المدونة

  • من الجسد يتبقى القليل (هايكو سويسري) – زابينا نائيف – ترجمة: بكاي كطباش

    من الجسد يتبقى القليل (هايكو سويسري) – زابينا نائيف – ترجمة: بكاي كطباش

    أحياناً

    أحيانًا تتساقط الكلمات من النافذة
    أو تمطر في الكتب
    وبعدئذ لا شيء يحدث لأيام طويلة
    ودائماً عند اليقظة هذا السؤال:
    ماذا تشبه رائحة النوم؟

    ***

    النهار الذي نسيت فيه أن أستيقظ

    تسعكت في شوارع دون أسماء
    ألقيت التحية على الغرباء، فقط لأشاهد
    الصبيان المختبئين ذوي الأسماء
    التي تسقطها الأمهات من الشرفات
    حاولتُ حمل الحراس على الضحك
    وفي المساء أحصيت الشعر المتروك
    على أرضية صالون حلاقة

    ***

    سوق الخردوات

    هل تمكنا فعلا من آن يتقابلا؟
    هذان اللّذان ماتا منذ زمن بعيد؟
    في بطاقة مصفرّة
    لمنظر طبيعي
    أقرأ موعدهما السّرّي

    ***

    من الجسد
    ‏يتبقّى القليل
    ‏من المظلّة
    ‏الهيكل المقوّس
    ‏ومن القطّار الَّذِي فاتنا
    ‏الرّيح

    ‏***

    ‏لأيام أردت أن أدور في هذه الزاوية
    ‏فقط لأراك تظهر فجأة
    ‏ثم تختفي من جديد

    ***

    غير جاهزين كالعادة

    نقف أمام متجر
    ‏Hier pour demain ” * فِي بَارِيس
    الوداع لا يتوقف أبداً
    عمَّال القمامة يمرون بالجوار
    هامسين، وحدهم يَعلمون
    أَي يَومِ كَانَ أمس

    * حرفيا : أمسِ لأجل غد

    ***

    ‏trois fois rien

    قصيدة عن لا شيء
    مصنوعة من كلمات مفقودة
    ممر مسدود مزهر

    ***

    في تواليت مقهى ما

    على المغسلة البيضاء
    عكاز أسود
    كما لو أن أحدهم
    قد تعلم المشي للتّو

    ***

    لا تزال هناك
    في الثلاجة
    شريحة ليمون
    هناك دائماً
    كلمة أجنبية
    وما من حقيبة
    تسعُ الوداع

    ****

    ‏Quizas,Quizas,Quizas

    جالسين بين اللغات
    لا نتوقف عن تبادل النظرات
    لاشيء يمكن أن يصيبنا
    كل شيء يمكن أن يصيبنا
    في الهواء ظلت معلقة
    اليد اليمنى لعازف البيانو

    ***
    حياة الثياب

    سترتي الجلدية الزرقاء
    المنسية
    في المترو الباريسي
    بينما أهبط الدرج المتحرك
    أراها
    تصعد
    في الجانب الآخر

    ***

    الأشياء وأسماؤها

    ميسترال
    إسم مجفف الشعر
    في حمام مسجد باريس

    بروميثيوس
    فرن مطبخ
    في بريون

    ڤامپير
    مدفأة وقود مزمجرة
    في زيوريخ

    ***


    حاشية

    أثاث مهمل على الرصيف
    مرآة نصف عمياء
    فناجين صغيرة
    ساعية البريد لم تقل كلمة واحدة
    في أصابعها نمت أشواك صبّار



    *نص: زابينا نائيف
    *ترجمة : بكاي كطباش

  • نص من رواية منتجع الساحرات – أمير تاج السر

    نص من رواية منتجع الساحرات – أمير تاج السر

    Three Female Figures
    Aleksandra Ekster

    نص من رواية منتجع الساحرات الصادرة عن دار الساقي ٢٠١٦، والتي كانت في القائمة الطويلة للبوكر العربية 2017.

    عبد القيوم دليل جمعة…
    في عهد الشقاوة الأولى، وقبل أن يصل العشرين، كان لقبه عبد القيوم النحيل، ولم يكن نحيلاً قطّ في يومٍ ما، لكنه لم يكن بديناً كذلك، كان لقبه أيضاً هايلا الإمبراطور، ولم يكن يعرف من هو هايلا، ولا أين كانت تقع إمبراطوريته، ولا ما هو وجه الشبه بين متشرد وإمبراطور. ولقبته واحدةٌ من صديقاته المستهلكات، في حيّ الصهاريج البعيد، بحلّة الطبخ، وكان لقباً ظالماً، وتعسفياً، لأنه لم يكن يشبه حلل الطبخ في أيّ شيء، حتى في الغليان. وأدت تلك الألقاب المتعددة غير المتجانسة، إلى ارتباكه وتردّده في الإجابة، إن صادف وناداه أحدٌ باسمه عارياً بلا لقب.
    كان عبد القيوم أحد مجرمي سن المراهقة، أحد الذين خاضوها بعنف فنانٍ مميز، وخرجوا إلى الصبا إما مطرودين أو مساجين، وبالطبع، ضائعين، وعاطلين عن العمل بجدارة.
    كان يعرف أن اللاجئة “أببا” تحب سمك “السيجان” الرخو، وحلوى “الحلقوم” ذات السمعة الطيبة لدى الأطفال، والجبن الدنماركي الذي يجلبه بحّارة السفن، مغلفاً بقصديرٍ أحمر جذاب، فكان يزودها بالسمك والحلوى، وجبن البحارة. تحب الغزل المخمور، المعتٌق، المستقى من قاع حانات الشعور، فكان يدلقه على أذنيها بتأنٍّ، في أيّ وقتٍ، وهو منشرح. سماها النجمة كثيراً، وسماها الشمس ذات يومٍ مشمس، والبدر الذي يُفتقد في الظلام، لكن مناداته لها بالزهرة البيضاء، كانت هي اللقب الذي اعتمده للسانه وحده، وحرم على ألسنة الآخرين استخدامه.
    – كم عاشقاً لأببا تسفاي، هنا أو هناك أو في أيّ مكانٍ حلّت به تلك الزهرة ذات يوم؟
    سأل أفكاره التي تتقاتل في الرأس المخمور السؤال نفسه الذي سأله للأفكار نفسها في مناسباتٍ أخرى عديدةٍ من قبل، وسأله العشرات من المتوافرين والعابرين بالمكان لأفكارهم الشخصية.
    كم عاشقاً للزهرة البيضاء؟
    كانت الإجابة شركاً حقيقياً، فمنذ أن بذرت بائعة الشاي الصبية، الهاربة من نار الحرب في إريتريا، رونقها في موقف باصات السفر، اختلّ توازن الأشياء بشكل مخيف. كبر الصبيان فجأة في أفكارهم ونبضات قلوبهم ليعشقوا، وصغر المسنون المتوافرون أو العابرون في أفكارهم ووجوههم ونبضات قلوبهم فجأةً أيضاً ليعشقوا، كشرت الرواكيب الخشبية الضيقة التي تمنح النكهة والاسترخاء، عن وجوهها، وزحف إلى صدور البائعات العتيقات: حواء وسعيدة وسيدة الجيل، غلٌّ متطرفٌ سلّحهن بالعداء الظاهر، ووظفهن عسكراً شرِهاً في حرب الرزق التي اشتعلت بينهن وبين اللاجئة الجميلة، لدرجة أنهن فكّرن في قتلها، واستحين بعد ذلك من تلك الفكرة…
    كانت أببا في الحقيقة نموذجاً آخر من النساء ومن بائعات الشاي خاصةً. امرأة بنكهة أخرى، وشاي آخر لم يعرف العابرون مثل مذاقه من قبل، بالرغم من أنه شاي الليبتون الأصفر نفسه، أو شاي سيلان الأحمر، المتوافر في البلاد بكثرة، وربما يكون حتى شاي الوردتين المدرّ للقيء عادة، أو الشاي الذي بلا اسمٍ تجاريّ معروف، ويسبب خفقان القلب، وتَعطل الدورة الدموية، والذي يسميه الناس شاي الحشرات، ويباع بالكيلو والرطل، في الأماكن الشعبية.
    كانت أببا شهيةً جداً بحسب انطباع عبد القيوم، وانطباع قنديل، شاعر الأغنيات المرهف المخضرم، الذي نجح في كتابتها قصائد عدة، كان يخبئها عن الآخرين، ويدلقها على سمعها فقط، وربما كثيرون غيرهما، لم يعرف أحدٌ انطباعهم بالتحديد.
    كان أشهى ما فيها وجهها الناعم الخالي من نمش العمر، وآثار حب الشباب عدو الوجوه النضرة السخيف، وأشهى ما في وجهها عيناها المشعتان بنور الأمل برغم تشردها ولجوئها إلى وطنٍ بديل، واحتمال أن تصبح ضحيةً في أيّ وقت.

  • شارل بودلير – إلى الّتي مرّت من هنا

    إلى الّتي مرّت من هنا..
    شارل بودلير (1821-1867)
    نقلها إلى العربيّة سعيد الجندوبي

    الشارع الصاخب كان حولي يصرخ.
    طويلة، رشيقة، عليها سَمْتُ الحداد، وجعٌ مهيب؛
    امرأة مرّت، بيَدٍ باذخة،
    رافعة، مُمَيّلة أطراف ثوبها وطيّاته.

    رشيقة ونبيلة، ساقها كساق تمثال.
    كنت أشرب بتشنّج المسرف،
    في عيْنِها سماء مكهبة، تحملُ إعصارا،
    لطف ساحر ولذّة تقتل.

    برْقٌ.. ثمّ هو اللّيل! – جمال هارب،
    بنظرة منه وُلِدْتُ فجأة من جديد،
    ألا من لقاء في غير الأزل؟

    هناك، بعيدا عن هذا المكان! فات الأوان! ربّما إلى الأبد!
    لأنّني أجهل أين تفرّين، وتجهلين أين أنا ذاهب.
    أنتِ، يا من أحببتُ، أنتِ يا من بحبّي لكِ قد علِمتِ.

