المدونة

  • عدم العثور – عبدالله حمدان الناصر

    عدم العثور – عبدالله حمدان الناصر

    عدم العثور على الخلاء. عدم العثور على الطفل. عدم العثور على آثار. عدم العثور على المرأة التي تظهر في كل الشبكات. عدم العثور على صك تملك الصحراء. عدم العثور على قبر الأب بعد السيل. عدم العثور على صلصة الغواكامولي. عدم العثور على الكاتب الميت في غرفته. عدم العثور على الأغنية في غيمة الصوت. عدم العثور على مفتاح زجاجة البيرة. عدم العثور على القُبلة.عدم العثور على القِبلة. عدم العثور على أثر سجود. عدم العثور على نجار. عدم العثور على محطة وقود. عدم العثور على ورق التواليت. عدم العثور على القميص الأثير. عدم العثور على الموبايل في حقيبة البنت. عدم العثور على سيارة أجرة في الأطراف. عدم العثور على تذكرة. عدم العثور على جورب. عدم العثور على إبرة لنزع شريحة الموبايل. عدم العثور على النظارة. عدم العثور على المحفظة. عدم العثور على الضحكة. عدم العثور على زجاجة الحليب عند الباب. عدم العثور على مقعد. عدم العثور على السيارة في الموقف متعدد الأدوار. عدم العثور على الحلاق القديم. عدم العثور على مصففة الشعر الوحيدة في الكون. عدم العثور على طريقة لفك تشابك سلسال البنت وتكتل الفريق البغيض. عدم العثور على الفرشاة. عدم العثور على القهوة. عدم العثور على المفتاح أمام الباب. عدم العثور على المفتاح خلف الباب. عدم العثور على أحد يطرق الباب. عدم العثور على العنوان. عدم العثور على موبايل البنت الجميلة المختفية منذ خمسة وعشرين عاماً (هل ما زالت جميلة؟ لم يكن لديها في الأصل موبايل ). عدم العثور على طريقة لتربية الأولاد. عدم العثور على مدرسة جيدة. عدم العثور على قبول. عدم العثور على وظيفة. عدم العثور على ستارة مناسبة. عدم العثور على الولاعة. عدم العثور على مكانٍ للتدخين. عدم العثور على طاولة. عدم العثور على سرير في المستشفى. عدم العثور على اسم شخص ما. عدم العثور على تفسير للأحلام. عدم العثور على أحلام. عدم العثور على قصيدة في ديوان. عدم العثور على نعناع في حافلة النعناع. عدم العثور على سكّر في السكرية الأنيقة. عدم العثور على النسخة الكاملة من الفيلم. عدم العثور على النسخة المترجمة. عدم العثور على الريموت. عدم العثور على الرقم السري لكل شيء. عدم العثور على دمعة في البيت. عدم العثور على متبرع. عدم العثور على الرجل الملعون الذي يبيع. عدم العثور على بطاقة الدخول للمبنى الغبي. عدم العثور على مقاول. عدم العثور على سائق. عدم العثور على خادمة. عدم العثور على طريق الخروج من موقف الأدوار المتعددة. عدم العثور على زر إزالة الغيوم من زجاج السيارة. عدم العثور على ناجين. عدم العثور على الطريق. عدم العثور على الضياع. عدم العثور على الحانات. عدم العثور على معبد. عدم العثور على الشهادات. عدم العثور على القناة. عدم العثور على الشبكة. عدم العثور على زبدة. عدم العثور على قنينة ماء من نوع ما. عدم العثور على امرأة من برج القوس. عدم العثور على طبيب أسنان جيد. عدم العثور على موقف عند عيادة طبيب الأسنان . عدم العثور على ابتسامة الفينير. عدم العثور على البحر في برشلونة. عدم العثور على الطقم، أي طقم. عدم العثور على الصباح، أو على أحدٍ في الصباح. عدم العثور على قرض. عدم العثور على منحة، أي منحة. عدم العثور على المسئول. عدم العثور على الحكمة، أو المنديل. عدم العثور على الألغام ومفقودي الحرب. عدم العثور على خطة للسلام. عدم العثور على ال Bra. عدم العثور على صديقٍ يعتني بالقطط وقت السفر. عدم العثور على مفتاح الضوء. عدم العثور على أحد في جميع الغرف. عدم العثور على أحد في الحمامات السبعة. عدم العثور على قصة يمكن تصديقها، أو قصةٍ يصعب تصديقها. عدم العثور. الذي نسميه (الحياة).


    *نص: عبدالله حمدان الناصر
    *المصدر: ديوان اللحاق بالرمل

  • القلب السليم – أبرار سعيد

    القلب السليم – أبرار سعيد

    لم تكن لدى والدي مكتبة
    كان هناك رفّ يكدّس فوقه كتباً بأسماء غريبة
    وأغلفة جلدية بإطارات مذهبة
    بأسماء متماثلة كما لو أنها تنحدر من عائلة واحدة
    وهي بموضوع واحد فقط
    يقول:لا يجب أن تُقرأ كتب أخرى
    هذه كافية لأن تُغني عن كل شيء
    وهي قادرة على أن تُطهر النفوس الملطخة
    على أحد الأغلفة عنوان “القلب السليم”
    أتذكر الأيدي العديدة التي تناقلت هذا الكتاب
    كما لو أنه يحوي كنزاً
    لكننا في البيت لم يكن لأحدنا أن يملك قلباً سليماً
    وجدت كتاباً في مكان مخبوء
    في منتصف الصفحات
    صورة امرأة عارية النهدين
    كأنها تطل من النافذة
    حتى أنه لو مددت يدك لتحسست استدارتهما الكاملة
    والحلمتين النافرتين
    من خلف خصلات الشعر المندسل فوقهما
    عرفت وقتها أن حوريات الجنة
    اللواتي يُطلبن بالاستغاثة والدعاء
    قد تجدهن بين صفحات الكتب التي تُقرأ
    في السرّ.

  • المتعة والبطء – سمير جريس

    المتعة والبطء – سمير جريس

    الترجمة اختيار. لذلك فالسؤال الأول هو: كيف أختار، وماذا أختار؟

    ‎الإجابة في حالتي تحكمها رؤية بسيطة. ليس هدفي أن أنقل إلى العربية اتجاهاً محدداً في الأدب الألماني، أو كاتباً معيناً أرى أن كتاباته تتوافق مع الذوق العربي، أو نصوصاً كل ميزتها الجرأة والصراحة الكاشفة أو الفاضحة لأنها تكسر تابوهات معينة. تتوزع اختيارتي على أعمال شديدة التباين والاختلاف، لا سيما أعمال بعض الكتاب من ألمانيا الشرقية سابقا، لأنها تعالج قضايا الدكتاتورية والتحول الديمقراطي، وهي قضايا ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلينا في المنطقة العربية. لهذا قمت بترجمة رواية “قصص بسيطة” للكاتب إنجو شولتسه، ورواية “قاتل لمدة عام” للكاتب الألماني الغربي فريدريش كريستيان دليوس. وقد تكون متعة قراءة نص جيد هي الدافع للترجمة؛ كان هذا هو السبب في قيامي بترجمة أعمال مثل “الكونترباص” لباتريك زوسكيند و”العطل” و”الوعد” لفريدريش دورنمات. كان همي – ولا يزال – هو نقل أعمال متميزة من كافة اتجاهات الأدب الألماني اللغة المعاصر، أي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945. أقول أعمالاً متميزة، إما لأنها حققت شهرة في داخل المنطقة الألمانية (مثل “قصص بسيطة” لإنجو شولتسه)، أو لأنها حققت نقلة فنية أو أسلوبية وبالتالي كانت لها أهمية نقدية (مثل “مونتاوك” لماكس فريش)، أو لأنني أرى أن هذا العمل مناسب للقارئ العربي (مثلاً “الحيوان الباكي” لميشائيل كليبرغ والذي يتحدث فيه عن رحلته إلى لبنان وعلاقته بالشاعر عباس بيضون). وأحياناً أنقل عملاً لكاتب شبه مجهول لدى القارئ العربي ويجدر التعرف إليه (مثل توماس برنهارد وكتابه “صداقة”).

    ‎الترجمة تتطلب مني الالتزام بنظام صارم، فمعظم ما ترجمته، قمت به بجانب عملي اليومي في الصحافة وفي الترجمة الفورية. ولهذا تتم الترجمة ببطء نسبي، وأعتقد أن هذا البطء يخدم – عموماً – الترجمة. أترجم في البداية النص كمخطوطة، بخط اليد أو مباشرة على الكمبيوتر، وهو ما أصبحت أفضله في السنوات الأخيرة لأنه يوفر الوقت. هذه المسودة أعمل عليها أكثر من مرة. المرة الأولى لأتأكد من صحة الترجمة والمحافظة على المعنى الأصلي. في المرة الثانية والثالثة، وأحيانا الرابعة، أعمل على الأسلوب العربي – وهذه هي المرحلة الأصعب، أعني أن يُراعي المترجم سمات الأسلوب العربي وأن يحافظ في الوقت نفسه على ملامح الأسلوب الأصلي. ليس هدفي في الترجمة أن أقدم نصاً عربياً يمحو شخصية الكاتب الأجنبي (يعني مثلاً إذا كان هناك كاتب يتعمد ألا يستخدم تعبيرات شائعة أو مصطلحات مسكوكة ويستخدم الكلمات استخداماً جديداً، فعلى الترجمة أن تعكس ذلك). هدفي هو تقديم نص عربي سلس يحافظ على البيئة الألمانية والسمات الأسلوبية للأصل.

