المدونة

  • جِرار طافحة – محمد النعيمات

    إنه فمي
    وهاتانِ اللتانِ تبكيانِ : عيناي
    ولكنه ليس صوتي
    وهذه ليست دموعي
    فأنا ولدتُ
    كجرّةٍ صغيرةٍ فارغةٍ
    لا دموع فيها
    ولا صرخات
    ربما لأن جسدي
    كان ضئيلاً
    لا يتسع لشيء
    أو لأن جلدي
    كان رقيقاً
    لا يصلح ليكون حقيبة
    إلا أنهم
    – حين اتسعت –
    سكبوا في جوفي أحزانهم
    دلقوا في أُذنيَّ أصواتهم
    فصار لي فمٌ واسعٌ
    وشفتانِ كبيرتان
    وها أنا الآن
    كجرةٍ طافحةٍ
    كلما هزّني أحدهم
    سكبت ما ليس لي
    دلقت ما لا يعنيني

    من ديوان: أصابع وحواف.

  • رجال ونِسَاء – فولف فوندراتشك – ترجمة: بكاي كطباش

    رجال ونِسَاء – فولف فوندراتشك – ترجمة: بكاي كطباش

    النّسَاء اللّوَاتِي قابَلتُهُنّ كُنَّ بِحَاجَةٍ إلَى رِجَال
    الرِّجَال الذِينَ قَابلْتهُم كَانٌوا بحَاجَةٍ إلى نِسَاء
    لكنّ النّساءَ كن وَحِيدَات
    والرِّجال كَانوا وَحِيدين
    أحيَانَا يستقيم الأمر
    أحيَانا يستقيم الأمر حتّى بدون كحُول
    أحْيانا يَتبَادل بَعْضُهم الضَّحِك ثُمَّ الحُب
    لِبَعْضِ الوَقت، لِلَيلَة أو لِسَنَة كَامِلَة
    لكنْ فِي السّماءِ السابِعَة
    لَيسَ سوَى الرّوس والأمرِيكانْ .

    أرَى مُنتَصرِين مَاتوا
    أرَى مهزومِينَ بالمَسَاحيقِ عَلَى الوُجُوه
    أرَى مُحبَطِينَ ، يَائسِين
    مُنْتَحِرين .
    أرَى نِسَاء ورِجالاً
    أرَى نِسَاءً يَنْتَظرنَ الحُبّ
    وَرِجالاً يَنتظِرون نِسَاء
    أرَى رِجَالاً ونِساءً يَبحَثونَ عَن بَشَرٍ
    بأعْضَاء جِنسِية لاَتُشبِه
    أعْضَاء الرِّجال والنِّساء
    قَابَلتُ رِجالاً ونسَاءً
    يَعدّون هذَا الإختِلاف مُوضَة بَاليَة
    وَيعُودونَ لتنعيم الصَّوتِ مِن جَدِيد
    بَهرمُونَات غَريبة في الجِسم
    وللْبَحثِ عن خُرَافَة أُخرى
    تِلكَ التِي يَستَمِر حَكيها
    حتَّى بلوغ الفِردَوس .

    وَفِي جَميعِ الإسْتطلاَعَات يَنْتَصِر الحَنَان دائماً
    لَكنْ معَ نِسَاءٍ حَنونَات ورِجالٍ حنُونِين هَكَذَا
    أَيْنَ سَينتَهِي بِنَا الأمر ؟
    وَالرِّجَال كَانُوا حَنٌونينَ فقَط عَلَى أنْفُسِهِم
    والنِّسَاء بَقين نِسَاء حتَّى دَاخِلَ رؤُوسِهِن
    وخَلِيعَاتٍ فقَط فِي الأفكَار،
    حِكَاية قدِيمَة، أقْدَمُ حَتَّى
    مِن رَسائِل الحُبِّ القَدِيمَة

    والرّجال ؛ هل يوجدون بعد ؟
    والنساء ؛ أين هن ؟

    أَيّ شَيءٍ هُوَ هَذَا الحَيوَان
    المَصْنُوع مِن الرَّجُل والمَرأة
    والذِي لَمْ يُولَد
    مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأة

    بِضْعَةُ رِجاَلٍ يَتَحدّثون
    بِضعُ نِسَاءٍ يَلِدن
    والضَّحَايَا يُولَدونَ بِصَرْخَةٍ وَاحِدة
    لِيُدفعُوا دَفعًا إلَى مُوَاصَلَة العَيشِ والمَوت
    فِي صَدى الصَّدمَة.
    إنّهَا الحَرب المُفرِطَة الجَمَال.
    إنّهُما الحَرْب الهَمَجيَة والعُنف الرُّومَانسِي
    حَيثُ بَارِدةً تِرْتِطمُ السَّعادة
    ِبِسطْحِ الشّمس.

    والرِّجَال الذِين قابَلتهُم كَانوا بِحَاجةٍ إلى نِساَء
    وَالنِّساء اللّواتِي قابلتهُن كنّ بِحَاجةٍ الى رِجَال
    والبِدَايَة والنِّهَاية تتَكرَّران دائماً
    مِثل فُصولٍ مَيتَة.
    وبعْدَ كٌلّ وصلة غَرَامِية
    تَحُلّ الذِّكرى
    ثُمّٓ بعدها النسيَان
    الذِي لاَ يَتوَقَّف أبداً.

    وَفِي لَحظَةٍ مَا يَحدُث أنْ نلتقي مِن جَدِيد
    فِي حَانة أو فِي موقِفِ حَافلَة
    أوْ أَمَام نَافِذة
    نَلتقي لنَشرَب
    وَننتظر
    وَنسقط.

  • مختارات من شعر آلان بوسكيه – ترجمة: الخضر شودار

    مختارات من شعر آلان بوسكيه – ترجمة: الخضر شودار

    *
    أنصت .. أنصت ..إلى صرخة عظامك الخرساء.
    *
    بعد الحب، أعني بعد فعل الحب، ما الذي تريدين أن يكون بيننا؟
    هناك إجابتان، كي أكون صريحا: إما لا شيء و إما كل شيء.
    لا شيء: أن أنساك تماما.
    كل شيء: أن أؤلهك.
    *
    انتصر أولا ثم فكّر ثانيا.
    *
    في اليوم السادس همس الله لنفسه :” لقد أكثرتُ من المادة”
    *
    إنني أبيع أقواس قزح في البلاد التي لا تمطر
    *
    كل ورداتي تسمى “عناكب” …
    *
    تفوقُ البيانو يكمن : في أن له أسنانا أكثر مني.
    *
    ليس للطبيعة عدو أقبح من تعريفها.
    *
    – أرى فيك، سيدتي، نهاية العالم.
    – لكني سألد طفلا بعد خمسة أشهر من الآن.
    – أرى فيك، سيدتي ، نهاية أخرى للعالم.

