عصفورُ الدوري يغشُّ.
    سلوكي الصحيُّ الوحيدُ: أفتحُ جمجمتي أخيرًا!
    من إسرافي أصنعُ نقصي.
    أطَلِّقُني، في نفسِ اللحظةِ، ظلاً لظلٍّ سميك، وأراهنُ ضدِّي
    كما في الكازينو نسعى للخسارةِ كي ننالَ قدرًا أكبرَ من الاحترام.
    الصقيعُ، هضبةٌ، هذه القنوات: أتجاهلُ الطبيعةَ، إنها مهداةٌ
    لقصيدتي ولأيٍّ كان.
    خطابُ الرياحِ، مهرجانُ الرخوياتِ: ما أحصُلُ عليهِ
    لم أكتسبْهُ. أيها الغريبُ، أُحيِّي غضبَكَ المفاجئ،
    حُمَّاكَ الرخوة وتجريحَكَ.
    لم أبلُغْ أبدًا عمرَ شراييني.
    سأنتخبُ شجرةً في البرلمان:
    أيها النائبُ، فلنكنْ أكثرَ ضررًا!
    البقعةُ أيضًا تغيِّرُ الفهدَ، كما يغيِّرُ الفهدُ البقعَ.
    كونٌ في الإصبعِ، أرفضُ حصَّتي بالخلودِ فأنا أختبئ،
    مُعذِّبًا زرقةَ السماء، يا لهذا السلامِ تحت ماءِ الينابيعِ الكسول!
    بكائيَّتي، ماذا لو نمَّيتُ هذه السعادة الخجولة؟
    أغنيةٌ فاسدةٌ – العامَّةُ تريدُ أن نأكلَ المُروِّضَ ولن تقبلَ نظامًا آخر.
    أسلِّمُ لكَ، أيها الشاعرُ، لأجلِ شرفِ الثورةِ النقيَّةِ وقوافيَّ.
    كلُّ قصيدةٍ هي أقصرُ طريقٍ من شبحي إليكم، أيها الأشباح!
    أُبعَثُ من بين الأمواتِ، يزرعون لي يدًا في أسفلِ الجبينِ،
    لكي أكتبَ مُجلَّدًا في أمجادِ هذا القرنِ، دون جهدٍ، كروايةٍ
    عن الفروسيَّةِ والمغامرات.
    أيها الأصدقاءُ، سأهذِّبُ ندمَكم، وأفصِّلُ شكوكَم على المقاس.
    لا أُعرِّفُ شيئًا: أنا حاضرٌ في سيرك الحبِّ والغثيانِ هذا.
    أحْتَمي، أيها الهيجانُ الساحقُ!
    أنا سفيرُ الندى.

  • مختارات من شعر مانويل بانديرا

    ترجمة خليل كلفت

    1
    عشاء خفيف

    عندما يصل غير المرغوب فى مجيئه
    (مَنْ يدرى ما إذا كان فظا أو رقيقا)
    ربما سأخاف.
    وربما سأبتسم وأقول:
    “أهلا بك، يا مَنْ لا مفرّ منك!”
    نهارى كان سعيدا والليل قد يسقط.
    (الليل بكل مفاتنه)
    سيجد الحقل محروثا، والبيت نظيفا،
    والمائدة منصوبة،
    وكل شيء فى مكانه الصحيح.

    2
    قصيدة الموتى

    غدًا، يوم الموتى،
    اذهبْ إلى المقابر، اذهبْ، وحيدا،
    واعثر بين القبور
    على شاهد ضريح أبى.
    ***
    خُذْ ثلاث وردات جميلة.
    اجْثُ واتْلُ صلاة.
    لا من أجل الأب، بل من أجل الابن:
    حاجة الابن أعظم.
    ***
    لم يبق منِّى سوى المرارة،
    مرارة الحياة التى عشتُها
    وما مِنْ شيء أريد، وما مِنْ شيء آمُل
    وفى الحقيقة: رغم أننى هنا، فأنا هناك.

    3
    لحظة فى مقهى

    عندما مرَّت الجنازة
    خلع الرجال فى المقهى قبعاتهم
    بطريقة آلية،
    وحيُّوا الميت ذاهلين.
    واستداروا جميعًا نحو الحياة
    مستغرقين فى الحياة
    واثقين بالحياة
    ***
    لكن واحدا منهم كشف رأسه بحركة بطيئة متمهلة
    وهو ينظر طويلا إلى التابوت.
    كان هذا الواحد يعلم أن الحياة اضطراب شرس
    وبلا غاية.
    أن الحياة خيانة
    وحيّا المادَّة التى كانت تمرّ
    متحررة إلى الأبد من الروح التى انطفأتْ.

    4
    قصيدة مأخوذة
    من مقال فى جريدة

    كان چون تاستى حمّالا فى سوق فى الهواء الطلق
    وكان يعيش فى تلّ بابيلون فى كوخ صغير بلا رقم
    وذات ليلة أتى إلى بار 20 نوڤمبر.
    وشرب،
    وغنَّى،
    ورقص،
    ثم ألقى بنفسه فى بحيرة رودريجو ده فريتاس وغرق.