    ‎العمل الوحيد الذي تفرغت لترجمته كان “عازفة البيانو”، فبعد حصول يلينك على نوبل 2004 شعرت بأهمية نقل عملها الأساسي إلى العربية. تفرغت تماماً للترجمة، وحصلت على منحة من معهد المترجمين في مدينة شترالين الألمانية. هناك كنت أعمل ما لا يقل عن 12 ساعة يومياً. أعتقد أن هذا التفرغ كانت له ميزة، وهو أنني عايشت بطلة الرواية نهارا وليلا إذا جاز القول. من ناحية أخرى كنت أعمل تحت ضغط كبير، إذ كان عليّ أن انتهي من الترجمة بسرعة لكي تُطبع قبل معرض الكتاب في القاهرة في يناير 2005. كانت تجربة ثرية وخصبة، وما زالت أعتبر هذه الترجمة من أهم ما قدمته للقارئ العربي.
    ______
    *تحقيق: كيف تترجم؟ جولة في الفناء الخلفي لأربعة مترجمين – حسين بن حمزة (الضفة الثالثة)

  • في عشق اللسانَيْنِ – رشيد وحتي

    في عشق اللسانَيْنِ – رشيد وحتي

    [إلى ذكرى ڤالتر بنيامين]

    كثيرا ما تم تَبْخِيسُ اشتغال المترجم باختزاله في نقل المعاني من لغة إلى لغة أخرى، في حين أن هجرةَ النصوص هجرةُ معنًى ومبنًى من ثقافة إلى ثقافة أخرى.

    * *

    ترجماتي جزء أساسي من مؤلفاتي الأصيلة، وأنا هنا أُفَضِّلُ الكلمة التراثية “صَنْعَة” على الكلمة الرائجة: تَرجمة. كليلة ودمنة للهندي بيدبا، الصنعة العربية لابن المقفع.

    * *

    عندما يكون لي الخيار بين طيف من الكلمات، أَسْتَرْشِدُ بأرسطو: “بين كلمتين، ينبغي اختيار أخفِّهما.” [الْقِيَمُ إِلَى نِيقُومَاخوسْ، السِّفر 2، 9.4]

    * *

    عندما أنقل شعراً حراً أو موزوناً عن لغة وسيطة، أصوغ الصنعة العربية نثراً، مما يتيح لي — بحرية أكبر — البحث عن إيقاعات، فواصل، جَرْسٍ حروفي وترادفات صوتية تتواءم مع حمولة النص.

    * *

    في تقديس النقل عن الأصل بعضٌ من ميتافيزيقا البحث عن كلام البدايات: إدراك أجواء عوالم ورؤية الشعراء النظرية أهم من تملك ناصية اللغة الأصل دون رؤية مؤسَّسة في الترجمة والحواشي الثقافية للنصوص. [سان-جون پرس/ أدونيس/ علي اللواتي.]

    * *

    الترجمات تشيخ، وبعضها يصمد إذا استطاع إنتاج نصٍّ نِدٍّ يَتَوَفَّقُ، وسط لغة وثقافة استقباله، في أن يقطع مع الأصل ليشكل مرجعا ومصدرا كأنَّ لا سابق له [صنعة بودلير ومالارمي لإدغار ألن پو.]

    * *

    لا أترجم إلا ما أُغْرِمْتُ به، حدَّ أنني أتمنى لو كنتُ كاتبَه، أَتَمَاهَى معه؛ فيما خلا حالة استثنائية واحدة: أحببتُ كثيرا قصائد الشاعر الصهيوني [يصرح للصحافة بأنه عراقي أيضا] رُونِي سُومِيكْ، رغم أني قرأته قراءةً مُتَرَصِّدَةً، قراءةَ عَدُوٍّ لِعَدُوٍّ؛ وكذلك ترجمتُه ترجمةً مترصدة: لم أَتَعَامَلْ مع النصوص التي تتخذ لها المشرقَ العربي كجغرافيا مثلما تعاملتُ مع النصوص التي تجري خارج أرض الصراع.

    * *

    ترجمتُ سونيتات من عصر النهضة الأورپية، وكانت تَطِنُّ في رأسي — ساعتذَاكَ — موشحات أندلسية؛ سوُنِيتَةْ: أُغْنِية صِقِلِّيَّةٌ وَجيزة، كان العرب هناك. تْرُوبَادُورْ: طَرَبْ دَوْر، دور موسيقي؟ أم دوران وحوم بين الأمكنة؟ أم هو دوران على طريقة الدراويش المولوية؟ ثمة خيط يبقى رابطا بين الكلمات حين تهاجر من ثقافة إلى ثقافة؛ الاشتقاق يحوك ما انْفَتَقَ؛ الترجمة تكشف أواصرَ لم تخطُر على بال..

    * *

    تَمَرَّنَتْ وانصَقَلَتْ لغتي الشعرية عبر مِحَكِّ الترجمة: محاولاتي في استجلاب تراكيب وعبارات فرنسية نحو العربية أسهمت في إبعادي عن بعض شيخوخة وطهرانية التمسك بأطروحتي فصاحة وعبقرية اللغة العربية. “الشعر لغة داخل اللغة” [پُّولْ ڤَالِرِي]، وعليه فترجمة الشعر متاهةُ لغاتٍ، لغةٌ داخلَ لغةٍ داخلَ لغةٍ..

    * *

    مجموع ترجمات النص الواحد هو مجموع تأويلاته؛ ليست ثمة ترجمة نهائية [مثلما ليس ثمة نص نهائي]، بما أنه ليست ثمة قراءة تأويلية تستطيع استنفاذ غِنى النص. لا ترجمة السابقين لي تثبط عزيمتي في وضع ترجمة جديدة، ولا ترجمتي تغلق باب الترجمة من بَعدي.

    * *

    ثمة شعراء أساسيون حجبت ترجماتُهم نصوصَهم الأصيلة، غالباً بسبب سياسة الناشرين والإعلاميين التي تُسَوِّقُ الأسماء والمطبوعات وفقَ هوى السوق: جاك لاكاريير، دومينيك ﯕـرامون، كلود إستبان، بسام حجار، محمد الشرﯕـي..
    _______
    *تحقيق: كيف تترجم؟ جولة في الفناء الخلفي لأربعة مترجمين – حسين بن حمزة (الضفة الثالثة)

  • أترجمُ لنفسي – أحمد شافعي

    أترجمُ لنفسي – أحمد شافعي

    أختار للترجمة ما ينقصني، ما ينقصني كمعرفة، أو كمتعة. أترجم مستهدفا نفسي في الحقيقة، صحيح أنني أترجم لأن هذه مهنتي التي أعيش منها. لكن من حسن حظي، أن ما ترجمته لكسب لقمة العيش فقط أقل كثيرا مما ترجمته لضرب عصفورين بحجر واحد.

    ***

    أعترف أنني لا أقرأ كتابا بالكامل قبل أن أترجمه. بديهي أن هذا هو المنهج الصائب، لكنني حينما التزمت به مرة واحدة، جاءت الترجمة عملية كريهة ميكانيكية تخلو من أي إثارة. ما أفعله أنا ـ ولا أنصح به غيري ـ هو أنني ألقي نظرة، أقرأ الفقرات الأولى من المقال، فصلا أو اثنين من الكتاب، أتثبت من قيمة النص وجديته عبر مقال مكتوب عنه أو اثنين، ثم أشرع في الترجمة، متعجلا اللحظة التي أتجاوز فيها ما قرأت من النص سلفا، لتبدأ متعة الاكتشاف، وتصبح كل جملة أترجمها هي خطوة جديدة في طريق مليء بالمفاجآت.

    ***

    القصائد فقط أقرؤها كاملة قبل أن أشرع في ترجمتها، ربما مرة بعد مرة إلى أن تبدأ العربية تزاحمني في القراءة، وتعترض الشعر قبل أن يصل إلى ذهني، مقترحة من عندها كلمة لكلمة في القصيدة، أو عبارة كاملة، فأبدأ الترجمة، حريصا أن ألتزم بأكثر ما ألزم به الشاعر نفسه، فأحافظ له على تقسيم السطور، والمقاطع، وربما التراكيب نفسها. ثم أُنحّي النص الأصلي، وأظل “أسمكر” في الترجمة، مضحيا بكثير مما ألزمت به نفسي، إلى أن يتسنى لي أن أقرأ القصيدة بصوت مرتفع فلا أصادف عائقا، بل أجدها تنساب سلسة على لساني، على لساني على الأقل. بذلك أكون ضمنت أن يستمتع ولو قارئ واحد، هو أنا.

    هكذا لا تنفصل ترجمة الشعر عن “مراجعته”. هي عملية واحدة تقريبا. أما النصوص الأخرى، من مقالات وروايات وكتب، فللمراجعة شأن آخر.