    اللوحة [فتاة شابة في حديقة جيفرني لـ كلود مونيه]

  • سماح البوسيفي – إعترافات شعرية

    Woman holding umbrella
    Henri Matisse

    1
    النص الذي قد أكتبه عارية في ساعات الليل الاخير
    هو ذاك الذي يشبهني
    نتساقط معا ضريرين في فراش واحد
    كأن يجرب خدعته الأخيرة فوقي
    فيقطع يدي ويجر حلقي ولساني للكتابة …
    في ليلة أخرى قد أنام محاطة بكل أثوابي لأجعل نصي ذاك بسيقان طويلة
    ولأكتب عن الشعر والنثر قصصاً عرجاء ينفتح عليها الصباح نصوصاً هيفاء دعجاء …
    أما في ثلثه الأخير سأتعرى أمام أقلامي
    وسأسكب من حبر الصباحات والمساءات فوق جلدي الناعم
    وأكتب نصاً واحداً يجثو على ركبتيه
    إنه فقط نصى..

    2
    لا تمت قبلي أيها النص
    أُكتب في هامش من الورقة
    موعدا بعيدا لإقامة مأتم
    ولنتحدث مطولا
    عن البكاء خارج الشتاء
    ولنخرجه من الخزانات
    للدموع أيضا طعم الورق …
    لنقل “هذا نص”
    ولننشغل عنه
    باللغة ترتب شِعرهَا في شَعري
    موتا أبيض
    دون أن تتلفظ إسمي
    واسعا أو عريضا
    للكذب أيضا مواقفه
    النبيلة
    كأن ينشغل بالنص….

    3
    أكتبْ واصفا في النص :
    عقدة لسانه الطويلة
    ينشغل بالصمت في الكلام
    فنتحدث عن فوائد الفراغات
    والفواصل و النقاط و النهايات …..
    في النص مواقع كثيرة للسجود
    كأن يقول قارئ في سره :الله..
    فيبكي الحرف الاول عند الحرف الاخير
    فتأخذ الأصابع استراحة صلاة
    في الطريق :دم طفيف
    جرح في قلب ناقد
    أضاع مقاصده في شطر السطر الرابع
    فهجر المكان لتدريب أدوات الحلاقة :المشرط والسكين وأدوات الحياكة
    تاركا في النص القديم
    آثار بكاء طويل..

    4
    مستعيرا من الموت ربطة عنقه الانيقة
    ماشيا في النص
    رافعا قبعتي
    سأشعل سجائري كلها
    لأدخن الوقت
    يوما بيوم
    وأطفئ السنوات كلها في رأسي
    نصوصا
    عرجاء وهيفاء
    بلا تقفية
    سارقا من الموت فمه الهازئ
    لأضحك فوق جثماني
    من النهاية
    هذا فقط نصي…
    النص…

  • مارلين مونرو – سلام دواي

    مارلين مونرو – سلام دواي

    حين ينضب ذهني
    أطير في موجة من كسل
    وأكتب بطريقة غريبة
    تشبه تثاؤبا مستمرًا.
    لست شاعراً مجوداً
    ولم أحظ بجني من وادي عبقر
    لا اكتب شعرا جيداً
    ولا أسعى لذلك.
    غالبا ماتهرب مني الموسيقى
    وتغادرني الألوان
    وها أنا أبحث عنها
    عند نهر مختنق
    ودار سينما مهجورة
    أحب النسائم القادمة من سمرقند
    ملطخة برائحة الثعالب البرية
    دائرة على صخرة عملاقة
    انتحرت عليها نسور يائسة.
    لم أفكر يوما بالانتحار
    باب الدخول في حياتي
    هو باب الخروج أيضاً
    الأيام التي لا أعجبها تخرج بسهولة.
    أأومن بما أصادفه
    وعقائدي ليست معقدة
    في أيام سالفة
    كنت مبهوراً بتمثال السيدة الجميلة
    أقف لساعات تحت تنورتها المرحة
    أردد أناشيدًا من ديانات منقرضة
    ومعتقدات فالتة من ازميل نحات مجنون
    واصلي لساقيها الجميلتين كقديستين
    صاعدتين الى غيمة
    أو هابطتين منها
    حين أنهي دورتي حول نهري الحزين
    تواجهني السينما المهجورة
    من لوحة إعلاناتها الكبيرة
    تطل مارلين مونرو
    حالما تراني
    ترفع تنورتها وتبتسم.

  • قطعتا ثلج في كأس واسعة – سلام دواي

    قطعتا ثلج في كأس واسعة – سلام دواي

    سارت حياتي من دوني
    أيها الكلب
    لماذا تنبحني من خلف السياج

    خمرة قليلة في القاع
    قطعتا ثلج في كأس واسعة
    عاجزتان عن الطوفان
    يشف الويسكي ويفتح لونه
    يطل الفجر بخيوط حمراء
    تتدلى من شمس لا أراها
    ايتها الحرب أكل هذه الدماء
    تنزف في ذلك البلد

    ذاب الثلج وأصبحت الخمرة ماء
    ايتها الحرب لقد خسرتِ
    فلماذا لاتذوبين

    آه ايتها الحرب
    تلك بلاد لاتذوب
    انها تحترق فقط

    آه أيتها الخمرة
    ياصديقتي السيئة التي هربت في الماء
    نباح الكلب أسوأ من عضه.

  • ثمان حالات حب في لحظات هايكو- ترجمة: سلام دواي

    ثمان حالات حب في لحظات هايكو- ترجمة: سلام دواي

    1

    تموجات الشتاء
    ربما تكون الحب
    لا أستطيع التوقف عن هذا الشعور

    ” كيكيون انجاكي”

    2

    رائحة _
    تلك الليلة ، ذلك الوقت
    ذلك المكان

    “هانجو تاكيهارا”

    3

    ليالي الحب تلك
    حلم أم خدعة ؟
    فراشات الخريف

    “ماساجو سوزوكي”

    4

    مع وسادة منفردة
    أشعر أني أنام الليلة
    محدقًا في اليراعات

    “ابيكيرو ناكاتسيوكا”

    5

    بعد البكاء
    أنفاسي البيضاء
    ابيضت ………

    “تاكاكو هاشيموتو”

    6

    الابتعاد جدًا
    أفضل الوسائل
    للوضوح

    “ياتسيوكا اشيهارا”

    7

    مواجهة بعضهم البعض
    هذا الصباح
    مثل براعم تتمايل بجمال

    “ابيكيرو ناكاتسيوكا”

    8

    شوق لقبلة – رشفة
    حول عينيك
    ضباب الخريف

    “داكوتسو أدا”



    *: ترجمة: سلام دواي

  • في حياتي القادمة – سنان أنطوان

    في حياتي القادمة – سنان أنطوان

    في حياتي القادمة

    لن أكون “أنا”

    سأكون زهرة بريّة

    تستلقي على سفح تل بعيد

    تستريح عليها الفراشات

    وقد يقطفها طفل

    لا يعرف الحروب

    يأخذها إلى أمه

    يضعها بين نهديها

    تقبّله

    تشمّني

    وأشمّها

    . . .

    في حياتي القادمة

    لن أكون.

  • اللغة هي البيت – سنان أنطوان.

     

    لا بد من الاعتراف بأن الحديث عن موضوع كتابة الأدب خارج المكان الأصلي/الأوّل يبدو، الآن بالذات، ترفاً، لأن هناك بالتأكيد من غرقوا في اليومين الأخيرين وهم يحاولون عبور المتوسط إلى حياة أفضل وأقل موتاًّ. لكنهم ماتوا بصمت، بعيداً عن أعين الكاميرات وافترسهم ذلك الوحش الهائل والذي اسمه النسيان الجمعي. وهو وحش تزداد شراسته ونهمه مع أعراق وأقوام وطبقات دون غيرها.

    ليس ما سأقوله اليومَ وصفةَ، بأي شكل من الأشكال، بل هو وصفٌ لتجربتي الشخصية وهي محكومة، بالطبع، بسياقها وبالصدف، وبالحظ أيضاً، إضافة إلى القناعات.

    سألني صديقي، السينمائي العراقيّ المقيم في نيويورك، ذات مرة، ونحن نجلس في ساحة «واشنطن سكوير»: «لماذا لا تكتب رواياتك بالإنگليزية مباشرة؟» فأجبته بسؤال عكس استغرابي: «ولماذا لا أكتبها بالعربية؟»

    قال:«كم نسخة تبيع رواياتك، مهما كانت ناجحة؟ ١٠ آلاف؟» قد تضمن لك الكتابة بالإنكليزية مباشرة أضعاف هذا العدد وتفتح آفاقاً كثيرة أمامك. أستعيد سؤال صديقي، ونسخة أطول من إجابتي عليه يومها، كمنطلق لمداخلتي القصيرة اليوم لطرح أسئلة عن خيارات أو ضرورات الكتابة باللغة الأم، أو بغيرها، وعن تبعات ذلك ومعانيه.

