المدونة

  • سما الحرة _ الغياب

    تعالي ايتها النافذة
    نشرب القهوة معا
    تعالي نتبادل حديث الصباح

    أحدثك عن تلميع اللوحات من الغبار
    وغسل الأواني
    تحدثيني عن طعم الحياة في رائحة المطر

    كيف أعد فطيرة الأناناس
    تحدثيني كيف تطير الغزالة

    كيف تموت الروح على عتبات الغياب
    تحدثيني كيف يكون القلب برتقالة

    أخبرك عن الصباحات الكاذبة تلك
    التي لا تليق بحزن منفى
    عن الإكتئاب الذي يجيد تضخيم الأمور التافهة
    وتصفين لي رائحة الشمس في جناحي النسر

    كيف تمر جثة المساء وحيدة
    كيف تنوح عند جراحي حمامة
    تخبريني كيف يشدو في السفوح الزهر

    كيف تمضي الحياة يتيمة
    تخبريني كيف تصير يداي جناحين

    عن نوبات القلق في هسيس الريح
    تحدثيني عن رقصة الشهب في زركشة الليل

    كيف يهبط الليل وحيدافي المدن الغريبة
    تخبريني عن طعم التفاح الدافء في رائحة التراب
    عن سر التاريخ في عيون الحجر
    عن وشوشات حبات الرمل
    لخصوبة النهارات الشفيفة

    عن بوابة الرب المفتوحة على قلب مدينة
    تنام بيوتها بين الأنقاض خائفة بلا أهلها
    كيف نموت جماعات وفرادى
    تخبريني عن نبوءة الحياة في الرؤى

    أحدثك عن أعلى قمة للغياب
    عن تبلد النهارات وخدر الشمس
    تحدثيني كيف تطوف نجمة حول القمر

    أخبرك عن قفص ذهبي لسنونوة وحيدة
    تخبريني كيف ترقص سمكة خرجت من الماء
    بينما يعدو اليمام ويصير الفراش قناديلا

    كيف نموت كعصافير الدوري بين مجزرتين
    كيف تصير الفكرة وطنا
    كيف أرسم بالكلمات بيتا ومدينة
    فيها يصفق المطر للبرق
    و ترقص أبدية الزرع و الحصاد
    كذريعة للغد ….

    اللحة ل Jean Delville

  • كوثر وهبي – فرحٌ حزين

    كوثر وهبي – فرحٌ حزين

    سنواتٌ عبرت ليلها الضليل
    في الذاكرة،تزدحمُ الخبايا ..
    كان يبدو لها مهشماً تماماً
    كمرآةٍ تصدعت إثر رعشةِ حرب
    كجبلٍ تشقق بعدَ هزةٍ عنيفة
    كان يبدو مسّوداً وغائماً
    كليلٍ شتائيٍّ طويل ..
    حزنها الفائضُ عن وجع السطور
    وجهها الكالحُ كعتمةٍ
    في سراديب الكهوف
    في كل صباحٍ .. تحاول تجميعه
    تلملمُ نثاره ، المبعثرة
    في أرجاء القلب
    تلصقُ تفاصيله كصورةٍ ممزقةٍ
    في إطارٍ من شرايين تالفة
    تجوبُ النهار بهِ بصمتِ مقبرة
    تذوي بلا صوتٍ .. بلا دمعٍ
    كزنبقةٍ في حقلٍ
    ينهشههُ عطشُ السواقي ..
    تغرقُ في عَرَقِ الزجاجِ
    السائل خلف المطر
    في الليل ..
    تأوي وحيدةً لحزنها
    تتمددُ كشبحٍ فوق السرير
    يتمدَّدُ التعبَ بقربها ..
    كسكةٍ عبرتْ هجير السفر ..
    تُفككُ قسماتِ وجهها الغائمَ
    توزِّعها على مداراتِ
    الألم الراعفِ منها
    تُلقي به أخيراً ، في عتمةِ قلبها
    يتهشَّمُ ، يتناثرُ .. رأسُها الثقيل
    كصخرةٍ تدحرجت
    من قمةِ جبل ..
    كان يبدو مهشماً ..
    ظلَّ يبدو مهشماً..

  • كلنار علي – حلم وحقيقة

    ايُّ حلم هذا ألذّ من الحقيقة ؟

    أم حقيقة أقوى من الحلم ؟

    أيّ دواء هذا عالج الجراح العميقة ؟

    أرسل سهام عيوني صوبك

    أبحثُ عنك

    من عالم الضياع تأتي نظراتك

    مع شعاع الشمس

    أراك تخفظ أنفاسك

    تُنوم الليال الطوال

    في ظلّ محراب القمر

    تزين ماتبقى من لياليّ

    من أنت ؟؟

    أصابت احدى عينيك بحرَ الحبّ

    والاخرى بحر هموم

    تقطع به السفح العالي

    غزالة جبلية أنا

    حارس الطرق الضائعة

    قلب السفح كهف أمان

    تحميني من البرد والحرّ

    من الخوف والسهو

    حمامة عاشقة

    مهمومة

    أحيانا أنشد له

    وأُخرى خرساء

    ضامئة لدفء بحارك

    احيانا أشرب

    من الحبّ

    من السَقم

    من الغضب

    من خمر الحياة

    ايّ بحر بلا قاع وقعتُ فيه

    واجهل السباحة

    أخشى أن يغرقني في أمواجه

    طافيا على السطح يهدني أحيانا

    وأخرى للأعماق يأخذني

    أيّ احتضان هذا الأحتضان

    الذي يجعل اليتيمَ أكثرُ يُتما

    أيّةُ قصيدة هذه التي أحتلّتِ القلب

    أيّة دمعة هذه الت دعت كلّ الدموع

    تزعلُ من العينِِ .

    *

    ترجمة : حسن سليفاني

  • بسام المسعودي – تعاريف

    لا أحد يجيد
    تعريف شساعة
    الليـــــل مثلـــي ..
    الليل ذو الأطراف
    ليلٌ جـــريء
    كأنه سليل الويل
    أو أن ويلات
    أعماقــــه
    جرأة تحض
    أطرافـــه
    على حَبْكِ نسائم
    الغربة داخلـــه
    فتسكنه أجساداً تخاتل
    عتمته بالإمتداد
    داخلها هامدين
    حتى تجف أطراف
    الليل
    فلا يعودون للصبح
    بكل أوزانهم
    طالمـا
    و أطراف الـــنوم
    تحملهم إليـــه
    بلا إعاقــــــًة أرق ..

    الليـــل
    ذو ناب الحرف
    ليلٌ شره و نابه
    خازوق لا يشبه
    سنة الاقلام
    الجافــــة
    كلما تأكلت
    ســاعاته
    تقضمها أسنان
    المرجفين
    من سواده
    سَنَّ نابه لنهش
    جلود أرواحهم
    فتنزف تعابير
    تقيهم
    سواد الليل و تبقي
    عُتم الساعات
    متأكلة
    حتى آخر بندول
    في ساعة إفتراس
    الفجر لباقي الليل ..