    ***

    أترجم عادة في الصباح، في الصباح المبكر جدا، في الوقت الذي يخصصه المؤمنون لآلهتهم، والآباء لأبنائهم، والكتاب لكتابتهم. أترجم لساعات طوال الصباح. ثم أنقطع عن الترجمة إلى شؤوني مهما تكن. وفي المساء أراجع ما ترجمته في الصباح. لم يحدث إلا مرة واحدة أن أرجأت مراجعة رواية (من تسعين ألف كلمة تقريبا) إلى حين الانتهاء من الترجمة. وكم كانت التجربة بشعة. مواجهتك بعد شهور لما راكمت من أخطاء (في فهم النص الأصلي طبعا، وفي نحو لغتك طبعا، وفي الإملاء طبعا، وفي التركيز بلا أدنى شك فتمنح اسم الكلبة لسيدتها، واسم السيدة لزوجها، واسم القاتل للقتيل، فإذا بك أمام رواية رثة لا إصلاح لها إلا بعناء شديد). أما المراجعة اليومية، للصفحات القليلة، فتضمن لي بعد شهور أن أقابل نصي فأجده مستعدا لاستقبالي، قارئا، يضبط همزة هنا، أو يضيف حرفاً هناك، أو يصحح خطأ أكثر جسامة أفلت من المراجعة الأولى. وأحسب أن الجزء المتعلق بالمراجعة اليومية هو الجزء الوحيد الذي قد أنصح به مترجما غيري.

    ***

    حتى عام 2005 ظلت قواميسي الورقية مرجعي الوحيد تقريبا، وظللت كلما توافر لي فائض من المال أشتري مزيدا من القواميس. وفي عام 2005، أصبح لدي أول لابتوب شخصي، وأصبح لدي اتصال رخيص بالإنترنت، وأصبحت في غنى عن جميع قواميسي.

    في السنوات الخمس السابقة على امتلاكي للإنترنت، ترجمت ثلاثة كتب (كلها شعر) وعشرات المقالات لبعض الجرائد، أهمها أخبار الأدب. وفي السنوات التالية ترجمت بقية كتبي، ومئات المقالات والقصائد والقصص، وتسارع إيقاعي في الترجمة بصورة لا ترجع فقط إلى تراكم الخبرة، بل إن من أهم أسبابها التيسيرات التي أدخلتها التكنولوجيا على عملي. في أول عهدي بالترجمة لم يكن يتاح لي الاطلاع إلا على نسخة من هيرالد تريبيون تصلني بعد يوم من التاريخ المثبت عليها. ونسخة أسبوعية من مجلة تايم. فإن عثرت في كليهما على عرض كتاب جيد ترجمته وإلا فلا. أغناني الإنترنت عن كل ذلك وفتح لي مصادر للعمل تكاد تكون بلا حدود. يكفي تماما أن أكون على اتصال بالشبكة فتغنيني عن كل مرجع ورقي تقريبا. والآن، مثلا، وأنا أكتب هذه الكلمات، لا يوجد حيثما أوجد قاموس ورقي أصلا. بل إن قواميسي الحبيبة الأولى خارج القاهرة كلها، فهي بيت أمي، تجمع غبارا تزيله عنها كل بضعة أسابيع يدٌ غير يدي.
    _______
    *تحقيق: كيف تترجم؟ جولة في الفناء الخلفي لأربعة مترجمين – حسين بن حمزة (الضفة الثالثة)

  • أخلاق – ليندا باستان

    أخلاق – ليندا باستان

    منذ سنوات بعيدة كان مُدَرِّسُنا
    في مادة الأخلاق يسألنا مطلع كل خريف: إنْ شبّ حريق في متحف ما الذي سَتُنقذونه؟
    لوحة لرامبرانت
    أم امرأة عجوزاً ليس أمامها غير سنوات معدودة تعيشها؟
    نافدي الصبر على المقاعد القاسية
    لم تكن تهمنا اللوحات ولا العجائز.
    في السنة الأولى اخترنا إنقاذ العجوز،
    في السنة الموالية انْحَزْنا للفن
    ودائماً بقليل من الحماس.
    أحياناً كانت العجوز تبدو بملامح جَدَّتي
    وقد تركت المطبخ كي تتجوّل
    في متحفٍ مُوحِشٍ يصعب تخيّله.
    في سنة لاحقة أجبْتُ، معتقدةً
    أنني في منتهى الذكاء:
    لماذا لا نترك للعجوز
    الحقّ في اتخاذ القرار؟
    ليندا، قال لي المُدرِّس، تَفَادَيْ
    عِبْءَ المسؤولية.
    في هذا الخريف، وقد أصبحت عجوزاً تقريباً
    أنا نفسي، أَجِدني في متحف واقعي
    أمام رَامْبرَانت حقيقي.
    داخل إطار اللوحة تبدو الألوان
    أشدّ قتامةً من الخريف،
    وحتى من الشتاء،
    رغم أن العناصر الأشد لمعاناً
    تضطرم في اللوحة.
    الآن أعرف أن المرأة واللوحة والفصل
    تشكِّل شيئاً واحداً
    وجميعها موجودة بعيداً عن إنقاذ الأطفال.

    (ترجمة: المهدي أخريف)

  • هدير كساب – العالم الذى نلعنه سويا

    هدير كساب – العالم الذى نلعنه سويا

    لا داعي لهذا، فأنت آسف وأنا مثلك تماماً، وهذا العالم الذي نلعنه سوياً آسف – إن حدث والتفت لنا – نحن وحيدين منذ انسلخنا من رحم وحتى نتدثر بالموت. وهذا الظل الأنيس الأوحد في هذه الشساعة، وإن يكن في حقيقة الأمر عدو وكل ما تعرف عنه ربما يكون خطأ، لا سبيل إلا شجرة عنب لتصنع خمرك، المخمور حر، له خشوع درويش يتمايل بين دوائر ملائكة ويدعو شياطين روحه للرقص معه، ربما حرية زائفة، لكن لا بأس بها مادامت في عقله حقيقة فاضحة ان وجد له عقل ستكون هذه جنتك، بالطبع مطرود منها لا محالة، فالخمر لا تُسكر أمثالنا، لن نكون الدرويش ولن نرقص مع الشياطين وأطياف الملائكة لا تدور حول مسخ، معتل. كل منا سيكون الجبان الذي يختلق أشباح فيكتنف الخوف جسده، ستكون تجربة مثيرة للبكاء والحنين. أذكر الآن دوارة مدينة الملاهي والعامل خلف الصندوق الزجاجي، ألقي نظرة عليه وأخرى على العربة التي استقر فيها آخر يملؤه الحماس ليحلق في السماء، اعتقدت أنه أحمق، لا شئ يدعو للسعادة، المشهد مهيب الآن وهو يضحك ويهز ساقيه في الهواء، من سيصرخ معي إذا؟ الخوف دائماً خير صديق لو فقدته اعلم أنك ميت.
    دورك الآن إذا؛ ستقول أنه كان منذ زمن عتيق، لكني أعلم أنها كانت بالأمس القريب، ستروي كيف خاصمك الحظ لتذهب في طريق ينقصه صفرة الرمال ليكون صحراءك أنت وكلب يلهث خلفك، كان عليك أن تنصت حينها لنبضات قلبك لو أردت لجعلت منها سيمفونية سوداء _تناسبك كثيراً _ ستخبرني بعدها أن الكلب أصابه الملل وتوقف عن اللهث خلف معتوه مثلك. الموت فن كما تقول سيلفيا بلاث ونحن لسنا فنانين،كان لديها من النرجسية ما يكفي لتكون ومضة لي في هذه العتمة :
    “حين يكون مزاجي حسنا،
    أهب العشب خضرته
    اسمح للسماء بالزرقة
    و أمنح الشمس وهجها الذهبي
    لكن حين أكون مكتئبة المزاج
    أمارس سلطتي المطلقة
    فأحظر اللون
    و أمنع كل زهرة”
    على الأرجح ستكون الليلة هادئة ودافئة، كأن أحدهم ضرب بعصاه الحائط ليدع العالم يدخل، طالما كرهت حياكة ثوب قديم قد بلى، لذلك ليكن عالماً جديد يعطيني أسباباً للبقاء، لامسه الحب فجعله مُقدساً.