    كانت إجابتي الأولى هي أنّني، وبكل بساطة، أحب اللغة العربية، بل أشعر أنني محظوظ لأنها لغتي الأمّ. واستعدت كلمات مظفّر النوّاب: «كم أنت تحبّ الخمرة واللغة العربية والدنيا». وليس هذا انتقاصاً من الإنگليزيّة، التي تربطني بها علاقة خاصّة، والتي أستخدمها بالطبع بشكل يومي قراءة وكتابة ومحادثة. لكن مهما تمكنت منها، فإن طبيعة علاقتي باللغة العربية تختلف. فمعها أجدني أمام محيط، أغرف منه وأغوص في أعماقه وأكتشف كنوزه كل يوم و«أرى ما أريد.» كما أنّني، بالقراءة والكتابة بالعربية، أنتمي إلى سلالة، ورثتها، واخترتها في ذات الوقت، لا يمكن أن أفرّط بها. وذكرت له منها، على سبيل المثال، اسمين، وكأنّني استنجد بروحهما وبمثالهما. سرگون بولص، الذي عاش في كركوك، وبغداد، ومن ثمّ بيروت، قبل أن يستقرّ في سان فرانسسكو والذي كان يزور برلين كثيراً ومات فيها. وظل يكتب بالعربية (وعن العراق، لأن السؤال الآخر الذي يُطرح، أحياناً، هو لماذا تكتب عن بغداد ولا تكتب عن نيويورك؟) حتى بعد أكثر من أربعة عقود قضّاها في الولايات المتحدة وكان قد أتقن الانكليزيّة. وأضفت إليه واحداً من كتّابي المفضّلين، العراقي سمير نقّاش، الذي هُجِّرَ من بغداد، مع غيره من آلاف اليهود العراقيين، عام ١٩٥٠، إلى فلسطين، عندما كان في الثانية عشرة. والذي كتب كل أعماله بالعربيّة ورفض أن يجرّب، أو حتّى يفكّر بالكتابة بالعبريّة، كما فعل سامي ميخائيل مثلاً، والتي كانت ستضمن له، بكل تأكيد، جمهوراً أوسع واعترافاً أكبر من المؤسسة الأدبية والثقافية ودعماً رسمياً وفرصا أكبر للترجمة إلى اللغات الأوربية. وأسباب رفضه تعود لموقفه من الصهيونية بالطبع وهوسّه بالعربية وبمحكيّات بغداد التي تطفح بها رواياته.

    قلت لصديقي، الذي كان حديث العهد بالإقامة في الولايات المتحدة، إنّه وبالرغم من إطّلاعه الجيد على ثقافتها السينمائية والأدبية، حتى قبل خروجه من العراق، فقد لا يعرف تضاريس سوق النشر الأدبي وخرائطه. وأنه ربما كان يقيس الأمور بمسطرة تعتمد على تجربته ومعرفته بسوق السينما. قد يكون النص السينمائي الأجنبي، نسبياً، أكثر مرونة وقدرة على المناورة وعلى عبور الحواجز. حدّثته عن الضرائب الرمزيّة التي يتم جبيها، والتي يتعيّن على الكاتب، في معظم الأحيان دفعها، من دمّ نصّه، حين يكون النص وكاتبته أو كاتبه قادماً من منطقتنا ومناطق أخرى من جنوب الكوكب. وما أعنيه هو الثيمات المفضّلة.

    ليس سرّاً أن أحداث الحادي عشر من أيلول وطريقة التعامل معها ومع تبعاتها وتداعياتها اعتمدت وأعادت ترسيخ الأرشيف الاستشراقي والمقاربة الثقافوية أو ما يسميه محمود ممداني ”كلام الثقافة.“ وما يعنيه هذا أن الاهتمام المتزايد بالثقافة العربية، وهذا يشمل الأدب، بالطبع، كان من صنف ما أسميه أنا “forensic interest” أي اهتمام وبحث الطب الشرعي الذي يسعى إلى اكتشاف تفاصيل الجريمة.

    وهذا يضاف إلى المقاربة المختلفة أصلاً التي كانت تعامل الأدب العربي الحديث بشكل لا يخلو من استشراقية وتهميش واختزال. وأنتم تعرفون مقالة إدوارد سعيد الشهيرة «الأدب المحظور» التي يتحدّث فيها عن رد فعل إحدى دور النشر الأمريكيّة على اقتراحه بنشر نجيب محفوظ، وذلك قبل فوزه بنوبل، وكان ردّها أن اللغة العربية «مثيرة للجدل».

    وهناك من بدأت أسمّيهم، شخصيّاً، قرّاء الصفوف الأولى. هؤلاء الذين أكتب لهم وعنهم، بوعي أو بدونه. هؤلاء هم الذين أخاطبهم بشكل رئيسي. وهم القراء في العراق وفي شتاته، وفي المنطقة، ولغتهم الأولى هي العربية. الروايات بالنسبة للكثير من هؤلاء أكثر بكثير من أن تكون نصوصاً أدبية للتسلية وحسب. وسأغامر بالقول إن علاقتهم بها، في هذه الحقبة الكارثية من تاريخ المنطقة، التي يعمّ فيها الخراب والتي تحولت فيها مدن بأكملها إلى مقابر وتم تدمير النسيج الاجتماعي وتشريد الملايين، علاقة أعمق وأكثر تعقيداً.
    مع أن المقالة نشرت عام ١٩٩٠ وأن الكثير تغيّر وازدادت وتيرة الترجمة والنشر وساهمت دور النشر الصغيرة والجامعية، في الولايات المتّحدة، في إغناء المكتبة الإنگليزية بالترجمات، إلا أنّ الإشكالية ما زالت قائمة. كما أن اللغة العربية أصبحت، بعد كل الأحداث التي عصفت بالعالم مذّاك، أكثر جدلاً، بل أضحت، في حالات كثيرة، مذنبة وينظر إليها على أنّها مرتبطة عضوياً بالعنف وبثقافته. وهذا ينسحب، في كثير من الأحيان، وبدرجات مختلفة وبشكل غير مباشر، على تلقي الثقافة التي تكتب بها.

    لا يُقرأ النص الأدبي المترجم عن العربيّة، في معظم الأحوال، كغيره من النصوص الأدبية، بل كبحث أنثروبولوجي أو حيّزاً يحفل بالغرائبي الذي يعاد إنتاجه وعرضه وتعليبه بشكل يسهل الاستهلاك لإرضاء غرائر ورغبات وترسيخ سلسلة تصوّرات تهيمن على المخيال الجمعي.

    بالعودة إلى سؤال صديقي، ذكّرته أن الذات لن تكون نفسها عندما تستخدم وتكتب لغة أخرى. والأهم أن الشخصيّات التي تعاودني أطيافها وأشباحها، والتي أرغب في تقمّصها، تفكّر بالعربية وتتحدّث محكيتها البغدادية أو الموصليّة. طوابير الموتى والأحياء الذين يريدون ألا تموت حكاياتهم والذين أحاورهم بصمت يتحدّثون العربيّة دائماً. ومع أنّي قادر على الترجمة، إلا أنني لا أريد أن أترجم رواياتهم إلى الانگليزية. فـ «هناك أحزان لا تترجم» كما تقول شخصية نمير في روايتي الأخيرة «فهرس».

    أعادني سؤاله إلى سؤال مهم آخر: هل ما يكتبه المرء من أدب موجّه للجميع؟ وللآخرين بلا تعيين أو تحديد؟ يدّعي معظم الكتاب ذلك كثيراً. نظرياً، نعم، لا يكتب المرء لقارئ أو قارئة ما، أو مجموعة معّينة، حين يكون في عرض النص وأمواجه المتلاطمة، وقد لا يفكّر إلا بالنص. وإن تمثّلت له أو لها صورة القارئ فإنه ذلك القارئ الذي لا اسم له ولا معالم واضحة، أو علامات فارقة أو هوية. ومن الطبيعي أن نحلم بأن تصل كتبنا إلى أكبر عدد ممكن من القرّاء وأن تترجم إلى كل اللغات.

    لكنّ هناك علاقة جدليّة أيضاً وتفاعلية بين الكاتب والقارئ الحقيقي الذي يتفاعل مع النص ويعبّر عن رأيه فيه. وتؤثر ردود أفعال القرّاء على علاقة الكاتب بنصوصه. هناك تراتبية ما، بالنسبة لي على الأقل، وبدأت أعيها أو أتخيّلها بشكل أوضح في السنين الأخيرة. فالقرّاء طبقات، لا بالمعنى الاقتصادي، أو لعلهم قبائل وأمم. وهناك من بدأت أسمّيهم، شخصيّاً، قرّاء الصفوف الأولى. هؤلاء الذين أكتب لهم وعنهم، بوعي أو بدونه. هؤلاء هم الذين أخاطبهم بشكل رئيسي. وهم القراء في العراق وفي شتاته، وفي المنطقة، ولغتهم الأولى هي العربية. الروايات بالنسبة للكثير من هؤلاء أكثر بكثير من أن تكون نصوصاً أدبية للتسلية وحسب. وسأغامر بالقول إن علاقتهم بها، في هذه الحقبة الكارثية من تاريخ المنطقة، التي يعمّ فيها الخراب والتي تحولت فيها مدن بأكملها إلى مقابر وتم تدمير النسيج الاجتماعي وتشريد الملايين، علاقة أعمق وأكثر تعقيداً.

    المخاطبون، القرّاء، يتقمّصون، معي، ذوات أخرى ويعيشون حيوات أخرى، ويقيمون مؤقتاً ويتجوّلون في مكان اسمه العراق، أصطحبهم إلى ماضيه ومدنه وعالمه السفلي.

    يقودني هذا إلى ثنائية العالميّة والمحليّة، والأولى تُذكرُ بكثير من الإيجابية ويراد بها أن تكون مديحاً. لكنها قد تكون عكس ذلك. لكن لا مجال هنا للحديث عن إشكاليات «العالميّة» وطبيعة النصوص التي توضع في هذه الخانة. يكفي أن أقول إنني أفضّل أن أكون كاتباً محلياً!

    سُئِل سرگون بولص في واحد من آخر الحوارات التي أجراها (مع مجلة «پارناسوس» الأمريكيّة عن علاقته بالوطن فقال:

    «أمريكا بالنسبة لي هي مكان عيش وإقامة وليست وطناً، فأنت لا تستطيع أن تملك وطناً مرتين. وفي نفس الوقت ليس بمستطاعك أن تعود إلى وطنك ثانية. اللغة العربية، وهي الحبل السرّي الذي يربطني بشعبي وتاريخي، هي الوطن الحقيقي الوحيد الذي أملكه.»