    الليل الحزين
    ليلٌ بلا فاتحة
    جميع الحزانـى فيه
    غرابيل فرح
    كلما صبت الأيام أفراحها
    الداكنة عليهم
    تسربت منهم
    يمر الفرح من الغرابيل
    بلمحة ليل
    و تذوي في جيوب أرواحهم
    بعض آهات حزن
    تكبر مع كل لحظة ليل
    يذوب الفرح فيهم
    كندفة ثلج
    فوق جمر الروح
    ينفخ الحزن سمه
    على الروح
    تستعر حتى يبكي الليل
    حزانى عتمته
    تسد غرابيلهم
    و تسد ثقوبهم
    فتتسرب من أفواهم
    آه الحزن و من أعينهم
    رمــــــاد الـــــــــروح …

  • من ألعابُ الظلام – مؤمن سمير

    من ألعابُ الظلام – مؤمن سمير

    كان الظِلُّ يشبهُ طائراً أو شيخاً جالساً أو فيلاً وكنتُ أنظرُ فيتحرك، يتيهُ بقتلهِ أبي كل صباحٍ ويَثْمُلُ فيحفر حفرةً للهائمينَ ليرتاحوا من عناء الحقيقة. كانت الرياحُ تدورُ خائفةً والبناتُ يقلن لأمهاتهن سينفلت الجمال من أجسادنا كلما حاصرتنا النظرات السوداء،الأمهاتُ يصمتن لأنهن خبيثاتٌ من جَرَّاء الخوف ومن هَوْلِ سنين المجاعة…أَتَسحَّبُ فأجد الروائح تشدُّ يدي والأصوات تخلع لساني وألتصق بالحائط حتى نغيب معاً…كانت ليلةً صاخبةً وقلتُ لأمي كثيراً كثيراً لا تتركيني أنام لكنها لم تُصَدِّق وغَلَّقت الأبواب فقالت الذكرى هَيْتَ لكْ…

  • كأنهُ سؤالٌ كبير – مؤمن سمير

    كأنهُ سؤالٌ كبير – مؤمن سمير

    فتحتُ عيني فوجدتُ في إصبعي ثقباً ، غائراً في اللحم خلف الأظافر . يبدو أنه ابن الليلة الموعودة التي مررتهُ فيها على صورتكِ: كانت ليلةً ليلاء ، أحرقتِ فيها ساقي وظلِّي وحولتِ الغرفةَ بحراً وحروباً خاضها القراصنةُ بمدافعهم القديمة . كانت كل قنبلة تَجُرُّ أختها حتى يصحو التنين الذي يجعلني أطأطئ رأسي وأعترفُ بآثامي أمام الجحيم …
    أهربُ وأُنادي مرةً باسمكِ ومرةً بخوفي
    لكنكِ هناكَ، تغتسلينَ بالدخانِ وبالفحيحِ
    وأفوتُ برعشتي على ذراعكِ
    فتلوِّحُ للسالكينَ في الغاباتِ
    و الناجينَ من المذابح كأنهم أنبياء…
    أمرُّ بالثقب على الخريطةِ، فتصحو الصحاري بغير حنينٍ ولا يقين
    وألمحُ ذئباً وحيداً يترنَّحُ ، فأقبضُ على رقبتهِ
    وأقول أوحشتني يا أبي…
    سأشفط نَفَسَاً طويلاً وأسُدُّ الثقبَ بالطينِ ، بالخوفِ والنار والعَمَى…
    سأنساهُ كلما عدتِ أو عدوتِ قربَ الحفرةِ
    ثم أحيا في الليل حراً،
    كطائرٍ لا يُصدِّقُ أن بقلبهِ ظِل…

  • هاشم عبدالكريم شلولة _ ما تبقى من آثار الله

    هاشم عبدالكريم شلولة _ ما تبقى من آثار الله

    فردتُ تراب التشرد
    فوق مقاعد اسمي
    ونصوص الحزن التي لا تتوقف
    عند نواصي الحدس المُخَرَّب
    انتفضتُ على شهيتي
    لتُفتَح
    وتلتهم العبارات النازفة
    المخطوطة على جدران غرفتي
    والمنازل المهجورة التي تشرب وجداني
    وسطح الأقاحي الذابلة
    بعدما انهارت لغتي أمامي
    قلتُ بأني جناح بعوضة فضي
    رُبما يُفضي إلى
    معصمِ إمرأةٍ أفريقية وحيدة
    لا شرقية ولا غربية
    تنازلتُ عن برقياتِ العشق
    ولبستُ كَيّي
    لأ لا أظل مستيقظاً
    ويموت على وقتي الشعور
    وأم دامعة
    لكن لُقيمات الخسارة لاكتني
    وفراءات الظهيرة
    لقد حاولتُ أن أوحل في
    وجه اسم صديقتي الراقصة الآخر
    الذي يراه المصفقون
    وترتديه هي كمُداراة أمام الليل
    وعيون المارة التي تشرب ما بين الضلوع
    ودمعات الخل الرقراقة
    أنا شجرة صفصاف
    تنبت عند خيالي
    وكل ما أسمع
    وما أكتب
    أوراقي تدلّت مني
    لتفتح باب رائحة شهية
    على نَفّسي ونَفَسي
    لكنها ارتطمت بالخيال
    والمسموع والمكتوب
    وبقيتُ الشجرة باسمها
    ما أنا الآن سوى مالك القصر المفقود
    في كوخ الكلمات المنفي
    القديم قِدَم رغبتي بالموت
    الوهم الذي كتب ديوان الشعر
    والعمر الموؤد في جرّة الفقر والجوع
    قلتُ ستُغنيني كنايات الاطراءات
    لكن يوم قررت خلعي من روح الشعر
    تاب الأثرياء عن الثناء
    ولبسوا ثوب التمدد على رمال الوعي
    كان خَلّعي محراب نزاهتهم الأولى
    يا لحظي المُنقَب عنه
    بفؤوس عدم الرؤية
    وموت خطاي على برواز عماه النازف
    هل كنت رشة سكر على وجه موجة شاردة ؟
    هل كنت مسماراً صدئاً دُقَّ في خشبة التجلي البريئة ؟
    هل كنت أعيشني
    أم تعيشني بائعة البكاء على مدخل زقاق يأسي ؟
    لا أريد الآن أن أريد
    أو أشرب كأس إتجاه يجسدني
    لا أعرف الآن ما سري
    أو سر ضجري من غُرّة الشمس الصفراء
    بايعت موج الخيال مع الشروق
    لاُبَرِّدَ حرارة صخبه
    سأظل مراقباً احتضاري
    والسبع الغريق
    عدا جسدي الخنيق من الأبجدية
    وأكتب الأبدية على ورق السكوت
    لتقول آلهتي اصطفيناك
    فقُم
    لن أقوم فحزني أطول من قول آلهة
    ورغبتي في القيام أقصر مني
    لن أقوم
    ولن يُقَوِّمُني الزمان
    قد مُتَّ وماتَ الزمان على صدر اللوغاريتمات
    لن أقوم.