  • هدير كساب – كل شىء يصرخ

    هدير كساب – كل شىء يصرخ

    Erin kelso

    في هوة عميقة، مُظلمة، لاشئ لديك إلا قلب مُهترئ وعظام ناتئة، في الجانب البعيد من الحجرة حيث الوحدة تنتظرك، تظن أنك ترفضها رغم التوقْ إليها، لكنّك مطرود كآدم ،رائحة الخيانة تفوح مِنك، مازلت ترجو أن تكتنفك إحدى عوالم الملائكة أو تدثّر ذاتك مع الشياطين، الفارق يتلاشى تماماً أمام رغبتك في أن يجد الآخرين حياة في وجودك. ربما ما زلت تنتظر هذا الصديق لتصيح مَرَحاً، شخص يُشاطرك نتوء قلبه وربما العُهر، حتى لا تخجل من مصارحته، لتترك الازدواجية التي تلازمك مع آخرين، تبحث عن حقيقة واهية، تظن أنك فقدتها، ولم تملُكها يوماً، لنْ يتبق لك إلا الوحدة بعد أمدٍ سحيق، لن تصلح حينها لأن تكتنفك، ستكون الذئبة وأنت أُضحية لكل ليلة، فقط مخاوفك وتعاستك الأبدية لسوء حظك لا صوت إلا لدموعك، كأنه يوم البعث، جميعها تهرول بعد أن قيدها عناء محاولتك للبحث عن معنى، كان عليك أن تتَذكر هذا العالِم، من عاش حياته كلها مُختنقاً داخل بذلته الرمادية، مُعذباً لاصابع يده بحقيبة ملأها مُسبقاً بكتب بالية، ولحية مُهملة يخطها الشيب وتخفي أسفلها وجه متدلي وعيون جاحظة من وراء زجاجات متسخة و رأس عارية، مُنحني الظهر بعد وهنٍ أصابه، كان عزاءه في مختبره أنه سيترك للبشرية شئ فتكون حياته خالدة، الآن اختلطت عظامه برماد الكون، وإذا ذكر اسمه في كتاب ما يصعب عليك قراءته وإنما تخوض فيما هو أهم من اسم مُتهالك، لم يكن هذا المعنى في حياته، انما قدر كان يخضع له، على العكس فعلت أنت، ترى الخضوع لحظة هذيان، لكن الحرية صعبة لمثلك، الدفء الذي تنتظره كان دائماً معك خلف القضبان لكنك لا تدرك ضرورة أن تخضَع وتكف عن الثورة الزائفة، الأمر حتمي وإلا ستكون نهايتك كارثية، لابأس بالكثير من نظراتك المتمردة للحياة وأنت تؤدي رقصتك، ليس هذا الوقت المناسب لموتك. حياتك القديمة لنْ تُقتل، ستوافيك الأشباح، أنت العدو الذي يجب مداهمته، إن خرجت من وحدتك فإني أشير لك بالذهاب للمقابر يوماً لترى الورود على حافة رخامية كُتب عليها اسم احدهم وذكرى عنه، لكن لم يعد أحد يزوره، في الغالب من كانوا يحبونه تُخفيهم حافة رخامية أُخرى، أو ربما طاله النسيان. لاشئ يستحق النزال، والحرب القائمة أنت وحدك تشعر بها.
    طالما كرهت أن تأكلني الوحدة، أعلم أنها مُقدسة، لكنها ستظل كهف ألجأ إليه عندما اعود من رحلتي، أنا الأقوى دائماً و اتلذذ بالهروب منها وإليها، تظل الصديق الاوفى لكن ليس الأوحد، آخر مرة خرجت منها حاولت خلق صديقاً يُشبهك، لكنه كان مسخ، لا عجب، هو حقاً يشبهك لكني قتلته فلا احتمل وجود مسخ آخر، عندها وجدت أن مُتعة الخلق تكمن في القتل الذي يليه. والعتمة لا تليق بي، تصيبني بالجنون، أعرف اني أحب الألوان أكثر من حبي للطعام، لكن الجنون ليس سئ كالحظ الذي تدعي أنه يفر منك. أحببت الألوان لأني كرهت الحياة الباهتة كابتسامة وحيد يقف في الطرف الأيسر من صورة عائلية ملقاة تحت رماد حياتهم القديمة، اخلق لي عالماً مليئاً بالألوان و الرقصات، تعلّم أن تكون ثرثاراً، الثرثرة جيدة تخلق عالم مرتبك صاخب، خاصة لو كانت عن مشهد حب في قصيدة شعر. سامضي الليلة أتخيل لو ان العالم كله أصابه العمى مثلما فعل سارماجوا، لكن الأمر مصيري الآن علي ان أقرر هل اكون عمياء أم أنا التي ستشهد هذه الكارثة واكون المُبصِر الوحيد لكن عيناي تتثاقل الآنْ سأتركها لليلة أُخرى إن أعطاني النسيان مُهلة لأتذكر.

  • مها دعاس – عل مهلك أيها الطريق

    مها دعاس – عل مهلك أيها الطريق

    Julian Callos

    على مهلك أيها الطريق و أنت تثقب
    صدري وأنا أركع لسطوة الحرب
    أسجد لأوامر القدر
    أعبث بقوانين المنطق التي تتصارع في رأسي
    كدروب مفخخة بالأسئلة
    تلك التي بلا أجوبة

    ترفق بقلبي
    الذي دون ملل
    أطعمه للعصافير التي تغرد منفردة
    للقطة” صديقتي الوحيدة ”
    للفراشات التي تحط بين أصابعي سهوا
    لسرب نمل يمر من أمامي
    لكلبة الجيران المدللة Zita
    حتى أني بالأمس أطعمت حصة منه لضفدع جائع
    وما تبقى نذرته للانتظار

    ترفق بروحي
    التي تتحول كل يوم في فم السؤال
    الى قشة خفيفة تطير في الهواء
    تعود لي على هيئة جثة
    تحملها أصابع الوقت مثل كل الأشياء التي لا يهتم لأمرها أحد
    تلك الأشياء التافهة التي لا يُعَول عليها في ذاكرة منسية
    ترميها الحياة في رحلة عبورها

    كجسم غريب لا يألفه البشر في جسد هذا
    الركن البعيد من الكون
    ككائن هجين تَكَون ،يحمل خطأ جينيا في منتصف القلب
    لم يسمع به أحد من قبل في قائمة عجائب وغرائب

    تنمو كطحلب الوقت بدون قصد
    على ضفاف هذه المتاهة
    التي لا تعير انتباهها للمهشمين
    الواقفين على حافة الأشياء
    الهلاميين تسحقهم مخالب الغربة
    لا يعيشون ..لا يموتون

    أيها المكان الفارغ
    أنا أعترف لك
    أنني امرأة مكسورة مثل دمعة مهجورة على منديل مهترىء عالق في الهواء مع الغبار
    قلبي خردة عتيقة
    يرميها الصباح في وجهي كل يوم
    كفائض عن حاجة البشرية
    لم تعد صالحة لاعادة تدويرها
    على هيئة ابتسامة مزيفة …

  • أحمد عرفات – الليلة المضيئة

    أحمد عرفات – الليلة المضيئة


    كان الليل قد حل, شعرت براحة حين أدركت أني هنا وحدي, لا يحيطني سوى الرمل, أنا, وضوء القمر الكامل- أخذت أفكاري تتراقص من حول ظلي, تدور أفكاري المزعجة حول ظلي ما نتج عنه قوة طرد مركزي أخذ يأثر مع جاذبية الأرض على مزاجي- مد وجزر يجتاج رأسي- مزاجي الذي أخذ يحدث فيه إرتفاع وقتي تدرجي تارة و إنخفاض وقتي تدرجي في منسوبه تارة أخرى.
    قررت البيات في العري, قررت أيضا أن أشعل النار لأستفز سكون الصحراء المصطنع- رأسي المصطنع, بحثت عن أي شي يمكن أن أشعل منه- بحثت لكن لم أجد شيئا…
    لن أترك جسدي إلى الظلام, لذا قررت دون خيار البقاء مستيقظا حتى الصباح…
    لا أعرف الصمت، أو علّ لا أقدر على ما سبق- نسمة هواء خفيفة دافئة- بل كريهة تحمل معها حرارة ذاكرة شمس النهار تطلب مني بخسّة و خبث أن أعود بوعيي للواقع، أعني لها أو لسكون الصحراء، كلاهما مقتول, يطلب واقع الوجود مني أن أحملق في الموت, لن أحملق في الموت أكثر- أكره الجثث- في الحال تثير غثياني
    أردت تجاهل الموت المقنّع بسكون الرمال و هدوء نسمات رياح الصحراء لا أكثر
    على ما أعتقد شعرَت السماء بقلق صمتي لذا أرسلت قمرها ليجتاح وحدتي… كان القمر كاملا, لا يعكر صَحْوه سواي- لذا خلعت عني جسدي و تناقضي ملقيا بهما على الرمال و بلا تردد قفزَت روحي نحو القمر الساكن- من أكون في اللحظة؟
    طيف يطفو في الفضاء- ذرّة رمل تسبح مع نجمة- على أي حال, من أكون؟- أفلا أكون نجمة من فضاء العدم؟

    في البدايات- في فراغ العدم, بعد بلايين السنين, و البلايين من محاولات التمركز والإخفاقات- بعد الإخفاقات انمسخ النجم مذنبا- وبعدها, بعد فقدان الذاكرة عقب الصدمة- قَتَل الوجود فكرة أن يكون أصل المذنب نجما- في الفضاء اصطدم المذنب بحقيقة ابتلعت كامل المجرة- مركز الوجود ذرات قلقة بلا هدف- سخرية أن تكون أناك نتاج تجمع أغبرة و صخور عشوائية قيّدتها غازات تائهة لم تجد لها سبيل عاداي- عبر ثغرات العدم خرج المذنب- يعبر من فكرة إلى فكرة- فكرة كانت تتغذى على خوف المذنب- وكعرَض جانبي للزمن, للقسوة- أو لحرارة الغضب انمسخ المذنب في فضاء الإحباط إلى وحش بلا نواة بلا قلب- والسبب إشعاع ورياح شمسية تمارس حق القوة فوقي بلا سبب, بلا ذاكرة عنهما لازلت أحمل رأسي القبيح وذيلي المكتسب- على شاكلة هالة أدور حول فكرة البداية, حول حقيقة الشمس المحرقة, حول حقيقة أني لم أفعل سوى ما فرضته كيمياء الوجود لخلقي, لو لم أقترب من الشمس, لو لم تقترب الشمس مني لكنت ذرات تبتلع الفضاء بسكون متجلّد- مِن ألم الإشعاع اكتسبت رأسا- رأسي أجوف بلا ذاكرة- حقيقة التشوّه بفعل الذاكرة مؤلم: ذرة في الفارغ تحاول أن تنطق- تتكلم على شاكلة ذرة تتألم؟!- مذنّب مثير للشفقة, من يهتم؟ احتضار مذنّب لم يقاوم- قاومت حتى انفجر خوفي أفكارا- فكرة تختبئ في الرأس, وآخرى تبحث عن ذاك الرأس, وأنا كذرّة بلا أمل, أبحث عن ضوء أضاعه صخب السماء, أتحسس صوت خنقه صمتي- من هنا أستقل الموت لأبلغ حلمي.