    قد أسافر من هذا الوطن، بالترجمة، أو بالكتابة وممارسات أخرى، (وأسجّل هنا أنّني، بالرغم من كل ما قلته، أحتفظ بحقّي بكتابة رواية بالانگليزية في المستقبل) لكنّني سأعود إليه وأظل فيه.

    اللغة هي البيت.

    [مداخلة ألقيت في ملتقى «كتابة (في) المنفى»، برلين، ١٠ تموز. الذي نظمته مؤسة آفاق، بالتعاون مع مؤسسة هينرش بول و EUME]

  • الحُبُّ أيضاً – بودلير – ترجمة: آدم فتحي

    الحُبُّ أيضاً – بودلير – ترجمة: آدم فتحي

    أعتقدُ أنِّي لاحظتُ من قبلُ أنَّ الحبَّ شديد الشبهِ بجلسةِ تعذيبٍ أو عمليةٍ جراحية. لكن هذه الفكرةُ قابلةٌ للتطوير بأكثر الأساليبِ مرارةً، فحتى إذا كان العشيقانِ متيمين ومفعمين بالرغبةِ المتبادلة؛ فإنَّ أحدهما سيكون دائماً أكثر هدوءاً وأقلَّ تفانياً من الآخر.

    أحدهما سيكون الجراح أو الجلاد، أما الآخر فهو الموضوعُ أو الضحيَّة. هل تُنصتون إلى هذه الأنات، هذه الحشرجات، هذه الصرخات؟ من الذي لم يُطلق مثلها؟ من الذي لم يعمل جاهداً على ابتزازها؟ وهل ترونَ ابشعَ من هذا في الاستنطاقِ الذي يُمارسُه مُحترفوا تَعذيبٍ مَهرَةٍ؟ عُيونُ الْمُرَوْبِصِ تلكَ المقلوبة، وهذه الأطرافُ التي نتأت وتصلبت كما لو أن تحتها بطارية كهربائية، لا السكرُ ولا الهذيانُ ولا الأفيونُ في أشدِّ الحالاتِ عُنفاً، باستطاعتهِ مَنحَنَا نماذجَ أكثرَ بشاعة وغرابة.
    والوجهُ البشري الذي ظنه “أوفيدُ” مخلوقاً كي يعكسَ النجوم، ها هوَ لا يُعبِّرُ إلا عن ضراوةٍ مجنونة، بل ها هوَ يَرتخي فيما يُشبهُ الموت، إذ أنِّي سأرتكبُ ذنباً حقاً لو أطلقتُ كلمةَ نشوةٍ على ما أشبهُ بالتشنُّج.
    ..
    لُعبةٌ فظيعةٌ تلك التي لابدَّ لأحدِ لاعيبها من أن يَفقدَ عنان ذاته.
    طُرحَ أمامي ذاتَ مرةٍ سؤالٌ عمَّا يُمثلُ أكبرَ متعةٍ في الحب. فأجابَ أحدهم بعفوية: أن تأخذ. وأجابَ آخر: أن تهبَ نفسك. قالَ هذا: مُتعةُ كبرياء، وقالَ الآخر: لذةُ خضوع.
    كانَ كُلٌّ من هؤلاءِ البذيئينَ يتدثُ على طريقةِ ” مُحاكاة يسوع المسيح”. وأخيراً وُجدَ طُوباويٌّ وَقحٌ ليؤكدَ أنَّ أكبرَ مُتعةٍ في الحبِّ، هي: أنْ تُنتجَ مواطنينَ للوطن..!

    (المزيد…)
  • الذين لا يرون ضوءَ الشمسِ بعد موتِهم – غي ماي – ترجمة: يارا المصري

    الذين لا يرون ضوءَ الشمسِ بعد موتِهم – غي ماي – ترجمة: يارا المصري

    الَّذين لا يرون ضوءَ الشمسِ بعد موتِهم… أناسٌ غيرُ محظوظين

    هم ملائكةٌ بأرديةٍ بيْض مقطوعةٌ رؤوسُها

    تسيرُ بكآبةٍ رائحةً غاديةً في الدربِ الضيِّقِ الذي يُفضي إلى الدير

    تُغنِّي بصوتٍ خفيضٍ… صوتٍ يصلُ إلى آذانِ الغربانِ الصغيرة

    الساكنةِ أسفلِ إفريزِ الباغودا

    والماعزُ الأسودُ الحالمُ بالروثِ في طريقِه

    يمكنه أن يلمحَ أشجارِ الحورِ الكثيفة. أمَّا أنا

    فأكون سوطاً شرساً

    يجلدُ تلك التخيلاتِ الملعونةَ بالموت

    هذا عَلَم… عتمةٌ تخفق

    بعد الموت، من بإمكانه أن يرى الشمسَ مجدداً؟ والحياة

    بديلٌ مهيب… انْتَظَرَ طويلاً

    عيناه معبأتان بصوفٍ بُنِّي

    باستطاعتِه أن يصيرَ نجوماً في سماءٍ ليلة

    بعد موتِنا لن نستطيع رؤيةَ الشراراتِ المنبعثةِ من حِمم اللافا

    بعد موتِنا لن يمكننا أن نحلمَ بهؤلاءِ الذين يحلمون بالشعر

    وكأنَّ الأمرَ أشبه بزجاجةٍ سحريةٍ ذاتِ مدخلٍ مُحبَّبٍ إلى النفس

    تدفعنا الهوامُ والبذورُ نصفَ المشقوقة

    إلى الحُلمِ بالشِّعر… أمَّا في كلماتٍ القصائدِ الكئيبة

    ثمةَ هناك الذين لا يرون ضوءَ الشمسِ بعدَ موتهم.

  • أيام مستعملة وقصص أخرى – عبد الله ناصر

    أيام مستعملة وقصص أخرى – عبد الله ناصر

    -١-

    كان شكه إذن في مكانه الصحيح، هذا اليوم مستعمل فعلاً، بدا صباحه مجعداً وعلى الظهيرة الآن تظهر بعض البقع الداكنة. لا بد أن أحداً استخدم اليوم قبله وأفسده، هذا اليوم ليس جديداً، هذا أمس أحدهم. لقد أخذ أجمل ما فيه وترك له هذه الأسمال. ترك الخرائط وأخذ الطريق، ترك الأبوين والإخوة وأخذ العائلة، ترك البيت وأخذ السكينة أو الوطن أو من يدري ماذا أخذ أيضاً. لعل هذه السنة مستعملة، بل قد تكون حياته المهترئة مستعملة أكثر من مرة.

    -٢-

    لفّ حوله السجاد حتى ما عدنا نرى منه إلا الرأس والقدمين، وارتمى على الأرض ثم صاح لا لكي نخلّصه بل لندفعه بأقدامنا فيتدحرج بعيداً مثل اسطوانة. رفضنا بالطبع فأخذ يتوسل إلينا ويستحلفنا بأغلى ما نملك حتى نركله في المنتصف تحديداً فلا ينحرف عن وجهته. اجتهدنا عبثاً لنقنعه، قال أحدنا: ولكن كيف ستعود؟ فأجاب بثقةٍ إنه لن يعدم أهل الخير هنا وهناك، لا بد أنهم سيركلونه حتى يعود إلى البيت.

    دفعناهُ أول مرة فابتعد قليلاً، دفعناهُ مرةً أخرى فابتعد أكثر حتى غاب عنا وإن لم تغب ضحكته الهادرة. أشفقنا عليه في الأيام الأولى ولما انتبهنا إلى سعادته كلما ارتطم بحجرٍ وطار في الهواء، تملكنا الإعجاب والحسد، فلم يمضِ الأسبوع الأول حتى شرعنا في تقليده فتحسرنا على العمر الذي أهدرناه وقوفاً على أقدامنا.

    صار الكل يلف نفسه بالسجاد حتى كدنا نعدم من يدفعنا بقدميه، عوائل بأكملها باتت تتدحرج مسرعة، آباء وأمهات يتقدمهم أجدادٌ وجدّات – إن وجدوا – وفي الخلف أبناؤهم وأحفادهم. قطيع من السجادات السعيدة يجوب البلدة. كنا ندور حول كل شيء وكل شيء كان يدور حولنا حتى وقعت حادثة الارتطام المشؤومة في إحدى التقاطعات، وخلفّت عشرات الجرحى، حالة بعضهم حرجة، فتوقفنا على الفور.

    أما أنا فخسرت في تلك الحادثة ثلاثة من أسناني الأمامية، ارتطمت بفتاة أحلامي – قبلّت فمها بالأصح – وكسرتُ بعض أسنانها بطبيعة الحال. لم تغفر لي حتى الآن، حتى عندما أنحبنا طفلاً رائعاً كلما أفلت من المهاد أخذ يتدحرج في أرجاء الشقة فلا يمكننا الإمساك به.

    -٣-

    ما لم يتداعَ العالم الجديد ويغدو قديماً، سيظل عاطلاً عن العمل، ولن يكون الموسيقار الذي يجب أن يكونه، رغم أنه، حتى الآن، لم يؤلف مقطوعةً موسيقية، بل ولم يتقن العزف على أيّة آلة. كلما أوشك على ملامسة البيانو انعقدت أصابعه واشتبكت مثل أسلاك الهاتف، حتى يصبح الإبهام مكان السبابة، والخنصر مكان الوسطى، ولكنها بالطبع مسألة وقت، لا أقل ولا أكثر، فالموسيقى هنا، يشير إلى رأسه ثم يغمض عينيه ويبتسم.

    – اسمع هذه المقطوعة ( ويشرع في ترديد بعض النغمات )
    – أليس هذا فالس الدانوب الأزرق لشتراوس؟
    – بلى، تقريباً. أنوي تسميتها ” الدانوب الأبيض ” أو حتى الأسود. حسناً، ما رأيك في هذه؟ ( يترنم بمقطوعةٍ أخرى )
    – ولكن هذا بيتهوفن ” إلى ليزا “.
    – بالضبط، سبقني إليها كما سبقني إلى السيمفونية التاسعة أيضاً.

