حُشروا بين مقاعد من خشب السنديان في زوايا الكنيسة الدافئة بأنفاسهم يشخصون بعيونهم إلى المذبح الذي يقطر ذهبًا بينما المنشدون بأفواههم الشعرية، يصرخون أناشيدهم التقية
يتنشقون رائحة الشمع كما لو كانت خبزًا فقراء.. سعداء.. مساكين.. كالكلاب الذليلة. يرفعوا إلى السيد والراعي صلواتهم المضحكة اللجوجة.
النساء تحب صقل المقاعد بعد الأيام الستة السوداء التي تركهن الله فيها يتعذبن ويهدهن داخل عباءاتهن الغريبة أطفلًا يبكون كأنما سيموتون..
أخرجت النساء آكلات الحاء أثدائهن القذرة في عيونهن صلاة لم تعرفها قلوبهن يرقبن مجموعة من الصبية الأشرار يتبخترون بقبعاتهم الممسوخة
وفي الخارج لا شيء سوى الصقيع والجوع ثم الزوج السكران لا بأس.. ساعة أخرى.. وبعدها شتى أنواع العذاب – بينما جولهن مجموعة من النساء ذات الرقاب الثخينة يخنخن ويتوشوشن ويتشكين..
هاهم قد اجتمعوا هنا: الفقراء والمصروعون الذين حدنا عنهم البارحة عند مفترق الطرق والكلاب التي تقود العميان عبر الباحات تدس أنوفها في الكتب المقدسة العتيقة
كلهم يقطر إيمانًا أبلهًا يستجدي ويتلو شكواه الأبدية ليسوع الذي يحلم في العلى، أصفرًا شاحبًا وراء الزجاجية الكابية بعيدًا عن أولئك الأشرار الناحلين والخبثاء الدحلين
ومن جناحي الكنيسة حيث الشمس تتلاشى طيات الحرير الإقطاعية والابتسامات الباهتة نساء الأحياء المرموقة.. يا ليسوع- أولئك المرضى بالكبد يلقين بأطراف أصابعهن الصفراء الطويلة قبلة نحو جرن الماء المقدس.
°°°°°°°°1°°°°°°°°
لم يكن يعلم أن اسمه مكتوب في قلب العالم
وأن الأرض وضعوها في كفه
فهام عقله كالدرويش في شرع العنب ونفسه ككأس نعنان في “سيناريو ” غفى على “الشازلنج” بينما
السماء /خلية الزورق
والصحراء /خطوة للخلف
والليل/ نشيج ذوفكين
والنهار/ زاوية نمل
والبحر/ لحظة صدق
والنهر/ حبل الفكرة
والعقل/ ملعب كورة
والألوان/ مكنسة العين
والصرفي/ ساعة البصيرة
والصوفي/ نجمة بالمسرح
والعين/محيط “كاميرا”
والشاعر/حاوي
والمشاعر/ بيضة رفيفة
وأندرية برتون /وتر”الكحول”
والشمش/ أناه المتقدة
وأناه /قصاب متحزلق
والقصاب جوهرة شعره وصرخة أناه توتره وتمرده عليها.
_____
المشاعربيضة(أي تحتوي على اللونين الأصفر رمز
للغضب الحقد كل ألم والأبيض النقاء أما السائل الهلامي بينهما
تدرج مراحل مشاعرنا وتوترها )
°°°°°°°°2°°°°°°°
منذ أوان وسعف
يكتب على الرمال
ويأخذها “سلفي”في شفاة
منديله
سحب ورقة من روحه الفارغة منه وكتبها
بدم بارد نص
اتصل بكفه اليمنى وعقله الذي عنده علم من البصيرة
برجفة
المسروق من غيمة في قيظ أب
رفضت كفه صلاة الخشوع
وختم عقله بالرفض فيما النص منفيا من النطفة البكر
لم يهتز لهما بينما
رائحة الخبز الطازج للحن يأتي
من مكان لايعرف مصدرة تعكسه لمرأة نهار وليد.
جدّي لم يحتضر فجأة، كانت ميتته تتم على مهلٍ، الكُل يُنبهنا أن وقته هنا على وشك الانتهاء، كانت أنفاسه واضحة على غير عادته بالمرّات السابقة، أخبرتني إحدى السيّدات المُسنات بالعائلة ألّا أقف بمرمى بصره فهو الآن يرى الملائكة ولا مكان لحضرتي، فاتخذت مكاني بيمينه وضممت يده، تسلّمت من والدي مهمّة تعطيره، كان جدّي جميلًا كعادته ولم تفقد يده دفئها، وكذا لم تفقد عيناه زُرقتهما التّي لم يورّثها لأحد، أوشكت أن أسأله كالعادة “ إزّيك يا حلو؟ ” ولكنني تراجعت لسبب ما، لم تتوقف السيّدات عن الكلام اللامُجدي وكأنها فرصة لا تعوّض لاجتماعاتهن الإدّعائية، أو محاولة إبراز كم كُنّ ودودات معه وكم كان هو لطيفًا خفيف الظل. كنت أتحدّث معه خفيةً من حين لآخر خوفًا من تأتي إحداهن بخرافة ما تمنعني من بوح أخير لجدّي، انتصرت وأخبرته عن القُبح وما حدث. سيتذكَّر صوتي جيدًا.