    5
    تفاحة

    من ناحية أراكِ صدرا ذابلا
    ومن الناحية الأخرى بطنا لا يزال حبله المشيمىّ
    يتدلَّى من سرَّته
    ***
    أنتِ حمراء كالحب الإلهىّ
    ***
    بداخلكِ، بداخل بزور صغيرة
    تنبض الحياة هائلة
    بلا نهاية
    ***
    وأنتِ تستلقين بكلّ بساطة
    بجوار طقم أدوات المائدة
    فى غرفة بائسة فى فندق.

  • وارسان شاير – قبيحة ترجمة : ستيفاني دالال

    ابنتكِ قبيحة.
    تعرف الخسارة بشكل وثيق،
    تحمل مدناً بأكملها في بطنها.
    عندما كانت طفلة، لم يحملها الأقارب
    كانت خشباً مُشظًّىً و مياه بحر.
    قالوا إنها ذكرتهم بالحرب.
    في عيد ميلادها الخامس عشر علمْتِها
    كيفية ربط شعرها مثل حبل
    وتدخينه على اللبان المحترق.
    جعلتِها تغرغر ماء الورد
    وعندما كانت تسعل، قلتِ:
    لا ينبغي للفتيات اللطيفات مثلك أن تنبعث منهن
    رائحة الوحدة و الفراغ.
    أنتِ والدتها.
    لمَ لم تحذريها،
    لم تحمليها كقارب متعفن
    و تخبريها بأن الرجال لن يحبوها
    إن كانت مغطاة بالقارات،
    إن كانت أسنانها مستعمرات صغيرة،
    إن كان بطنها جزيرة،
    إن كان فخذاها حدودا؟
    أي رجل يرغب بأن يستلقي
    ويشاهد العالم يحترق
    في غرفة نومه؟
    وجه ابنتكِ عصيان صغير،
    يداها حرب أهلية،
    مخيم للاجئين خلف كل أذن،
    جسد مكسو بأشياء قبيحة.
    لكن يا إلهي،
    ألا تلبس
    العالم بشكل جيد

    *ورسان شاير: شاعرة بريطانية ولدت لأبوين صوماليين في كينيا.

    ** ترجمة: ستيفاني دالال

  • أيمن الشحات _ ربما يرى صوت الكتابة

    صباحا
    اكتشفت أن لى عينين
    لم أكن أعلم
    أن العين ترى
    كنت أظنها تبصر الأكل
    وتعرف الطريق إلى البيت
    وأقرأ بهما صحيفة اليوم
    أو رواية مترجمة
    ربما تعرض أحداث غير واقعية
    تدخل فى سباق على جائزة نوبل
    أدركت أن المكان الذى يتبعنى
    دائما ما كان يقف حائلا
    بينى وبين الكتابة
    يقف وحده
    فى الشارع
    ليمنعنى من رؤية الأشياء
    أو من رؤية امرأة
    تحترف الكذب
    كل ليلة
    لتدخل فى موسوعة الكذابين
    ربما كانت عيناى
    تلمعان
    عندما تستيقظ الموسيقى
    داخلى
    تفيق على صوت البحر
    أو على صورته
    هنا يجمع البحر
    بين الصوت والصورة
    ليكون ظلا كاملا
    للغياب الذى يأتى
    لم تكن حروف الكتابة واعية
    لما يجرى حولها
    هو البحر إذن
    يعوى كذئب
    كى يرحل
    لون الرمل
    يتخلى عن صفرته
    قل عن سواده
    لقد تغير لونه
    بفعل آلة الحقد
    والأفعال التى تلى
    الكلمات
    أو الحقائق
    فى منهج البصاصين
    من ينتظر القيامة
    الليلة
    يغلبنى النعاس
    قبل كأس النبيذ المعتق برائحة
    امرأة لم تتخلص من عرقها
    لأنها لم تجد سحابة
    تسقط عليها بعض قطرات
    من رائحة الجنة
    ظلت وحيدة
    إلى سطع القمر فى حجرها
    لم تسمع شيئا
    عن الحمى التى تهز الجسد
    وتنخر كالسوس فى العظم
    لم تعطى للأمر أهمية
    نظرت للبعيد
    كى ترى
    رأت
    عيني فى المرآة
    لم تعرف شكلى
    ولا صوت الحرف
    حين يخرج من حنجرتى
    لم تستطع رسم لوحة
    لرجل فى الخريف
    يمتلك عينين
    ورغبة فى البكاء

  • شحاته حسن – أنا لست مجنونًا

    شحاته حسن – أنا لست مجنونًا

    صدقوني،
    أنا لست مجنونًا رغم محبة حقيقية لمباني مستشفى العباسية المقبضة
    ولست قاتلاً
    يطعن زوجين بسكين المطبخ ويهرب
    لم أستمع يومًا ل”لانا ديل راي”
    وأكره فان جوخ، و صفحة نوديستا
    ولا أعتبر الرقص المعاصر فنًا..
    بداخلي كراهية تنمو للوجوه، للأسماء، للناس على المقهى
    بداخلي عالمٌ يتداعى، لا يصمد فيه أحدٌ سوى جوهرة