    طالما لكل بلدٍ نشيد وطني -كما هو الحال الآن- لن يحظى بأي فرصة عمل، لأن موهبته الموسيقية تنحصر فقط في ذلك الشكل من الموسيقى، ولهذا يتوقف مصيره المهني على سقوط هذه الدول وقيام دولٍ جديدةٍ أو سيظلّ يشكو من البطالة.

    -٤-

    الذي يتلفت بين الفينة والأخرى، ويدفع قدميه كل مرة لتغدو خطوته أكبر، فلا هو يمشي مثل مطمئن ولا هو يخُب مثل هارب، ولا يتوقف أبداً. ويذوب مثل الملح ليعبر نقاط التفتيش، ويتحلل مثل الهواء فلا تراه كاميرات المراقبة، وفي اللحظة الأخيرة يخرج من المصعد ليصعد السلالم، ويحجز على الطائرة فيركب الباص، ويقفز من النافذة قبل أن يصل. ويتنقل مثل البرق فلا يقيم في مكانٍ واحد أكثر من مرة. وإذا عاد فلِكي يمحو أثره، وقد يضطر للعودةِ مرةً أخرى ليمحو أثره الآخر، يغير اسمه وشكله وذكرياته باستمرار. ويفرّ في الصباح من الأوراق الحكومية وفي المساء من ألسنة الناس وفي الليل من أحلامهم وكوابيسهم. الذي يفعل كل هذا وأكثر، فلا هو يفلت من مطاردة الآخرين، ولا هو يفلح في الإمساك بنفسه.

  • فروغ فرخزاد – غروب أبدي

    فروغ فرخزاد – غروب أبدي

    Flower of the swamp, a head human and sad
    Odilon Redon

    ـ نهار أم ليل؟‏

    ـ لا يا صديقي، أنه الغروب الأبدي.‏

    مع عبور طائرين كتابوتين أبيضين‏

    أصوات بعيدة من هذا السهل الغريب‏

    قلقة‏

    وتائهة مثل دوران الريح.‏

    يجب أن نقول شيئاً‏

    يجب أن نقول شيئاً‏

    قلبي يريد أن يقترن بالظلام‏

    يجب أن نتكلم.‏

    كم هو ثقيل هذا النسيان.‏

    تفاحة تسقط من الغصن،‏

    بذور الكتان الصفراء تتكسر‏

    تحت مناقير الكناري التي‏

    تحبني.‏

    زهرة الباقلاء‏

    أعصابها اللازوردية في سكر النسيم‏

    دعها تتحرر من القلق الأخرس المتغير.‏

    وهنا‏

    في،‏

    في رأسي…‏

    آه،‏

    لا شيء في رأسي سوى دورة الكريات الحمر‏

    الغليظة،‏

    ونظرتي، مثل حرف كاذب،‏

    تنحني خجلاً.‏

    ـ أنا أفكر بقمر.‏

    ـ وأنا بحرف في قصيدة.‏

    ـ أنا أفكر بينبوع‏

    ـ وأنا بوهم في الأرض‏

    ـ أنا أفكر برائحة الحنطة الوفيرة‏

    ـ وأنا بأسطورة الخبز.‏

    ـ أنا أفكر ببراءة اللعب،‏

    وبذلك الزقاق الطويل‏

    المليء بأشجار الأكاسيا.‏

    ـ وأنا بمرارة الاستيقاظ من اللعب‏

    وبالفجاءة في نهاية الزقاق‏

    وبالفراغ الطويل بعد انقضاء عطر الأكاسيا‏

    ـ بطولات؟؟‏

    ـ آه.. لقد هرمت الخيول.‏

    ـ حب؟؟‏

    ـ وحيداً، من خلال نافذة صغير‏

    يرنو إلى صحارى بلا مجنون)(*)‏

    وإلى ممرّ‏

    مع ذكرى مضببة‏

    من تبختر الساق النحيلة بالخلخال.‏

    ـ أمنيات؟؟‏

    ـ خسرت نفسها في مؤامرة آلاف‏

    الأبواب الظالمة.‏

    ـ موصدة؟؟‏

    ـ نعم…، بامتداد، مغلقة… مغلقة.‏

    سوف تتعب .‏

    أنا أفكر ببيت‏

    فيه أنفاس لبلاب مرتخية،‏

    مصابيحه مضاءة أبداً مثل ناي العين‏

    مع راعيها،‏

    وبمفكر كسول، بدون ضوضاء‏

    وبطفل مع ابتسامته اللانهائية‏

    مثل دائرة تتسع على الماء،‏

    وبجسد مترع بالدم كعنقود عنب.‏

    أنا أفكر بالهجرة.‏

    وبهجمة الريح السوداء‏

    وبالضياء المشكوك به الذي‏

    يتجسس في الليالي من النافذة،‏

    وبقبر صغير‏

    صغير مثل جسد الوليد.‏

    ـ العمل.. العمل؟؟‏

    ـ نعم،‏

    لكن على تلك الطاولة الكبيرة‏

    تسكن البغضاء الخفية التي‏

    تمضغك بهدوء.. بهدوء‏

    مثلك مثل الخشب والدفتر‏

    وآلاف الأشياء التافهة الأخرى،‏

    ثم أخيراً ستغرق في فنجان شاي‏

    كزورق في سورة الماء،‏

    وفي أعماق الأفق لن ترى شيئاً‏

    سوى دخان السيجارة الغليظ‏

    وخطوط مبهمة.‏

    ـ نجمة واحدة؟؟‏

    ـ بل المئات.. المئات، ولكن،‏

    كلهن مركونات في تلك الزاوية‏

    من الليل.‏

    ـ طائر واحد؟؟‏

    ـ بل المئات.. المئات، ولكن‏

    كلهن مع الغرور العابث.‏

    يخبطن بأجنحتهن.‏

    في الذكريات البعيدة‏

    ـ أنا أفكر بصراخ في زقاق‏

    ـ وأنا بفأر لا يؤذي‏

    يعبر من الحائط، أحياناً.‏

    يجب أن نقول شيئاً‏

    يجب أن نتكلم‏

    في ساعة السحر‏

    في لحظة ترتجف‏

    فضاؤها ـ مثل الإحساس بالبلوغ ـ‏

    يختلط، فجأة، مع شيء غامض.‏

    ـ أنا قلبي يريد أن أستسلم للطغيان.‏

    ـ أنا قلبي يريد أن أمطر من هذه الغيمة.‏

    ـ أنا قلبي يريدني أن أقول،‏

    لا،لا،لا،لا،‏

    ـ فلنذهب‏

    يجب أن نقول شيئاً‏

    ـ كأس، أم فراش، أم عزلة.‏

    أم حلم.‏

    ـ فلنذهب‏

    __________

    (*) مجنون : كذا وردت في النص، والمقصود هنا قيس، مجنون ليلى.

    *

    ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين

    مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)

    الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000

  • خالد صدقة – لم أعد جروًا سعيدًا

    خالد صدقة – لم أعد جروًا سعيدًا

    The Violonist
    Constantin Piliuta

    احتفظ بكراتك الملونة أيها السيد 
    الروماتيزم أكل عظامي 
    أنا كلب في نهاية حياته
    لم يعد يرغب باللحاق بأي شيء
    أنت تفهمني
    لم يعد لدي رغبة
    مات شيء في داخلي
    ولم أعد ذلك الجرو الذي يسعده
    اللعب في فرائه
    لم أعد جروًا سعيدًا
    أنا في نهاية عمري
    احتفظ بكراتك وأطباقك وأغصانك
    لا ترمِ شيئًا
    ضيّعتُ عظمتي الذهبية وأنا صغير
    لم أنجح في التقاطها
    وانتهى الأمر
    احتفظ بعظمة العالم
    واتركني
    انا بالكاد أستطيع الآن
    أن أهرش جسمي
    بالكاد
    أستطيع تحريك ذيلي.

  • بريد السماء الافتراضي – حوار مع جويس منصور

    Woman Floating
    Jennifer Bartlett

    ((بريد السماء الافتراضي))
    جزء من حوار مع الشاعرة المصرية جويس منصور
    ————————————————

    س/تحدثتِ عن مراكبَ تسبحُ في مياه تخرج من الصخر.وتحدثَ رامبو فيما مضى عن المركب السكران .ما الذي يُمَيّزُ مركبك عن مركب رامبو برأيك ؟
    ج/ثمة فرقٌ شاسعٌ ما بين المركبين بالطبع.رامبو كان يستعملُ الخمرَ وقوداً لمركبهِ.فيما كان مركبي لحمي يعملُ بطاقةِ الحبّ .

    س/ولكن الخمر والحب من فصيلة (أثنية) واحدة .إلا تعتقدين بذلك؟
    ج/أنا معكَ.ولكن الحبّ هو خريطةُ طريقِ الخمرِ ومشتقاته.هكذا كان علىّ أن أدخر ذلك الإيمان القوي بمثل فكرة من ذلك القبيل.

    س/إلا تعتقدين بأن الإيمان بفكرةٍ محددة يُفسدُ الحياة الشعرية،لأنه يمنعُ التنوعَ من أن يأخذَ مداهُ في مكونات الشاعر وتكوينهِ جسداً ولغةً ورؤى؟
    ج/كما أظن،فلا عهد للشيطان بنمط فلسفي واحد موحد،لأنه سيدُ التبدلات،ولا يريدُ لنفسه أن يكون أسير نظرةٍ ضيقة.أما أنا فقد حاولتُ أن أسدَّ الفراغات بسوريالية كانت تحتاجني.