السادسة إلّا رُبع مساءًا، أُرسلت لي رسالة تهنئة بالعيد في حين كنت أحادث فيها طبيبًا لطمس ما يجول في عقلي بشأنها، تحدّث معي صديق للتهنئة كذلك في حين كنت أصرخ أنني لا أدري ماذا أفعل، فاعتذر هو. ما بال التهاني اليوم!
أنا يا صديقي، لم يعد بيديّ حيلة.
لا صوت الآن سوى الأنفاس، وخوف يُخفيه كُل منّا بوسادته.
أمضيتُ حياتي كلها جالسًا كالملاك بين يدي الحلاق ممسكًا بكوب من الجعة عميق الخروم وقد أحنيت بطني وعنقي والغليون بين أسناني كأني وسط سحابة من أشرعة شفافة
كالسلح الساخن في عش الحمام العتيق ألف حلم يحترق وئيدًا داخلي أحيانًا يصبح قلبي الحزين كالسنديانة إذ تنزف جراح لحائها دماء صفراء ذهبية قاتمة
وبعد أن أبتلع أحلامي بعناية أستدير، ثملًا بأكوابي الثلاثين أو الأربعين وأستجمع قواي لإطلاق الحاجة الملحة
وديعًا مثل رب سيدر وهيسوب أبول باتجاه السماوات القاتمة عاليًا وبعيدًا جدًا تباركني أوراق رقيب الشمس الكبيرة.
Sergey Smirnov
يوما ما أريد
ان أهجر نسائي بقناعة لا يثقبها مبضع الحيرة
بعد أن غرقنا في غروبنا كسفينة منذورة للعاصفة
يتكورن بداخلي بأحمالهن السريالية
بأجساد من ماء ,
من ريح,
من فضة ,
من كريستال ,
من الفانيلا,
من الشوكولا,
ومن صلابة الصحراء الحاثمة على صدري في أقبية السأم
بين الغبطة والرماد
بين اللحظة و النمطية
بين الحلم ومنبع الأسئلة
بين انعكاس الحلم ورائحة الزيزفون
تارة يفتحن باب الضوء و يغلقنه تارة على السراب
لهن أمزجة مختلفة و غيمات تطفو على وجوههن ساعة اللهفة
بسذاجة يمطرن نجوما وكواكب
كبيت ينفض الغبار عن جدرانه
من صلابة الصدى و هول الفاجعة
يفرغن أكياس الحرب المصابة بسكتة قلبية
أعيد ترتيب أحزانهن كل يوم
وأغرق في بحر عتمتهن
أتوه بما لا تخبرني به المرايا
ماذا لو سرن جميعهن قربي
يحملن سر الألوهة والحياة في تعاليم القبائل المنسية
التي لا تتوقف عن التكاثر خارج الزمان ؟
لم ينجون من طوق الشرق
وبراعة الحرب بين كثافة الريح و الكارثة
نسائي متطرفات
خدي يؤلمني
سامحتهن
على عقوقهن الذي لا يتوقف
جميعهن شرقيات
عُجِنّ من تبلد الحجر و نبوءة الجبال
أجثو حول قيودهن رهينة أبدية
منذ قليل جلجلت إحداهن ألف سؤال و أعوامامن الصدى
غادرتني بدهشتي
قالت لي اللحظة سؤال
والعمر كان يوما لحظة
اندست أخرى في قلب الصباح
الذي تألق بعزلته
لتشعل الذكريات بعد أن افتعلت معي
شجارا صاخبا
كانت فقط تريدنا أن نبكي
أكثرهن حزنا تعيش في مأتم
تستنشق زهورا ميتة كل يوم
تزيل رائحة الموت عن عينيها وما تسرب من حقيقة الوقت
كبدعة دون أن تصاب بالجنون
أجملهن طفلة
تعود الى سيرتها الأولى
كنجمة تنشد أنشودة للغياب
مازالت تصدق أنها سما ..
أحيانًا تتساقط الكلمات من النافذة أو تمطر في الكتب وبعدئذ لا شيء يحدث لأيام طويلة ودائماً عند اليقظة هذا السؤال: ماذا تشبه رائحة النوم؟
***
النهار الذي نسيت فيه أن أستيقظ
تسعكت في شوارع دون أسماء ألقيت التحية على الغرباء، فقط لأشاهد الصبيان المختبئين ذوي الأسماء التي تسقطها الأمهات من الشرفات حاولتُ حمل الحراس على الضحك وفي المساء أحصيت الشعر المتروك على أرضية صالون حلاقة
***
سوق الخردوات
هل تمكنا فعلا من آن يتقابلا؟ هذان اللّذان ماتا منذ زمن بعيد؟ في بطاقة مصفرّة لمنظر طبيعي أقرأ موعدهما السّرّي
نص من رواية منتجع الساحرات الصادرة عن دار الساقي ٢٠١٦، والتي كانت في القائمة الطويلة للبوكر العربية 2017.
عبد القيوم دليل جمعة…
في عهد الشقاوة الأولى، وقبل أن يصل العشرين، كان لقبه عبد القيوم النحيل، ولم يكن نحيلاً قطّ في يومٍ ما، لكنه لم يكن بديناً كذلك، كان لقبه أيضاً هايلا الإمبراطور، ولم يكن يعرف من هو هايلا، ولا أين كانت تقع إمبراطوريته، ولا ما هو وجه الشبه بين متشرد وإمبراطور. ولقبته واحدةٌ من صديقاته المستهلكات، في حيّ الصهاريج البعيد، بحلّة الطبخ، وكان لقباً ظالماً، وتعسفياً، لأنه لم يكن يشبه حلل الطبخ في أيّ شيء، حتى في الغليان. وأدت تلك الألقاب المتعددة غير المتجانسة، إلى ارتباكه وتردّده في الإجابة، إن صادف وناداه أحدٌ باسمه عارياً بلا لقب.
