المدونة

  • سما الحرة ( مها دعاس ) – السوريات

     

    Geoffrey Johnson

    السوريات
    رسمن على الجدران أغانيهن
    بعفوية يومياتهن الصاخبة
    طلينها بمواويل الفرح و أهازيج شعبية
    لحن هدهدن به لطفل حتى ينام مازال دافئا يشدو

    وفي كل ركن من أركان البيوت تشم رائحة البخور يتطاير من كلمة “يقبرني ”
    ” يامو ، يا أمي، يما، نانتي، ماما
    رائحة إبريق البابونج ودلة القهوة بالهال و شراب الليمون بالنعناع

    قصائد وكتب مملوءة بالحب
    في مكتبات البيوت قرب الذكريات

    قبل الرحيل كدسن الغيم في أسرة أطفالهن
    التي يتطاير حولها فراش أحلامهن البسيطة

    دمى قربها فردة حذاء تختبىء بداخله حبات عقد لؤلؤ مفروطة سقطت سهوا يوم الطامة الكبرى

    عند باب الدار قرب شجرة التوت و زريعة المليسة
    تركن صرة تختبىء فيها رقصة الحياة المسروقة التي
    كانت توشوش لله شكواهن

    عند كل باب و تحت كل نافذة و شرفة
    تتركم أشلاء و تتكتظ ذكريات
    أقدام بترت في ساحة الدبكة التي كانت تغني للحرية

    بينما كان المخبرون يصورونهم
    و يسجلون أسمائهم أؤلئك الذين كانوا يحملون الورد بأياديهم
    و يرفعون راياتا بيضاء لم تحمهم من وحشية الوحوش

    كان الجميع على الشرفات
    يرميهم بحبات الرز للبركة
    يرشقونهم بالورد و الماء

    على رفوف مطابخهن تركن صرخة و كثيرا من الدموع
    تتلألأ في صحونهن التي تنزف غياب قدورهن و نيران مطابخهن المطفئة

    قطيع من الغزلان يتطاير في حدائق البيوت الأرجوانية
    تلك البيوت التي تعرف رائحة عيونهن الخائفة من الغد

    غرزن أظافرهن عند مقبض الأبواب الوحيدة التي تئن أرواحها على رحيلهن بعد أن
    صارت بلا ظلال

    تبكي غياب ضحكاتهن
    في الصباحات
    و صهيل حضورهن في أمسيات الصالونات

    أغصان الزيتون التي
    شذبنها نجمة نجمة
    صارت دموعا تائهة في الدروب
    التي تلفقها خطاهن التائهة

    الطيارات الورقية التي صنعنهن بأيديهن لأولادهن
    دفنت في
    قبور أكبادهن الصغيرة

    أي جراح تلك التي تشفى؟
    أي موت بطعم الغدر سَيُنسى؟

    في دروب الخذلان
    تزركشن كل مكان تطأه خطاهن بخرز العقيق المر
    و من حبات الحصى على أبواب الخيام تبدعن لوحات فسيفساء القهر

    تطرزن على الصخر غرزة من غرزات التطريز بخيوط الميلان و الأورجانزا بإبر من دموع عيونهن

    بكل إصبع لون وبكل إصبع نقش للاستمرار بمهارة

    متسع من الفرح المنتظر
    بطعم الشمس و رائحة جدائلهن التي تبعث الضوء
    تيمنا بكسر قلوبهن وغصة الذل في كلمة “لاجئات”

    في الدروب المستحيلة حيث
    تكملن الحياة بما تيسر لهن من القليل القليل
    و الكثير الكثير من الكرامة كصلاة …..