    س/ومن أين أدركتْ جويس بأن السوريالة كانت تحتاجها؟!
    ج/عندما شعرت بأن في جسدي تموجاً ،قد بدأ يبلغُ مداهُ الناريّ ما بين اللحمي واللغوي.تأكدتُ من أن ذلك الطقس السريالي هو منْ يُسرّعُ عمليات الانبعاث الحيويّ للمخيّلة،ولكنه أيضاً ، لا يحول دون التمتع حتى بكتابة الآثام،تلك التي تنظر إليها الشعوب على أساس قوانين التابو أو الخجل والحرام.

    س/وهل للشعر أخلاقٌ مختلفةٌ عن بقية أخلاق المجتمعات مثلاً؟
    ج/عندما يفكرُ الشاعرُ بالأخلاق وتوابع الأخلاق،ينتهي كما الصرصار على الرصيف.
    س/ يكشفُ القارئ الحاذقُ بأن نصوصّ جويس تتضمنُ مثليةً جنسيةً .ما رأيكِ ؟

    ج/ كل الحركات الفنية والشعرية والأدبية من واقعية ودادائية وسريالية وتكعيبية وفطرية، إنما تمثلُ أجساماً قابلةً للتعدد الوظيفي في العمل الجنسي الشاذّ،وبالتالي فأن ما تطرحهُ من نصوص ،هي في حقيقتها ليس إلا نصوصاً مثليّة .
    فما من مؤلف أو شاعر –ذكراً أم أنثى- إلا ويملك رغبةً بتوريط أبطاله بمثليّة ما من المثليّات،سواء كانت جنسية أو سياسية أو أخلاقية أو اقتصادية أو فنية أو إيديولوجية.

    س/هل لأن التجربة الفنية، لا تبنى إلا على أساس إشكالي ؟

    ج/بالضبط.فما من مفكر أو روائي أو فنان، إلا ويبني نظريتهُ على أساس إشكالي .فكلّ نصّ فارغٍ منذ ذلك الحطب الإشكالي ،لا يتقدم على أرض الذهن البشري بوصة واحدة.ولا يقدح.

  • ممكنات – فيسوافا شيمبورسكا

    ممكنات – فيسوافا شيمبورسكا

    أُفضِّلُ الأفلام.

    أُفضِّلُ القطط.

    أُفضِّلُ أشجار السنديان على امتداد نهر الفارتا.

    أُفضِّلُ ديكنز على دوستويفسكي.

    أُفضِّلُ نفسي في حبها للناس

    على نفسي في حبها للجنس البشري.

    أُفضِّلُ أن أحمل معي إبرةً وخيطاً على سبيل الاحتياط.

    أُفضِّلُ اللون الأخضر .

    أُفضِّلُ أن لا أصِرّ

    على أن العقل لا يُلام على كل شيء.

    أُفضِّلُ الاستثناءات.

    أُفضِّلُ أن أمضي في وقت مبكر .

    أُفضِّلُ أن أتحدث مع الأطباء حول أمرٍ آخر.

    أُفضِّلُ الرسوم التوضيحية القديمة بخطوطها الدقيقة.

    أُفضِّلُ عبثية كتابة القصائد

    على عبثية الامتناع عن كتابة القصائد.

    أُفضِّلُ، فيما يخُصّ الحب، المناسباتِ غير المحددة

    التي يمكن الاحتفال بها كل يوم.

    أُفضِّلُ أصحاب المبادئ الأخلاقية

    الذي لا يَعِدونني بشيء.

    أُفضِّلُ اللطف الماكر على ذلك النوع من اللطف المبالغ فيه.

    أُفضِّلُ الأرض ,وهي ترتدي الملابس المدنية.

    أُفضِّلُ البلدان المقهورة على البلدان الغازية.

    أُفضِّلُ أن تكون لديّ بعض التحفظات.

    أُفضِّلُ جحيم الفوضى على جحيم النظام.

    أُفضِّلُ حكايات الجنيات من تأليف الاخوين غيم على الصفحات التي تتصدر الصحف.**

    أُفضِّلُ أوراق الزهور بلا زهور على الزهور بلا أوراق .

    أُفضِّلُ الكلاب التي لها ذيول غير مقصوصة.

    أُفضِّلُ العيون ذات الألوان الفاتحة لأن عينيّ داكنتان.

    أُفضِّلُ أدراج المكاتب.

    أُفضِّلُ أشياء كثيرة لم أذكرها هنا

    على أشياء كثيرة أهملت ذكرها هي الأخرى.

    أُفضِّلُ الأصفار التي تكون طليقة

    على تلك المصفوفة وراء صفر.

    أُفضِّلُ وقت الحشرات على وقت النجوم.

    أُفضِّلُ أن أطرق على الخشب.

    أُفضِّلُ أن لا أسأل كم ومتى.

    أُفضِّلُ أن آخذ في الحسبان حتى إمكانية

    أن لدى الوجود أسبابه الخاصة التي تبرر وجوده.

    ترجمة أ / نزار سرطاوي

  • محاورة كاهن ومحتضر: الماركيز دو ساد

    محاورة كاهن ومحتضر: الماركيز دو ساد

    تقديم: عبد القادر الجنابي
    ترجمة: سحبان أحمد مروة

    “إنّ أكثر الناس تسامحاً لن ينفي حقّ العدالة في قمع الذين يجرؤون على نشر الإلحاد، وأن ينفي حقها حتى في إعدامهم إن لم تتمكن بطريقة أخرى من تخليص المجتمع منهم. إذا كان بإمكان هذه العدالة أن تعاقب من يسيء إلى شخص واحد، فلديها دون شكّ الحق نفسه في معاقبة الذين يسيئون إلى مجتمع بأكمله برفضهم أن ثمّ إله… شخص من هذا النوع يمكن النظر إليه عدوّاً لمجمل الآخرين”


    يعطي هذا المقطع الذي كان ديدرو ودالمبير بين موقّعيه فكرةً عمّا كان عليه القرن الثامن عشر، بالرغم من ادعائه التنويري وأفكاره الليبرالية من تزمت في الآراء وتصلب في المعتقدات حتى لدى فلاسفته الأكثر إدعاءً برفض الدين.
    ماركيز دو ساد، نموذج الإباحية الشاملة والإلحاد الذي لا رجوع عنه، هو ابن هذا القرن؛ قرن التنوير المتواطئ.
    عتّم على أدبه لمدّة قرنين، كان عليه أن ينتظر ظهور السوريالية حتى يزاح عنه الستار فها هي أعماله تذهل أندريه بروتون وغيّوم ابولينير الذي عرّف دو ساد بأنه “أكثر العقول حريّةً على الإطلاق”. على أن الروح الحرّة هذه قضت معظم حياتها في السجن الذي دخلته لأول مرة عام 1763 لتمضي في ظلماته سبعاً وعشرين سنة من الحبس المتقطع، موزّعة على ثلاث أنظمة سياسية واحدى عشر سجناً، انتهت في مصحّ عقلي عند موت الماركيز عام 1814. عالم دو ساد، عالم السجن الذي فضل البقاء فيه على أن يتخلى عن أفكاره ورؤاه. إنه عالم مغلق وصفه بروتون بالحافز الآخر، عند ساد، لفائض الخيال، بعد الحافز الأول؛ العبقرية.
    “حوار بين كاهن ومحتضر” نص لم يكتبه دو ساد على شكل مسرح، لكنّه أقرب ما يكون من المسرح. وبالفعل فالكتابة المسرحية عند دو ساد تبرز في نحوها الأمثل عندما لا يكتب المسرح. أتمّ دو ساد هذا النص الفلسفي في تموز (يوليو) 1782 خلال سجنه في فينسين. ولم يظهر له أثر إلا بعد قرن من تاريخه حيث بيع مرات عديدة ووصل أخيراً إلى يد السوريالي موريس هاينه الذي نشره للمرة الأولى عام 1926. وهو يجسد تكثيفاً لفلسفة دو ساد بأسلوبه الشامل الموجه، ويوضح موقف “السادية” إزاء الإجرام والتخريب اللذين تعتبرهما مساهمين ضروريين لتحقيق “الطبيعة” بالاضافة إلى قوى الخلق ويوضح النص ارتباط هذه القيم “السادية” المباشر بالالحاد وبنوع هذا الأخير منها. ويتضح فيه الفرق في نقد الدين ما بين دو ساد ونقّاد عصره وذلك في نفيه الجذري لوجود الله ورفضه “لطيبة الطبيعة”: فها هو يسأل وكأنه ضمير الحياة الفعلية: «أنت يا مَن خلقت، فيما يُزعم، كلّ ما هو موجودٌ في هذا الكون؛ أنت يا مَن أجهلُ عنه كلَّ شيء؛ أنت يا مَن لا أعرفه إلاّ بالخبر وبما قاله لي عنك ناسٌ يخطئون كلّ يوم؛ أيّها الكائن العجيب الغريب الذي يسمّي الله، أُعلن بصريح العبارة وعلى رؤوس الأشهاد أنّ ليس لي فيك أدنى اعتقاد لسببٍ لا يضاهيه سببٌ هو أنّي لا أجد ما يقنعني بوجود مُحالٍ لا يبين عنه أيُّ شيء في الدنيا». وربّ سائل يسأل ما القيمة من شتم الله بعد تيقننا من عدم وجوده؟ «إن عبارات التجديف، يجيب دو ساد، ضرورة جوهرية تمدّ يد العون للمخيلة؛ هذه القوّة التي يُشك بها إلى أبعد الحدود الدعاة والاقتصاديون والاديولجيون وكلّ من يسعى إلى عرقلة النشاط الحرّ للفكر والمشاعر الجنسية. المخيلة هي التي تكشف لنا عن حدود الامكانيات وتغذي الرغبات بالأمل في اشباعها. إنّ سعادة الانسان كلّها تكمن في مخيلته ولا يمكنه تهنئة نفسه ما لم يلبّ سائر نزواتها. والتجديف هو الأداة الأولى»