كان عبد القيوم أحد مجرمي سن المراهقة، أحد الذين خاضوها بعنف فنانٍ مميز، وخرجوا إلى الصبا إما مطرودين أو مساجين، وبالطبع، ضائعين، وعاطلين عن العمل بجدارة.
كان يعرف أن اللاجئة “أببا” تحب سمك “السيجان” الرخو، وحلوى “الحلقوم” ذات السمعة الطيبة لدى الأطفال، والجبن الدنماركي الذي يجلبه بحّارة السفن، مغلفاً بقصديرٍ أحمر جذاب، فكان يزودها بالسمك والحلوى، وجبن البحارة. تحب الغزل المخمور، المعتٌق، المستقى من قاع حانات الشعور، فكان يدلقه على أذنيها بتأنٍّ، في أيّ وقتٍ، وهو منشرح. سماها النجمة كثيراً، وسماها الشمس ذات يومٍ مشمس، والبدر الذي يُفتقد في الظلام، لكن مناداته لها بالزهرة البيضاء، كانت هي اللقب الذي اعتمده للسانه وحده، وحرم على ألسنة الآخرين استخدامه.
– كم عاشقاً لأببا تسفاي، هنا أو هناك أو في أيّ مكانٍ حلّت به تلك الزهرة ذات يوم؟
سأل أفكاره التي تتقاتل في الرأس المخمور السؤال نفسه الذي سأله للأفكار نفسها في مناسباتٍ أخرى عديدةٍ من قبل، وسأله العشرات من المتوافرين والعابرين بالمكان لأفكارهم الشخصية.
كم عاشقاً للزهرة البيضاء؟
كانت الإجابة شركاً حقيقياً، فمنذ أن بذرت بائعة الشاي الصبية، الهاربة من نار الحرب في إريتريا، رونقها في موقف باصات السفر، اختلّ توازن الأشياء بشكل مخيف. كبر الصبيان فجأة في أفكارهم ونبضات قلوبهم ليعشقوا، وصغر المسنون المتوافرون أو العابرون في أفكارهم ووجوههم ونبضات قلوبهم فجأةً أيضاً ليعشقوا، كشرت الرواكيب الخشبية الضيقة التي تمنح النكهة والاسترخاء، عن وجوهها، وزحف إلى صدور البائعات العتيقات: حواء وسعيدة وسيدة الجيل، غلٌّ متطرفٌ سلّحهن بالعداء الظاهر، ووظفهن عسكراً شرِهاً في حرب الرزق التي اشتعلت بينهن وبين اللاجئة الجميلة، لدرجة أنهن فكّرن في قتلها، واستحين بعد ذلك من تلك الفكرة…
كانت أببا في الحقيقة نموذجاً آخر من النساء ومن بائعات الشاي خاصةً. امرأة بنكهة أخرى، وشاي آخر لم يعرف العابرون مثل مذاقه من قبل، بالرغم من أنه شاي الليبتون الأصفر نفسه، أو شاي سيلان الأحمر، المتوافر في البلاد بكثرة، وربما يكون حتى شاي الوردتين المدرّ للقيء عادة، أو الشاي الذي بلا اسمٍ تجاريّ معروف، ويسبب خفقان القلب، وتَعطل الدورة الدموية، والذي يسميه الناس شاي الحشرات، ويباع بالكيلو والرطل، في الأماكن الشعبية.
كانت أببا شهيةً جداً بحسب انطباع عبد القيوم، وانطباع قنديل، شاعر الأغنيات المرهف المخضرم، الذي نجح في كتابتها قصائد عدة، كان يخبئها عن الآخرين، ويدلقها على سمعها فقط، وربما كثيرون غيرهما، لم يعرف أحدٌ انطباعهم بالتحديد.
كان أشهى ما فيها وجهها الناعم الخالي من نمش العمر، وآثار حب الشباب عدو الوجوه النضرة السخيف، وأشهى ما في وجهها عيناها المشعتان بنور الأمل برغم تشردها ولجوئها إلى وطنٍ بديل، واحتمال أن تصبح ضحيةً في أيّ وقت.
إلى الّتي مرّت من هنا..
شارل بودلير (1821-1867)
نقلها إلى العربيّة سعيد الجندوبي
الشارع الصاخب كان حولي يصرخ.
طويلة، رشيقة، عليها سَمْتُ الحداد، وجعٌ مهيب؛
امرأة مرّت، بيَدٍ باذخة،
رافعة، مُمَيّلة أطراف ثوبها وطيّاته.
رشيقة ونبيلة، ساقها كساق تمثال.
كنت أشرب بتشنّج المسرف،
في عيْنِها سماء مكهبة، تحملُ إعصارا،
لطف ساحر ولذّة تقتل.
برْقٌ.. ثمّ هو اللّيل! – جمال هارب،
بنظرة منه وُلِدْتُ فجأة من جديد،
ألا من لقاء في غير الأزل؟
هناك، بعيدا عن هذا المكان! فات الأوان! ربّما إلى الأبد!
لأنّني أجهل أين تفرّين، وتجهلين أين أنا ذاهب.