    ***

    تفوقُ البيانو يكمن : في أنَّ له أسنانًا أكثر مني .
    ****
    أن تموت كي تصبح آخر .
    ****
    المطلق شجرة تعلق أحيانا بنجمة
    ****
    لا ابحث عن الامجاد اللا في الأيام التي اهبط فيها الى اوحال نفسي
    ***
    لا علاقة لي بالآخرين اللا اذا هم عرفوني أكثر على نفسي
    ****
    علي أن أتجاوز نفسي لأصبح شيئا قليلا
    ****
    أن تكتب شعرا هو أن تنقل نجما من مكان الى آخر
    ****
    المطر مثل نص مكتوب يمحي قطرة فقطرة
    ****
    الوجود كتاب نقرأه بلا توقف ، وسرعان ما نكتشف أنه كتب في لغة اجنبية لا يمكن فهمها ابدا
    ****
    انني ابيع أقواس قزح في البلاد التي لا تمطر .

    ترجمة الخضر شودار

  • ستأتي إليك – فلادمير غوليف

    ستأتي إليك – فلادمير غوليف

    هيا، اكذبي
    قولي بأنك تتوقين إلي و تريدينني،
    و بأنك كنت تنتظرينني كل هذه الأعوام
    منذ أن كنت صبية.
    في هذا الدور الذي تمثيلين
    ستأتي إليك
    الحقائق، مباشرة ، الأكاذيب، و الخيبة
    و كثير من آلام الإنسان:
    في إمكانك الوقوع في الحب
    أو الوقوع خارج الحب ،
    كوني دمية أي أحد لبعض الوقت
    بلا عاطفة
    و لا جفاء.
    فكل شيء جميل
    حتى النهاية جميلة.
    هيا إذن، اكذبي.
    فليس ذلك صعبا عليك،
    مثّلي دور جولييت تحت الأضواء الخافتة
    سأكون سعيدا، و سأحلم.
    سأتمالك نفسي من البكاء.
    ……

    ترجمة : الخضر شودار

  • أنغبورغ باخمان – صديقي الوحيد – ترجمة الخضر شودار

    أنغبورغ باخمان – صديقي الوحيد – ترجمة الخضر شودار

    صديقي الوحيد..
    أريد أن أراك، لأتلقى المغفرة على يديك وأسمعها من شفتيك.
    أريد أن أكون جاهزة أخيراً لوجهة جديدة، في الحقيقة هي وجهة قديمة، العودة إلى عملي وإليك.
    لا أريد هذه القبلات، لا أريدها.

    لماذا أنا بعيدة عنك؟

    أكثر الأشياء إغراء، هو ذهني الصافي الذي يقول لي بأنه لن يكون أبدا أحدنا للآخر، وأنني عبثا وبكل طاقتي أنقاد إليك.

    لكن لماذا أحاول أن أسائل الحقائق العميقة لمسلك صارم؟
    أحس حين أفكر فيك كيف أكتملُ أفضلَ وأعظم، وليس لي سوى أمنية واحدة في أن تكون “أنا” لك.

    كنت تركت “أنا” جانبا منذ وقت طويل، أقصيتها بعيدًا.

    إن ما يعيشُ مني بالنهار، مجرد شرارة من لهب، هو ظلي الشاحب، الذي لم يعد لي أكثر من ثيابي.

    مرات تأتي ساعة للراحة، فيستغرقني القنوط. أفكاري مشوشة، وفي الأغلب أكثر احتداما وفي كل مكان، فأخاف أن أحلّق معها في العالم، وربما احترقت أيضا.

    هناك كائنان بداخلي لا يفهم أحدهما الآخر.

    الكائن الذي يحب الحياة كثيرا وكل شيء آخر، يخيفني
    ويشتد بقوة في داخلي.

    وأعرف أن الوقت بالنسبة إلى الكائن الآخر سيكون بلا شك قصيرا.
    عليّ أن أتعلم الصلاة. فأنا لا إله لي.

    وحتى إن لم يكن هناك أي شيء فأنا مستعدة لأن أحلف بإسمه:
    بأنك مذبحي الوحيد – فأسئلتي، وأمانيّ، وهمي الأخير، وحبي بخاصة، كل ذلك ينتهي إليك.

    سأظل أتجه دائما إليك، ما دمتُ أتتبعك، فستعثر علي.

    سأناشد الله
    لأجلكَ.

  • تلك التي أجلستُها على عتبة نظرتي- أليخاندرا بيثارنيك

    تلك التي أجلستُها على عتبة نظرتي- أليخاندرا بيثارنيك

    لا أعرف شيئا عن سيرة الطيور
    و لا عن تاريخ النار.
    لكني أفكر في أن يكون لعزلتي جناحان.

    ***
    تمتد يداي إلى موسيقى
    وراء الزهرات

    لكن الآن
    لماذا أبحث عنك أيها الليل
    و أنام مع موتاك.

    ***
    لقد قفزتُ في وثبة من نفسي إلى أول الفجر
    و تركتُ جسدي قرب الضوء
    و غنيتُ أحزان ما وُلِد للتّو.

    ***
    عطشٌ وحسب
    صمتٌ
    لا أحد حولي

    انتبه إلي حبيبي
    إلى تلك الصامة في البرية
    إلى الراحلة و في اليد كأس فارغة
    انتبه إلى ظل ظلها

    ***
    الآن
    في هذه الساعة البريئة
    أنا و تلك التي أجلستها
    على عتبة نظرتي

    ***
    وُلِدتُ مرات كثيرة
    و بقدر ما وُلدت تألمتُ مرتين
    في ذكرى هنا و ذكرى هناك.

    ترجمة الخضر شودار

  • تشخيص – مؤيد الراوي.

    تشخيص – مؤيد الراوي.

     

    Waleed Nezamy

    المفرداتُ محصنةٌ غنية ٌ بذاتها

    تتوالد وتُستنسخ إِذا أردتَ توليد المعاني
    أنت سيد المفردات إذا أردت تسردها كما تشاء.
    المفردات عيانية منحوتة في الصخر:
    الليلُ والحجرُ والشجرُ والقتيل:

    الليلُ أشباحٌ ولصوصٌ وقتلة.
    الحجرُ يقيمُ مدينة تأتي إليها الأوبئة،
    وجسوراً يهدمها الفيضان.
    والمدينةُ يصيبها الجوع والطاعون.
    مدينة الفقراء
    مدينة اللصوص
    مدينة العتاة بيدهم البنادق
    مدينة المعوقين تَجولُ فيها الضغينة.