  • السفاح والكتابة عند ساد: بياترس ديديه

    السفاح والكتابة عند ساد: بياترس ديديه

    ترجمة: حسين عجة

    لا شك أنّ جريمة السفاح، من بين كلّ جرائم العشق في أعمال ساد الروائية، تحتلّ مكانة مميزة. فالعقدة التراجيدية “لدورجفل” (Dorgeville) تكشف عن نفسها عبر الجملة الوحيدة التالية: «حسناً، يا “دورجفل”، لتقر أنّك تتعرّف على أختك المجرمة من خلال زوجتك السيئة الحظ هذه»! أمّا في رواية “فلورفيل” (Florville) و”كورفال” (Corval)، فيطال الموضوع ذروة تعقيده؛ كذلك نشعر ضمن أي فرح يسمح الروائي-الخالق (romancier -démiurge)، قبيل الخاتمة، بالكشف عن تعدّديّة العلاقات والجرائم المشدودة في عقدة واحدة: «لتعترف بي، يا “سنفال” (Senneval)، لتعترف في آن معاً بأختك، تلك التي أغوتك في مدينة “نانسي” (Nancy)، قاتلة ولدك، وزوجة والدك، والكائن الشنيع الذي قاد أمك إلى المشنقة». على العكس من ذلك، تمثل رواية “يوجيني دو فرانفل” (Eugenie de Franval) الحدّ القصي من البساطة؛ غير أنّ تلك الوحدة ليست فاعلة إلاّ من حول انفعال واحد (seule passion)، متطرّف، وتم إعداده منذ وقت بعيد لكي يكون ناضجاً: عشق الأب لابنته الفتية تماماً.
    في نفس المرحلة، يؤلف ساد “مائة وعشرون يومًا” (cent vingt journées) حيث يتخيل جماعة من الخُلعاء المتحدين عبر شبكة علاقات سفاحية (incestueux): «منذ أكثر من ستة أعوام كان هؤلاء الفساق الأربعة المُتطابقون بثرائهم وذوقهم، يتخيّلون تقوية علائقهم أكثر عن طريق التحالفات التي يحتلُّ فيها الفجور موقعاً أكبر من أيّ دافع آخر، أي الدوافع التي تُؤسس عليها عادة العلاقات». وفي رواية “فلسفة الصالون الصغير” (la philosophie dans le boudoir)، تنفجر “يوجيني”: «ها أنا إذاً سفاحة، خائنة لزوجها، وممحونة في آن معاً»!
    إلى جانب هذه الممارسة السفاحية بين الشخوص الأكثر دلالة في العالم الساديّ، تُضاف، كبطانة للفعل، نظرية (une théorie). في “يوجيني فرانفل”، يستدعي الأب التقاليد القديمة، ولأنّ محاوره هو بالدقة قسّ، لذا يشير إلى الأنجيل وقصة لوط (l’histoire de Loth). وفي “لتبذلوا، أيها الفرنسيون جهداً أكبر، إذا ما أردتم أن تكونوا جمهوريين” (Français encore un effort si vous voulez être républicains)، يشرعُ ساد بتبرير سياسة السفاح (politique de l’inceste): «هل أنّ السفاح خطير؟ كلاّ، لا، أبداً، إنه يوسع العلاقات العائلية وبالتالي يجعل حب المواطنين للوطن أكثر فاعلية». بعد ذلك، يُطرح ما لا حصر له من الأمثلة، التي يلجأ إليها ساد عبر مناقبية تاريخية وجغرافية، لكي ينتهي بالقول بأنّ السفاح نتيجة مباشرة للـ “التجمع النسويّ” الذي ينبغي تأسيسه في الجمهورية الحقيقية.