  • أحمد السيد _ المذبح

    وفي الليل لم تعد الشاشات تمطر حب و سماء
    بعد أن أغلقت فرحي
    وشرعت حزن يستقبل رواده
    قنابل أسرع من الضوء
    ألم يئن أوان المطر؟
    يطفئ دخان عظامي المحترقة على نار هادئة
    يملئني يأس
    يبحث عن أم تغسل
    خليط الخيول بالسنين و النجوم بقناديل البحر
    في هلوسة تصميم أذاني
    لم يعد لدي صوت
    لأحصي جراح سكاكين الصمت في جسدي
    أعنونها ديوان الوحل و الذهب
    وحين يهتاج البحر خوفا
    سأقتل الحياة و الموت
    سأعمر للأطفال بيوتا تصمد بوجه الزلازل بيلعبو
    أعري النساء من الحداد
    أنقب الشمس
    أحرق شاحنات تحملنا إلى المذبح
    أطغئ ليلا يصنع وحوش
    تدفع الخيول للغرق دون سبب
    و في أعلى جبلي الوحيد
    سأطلق شيفرة تغاريدي
    أنا الضروري لكن غير المرغوب بي
    يملئني دخان المصانع لأنسى إسمي و عنواني
    سأضرب هواء البهجة بأجنحتي
    أختم أفكاري بقيء
    وأجر الإله إلى مسعاه الأخير
    أحرق بياض الأجساد
    أخلط الدم بالعظام بحبر المحابر
    أعلق عاليا في السماء كالليل
    وأهبط سريعا مثل رصاصة
    تدفن عميقا في التراب
    و أزهر..

    اللوحة أحمد السيد

  • سوزان عليوان – أسطورة المطر

    سوزان عليوان – أسطورة المطر

    المطرُ

    على نوافذِنا

    دمعُ أطفالٍ رحلوا

    في السماءِ

    يفتقدونَ أمّهاتِهِمْ

    حجراتِهِمْ

    دفاترَهُمْ

    .و يبكون

    قوسُ القزحِ

    فرحةُ الأطفالِ ذاتِهِمْ

    و قد ربّتَ اللّهُ على أكتافِهِمْ

    و ابتسم.

    اللوحة

    أمل لـ جورج فريدريك واتس

    1886.

  • مصطفى محمود _ الظل

    مصطفى محمود _ الظل

    الأحلام
    ما أجملها لها وجود ميتافيزيقي
    هي تسبح في روحي
    أصبحت حياتي وهمية بسببها
    الغزال الذي اراه
    الصوتان اللذان يصرخان في عقلي
    الرجل الذي يبتسم لي في زاوية الغرفة الآن
    الخوف يتملكني لحظيًا
    الله ايضًا خائف
    فالرجل يعرفه و يعرف اسراره هذا الرجل يمثل ميلانكولي الله و الميلانكولي الخاصة بي و الخاصة بيتهوفين.

  • سافو – رحيق

    سافو – رحيق

    I
    هنيئاً للتي بقربك، من أجلك وحدك تتنهّد
    للتي تتلمظ بلذة الإصغاء إليك
    وتلمح أحياناً رقّة ابتسامتك
    أي آلهة يمكن أن تعادلها سعادة؟
    ما إن أراك، أشعر بين أوردتي بشعلة خفرة تجتاح جسدي
    ولفرط عذوبة الهذيان الذي تتوه فيه روحي
    تخونني اللغات والأصوات.
    II
    النجوم المتناثرة حول جمال القمر
    عادت لتحجب وجهها البرّاق
    ما إن أطلّ البدر بكل وهجه
    ليضيء عتمة الأرض
    الهواء الذي هبّ على المياه العذبة
    يغنّي بين الأغصان الخضراء
    بينما الأوراق التي أيقظها
    عادت لتنساب في نوم عميق.
    فتعال أيها الحب!
    تعال واسكب في كؤوس الذهب
    الرحيق الذي ستقدّمه لضيوفك.

    *

    ترجمة : جمانة حداد

  • محمد عامر الأحمد _ لعاب قسري

    محمد عامر الأحمد _ لعاب قسري

    كوني معهْ
    ودعيه يغرس في هلامك أضلعهْ
    تابوتكِ الأبديّ في أقصى النّعاسِ
    وأنت مجهدةُ العرائشِ
    هيكلُ العري المهينِ

    على غصونٍ طيّعةْ
    هذا سقوطكِ فاقرئي
    جسداً ينزّ الثلج فوق
    مزاجك الشّمعيّ
    وامتهني الأنينَ

    بما أثرت من الحواسّ المشرعةْ

    كوني معهْ
    واستسلمي للعابه القسريّ
    يلغو فوق جثّتكِ الشّريدةِ
    في مناسك مفزعةْ
    سيراقُ جسمكِ عند أطراف
    السّريرِ
    كدمعةٍ سالت خلاف حنينها
    ومضتْ إلى دجلِ المرايا
    كي تجابه زوبعةْ
    كوني معهْ ..
    هذا خياركِ في الليالي
    الكاسداتِ
    يضمّكِ الإسمنتُ
    في خلل العناقِ
    ينوس نهدكِ في فصولٍ
    موجعةْ ….

    هل ضاق صدركِ من زفيرٍ خاملٍ
    أملى على رئتيكِ ذاكرة السّجونِ
    أم استجبتِ قريرةً
    لخرافة الضّلعِ الرّديئةِ
    في رصيدكِ مودَعةْ
    هل كنتِ سيّدةً معهْ ؟
    أم كنتِ مفتاح الصّراخِ
    سليلةَ الآهاتِ في وجعِ السّكوتْ
    أم كنتِ موتاً لايموتْ …