أنتِ، يا من أحببتُ، أنتِ يا من بحبّي لكِ قد علِمتِ.
1
النص الذي قد أكتبه عارية في ساعات الليل الاخير
هو ذاك الذي يشبهني
نتساقط معا ضريرين في فراش واحد
كأن يجرب خدعته الأخيرة فوقي
فيقطع يدي ويجر حلقي ولساني للكتابة …
في ليلة أخرى قد أنام محاطة بكل أثوابي لأجعل نصي ذاك بسيقان طويلة
ولأكتب عن الشعر والنثر قصصاً عرجاء ينفتح عليها الصباح نصوصاً هيفاء دعجاء …
أما في ثلثه الأخير سأتعرى أمام أقلامي
وسأسكب من حبر الصباحات والمساءات فوق جلدي الناعم
وأكتب نصاً واحداً يجثو على ركبتيه
إنه فقط نصى..
2
لا تمت قبلي أيها النص
أُكتب في هامش من الورقة
موعدا بعيدا لإقامة مأتم
ولنتحدث مطولا
عن البكاء خارج الشتاء
ولنخرجه من الخزانات
للدموع أيضا طعم الورق …
لنقل “هذا نص”
ولننشغل عنه
باللغة ترتب شِعرهَا في شَعري
موتا أبيض
دون أن تتلفظ إسمي
واسعا أو عريضا
للكذب أيضا مواقفه
النبيلة
كأن ينشغل بالنص….
3
أكتبْ واصفا في النص :
عقدة لسانه الطويلة
ينشغل بالصمت في الكلام
فنتحدث عن فوائد الفراغات
والفواصل و النقاط و النهايات …..
في النص مواقع كثيرة للسجود
كأن يقول قارئ في سره :الله..
فيبكي الحرف الاول عند الحرف الاخير
فتأخذ الأصابع استراحة صلاة
في الطريق :دم طفيف
جرح في قلب ناقد
أضاع مقاصده في شطر السطر الرابع
فهجر المكان لتدريب أدوات الحلاقة :المشرط والسكين وأدوات الحياكة
تاركا في النص القديم
آثار بكاء طويل..
4
مستعيرا من الموت ربطة عنقه الانيقة
ماشيا في النص
رافعا قبعتي
سأشعل سجائري كلها
لأدخن الوقت
يوما بيوم
وأطفئ السنوات كلها في رأسي
نصوصا
عرجاء وهيفاء
بلا تقفية
سارقا من الموت فمه الهازئ
لأضحك فوق جثماني
من النهاية
هذا فقط نصي…
النص…
حين ينضب ذهني أطير في موجة من كسل وأكتب بطريقة غريبة تشبه تثاؤبا مستمرًا. لست شاعراً مجوداً ولم أحظ بجني من وادي عبقر لا اكتب شعرا جيداً ولا أسعى لذلك. غالبا ماتهرب مني الموسيقى وتغادرني الألوان وها أنا أبحث عنها عند نهر مختنق ودار سينما مهجورة أحب النسائم القادمة من سمرقند ملطخة برائحة الثعالب البرية دائرة على صخرة عملاقة انتحرت عليها نسور يائسة. لم أفكر يوما بالانتحار باب الدخول في حياتي هو باب الخروج أيضاً الأيام التي لا أعجبها تخرج بسهولة. أأومن بما أصادفه وعقائدي ليست معقدة في أيام سالفة كنت مبهوراً بتمثال السيدة الجميلة أقف لساعات تحت تنورتها المرحة أردد أناشيدًا من ديانات منقرضة ومعتقدات فالتة من ازميل نحات مجنون واصلي لساقيها الجميلتين كقديستين صاعدتين الى غيمة أو هابطتين منها حين أنهي دورتي حول نهري الحزين تواجهني السينما المهجورة من لوحة إعلاناتها الكبيرة تطل مارلين مونرو حالما تراني ترفع تنورتها وتبتسم.
سارت حياتي من دوني أيها الكلب لماذا تنبحني من خلف السياج
خمرة قليلة في القاع قطعتا ثلج في كأس واسعة عاجزتان عن الطوفان يشف الويسكي ويفتح لونه يطل الفجر بخيوط حمراء تتدلى من شمس لا أراها ايتها الحرب أكل هذه الدماء تنزف في ذلك البلد
ذاب الثلج وأصبحت الخمرة ماء ايتها الحرب لقد خسرتِ فلماذا لاتذوبين
آه ايتها الحرب تلك بلاد لاتذوب انها تحترق فقط
آه أيتها الخمرة ياصديقتي السيئة التي هربت في الماء نباح الكلب أسوأ من عضه.
لا بد من الاعتراف بأن الحديث عن موضوع كتابة الأدب خارج المكان الأصلي/الأوّل يبدو، الآن بالذات، ترفاً، لأن هناك بالتأكيد من غرقوا في اليومين الأخيرين وهم يحاولون عبور المتوسط إلى حياة أفضل وأقل موتاًّ. لكنهم ماتوا بصمت، بعيداً عن أعين الكاميرات وافترسهم ذلك الوحش الهائل والذي اسمه النسيان الجمعي. وهو وحش تزداد شراسته ونهمه مع أعراق وأقوام وطبقات دون غيرها.
ليس ما سأقوله اليومَ وصفةَ، بأي شكل من الأشكال، بل هو وصفٌ لتجربتي الشخصية وهي محكومة، بالطبع، بسياقها وبالصدف، وبالحظ أيضاً، إضافة إلى القناعات.