    اللوحة ل René Magritte

  • إنساننا الأبدي الممزق بالنسبي – قراءة في فيلم: رحلة العمر – صبحى شحاته

    لفيلم: رحلة العمر تأليف وإخراج سعد عرفة، عمق التناقض الذي حملته ثقافتنا العربية الحديثة التي حاولت التوفيق بين الجديد الوافد من الغرب والقديم، بين الاصالة والمعاصرة ذلك التناقض الذي ظهر مع اول رحلة لرفاعة الطهطاوي ابن الازهر إلي فرنسا زمن محمد علي باشا، واستمرت محاولات التوفيق بين المتناقضات تلك حتي العهد الناصري الاشتراكي، الذي انهته هزيمة السابع والستين، فسارعت مصر بالارتماء كلية في اتجاه الغرب المتفوق.
    يعرض الفيلم مصر السبعينات الخارجة من الانغلاق الإشتراكي الروسي إلي الانفتاح الغربي الأمريكي، حيث تدفق السلع الاستهلاكية الغربية السريعة ومعها انماط سلوكية غريبة وثقافة نسبية تهتم باللحظة العابرة وليس الابد، قوامها الانسان النسبي وليس المطلق
    يبدأ الفيلم وينتهي بساعة الحائط الكبيرة العتيقة ذات البندول الطويل الرتيب الوقور، وكهذه الساعة تمضي حياة مدير البنك الكبير مقامًا وسنًا فهو في الخمسين من عمره محمود ” أحمد مظهر، حياة هادئة ساكنة، فنحن الآن في يوم الخميس، ليلة الجمعة والزوج السعيد يتعشي مع زوجته الجميلة مديحة ” مريم فخر الدين ” أمام السفرة المكتظة بالطعام البيتي، عمايل يد الزوجة الموفرة نفسها لزوجها وبيتها فحسب، والتي تعرف طقوس الزمن الدائري الذي تعيشه وتألفه،الذي يبدأ وينتهي بليلة الجمعة حيث تدخل الحمام بعد العشاء الدسم، ومنه إلي التسريحة أو مائدة الزينة فتتزين وتتعطر ثم تنام في السرير باسمة واثقة، من قدوم زوجها المشتاق للعناق والتقبيل والمتعة البيتية الآمنة المستقرة، والمستمرة منذ خمسة عشر عاما من الزواج التقليدي الابدي.
    ويقفز عقرب الساعة عشرة دقائق مرة واحدة في لقطة سريعة، فنجد الزوج قد انتهي من زوجته، كما لو إنه قضي وقته المحدد بالضبط ، وإن هذه كل طاقته المنذورة له والمسموح بها له، ثم ينام قرير العين. المنزل خاوٍ إلا منه وزوجه لا أطفال، هدوء وسكون وصمت.
    يذهب الزوج في رحلة استجمام قصيرة إلي سيدي عبد الرحمن، كان ينبغي أن تكون معه زوجته، لكنها فضلت الذهاب إلي بيت عائلتها لقضاء واجبات هناك لا بد منها، فهي تنتمي إلي صورتين متناقضتين من صور العائلة، الكبيرة الممتدة الريفية، والعائلة النوويية الصغيرة المدينية، التي تعيشها مع زوجها، جامعة بين الاثنين في حالة توفيقية تعسفية، توفق بين المتناقضات ولا تحلها، وهي ملتزمة وصاحبة واجب وتحترم تقاليد الحياة الأسرية التقليدية، لذا ذهب الزوج وحده إلي الفندق السياحي الفاخر المطل علي البحر والفارغ تمامًا في مثل هذا الوقت من العام حيث لا يأتي أحد، وحيث ينعم الزوج بالهدوء المعتاد عليه.
    يطلب الزوج من موظف الاستقبال بالفندق حجرته المعتادة، فيخبره أن نزيلة سكنتها مع الغرفة المجاورة لها، تأتي النزيلة سوزان اسمها الغربي وسلوي اسمها العربي ” شمس البارودي” شابة فائقة الجمال متحررة ذات أصول اجنبية فهي متعددة الهويات مصرية وغربية، ومستقلة وفردية وحرة ومتحررة، حجزت الغرفة لصديقها فهي لا تعرف الزواج التقليدي الذي يعرفه الزوج لكن صاحبها أو البوي فريند يتصل بها ويخبرها أنه مشغول بالمذاكرة وبمباراة مهمة للتنس، ولن يأتي إلا بعد يومين أو ثلاثة ، تغضب جدا فكيف ستقضي وقتها دونه، كيف يمر عليها الوقت دون أن تستمع! ثم توافق علي ترك الغرفة لمحمود العجوز.
    وهناك بغرفتها تشعر سوزان/ سلوي بحرارة الفقد والوحدة وزهق الملل فتشغَّل الريكوردر وترقص علي موسيقاه الصاخبة، وهكذا لأول مرة تمتلأ حياة الموظف الكبير بالصخب والضجيج، وكان نائما بالغرفة اللصيقة بغرفتها بينهما باب داخلي يمكنه الدخول إليها منه، فاستيقظ وأسرع ليطلب من الفتاة شبه العارية اللاهية الملولة ايقاف الصوت والعودة إلي الهدوء، لكنها ترفض فيتصارعان علي الريكوردر هو يريد أخذه منها وهي ترفض حتي ينتزعه منها ويصفعها علي وجهها فتستسلم وتقعي كالقطة عند قدميه، ولما يهم بالانصراف محرجًا من فعلته تمسك بيده ثم تنهض واقفة وتحتويه بذراعيها وتقترب منه برغبة لم يعهدها وجرأة لم يجربها وحرية في التعبير عن الشعور خارقة له، وتقبله فيقبلها بعنف.
    في الصباح ينهض محمود الموظف المحترم التقليدي من جوارسوزان الجميلة اللاهية خجلًا متخوفًا من فعلته الشنعاء، منتظرًا اللوم التقليدي، لكنه يفاجيء بها تنهض متمطية قائلة له ووجهها مشرق بابتسامة صافية لا شي فيها : صباح الخير! هكذا كأنهما زوجان وكأنهما لم يرتكبا كبيرة من الكبائر المحرمة لدي الزوج! الذي أدرك إنه أنتقل إلي عالم آخر، لم يعهده من قبل، عالم الساعة فيه غير موجودة، والانضباط والهدوء والالتزام بالتقاليد الخ غير موجود، عالم آخر من الحرية والمرح والرغبة والتعبير عن الرغبة بصراحة ووضوح وعدم خشية من شيء مطلقًا.
    يسأل محمود المدهوش سوزان عن عمرها فتقول له أنه 2000 سنة وبالتحديد 1973 .. وهنا يقفز الحوار إلي المستوي الرمزي فنحن لسنا أمام فتاة عادية وإنما فتاة تمثل الحضارة الاوربية كلها، بقيمها المخالفة لقيم محمود ابن الشرق. حضارة انثوية تطلق لمشاعرها العنان وتحتفي بالجسد واللحظة التي تمر وبالحرية الشخصية والصراحة والوضوح.
    يقضي محمود ممثل الثقافة العربية الذكورية، الذكر الوقور مع سوزان الانثي الغربية أياما من المتعة الخالصة في غرفة الفندق وعلي شاطيء البحر يجري ويلعب ويتمتع كالاطفال ويناقش ويتحدث مع الفتاة التي تحدثة بحرية وجرأة لم يجدهما مع زوجته المحافظة الخجول أبدًا.
    يحضر صديق الفتاة شابًا في مثل سنها اسمه عصام من العصامية والاستقلال الفردي، فيعترض الموظف الكبير الذي يعتبر الفتاة بمثابة زوجة له، تستجيب الفتاة اللا هية ،وتمنع نفسها عن عصام عقابًا له علي تركها وحيدة وعدم تلبية الفوز بالمتعة علي واجب الدراسة، فينصرف عصام غير غاضب تاركًا سوزي بحريتها لمحمود، غير المستوعب هذه المنظومة لرؤية العالم القائمة علي الحرية الفردية.
    وتنتهي أيام الاستراحة سريعا ويعود محمود العجوز الذي بدا صبيًا مع سوزان في سيارتها الصغيرة السريعة، ويطلب محمود من سوزان أن تكون العلاقة دائمة بالزواج أو بغيره. فتخبره بمنطقها الغريب عنه، إنها تحتفي باللحظة فحسب وإنها لما رأته أعجبها فقالت يااااي!! ورغبت فيه واستمتعت معه وانتهت اللحظة الان وعليه تقبل انتهاء العلاقة والفراق.
    عاد محمود الموظف الكبير مدير البنك من الجنة أو الجحيم أو العالم الاخر الممتع والغريب والمشوش المتناقض وهو لا يستطيع نسيانه وحبه، فصوت موسيقي الريكوردر في إذنيه وأصوات موج البحر المتلاطمة وضحكات الفتاة الرائقة المرحة وجمالها وجنونها كل هذا في أذنيه.
    وهاهي مديحة زوجته معه علي المائدة الكبيرة العامرة بالطعام الدسم فوقها الساعة الكبيرة حارسة الزمن الرتيب، تكلمة عن ما قامت به من واجب عائلي وتخبره عن الاشخاص الذين حمَّلوها أمانه السلام عليه والتحية له، وهو صامت ذهنه هناك مع الفتاة الاخري. وهاهي الزوجة العارفة واجبها تمامًا، تدخل الحمام وتخرج إلي مائدة زينتها، ثم إلي سريرها، بنفس الابتسامة، تنتظر شغف الزوج المعهود والابدي النمطي الذي لا يمكن أن تغيره الايام ، هو الزوج الابدي والانسان الابدي، لكن الزوج يتقدم فاترًا، فالسكون ليس صافيًا كالمعتاد لا يمتليء بانفاس الزوجة، وإنما بصخب موسيقي الريكوردر المرحة وصيحات سوزان وأمواج البحر. يعانق محمود زوجته، محاولًا الفعل المعتاد البيتي، لكنه ينهض غاضبًا متضايقًا بافتعال دون أن يفعل شيئًا وينصرف فتسامحه الزوجة وتعتذر بالنيابة عنه وتكبت دموعها وحزنها وتقول له:
    إنها لا تهتم بهذه المتعة العابرة إلا من أجله فحسب، فإن كان لا يريد فهي لا تهتم، فلا يحزن، فهي تريد أن تكون معه فحسب، فهو الرجل الذي انتظرته صغيرة في بيتها وحلمت به، حتي جاء إليها، فانتقلت من بيت عائلتها إلي بيته، لا تعرف سواه، حياتها كلها من أجله هو فحسب، وجودها كله مجعول له فقط فهو المركز وهي الهامش التابع .
    لكن الزوج لم يعد يرض، لقد زاد وعيه وعرف العالم الأخر المختلف، رأي ولمس بهجة أخري وعنفوان حياة أخري أكثر قوة وجمالًا من هذه، وهو لا يستطيع العودة كما كان هادئًا وادعًا راضيًا كالساعة العتيقة المعلقة فوق الحائط هناك.
    بحث محمود المغرم بالغريب والشاذ والجميل عن بديل لسوزان فتاة الغرب، فذهب إلي بيت من بيوت الدعارة وقابل فتاة تشبه سوزان الغربية إن كان يمكن أن يكون للغربية الفاتنة شبيها، لكنه لم يستطع الاقتراب من فتاة الهوي التي بدت نسخة مشوهة من سوزي فتاة الغرب الاصلية الجمال والفتنة، والتي هي الطبيعة بكل بكارتها وطزاجتها.
    فذهب إلي بيت سوزان في الليل وطلب وصالها الدائم لأنه لا يعرف إلا العلاقة الابدية وليست النسبية الجزئية، يعرف الخلود وليس الفناء، الدائم وليس العابر، لكنه وياللمفارقة يريد الدائم بنفس شروط العابر، والتوفيق بين المتناقضات، فيمزقة النتاقض، فصار لا هو هذا ولا ذاك، رفضت سوزان فتاة الغرب الانصياع له، فهي لن تفعل ما لا تريد، ولن تعطيه جسدها غصبًا عنها، وبدت قطة قاسية علي الذكر الشرقي، قاومها ليأخذها وقاومته لتبعده تعاركا اصطدما وقعا، فيما الموسيقي الصاخبة تدوي، لكنه لم يفز بها ابتعدت باكية تلوذ بركن الحائط في شقتها الفاخرة التي تعيش فيها وحيدة مع موسيقاها وكتبها وجمالها بحرية تامة .
    قفل محمود العجوز الشرقي راجعًا حزينًا كسيفًا إلي بيته، راغبًا في العودة إلي عالمه الذي يعرفه، المعتاد الساكن، لكنه وياللأسف وجده خربًا خاويًا صامتا كالمقبرة، فلقد رحلت مديحة الزوجة المخلصة الصابرة إلي أهلها، بعدما تبينت إنها غير مرغوبة وإن زوجها لم يعد لها وإنه تغير إلي شخص آخر منفر قاس، ينفر منها ويهينها.
    إنهار الذكر الشرقي علي مقعده الوثير أسفل ساعة الحائط العتيقة التي تدق فوق رأسه وبندولها يذهب ويجيء حائرًا، في رأسه فراغ ووحدة وصمت وحيرة، لقد انتهت الرحلة، رحلة العمر بالخسارة، فالذكر الشرقي لم يفز بالمرأة الغربية المتحررة ولا بالشرقية الملتزمة الراضية بالقسمة والنصيب، وقبع تحت وطأة دقات الساعة واجمًا كما التمثال.
    فيما ينتهي الفيلم الجميل الفريد في فننا السينمائي بسوزان / سلوي فتاة الغرب ذات الاصول العربية المتجولة في العالم بكل حرية، تنطلق بعربتها تحت أضواء الليل تصحبها موسيقاها الصاخبة وعالمها المرح الحر اللاهي شمس لا تضيء سوي ذاتها فحسب وسط الليل الغامض.