    سقطت إلى الواقع وفي صدري نجمة- من هنا الواقع- يشير رأسي لواقعه, وقلبي يتفحص نجمة سرقها من واقع نجومي, في القلب نجمة تشهد وجودي- تستعيد ذكرى مرتبكة بثقة- تجتاح عيني بضوء نهار في عتمة ليل- تحرر سماءي السوداء في زرقة مائعة عائمة- تشنق عدما غايته وجودي- تنبض الأمل من الألم- تنبض ذكرى سعيدة وأنا بلا ذكريات في حاضر محطم مضطرب- تصرخ النقيض خلف قضبان صدري- تفعل بتناقض فان كوخ* الهادئ من خلف قضبان المصحة.

    في السماء… كانت النجوم تتسلل عبر السوّاد, نجم تلو نجم- ترقص في مجموعات, تتلامس نجمة وأخرى- ونجم قلق من قبلة سرقها شهاب تفتت بفعل الذاكرة, نجمة ترتقب و نجمة يأست من طول الإنتظار- في السماء قلق معلن في أشكال و معاني مختلفه- معانٍ بدت لي مبهمه بعض الشئ، مثَل فكرة تتشابك مع فكرة, تحاول أن تقترب من حقيقة- أو أن تخلق معنى- ما المعنى؟- وأنا لا أكون- وأنا كما أنا- علّ الحقيقة بلا معنى!- لا, الحقيقة أني في الحال لم أعد أحتمل ما أعانيه من وحدة, من يدري قد لا يحتمل فكري سوى الوحدة!… هذا ما كان- هكذا إرتد مشهد السماء- ثقلا فوق قلبي

    و الآن, تبعا لما سبق- سبقا لما يُتْبَع رحت أتساءل عن حقيقة العزلة- صمتي- عيناي الكسلة اللتي لا تبصر عادا السكون- أتأمل مأساتي و حزني على شاكلة سؤال- هل أنا من سأل- يسأل ذلك؟! أعني من قرر البقاء وحيداً؟، أم فكري الأناني- ذاك ما يخلق بيني وبين كل من يحاول أن يقترب مني تباعد حاد كأقطاب مغناطيسية متنافرة وقحة!

    بكل حقيقة- هل أنا صاحب القطب المشابه للجميع؟ أعني هل كتب على فكري أن يلتمس فكر الجميع، أن يتسلق كافة الإحتمالات البشرية؟ أن يعي بشكل مفرط لدرجة
    التنافر؟
    اقتربت كثيرا- وابتعدت أكثر- حاولت من جديد, إقتراب آخر و الناتج تكرر-
    بعيدا عن الأنا, بعيدا عن الوحدة, عن شياطين الصمت و السكون- قريبا للفكرة, للآخر, للوعي المشترك بيني وبين الآخر- قريبا مما سبق, لم ألتمس من العالم عادى التكرار, في أعين الآخر, في صوته, في كلماته, لحنه, أو على ريشته- تكرار ممل لنفس القيم على شاكلة قد تثير فضولي قليلا- حتى ينتهي فضولي أقل و أقل مما يجب- كيف يتكرر فكري و منطقي و جنوني و شذوذي و عاطفتي و نقيض كل ما سبق بين صفحات الكون؟! أفلا يكون الفكر البشري متنافر لوجود الشبه وإن كان خفيا في نقطة ما- في أو خلف هذا العالم؟

    تنتهي عاطفة الوحدة- تبدأ حقيقة العزلة من منطق الوعي الكلي- ومن هنا… أعود برأس يتشابه مع الكل, بإضافة عنصر الملل- أو فقدان الأمل…

    في هذا المكان, فوق حبة رمل, أسفل رمال الكون ضاع شعوري بالغربة- للحق, لم أعد أشعر أن مثلي يستحيل الوجود- أن رأسي لم ولن يتكرر مرتين، على الأقل في هذا الوقت وهذا القرن- أشعر أني مستنسخ، نسخه عن وجود شخص ما، نسخه كربونيه لعينه لشخص مثلي تافه لعين- قد أكون أقل فظاعة عن بعض الغرباء أمثالي، أكثر طموحا بالحقيقة- أقل اشمئزازاً من العدم- أكثر جنونا، أقل ثباتا، اكثر او اقل تحسسا- أكثر أو أقل جرأة في خوض المغامرات الجنسية و الروحانية- الخ… لا يهم، في اللحظة أقر أننا جميعا نتشارك أبعاد الوجود (الجنون) بنسبية لا أكثر، و أن غريب بين غرباء يعني لا شيء سوى نفي الغرابة- في هذا الزمن آسفا فقد إنسان ما بعد الحداثة كل القيم بعد أن… لحظة, كيف و متى حُكم على التجربة الذات- داخلية بالنفي؟!- وبعد أن نفيت كل القيم عُمّدت النفس البشرية من روح العدم- صدقا, أُدرك (مع صعوبة الإعتراف) أن اليأس من البشر تأصّل في البشر- أفلا يكون الكائن البشري حيوانا مملاً من تجارب كررت- تكرر نفسها على مدى التاريخ؟! سؤال سهل- والإجابة هي التأكيد مع اعتبار الفصل الأخير لكل حضارة نزلت من على المسرح أو أخرى لا تزال تؤدي دورها (على نفس المسرح) فارق إنتاجي لا أكثر، لكن تبقى الفصول هي نفسها- تتكرر- قد تحاول حضارة ما أن تخرج عن النص، أو حتى الإنمساخ (واقع القرن الحادي والعشرين) لكن كل الطرق تؤدي الى نهاية لا أكثر- و ما بعد, بداية ستتكرر من جديد.

    يقول غوته**: الذي لا يعرف ان يتعلم دروس الثلاثة الاف سنة الأخيرة يبقى في العتمة..
    أقول علّ غوته كان مُخدرًا بكيمياء عاطفته الرومانسية- والسبب إما حالة من خمول خلاياه التشاؤمية أو حالة من الانقسام الميتوزي لخلاياه التفاؤلية؛ على كل حال لم يبتعد الكاتب عن رؤياه الشخصية- كان من المنطق أن يفرض غوته على رأسه رؤية العالم منذ بدايته حتى نهايته كواقع خارج عنه، واقع لا بد له من الوقوع وان تمددت أطرافه ليشملنا- غوته! أفق!, نحن نتجه بهدوء أو بسرعة- نتجه بنسبية نحو العتمة، سنبقى هناك حتى ننتهي كأنقاض، حوافر، أو آثار كأي حضارة أخرى، لا أقل ولا أكثر- سنكرر نفس التجارب سنَظلِم و نُظلَم- نجهل من جديد، حتى تفقد السماء كل أمل في الإنسان (من الممكن أن تكون قد فعلت منذ زمن!)- حتى تتشقق السماء, حتى تبتلع ذاتها فتنتهي- حتى تتفجر الجبال غضبا فتعود ذرات متنافرة تأبى أن تجتمع من جديد- مثلي, سيحل يوما ييأس فيه الوجود من كل موجود، حينها ستحل النهاية- سيتوقف الكون ومن فيه عن التكرار

    رغم كأبة الكون وأنا- لم أهتم- فأنا هنا لم أعد أبحث عن إجابات، حقيقةً, خفت أن تهاجمني الصحراء مكراً فتجذبني لأحزانها! ربي وحدك تدري أني ذائبٌ مع حزني- لقد امتلأت- فاض قلبي العاجز بالقهر, لا, لست أنا من سأل, ولا أنت من أعطى معنا للحزن، لم أعد ندا لاحزانك إلهي- لم أعد, أعلم في قرارة قلبي.

    لا، فالليل يحاكيك و تلك غيمة وحيده جاءت أيضا لأجلك وحدك- فقط- و القمر, انظر كيف يضيء من أجلك- أخذت أواسي نفسي, هكذا, بتفاهة الخوف أردع قلقي, حتى أخذت النجوم تتثاءب مع دخول ضوء الصباح.