    اللوحة ل vania zouravliov

  • جويس منصور – جسدك فاقد الحياة

    جويس منصور – جسدك فاقد الحياة

    الراقدات في الحقول، أو الباحثات في الشوارع
    عن ثمرة الحب المرة المذهبة.
    القدمان الجامدتان غير المدركتين
    للصياد العجوز المتكئ على زورقه
    تسحقان بيبوستهما المصفرة
    الأسماك النائمة على الطحالب المهدهدة
    العجوز يدخن يد طفل
    عيناه الزرقاوان المحتقنتان بالدم وبالأحلام
    تبحثان في البعيد عن الوجه المضيء
    للطفل الذي لا يعرف السباحة.
    أقدام عارية تماماً
    وجه ملطخ بالدم
    دمك سيء التجلط
    الذي لزنجي
    من شعرك يتدلى
    القط الصغير المعلق
    واقفاً على بركاني
    أنت حقيقتي.
    سأتبع دائما نعشك
    يا روحي، يا روحي
    سيكون دائماً أمام عيني
    يا روحي، يا روحي
    لن أكف عن السير في حركة إيقاعية
    خلف جسدك فاقد الحياة
    يا روحي، يا حبي.
    امرأة مستسلمة في الصقيع الكئيب
    لسن يأسها
    تفكر وهي تحبك في الحملان المصلوبة
    في ملذات المطبخ
    وفي السنوات الوسخة الطويلة
    للمجاعة الكبرى
    القادمة.
    أريد أن أرحل بلا حقائب إلى السماء
    يخنقني اشمئزازي فلساني طاهر.
    أريد أن أرحل بعيداً عن النساء ذوات الأيادي السمينة.
    اللاتي يداعبن ثديي العاريين
    واللاتي يقذفن بولهن
    في حسائي.
    أريد أن أرحل بلا صخب في الليل
    أريد أن أقضي الشتاء في ضباب النسيان
    معتمرة فأراً
    ملطومة بالريح
    ساعية إلى تصديق أكاذيب عاشقي.
    فراشك جبن
    عليه تتمخض امرأتك.
    خبز ومخاطيات
    رحم وصرخات
    عيون تبكي.
    ملصقة على الجدار، مسمرة على الفراش
    وأنت بالأرض، مكتسياً الأسود – مجمد الدم
    أيها اليهودي الميت قتيلاً
    الرضيع ينام في مهده الأسود
    أسنانه القذرة تبين بين شفتيه المشدوفتين
    وأنت تهدهدينه.
    الغرفة هادئة بالرغم من الكلب الذي يموت
    النوافذ محكمة الإغلاق لإحكام حبس الليل
    وأنت تنتظرين.
    الرضيع يستيقظ من أحلامه المعذبة
    الموت ينتظره، مرضعة رقيقة
    وأنت تبتهجين، أيتها الأم الصغيرة.
    في غرفتك المفروشة بالأمعاء المزهرة .

    *

    ترجمة:بشير السباعي

  • انتحار – ميثم راضي

    انتحار – ميثم راضي

    أنا غاضب منكِ يا صغيرتي ..
    لأنكِ لم تلتزمي بطابور الموت الطويل
    ولم تهتمي بالنظام وبالناس الذين يقفون أمامكِ
    متجاوزةً ..
    كل اولئك الشيوخ ..
    الذين يترسب ببطء شعورهم بالوحدة في مجرى دمائهم : كجلطة ليلية
    وتلك الأمهات ..
    اللواتي عندما يتذكرن أن الابن الذي يردن ندائه : لم يعد هنا
    يتكدس اسمه داخل أرحامهن : كأورام والتهابات
    وهولاء الجنود ..
    الذين نحاول بكل ما أوتينا من بلاغة …
    أن نستخدم ثقوب الرصاص في صدورهم : لتنقيط ابجدية البلاد غير المفهومة
    واولئك المهاجرين ..
    الذين عندما غرقوا في البحار البعيدة
    كانت أخر امنياتهم : أن ننتشل جثثهم من دمعة صغيرة فيما لو أنها نزلت عليهم من عين الوطن
    والان ايتها الصغيرة ..
    عودي الى مكانكِ مع حبلكِ الطويل
    وانتظري مع اولئك المتدلين ايضاً من سقوف الغرف الكئيبة والاشجار السرية
    كعنقود عنب نادر ..
    كان يمكن لو أنه لم يُقطف قبل أن ينضج
    أن يعصره العالم ليحوله الى كأس نبيذ
    تكفي رشفة منه : أن تنسينا تعب الوقوف في ذلك الطابور الطويل

  • ثقب واحدٌ ووحيد – عبدالله حمدان الناصر

    ثقب واحدٌ ووحيد – عبدالله حمدان الناصر

    تؤرقني فكرة موت رجل أعمى. تؤرقني لأنه يجب أن يحصل الموتى على عيون سليمة ليمارسوا حياتهم بشكل حر بعد الموت.

    لا يوجد ما يدل على أن الأعمى يستعيد بصره بعد الموت، وينبغي لهذا أن نذهب للموت بنظر جيد.

    حين أصبت بمياه زرقاء وفقدتُ إثرها عيني اليمنى كنت قلقاً من الموت قبل إجراء الجراحة التي قيل إنها لن تسعف سوى العين الأخرى. وحين توقف قلبي بشكل مفاجيء في غرفة العمليات كنت سعيداً أن الطبيب قام قبل موتي بإنقاذ العين اليسرى من ضغط الشلالات الزرقاء التي كانت تهدد بعمى تام.
    ينبغي القول إنني كشخص ميت لا أستطيع إخفاء سعادتي بعيني اليسرى. العين التي لن تنظر لأحد بعد الآن!

    هؤلاء الذين يعيشون بعين واحدة يخسرون نصف الحياة ولا يربحون كل الموت. فعين واحدة تشبه حباً من طرف واحد. والعيش بعين واحدة يشبه عاشقاً واحداً ووحيداً يزور كل ليلة باباً لم يعد يدور فيه القفل.
    العيش بعين واحدة يعني أن تستغني عن نصف مكتبة لأنه لم يعد لديك مكان ولا شباك يكفي لتشميس مكتبة كاملة. والحياة بعين واحدة تعني أن تكتب مترنحاً لأن أصابعك التي كانت حاسمة كوعلٍ باتت تصل إلى الحروف وهي تعرج.
    أن تستيقظ في الصباح للصلاة ثم لا ترى وجهك في المرآة بوضوح بعد الوضوء. تدعك عينيك مراراً وتنضح الماء على وجهك دون أن تعود إليك بعض كِسر وجهك المسروق. ثم تستسلم لفكرة أن عينك الغاربة أصبحت نافذة قديمة مطلية بغبش ثقيل ولاصق يخنق الضوء. لكنك تتنهد أمام المرآة وتمرر إهانتها لك بنكتة. تصلي وأنت تتخيل نفسك قرصان جزيرة الكنز ذي العين الغاربة فتختلط الصلاة بضحكة ودمعة زرقاء.

    العيش بعين واحدة يعني أن تقضي بقية عمرك في الاهتمام بعضو ميت في جسدك. كونه ميتاً لا يعفيك من مسؤولية غسله وتنظيفه كل يوم وجعله نقياً وضاحكاً عند مقابلة الناس وعند الجلوس للمصور الفوتوغرافي. إنه حب من طرف واحد كما قلت. على عينك الميتة ألا تلفت النظر إلى موتها وأن تستمر بإثارة بهجة الآخرين.

    أتذكر أن أمي التي قضت أيامها الأخيرة في الاعتناء بخمسة وعشرين ديكاً انتبهت مرة إلى أن عين أحدهم ليست على ما يرام. لم تتردد بإخراج قطرة عينها التي وصفها لها الطبيب وأمرت الخادمة بالتقطير لمدة أسبوع في عين الديك المريض الذي شفي تماماً وانضم إلى مجموعة الخمسين عيناً التي كانت تصنع صباحات أمي!