    رغم هذا،
    رغم كل السوء الذي “ينيك” روحي
    قلبي أبيض مثل الموت
    ويدي التي ترتعشُ الآن،
    تعرف كيف تربت على كتفٍ مُتعب
    وبعينين محبطتين،
    أرى الزهرة تنمو حتى في الخرائب

    لا أريدُ كلبًا
    أو امرأة تنظف فراشي من الكوابيس.
    لا أريد سيارة دفع رباعي،
    ولا حتى موتوسيكل صيني.
    لا أريد شاشًا وقطنًا لأربط ساعدي الذي جرحته بالأمس خمس مرات..

    أريدُ فقط،
    ألّا أنسحق في حُزنٍ يشبه وجه المسيح
    أن أكون وردة بيضاء
    بلا محطات كُبرى،
    تذبلُ، بينما تعلق رائحتها على الوسادة.

  • نمر سعدى – مجازات وردة الحيرة

    مجاز

    مجازاً تقولُ: إذا اكتظَّ رأسي بوردٍ شديدِ السوادِ سأُلقيهِ بينَ يديكَ..
    مجازاً أقولُ: نسيتُ طعامَ النوارسِ في البيتِ، والماءَ في الغيمةِ الأنثويَّةِ، قمحَ السماءِ نسيتُ، وعصفورتي الذهبيَّةَ، كنتُ على عجَلٍ من حنيني، أُرمِّمُ تنهيدةً بشفاهي لأنجو بنفسيَ أو بقميصي الذي قُدَّ من قُبَلٍ والملطَّخِ بالتوتِ، كنتُ على أملٍ لم يجدْ بقعةً في القصائدِ واحدةً لمواراةِ يأسي، ومن دونِ قصدٍ تركتكِ نائمةً في القطارِ، كأنكِ سيِّدةٌ لستُ أعرفها وابتعدتُ.
    *

    عينان ساحرتان

    عينانِ ساحرتانِ، زيتونيَّتانِ، حزينتانِ، عميقتانِ، تحدِّقانِ بكوكبٍ يهوي إلى عدَمٍ، كنرجستينِ فوقَ بحيرةٍ زرقاءَ مغمضتينِ، طافيتينِ في قلبي، مسمَّرتينِ فوقَ الماءِ والعسَلِ المملَّحِ، قلتُ: أنتِ ملأتِ جرحي بالندى والخلِّ، حينَ نضوتِ أزهارَ الثيابِ المخمليَّةِ عنكِ، هل أغويتني بالشوكِ أو نصفِ الدموعِ على عبيرِ البرتقالةِ عندما فسَّرتِ عاطفتي برائحةِ الغمامِ؟ وهل أخذتِ الطفلَ فيَّ لآخرِ الدنيا وأوَّلِ نزوةٍ بيضاءَ كالفرَحِ المجنَّحِ؟ يا ابنةَ العشبِ الشتائيِّ الظلامُ كأنهُ أعمى يقودُ دمي إلى معناهُ، أو شبحٌ يردِّدُ لي صدى ( عينانِ ساحرتانِ، زيتونيَّتانِ، حزينتانِ، عميقتانِ، تحدِّقانِ بكوكبٍ يهوي إلى عدَمٍ..)
    *

    نداءُ الملح

    في ذلكَ الليلِ الشبيهِ بنشوةٍ مطويَّةٍ فوقَ السريرِ، وبالسواحلِ في بلادِ اللازوردِ، رأيتُ عاشقةً يمرِّرُ شاعرٌ يدَهُ على أوتارها، في حزنِ ريلكة كانَ، أو في شوقهِ الأبديِّ لامرأةٍ تخضِّبُ ظهرَها غيتارةٌ غجريَّةٌ، وينامُ فوقَ وسادها قمرانِ، كادتْ أن تهمَّ بهِ وكادَ يسلُّ منها الظبيةَ، الأفعى، الحمامةَ، والفراشةَ، والسحابةَ، لوعةَ النايِ، احتراقَ الماءِ في جسدِ الكمانِ، القطَّةَ الأحلى، ويطلقُ قلبَهُ في شكلِ قنديلِ البحارِ يطيرُ في أبدٍ، ليتبعَ عطرَها في ذلكَ الليلِ الغريبِ أو الشبيهِ بنشوةٍ مطويَّةٍ فوقَ السريرِ، كقبلةٍ منسيَّةٍ، كقصائدِ اللاندايِ، هل من خصلةٍ ورديَّةٍ، أم من نداءِ الملحِ في دمنا سينبلجُ النهار؟
    *