    أخيراً اختفى القمر- خجلا, لن تخرج الشمس علانا حتى تكتمل زينتها- غادر الكل, و لم يبقى سوى نجمه واحده- وحيده, رحت كالأحمق ابتسم لها- أجهل سبب إبتسامتي المريبة, هل كانت إبتسامة صفراء تعكس حقدي لها بعد أن كادتني مساءًا حول رفاقها؟، أم كانت إبتسامة مواسة (ومعاتبه في نفس الوقت) بعد أن عادت وحيدة تاركه خلفها كامل المجرة.

    يا نجمة- تنكشف أسبابك لي, وحدي أعلم لما طلبتي الوحدة، صدقيني أعلم, على كل حال لا تكترثي لي, فأنا أبتسم فخراً بك ولك، فخراً لمعنًا غير واهٍ في نظري ولا ببساطة ما تظهري… التضحية من أجل الحقيقة! في هذا الوقت المضطرب! تجربة التملّص من الكون في آخر لحظة من الليل مع بداية النهار تجربة مفزعة- فأي حقيقة يا نجمة قصدتي؟- عذرا فالمقصد واضح لي, لقد خرجتي عن قوانين المجرَه لتعي المجرَه- وأنا, خرجت عن المنطق بحثا عن المنطق! أعي سر وجودك نجمتي الحزينه.
    أردت أن أكمل حديثي مع النجمة, لكن آسفا أختفت خلال حديثي الفارغ- كما أني شعرت بغرابة الموقف, حينها قررت المضي قدما…

  • طفل حزين – مارجريت آتوود – ترجمة: آية علي

    طفل حزين – مارجريت آتوود – ترجمة: آية علي

    حزينةٌ أنتِ، لأنّكِ حزينة
    إنه علّةٌ نفسيّة، إنه علةٌ كيميائية، إنه العمر
    اذهبي لرؤية طبيب نفسي،
    أو تناولي حبّة دواء
    أو احتضني حزنك
    كدميةٍ بلا أعين،
    أنتِ بحاجة إلى النوم.

    نعم، كل الأطفال حزانى
    لكنّ بعضهم يتخطّى ذلك،
    عدّدي النعم التي لديك،
    أو أفضل من ذلك،
    اشتري قبّعة.
    اشتري معطفًا، أو حيوانًا أليفا
    ولأجل النسيان،
    استعيني بالرقص.

    نسيانُ ماذا؟
    حزنك، ظلّك
    أيًا كان ذلك الذي حدث لك،
    حينما أتيتِ، في حفلة المرج
    متوهّجٌ بالشمس وجهُك
    وعابسٌ بالسكّرِ فمُك
    بفستانكِ الجديدِ ذو الشّرائط
    وبلطخة البوظة،
    خاطبتِ نفسكِ في المراحيضِ قائلة:
    لستُ أنا بالطفل المُفضّل.

    عندما تصل الأمور، ياعزيزتي، إلى هذا
    إذ يُخفقُ الضوء، ويزحفُ الضباب نحوك
    وتجدين نفسكِ محاصرةً
    في جسدكِ المنقلِب
    تحت بطانية، أو تحت سيارةٍ تحترق
    واللهيب الأحمر، يتسرّب منك
    نحو الخارج
    مشعِلًا الطريق المُزفلَت
    بجانبِ رأسك
    أو الأرض، أو الوسادة.

    لا أحد منّا غيرُ مفضّل
    وإلا
    فجميعُنا كذلك.

    ترجمة: آية علي.

  • أريد أن أراك ثانية لأول مرة – بلال علاء

    أريد أن أراك ثانية لأول مرة

    أريد أن نمشي سوية، آمنين، نخطط لإعادة هيكلة العالم، بثقة مفرطة، وكما تقول، بعدم إدراك لموقعنا في التاريخ

    أن أعاتب أحد بشدة، وأصرخ فيه، متخليًا عن دور العاقل الرصين، مطمئنًا أن بيننا ما يسمح لي، أخيرًا، بالانفجار

    أن أحكي حكاية طويلة جدًا، شخصية جدًا، دون احتراس أنني أحكيها للمستمع الخطأ

    ألا أكون مرة أخرى، وإلى الأبد، الطرف الأكثر حماسة

    ألا أجد في كل بيت جديد، مخاوف جديدة، لم أخترها، وعلي أن أتعايش معها

    ألا أتمنى كل يوم، أن تدهسني سيارة مسرعة، لتخلصني من مكائد لم توجد إلا في خيالي

    أن أعبر عن رأيي بحماسة من يظن أن رأيه سيعني شيئًا ما

    أن يتفتح لي عالم غريب حين أقرأ صدفة كتاب ما

    أن تؤنسني قصيدة، وأتماهى مع بطل رواية

    أن أكتشف فيلسوفًا، يقنعني، لفترة ما، أنه نجح في تفسير العالم فعلا

    وأن أتعجب بعدها، كيف خال علي هذا الكلام الأحمق

    ألا أصيغ مشاعري كنكتة لأمرر حميمية سُترفض إن أعلنت عن نفسها صراحة

    ألا يدفعني انعدام الجدوى، لعقلنة القبح والاستغلال والشرمطة

    وألا أضبط نفسي متسامحًا مع قسوة موجهة إلي

    ألا تمتد يدي إلى يد ستنسحب بهدوء، وألا يتجمد وجه حين أمرر يداي عليه

    أن تتلو علي قصيدة مراهقة جدًا، بفخر، في لقاءنا الأول، في ميكروباص

    وأن أسمع صوتِك فرحًا وجسورًا وثقيلًا للمرة الأولى حتى أهم أن أقبله

    أن تقولي لي في موعدنا الأول، نكتة بذيئة جدًا، حتى أشعر بالخجل، في تبادل غريب للأدوار

    ألا تنفجر قنبلة حب أحدنا للآخر، بينما نحن على وشك عبور حقل ألغام صداقتنا

    وألا تكون تلك القنبلة، أبدًا، حبك لي

    وألا يكون حبي، لأخرى، هاوية، تحاول جاهدة أن تدور بي حولها

    ألا أعجز عن مساعدة أحد وعدته بالمساعدة

    ألا ترتعشي حين أمرر يديك على ندبات روحي

    وألا تفسري قولي لك أنني سأكون دائمًا بجوارك، على أنها محاولة مهذبة لإبقاء مودة ما في علاقة ميتة

    وألا أتعمد الخطأ في تأويل رفضك لي، على أنها محاولة لتخفيف الاندفاع، وليس قطع الطريق

    وأن أندفع في اللحظات المناسبة، دون أن يعرقلني تحفظي الزائد

    أن تثيرني امرأة كفتى في السادسة عشر، ويخدعني أمل كطفل غر، وأتكلم بصوت عالي دون أن أتلفت مع كل جملة

    ألا يصير كل ما أحبه بعيدا جدًا حتى تصير أحلامي كأحلام الأطفال، وجبة خيالية دسمة لواقع شره وصائم

    وأن أنسحب حين أكاد أسقط، دون أن يدفعني شعوري بالمسئولية للاستمرار حتى أنسحق تمامًا

    وأن أشعر بالامتنان حين أرى ولدا يخبر فتاة جميلة جدًا بحبه لها، لأنه على أحدهم أن يفعل

    وأن أرى شيئًا جميلًا جدا، حتى أشعر بأنه لن يفوتني أي شئ حين أموت

    وأريد، قبل موتي، أن أكتب شيئًا ذكيا وجميلا جدًا

    ليس لمراوغة الموت بمحاولة الخلود الأدبي

    ولا لتمرير وهم حكمة ما إلى القادمين

    بل للدفاع عن ما سيصير ماضيًا

    أننا لم نرحل، لقلة في الذكاء أو لنقص في القدرة على استيعاب الجمال

    كانت لعبة غير عادلة

    وليس بوسعنا هزيمتها إلا على المدى الطويل جدا

    أن تكون أشباحنا أكثر ألفة وطمأنينة من أطلالها.

  • عن الطائر الذي اصطاده الفتية وكسروا عنقه – سمر دياب.

    عن الطائر الذي اصطاده الفتية وكسروا عنقه – سمر دياب.

    انظر إليها
    ريشتك السوداء التي أحبتها زوجتك، إنها الريشة الوحيدة التي لم يستطيعوا اقتلاعها. حتى حين فقدوا الأمل والرغبة فيك، ورموك في العراء، وهبّت عاصفة، غطّى التراب كل شيء إلا ريشتك السوداء.. التي أحبتها زوجتك
    ..
    انظروا إليها
    زوجة الطائر التي أحبت ريشته السوداء
    اصطادها الفتية وكسروا عنقها
    ريشتها البيضاء التي أحبّها زوجها
    إنها الريشة الوحيدة التي لم يستطيعوا اقتلاعها

    ..موسيقى
    موسيقى.