سألني صديقي، السينمائي العراقيّ المقيم في نيويورك، ذات مرة، ونحن نجلس في ساحة «واشنطن سكوير»: «لماذا لا تكتب رواياتك بالإنگليزية مباشرة؟» فأجبته بسؤال عكس استغرابي: «ولماذا لا أكتبها بالعربية؟»
قال:«كم نسخة تبيع رواياتك، مهما كانت ناجحة؟ ١٠ آلاف؟» قد تضمن لك الكتابة بالإنكليزية مباشرة أضعاف هذا العدد وتفتح آفاقاً كثيرة أمامك. أستعيد سؤال صديقي، ونسخة أطول من إجابتي عليه يومها، كمنطلق لمداخلتي القصيرة اليوم لطرح أسئلة عن خيارات أو ضرورات الكتابة باللغة الأم، أو بغيرها، وعن تبعات ذلك ومعانيه.
كانت إجابتي الأولى هي أنّني، وبكل بساطة، أحب اللغة العربية، بل أشعر أنني محظوظ لأنها لغتي الأمّ. واستعدت كلمات مظفّر النوّاب: «كم أنت تحبّ الخمرة واللغة العربية والدنيا». وليس هذا انتقاصاً من الإنگليزيّة، التي تربطني بها علاقة خاصّة، والتي أستخدمها بالطبع بشكل يومي قراءة وكتابة ومحادثة. لكن مهما تمكنت منها، فإن طبيعة علاقتي باللغة العربية تختلف. فمعها أجدني أمام محيط، أغرف منه وأغوص في أعماقه وأكتشف كنوزه كل يوم و«أرى ما أريد.» كما أنّني، بالقراءة والكتابة بالعربية، أنتمي إلى سلالة، ورثتها، واخترتها في ذات الوقت، لا يمكن أن أفرّط بها. وذكرت له منها، على سبيل المثال، اسمين، وكأنّني استنجد بروحهما وبمثالهما. سرگون بولص، الذي عاش في كركوك، وبغداد، ومن ثمّ بيروت، قبل أن يستقرّ في سان فرانسسكو والذي كان يزور برلين كثيراً ومات فيها. وظل يكتب بالعربية (وعن العراق، لأن السؤال الآخر الذي يُطرح، أحياناً، هو لماذا تكتب عن بغداد ولا تكتب عن نيويورك؟) حتى بعد أكثر من أربعة عقود قضّاها في الولايات المتحدة وكان قد أتقن الانكليزيّة. وأضفت إليه واحداً من كتّابي المفضّلين، العراقي سمير نقّاش، الذي هُجِّرَ من بغداد، مع غيره من آلاف اليهود العراقيين، عام ١٩٥٠، إلى فلسطين، عندما كان في الثانية عشرة. والذي كتب كل أعماله بالعربيّة ورفض أن يجرّب، أو حتّى يفكّر بالكتابة بالعبريّة، كما فعل سامي ميخائيل مثلاً، والتي كانت ستضمن له، بكل تأكيد، جمهوراً أوسع واعترافاً أكبر من المؤسسة الأدبية والثقافية ودعماً رسمياً وفرصا أكبر للترجمة إلى اللغات الأوربية. وأسباب رفضه تعود لموقفه من الصهيونية بالطبع وهوسّه بالعربية وبمحكيّات بغداد التي تطفح بها رواياته.
قلت لصديقي، الذي كان حديث العهد بالإقامة في الولايات المتحدة، إنّه وبالرغم من إطّلاعه الجيد على ثقافتها السينمائية والأدبية، حتى قبل خروجه من العراق، فقد لا يعرف تضاريس سوق النشر الأدبي وخرائطه. وأنه ربما كان يقيس الأمور بمسطرة تعتمد على تجربته ومعرفته بسوق السينما. قد يكون النص السينمائي الأجنبي، نسبياً، أكثر مرونة وقدرة على المناورة وعلى عبور الحواجز. حدّثته عن الضرائب الرمزيّة التي يتم جبيها، والتي يتعيّن على الكاتب، في معظم الأحيان دفعها، من دمّ نصّه، حين يكون النص وكاتبته أو كاتبه قادماً من منطقتنا ومناطق أخرى من جنوب الكوكب. وما أعنيه هو الثيمات المفضّلة.
ليس سرّاً أن أحداث الحادي عشر من أيلول وطريقة التعامل معها ومع تبعاتها وتداعياتها اعتمدت وأعادت ترسيخ الأرشيف الاستشراقي والمقاربة الثقافوية أو ما يسميه محمود ممداني ”كلام الثقافة.“ وما يعنيه هذا أن الاهتمام المتزايد بالثقافة العربية، وهذا يشمل الأدب، بالطبع، كان من صنف ما أسميه أنا “forensic interest” أي اهتمام وبحث الطب الشرعي الذي يسعى إلى اكتشاف تفاصيل الجريمة.
وهذا يضاف إلى المقاربة المختلفة أصلاً التي كانت تعامل الأدب العربي الحديث بشكل لا يخلو من استشراقية وتهميش واختزال. وأنتم تعرفون مقالة إدوارد سعيد الشهيرة «الأدب المحظور» التي يتحدّث فيها عن رد فعل إحدى دور النشر الأمريكيّة على اقتراحه بنشر نجيب محفوظ، وذلك قبل فوزه بنوبل، وكان ردّها أن اللغة العربية «مثيرة للجدل».