    قلبٌ مخرَّمٌ بالسفرجل

    من كم خريفٍ شاعرٌ يبكي ويضحكُ في قصيدتهِ كسكِّيرٍ، يثرثرُ كالأراملِ، يستجنُّ كعاشقاتٍ غابَ عشَّاقٌ لهنَّ، فيشعلُ الماءَ الذي ينسابُ في المرآةِ، والليمونَ في امرأةٍ تسيِّجُ نهدَها بالوردِ أو بالعوسجِ البريِّ، لا هو حالمٌ كي يستفيقَ من الحياةِ ولا ترابيٌّ ليكملَ في التفاصيلِ الصغيرةِ دورةَ المعنى، يقولُ: سنلتقي عندَ انتهاءِ قصيدةٍ ما أو نهارٍ، شاعرٌ نزقٌ يربِّي ظلَّهُ عندَ التقاءِ النهرِ بالبركانِ، يصمتُ كلَّما قالتْ لهُ امرأةٌ يحدِّقُ في ابتسامتها المضاءةِ بالنحيبِ: السرُّ في عينيَّ، روحي فيهما طيرٌ يرفرفُ فوقَ أجملِ غابةٍ ليصبَّ فيكَ، كأنكَ الشمسُ الأخيرةُ في دمي، والعابرُ الأبديُّ في جسدي، كأنكَ شاعرٌ من كم خريفٍ يرتقُ القلبَ المخرَّمَ بالسفرجلِ والغناءِ العاطفيِّ سدىً، يقولُ: سنلتقي لو في مطالعِ أغنياتِ البدوِ كالغرباءِ، أو ننحلُّ في بعضٍ كآخرِ ذرَّتينِ من الهواءِ، وكانحلالِ ظلامِ ليلِ الشكِّ في نورِ اليقينْ.
    *

    كطعمِ الحُبِّ في أيلول

    من ذلكَ الصيفِ البعيدِ كأنني ما زلتُ أحملُ صخرتي وحدي، وتطفو القهقهاتُ على خطايَ، أشمُّ رائحةً مشبَّعةً بنارنجٍ وغامضةً، كطعمِ الحُبِّ في أيلولَ، في نُزلٍ على نيلِ العجوزةِ، كانتْ امرأةٌ ترتِّبُ ليلَها الشفهيَّ في الضوضاءِ، توقدُ مزهريتها لقلبي كيْ ينامَ، غريبةٌ هيَ، أو أنا وحدي الغريبُ، ولم تكنْ عرَّافةً لتقولَ لي الأسرارَ، أو عذراءَ شاعرةً لتوقدَ مزهريَّتها ورغبتها على مرأى النجومِ، وآخرِ النسيانِ، أو لتعيدَ ترتيبَ الرهافةِ في الصباحِ على طريقتها، وتذهبَ مثلَ برقٍ شعَّ أو ظلٍّ توارى في السرابِ.
    *

    شمسُ الأغاني

    قولي: (مساءُ الخيرِ) للشجَرِ الذي عرَّتهُ ريحُ الليلِ، للمطَرِ النهاريِّ الخفيفِ، لنزوةٍ يأتي بها نوفمبرُ القاسي / الحنونُ، لنأمةٍ فوقَ البحيرةِ أو على طرفِ الحديقةِ، لانتظارٍ كانتظارِ الشِعرِ ساعةَ لا يجيءُ، ولانكسارٍ لا يُفسَّرُ، للغناءِ الساحرِ المغناجِ، للرقصِ المدوَّرِ، للقرنفلِ في السريرِ وفي الكتابِ، لراقصاتٍ حافياتٍ فوقَ رملِ القلبِ، قولي للأصابعِ في الخضابِ، وللمساءِ، لأصدقائكِ، لي: (مساءُ الخيرِ)، صوتُكِ كانَ فاكهةَ الشتاءِ، الآسَ، خبزَ الحُبِّ، نعناعَ الجليلِ، وكانَ قلبي موجَعاً، ودمي كأوراقِ الخريفِ، ولم يكن ندمي معي وخطايَ كي أنسلَّ منكِ كآدمَ المسكينِ، كانَ الليلُ مكحلةً لعينيكِ، القصائدُ ذكرياتِ يديكِ في الفردوسِ، حنطتكِ التي تكفي شعوبَ الطيرِ يا شمسَ الأغاني.
    *