    الشجرُ يحيل الغيم إلى غابة
    تجول فيها اسودٌ وضباعٌ وذئاب،
    دماءٌ تغطي لحاء الأشجار
    وطيورٌ تفز هلعا من طلقة الصيادين.
    أنت ترى دوما في الليل والمدن والغابة
    ثلاث جثثٍ موشومةٍ ببقع حمراء، في الجبين والصدغ وفي الصدر حيث القلب،
    سرعان ما يحطُ عليها طائرٌ يردد نحيب المقابر
    لكن المفردات تبقى مفردات
    وأنت مسكونٌ بالكثرة تُؤول المفردات
    ثم تكاثرها وتشطرها
    لتفسّر مفردات الآخرين.

  • بانوراما وأثير صوت محَوزق –  بهاء إيعالي

    بانوراما وأثير صوت محَوزق – بهاء إيعالي

    “لا شيء ملفت. إن لم يكن الماء الشحيح في الصهريج القديم ذي الخرزة المتفجرة، حروف جسمك في معرضِ الشمس. شمسٌ غائبة”. جاك دوبان (ترجمة الخضر شودار)

    لم يكن الصمت، ولا المساء
    كان صوتي في شقوقِ تلك الليلة المخيفة
    يهمسُ أغنيته الأخيرة قبل النوم
    يشرُّ صوته كقطراتِ ماءٍ
    من حنفيَّةٍ معطَّلة
    فوق ذاك الهواء البارد كالساطورِ فوق العظام.

    فوق وجعِ النجمةِ المتقاتلةِ مع الغيمة
    كان أثيره البانوراميّ
    يزمجرُ كثعبانٍ قبيل رحيله.

    كان يبكي
    يحاولُ أكلَ أصابعه
    وهو يعلمُ
    أنّ أصابعاً أخرى ستنبت مكانها
    حينما يجاورُ قضبان احتقاره.

    لم يكن الصمت الذي مشى في بحر خوفي كالمسيح
    ولا أزيز القطار الذي قصفني ببقايا أوراق الخريف.

    كان صوتي-فقط…

  • الذين أحبونا قبل أن نكون – كلود استبان

    حقا كل الذين أحببنا
    ماتوا أو
    سيموتون، لا شيء سينتزع
    من الأرض التي تضمهم
    صورتهم الفانية.

    هكذا هي
    سنة الأشياء، و ربما صحيح
    أيضا
    لو صدقنا الآلهة
    و الحكماء الذين كتبوا. أن كل الذين
    أحبونا، حتى
    قبل أن نكون، أو حتى غدا، قد ماتوا
    من قبل
    و تخلت عنا كلماتهم في الحب.

    ترجمة الخضر شودار

  • إيف بونفوا – صيف الليل

    1

    يُخيّل إليّ، هذا المساء،

    أنّ السماء المكوكبة، إذْ تتسع،

    تقترب إلينا، وأن الليل،

    وراء نيران كثيرة، أقل ظلاماً.

    وأوراق الشجر أيضاً تتلألأ تحت أوراق الشجر،

    الأخضر، ولون الثمار الناضجة، البرتقاليّ، تنَامى،

    مصباح ملاكٍ قريب، نبضَ

    نورٍ مُخبأ يستحوذُ على الشجرة الكونية.

    يُخيّل إليّ، هذا المساء،

    أننا دخلنا في الحديقة التي أغلق

    الملاك أبوابها دون عودة.

    2

    سفينةُ صيفٍ،

    وأنتِ كأنكِ في صدرها، وكأن الزمن يكتمل،

    تنشرين أنسجةً مرسومةً وتتحدثين بصوتٍ خافت.

    في حلم أيار،

    .

    كانت الأبدية تصعد بين ثمار الشجرة

    وكنت أقدّم لكِ الثمرةَ التي تجعل الشجرة بلا حدّ

    دونَ هَمٍّ ولا موت، ثمرةَ عالمٍ مشترك.

    .

    بعيداً في الصحراء الزّبد يجول الموتى،

    لم تعد ثمة صحراء لأن كلّ شيءٍ فينا

    ولم يعدّ ثمة موت لأن شفتيّ تلامسان

    ماءَ تشابهٍ مُبعثرٍ على البحر.

    .

    يا كفاية الصيف، ملكتك نقيةً

    كالماء الذي غيّرته النجمة، كضجيج

    زبدٍ تحت خطواتنا حيث يعلو بياض الرمل

    ليبارك جسمينا غير المُضائين

    *

    ترجمة: أدونيس

  • أحلام مستغانمي – حان لهذا القلب أن ينسحب

    أحلام مستغانمي – حان لهذا القلب أن ينسحب

    Promenade
    August Macke

    أخذنا موعداً

    في حيّ نتعرّف عليه لأوّل مرّة

    جلسنا حول طاولة مستطيلة

    لأوّل مرّة

    ألقينا نظرة على قائمة الأطباق

    ونظرة على قائمة المشروبات

    ودون أن نُلقي نظرة على بعضنا

    طلبنا بدل الشاي شيئاً من النسيان

    وكطبق أساسي كثيراً من الكذب.

    وضعنا قليلاً من الثلج في كأس حُبنا

    وضعنا قليلاً من التهذيب في كلماتنا

    وضعنا جنوننا في جيوبنا

    وشوقنا في حقيبة يدنا

    لبسنا البدلة التي ليست لها ذكرى

    وعلّقنا الماضي مع معطفنا على المشجب

    فمرَّ الحبُّ بمحاذاتنا من دون أن يتعرّف علينا

    تحدثنا في الأشياء التي لا تعنينا

    تحدّثنا كثيراً في كل شيء وفي اللاّشيء

    تناقشنا في السياسة والأدب

    وفي الحرّية والدِّين.. وفي الأنظمة العربيّة

    اختلفنا في أُمور لا تعنينا

    ثمّ اتفقنا على أمور لا تعنينا

    فهل كان مهماً أن نتفق على كلِّ شيء

    نحنُ الذين لم نتناقش قبل اليوم في شيء

    يوم كان الحبُّ مَذهَبَنَا الوحيد الْمُشترك؟

    اختلفنا بتطرُّف

    لنُثبت أننا لم نعد نسخة طبق الأصل

    عن بعضنا

    تناقشنا بصوتٍ عالٍ

    حتى نُغطِّي على صمت قلبنا

    الذي عوّدناه على الهَمْس

    نظرنا إلى ساعتنا كثيراً

    نسينا أنْ ننظر إلى بعضنا بعض الشيء

    اعتذرنـــــا

    لأننا أخذنا من وقت بعضنا الكثير

    ثـمَّ عُدنــا وجاملنا بعضنا البعض

    بوقت إضافيٍّ للكذب.