وهناك من بدأت أسمّيهم، شخصيّاً، قرّاء الصفوف الأولى. هؤلاء الذين أكتب لهم وعنهم، بوعي أو بدونه. هؤلاء هم الذين أخاطبهم بشكل رئيسي. وهم القراء في العراق وفي شتاته، وفي المنطقة، ولغتهم الأولى هي العربية. الروايات بالنسبة للكثير من هؤلاء أكثر بكثير من أن تكون نصوصاً أدبية للتسلية وحسب. وسأغامر بالقول إن علاقتهم بها، في هذه الحقبة الكارثية من تاريخ المنطقة، التي يعمّ فيها الخراب والتي تحولت فيها مدن بأكملها إلى مقابر وتم تدمير النسيج الاجتماعي وتشريد الملايين، علاقة أعمق وأكثر تعقيداً.
مع أن المقالة نشرت عام ١٩٩٠ وأن الكثير تغيّر وازدادت وتيرة الترجمة والنشر وساهمت دور النشر الصغيرة والجامعية، في الولايات المتّحدة، في إغناء المكتبة الإنگليزية بالترجمات، إلا أنّ الإشكالية ما زالت قائمة. كما أن اللغة العربية أصبحت، بعد كل الأحداث التي عصفت بالعالم مذّاك، أكثر جدلاً، بل أضحت، في حالات كثيرة، مذنبة وينظر إليها على أنّها مرتبطة عضوياً بالعنف وبثقافته. وهذا ينسحب، في كثير من الأحيان، وبدرجات مختلفة وبشكل غير مباشر، على تلقي الثقافة التي تكتب بها.
لا يُقرأ النص الأدبي المترجم عن العربيّة، في معظم الأحوال، كغيره من النصوص الأدبية، بل كبحث أنثروبولوجي أو حيّزاً يحفل بالغرائبي الذي يعاد إنتاجه وعرضه وتعليبه بشكل يسهل الاستهلاك لإرضاء غرائر ورغبات وترسيخ سلسلة تصوّرات تهيمن على المخيال الجمعي.
بالعودة إلى سؤال صديقي، ذكّرته أن الذات لن تكون نفسها عندما تستخدم وتكتب لغة أخرى. والأهم أن الشخصيّات التي تعاودني أطيافها وأشباحها، والتي أرغب في تقمّصها، تفكّر بالعربية وتتحدّث محكيتها البغدادية أو الموصليّة. طوابير الموتى والأحياء الذين يريدون ألا تموت حكاياتهم والذين أحاورهم بصمت يتحدّثون العربيّة دائماً. ومع أنّي قادر على الترجمة، إلا أنني لا أريد أن أترجم رواياتهم إلى الانگليزية. فـ «هناك أحزان لا تترجم» كما تقول شخصية نمير في روايتي الأخيرة «فهرس».
أعادني سؤاله إلى سؤال مهم آخر: هل ما يكتبه المرء من أدب موجّه للجميع؟ وللآخرين بلا تعيين أو تحديد؟ يدّعي معظم الكتاب ذلك كثيراً. نظرياً، نعم، لا يكتب المرء لقارئ أو قارئة ما، أو مجموعة معّينة، حين يكون في عرض النص وأمواجه المتلاطمة، وقد لا يفكّر إلا بالنص. وإن تمثّلت له أو لها صورة القارئ فإنه ذلك القارئ الذي لا اسم له ولا معالم واضحة، أو علامات فارقة أو هوية. ومن الطبيعي أن نحلم بأن تصل كتبنا إلى أكبر عدد ممكن من القرّاء وأن تترجم إلى كل اللغات.
لكنّ هناك علاقة جدليّة أيضاً وتفاعلية بين الكاتب والقارئ الحقيقي الذي يتفاعل مع النص ويعبّر عن رأيه فيه. وتؤثر ردود أفعال القرّاء على علاقة الكاتب بنصوصه. هناك تراتبية ما، بالنسبة لي على الأقل، وبدأت أعيها أو أتخيّلها بشكل أوضح في السنين الأخيرة. فالقرّاء طبقات، لا بالمعنى الاقتصادي، أو لعلهم قبائل وأمم. وهناك من بدأت أسمّيهم، شخصيّاً، قرّاء الصفوف الأولى. هؤلاء الذين أكتب لهم وعنهم، بوعي أو بدونه. هؤلاء هم الذين أخاطبهم بشكل رئيسي. وهم القراء في العراق وفي شتاته، وفي المنطقة، ولغتهم الأولى هي العربية. الروايات بالنسبة للكثير من هؤلاء أكثر بكثير من أن تكون نصوصاً أدبية للتسلية وحسب. وسأغامر بالقول إن علاقتهم بها، في هذه الحقبة الكارثية من تاريخ المنطقة، التي يعمّ فيها الخراب والتي تحولت فيها مدن بأكملها إلى مقابر وتم تدمير النسيج الاجتماعي وتشريد الملايين، علاقة أعمق وأكثر تعقيداً.
المخاطبون، القرّاء، يتقمّصون، معي، ذوات أخرى ويعيشون حيوات أخرى، ويقيمون مؤقتاً ويتجوّلون في مكان اسمه العراق، أصطحبهم إلى ماضيه ومدنه وعالمه السفلي.