  • شذرات – محمد النعيمات

    شذرات – محمد النعيمات

    – ما الذي يبحث عنه
    طيلة الليل
    بمصباحه الكبير
    عمود الإنارة ؟

    – حين نقطع الأشجار
    أين تربض
    في الظهيرة
    ككلابٍ مشردةٍ
    ظلالها ؟؟

    – ما الذي ستعترف به
    لو أنها نطقت
    البئر القديمة
    بفمها المفتوح ؟؟

    – عن أيِّ شيءٍ
    يُغمض الأعمى
    حين ينام
    عينيه ؟؟

    – الأيام التي
    تأتي تِباعاً
    هل تصّطف دائماً
    في طابورٍ طويل ؟
    وإلا كيف عرف دوره
    اليوم الذي أتى اليوم ؟


    – على أيِّ مشجبٍ
    تُعلق الاشجار معاطفها
    حين تتعرى
    في الخريف ؟؟

    – هل هناك كلمة
    أكثر حزناً
    من كلمة حزن ؟

    – الخزائن الفارغة
    الا ينبغي
    حين نفتحها
    أن ينهال منها
    الفراغ ؟؟

    – تحت أيِّ سقيفةٍ
    حين يرحل
    يخبئ الربيع
    بساطه الأخضر ؟

    – عن أيِّ شيءٍ تتحدث
    حين تضجر
    النوافذ المتقابلة
    في البيوت القديمة ؟؟

  • سأجدُ الكلمة التي أقولها – مريم شريف

    سأجدُ الكلمة التي أقولها – مريم شريف

    1

    إنّها لي
    لوحةُ الفراغ العريض
    اللوحة التي لا تُلمس
    في كلّ ليل
    في كلّ صباح
    عند ولادة العالم من كهفه القديم
    ظلّ من ظلالك المجهولة
    يطوف الاتساع المترامي
    فوق الظلمة
    فوق الأرض المتشعّبة
    حيث أسلكُ طريقاً بعد طريق
    وأجد الكلمة التي أقولها.
    2
    يتكلّم
    ليَسمع صوتَه
    على بعد مسافة قليلة
    قادماً من الهواء
    قديماً مثل بقعةٍ على غطاء الطاولة
    ضئيلاً نحتتهُ يدُ الصمت أكثر مما يجب
    يقطعُ مسافةً وهميةً
    بين أن يوجد أو أن ينمحي
    يتكلّم
    لا لشيء
    يَخرجُ صوتُه
    ويأتي له بالهواء.
    3
    فوق الطاولة
    تعقد يديك
    مائلاً إلى الأمام
    تتكلّم كسماء تطلّ من النافذة،
    أنا في غابةٍ من اللحظات
    الحياة تتقادم في الخارج
    ما من شيء يعلو أو يهبط تحت خفوت الشمس
    ما من صوت
    للصباح الذي تلاشى في الأسفل
    كان صباحاً متوهجاً وسخيّاً
    له هذا الباب الكبير المفتوح إلى الأبد.
    4
    هنالك ليلٌ لكلّ غرفة
    ليلٌ للجمادات
    ليل للشارع وللزقاق؛
    بضع ساعات ليختبئ شيء ما عن العالم
    وقتٌ لينحسر الألم المقرون باليقظة
    ينام الخائف والحزين
    تنام الأقدام التي لا تقوى على المشي
    يغيب عنها أنها بعيدةٌ عن أيّ طريق
    تنام العيون التي لا تبصر
    تنسى أنها لا تبصر
    تنام أنفاس السجين
    تنام الطفلة دون أمّ
    تنام يد الطفل المنهكة من العمل،
    أجساد ساكنة في أعماق ضحلة
    وصرير الألم يجوب الهواء الثقيل
    إنه الليل الذي نعبره الآن
    كما نعبره كلّ ليل
    فوقه النجوم المضاءةُ عبثاً.

  • الماءُ يتخلّى عن مشورتِه – كاثلين سبيفاك

    الماءُ يتخلّى عن مشورتِه – كاثلين سبيفاك

    “الماءُ يتخلّى عن مشورتِه”
    للشاعرة الأمريكية كاثلين سبيفاك

    إنعامُ النظرِ في الماء،
    أنْ إلزمي مكانَكِ، أيتها التموجات، فقط بُغْيَة أن:
    يتسعَ الماءُ ويتسع
    والفكرةُ الصغيرةُ فانيةٌ.

    المنحنى الصميمُ لتيار الماء:
    تسري مَعَهُ، ذاتي البسيطةُ، تسري
    صحبةَ نداءِ تمويجتِه
    إلى ما لا نهاية. تتعافى. تتخلَّى

    عن الكآبةِِ الجارحة.
    كم ندركُ، رغمَ أننا نبتغي ألّا يكون الأمرُ كذلك!
    الرغبةُ لا شيء في حُكم الماء. إنّه الوقتُ
    لأن نتعلمَ أن نرفعَ اليد.

    ترجمة غسان الخنيزي

  • كأوراق ميتة (قصائد تانكا) – بكاي كطباش

    كأوراق ميتة (قصائد تانكا) – بكاي كطباش

    هذا الحزن
    أكاد أقول: شجرة
    لولا أنه لا ينمو
    فقط يتراكم
    كأوراق ميتة

    _

    وجدت الأرق
    ينام في سريري
    وقورا كأنه أبي
    خجلت أن أوقظه
    لهذا أنا هنا

    _

    يريد النَّهر
    أن يخلع إحدى ضفتيه
    هذا ما يفسر
    وقوف مالك الحزين
    على ضفة واحدة
    _

    لماذا كلّما لوّحوا باسمك
    تنتفض العصافير في قميصي
    فأبدو مثل حطّاب
    يرى فيما يرى النائم
    بأنه شجرة
    _

    المنفى
    بيت لا تسكنينه
    والثقب الأسود
    أن أفتح عيني
    فلا أراك
    _

    على كعكة الميلاد
    بدلاً من الشموع
    أربعون علامة استفهام.
    مهما أطلت النفخ
    لن تطفئ الحيرة
    _

    الرصاصة التي
    أخطأت اليمامة
    واستقرت في جذع سنديانة
    بمرور الوقت صارت
    جزءاً من العائلة
    _

    من آخر قطرتين
    تنزلقان على زجاج النافذة
    يصنع عكّازتين
    لأحلامه الكسيحة
    ويتظاهر بالنّوم
    _

    من حين لأخر
    يفرقع إصبعا
    ثم يرهف السّمع
    كأنه يقيس
    غور عزلته
    _

    لا ذئاب في الوادي
    فقط يحدث لأحدهم
    أن يغادر سيارته
    ويهبط ليدرب عزلته
    على العواء
    _

    كلّما حطّ غراب على المدخنة
    يبدو البيت المهجور
    مشيدّا على هاوية
    أهو دوار الوحشة أم أشباحك
    يا إيدغر آلن بو؟
    _

    قبالة المروحة الهرمة
    تفكّ السكرتيرة زرّا
    تخلع الخاتم، تعيده
    تخلعه
    تعيده.



    *نص: بكاي كطباش

  • أريد أن أراك ثانية.. لأول مرة!

    أريد أن أراك ثانية.. لأول مرة!

    سعداء هم الأبرياء، ناسين العالم بالعالم المنسي، اشراقة أبدية لعقل نظيف، كل صلاة مقبولة وكل رغبة ممنوحة

    -ألكسندر بوب

    فيلم إشراقة أبدية لعقل نظيف بالنسبة لي هو أحد أكثر الأعمال الرومانسية الخالصة نضجاً. عمل مميز في كل تفاصيله مفعم بالرومانسية النقية وبعيد تماماً عن الابتذال في المشاعر.

    Eternal sunshine of the spotless mind

    سُمي الفليم بهذا الاسم اقتباساً من قصيدة ألكسندر بوب “Eternal sunshine of the spotless mind” الذي تتغنى بجمال النسيان. وقد أثبت كاري براعته في الألعاب العقلية في هذا الفيلم.

    هذا الفلم عبقري جداً فهو يحكي قصة رجل يمر بحالة اضطراب واكتئاب وعزلة، وفتاة جميلة تُغيره وتُلهمه وتجعله شخصًا أفضل. ولكن المخرج الفرنسي ميتشل غوندري بدلاً من أن يُظهر تلك الفتاة في صورة “الفتاة الخيالية” التي تظهر فقط لتغيير حياة البطل ومن ثم تختفي في نهاية القصة، فقد جعلها امرأة حقيقة، بل جعلها موجودة في بداية وعي البطل جويل، ومن ثم هدمها تمامًا!

    يلعب جيم كاري دور جويل باريش، يبدأ الفيلم من النهاية تقريباً عندما يستيقظ جول المنطوي على ذاته في غرفته مع احساس غريب يدفعه للتخلي عن روتين حياته اليومية، ليجد نفسه في القطار المتجه نحو أحد الشواطئ الباردة فيلتقي بـ كليمنتين (كيت وينسلت)، صاحبة الأفكار الغريبة الجريئة والشخصية المتغيرة مع كل صبغة شعر تقوم بها، فتاة مندفعة، جميلة ومتهورة، وسرعان ما يقعا في الحب فتجعله كليمنتين يعانق الحياة ومغامراتها بعدما كان شخص وحيد و غير جذاب اجتماعياً ويعيش حياة روتينية مملة.

    كان “جول” ذاك الرجل البائس الذي يلاحقه شعور دائم بالتعثر، الرجل الهادئ والذي يفشل في تكوين علاقات مع الآخرين ولا يعرف كيف يُعبر عن نفسه أو عما يدور في خلده، ويرى أن حياته برمتها ليست ذات أهمية. بينما كانت كليمنتين على العكس تماماً، فهي مرحة، صاخبة، مجنونة، ومفعمة بالحياة.