    لم نعد واحداً.. صرنا اثنين

    على طرف طاولة مستطيلة كنّا مُتقابلين

    عندما استدار الجرح

    أصبحنا نتجنّب الطاولات المستديرة.

    “الحبُّ أن يتجاور اثنان لينظرا في الاتجاه نفسه

    .. لا أن يتقابلا لينظرا إلى بعضها البعض”

    تسرد عليّ همومك الواحد تلو الآخر

    أفهم أنني ما عدتُ همّك الأوّل

    أُحدّثك عن مشاريعي

    تفهم أنّك غادرت مُفكّرتي

    تقول إنك ذهبت إلى ذلك المطعم الذي..

    لا أسألك مع مَن

    أقول إنني سأُسافر قريباً

    لا تسألني إلى أين

    فليكـــن..

    كان الحبّ غائباً عن عشائنا الأخير

    نــــاب عنــه الكـــذب

    تحوّل إلى نــادل يُلبِّي طلباتنا على عَجَل

    كي نُغادر المكان بعطب أقل

    في ذلك المساء

    كانت وجبة الحبّ باردة مثل حسائنا

    مالحة كمذاق دمعنا

    والذكرى كانت مشروباً مُحرّماً

    نرتشفه بين الحين والآخر.. خطأً

    عندما تُرفع طاولة الحبّ

    كم يبدو الجلوس أمامها أمراً سخيفاً

    وكم يبدو العشّاق أغبياء

    فلِمَ البقاء

    كثير علينا كل هذا الكَذب

    ارفع طاولتك أيّها الحبّ حان لهذا القلب أن ينسحب

  • سعاد الصباح – تحت المطر الرمادي !

    Seated Young Girl with Hat
    Pierre-Auguste Renoir

     

     

    على هذه الكُرَةِ الأرضية المُهتزّهْ

    أنت نُقْطَةُ ارْتِكازي

    وتحت هذا المَطَر الكبريتيِّ الأسودْ

    وفي هذه المُدُنِ التي لا تقرأُ… ولا تكتبْ

    أنت ثقافتي…

    – 2 –

    الوطنُ يَتفتَّتُ تحت أقدامي

    كزجاجٍ مكسُورْ

    والتاريخُ عَرَبةٌ مات سائقُها

    وذاكرتي ملأى بعشرات الثُقُوبْ…

    فلا الشوارعُ لها ذاتُ الأسماءْ

    ولا صناديقُ البريد احتفظتْ بلونها الأحمرْ

    ولا الحمائمُ تَستوطن ذات العناوينْ…

    – 3 –

    لم أعُدْ قادرةً على الحُبِّ… ولا على الكراهيَهْ

    ولا على الصَمْتِ, ولا على الصُرَاخْ

    ولا على النِسْيان, ولا على التَذَكُّرْ

    لم أعُدْ قادرةً على مُمَارسة أُنوثتي…

    فأشواقي ذهبتْ في إجازةٍ طويلَهْ

    وقلبي… عُلْبَةُ سردينٍ

    انتهت مُدَّةُ استعمالها…

    – 4 –

    أحاول أن أرسُمَ بحراً… قزحيَّ الألوانْ

    فأفْشَلْ…

    وأحاولُ أن أكتشفَ جزيرةً

    لا تُشْنَقُ أشجارُها بتُهْمةِ العَمالهْ

    ولا تُعتقلُ فراشَاتُها بتُهمَة كتابة الشِعْر…

    فأفْشَلْ…

    وأحاول أن أرسُمَ خيولاً

    تركضُ في براري الحريّهْ…

    فأفْشَلْ…

    وأحاولُ أن أرسمَ مَرْكَباً

    يأخُذُني معك إلى آخر الدنيا…

    فأفْشَلْ…

    وأحاول أن أخترعَ وطناً

    لا يجلدُني خمسين جَلْدةً… لأنني أحبُّك

    فأفْشَلْ…

    – 5 –

    أحاولُ, يا صديقي

    أن أكونَ امرأةً…

    بكل المقاييس, والمواصفات

    فلا أجدُ محكمةً تصغي إلى أقوالي…

    ولا قاضِياً يقبَلُ شَهَادتي…

    – 6 –

    ماذا أفعلُ في مقاهي العالم وحدي?

    أمْضَغُ جريدتي?

    أمْضَغُ فجيعتي?

    أمْضَعُ خيطانَ ذاكرتي?

    ماذا أفعل بالفناجينِ التي تأتي… وتَروُحْ?

    وبالحُزْنِ الذي يأتي… ولا يروُحْ?

    وبالضَجَرِ الذي يطلعُ كلّ رُبْعِ ساعهْ

    حيناً من ميناءِ ساعتي

    وحيناً من دفترِ عناويني

    وحيناً من حقيبةِ يدي…?

    – 7 –

    ماذا أفعلُ بتُراثِكَ العاطفيّ

    المَزْرُوعِ في دمي كأشجارِ الياسمين?

    ماذا أفعلُ بصوتِكَ الذي ينقُرُ كالديكِ…

    وجهَ شراشفي?

    ماذا أفعلُ برائحتِكَ

    التي تسبح كأسماك القِرْشِ في مياه ذاكرتي

    ماذا أفعلُ بَبَصماتِ ذوقِكَ… على أثاث غرفتي

    وألوان ثيابي…

    وتفاصيلِ حياتي?…

    ماذا أفعلُ بفصيلةِ دمي?…

    يا أيُّها المسافرُ ليلاً ونهاراً

    في كُريَّاتِ دمي…

    – 8 –

    كيفَ أسْتحضركَ

    يا صديق الأزمنة الوَرْديّهْ?