يقودني هذا إلى ثنائية العالميّة والمحليّة، والأولى تُذكرُ بكثير من الإيجابية ويراد بها أن تكون مديحاً. لكنها قد تكون عكس ذلك. لكن لا مجال هنا للحديث عن إشكاليات «العالميّة» وطبيعة النصوص التي توضع في هذه الخانة. يكفي أن أقول إنني أفضّل أن أكون كاتباً محلياً!
سُئِل سرگون بولص في واحد من آخر الحوارات التي أجراها (مع مجلة «پارناسوس» الأمريكيّة عن علاقته بالوطن فقال:
«أمريكا بالنسبة لي هي مكان عيش وإقامة وليست وطناً، فأنت لا تستطيع أن تملك وطناً مرتين. وفي نفس الوقت ليس بمستطاعك أن تعود إلى وطنك ثانية. اللغة العربية، وهي الحبل السرّي الذي يربطني بشعبي وتاريخي، هي الوطن الحقيقي الوحيد الذي أملكه.»
قد أسافر من هذا الوطن، بالترجمة، أو بالكتابة وممارسات أخرى، (وأسجّل هنا أنّني، بالرغم من كل ما قلته، أحتفظ بحقّي بكتابة رواية بالانگليزية في المستقبل) لكنّني سأعود إليه وأظل فيه.
اللغة هي البيت.
[مداخلة ألقيت في ملتقى «كتابة (في) المنفى»، برلين، ١٠ تموز. الذي نظمته مؤسة آفاق، بالتعاون مع مؤسسة هينرش بول و EUME]
أعتقدُ أنِّي لاحظتُ من قبلُ أنَّ الحبَّ شديد الشبهِ بجلسةِ تعذيبٍ أو عمليةٍ جراحية. لكن هذه الفكرةُ قابلةٌ للتطوير بأكثر الأساليبِ مرارةً، فحتى إذا كان العشيقانِ متيمين ومفعمين بالرغبةِ المتبادلة؛ فإنَّ أحدهما سيكون دائماً أكثر هدوءاً وأقلَّ تفانياً من الآخر.
أحدهما سيكون الجراح أو الجلاد، أما الآخر فهو الموضوعُ أو الضحيَّة. هل تُنصتون إلى هذه الأنات، هذه الحشرجات، هذه الصرخات؟ من الذي لم يُطلق مثلها؟ من الذي لم يعمل جاهداً على ابتزازها؟ وهل ترونَ ابشعَ من هذا في الاستنطاقِ الذي يُمارسُه مُحترفوا تَعذيبٍ مَهرَةٍ؟ عُيونُ الْمُرَوْبِصِ تلكَ المقلوبة، وهذه الأطرافُ التي نتأت وتصلبت كما لو أن تحتها بطارية كهربائية، لا السكرُ ولا الهذيانُ ولا الأفيونُ في أشدِّ الحالاتِ عُنفاً، باستطاعتهِ مَنحَنَا نماذجَ أكثرَ بشاعة وغرابة. والوجهُ البشري الذي ظنه “أوفيدُ” مخلوقاً كي يعكسَ النجوم، ها هوَ لا يُعبِّرُ إلا عن ضراوةٍ مجنونة، بل ها هوَ يَرتخي فيما يُشبهُ الموت، إذ أنِّي سأرتكبُ ذنباً حقاً لو أطلقتُ كلمةَ نشوةٍ على ما أشبهُ بالتشنُّج. .. لُعبةٌ فظيعةٌ تلك التي لابدَّ لأحدِ لاعيبها من أن يَفقدَ عنان ذاته. طُرحَ أمامي ذاتَ مرةٍ سؤالٌ عمَّا يُمثلُ أكبرَ متعةٍ في الحب. فأجابَ أحدهم بعفوية: أن تأخذ. وأجابَ آخر: أن تهبَ نفسك. قالَ هذا: مُتعةُ كبرياء، وقالَ الآخر: لذةُ خضوع. كانَ كُلٌّ من هؤلاءِ البذيئينَ يتدثُ على طريقةِ ” مُحاكاة يسوع المسيح”. وأخيراً وُجدَ طُوباويٌّ وَقحٌ ليؤكدَ أنَّ أكبرَ مُتعةٍ في الحبِّ، هي: أنْ تُنتجَ مواطنينَ للوطن..!
كان شكه إذن في مكانه الصحيح، هذا اليوم مستعمل فعلاً، بدا صباحه مجعداً وعلى الظهيرة الآن تظهر بعض البقع الداكنة. لا بد أن أحداً استخدم اليوم قبله وأفسده، هذا اليوم ليس جديداً، هذا أمس أحدهم. لقد أخذ أجمل ما فيه وترك له هذه الأسمال. ترك الخرائط وأخذ الطريق، ترك الأبوين والإخوة وأخذ العائلة، ترك البيت وأخذ السكينة أو الوطن أو من يدري ماذا أخذ أيضاً. لعل هذه السنة مستعملة، بل قد تكون حياته المهترئة مستعملة أكثر من مرة.
-٢-
لفّ حوله السجاد حتى ما عدنا نرى منه إلا الرأس والقدمين، وارتمى على الأرض ثم صاح لا لكي نخلّصه بل لندفعه بأقدامنا فيتدحرج بعيداً مثل اسطوانة. رفضنا بالطبع فأخذ يتوسل إلينا ويستحلفنا بأغلى ما نملك حتى نركله في المنتصف تحديداً فلا ينحرف عن وجهته. اجتهدنا عبثاً لنقنعه، قال أحدنا: ولكن كيف ستعود؟ فأجاب بثقةٍ إنه لن يعدم أهل الخير هنا وهناك، لا بد أنهم سيركلونه حتى يعود إلى البيت.