    فقط أفكر أنني لو كنت استطعت الاحتفاظ بامرأة ما لربما كانت انتبهت لمد المياه الزرقاء التي كانت تلتهم نور عيني بهدوء تام.

    ***************

    في الفندق الياباني يضعون ملصقاً تحذيرياً لطيفاً: (نعتذر عن عدم تنظيف أي كأس يحوي بقية سوائل).
    يعتذر اليابانيون للنزلاء خوفاً من إتلاف عدسات لاصقة غير مرئية قد يكون النزيل تركها في كأس ماء أو قدح قهوة.
    ينبغي التمثل بالروح اليابانية المرهفة التي تقدس البصر. وعلى الأهل الذين يقومون مثلاً بغسل أحبتهم فوق منضدة الموتى ألا يزيلوا العدسات اللاصقة من عيون ذويهم. فكما قلت ينبغي الذهاب للموت بنظر جيد كما يذهب العاشق لرؤية فتاته للمرة الأولى.

    أيضاً على الأهل ألا يزيلوا الأقدام الصناعية من الأموات قبل وضعهم في منازلهم تحت الأرض.

    ليس من العدل دفن شخص بقدم واحدة. ليس من العدل تفويت النزهات الجديدة تحت الأرض على من فقد ساقاً فوق الأرض.

    ما يبهج حقاً هو أن الموت يعفيك من نصائح الأطباء. فبعد الموت لا يلزمك أن تسقي كليتك كل يوم بالمياه كي لا ينبت الحصى واللؤلؤ في خاصرتك. لا يلزمك أن تسقي عينيك طيلة حياتك بقطرات البيتا بلوكرز كي لا تصبح أكثر زرقة. الموت لا يشترط كل هذه المياه كي تصبح صالحاً للعيش. الموت يقبل بك كما أنت.

    ***************

    مفاتيح الوحيد أكثر ما يقلق بعد الموت. المفاتيح التي يجب أن تظل معلقة على الباب من الداخل أثناء حياته كي يتذكر أخذها معه عند الخروج. المفاتيح التي وزع منها نسخاً احتياطية على الأصدقاء على الأم على الأخت على الحبيبة المقيمة في قارة أخرى كي يلجأ إليهم عندما ينسى. كي لا ينام في الشارع.

    لا بد في المقابل من المفاتيح بعد الموت ولا بد من وسيلة لعدم النسيان. لا بد أن تربط المفاتيح برباط ضاغط وقوي على راحة الأموات قبل إنزالهم في منازلهم. لا بد من مفتاح البيت كي نفتح باب القبر.

    ثمة أيضاً رغبة آمل ممن يقوم باستلام جثتي أن يحترمها. أريدهم أن يتركوا خاتم الذهب في إصبعي، وأن يُسمح لي بالاحتفاظ به بعد الموت. أنا مؤمن بوجود عصفور الذهب الذي يعرف أماكن الذهب تحت الأرض مثلما كان هدهد سليمان يبصر مكامن المياه من السماء.

    أحتاج إلى عصفور يزورني ويدل عليّ بعد الموت.

    ***************

    أفكر أنني ولدت جاهزاً للموت! فحين ولدتُ توهمت أمي أن الملائكة قد أجرت لي عملية ختان سريعة أعفت الأطباء من مهمة (تطهيري). وهكذا عشت بفكرة طهور ملائكي مبالغ فيها جعلتني أعيش بقلفة أطول مما يجب. الملائكة في الواقع لم تقم بإزالة الكثير من الجلد. وهذا يعني أنها لن تضطر لفعل شيئ بعد موتي إزاء تلك القلفة.

    يقال إنها ستمطر يوم القيامة على عظام الأموات، وحينها ينبت الموتى كثمار مؤجلة من قبورهم ويخرجون عراة بقلفات كاملة. هذا يستلزم بالضرورة أن الملائكة ستجري ملايين الملايين من عمليات إعادة القلفة للذين قام أهلهم بختانهم. ولهذا أعتقد أنني جاهز للقيامة منذ ولدت.

    ***************

    في كل مرة أجلس على كرسي الحلاق أكون متعباً وأغمض عينيّ كطفل أثناء الحلاقة. في كل مرة ينهي الحلاق تهذيب ذقني أو تزيين شعري أو صبغه أكون في وضعية النعاس الآمن والأجفان المغلقة. قال لي مرةً : هل تتعمد المجيء هنا كي تنام؟

    أتخيل أنني ربما متّ على الكرسي جلوساً مثل نبيّ حكيم دون أن يشعر بي الحلاق.
    أتخيل أن خصلات شعر الزبون الميت تتهاوى على حجره، وأن الحلاق يستمر دون كلل في تزيين وجه رجل متوفى دون أن يلحظ شيئاً! أليس جميلاً أن نذهب للموت بزينة كاملة؟

    ***************

    تنبيه: ثمة من قال إن على الشعراء أن يموتوا في السابعة والثلاثين.

    ***************

    ثمة أشياء لا علاقة لها بمنضدة الموت التي أكتب فوقها لكنني أرويها لأنني لا أضمن أنني سأتمكن من روايتها في مكان آخر.

    أشياء مثل التّكّات الخفيضة لساعة الجار المفقود التي أسمعها كل ليلة.
    أشياء مثل الجارة الأخرى التي تضع قطعة أثاث محطمة أمام بيتي كل صباح. الجارة الوحيدة التي تصرّ على بثّ رعشتها الغامضة بمفردات فرنسية! والواقع أنني لا أفهم لماذا يطلق الفرنسيون على الرعشة الجنسية مصطلح (الموت الأصغر) أو La petite mort، بينما يحتفظ العرب بهذا المصطلح لمجرد النوم!

    ثمة أشياء تافهة ليس هذا محلها لكنني لا أضمن أن هناك فرصة أخرى للحديث عنها: الجيم الحلوة التي تتلكأ في فم ماجدة الرومي وهي تغني (يوم ال حبك جننني) في أغنية (اعتزلت الغرام) هي أكثر ما يلفت انتباهي في مسيرتها الفنية. أسمّيها جيم الغرام. وأقلد تلك الجيم في الممرات حين أغني لنفسي فأبتسم.

    أفكر أيضاً بالسيدة الجميلة الطويلة ذات الشعر الأسود التي ترقص بطريقة تثير التعاطف. أعني رفيقة جورجيت صايغ في مشهد بالأبيض والأسود في أغنية (نطرّني ع الشبّاك)! المرأة الحلوة التي كان يمكنها بقليل من الجهد أن تتقن الرقص!

    وأفكر بالسبب الذي يجعل خيال الأطباء فقيراً لدرجة أنهم لا يجرون العمليات الجراحية فوق سرير مزدوج مفضّلين الفكرة الراسخة بجعل سرير المرضى المنومين مفرداً.

    سيكون شيئاً لطيفاً أن يحلم المنوّم أثناء خياطة عينه بحضن شخص يحبه!