  • هشام محمود – الفنان ( حِوَارِيَّةٌ مَعَ رينيه ماجريت)

    هشام محمود – الفنان ( حِوَارِيَّةٌ مَعَ رينيه ماجريت)

    Geoffrey Johnson

     

    عِنْدَمَا تَثَاءَبَ ظِلُّ فُرْشَاتِهِ فِي مِرْآتِي..
    غَنَّتْ،
    وَصَحَتْ عَصَافِيرُ ذَهَبِيَّةٌ..
    عَلَى مُوَاءِ البَحْرِ.
    وَبَيْنَمَا غَيْمَةٌ تَعْبُرُ الشَّارِعَ حَافِيَةً،
    بِلَا رُفَقَاءَ..
    شَرَعْتُ أَعْضَائِي جُرْحًا جُرْحًا،
    وَغَطَّيْتُ وَجْهِي..
    بِقِطْعَةِ مُوسِيقَى مُبَلَّلَةٍ جِدًّا،
    كَأَنَّهَا خَرَجَتْ لِتَوِّهَا..
    مِنْ الجَحِيمِ.
    – تُرَى…
    كَيْفَ طَاوَعَ السَّحَابُ أَنَامِلَكَ،
    وَأَنْتَ تُسَوِّيهِ،
    وَتَنْفُخُ فِيهِ..
    مِنْ جَمْرِكَ النَّبِيلِ..؟
    – لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ مِنَ المَوْتِ مَا يَكْفِي..
    لِأَنْ أَعِيشَ مُنْتَبِهًا عَلَى الدَّوَامِ،
    وَالبَيْضَةُ كَانَتْ تَسْكُنُهَا العَفَارِيتُ،
    لِذَا كَانَ ضَرُورِيًّا أَنْ يَخْرُجَ طَائِرِي..
    مُحْتَشِدًا بِنَشْوَةِ المُغَامَرَةِ.
    – آهٍ يَا طَائِرِي..
    مَازِلْتَ مَغْلُولًا إِلَى عُنُقِي،
    تَتَرَبَّصُ بِكَ الوَصَايَا،
    وَتَمْنَحُكَ الشَّمْسُ كُلَّ صَبَاحٍ..
    فُرْصَةً جَدِيدَةً..
    لِأَنْ تَذْبَحَنِي..
    دُونَ أَنْ تَتَأَلَّمَ.
    – النَّاسُ مَلَائِكَةٌ لَا تَطِيرُ.
    – وَالطُّيُورُ مَلَائِكَةٌ مَحْشُوَّةٌ بِالسَّحَابِ،
    لِذَا كَانَ ضَرُورِيًّا..
    أَنْ تَخُرُجَ الغَيْمَةُ مِنْ قَلْبِ البَيْضَةِ..
    دُونَ أَنْ تَنْزَعِجَ السَّمَاءُ.
    – رَجُلٌ يَحْمِلُ تُفَّاحَةً عَلَى رَأْسِهِ.
    هَلْ يَعْنِي هَذَا..
    إِلَّا أَنَّ عُنُقَ الرَّجُلِ كَانَتْ مُتَوَاطِئَةً..
    مَعَ طَائِرِهِ الأُسْطُورِيِّ..؟
    – الغَيْمَةُ قَطِيفَةٌ مُرْعِبَةٌ..
    حَدَّ الجُنُونِ،
    وَالطَّائِرُ مَصْلُوبٌ فِي جُذُوعِ الهَوَاءِ،
    لِذَا كَانَ يَتَحَسَّسُهَا كَجِنِرَالٍ مُنْهَزِمٍ..
    يَمُدُّ أَزْرَقَهُ اللَّذِيذَ المُوحِي..
    إِلَى جُرْحِ القَصِيدَةِ.
    – لِلَّوْحَةِ إِيقَاعُهَا،
    وَلِي أَنْ أُعَبِّدَ أَبْجَدِيَّتِي..
    كَسْرًا لِوَطْأَةِ المِيتَافِيزِيقَا،
    وَاحْتِرَامًا لِعَلَاقَةٍ مُفْتَرَضَةٍ..
    مَعَ الفَرَاغَاتِ.
    – حَقْلُ غَيْمٍ فِضْفَاضٌ..
    كَمَجَازٍ ذِهْنِيٍّ..
    تَمْلَؤُكَ فَوْضَاهُ المُنْضَبِطَةُ..
    خِدْرًا وَتَشَظِّيًا مُلَائِمَيْنِ..
    لِأُنُوثَةِ القَصِيدَةِ.
    فَقَطْ…
    طَيِّرْ قُبَّعَتَكَ؛
    لِتَفْضَحَ الهَوَاءَ.
    – امْرَأَةٌ تَسِيرُ أَسْفَلَ غَيْمَةٍ..
    عَلَى عَيْنٍ وَاحِدَةٍ،
    بِقَدَمَيْنِ مُعَلَّقَتَيْنِ..
    فِي فَرَاغٍ جَانِبِيٍّ،
    وَنَهْدٍ وَاحِدٍ،
    لَكِنَّهُ كَافٍ لِمُعَادَلَةِ الحَيَاةِ.
    هَلْ يُمَثِّلُ هَذَا شَيْئًا..
    فِي ظِلِّ نَزْعَةٍ خَلَّاقَةٍ..
    لِإِسْقَاطِ إِلَهٍ وَرَقِيٍّ مُتَسَلِّطٍ..؟
    صَبَاحَ الخَيْرِ أَيَّتُهَا الحُرِّيَّةُ.
    افْتَقَدْتُكِ بِشِدَّةٍ..
    حَتَّى عِنْدَمَا أَحْبَبْتُ.
    لَمْ أَقْوَ عَلَى كَسْرِ هَزَائِمِي،
    وَافْتِرَاعِ عَلَاقَةٍ مُفْتَرَضَةٍ مَعَ الفَرَاغَاتِ؛
    لِذَا سَيَبْدُو (مَاجريت)..
    فُرْصَةً لِتَشْفِيرِ أَشْيَائِي الخَاصَّةِ جِدًّا،
    وَفِي لَحْظَةٍ مُمْتَلِئَةٍ..
    سَأَجْلِسُ قُرْبَ نَافِذَةٍ نِصْفِ مُغْلَقَةٍ،
    رُبَّمَا يَحُطُّ طَائِرٌ عَلَى كَتِفِي،
    وَيُدَنْدِنُ لِي..
    بِأُغْنِيَّةٍ لِـ (فَيْرُوز).
    عِنْدَهَا سَتَصْحُو الغَيْمَةُ..
    عَلَى ضَوْضَاءَ مُرْعِبَةٍ..
    يَنْثُرُهَا الفَرَاغُ،
    وَأَكُونُ قَدْ تَحَرَّرْتُ تَمَامًا،
    حَتَّى مِنْ تَوْقِي لِلحُرِّيَّةِ.
    اللوحة ل Rene Magritte

  • تشارلز بوكوفسكي – تريد أن تصبح كاتباً؟

    إذا لم تخرج منفجرةً منك،
    برغم كل شيء
    فلا تفعلها.