    منذ بداية علاقتهم يأمل جول أن تبقى كليمنتين كما تعَرف عليها في البداية وأن لا تتغير، أن لا تغضب وأن لا تنفجر أو تصرخ في وجهه يوماً. لكن كليمنتين كانت سريعة الملل من علاقاتها مع الرجال، قلقة دوماً بشأن اعتقادها بأنها لا تعيش حياتها كما ينبغي، فتحاول أن تنتهز كل الفرص الممكنة، وتعمل على ألا تُضيع ثانية من وقتها الضئيل، لذلك هي لا تريدُ أن تعيش حبيسة لأحد، وترحل في منتصف كل علاقة، لتبدأ من جديد.

    بالرغم من حبها لـ جول وولعها به إلا أنها ترى أنه رجل ممل وأن هذا سببٍ مقنع -بمن وجهة نظرها- كي تتركه، فقد اجتاحها الخوف والضجر فقررت أن تذهب للطبيب وتطلب محوهِ من ذاكرتها لتعيش مرة أخرى بدايةً جديدة.

    في المقابل يقرر جول أن يمحوها من ذاكرته هو الآخر، انتقاماً منها ورغبة منه في نسيانها إلى الأبد، ولكن أثناء عملية مسح الذكريات، يكتشف جول الأمور الصغيرة التي أدت بتراكمها لقتل الحب الذي كان يجمعه بكلمنتين في ذكرياته الأولى معها، و يقرر فجأة التمرد على ما يجري ورفض حدوثه، ذلك بمحاولة هروبه من ذكرياته نحو ذكريات أخرى لا توجد فيها كليمنتين، عسى أن ينقذ بذلك و لو ذكرى واحدة فقط لأنه أدرك كم تعني له تلك الفتاة، وكم أحبها، ولكنه يفشل في ذلك، فيحظى كل منهما بـ إشراقة أبدية لعقل نظيف..

    ولكن حتى بعد أن نسي كلاً منهما الآخر، عادوا من جديد بذاكرة جديدة ليكررا تجربة الوقوع في الحُب مرة أخرى، مرة جديدة. لأن كلاهما لم يعرف معنى الحب الحقيقي، جول كان يريد أن تظل كليمنتين تلك الطفلة الشقية والصغيرة ولكن كليمنتين أرادت أن تظل تشعر بنشوة الحب الجديد في كل مرة.

    تكمن، في رأيي، عبقرية الفيلم، في تلك اللقطة في نهاية الفيلم، لحظة إدراك جول لماهية الحُب حيث تقع بينه وبين كلمنتين هذه المحادثة الرائعه:

    جول وكليمنتين كلاهما مضطربين وخائفين. لذا فهم يستمران بتكرار محو بعضهما البعض لكنهم يعودون للوقوع في الحب مرة أخرى في نهاية المطاف.

     * عنوان المقالة مُقتبس من قصيدة أريد أن أراك ثانية لأول مرة – بلال علاء

  • هذا هو الموسم – جويس كارول أوتس

    هذا هو الموسم – جويس كارول أوتس

    قصيدة في وصف الأزواج الذين كانوا أطفالاً بحفاظاتٍ حمر؛ للشاعرة الأمريكية جويس كارول أوتس:

    “هذا هو الموسم”

    هذا هو الموسم الذي فيه يستلقي الأزواج
    للمرة الأخيرة على إرجوحاتهم المجدولة من خيوط القنب
    يقرأون مجلة The Nation على ضوءٍ خريفي متضائل
    قبل أن ينبثق الغسق من الأرض
    قبل عدم معرفة إذا ما سيقيّض للأرض مرةً أخرى
    أن تدور حول محورها إزاء الضوء، الأتون الهائل من الضوء، وأن تعيد الأزواج الى الضوء وهم على إرجوحاتهم المجدولة من خيوط القنب
    يقرأون مجلة The Nation.

    ترجمة غسان الخنيزي
    ————————————

    (*) مجلة The Nation ، هي مجلة أمريكية يسارية عريقة، محدودة الإنتشار حسب كلام الشاعرة في حوار معها في بودكاست جميل وممتع من الأرشيف المسموع والمقروء لمجلة The New Yorkers متوفر مجاناً في الآيتونز iTunes

    وزوجها، الذي كان “طفلاً بحفاظة حمراء” red diaper baby حسب وصفها، هو من الشغوفين بقراءة مجلة The Nation

  • جورج هاريسون، البيتلز والحياة الروحانية والمادية- ريم اليامي

    جورج هاريسون، البيتلز والحياة الروحانية والمادية- ريم اليامي

     

     

    البيتلز فرقة روك بريطانية نشأت في المدينة الفقيرة ليفربول، ذاع صيتها في الستينيات وأحدثت ثورة في عالم الموسيقى وضجة إجتماعية كبيرة، وكثير من البرامج كانت تجري مقابلات مع أخصائيين نفسيين وغيرهم ليدرسوا حالة الشباب الذين تعلقوا بهم أكثر من المسيح، حتى أنهم كانوا يسألون أعضاء الفرقة عن هذه النقطة التي سببت خوفًا للأهالي، لأنهم اصبحوا مقدسين، والفتيات كانوا يبجلونهم كما تُبجل الآلهة.

    – جورج هاريسون
    ” المغني والشاعر الغنائي وعازف الجيتار ” كان أكثر أعضاء هذه الفرقة جدلًا وتميزًا وتغيّر فكري وجوهري، وهو من سيكون عنه كلامنا في هذا المقال؛

    أولًا: جورج هاريسون مع البيتلز؛

    تميز جورج بالهدوء والفكاهة وسرعة البديهة خصوصاً في المقابلات التي كانت تجرى مع الفرقة، كما تميّز أيضًا بأنه لم يكن رماديًا قط، هو يا أسود يا أبيض. كما تميزت مسيرته مع البيتلز بأنها كانت ناجحة جدًا، والأغاني التي عمل عليها كانت من أنجح أغانيهم .

    جورج هاريسون في العالم المادي؛
    أحبّ جورج كل مايحبه الشباب من الماديات، ولكنه في لقاء له قال هذه الجملة “حصلت على كل شيء يرغب به الجميع في عمر مبكر ولا يزال هنالك شيء مفقود، أعتقد انه الرب “ومن هنا بدأت رحلة البحث عن الشيء المفقود بداخله .

    -البيتلز وجورج في الهند.

     

     

    جورج والعالم المادي

    عندما زارت البيتلز الهند، التقوا بمرشديين روحانيين وجربوا معهم التأملات الروحانية.. وهنا عثر جورج هاريسون على نفسه، وأخذ من الهند موسيقاهم، كما تأثر قليلًا بالفلسفة الروحانية قبل أن يتعمق أكثر بمرور السنوات ويغني للرب كريشنا، وهذا يعني أنه لم يكن معجبًا فقط بالممارسات الروحانية، بل اعتنق الهندوسية وأخذ يردد المانترات، أي “التعويذات و” الأناشيد الهندوسية”.
    هنا أغنية تبين حبه للرب كريشنا:

    تاثرت أغاني هاريسون بهذا الجانب الروحاني وهو مع البيتلز وبعد انفصاله عنها وبقي يوازن بين الجانبين المادي والروحاني في حياته حتى وفاته، ولم يتخل عن أي منهما.

    – مقتل جون لينون “احد اعضاء البيتلز “:

    تأثر هاريسون جدًا بالخبر وقال أنه سيلتقي به في عالم آخر، وأنه حزين فقط لأنه لن يلتقي به في هذا العالم. وفي هذا الكلام تأثر واضح بالفلسفة الروحانية التي اعتنقها.

    علاقته بزوجته
    وهجوم المختل ونجاته بأعجوبة:

    كان لدى زوجته هذا الإيمان الروحاني العميق، وقد عاشت معه فترة طويلة في إستقرار وحب كبيرين، وفي العام الذي اكتشف أن لديه مرض السرطان، هاجمه شاب في بيته وكسر النافذة. وعندما استيقظت زوجة هاريسون وأيقظت زوجها، أخذ من الغرفة تمثال ونزل به وعند المواجهة هاجمه المختل وبرك على جسده واخذ يطعنه، لكن زوجته اخذت عصا البيسبول وضربته على رأسه.. ولكنه لم يسقط بل طاردها وخنقها. عندها هجم عليه هاريسون وطعنه بسكينه. وهنا انتهت الليلة المرعبة بنجاة هاريسون وزوجته، وبعد فترة من هذه الحادثة تمكن منه السرطان حتى رقد في الفراش في إحدى مستشفيات سويسرا.

    وفاته :

    في وثائقي living in the material world الذي اخرجه المخرج المعروف مارتن سكورسيزي لتكريم هاريسون، تحدث أصدقاؤه عن روحه الجميلة وعن فكاهته وعن النكات التي كان يطلقها حتى وهو يصارع الموت، وقالت زوجته أن غرفته كانت تشع بالنور عند وفاته، وفي وصيته وصى جميع الخلق بالحب والسلام.