    قصيدةٌ لا تنتهي

    هذي الحياةُ قصيدةٌ لا تنتهي أو لعبةٌ، وجعٌ إضافيٌّ، ظلامٌ ناصعٌ، أبدٌ، نهارٌ مشمسٌ، قيلولةٌ ما بينَ كابوسينِ، لا أدري ولكني أحسُّ كأنَّ قلباً ثانياً في الجنبِ يوجعني، كأنَّ حبيبتي خانتْ، كأنَّ الاخوةَ الأعداءَ صاروا أصدقائي الخُلَّصَ، القوَّادُ أصبحَ سيَّدَ الدنيا، وكلُّ الحبِّ لا يقوى على مسحِ ابتساماتِ البغايا عن وجوهِ الآخرينَ، وعالمُ الأرقامِ يوجعني، كأنَّ دمي على جمرٍ يسيلُ، العاشقُ العربيُّ والعبثيُّ في عصرِ النجومِ يقولُ: يا ليلى أحبُّكِ في الحياةِ وفي المماتِ، وفي المماتِ وفي الحياةِ، وكم أحبُّكَ يا إلهي، العائدونَ من الجحيمِ يبشِّرونَ بجنَّةٍ أرضيَّةٍ، يا سيَّدَ الفردوسِ لا أرقاً أريدُ ولا مرايا كيْ يُقبِّلَ وجهَهُ نرسيسُ فيها، كلَّما مرَّت فتاةٌ قربَ أغنيةٍ، وأمعنَ في تردِّدهِ الجمالُ، وفي تشرُّدهِ دمي، فالظامئُ الأبديُّ لا يكفيهِ ماءٌ في المجرَّةِ، والنهاريُّون كانوا طيِّبينَ معي، ولم أجدْ الحمامةَ في انتظاري عندَ نافذتي، لأغسلَ دمعتي بهديلها الرقراقِ مثلَ أبي فراسٍ في بلادِ الرومِ، لم أجدْ الحفيفَ الأنثويَّ، ولا المزاميرَ الخفيفةَ في انتظاري.
    *

    حبقٌ مُسهَّد

    هيَ كلَّما كبُرَتْ يفيضُ غموضُ نظرتها إلى الأشياءِ، أو تنسى الحنينَ الأوليَّ إلى البنفسجةِ الوحيدةِ، كلَّما نهضتْ تشفُّ كأنها قمرُ الصباحِ وماءُ سرِّ الأقحوانةِ، لا تلوِّحُ للنهاراتِ التي تنأى بعيداً كالقطاراتِ الغريبةِ، أو ترمِّمُ بالقصائدِ لغوَ خسراني، ستهمسُ لي: السرابُ وراءَ قلبي كانَ، فانقشْ فوقَ خاصرتي القصائدَ والنجومَ، أُتركْ لعصفورِ الخريفِ الماءَ يقطرُ من فمِ الصنبورِ، والحبقَ المُسهَّدَ في السريرِ الليلكيِّ، وفتِّشْ امرأةً سوايَ لكي تراني.
    *

    كم مرَّةً ستحبُّ؟

    كم مرَّةً ستحبُّ، أو كم مرَّةً ستعانقُ الصُبَّارِ في أرضٍ تحبُّكَ أنتَ لا ظلَّ السحابةِ؟ قلبُكَ المنسيُّ قنديلٌ يضيءُ الدربَ في ليلِ الدموعِ، وأنتَ توقدُ للبرابرةِ الذينَ تناثروا، وتدلُّ كلبهمُ على قمَرٍ، وآخرَهم على أثرِ الربابةِ، أو على مطرِ الصدى، كم مرَّةً ستحبُّ أو كم مرَّةً ستموتُ؟ عاصفةُ القرنفلِ خلفَ ظهركَ والقطارُ الساحليُّ يفوتُ، في وقتِ الظهيرةِ كنتَ في حيفا وكانَ أمامَكَ البحرُ الخريفيُّ المغطَّى بالغيومِ وبالتنهُّدِ، وهو يرمي ثوبَهُ الأبديَّ قربَ الشمسِ، هل أطلقتَ نورسةً من الأضلاعِ، ثمَّ نسيتَ بابَ العمرِ مفتوحاً على الـتأويلِ؟ كم من مرَّةٍ سترى بخاطفِ نظرةٍ صُوَرَ الطفولةِ، وهيَ تنأى في مدى عينيكَ مثلَ البارقِ القمريِّ، أو تلويحةِ الأشجارِ فوقَ الضفَّتينِ وأنتَ ترمقها على عجَلٍ، وتوغلُ في السرابيِّ المواربِ، لم تكنْ أعمى لتذكرَ أو لتنسى، لم تكن أعمى ولكن كنتَ وحدكَ كالغريبِ، وكنتَ وحدكَ كانسحابِ يديكَ من جسَدِ الحبيبِ، وكنتَ وحدكَ… في الخريفِ يصيرُ لونُ البحرِ أجملَ، واستداراتُ النجومِ تصيرُ أجملَ، والمسافةُ بينَ ساعاتِ الظهيرةِ والمساءِ تصيرُ أجملَ، فوقَ هذا الكرملِ السحريِّ كنتَ فقدتَ أُمَّكَ، وانكسرتَ على الفراشةِ، واشتعلتْ بدمعةٍ حجريَّةٍ، كم مرَّةً ستقولُ: هاويتي القصيدةُ والحنينُ إلى السرابِ رعافُ روحي؟
    *

    ريشةُ عنقاء

    لن أُصدَّقَ نفسي، سأحفظُ عن ظهرِ قلبٍ طريقَ الرجوعِ الطويلَ الذي نقشتهُ مؤابيَّةٌ في دمي، وٍسأمحو تفاصيلَ رغبةِ بعضِ القصائدِ بالركضِ فوقَ النجومِ، سيجتاحني شغفٌ مرضيٌّ برائحةِ الصخرِ والزعفرانِ التي نبتتْ في فمِ الاستعارةِ كالعشبِ، لا لن أُصدِّقَ نفسي، سأتركُ بعضَ الزهورِ لتأكلها الريحُ، بيتاً من الشِعرُ كي تتوضَّأَ غاويةٌ فيهِ، ماءً قليلاً لتشعلَ فيهِ الكوابيسُ حزناً بلا سببٍ، هل لأنَّ البصيرةَ دلَّتْ يديَّ على عنبٍ في مهبِّ الثعالبِ، تحملني الآنَ ريشةُ عنقاءَ حتى المصبِّ الأخير؟
    *