    إذا لم تخرج منك دون سؤال،
    من قلبك ومن عقلك ومن فمك ومن أحشائك
    فلا تفعلها.

    إذا كان عليك أن تجلس لساعات
    محدقاً في شاشة الكمبيوتر
    أو منحنياً فوق الآلة الكاتبة
    باحثاً عن الكلمات،
    فلا تفعلها.
    إذا كنت تفعلها للمال
    أو الشهرة،
    فلا تفعلها.
    إذا كنت تفعلها
    لأنك تريد نساءً …. ….
    فلا.. تفعلها.
    إذا كان عليك الجلوس هناك
    وإعادة كتابتها مرة بعد أخرى،
    فلا تفعلها.
    إذا كان ثقيلاً عليك مجرد التفكير في فعلها،
    فلا تفعلها.
    إذا كنت تحاول الكتابة مثل شخص آخر،
    فانسَ الأمر.
    إذا كان عليك انتظارها
    لتخرج مدويّةً منك،
    فانتظرها.. بصبر.
    إذا لم تخرج منك أبداً،
    فافعل شيئاً آخر.

    إذا كان عليك أن تقرأها أولاً لزوجتك
    أو صديقتك، أو صديقك
    أو والديك أو لأي أحد على الإطلاق
    فأنت لست جاهزاً.

    لا تكن مثل كثير من الكتّاب،
    لا تكن مثل آلاف من البشر
    الذين سمّوا أنفسهم كتّاباً،
    لا تكن بليداً ومملاً ومتبجّحاً،
    لا تدع حب ذاتك يدمّرك.
    مكتبات العالم قد تثاءبت حتى النوم
    بسبب أمثالك.
    لا تضِف إلى ذلك.
    لا.. تفعلها.
    إلا إن كانت تخرج من روحك كالصاروخ،
    إلا إن كان سكونك سيقودك للجنون
    أو للانتحار أو القتل،
    لا تفعلها.
    إلا إذا كانت الشمس داخلك
    تحرق أحشاءك،
    لا تفعلها.

    عندما يكون الوقت مناسباً،
    إذا كنت مختاراً
    ستحدث الكتابة من تلقاء نفسها
    وستستمر بالحدوث مرة بعد أخرى
    حتى تموت
    أو تموت هي داخلك.

    لا توجد طريقة أخرى.
    ولم توجد قط.

     

    ترجمة محمد الضبع

    اللوحة

    Portrait of Eric Satie

    Santiago Rusinol

     

  • أن تزدهر الخيول في الموت – يحيى امقاسم

    أن تزدهر الخيول في الموت – يحيى امقاسم

    «في بكائية الصهيل، في قلب عار من صحة الحياة»
    إلى عبدالله العصيمي … ذهب عن شعب صغير.
    للوقت الذي لم يكن بيننا وداعاً، وداعاً للكدمات التي لم تُصبنا عنك ونهرع: «ليتها فينا»، وداعاً للحيطة المحببة كلما قيل «جاء أبي»، لانضباط المقام، لقدر الهيبة الناعم، لرجفة يد ما اشتعلت بعد، لصغار يهجسون بآخر عاشق في العالم، للأب الفصل يركن إلى الإحسان، للأم نوّارة تُواسي الصبرَ يقتسمه أخوة، وداعاً لِتَحَفظ مُدَلَلتك على كنه المرض، لحصافة التوخي، لمفترقات النوافذ. وداعاً، للأَسِرَّة آوتك، لقواميس اللغة تضمحل، وداعاً للقمر عذر الليل بعدك.

    وقد تأكد عنوانك – إنه الأخير – وداعاً للحذر من صرامة الذهاب، لوخز الترقب، لحاجتنا في كلمة أخيرة، لجهات الخبز، لواجب النسيان، وداعاً لتنهيدة لم تصلك، للألوان تجفل من ثيابك، وداعاً لصيانة الوقار، لفرح مفتاحك في الباب. وداعاً، للحداء الأخير، لحماس المصافحة، لوسادة الوطن يحلم، وداعاً لتفاصيل اليوم كل يوم، لهمهمات خلف أبواب تربي الفزع، لأسماء أقل ما يمكن أن تُلازم شخصنا، وداعاً لحيرتك عند عزلة أمك الصغيرة. وعلى موعد مع الرجاءات لم تُفلح، والخيبات تتزاحم، فوداعاً لوعد أن أراك هنا، لحظة أن أسمعك، لاحتمال الإياب، لصعود الجبال التي علت معك، لسلوان الكتابة.
    وعلى موعد مع اندلاع الحنين الكوني، مع انحصار الحناجر، والبكاء الطوفان، مع الخزانة والأشياء تبلى، وعلى جبهة أطولِ ليلٍ حتى القيامة، مع شتات الحقول، مع نضب البشر، ولقاء مع الحائط الكسير، وكفاف الأمل، عوز التقدم، مع المنزل العاري من صحة الحياة، مع جيرة الويل، وعلى مواجهة نصل تالي «أينك»، وأمام يتم ينهب بِكر الحب – «اثنين»، وفقد في نديين.. ديمتين، وحريق روما على تلّة القلب، وعطرك أمك الصغرى على موعد مع غُربتين.
    ومنتهاك الركوع النهائي، الهمس المشارف. بالله، شجر الرضا، عروة السكينة، الذراعة التي تشيخ في الظلام، ذرى المآذن صباح السبت، وملاك اليمين في الغبطة، وداعاً للمراحل كلّها. وداعاً للسبق فلك حنكة الترجل، لخلق الموت لا سؤاله – ذاك درب الزمردة، للوعة التي آختك ستَ «سنوات النحيب»، لقصاصات في قرآن جوهرتك، لتشييد زهوها الرفيع، لإكليل هباتها، وداعاً للبطولة الأخيرة، لشرف الأوسمة تغمرها، لعينيها توافيهما وعدك الآن، لخريف المطارات التي تُورق إلى بلادها، يا الزعفران الصباح، يا الوداع.. لمنامةِ الذهبِ ذهبك، للأمكنة تجهش عليكما، لشرفات المحَرّق مطفأة، لِلَيالي ضرّكما، للحجاز أوّلك.. آخرك، لغيثها غيثك، لحكايات لكما فقط، لعشب الكلام في حديقة السر، وداعاً لبغتة الهدايا.
    لوّحتَ لفاجعة الزجاج يصقلُ الرعايةَ شهراً شهراً، لامتياز العناية الفائقة، لاتزان الأطباء في وضح الحقيقة، لتزمت الحديد أمام زهرك المسجّى، لوّحتَ للخشب المرصع بمهجتك، لمهمات الصفح في العالم، للسمت المقدس، لوظيفة الابتسامة، للسريرة الأولى، لرسائل تخلفت…فوداعاً لحزن الخجل، لحزن ما اجتاح يدي، لحزن في صغيرتك العبق، وأنا على وعد انتفى! وغدقك النهائي قرار التنحي – أنت سيد العرش، والخيارات مذهولات لم تجربها؛ لتستنرف شتلتُنا عدّتَها في العاصفة، ليخسر الوادي النحيل سيادتَه أمام العارم.. والآن إنّا سيان، محو أو بقاء. فوداعاً لطموح العودة، وداعاً لمعنى البيت…وداعاً للوداع. ثم حتماً وداعاً لروحي حتى ألتقيها يوماً في يديك.
    *
    فلذات الازدهار: جودي وكتف البرّ يعودان بمجدٍ من أندلسِ، ورابيةٌ أمينةٌ على عافية الجسد، والممشوق طائر على الغمام، ومُزنُ البياض ربيب الأمل، ورنُوُّ السلام قلب يمامة، وغزالةُ سهب المحبة، وتالين خطفت نون النسوة والأمهات..لك يا أمه الصغيرة، لك وأنا لست نداً لحزنك، ولم أكن كُفواً لعلوه – كما قَدّرتِ – فوداعاً!
    اللوحة
    The poet and the angel
    Mario Eloy
  • سوزان عليوان – كنقطة عتمة في الضوء

    سوزان عليوان – كنقطة عتمة في الضوء

    بإمكانِ كُلٍّ منّا

    ألاّ ينامَ وحيدًا

    لماذا لا تحرّكُ مقبضَ بابي

    في هذه اللحظةِ

    و تدخلُ

    كضوءٍ

    في العتمة؟

    تجلسُ إلى حافةِ سريري

    تعيشُ أرقي

    و القهوةَ

    و موسيقى روحٍ تجلّتْ؟

    لماذا لا تأتي

    كنجمةٍ بردانةٍ

    تختبئُ تحت لحافي؟

    قلبي يتيمٌ

    كنقطةِ عتمةٍ

    في الضوءِ

    لماذا لا تفاجئني

    و تحرّكُ مقبضَ البابِ

    فالستائرَ

    فعدّةَ القهوةِ

    و جهازَ التسجيل؟

    لديَّ صمتٌ كثيرٌ

    و بنٌّ رائعٌ

    و اسطواناتٌ مجنونةٌ

    أعرفُ أنّك تُحبُّها

    اللوحة

    اسم اللوحة : الليلة لـ إدوارد مونش

    التاريخ : 1890.