    ووجهي مُغَطَّى بالفَحْم

    وشعوري مُغَطَّى بالفحْم

    ليست فلسطين وحدَها هي التي تحترقْ

    ولكنَّ الشوفينيَّهْ

    والساديّهْ

    والغوغائيّة السياسيَّهْ

    وعشرات الأقنعةِ, والملابس التنكريَّهْ…

    تحترق أيضاً

    وليست الطيورُ, والأسماكُ وحدَها

    هي التي تختنقْ

    ولكنَّ الإنسانَ العربيَّ هو الذي يختنقْ

    داخل (الهولوكوستِ) الكبيرْ…

    – 9 –

    يا أيها الصديق الذي أحتاجُ الى ذراعَيْهِ في وقت ضَعْفي

    وإلى ثباته في وقت انهياري

    كل ما حولي عروضُ مسرحيَّهْ

    والأبطالُ الذين طالما صفَّقتُ لهم

    لم يكونوا أكثر من ظاهرةٍ صَوْتيَّهْ…

    ونُمُورٍ من وَرَقْ…

    – 10 –

    يا سيِّدي يا الذي دوماً يعيدُ ترتيبَ أيَّامي

    وتشكيلَ أنوثتي…

    أريد أن أتكئ على حنان كَلِماتِكْ

    حتى لا أبقى في العَرَاءْ

    وأريدُ أن أدخلَ في شرايينِ يَدَيكْ

    حتى لا أظلَّ في المنفى…

  • أشرف الجمَّال – ليلٌ لا يتسع لجريمة

    Ballet Dancers in the Wings
    Edgar Degas

     

     

    متورطٌ أنت أيها الليل

    شاهدٌ عليك .. عيون الصبايا

    حرائق القطن في الحقول البعيدة

    مراثي جسدٍ أعزلَ تحت حرير القمصان

    نهدٌ أعمى يتحسس وسط هذه الظلمة

    طريقاً لعاشق

    مثل الغريب تنادي

    ولا أحد يجيبك

    لم تعد الأغاني القديمةُ قادرةً أن تمنح القتلى

    صداقةً مع الماضي

    ولا استدعاء وجوه الذين رحلوا وماتوا

    يجلب اليقين

    كقِطّ أليفٍ يدلف إلى حِجْر الروح

    ليس من شيم البيوت

    أن تمنحَ حنانها لمن سار بلا قبعةٍ تحت المطر

    ليس من عهدها .. أن تهب الطرقات ظلاً للمسافر وحده

    والمشربيات التي هجرها العشاق

    باتت مثل كلاب المدينة البائسة .. ترضى بقسمتها

    علموها أن تحب

    علموها الانتظار..

    وتركوها تهذي بين الصبايا بالحواديت والحكايا

    عن العائدين بعد الغياب

    حزين .. كم قلت هذا

    ولا خبزَ معهم يهدونه لطيرك

    إلا الحسرة على فائتهم

    وحيدٌ .. كثيراً ما شكوت إليهم

    ولا حانةَ تسكر فيها لتنسى

    سوى أرواحهم الخالية من الأدلة ..

    إلا من جراحك

    سبحان من لا يغفل ولا ينام

    يا واحد

    يا أحد

    هكذا كان المجذوب يردد طوال شتائك

    وينظر لقلبي ..

    يقذف روحي بأحزان جبينه

    وفي عينيه

    تلمع خطاياي

    أنا واحدٌ من هؤلاء العُصاة الذين لا تحبهم الأرض

    وتكرههم أكبادهم .. فتمرض

    أربعون عاما وأنا أسافر بين روحي و جسدي

    بلادي .. وأمي

    حبيبتي .. وحزني

    بين قلبي .. وربي

    لا شأن لي بالمراكب التي تغرق

    حتى وإن كان على متنها سافرت سنواتي

    لا شأن لي بالخوانق والزوايا

    ولا بالمجاذيب الذين يعشقون ما لا أراه

    حتى وإن احتجب غائباً لأراني

    نظرة لجبر الخواطر ..

    مدد يا عين من أحببتها

    يا وطني الذي في ملامحها الحزينة .. باعني

    رتل كما كنت تتلو فوق صدرها

    عُمرًا تولى

    قَسَمًا بهذه البلاد التي ما أنكرتني

    إلا لأجلك

    والعيش والملح .. الذي بيني وبينك

    بين الملائكة وخدود الورد اليتيم

    ما أحببتُ أحدا سواكِ

    وما قلت للنجوم التي في السماء أن تسهر

    كي تحدثني عن حنانكِ عليها

    ما قلت للبرتقال فوق الغصون ألا ينضج

    كي يظل معذبا بغربته

    إلى أن تعودي

    وما كان لي أن أخبرَ البحر عن وجهكِ

    ليجرحني بسفره .. كلما رآني

    كحفنةٍ من التراب تبعثرها العواصف

    تحملني الرياح للحقول البعيدة

    على أبواب المدن الطيبة

    أمام أعتاب الأحبة

    أحلم بموعد لقائنا معا

    أفكر في إله يراه قلبي

    رغم كل الطيور التي هاجرت بي

    لأوطان سواه

    رغم كل الفجاج التي – على غيابها –

    استوحشت صبّاري

    أنا لا أملك نعشا يطير بذكرياتي

    لأدعي أنني وليٌّ ضاقت الأرض عن محبته

    وحزني أمّيٌّ لا يجيد القراءة والكتابة

    لا يصف غراباً لشجرٍ يموت

    ولا مُودّع

    ولا يمكنني أن أزعم أنني عشت مليون عامٍ

    لأشهدَ كيف خُلقت الأرض ومن عليها

    كل ما أعرفه

    أنني لأبٍ وأمٍّ قد أنجباني

    وأن قبراً صغيرا مآلي إليه سيكون بيتي

    مثل كل الورود في المنفى

    نسيانهم .. سيطويني

    مثل كل الغزلان في الصحراء

    الرمل .. سيمحو خطاي

    ولست حزيناً لنوافذَ لا تبدي أسفاً

    يوم وداعي ..

    حديثنا خواء

    وليلنا لا يتسع لجريمة

    فلا تقتلني أيها الكروان متذرعاً بالبراءة

    لا تصيبني في مقتل

    أيها اللحنُ الهاربُ من أسوار المقاهي

    مسافراً بقلبي

    لا تسُلّ سيفكَ

    أيها البخورُ الذي يشرئب من خلوة الدراويش

    ليقتصَّ من روحي

    غريب

    وعابر حيّكم

    يا اهْل المحبة والرجا

    والموت بالعشق حق

    فلا تردوني .