    ***************

    لو أنهم أيضاً يستدعون بيجان مرتضوي ليشارك الجراحين مهمتهم بكمنجته البيضاء التي ترتاح على بدلته البيضاء وهو يعزف بإخلاص موسيقاه المالحة (شيراز)؟

    ***************

    طلبت مرةً من الموت أن يأتي في الليل:

    ( لو يجئ الموت ضحىً

    حيث الساكنون تركوا شاياً بارداً
    في الفناجين
    والمقابض بردت من غياب السابعة

    لو يجئ ضحىً
    على رؤوس أصابعه
    خاطفاً قبلةً على سريرٍ بارد ………

    سيبدو الأمر
    مثل تقبيل جثة
    في الفورمالين .

    ليأخذني الموت إذاً
    في الليل

    لحظة أحلم بك )

    وأقترح لهذا أن أن يضعوا على الأسّرة مملحة بثقب واحد وأن يخفضوا الأنوار في غرف العمليات حين يجرون عملية في النهار.


    *نص: عبدالله حمدان الناصر

  • الجزء الخلفي – خوان مياس – ترجمة: أحمد عبد اللطيف

    الجزء الخلفي – خوان مياس – ترجمة: أحمد عبد اللطيف

     

    حلمت بأنني كنت في الشارع وكل شيء بظهره. كنت أرى فحسب الجزء الخلفي للأشياء، أعناق الأشخاص ومؤخرات الكلاب وذيول الطيور. كنت أسير في شارع خلفي فأرى، بدلًا من فترينات المحلات، جزءها الخلفي. كان العالم يعطيني ظهره. التفتُ للوراء، معتقدًا هكذا أنني قد أرى أنوفًا، عيونًا، أفواهًا، جفونًا، غير أني أينما نظرت لم أكن أرى إلا عنقًا، مؤخرةً، ظهرًا. وبمجرد أن استسلمت للمشهد، انتبهت إلى تجاهلنا لهذا الجزء من الجسد ومن الواقع.
    كنت أعمل، في الحلم، كمساعد مصور فوتوغرافي لا يصور إلا الجزء الخلفي للأشخاص والأشياء. وبالطبع، لم أكن أرى إلا ظهر المصور. كانت جدران الأستوديو ملأى بصور لأشخاص لا يظهر منهم إلا العنق. وفي وسط كل تلك الصور، رأيت ظهر شجرة شديد الغرابة، إذ لم يكن للأشجار وجه ولا ظهر. هل يجعلها ذلك أكثر كمالًا؟

    كنت أعيش مع زوجتي وأربعة أبناء، كلهم يعطونني ظهورهم. لم أكن أعرف لون عيونهم، ولا إن كانوا وسيمين أم قبحاء. وكان لوحا ظهر زوجتي ناعمتين، ورمان خفيفان يروق لي أن أتحسسهما ويثيرانني، كأنهما نهدان. لكن مهما حاولت أن أضع نفسي في وضع يسمح لي برؤية وجهها، عندما كنا نمارس الحب، كانت تؤدي بطريقة ما لا يمكن معها إلا رؤية نفس الجانب. كان لدينا عصفور لا يعطيني إلا مؤخرته، رغم أنه لم يكن يتوقف عن الغناء. والقفص، مثل الشجرة، لم يكن له أكثر من جانب، إذ كان مستديرًا ومتماثلًا كليةً. وفي الليل، بعد العشاء، كنا نجلس في مواجهة التلفزيون، لكنني كنت أشاهد قفاه فحسب، كما أشاهد أعناق أفراد عائلتي. والثلاجة، لأنها بظهرها، كان بابها ملتصقاً بالحائط، وبالتالي كانت، بالنسبة لي على الأقل، غير عملية على الإطلاق.

    كانت الحياة اليومية ملأى بصعوبات صغيرة، إذ بدلاً من غسيل أسناني كنت أضطر لكشطها بالجزء الخلفي للفرشاة. ولكي أخرج المعجون كنت أضطر للضغط على مؤخرة الأنبوبة. وبالطبع، كنت أرتدي القميص بالمقلوب، ما كان يمثل عقابًا عند التزرير. وأسوأ شيء، رغم ذلك، كانت الكتب، إذ لم يكن ممكناً إلا فتحها من الخلف. في البداية، كنت أقرأها من الخلف للأمام، لكن مع مرور الوقت بدأت في قراءتها بالمقلوب مباشرة. أقصد أن الواقع فجأة، رغم أنه فعل ذلك بالطبيعية التي تعيش بها الأشياء في الأحلام، قام بتغيير طفيف، بحيث بدءاً من لحظة معينة لم تكن الأشياء فقط بظهرها، بل أيضاً بالمقلوب. عائلتي، مثلًا، كانت تحمل أحشاءها للخارج، مثلها مثل العصفور. وبدلاً من قول «صباح الخير» كانت تقول «ريخلا حابص».
    ريخلا حابص- كنت أرد متكيفاً مع الوضع، لكنني كنت مدركاً أن كل شيء بالمقلوب.
    خرجت إلى الشارع ورأيت أنه صار مقلوباً مثل الجورب. كانت دواخل البنايات الكبيرة في الهواء الطلق، وكنت أرى الأشخاص، إن كان ممكناً تسمية تلك المصائب هكذا، يمشون في ممرات بيوتهم. لم تكن هناك واجهات. الواجهات الآن في الجزء الداخلي. كل شيء كان محض فوضى في خطوط الأنابيب، في الأحشاء، في البنية التحتية التي صارت في الهواء الطلق.
    استيقظت مستاءً ومدهوشًا. وقبل أن أرتدي الجورب تأكدت من أنه معدول. نفس الشيء فعلته مع القميص والتيشيرت. ثم ودعت زوجتي وركبت السيارة، ففي ذلك اليوم كنت مضطرًا للسفر. وبما أن لدي متسعًا من الوقت، سرت في الطريق الاحتياطي بدلًا من الطريق السريع. انتبهت حينها أن المنظر الطبيعي في هذا الطريق كان لحد ما الجزء الخلفي لمنظر الطريق السريع. ودون أن أنتبه، كنت قد عدت، وأنا مستيقظ بالفعل، إلى الجزء الخلفي. ابتسمت وأنا أتخيل أن الخطوة التالية ستكمن في السفر عكس الواقع. وبعد الابتسامة أصابتني نوبة من الذعر. وحدثت مصادفة أنني مررت بجانب محطة بنزين كانت تطل بظهرها على الطريق الاحتياطي (ولا بد أنها تطل بمدخلها على الطريق السريع). رأيت كذلك الواجهة الخلفية لعدة مطاعم. وأدركت ضرورة العودة في الحال للطريق السريع، غير أني لم أكن أرى الطريقة، فلم يكن ثمة إشارة تدلني. وإن استسلمت للوصول لوجهتي مسافراً عبر الجزء الخلفي؟ تساءلت. وفعلت ذلك، استسلمت، لكن بخوف كبير.
    أدركت، عند نهاية السفر، إلى أي مدى اعتدنا أن نعيش فقط في جانب واحد من الحياة. محض خطأ، كأننا نعيش في جانب واحد في بيتنا، أو جانب واحد من جسدنا.