  • بسام المسعودي – تعلم الإنتحار

    عندما تبدأ حريتك
    مارس معها عبودية
    أنفاسك
    إقتلها بشراهة تدخينك سجائر مهربة
    غض طرف أصابعك
    عن كتابة سجنك القديم
    لقد صرت حراً
    صرت بادئاً في فعل
    كل ما تشاء بكل حرية ..
    عندما تبدأ ممارسة الحنين
    علم يديك إحتضانك
    لقن ضجرك طريقة شرب الوقت بلا أسف
    كن معلماً و لو لوهلة لقدميك
    كيف تزاحم أحذية ظلالك
    كيف تدوس على أرصفة قيودك
    إصطنع جنوناً شاقاً
    كأن تقف فوق صندوق ثيابك الرث
    إربط حبلاً على سقف آخيلتك
    علق جثتك عليه
    ثم إغمز لظلك أن يسحب صندوقك الرث
    حينها سكرات الموت ستحاول شرب
    أنفاسك الآخيرة
    و ظلك سيصرخ :-
    لماذا ستنتحر
    و قد صرت حراً
    و سجائرك المهربة ستشتاق نفثك الحـر .

    اللوحة

    اسم اللوحة : رماد لـإدوارد مونش

    التاريخ : 1894

    النمط : التعبيرية
    الفترة : الفترة الأوروبية

  • إيهاب خليفة – غسالة العالم

    أبحثُ عن غسالةٍ
    غسالةٍ تغسلُ ملابسَ
    كلِّ الآدميينَ معًا
    في ليلةٍ واحدةٍ
    سأبرمجُهَا على غسلِ ملابسِ الجنودِ
    وستراتِ القتلى
    سأجعلُهَا تغسلُ ملابسَ الرؤساءِ
    وأسمالَ العابرينَ
    وفي فـَمٍ واحدٍ تغسلُ ملابسَ الملاحدةِ
    وأصحابِ الشرائع
    طاردةً كلَّ البقع
    وكلَّ الوساخات .

    سأحتاجُ حبالَ غسيلٍ عملاقةً
    ومساحيقَ كالجبال
    ربما أضعُ كلَّ الأنهار فيها
    ربما أستعينُ بالبحار والمحيطات
    وأنتظرُها وهي تزمجرُ
    زمجرتَهَا الخرافية
    في لحظةِ البدءِ

    لحظة التفافِ أكمام ملابس الجماهير
    حولَ ياقات قمصان الرؤساء
    لحظة حصار ملابس القتلى
    لمعاطف الجنرالات
    لحظة مفاداةِ “بِدَلِ ” الراقصات
    للجلابيب الوقورة للشيوخ
    وأردد ضاحكا كمجنون
    بينما يأتيني العويل:
    أيتها الأنسجة التي كانت زرعًا واحدًا
    أرأيتِ كيف يكونُ انتقامي؟!

    اللوحة

    اسم اللوحة :Portrait of a Lady
    الدولة : England
    الرسام : Francis Wheatley
    تاريخ الرسم : 1747-1801
    نوع الفن: Realism
    القياس بالإنش : 48 * 58

  • ناهد الشمري – الحلم

    ناهد الشمري – الحلم

     

    BLANC, by Olivia Pendergast (born in Florida; based in Seattle, WA) aka Holly Mae (Holly is her initial name).

    الحلم

    نجمة تتدلّى بضفائر الحلم
    الواقع ! أرض ترعبها
    براءة السماء تندلق من عيونها
    تنشب في صدر الليل أظفارها
    من بين أصابعها ينزّ الظلام
    باذخ السواد مخيف.

    من عتمته تكتحل سواقي الذكريات
    يبهرها إلتماع النجمة في رحلتها إلى أرض الموت
    مزهوّة تتلقفها
    تهديها حلماً منزوياً
    كان يضجّ بالعابرين إلى الحياة
    وحين تمشط ألسنة الصبح حدائق الصحو
    تتأبط حلمها
    وبلامبالاة تتثائب
    تحاول الإمساك بخيوط الضوء
    عبثاً تتسلق أملها بالوصول
    لكن سرعان ما يباغتها النور
    فتذوي
    لايقرن الصبح دوما بالحياة
    قد يجلب موتا خالصا لنجمة كانت قد تأبطت حلمها توّاً
    وقد يهدي الليل بعتمته لنجوم المجرّات

    حياة.