    حَدْس

    بالحَدْسِ يسكنني المغنِّي العذبُ، أتبعُ نجمةً خضراءَ، ألمسُ بالأصابعِ شوكةً مائيَّةً، وأطيرُ فوقَ بحيرةٍ بالحَدْسِ، أو أعدو وراءَ الريحِ، أنتظرُ الشتاءَ، الصيفَ، رائحةَ الخريفِ، النهرَ في نيسانَ، والمطرَ الحزيرانيَّ، أنظرُ في المياهِ وفي الظهيرةِ، ثمَّ أمحو وجهَ نرسيسَ الشقيِّ، وأستقيلُ من الحقيقةِ والمجازِ إلى الأبدْ.
    *

    أصحو وبي خدَرٌ

    أصحو وبي خدَرٌ، أعودُ الى المتاهةِ لحظةً كي أطمئنَّ على صديقي أو على فرَسي العنيدةِ، للسنابلِ أن تميلَ ولي أنا سربُ الحمامِ على انكسارِ الضوءِ، لي الزيتونُ، لي لونُ القطيفةِ، لي نهارُ الصحوِ في كانونِ أوَّلَ، وابتداءُ الحُبِّ، لا أصحو ولكني أريدُ تتبَّعَ النسيانِ كالغرباءِ، أرمي وردتي للطائرِ الدوريِّ، أُغلقُ هاتفي الشخصيَّ، فالأخبارُ مزعجةٌ ويزعجني اهتزازُ الهاتفِ الخلويِّ، بي مطرٌ يسحُّ على الأهلَّةِ أو شبابيكِ الغيابِ، وبي نداءٌ في الزحامِ عليَّ: هل ما زلتَ تذكرُ كيفَ ضلَّلُ شَعرُها بكَ في المرايا والدروبِ؟ أرى الذي سأراهُ من وجعِ الحروبِ، ألوكُ صوَّانَ المسافةِ أو أمدُّ يديَّ للقمَرِ القريبِ، تمرُّ عاصفتانِ قربي، ثمَّ تهدأُ في دمي الصيفيِّ عاطفتانِ، لا يُغشى على أحدٍ سوايَ لأنَّ شخصاً ما غريباً أو تعيسَ الحظِّ ماتَ اليومَ، أو عمراً جميلاً فاتَ في هذا الزمانِ العنصريِّ الوغدِ وابنِ الكلبِ، هل سأرى الذي سأراهُ، أو يُغشى على أحدٍ سوايْ؟
    *

    نمشي ونرسمُ طائرينِ

    نمشي ونرسمُ طائرينِ على الجدارِ، لأنَّ ظلَّاً ما خفيفاً شعَّ من حجَرٍ، لأنَّ حمامةً ناحتْ وراءَ السروةِ الخضراءِ، كنتُ أقيسُ عمري مرَّةً بالسروِ، أو بحرائقِ العنقاءِ تفتحُ لي جفوني، أو سماءَ القلبِ، لم تذهبْ سدىً يا عُمرُ، لم يذهبْ صدى الرؤيا ولا هذا النهارُ سدىً، ولكنَّ الحنينَ يئنُّ في الدمِ مثلَ صوتِ الماءِ أو صوتِ الزلازلِ كلَّما جاءَ الشتاءُ، وأصبحتْ في عُهدةِ امرأةٍ قصائدُ شاعرٍ غيري، انحنى قلبي وكانتْ صخرةَ الآثامِ لي في الأرضِ أو قمرَ البصيرةِ، زهرةَ البريَّةَ الأولى وشمسَ البيلسانْ.
    *


    دوار

    بي دوارٌ وبي لغةٌ لا تضيءُ الزنابقَ في أوَّلِ الليلِ، بي حبقٌ منزليٌّ يشقُّ الطريقَ إلى ما يريدُ، دوارٌ أكيدٌ، سأمضي بهِ، وستمضينَ للغيبِ يا امرأتي كنهاياتِ بعضِ السنينِ، تأخَّرتِ عن موعدي وتغيَّرتِ مثلَ الفصولِ، ولكنني لم أعد مثلما كنتُ أيضاً أنا، ضاعَ فردوسُ روحي وقلبي تصدَّعَ في موجةٍ غيرِ مرئيَّةٍ، وتبدَّدَ في آخرِ البحرِ، عينايَ مشدودتانِ إلى نجمةٍ غيرِ مرئيَّةٍ في الظهيرةِ، والأقحوانةُ قد أكلتها الضباعُ.