  • بسام المسعودي – هل تعلــمين ؟

    بسام المسعودي – هل تعلــمين ؟

    لا أعلم إن كان
    جمالك قد كسب
    إثم عودتــي
    منهكاً من قبح حظي
    و أنتِ تعلمين أن لروحي
    جمالاً يضاهي قبح
    الحظوظ الركيكــــة
    ثمة حظوظ تأتيني
    كلما خضت عراكاً
    مع الأصابــــع
    تتدلىٰ الكلمات
    من شساعة يداي
    أصبها في جوفِ
    الهذيـــان
    جوفٌ يشبه حظ أنثى
    حدثتني عن قططها
    كيف تموء معها
    كيف ترضعها آهات
    صــدرهــا
    و كيف تنام و القطط
    كـ « جمهورية عــذارىٰ » ..
    تعلمين عذرية
    المسافة بيننا
    إغتصبتها أشواقنا الباردة
    أعلم كم أنت منهكة
    من تصفيف جدائلك
    كل ليلة ؟
    تظلين على نافذتك
    ترتجي أنفاس عاشق
    تصففها لك
    أو قصيدة دافئة يرمي
    بها عابر زقاقك
    أعلم بظلك كلما رمىٰ
    ببعض ضجر حذاءك
    أوهم قدماي بلبسه
    فتوهمني غمزتك برضاك
    عن ركضي خلفك
    كلما رأتني قططك
    حاملاً بياض
    ظلك المتدفق
    خلفك كفستان خيبة ..

  • دمع أثريٌ قديم – بورخيس

    دمع أثريٌ قديم – بورخيس

    ما أكثر العزلة في هذا الذهب.

    قمرُ لياليكِ ليس القمر

    الذي رآه آدم الأول. فسهادُ

    البشرِ الموروثِ الطويلِ ملأه بدمعٍ

    أثريٍ قديم. انظري إليه. هو مرآتك.

    ***

    منذ البدء كان الحقل ينتظر. وراء شجر الدرّاق، قريبا من الينابيع، حصان أبيض عظيم بعينين نائمتين يأخذ، كما يبدو، الصباح كله. العنق مائلة مثل منمنمة فارسية، الهلب والذيل يهشان. مستقيم و متماسك بمنحنيات طويلة . أذكر سطرا غريبا لشوسر: حصان “حصانيٌّ” جدا. لا يمكن أن نقارنه بأي شيء و ليس على مقربة منا تماما، لكننا نعرف بأنه رفيع.

    لا شيء الآن سوى منتصف النهار.

    الحصان هنا و الآن : شيء ما مختلف، لأنه أيضا حصان في حلم الإسكندر المقدوني.

    ***

    على مدار أجيال

    أشاد البشر بالليل.

    في البدء كان مجرد عماء و نعاس،

    أشواك تخز القدم الحافية

    و خوف من الذئاب.

    لن نعرف أبدا من ابتكر الكلام

    لحيّز الظل

    الذي يفصل بين غسقين:

    لن نعرف في أي زمن كان علامة

    في فلك النجوم.

    آخرون سينتهون إلى الأسطورة.

    [……]

    الآن نشعر بأنه لا ينفد أبدا

    مثل خمرة عظيمة معتقة

    لا أحد يستطيع أن يتأمله دون أن يعتريه دوّار

    و قد ملأه الوقت باللانهائي

    أو أن نفكر بأنه لم يكن له وجود

    لولا إلحاح هاتين الأداتين، العينان.

    ترجمة: الخضر شودار

  • لا شيء سيكون كما كان من قبل – بيوتر سومر

    لا شيء سيكون مثلما كان من قبل
    بما في ذلك الإستمتاع بالأشياء ذاتها
    لن يكون الشيء نفسه. و أحزاننا
    لن تشبه أحزاننا الأخرى و سنكون
    مختلفين أحدنا عن الآخر في القلق

    فلا شيء سيكون كما كان من قبل،
    لا شيء مطلقا. الأفكار البسيطة ستبدو
    مختلفة، و أكثر جدّة، ما دامت ستكون بسيطة أكثر
    وجديدة أكثر في الكلام. سيعرف القلب كيف يتفتّح لكن الحب
    لن يكون حبا أبدا. كل شيء سيتغيّر.

    لا شيء سيكون كما كان من قبل
    و هذا أيضا سيكون أمرا جديدا في صورة ما، بعد كل شيء،
    كان في وسع الأشياء من قبل أن تتشابه: صباحا
    أو في بقية النهار، بالمساء و الليل، لكن ليس الآن.

    ترجمة الخضر شودار

  • العودة إلى البيت – كلوديا إمرسون

    العودة إلى البيت – كلوديا إمرسون

    الكاميرا مثبتة على ناصية الباب، لا أحد

    في الشاشة، وحده الكلب غافٍ. ثم
    أخيراً عرفت أن ذلك كان لمباغتتك
    بتسجيل لحظة وصولك، وسرور الكلب بقدومك. والآن
    ستة أعوام مضت، هل يبدو هذا مكتوباً ومقصوداً:
    الدقائق الطويلة الفارغة التي قضتْها تنتظر، ساهية
    لكنها حاضرة ــ وراء عين الكاميرا ــ كما لو كانت توجهني
    لأدرك خفقان صدرها
    في تجلي واختفاء الشاشة، وأسمع
    لأعرف من سعلة واحدة، لا شيء، أو نحنحة
    في حلقها. ثم ها أنت أخيراً تعود إلى البيت
    ناظراً إلى الكاميرا التي كانت تمسك بها،
    عابراً منها إليّ ــ لامرئياً، خارج المخيلة فيما انضم إليها آخرون ليروا عبر المؤقت فينا صَبواتنا الدائمة.
    دفنتُ كلب الراعي لأجلك، محاولة
    أن أخفف عنك الألم، بالحفر عبر
    جذور شجر غليظة، مطر سابق على أرض مندّاة لتقسو،
    وتراب يابس مهلهل.