  • خطر القصة المُفرَدة – تشيماماندا نغوزي أدِتشي

    خطر القصة المُفرَدة – تشيماماندا نغوزي أدِتشي

    أنا قاصة، وأودّ أن أروي لكم ما أحب تسميته بـ “خطر القصة المفردة”. نشأت في مدينة جامعية في شرق نيجيريا. تقول أمي إنني بدأت القراءة في الثانية من عمري، رغم أنني أظن أن الرابعة هي الأقرب للحقيقة. وهكذا بدأت القراءة باكرًا، وما كنت أقرأه كان كتبًا للأطفال بريطانية وأمريكية، كما بدأت الكتابة في عمر باكر أيضًا. وبدأت أكتب في السابعة من عمري قصصًا بالقلم الرصاص لها رسومات ملونة، كانت أمي المسكينة ملزمة بقراءتها. كنت أكتب قصصًا من نوع القصص التي أقرأها تمامًا، إذ كانت كل شخصياتي لها بيضاء البشرة وزرقاء العينين. كانت الشخوص تلعب بالثلج، وتأكل التفاح، وتتحدث عن الطقس وروعة سطوع الشمس. وهذا على الرغم من أني أعيش في نيجيريا ولم أسافر خارجها أبدًا. فلا يهطل فيها الثلج، ونحن نأكل المانغو ولا نتحدث عن الطقس أبدًا، لأنه ليس ثمة ضرورة.
    كانت شخصياتي أيضًا تشرب بيرة الزنجبيل، بمعزل عن كوني لا أملك أدنى فكرة عما تكون، ولسنوات عديدة بعد ذلك انتابتني رغبة جامحة في تذوقها. لكن هذه قصة أخرى! ما يبينه هذا، برأيي، مدى انقيادنا وهشاشتنا في مواجهة القصة. وبخاصة بوصفنا أطفالًا. ولأن ما قرأته كان كتبًا شخصياتها أجنبية ، فقد اقتنعت أن الكتب بطبيعتها لا بد أن تحوي شخصيات أجنبية، ولا بد أن تكون عن أمور لا يمكنني إدراكها شخصًا.
    لكن تغيرت الأمور حين اكتشفت الكتب الأفريقية. لم يكن هنالك الكثير منها ولم يكن يسهل العثور عليها بقدر الكتب الأجنبية. لكن بفضل كتّاب من أمثال شينوا أشيبي وكامارا لاي، خضعت لتحول عقلي في رؤيتي للأدب. فقد أدركت أن أشخاصًا مثلي- فتيات بشرتهن لها لون الشوكولاتة، واللاتي لا يمكن عقد شعورهن المفلفلة على هيئة ذيل حصان- يمكن أن يظهروا في الأدب أيضًا. فبدأت الكتابة عن أمور أعرفها.
    لقد أحببت تلك الكتب البريطانية والأمريكية التي قرأتها، فقد حرضت خيالي، وفتحت لي عوالم جديدة. لكن النتيجة غير المنتظرة كانت في جهلي بوجود أشخاص مثلي في الأدب. لذا ما منحني إياه اكتشاف الكتاب الأفريقيين أنه أنقذني من امتلاك قصة مفردة لطبيعة الكتب.
    أنحدر من عائلة نيجيرية تقليدية من الطبقة المتوسطة. كان أبي أستاذًا جامعيًا وأمي إدارية، وكان لدينا- كما كانت العادة- خادم يسكن معنا، ويكون عادة من قرية قريبة. في العام الذي بلغت فيه الثامنة، كان لدينا خادم جديد، اسمه فيدي. الأمر الوحيد الذي أخبرتنا به أمي عنه هو فقر عائلته الشديد. كانت أمي ترسل البطاطا الحلوة والأرز وثيابنا القديمة لعائلته. وحين لم أكن أنهي عشائي كانت تقول “أنهي طعامك! ألا تعرفين؟ الناس أمثال فيدي لا يملكون شيئًا”. لذا شعرت بشفقة هائلة نحو أسرة فيدي.
    ثم ذهبنا في يوم سبت لزيارة قريته، وأرتنا أمه سلة جميلة من الخوص الجاف صنعها أخوه. فأصابتني الحيرة. لم يخطر لي أن أحدًا في عائلته يمكنه صنع شيء حقًا، فكل ما سمعته عنهم كان مدى فقرهم، وصار مستحيلًا لديّ أن أرى فيهم شيئًا سوى كونهم فقراء. كان فقرهم قصتي المفردة عنهم.
    بعد سنوات، تذكرت هذا حين غادرت نيجيريا للدراسة في جامعة في الولايات المتحدة. كنت في التاسعة عشرة. وقد فوجئتْ بي شريكتي في السكن، فسألتني أين تعلمت تحدث الإنجليزية بهذه الطلاقة، واحتارت حين قلت لها إن اللغة الإنجليزية لغة رسمية في نيجيريا. وسألتني إن كان بإمكاني إسماعها شيئًا مما سمته “موسيقاي القبلية”، وخاب أملها بعد ذلك حين أخرجت شريط ماريا كاري. كما افترضتْ أنني لا أعرف كيف أشغل الموقد، ولكن ما صعقني كان شعورها بالأسى نحوي حتى قبل أن تراني. كانت نظرتها الافتراضية عني، بوصفي أفريقية، شيئًا من الاستعلائية والشفقة الحسنة النية. كان لدى شريكتي في السكن قصة أحادية عن أفريقيا، وقصة أحادية عن المأساة. في هذه القصة، ليس ثمة احتمال بشبه الأفريقيين بها بأية حال، ولا احتمال بالشعور بشيء أكثر تعقيدًا من الشفقة، ولا احتمال للتواصل بوصفنا بشرًا متساووين.
    لكن علي أن أضيف سريعًا أنني أنا أيضًا متورطة بالقدر نفسه بالقصة الأحادية. قبل بضع سنوات زرت المكسيك من الولايات المتحدة، وكان المناخ السياسي في الولايات المتحدة ذلك الوقت متوترًا، وظهرت نقاشات عن الهجرة. وصارت كلمة “المهاجرين”، كما يحدث في أمريكًا كثيرًا، مرادفًا للأشخاص الذين يستغلون نظام الرعاية الصحية، ويتسللون عبر الحدود، ويلقى القبض عليهم عند الحدود وأشياء من هذا القبيل.
    أتذكر أنني كنت أتجول في الأنحاء في يومي الأول في غوادالاهارا، أراقب الناس وهم يذهبون للعمل، ويلفون خبز التورتيا في السوق، ويدخنون ويضحكون. أذكر أنني شعرت بادئ الأمر بشيء من الدهشة، ثم غمرني شعور بالخزي. أدركت أنني كنت منغمسة جدًا بتصوير الإعلام للمكسيكيين للحد الذي صاروا فيه شيئًا واحدًا في ذهني: المهاجرون المتسللون. لقد تأثرت بالقصة الحأادية عن المكسيكيين، ولم أكن لأصبح أكثرخجلًا من نفسي عندها. هكذا تخلق القصة الأحادية، أظهِر الناس وكأنهم شيء واحد، وكأنهم شيء واحد فحسب، مرة بعد أخرى وهذا ما يصبحون عليه.
    لكن الإصرار على هذه القصص السلبية فقط يعني تسطيح تجربتي، وتجاهل القصص العديدة الأخرى التي شكّلتني. تخلق القصة الأحادية أنماطًا، ومشكلة الأنماط ليس في أنها غير صحيحة وأنها ناقصة، بل أنها تجعل قصة واحدة القصة الوحيدة… لقد شعرت على الدوام أن من المستحيل الارتباط بمكان أو شخص جيدًا دون الارتباط بكل القصص حول ذلك المكان أو ذلك الشخص. تكمن نتيجة القصة الأحادية في أنها تسلب الكرامة من الناس، فهي تجعل إداركنا لمساواتنا بوصفنا بشرًا أمرًا صعبًا، إنها تؤكد على مدى اختلافنا بدلًا من التركيز على مدى تشابهنا.

    أدرّس في ورشات الكتابة في لاغوس كل صيف، وقد أذهلني عدد الأشخاص المتقدمين، ومدى لهفة الناس على الكتابة وعلى رواية القصص. لقد أنشأنا أنا وناشري النيجيري مؤسسة لا ربحية تدعى صندوق فارفينا، ولدينا آمال عظيمة في بناء المكتبات وإعادة تأهيل المكتبات الموجودة وتأمين الكتب لمكتبات مدارس الدولة الفارغة، وفي تنظيم الكثير والكثير من الورشات، للكتابة والقراءة، لكل الأشخاص المتحمسين بسرد حكايانا الكثيرة. القصص مهمة، الكثير من القصص مهمة. لقد استغلت القصص للسلب والأذى، لكن يمكن أن تستغل القصص أيضًا للتمكين والأنسنة. يمكن أن تحطم القصص كرامة شعب، لكن يمكنها أيضًا إصلاح الكرامة المكسورة.

    ترجمة: بثينة إبراهيم.

  • أنتظرك – ماريو بينيديتي

    أنتظرك – ماريو بينيديتي

    أنتظرك حتى يغدو الليل نهارًا،
    بتنهيدات آمال ضائعة.
    لا أظن أنك ستأتين،
    أعرف ذلك، أعرف أنك لن تأتي أبدًا.

    أعرف أن المسافات جارحة،
    أعرف أن الليالي باردة جدًا،
    أعرف أنك لستِ هنا.
    أظن أني أعرف كل شيء عنك.
    أعرف أن النهار سريعًا ما يغدو ليلًا،
    أعرف أنك تحلمين بغرامي،
    غير أنك لا تقولين،
    أعرف أني أحمق لأني أنتظر،
    وأعرف أنك لن تأتي أبدًا.

    أنتظرك حين ليلًا ننظر للسماء،
    أنتِ هناك،
    وأنا هنا،
    بحنين لتلك الأيام حيث
    خلّفت القبلة طريقًا للوداع،
    ربما لبقية حياتنا.
    مأساًة أن أتحدث هكذا.
    وحين يغدو النهار ليلًا،
    وحين يخفي القمرُ الشمسَ الملتهبة،
    أشعر بالوحدة، أعرف،
    أبدًا لن أعرف في حياتي
    مثلما أعرف الآن أني وحيد جدًا،
    وأنك لستِ هنا.

    لهذا الشعور أعتذر لك،
    أبدًا لم تكن نيتي إهانة.
    أبدًا لم أحلم بعشقك،
    ولا أن أشعر بك هكذا.
    هوائي ينتهي مثل ماء في صحراء،
    وحياتي تفنى حين لا تهجرين داخلي.
    ما من أمل لي إلا أنتِ،
    وأنا لست هناك…
    ولماذا لست هناك؟
    ستسألين…
    لماذا لم أركب هذا الباص الذي يوصّلني إليكِ؟
    لأن عالمي هنا لا يسمح لي بالحياة هناك،
    لأن كل الليالي تعاقبني كلما فكرت فيكِ.
    ولماذا لا أنساكِ مرة واحدة؟
    لماذا لا أعيش مرة واحدة؟

    لماذا مرة واحدة…؟

    ترجمة: أحمد عبد اللطيف.