  • يحيى عبدالمنعم _ لعلى أغفر لك

    يحيى عبدالمنعم _ لعلى أغفر لك

    أيها الجالس فوق الشجرة
    أما آن لك أن تهبط
    لترى ما آل إليه الثرى
    -خصب الأمس و ملاذه-
    بعد أن لوثته المساحيق
    و الدماء و الأسمدة
    و الجبال التي أصبحت ناعمة
    من أثر التسلق المتكرر
    و عوامل التعرية
    و البحار التي لم تعد تنشق للشراذم
    الهاربة من بطش الفرعون
    و أنت..
    بعين اللا اكتراث
    و لسان اللا حول
    تدعي الحيرة و الاندهاش
    و صوت أملك السقيم
    لا يرصد سوى حلمِ عاجزٍ
    عن تحقيق الوجود
    و كأنك محض نكرة!
    أيها البائس جدا بلا شجرة
    لم تعد هناك شجرة
    الجذع أحيل صليبا
    و ماعورة و سريرا
    و حطبا للمدفأة
    و الاوراق بيعت بخسا
    لتصبح صفحة من التوراة
    أو ورقا للمراحيض
    و البذور وئدت في الصوامع
    وفي جيوب المزارعين
    و الطيور المهاجرة
    باتت وجبة غذاء دسمة
    لم تعد هناك شجرة
    فقط ذكريات عن ظلها
    منذ زمن بعيد مضى
    معبقة بالغموض و المبالغة
    تنساها هي
    ويتذكرها المتعبون
    أما أفعالك فبنيت لمجهول
    و بقيت أنت
    أيقونة للنسيان
    تسبح في عدم الفضاء
    أيها النائم على الدرة البيضاء
    مرشدا و واجدا و مداويا و موحدا
    كيف لك أن ترشد التائهين
    و أنت التيه؟!
    كيف لك أن تجدهم
    قبل أن تجد نفسك؟!
    كيف ستبرئ المرضى
    و أنت الموت؟!
    أنت المردد في شفاه الانتحاريين
    و المعلق في رقاب القتلى
    أنت المسجى في الكتب السماوية
    و على شرف حضورك .. بل غيابك
    تصب الدماء كالنبيذ
    في نشرات الأخبار
    كيف سيؤمن بك الثوار
    و باسمك يصدق على كل قمع
    و يقسم على كل كذبة؟!
    كيف توحد الناس على الكلمة؟!
    أنت المقسم بين سيف و نار
    و صمتك يطوق كلمتك
    و الموت استرسال رسائلك
    اقرأ ..
    ثم صحِّف الجدل بالموسيقى
    و بدل البارود بالخزامى
    و امح ما كتب باسمك
    لعلي أغفر لك ..!