    ترجمة: الخضر شودار

  • خديجة كربوب – أكثر من الحمد

    خديجة كربوب – أكثر من الحمد


    أكثر من الحمد الى أن أفقد كل حواسي
    وأكثر من الحمد لأني خارج السجن
    وأحمد الله أن علاقتي طيبة مع وزارة الداخلية
    وعندما أخرج من الحانة أشكرخمرتي
    لم أته عن بيتي ولم أتبول في سروالي
    يأتيني البؤس ببلاغته الغير المألوفة
    ويعاتبني على تأنقي المزيف
    على خربشاتي في صفحة أرملة لم تكن وفية للحداد
    أنا أكتمل عندما أجعل المرأة تعود الى التفاح
    وأراها تلحس الخوف وكل المفردات المنحنية الظهر
    أحتاج الى أن أصاب بهذا الخدر الناعم
    أنا رجل يصيبه الذعر كلما صنعت محاكمتي
    أعرف جيدا أن لاأحد سيزورني لوسجنت
    حتى هذه الأرملة التي نزعت عنها رائحة
    الرجل الميت
    أستعمل غربال جدتي وأنا أتكلم
    لاأخجل من نفسي ان قلت انني سأصمت
    ليست لي حبيبة ولا بيت ولا جواز سفر
    لاأتخيل نفسي داخل السجن
    يكفيني أنني محراث خشبي قديم
    وشغوف جدا بأنني سكير يدفع ثمن زجاجته

  • صبحى شحاته – غزل البنات واسطورة الخلق

    يستمد فيلم غزل البنات” إنتاج 1949 إخراج أنور وجدي” جماله الخالد من روح قصة الخلق: آدم وحواء؛ فهو يستبطنها وتشكل روحه، فمثلما خُلق آدم من الطين، كان حمام/ نجيب الريحاني. وحيدًا يعيش في طين الواقع الأرضي حيث الفقر والجهل والكذب، يعرف أسرار اللغة ونحوها وكيفية نطق الأسماء بالطريقة الصحيحة ويعلمها للأطفال الأبرياء كالملائكة / كما علَّم آدم الملائكة الأسماء.
    يتم استدعائه إلي قصر الباشا” سليمان نجيب” ليعلم ابنته الشابة الجميلة ليلي” ليلي مراد” الشقية اللاهية اللغة العربية، يدخل حمام القصر كما دخل آدم الجنة، فإذا به عالم كامل من البراءة، الكل فيه كالأطفال منعمين: الخدم يرتدون كما يرتدي الباشا، والباشا يرتدي كما يرتدي الجنايني، بل هو غالبًا في الحديقة، وفوق الاشجار “من الشجرة دي أو الشجرة دي ” كما قال لسكرتيره عبد الوارث عسر.
    وابنة الباشا” ليلي” لا تعرف شيئًا، سوي ركوب الخيل في الحديقة الكبيرة الواسعة كأنها الجنة، والغناء والمرح مع صديقاتها، كأنهن الحور العين بريئات ناعمات محلقات كالأرواح معها في عالم الحب والنغم:
    اتمخطري واتميلي ياخيل / وارقصي ويا عرايس الليل..
    لكن أنور/ محمود المليجي، لا ينتمي إلي النور وإنما إلي النار، يعيش في الكباريهات، التي هي جهنم الحمراء، كما وصفها حمام، إنه الشيطان الذي يوسوس في أذن ليلي، من خلال التليفون، لتخرج إليه من جنتها وبرائتها، وهي منتشية ناسية حالها وحليها ودروسها، فترسب في اللغة، ويأتي حمام ليصوَّب لها الخطأ، ويعيدها لليقظة، لكنها تغويه وتوهمه بحبها له، ليكون حبل هروبها من قصر أبيها، يقودها عبر عالم الأرض إلي أبليس الماكر.
    أحب حمام ليلي بجنون، ووافقها علي الهروب من القصر، وخرجا في الليل البهيم لا يعرف إلي ماذا يذهبان، وركبا العربة يغنيان
    “علي شانك أنت أنكوي بالنار والقح جتتي/ وادخل جهنم وانشوي وأقول يالهوتي.
    لكنه يكتشف أن ليلي / حواء، مخدوعة ومغرر بها وأنها ذهبت بواسطته إلي الشيطان، ودخلت الجحيم، مكان التآمر والخديعة والخيانة، وأن “أنور” ذلك الشيطان، أملس الجلد كالثعبان، لا يفعل شيئًا سوي غواية الطفلات البريئات، وأن ليلي ليست الأولي ولن تكون الأخيرة، وإنها ضمن طابور، فهناك ” اللي قبلها واللي قبل قبلها”. وكأن لسان حاله يقول: لأغوينهن جميعًا
    حاول “حمام” المسالم الطيب رجل العلم إنقاذها من الكباريه بيت الشيطان وشياطينه وحرباياته القبيحات- ومنهن “زينات صدقي” العجوز الشمطاء الغيور التي تريد الاستحواذ علي أنور، رغم أنها تعلم بفساده- لكن حمام لم يستطع، وطرد من الكبارية أعزلًا ضعيفًا مسكينًا، وبقت “ليلي” هناك وسط الفساد والخراب والجحيم.
    هنا كان علي أدم/ حمام، أن يموت، ويبعث من جديد في صورة حمام آخر، طائر طيار، بمقدوره أن يطير فوق الأرض وخرابها، وأن ينقذ ليلي من الطوفان الشرير، هكذا عثر حمام علي بديله الطيار، قائد الطائرة، سفينة السماء، التي تطير فوق الغمر وحيد صفوت / أنور وجدي / أو نوح الذي حمل الأخيار في سفينته، وعبر بهم بر الأمان. وفعلا استجاب الطيار قائد سفينة النجاة، عندما عرف أنه سيكسر الدنيا ويحطم الأشرار ويسقطهم تحت قدميه، وينقذ ابنة عمه ليلي الجميلة البريئة ففعل وخرج بها.
    أدرك حمام ابن الطين اللي بيطير بالفول والذرة / أدم القديم، أن الطيار الجديد الحديدي سيحصل علي ليلي، وأنه سيأخذ دوره ومكانه في قلب ليلي، فكان علي حمام أن يضحي بنفسه في سبيل سعادة محبوبته ليلي / أو البشرية النقية، فيتحول إلي عبد الوهاب / المسيح عاشق الروح وليس الجسد :
    ضحيت هناي فداه / أشهد يالليل / وأعيش علي ذكراه/ أشهد يالليل.
    إنه الضحية البريئة، كما يقول يوسف وهبه الأب الثاني لليلي، فأبوها الأول الباشا العائش في الجنة فوق الاشجار نائم.
    يوسف وهبه الأب الفنان خالق القصص، الذي يري الدنيا مسرحًا كبيرًا، هو من يقود حمام إلي تحوله الأخير ” ليكون روحًا تهيم في سماء الخيال”.
    يبكي حمام ويختار التضحية بنفسه
    ” أبيع روحي فدا روحي/ وأنا راضي بحرماني / وعشق الروح ما لوش آخر لكن عشق الجسد فاني”
    ويصلب جسد حمام علي الباب باب المسرح / الحياة، ويطل باكيًا علي خلود الروح، ويرضي بأن تذهب حواء/ ليلي، إلي الطيار الذي يفوز بها ويركبون العربة / السفينة ويذهبون ثلاثتهم إلي القصر.
    انور وجدي/ نوح الشاب القوي، يقود سفينة النجاة بعيدا عن الطوفان، الذي تضطرب فيه الأرض خلفه، وبجوارة ليلي/ حواء/ البشرية الجديدة النقية, وحمام / آدم يجلس في الخلف، فوقهما قليلاً كروح أبويه تحرصهما، وتضحي بجسدها من أجلهما، ويبتسم بأسى ورضي وقبول مغنيا في سره:
    ضحيت هنايا فداه/ اشهد يا لليل / وأعيش علي ذكراه، اشهد ياليل. هايم علي دنياه / ذي الضحا والليل / يالليل.