  • غياب – خورخي لويس بورخيس.

     

    Black and Red | Viktor Sheleg 1962 | Russian Abstract painter

    غياب
    ربما ينبغي أن أرفع الحياة الواسعة
    حياة هي الآن مرآتك:
    وكل صباح ينبغي أن أعيد بناؤها
    منذ رحلتِ،
    كم مكان غدا بلا معنى
    وبلا فائدة، كما
    الأضواء في النهار.
    مساءات كانت مشكاة لصورتك،
    موسيقى دومًا كنتِ تحفظيني بداخلها،
    كلمات عن ذاك الزمن،
    الآن صار حتميًا أن أقوّضها بيديّ.
    في أي مخبأ أدس روحي
    كيلا تلحظ غيابك
    غياب كشمس لاهبة، بلا غروب،
    تبرق بلا رحمة وبلا حدود؟
    غياب يطوّقني
    كما الحبل حول الحنجرة
    كبحر نغرق فيه.

    ترجمة: أحمد عبداللطيف.

  • يحيى عبدالمنعم – بحر

    “أبويا قاللي ارمي الشبكبك
    أمي قالتلي ل البحر ياكلك”
    و بينهما
    لم أجد ما يكفي من الحيرة
    لأترك صنارتي و أبتعد عن النهر
    *
    كنت -بغريزة مفترس- أحب صيد السمك
    وبدون مقدمات
    انشغلت بتزيين الطعم
    و تركت الصيد!
    *
    النهر أهوج
    و على الرغم
    لا موج له
    حدثني عن سكون البحر!
    *
    استيقظت على ظهر السفينة
    حين صرخ البحارة بنفس واحد و عدة أصوات:
    كيف سنستدل على الطريق؟
    قال قبطان: نقرأ السماء
    قال آخر: نبحر مع الريح
    و قال أخير: نلجأ للاسطرلاب و الكرونومتر
    أما أنا
    فسألت البحر!
    *
    السفينة غرقت!!
    *
    من كان يقرأ السماء
    واصل القراءة كأن غرقا لم يكن!
    من كانت الريح وجهته
    استوقف سفينة أخرى
    و نجا!
    ثالثهم تعلم السباحة
    لم يغرقه البحر إلى الآن
    لكنه غرق في الاحتمالات
    *
    أخبرني البحر أننا نظلمه
    و أنه لم يغدر بأحد
    كل ما في الأمر أنه كلما شعر بالوحدة
    احتضن سفينة
    *
    علمني البحر ألا أغرق
    *
    “أبويا قاللي ارمي الشبكبك
    أمي قالتلي ل البحر ياكلك”
    كان ذلك يوم أن كان لي شاطئ
    لماذا لا أسمع أحدا
    عندما أكون في عرض البحر؟!

  • رضا العبيدى _ عينان

    رضا العبيدى _ عينان

    عينان
    واحدة على يمين الوجه
    وأخرى على يساره
    لم تعودا في هذا العصر
    كافيتين تماماً
    لمشاهدة أفلام الخيال
    بوضوح
    على فضائيات الأقمار
    الصناعية
    ولم تعودا أصلاً
    بعد الانتهاء
    من آخر فيلم
    كافيتين للنوم على جنب واحد
    أو جنبين
    في فراش وثير
    أو على حصيرة بالية
    ولا حتى للاستيقاظ من حلم
    أو كابوس
    بكامل المدارك النفسية..
    أمست الحاجة ملحّة
    إلى عين ثالثة
    في الوسط
    بين الحاجبين
    وإن لاحت
    في مرآة الصباح
    أثرَ رصاصة أخيرة.

  • عبير يوسف _ مقهى الروح

    عبير يوسف _ مقهى الروح

    أتلمس طريقي
    على مقهى الروح
    فتبتسم جراحي
    وتحتسي آلامي
    جرعة فائرة

    قهوة تحرق الذكرى
    فترديني الأدخنة
    تمزجني حروفي بالنار/
    بالضوء/
    ببرق الزجاج المهشم
    وهو يعيد تشكيل الكائنات
    بمزاج صمت صباحي
    ومساء صاخب بالخوف
    وجاذبية البكاء حيث لامفر

    أطياف الغربة
    تتقاطر من العابرين
    تحملها مصابيح الطريق
    للماء الساكن
    بأنظار ورئات عدة

    والأحلام اصطفت
    أمام قرص شمس المغيب
    فلا هي رحلت
    ولا منحت القمر المنتظر
    صك المغفرة

    براكين من الحيرة
    تنفث بها أكواب دائرة
    على المقهى المقابل
    للطريق المتكور على نفسه
    كثعبان يحتضر

  • أحمد سليمان _ ديوَانُ الْيَبَاب..

    أحمد سليمان _ ديوَانُ الْيَبَاب..

    ديوَانُ الْيَبَاب..

    تقتربُ مِني
    وأنتَ
    مبتعداً عِني
    كمَا الفَرح كمَا الحيَاة..

    تكاد تُحاذي روحي
    بدورانكَ..
    وأنتَ بعيدٌ
    جداً عن جنسَ عَني !

    وكأنكَ سُربَ خيالٍ
    حائرٌ في مُتعتهِ..
    ضائعٌ فِي حفلةَ شُرُود..

    وكأنكَ أناَ..
    حينَ كنتُ ٱبحثُ
    عن ذهناً قمّحياً
    متينْ ، لِأحطّ وجوعّي
    الثقيل علَى
    أغّصانهِ دونَ أّدنى خوفّ!

    أّتعَبني دورانكَ
    فأرجُوكَ..
    قُل لي يا اِبن العظمةَ..
    عن ماذاَ تبحثُ؟!
    لماذاَ تدورَ حولّي كَما الغضب؟!

    قُلْ لي أّيها الموت
    عن ماذاَ تبحَث..

    هُناَ لا يوجد هَنَا
    لا يوجدُ هاوٍ
    ولا مُهاجرٍ
    ولا قاتلٍ
    ولا بسيطّ..

    هُناَ لا يوجدٌ صَفَا
    كُلنا شوائبٌ..

    لا يوجدُ جواً
    دوماً غُبار..

    وهلّ سمعتَ
    بسائحٍ زارَ الدَمار؟!

    لا يوجد ُرحمةً
    قتلْوا الزنابقَ..

    وهلّ رأيتَ
    الجوعُ فِي الدِيار؟!

    لا يوجدُ شارعٌ
    سعيد .لأنّهُ
    فِي الأصلِ لا
    يوجدُ شارعاً..
    وحتَى إنّ
    كانَ موجوداً.
    فَلّا يوجدُ منْ يُسعدهُ!

    وهلّ قرأتَ
    عنْ المنَاكيرُ؟!

    ماتَ أّولِنا
    لِيخّلقُ إعصَار..

    عُصرَ أَخِّرُونَا
    .. مِنْ كَمِّ نهَار!

    فَهُنا لا يوجدُ
    شيءٌ سوى
    الجثث والنيران..

    فهلّا َعلّلتَ لي
    بحثُكَ،وفسّرتَ لِروحي
    قّبضتُكَ يا حَبيبيَّ الأجّل؟!

  • لينا شكور _ أبيض وأسود

    بكل الحب

    تمد القسوة يديها الناعمتين

    تعانق الجسد المتكوم

    فوق نفسه

    وصوتك القادم

    على عكاز الوقت

    يقترب .. معلناً اللاوقت

    مسرفاً في اللاصمت

    صوتك الموغل في الأبيض

    الأبيض الذي يختبئ خلفه الليل

    كأن الوهم يحملني بيديه

    كأنني الأرض

    لو أنّ الرحى أصغر قليلاً

    ملساء أكثر قليلاً

    كنت سأتجمل كثيراً

    كي تحرقك عتمة الرحيل .