    اللوحة ل Monica Barengo

  • محمد سالم _ مسودتان لنص لن يكتب

    أريد أن أكتب سيرتى الذاتية غير أن الأمر ليس بهذه البساطة خاصة حين تبحث عن سبب واحد لبقائك كل هذه السنوات رغم أنك أعزل، لن أشبه الحياة بغابة، الغابات عرفناها عن طريق الكتب، أو أثناء مشاهدتنا لبرنامج عالم الحيوان وليس عدلاً أن نعقد مقارنة بين شيئين واحد منهما مجهولٌ لنا تماماً، ليس عدلا؟!، تبحث عن العدل؟، إذن قل الجحيم، شبه الحياة، بالجحيم، واسرد، عليك أن تعصر ذاكرتك، وتكتب أحداث أيامك، فقط لا تفعل غير هذا، ثم سمِ الكتاب، سمه، سمهِ، دعه بلا عنوان، لأن رامبو، رامبو ذلك الساحر، سبقك إليه، حين كتب (فصلٌ فى الجحيم).
    لا لا
    هذه محاولة سيئة جداً
    .
    مسودة أخرى
    أريد أن أكتب سيرتى الذاتية
    المشكلة أننى لا أستطيع أن أجد شيئاً هاما فى حياتى
    حياتى الطويلة كلها كانت بلا أهمية
    لدرجة أننى أضحك كثيراً كلما تذكرتها
    وكلما تذكرت ذلك الرجل الذى دفعنى بعيداً عن إطارات سيارة
    أعرف انه رجل تافهٌ
    ووحيدٌ أيضاً
    أجل
    أنا رجل تافه جداً
    وبلا أية فائدة
    حتى أن أحداً لم يفكر أن يطوقنى بحزام ناسف
    كى تتخلص الحياة من تافهين آخرين
    أى شئ فى حياتى السخيفة هذه يستحق أن يكتب
    هل أكتب عن المتسول الوحيد الذى منحته نقوداً
    عرفت بعدها أنه اشترى بها طعاماً لأطفاله وامرأته
    كانت وجبةً شهية جداً
    ربما لم يروها ـ صدفة حتىـ طيلة حياتهم
    شئ رائعٌ، أليس كذلك؟
    إنه حقاً شئٌ رائعٌ لو أنه لم يشترِ مع الطعام (سماً) ليخلصهم
    ماذا لو أن يداً سوداء اغتالتنى الآن
    هل سينقسم العالم وتكون حرباً؟!
    بالتأكيد لن يحدث
    تصورى
    بعدما مزقت ورقاً أبيض كثيراً
    وقررت أن أكف عن هذه اللعبة التافهة
    تذكرتك
    فكتبت عن عينىّ اللتين أغمضتهما حينما رأيتك
    هل تعرفين لم أغمضت عينىّ حينما رأيتك
    كنت دائماً أحلم أن نهراً من النور يجرى داخلى
    فلما رأيتك
    تيقنت أن فيضاناً يحدث الآن
    وأن عينىّ خانتا
    وأخرجتا النور
    فأغمضتهما كى لا يجف داخلى.
    ولأحتفظ ولو بقليل منكِ
    أعتقد أنه أصبح ضرورياً الآن
    أن أكتب سيرتى الذاتية كرجل صانع للتاريخ والحياة
    ما رأيك لو سميتها
    (سيرة رجل أحبك)؟
    هذه أيضاً محاولة سيئة جداً
    على إذن أن أكف عن العبث
    وأن أعترف عن اقتناع
    إنها حياة تافهة جداً
    وإنه أسهل كثيراً من كتابة سيرة ذاتية لها
    أن أتخلص منها.
    .
    كيف أتخلص منها؟!
    ربما أفعل كما يفعلون فى الأفلام
    أتركها فى قطار، جنب راكب طيب، ونائم
    قبلها سأمسح كل بصمة لى
    لأمحو كل أثر يدلهم علىّ
    قبل سنوات وضعتها فى كيس أسود
    وتعمدت نسيانها فى الباص
    سائق الباص سلمها لقسم شرطة قريب
    يقولون إن أحد العساكر تعرف عليها
    عندما استدعونى لآخذها حاولت أن أقنع السائق أن يأخذ نصيبه منها
    تبسم بخبثٍ، ثم قال (أستغفر الله)
    الذين لا يكفون عن مد أيديهم لتأخذ نصيبها من الرشوة
    تحولوا فجأة إلى شرفاء، عندما حاولت أن أقسمها بينهم
    هذه المرة سأخفى معالمها وحينما يضبطون الراكب الطيب متلبساً بها
    سأدعو أن يكون طماعاً وأن يقول (أجل، هى لى)
    أشتاق أن أرى وجهه عندما يفتح الحقيبة ويكتشف ما بها
    مرةً، قذفت بها كاملة داخل امرأة
    بعد تسعة أشهر بالكمال والتمام، وبينما أتقلب فى الفراش شعرت بشئ طرىّ
    وحينما دققت النظر
    وجدتها ملفوفة ببطانية مزخرفة، تبتسم وعينها تقول
    (أيها الأحمق لن تفر منى)
    عندى خطةٌ
    سوف أدعو أصدقائى لوليمة
    وأطبخها لهم
    أولئك اللئام بدلاً من أن يمضغوا سيرتى كل ليلة
    سأضعها لهم فى صحون
    ثم أرشها بالفلفل
    وأغرس فى كل قطعة شريحةً من الطماطم
    كلوا أيها الطيبون
    كلوا
    كلوا
    يالها من خطة ،
    كم أنا بشوق لأراهم وهم يلفظون أنفاسهم
    بينما أتخلص منها قطعة قطعةً.
    قد أستبدل هذه الخطة بخطة أخرى
    وأضعها فى علب مخصصة للهدايا
    وأبعثها لهم
    وبينما أجلس فى مقهى قريب
    وأضع المبسم بين شفتىّ
    أسمع صوت انفجاراتها
    فأضحك و أموت من الضحك.

  • يانى بيانو _ أنا / كلّما أنتِ

    في اللّغة /
    أكره عنقك .

    أُغطّي بخامة إستفزازه الزرقاء قلق أصابعي .

    أيُّ إمرأة تفتح بعنقها توجّس الكتابة ؟.

    في الكتابة /
    أكره أنفك .

    أكره الأثر المسروق في السرد كلّما تنهدّتِ تَكرّينَ بِطَانةَ الكلام .

    في المرأة /
    أكره إمرأتك .

    أكره عروق الفانيليا تحت إبطك ،
    أُربيّ عداوتي للغة على بطنك ،
    أضع نصف النصّ على أفكار عمودك الفقري ،
    والمئة من الرجال الزعران المتبقين مني الذين لم يتخلّوا عن عاداتهم السيئة فليغرقوا بماء عظامك .

    أنا لا أحب موسيقاك مفرطة البطء ،
    ولا فرشاة أسنانك الزهرية ،
    تُضحكني الطريقة التي تمدّين بها لسانك وأنت تلبسين جوربك على الأرض ،
    لم أرى بحياتي ،
    شجرة صنوبر ،
    تلبس جورباً غبيّاً .

    أنتِ ؟
    ما الذي يودّه جلدك ؟
    رائحتك المجنونة التي لا تفكر أبعد من أنفي ؟

    اللوحة ل MONICA BARENGO