  • ريم قمري – مريم

    من علّمك مريم أسماء الحب كلها؟

    في محرابك نامت الطيور…

    اهتزّت أشجار النخيل..

    أزهرت الفراشات بألف لون.

    كان شاحبا

    مثل أرض تنتظر المطر…

    أحببته يا مريم…

    من عمق الألم.

    تموت الرغبة في حضن اللذة

    ذاك طريق البذرة في رحم الليل…

    هل هززت جذع الموت لأجل الحياة،

    سخرت من نظرة الغريب لجسدك؟

    حملت نبوءة كلماته سراجا منيراً،

    أطفأته عواصف الصحراء؟

    يا ابنة اللحظة…

    يا زواج السماء بالأرض …

    ما كان للرّب مهرب من عينيك.

    سيحبّك ألف رجل…

    يهجرك عشّاق كثر…

    تسفح الشموع في مذبحك…

    فخذيه برفق…

    ذاك الغريب.

    حليب نهديك يهديه الطريق…

    انسجي له هودجا من جدائلك

    لينام صليب الأيام فوق ساعده.

    على جيدها علّقت الأيام أقدارنا…

    نامت في انتظار أوديب

    يصنع بموته الخلود.

    عشتار يا نجمة الصباح و المساء

    ينام الزهر على نهديك…

    بكامل عطره.

    خذيني إلى موتي المشتهى…

    لا أرض تتّسع لحلمي أيّتها الربّة.

    بكت العاشقة على أبواب المدينة…

    قالت:

    حين أرحل،

    ستبحث عنّي في وجوه كل النساء…

    عن لهفتي البكر…

    ستفقد شهوتك التي ما كانت…

    إلّا لي…

    حين أرحل،

    سيهجرك حتى ظلّك.

    سيخبرك أنّه نذر لعينيك دموعه…

    نجمة الصبح تذوي

    لكنّها لا تموت.

    يحتفل الفجر بميلاد الضوء…

    من بين ضلوعه.

    يسقط النور من عليائه،

    ينشد وجهك مريم.

    يا راعي الفجر،

    خطّ بماء الشوق أغنيات الصباح.

    ميت…

    أموات…

    أبناء الحياة.

    كل ولادةٍ

    جرح في جبين الموت.

    سالت دماء النبيذ…

    مرّت قوافل الأنبياء…

    أعطني رغيفي أغمسه في دمي.

    أرضنا الغنية بأساطيرها…

    الفقيرة بأبنائها…

    الحزينة بأغانيها…

    نيرون

    نارك لم تخمد بعد.

    على جدران المدينة

    حين رسمتْ وجهك…

    تلك السمراء الفاتنة…

    حلمت بألوان ملامحك غدا…

    فاض تنور أمّك،

    احترق وشم جبينها.

    كان طيفك هنا

    لم سحبته من صحرائنا…

    جبالنا…

    هضابنا…

    وهادنا…

    سهولنا…

    مريم…

    جفّت تمائم الجدّات فوق صدورهن…

    توقّف الرضّع عن البكاء

    حين جّف حليب أمّهاتهن…

    أعلنت الأرض

    لا عاصم من الموت…

    إلا أنت مريم.

    لا تسألوها عن عطرها كيف سال

    فارتوت الأرض البكر…

    إيذانا بفحولة السماء…

    أسرارها لا يدركها إلا الراسخون في الحب.

    لكل نهر حصاه تجري في وريده،

    لا تلعنوا الحجارة في سكونها…

    لا يبقى من ذاكرة الماء

    إلا صهيل الأحجار.

    من علّمك مريم أسماء الحب كلها؟

    يا سيدة الرغبة الأزلية…

    شدّي وثاق الصبر في ضلوعك…

    لتسقط عنّا خطايانا.

    ستحلمين بريحه تجتاح مسامك…

    سترسمين بدموعك صلواته…

    ثم تتبعين آثار ظلّه الصاعد نحو فنائه…

    أرض حلمك ثابتة يا مريم.

    اسقيه كأس الغواية…

    لتنام قوافل الغجر في دمه…

    راحل…

    راحلون…

    أنشد الرعاة لعينيك…

    كنت توقدين نار الفتنة زلفى لعينيه.

    مثل هالة قدسية من بخور…

    تطوفين حول منامات العذارى…

    من خصرك يبدأ المعراج،

    ينتهي الطواف…

    من ارتشف رضابك…

    أتمّ طهره مريم.

    طقوس الأوّلين عيناك…

    مناسك الأخيرين عيناك…

    لماذا تركت ريحنا تذهب شتاتا؟

    كثرت مذاهبنا يا سيدة الروح…

    يا لغربة الجسد الشقي بأرضه.

    غفت غزالة في دمه…

    كعبها المسفوك على حافة السكين،

    شاهد على حروب الإخوة.

    كنت وحدك

    تحملين تاج الزيتون يا مريم…

    وحدك بكيت الأرض

    فاهتزّ عرش السماء.

    وحدك غفرت له حبّه لنا…

    جحودنا له…

    شقائك بنا.

    ضعي حزنك في مجرى النهر مريم

    اعبري اليمّ حافية القدمين…

    رتّلِي أسمائك الحسنى…

    انذري قلبك للشفق…

    ليشرق الحب في ليلنا.

    ضعي حزنك على حافة البئر مريم

    سيشربه عابرو السبيل…

    يروي ظمأ الرُحّل…

    يشفي جراح المهزومين…

    ضعي حزنك في واد غير ذي زرع

    يتوارثه الأنبياء وصايا…

    ينظمه الشعراء قصائد…

    يتخذه العشاق كتابا مقدّسا…

    نامت عيون العسس…

    في المدينة.

    غفا القمر…

    فوق سطوح البيوت الفقيرة.

    ووجهك الجليل يا مريم…

    أيقونة في جيد الحلم.