    اللوحة ل Kath Girdler Engler

  • السعيد عبدالغنى – شذرات

    أنا منعزل تماماً حتى عن نفسى،
    لا أعرف أي شىء ولا أي أحد وأظن أنى سأموت فى سماء أخرى ولكن
    هناك من يعرفنى، الدمى التى تغنى ترنيمة الانتصار على الحياة.
    ***
    أستلقي فى الزنابق الروحية للنهار وفى زوارق الماء والندم وفى ساحة
    الأحلام المتحركة وفى أسيجة الأمس وفى كنف الخضوع وفى وجه النبع
    وفى ذاكرة المجد العاهر وفى موانىء الحزن .
    ***
    ألعن النصر الذى يصبغ الفرح، أحب أن أحرق الماء بالغرق، أحب أن
    أطفىء داخلى بالنور ، أحب أن أنصت إلى عدالة الغبار، أحب أن أتغطى
    بالغضب الذى جيوبه فارغة إلا من الغروب، أحب أن أمتد فى روحى
    بالطبول وبالبحر، أحب أن أحفر الحراسة وأشتعل بالاتساع.
    ***
    ذهبت مرة إلى حزنى الذى يرعى فى أرض البحر،
    كان يهبط فى أنفس الأسماك ويقنعهم بالموت، بالانتحار على الشاطىء
    ولكنهم كانوا يرفضون أي شىء يقوله حتى جئت أنا من الزرقة ورسمت
    على الماء هوة بها ميراث التوسلات.
    ***
    الرمز عروس الثريا الذى يملأ رسغ القصيدة ويحتقر الدخول إلى مخالب
    السفر، يلوح لذئب الرغبة أن تحجز له اللذة بدون أن ينطوي فى رسالة
    الصباح الواهية .
    ***
    أحب زنزانة القصيدة التى يتسلق البحر إلى شباكها لكى تجوع كالرصاصة
    إلى قلب ولكنها تصيغ الصبر الذى يغنى للافواه التى تشبه السلالم للمعنى.
    ***
    أستعمل القصائد كشراشف وفوطات وكدواء ولكنى لا أستعملها أبداً كبندقية
    ولا كمحقق للأسرار لأنى هكذا خلسة أبطنها بالهروب، القصائد ليست
    معفية من الضرائب ولا تسقط بالتقادم وغير مهددة بالانقراض.
    ***
    أطعن الجرح بالمجهول المسحور الذى يتثاقل بافلاس التاريخ عن التسكع
    فى الموسيقى التى تشبه فانوس الروح، أطعن البستان بالسيلان وبالبكاء
    الذى يخلف مواعيده مع صنارة الحبر.
    ***
    وجهى مائدة العالم الذى ينتهى فوراً بعد أن تنتهى القصيدة من ثقب حنجرة
    البيوت، بسيجارة اللاذات المسجونة فى مظروف النفس.
    ***
    أخدش الأيام بالفراغ لكى ينمو ظلها فى قلمى الملتحى، أحياناً وأنا صغير
    كان قلمى ملتحي وكانت لديه جبة يلبسها وإله يصلى له.
    ***
    يصطاد قلبى الحقيقة من الانعكاسات التى يسميها الغريق قشة، ومن
    تفاصيل المقصلة ومن نبضات أسطول النوافذ ومن حمى اللغة ومن دفيئة
    التجسد.
    ***
    لا أحمل صرخاتى أبداً وأنا سائر فى النخاع، لا أحملها إلا عندما يدخل
    القدر الخميلة حيث يقطع رأس كل الغربان الأسرى للسكر.
    ***
    أنا أمشى على قدمي المهد والصدفة التى أصابتني عندما تساقطت الدهشة
    على قلب زقاق الحيرة ولكنها لا توصلني إلا إلى السكين الجائع لصبارة
    التكوين.
    ***
    لا أتوقع القذيفة الصديقة التى تجرد الريح من الأفق لكى تخصب النبوءة
    الوحيدة للغرابة التى لها جسد السفوح ومزبلة لعاب الثقوب.
    ***
    يندفع السقف إلى مستقبلي وتندفع الجدران إلى حاضري ولكنى أخنق
    الفراش لكى تفقس بيضة الخلاء الذى يرشق الدوامة بجموع شخوص الكسل.
    ***
    كم سرت فى الشفقة إلى أن قهقهت الروائح التى تخرج من وجه السحاب،
    كم شممت روائح الآخرين إلا رائحة الله ورائحة الشروق والغسق، كل
    شىء له رائحة وكل أحد.
    ***
    لا أعرف مثوى الروح فى جسد العالم ولكنى أعرف أن أدخل فى الغبش
    عندما أمضغ عشيرة الفاجعة، ولى وعي رهيب لجسد الجحيم المهرج.
    ***
    تنبعث قبلتك من فمى كما ينبعث الصمت من الخراب وأنا لذلك أحب
    أن أبحث عن فمى لأنى لا أجده فى رأسى ولا أجد عيناي أيضاً
    ولكن أجد قصيدة استحالت أذنين.
    ***
    ترهقنى أي قافية ممكنة، لا أحب أن يكون أي شىء مقفى حتى
    الظلال المزدراه من الضوء، حتى قلبى المشع بالجحود، وحتى
    حسرتى العذبة التى تكون فى أحيان كثيرة قصيدتى.
    ***
    روحى مضخمة بالقطران وبشذى الدوار وبكمنجة الماء وبقربان
    العدم المخزون وبسبات الآهات فى الضحكة وباهانة أنوف الأفكار
    التى لا تشم شيئاً غير الكآبة وبكوب المساء المكتظ بصقيع الفراغ.
    ***
    العراء المنبوذ من كل أخضر هو الذى تنمو فيه النباتات الوحيدة التى
    لا يطالها إلا الرياح الخائفة من نفسها، أنا أشبه هذه النباتات التى
    تنمو فى جوف الأرض ولا أحد يطالها ولا أحد يسقيها ولا أحد يدعو
    لها ولا أحد يهتم لها، نعم، ليست لها فائدة ولكنى أحب رؤيتها كما
    أحب رؤية المرايا.

    الصورة ل Liz Collins

  • سيلفيا بلاث _ عمودية أنا _ ترجمة جمانة حداد

    عمودية أنا

    لكن بودّي لو كنتُ افقية.

    لستُ شجرة جذورها في الأرض،

    امتصّ الأملاح المعدنية والحبّ الأمومي

    لكي تلمع أوراقي كلما حلّ آذار.

    ولا أنا جمال حوض من الزهر

    بألواني الرائعة التي تستدرّ الآهات

    جاهلة أنّي سأفقد بتلاتي قريبا.

    مقارنة بي، الشجرة خالدة

    واكليل الزهرة، وإن لم يكن أعلى، لكنه أكثر فتـنة،

    وإني أريد حياة الأولى الطويلة وجرأة الثاني.

    هذه الليلة، في ضوء النجوم الشديد الخفوت،

    ضوّعت الأشجار والزهور عطورها الباردة.

    أمرّ بينها، لكنها لا تلتـفت.

    أحيانا أظن أني أثناء نومي

    لا بدّ أشبهها تماما-

    أفكارٌ يلتهمها الظلام.

    من الطبيعي أكثر ان اكون ممدّة

    هكذا ندخل السماء وأنا في حوار مباشر.

    وكم مفيدة سأكون يوم أتمدّد الى الأبد:

    آنذاك قد تلمسني الأشجار أخيرا

    وستمنحني الزهور بعضا من وقتها.

    *

    ترجمة: جمانة حداد

    اللوحة ل Mojo Wang

  • غادة السمان – أشهد بالهذيان

    غادة السمان – أشهد بالهذيان

    ضبطت نفسي متلبسة بحبك

    مثل لصة صغيرة

    تسرق رغيف حنان ..

    ***

    وسط موقد الحمى

    رأيت جنوني بك يتلهب

    و انتظاري لهبوب رياحك

    لا ينتهي ..

    ***

    ضبطت نفسي متلبسة بالهذيان

    أمام الأقمار الاصطناعية

    ووهم حضورك ..

    بينما كنت أنت مشغولا

    بقطف رأس امرأة أخرى ..

    لم أشعر بالغيرة

    بقدر ما وعيت عظمة حماقتي !

    اللوحة ل Mojo Wang