  • السعادة – أندريس نيومان – ترجمة أحمد عبداللطيف

     

    اسمي ماركوس، ودائماً كنت أتمنى أن أكون كريستوبال. لا أن يكون اسمي كريستوبال. كريستوبال صديقي؛ كنت سأقول الأعز، لكنني سأقول الوحيد.
    جابرييلا زوجتي. وتحبني جدًا وتضاجع كريستوبال الذكي، الواثق من نفسه والراقص الرشيق. كما أنه يركب الخيل. يتقن النحو اللاتيني. يطبخ للنساء، ثم يأكلهن. يمكن أن أقول إن غابرييلا طبقه المفضّل.

    أحد المتفاجئين قد يظن أن زوجتي تخونني: لا شيء أبعد من ذلك. لقد أحببت دائماً أن أكون كريستوبال، لكنني لا أعيش مكتوف الذراعين. أعلن أنني لست ماركوس. أتعلم الرقص وأراجع كتيبات الدارسين. أعرف جيداً أن زوجتي تعبدني، وعبادتها لي كبيرة، كبيرة، لدرجة أنها تضاجعه، تضاجع الرجل الذي كنت أتمنى أن أكونه. وفي حضن كريستوبال، تنتظرني غابرييلا متلهفة بذراعين مفتوحتين. وأنا غارق في المتعة مع هذا الصبر، متمنياً أن تكون رعايتي بقدر آمالها وأنه ذات يوم، فجأة، ستأتي اللحظة. لحظة العشق المدمر الذي تجهزتْ له طويلاً بخداع كريستوبال، بالتعود على جسده، على طباعه ومتعه، لتكون أكثر راحةً وسعادة عندما أكون أنا مثله، ونتركه وحيداً.

    ترجمة: أحمد عبداللطيف.

  • جنيّ شابّ يستعير ولاّعتي – محمد بنميلود

    جنيّ شابّ يستعير ولاّعتي – محمد بنميلود

    Mel McCuddin

     

    بحثت عن ولاعتي لأشعل سيجارة، لم أجدها. كانت هنا لكنها لم تعد موجودة -هنا-! بحثت في كل مكان دون جدوى..
    أخيرا تذكرت تذكرا مضببا أن أحد أفراد عائلة الجن التي تسكن بيتنا والذي يسكن غرفتي تقدم قبل ربع ساعة بلطف وطلبها مني حين كدت أغفو. كنت بين النوم واليقظة لكني أستطيع رغم ذلك أن أتذكر ملامحه نصف تذكر ونسيانها نصف نسيان. إنه بكر عائلة الجن -تلك- التي عادة ما تحتفل كل ليلة بعد منتصف الليل مباشرة احتفالات ملتبسة بالدق على آلات موسيقية مرعبة والنفخ في قرون الأبقار الميتة وجحور الأفاعي المهجورة والآبار الناضبة.
    يبدأ الاحتفال مباشرة من مكان مجهول داخل البيت بينما تشمل أصداؤه كل الغرف والجدران والسقوف والنوافذ والأبواب بالتساوي. عزف متدارك لا يتغير طيلة ساعة كاملة إلى أن يتوقف فجأة كأنه لم يكن أبدا سوى مادة شفافة من التهيؤات. أسمعه جيدا وبوضوح لكني رغم ذلك أعيه بصعوبة وتثاقل كما لو أنه قادم من حلم أو من الترددات اللانهائية لطنين مهراس.
    يحتفلون كل ليلة، يعزفون ويرقصون، وبيننا وبينهم برزخ من صحو ويقظة شبيه بالْخَامِيَّةِ الشفافة لا يتجاوزونه ولا نتجاوزه.
    إننا نقتسم معهم البيت إلى نصفين متساويين كنصفي البطيخة دون إفراط أو تفريط، ليس على أساس المساحة بل على أساس الزمن وتحولاته وتقلباته ومكره، فالنهار لنا لا يتعدّونه والليل لهم لا نتعدّاه، وبيننا وبينهم عقد تمليك وشراكة واقتسام بسكين العدل للزمن مصادق عليه من طرف الجن الذين يسكنون مقاطعة حي التقدم الحضرية بطابع شريف شفاف فوق مصادقة أعوان المقاطعة الآدمين عليه بطابع حقيقي أحمر دائريّ وإمضاء حيٍّ للمستشار الجماعي.
    أحيانا يستأنفون احتفالهم بعد أذان الفجر بقليل، دون أن يحق لنا منعهم أو الاحتجاج ضدهم لدى المحكمة الابتدائية بالرباط أو محكمة الجن الكبرى الشمهروشية بضواحي جبل توبقال. إذ إن أذان الفجر لا يعني بأي وجه من الوجوه انجلاء الظلام وطلوع الشمس خصوصا شتاء حيث يستمر الليل حتى ساعة متقدمة من النهار، كما لا يحق لهم الاحتجاج بعد العصر دون قرينة حتى حين لا تكون هناك شمس ويخيم الظلام المبكر الكئيب متقمصا روح العشية قبل بلوغها وروح الليل قبل وصوله. رغم أنه يمكنهم -حسب العقود والمواثيق الغليظة المبرمة بيننا وبينهم- التحرك داخل البيت نهارا دون مشاكل، وأيضا يمكننا التحرك ليلا داخل بيتنا دون مشاكل، لكن دون أنشطة حيوية، بل يسمح فقط بالذهاب إلى الحمام، أو قلي بيضة، أو تصفح كتاب في خمول كامل على إيقاع موسيقى عمر فاروق الخافتة، أو ما شابه من الأنشطة التي لا تزعج الإنس ولا الجن ولا تورث العداوة والبغضاء والشنآن بين القبيلين.
    إنهم يخافوننا كما نخافهم، ونسكنهم كما يسكنوننا، فقد تجد جنيا متلبسا بآدمي، لكن الذي لا يعرفه إلا قلة قليلة من البشر الذين يكونون حكماء بالضرورة وعجزة هو أن هناك آدميين كثرا متلبسين بالجن، إلا أن التمييز بين هذا وذاك يصعب وتعتريه المشقة إلى أن يبلغ الاستحالة التامة. تقف أمام الممسوس فتعتريك حيرة قاهرة هل آدمي هو تلبس به جني أم جني تلبس به آدمي فلا تفلح -أبدا- في فك طلاسم سؤال كهذا نصفه من عالم الشهادة ونصفه الآخر من عالم الغيب.
    ورغم أن الزمن لا يكال بمكاييل مرئية، لا يقاس بالأمتار كالمساحة، أو بالصاع كالشعير، إلا أن المادة البيضاء الوحيدة التي تصل عالمنا المادي بعالمهم المعنوي هي الملح. فلا بد إذن من صف من الملح عند عتبة البيت يفصل البيت عن ظله، كما يفصل ممتلكاتنا عن ممتلكاتهم، حين نتخطاه -نحن- ندخل عالمنا، وحين يتخطونه -هم- يدخلون عالمهم، وبمجرد ما يغيب جدار الملح ذاك تختلط العوالم وتمتزج ببعضها امتزاجا غير متجانس كامتزاج ماء النهر بماء البحر في غياب البرزخ فتضطرب الدار وتتروع وتمرض وينعكس ذلك علينا كما عليهم إذ يحرقهم ماؤنا الساخن الذي نفرغه في المواسير بينما يحركون الثريا ونحن جلوس نشاهد التلفزيون ويصفقون الأبواب والنوافذ عمدا ويقرعون الكؤوس في المطبخ ويسقطون الصحون والطناجر لإرعابنا.
    لكن العادة هنا هي السلام التام والتسليم الكامل والهدنة المتبادلة وحسن الجيرة بيننا وبينهم منذ سنوات طويلة، لا نؤذيهم ولا يؤذوننا، لا نفسد ليلهم ولا يفسدون نهارنا، بل نحرص جميعا على وصل خيط الملح على العتبة قبل اندثاره، لتمليح المكان، وعلى احترام المواقيت الفلكية وفطرة الطبائع واختلاف الأملاك..
    لذلك يحدث أن يستعير ابنهم البكر الشاب الوسيم ولاعتي كما حدث قبل قليل، أو حذائي كما حدث ذات مرة حين أراد أن يستعرض على صبايا جميلات من بنات الجن حذاء الإنس، أو حتى أن نمنحهم قطة صغيرة بعد أن أنجبت قطة أمي تسع قطط، فيتبنونها بعد أن تتحول من قطة عادية إلى قطة جن مسحورة ومسكونة تموء دون أن يراها أحد وتأكل دون أن تشبع وتظل صغيرة لا تكبر قيد أنملة بل تحافظ على عمرها الأصلي آلاف السنوات. وفي المقابل نستعير منهم -نحن أيضا- سمنا لا ينتهي باستعماله أو بخورا قادما من قفار وفجاج بعيدة أو دجاجا أسود يبيض بيضا أبيض ليس داخله كتاكيت، أو -بالأحرى- داخله كتاكيت لكنها غير مرئية إذ إن الْأَجْوَادَ يعيرون الدجاجة السوداء فقط دون كتاكيتها، فتفقس البيوض دون أن يخرج منها شيء، بل نحن نربي دجاجة الجن السوداء التي أصبحت عادية وضمن أملاكنا بينما كتاكيتها ما زالت من الجن ضمن أملاكهم..
    الآن علي أن أضطجع لأغفو مادا يدي منتظرا أن يعيد إلي الجني الشاب المدمن على تدخين الصندل والجاوي ولاعتي بين النوم واليقظة. متمنيا فقط أن لا يتأخر، وإلا فهذه هي آخر مرة أعير فيها شيئا من أملاكي لأي جني من الجن مهما بدا لطيفا.