دفعناهُ أول مرة فابتعد قليلاً، دفعناهُ مرةً أخرى فابتعد أكثر حتى غاب عنا وإن لم تغب ضحكته الهادرة. أشفقنا عليه في الأيام الأولى ولما انتبهنا إلى سعادته كلما ارتطم بحجرٍ وطار في الهواء، تملكنا الإعجاب والحسد، فلم يمضِ الأسبوع الأول حتى شرعنا في تقليده فتحسرنا على العمر الذي أهدرناه وقوفاً على أقدامنا.
صار الكل يلف نفسه بالسجاد حتى كدنا نعدم من يدفعنا بقدميه، عوائل بأكملها باتت تتدحرج مسرعة، آباء وأمهات يتقدمهم أجدادٌ وجدّات – إن وجدوا – وفي الخلف أبناؤهم وأحفادهم. قطيع من السجادات السعيدة يجوب البلدة. كنا ندور حول كل شيء وكل شيء كان يدور حولنا حتى وقعت حادثة الارتطام المشؤومة في إحدى التقاطعات، وخلفّت عشرات الجرحى، حالة بعضهم حرجة، فتوقفنا على الفور.
أما أنا فخسرت في تلك الحادثة ثلاثة من أسناني الأمامية، ارتطمت بفتاة أحلامي – قبلّت فمها بالأصح – وكسرتُ بعض أسنانها بطبيعة الحال. لم تغفر لي حتى الآن، حتى عندما أنحبنا طفلاً رائعاً كلما أفلت من المهاد أخذ يتدحرج في أرجاء الشقة فلا يمكننا الإمساك به.
-٣-
ما لم يتداعَ العالم الجديد ويغدو قديماً، سيظل عاطلاً عن العمل، ولن يكون الموسيقار الذي يجب أن يكونه، رغم أنه، حتى الآن، لم يؤلف مقطوعةً موسيقية، بل ولم يتقن العزف على أيّة آلة. كلما أوشك على ملامسة البيانو انعقدت أصابعه واشتبكت مثل أسلاك الهاتف، حتى يصبح الإبهام مكان السبابة، والخنصر مكان الوسطى، ولكنها بالطبع مسألة وقت، لا أقل ولا أكثر، فالموسيقى هنا، يشير إلى رأسه ثم يغمض عينيه ويبتسم.
– اسمع هذه المقطوعة ( ويشرع في ترديد بعض النغمات ) – أليس هذا فالس الدانوب الأزرق لشتراوس؟ – بلى، تقريباً. أنوي تسميتها ” الدانوب الأبيض ” أو حتى الأسود. حسناً، ما رأيك في هذه؟ ( يترنم بمقطوعةٍ أخرى ) – ولكن هذا بيتهوفن ” إلى ليزا “. – بالضبط، سبقني إليها كما سبقني إلى السيمفونية التاسعة أيضاً.
طالما لكل بلدٍ نشيد وطني -كما هو الحال الآن- لن يحظى بأي فرصة عمل، لأن موهبته الموسيقية تنحصر فقط في ذلك الشكل من الموسيقى، ولهذا يتوقف مصيره المهني على سقوط هذه الدول وقيام دولٍ جديدةٍ أو سيظلّ يشكو من البطالة.
-٤-
الذي يتلفت بين الفينة والأخرى، ويدفع قدميه كل مرة لتغدو خطوته أكبر، فلا هو يمشي مثل مطمئن ولا هو يخُب مثل هارب، ولا يتوقف أبداً. ويذوب مثل الملح ليعبر نقاط التفتيش، ويتحلل مثل الهواء فلا تراه كاميرات المراقبة، وفي اللحظة الأخيرة يخرج من المصعد ليصعد السلالم، ويحجز على الطائرة فيركب الباص، ويقفز من النافذة قبل أن يصل. ويتنقل مثل البرق فلا يقيم في مكانٍ واحد أكثر من مرة. وإذا عاد فلِكي يمحو أثره، وقد يضطر للعودةِ مرةً أخرى ليمحو أثره الآخر، يغير اسمه وشكله وذكرياته باستمرار. ويفرّ في الصباح من الأوراق الحكومية وفي المساء من ألسنة الناس وفي الليل من أحلامهم وكوابيسهم. الذي يفعل كل هذا وأكثر، فلا هو يفلت من مطاردة الآخرين، ولا هو يفلح في الإمساك بنفسه.
احتفظ بكراتك الملونة أيها السيد الروماتيزم أكل عظامي
أنا كلب في نهاية حياته
لم يعد يرغب باللحاق بأي شيء
أنت تفهمني
لم يعد لدي رغبة
مات شيء في داخلي
ولم أعد ذلك الجرو الذي يسعده
اللعب في فرائه
لم أعد جروًا سعيدًا
أنا في نهاية عمري
احتفظ بكراتك وأطباقك وأغصانك
لا ترمِ شيئًا
ضيّعتُ عظمتي الذهبية وأنا صغير
لم أنجح في التقاطها
وانتهى الأمر
احتفظ بعظمة العالم
واتركني
انا بالكاد أستطيع الآن
أن أهرش جسمي
بالكاد
أستطيع تحريك ذيلي.