  • عبد الغفار العوضي – فخ

    إنه فخٌ،
    تلك الحياةُ فخٌ متقنُ الصدفةِ،
    أنظرُ فى تلك الهوة السحيقة فى جسدى ، مثلَ بيتٍ بأعمدة خرسانية فقط ، لا جدرانَ تغلف ضلوعَ صدرى المفتوحةِ على القصف العشوائىِّ فى الخارج
    أنا لستُ لى،
    أنا سلعةٌ …يتداولُنى العالمُ كأسهمٍ فى البورصة ،
    أنا المادةُ الخام التى تحتكرها الشركاتُ متعددةُ الجنسيات ،
    أنا فريسةٌ ساذجة لذئابِ الدعايةِ الإستهلاكية ،
    أنا ربحٌ مؤجل ،
    أنا جنديٌّ احتياطي،
    أنا رقم عشوائى فى أرشيفات المواليد،
    رقم فى كشوف الإنتخابات،
    جسدٌ مجانى يمكن اصطياده بسهولة فى أزمة المجاعة،
    أنا وطن للأوبئة ، خلايا مكدسةٌ بالفيروسات ، لحمٌ يأكله السرطانُ ،أنا جغرافيا مهمشة،
    أنا منفىٌّ فى الهامش ، أنا لغةُ العشوائيات ، مصباحٌ مكسورٌ فى زقاق معتم ، بركةٌ من الدماء فى ساحة جريمة افتراضية ، أنا فائضٌ من قطع الغيار البشرية ،
    أنا جواز سفر محشور بين أنياب العواصم ، أنا رملُ الصحراواتِ الفاصل بين كل دولة ودولة ، أنا الدمُ المراق على الحدود السياسية للمستعمرات ، أنا لا أساوى ثمنَ قذيفة ، أنا رخيصٌ مقابل برميل من النفط ، أنا جاهز للإشتعال كفتيلِ حربٍ أهلية ، يتيمٌ فى مدينة من الثكلى والعجائز والأرامل ،
    لا اسم لى ، أخرس حين تستجوبنى الحياة : من أنت ؟!
    أنا أعمى كرصاصةٍ فى مجزرة ،
    أبكم كطفلٍ رضيع يبصر مجئ الموت فوق جنازير الدبابات ،
    أفسحُ لكل تلك المقابر قلبى ، أنا أرضٌ شاسعة من الحزن ،
    ودمى يكتب الآن كلَ أسماء المفقودين فى حرب وجودية مع العالم ،
    أنا جغرافيا بديلة لكل المسحوقين الآن بوطأةِ الإغتراب ،
    أدخلوا مدينةً خلقتُها من عظمِ جسدى ،
    واكتبوا أسماءَكم على كل ضلعٍ ،
    وانتظروا …مثلَ صبارٍ عجوز ، مسندين ظهوركم على جذوعِ الوقت ،
    أن يأتى اللهُ ، كطيرٍ خلقتموه من طينِ أصابعِكم.

  • آنا ماريا مايول – منفى

    آنا ماريا مايول – منفى

    أطْلَقتِ العَصافيرَ التي كانَتْ تُقيمُ في صَدْرِها.

    تَقَيَّأتْها واحِداً واحِداً
    مِثلً أحْلامٍ مَيتِّةٍ.

    أغْلَقتْ فَمَها،
    قَتَلتْ صَوْتَ الذِّكْرى.

    أرْضَعَتِ الصَّمْتَ طوالَ اثْنَيْ عَشَرَ قمراً كامِلاً.

    ثُمَّ
    سَمَّتْ منْ جديدٍ
    كلَّ شَيءٍ في البَيْت.

    عَثرَتْ على كَلماتٍ جَدَيدةٍ
    حتّى تسكت غيابه.

    *

    ترجمة: غادة الأغزاوي.