    يمكننا الإشارة إلى تقاليد فلسفية وأدبية معاً. لكن كلّ تلك الحجج، وهذه الأمثلة، كان ساد قد أخذها من العلم التاريخي (science historique) الذي ورثه عن “فلاسفة” عصر الأنوار، وكذلك من حكايات الرحالة، كـ شاردا (Chardin) أو بوغانفيل (Bougainville). كما كان السفاح موضة في العالم الرومانسي، ومن ثم امتدت تلك التقليعة حتى فجر القرن التاسع عشر، لكي تصل إلى سرد قصص العشق المحرمة عند رينيه (René).
    وبالرغم من ذلك، نشعر بإصرار وعنف ساد، ما أن يتناول هذا الموضوع، حيث لا يبقى “للمصادر” و”التأثيرات” من فاعلية تُذكر. نحن نجد أنفسنا أمام أحد الدوافع الجذرية للمخيلة (imagination)، للفلسفة وللرغبة السادية. لا شك أنّه من الصعب تماماً، والعبثي حتى، رؤية ما هي الحوادث البيوغرافية التي تمكنت من تحريك تلك الرغبة. كذلك نجهل إلى حد بعيد طفولة كتّاب تلك المرحلة، لكن ربما نجد أنفسنا، مع بيار كلوسفسكي (P. Klossowski) في كتابه “مع ساد”، أمام عقدة أوديبية (complexe oedipien)، غير مُحدّدة، بيد أنّ هناك عدداً كبيراً من العصابين، الذين يكبحون لديهم رغبة السفاح، التي يشرع منها قلق الإخصاء (angoisse de la castration)، وذلك لأنهم نادمون على رغبتهم بالتضحية بالأب لصالح تلك الأيقونة المُزيفة، الأم»(1). نحن نلاحظ، في الحقيقة، الدور الفقير تماماً للأم في أغلب حالات السفاح السادية. أمّا الحادث السفاحي الآخر لـ دي ساد، فهو متأخر وعديم الضرر نسبياً: يتعلق الأمر بخطفه لأخت زوجته “آن-بروسبير دو لوني” (Anne-prospère de Launay) الراهبة. غير أنّ هذه الشخصية المنقولة عن السفاح الأخويّ (inceste sororal) ما هي إلاّ شخصية ثانوية.
    لا تتمع، دون شك، كلّ أشكال السفاح بذات الأهمية. فعلاقة الأم-الأبن مُنحطة على الإطلاق، لكن علاقة الأب-البنت مُثيرة. كما تتضمن هذه العلاقة، كشيء ملازم، على التضحية بالأم. في “يوجيني دو فرانفال” تكون تلك التضحية، في البدء، مجرد تضحية سايكولوجية: تتألّم السيدة “فرانفل”؛ لكن بعد ذلك مباشرة، لا بدّ من الوصول إلى القتل، بالسم الذي يُكلّف الأب ابنته بتحضيره. أمّا سفاح الأم-البنت في “الفلسفة في الصالون الصغير”، فهو جوهرياً محض إغتصاب، واغتيال للأم، على النقيض من الرضا والسعادة الواضحتين تماماً ما بين الأب والبنت في “يوجيني دو فرانفال” [من الواضح أنّ الخاتمة التراجيدية لهذه الرواية مُسطحة ومجرد مُحاكاة: النبرة العامة لتلك الرواية تنشدُ سعادة العشاق]. لكن في رواية “الفلسفة” يقوم الأب بنفسه بإخضاع الأم للبنت. غير أنّ أشكال السفاح الأخرى ما بين الأخوة والأخوات، فلا تتمتع بذلك البهاء المُقتصر على علاقة الأب بابنته. وما علينا سوى العودة لرواية “فلورفيل” و”كورفيل”: لن نعثر فيهما على أي مشهد يمكن مقارنته بتألق “يوجيني” في رواية “يوجيني دو فرانفال”. وما السفاح الأخوي إلاّ شكل ضعيف، مجازي (métaphorique) للسفاح الجوهري. ولهذا لا تنادي يوجيني، قبل أن تقوم بالفعل، على والدها إلاّ بعبارة «يا صديقي، يا أخي».
    وهكذا يصبح الأب مالكاً مزدوجاً (doublement possesseur)، فإلى جانب حقوقه التقليدية حيال ابنته الصغرى، يُضاف حق العاشق. ليس هناك إذاً من حدود لإرادة القوة (volonté de puissance). بالإضافة لتلك القوة التي تنطوي عليها طبيعة العلاقة، يحلو لـ ساد منح أبطاله كل أشكال السلطة (formes du pouvoir). وفي مقدمتها الثراء. فسادة قصر “سيلنغ” (Silling) هم من السادة العظام؛ كما أنّ السيد “فرانفال” «يمتلك، إضافة إلى مبلغ 400000 ليرة من ريع الأرض، القوام الجميل، والسحنة الجسدية الأكثر لطفاً، والمواهب الأشد تنوعاً».
    تكمن المتعة الجوهرية للأب في عثوره على صورته الشخصية المُنعكسة عبر ابنته، لكنه إنعكاس مختلف إلى حد ما، ولا يمكن التحكم فيه. حينئذ، تصبح المتعة مضاعفة، متعة السيد والعبد المختلطتين في آن معاً في غبطة واحدة. فنحن نلاحظ، عند “فرانفال”، درجة القرابة التي تجمعُ ما بين السعادة النرجسية (bonheur narcissique) والاستمناء (onanisme)، لكنه استمناء يخلو من كلّ ظل للكآبة. كذلك ندرك إلى أية درجة يمكن فيها المقاربة ما بين الموقف السفاحي وموقف السجين (situation du prisonnier)، وبشكل خاص موقف هذا السجين، أي ساد الكاتب (Sade écrivain). بالقدر الذي يكون فيه ممنوعاً من أية علاقة بالعالم الخارجي، يرفض الزوج السفاحي (couple incestueux) أيضاً نقل تلك العلاقة إلى مكان آخر، أو نحو الخارج. لكن، في الوقت الذي يكون فيه الحبس (claustration) مؤلماً، يكتفي ساد بتخيل عزلة السفاح وكأنها ذروة السعادة. فيوجيني فرحة بفكرة أنها تمكنت من إبعاد إلى الأبد أية علاقة “بغريب” (un étranger): «أنا، تابعت القول بحرارة، أنا أرتبط بأجنبي لا يتمتع مثلك بأسباب مزدوجة (doubles raisons) لعشقي، وذلك يعني إخضاع عواطفي لمعياره الخاص، لاسيما تلك العواطف المتعلقة برغباته». إنّ المضاعفة في اثنين التي توحي بها مفردة “مزدوج” تتيح، في الحقيقة، بلوغ منفذ الرغبة اللانهائية (accès à l’infini du désir) والعاطفة اللتان ستصبحان، ضمن هذه العلاقة المميزة، مُتناغمتين بصورة إعجازية (miraculeusement) واستثنائية (exceptionnellement).
    كذلك يتمتع رفض يوجيني الزواج بشخص من خارج العائلة (exogamie) بخصوصيته. أنه يتموضع في صميم مصادر التحريم، وتابو السفاح، إذا ما سلمنا بما يقوله ليفي شتراوس (Lévi-Strauss) من أنّه ينبغي علينا البحث عن أصل التحريم ضمن نفس حركة التبادل العامة (mouvement général d’échange) التي يحصل منها المجتمع على حياته الخاصة: «إنّ الجماعة التي يُحرمَ في صميمها الزواح توحي فوراً بفكرة مجموعة أخرى… يكون الزواج في صميمها ممكناً، أو لا يمكن تفاديه؛ فالكبح الجنسي المُتعلق بالبنت أو الأخت يرغم على تزويج البنت أو الأخت برجل آخر، و، في ذات الوقت، يخلق حقاً على ابنة أو أخت ذلك الرجل الآخر. وهكذا تحصل كلّ الإفتراضات السلبية للتحريم على مقابلها الإيجابي»(2). لذا فإنّ رفض “يوجيني” هو بمثابة رفض للتواصل مع العالم الخارجي، الرغبة في البقاء مع قبيلتها (son clan). كما يمكن للبعض رؤية ذلك الرفض باعتباره شكلاً حاداً من المرض (paroxystique)، تطرفاً، متولداً عن عدم الرغبة في الإخفاق، وبالتالي الزواج مع أحد من أفراد طبقتها (sa classe) –تطويعه لكي يبقى عند حدود العائلة إذاً-. يكشف فنطازيا السفاح في نهاية القرن الثامن عشر إذاً، في آن معاً، عن الرغبة والخشية من الإنغلاق على الذات، أو ضمن طبقة بعينها –النبالة- التي شرعت بالوعي بأنها لم تعد الطبقة المُهيمنة.
    يرى البعض الآخر في السفاح السادي شكلاً من أشكال الأُحادية (manichéisme). أمّا الشرّ، فستتم مماثلته مع الخارج. السفاح إذاً، بالتقارب، وسيلة ناجزة لتبني نقاوة مطلقة (pureté absolue). بالإرتكاز على هذا التأويل، يمكننا الإستشهاد بتقاليد هرطيقية كان ساد يعرفها جيداً، كما صنع منها ستندال (Stendhal) صدى لروايته “سنسي” (Cenci): لقد جعل “فرانسوا” (François) «تلك البنت تدرك هرطقة مُفزعة، لا أستطيع إلاّ بالكاد ذكرها، أي إذا ما عاشر أبٌ ابنته، سيكون الأطفال الذين يلدون قديسين بالضرورة، وبالتالي يكون كلّ القديسين العظام الذين تمجدهم الكنيسة قد ولدوا بهذه الطريقة». حينئذ، سنتذكر كيف أنّ “يوجيني”، في رواية “فلسفة في الصالون الصغير” نفذت حكم الأعدام بأمها، وفقاً لأوامر الأب، كذلك فإنّ “يوجيني فرانفال”، التي عرفت سعادة السفاح مع والدها، تحمل نفس الاسم، الذي يوحي بالطيبة (la bonté)، بالجمال (la beauté)، ونقاوة العنصر (pureté de la race): من المهم أنّ لا يطال الفشل تلك القيم. لقد حافظت “يوجيني فرانفال” على نقاوة الدم الذي يرمز إليه اسمها.
    ولأنّ السفاح يُشترك مع صورة الحبس (claustration)، بذات القدر الذي يشترك فيه لأسباب إجتماعية، لذا سيفتح لعبة بكاملها تدور من حول السر (secret) والظهور (dévoilement). في رواية كرواية “فلورفل وكورفال”، تكون الخاصية المُغطاة للسفاح جلية: تكمن طريقة السرد إذاً في الكشف (révélation). وكذلك في رواية “دورجفل”، حيث يتحقق الظهور في النهاية، ويشكل الخاتمة ذاتها. كلّ واقعة جديدة لا يمكنها أبداً من فعل أي شيء آخر سوى الحصول على نتيجة سلبية، الانتحار (suicide) على سبيل المثال، فالخاتمة ببساطة ما هي، في نهاية المطاف، إلاّ ضوء يُلقي فجأة على ماض برمته، ويمكن لقوته تغطية سنوات عديدة، إلى جانب تعقيد متطرف من الحبكات (intrigues). غير أنّ الأمر لا ينطبق البتة على رواية “يوجيني دو فرانفال”، فهنا أيضاً له مكانة مميزة، مادام السفاح كان واضحاً من البداية، وهو مطروح باعتباره نظرية أولية (théorème initial). فالدور الذي تم توزيعه في الروايات الأخرى من أجل تكتيك كامل، يهدف إلى التغطية (à cacher)، سيتم، على العكس من ذلك، إبداله بمسار له خاصية معاكسة تماماً: تكتيك إخراج المشهد (mise en scène). كما سيُكبح التابو (tabou) بطريقة مزدوجة، ما دام أنه ليس في الظل، وموضوع بكامله تحت الأنوار، أي كمشهد مسرحي (scène d’un théâtre). فـ “فرانفال” كان قد رتبَ بدقة الحفل الذي ستمنح ابنته فيه نفسها له: سوف تجلس يوجيني على «عرش من الزهور» ومُزينة «كتلك العذارى اللواتي كان يضحى بهن في السابق في معبد فينوس (Vénus)». كذلك سوف تتنوع الديكورات: «هنا، في صالة مُزينة، تجلس يوجني فوق قاعدة تمثل فتاة وحشية مُتعبةً من الصيد وتتكئ على جذع نخلة، ترتفع أغصانها لتغطي أنواراً لا نهاية لها (infinité des lumières) موضوع بطريقة لا تُظلل فيها الإنعكاسات سوى سحر هذه البنت الجميلة، وتجعلها مُشتهاة بصورة فنية».
    ففي ذلك اليوم كان على يوجيني الظهور أما صديق فرانفال، “فالمونت” (Valmont)، الذي لم يكن له أي حق آخر سوى النظر إليها، وكمكافأة له على هذا الشذوذ، ستترك له فرصة إغراء الأم. أي أنّ النظرة، وحدها، بمثابة تعويضٍ عن الأشكال المُخففة لقتل الأم، التي تنبثق عنها، في هذه الرواية، عقوبة أعدامها النهائية. حيال لذة البصاص (voyeur) التي يشعر بها “فالمونت”، تزمع يوجني ردّ عملته هذه عليه، وذلك بإستدعائه لكي تتأكد «من عينيه وحسب من سقوط أمها». في رواية “يوجني دو فرانفال”، كما في رواية “سنسي” لـ ستندال، لم يعد السفاح شيئاً مُخجلاً، وكأنه مفروض من قبل حتمية ما (fatalité)، وإنما يُفتخر به، وواعي، برفقة التلصلص (voyeurisme)، وتعثر فيه الإيروسية (érotisme) على مكانتها، بل ويطالب بإلغاء كلّ مبدأ أخلاقي إجتماعي.
    ذلك لأن السفاح لدى ساد هو، في النهاية، شكل من أكثر أشكال النفي فاعلية (plus efficaces de la négation). أولاً، لأن التابو متجذر، عند هذه النقطة، حداً لم يدفع ساد على فقدان أي شيء من عنفه، قوته –وما علينا للتأكد من ذلك سوى الرجوع إلى المساجلة من حول “نفحة في القلب” (souffle au cœur). ومن ثم، لأن السفاح يَسمحُ، بحكم أصول التحريم ذاتها، بالتنكر، في آن معاً، للنظام الإجتماعي والنظام الديني. لذا كان على الإحتجاج الجوهري، الذي لا يقبل أي تنازل لـ ساد، بحكم ضرورة ما (sorte de nécessité)، الاحتفاظ بمكانة متميزة للسفاح.
    كسلاح معركة، يرد هيجان السفاح إذاً على الدوافع الجذرية (pulsions fondamentales) لدى ساد؛ أنه التعبير المطلق والناجز عن عالم الحبس، على ذلك الغلق، والسجن الذي سيصبح فوراً بالنسبة لـ ساد أكثر من عقبة أمام وجوده حتى (même de son existence): الشكل الجوهري لعالمه. فإذا كان الماركيز قد تعذب من عثوره ثانية، في زنزانة “الباستيل” (Bastille) أو “فنسان” (Vincennes)، على نفس الحبس الأول والرحميّ [المُتعلق برحم الأم. م.م]، لذا فهو ينتقم من ذلك السجن المزدوج، وذلك عبر خلقه لحبس مُظفر وسعيد، سجن يوجيني ووالدها. لكن علينا تجاوز هذه الخطة، لأننا نرى بأن الأمر لا يتعلق بالإنتقام من الحياة، بفضل العمل (grâce à l’œuvre). فالسفاح لا يحتل مكانة كهذه في العالم السادي إلاّ لأنه، بالضرورة، شكل من أشكال الكتابة (figure de l’écriture)، على الأقل بالطريقة التي يمارسها ساد. ضمن هذين المسارين، نعثر على نفس نقطة الانطلاق: إن إرادة كسر التابو تلك؛ –في القول، وخاصة في الكتابة، أي عندما يطلب من المرء عدم قول ذلك، وخاصة عدم كتابته، يعني بأنّ الكاتب يواجه منعاً، وهو يعرف جيداً، كما يعرف شخوصه عبر السفاح، أنه يضع على المحك كل المنظومة الاجتماعية، ومدونة الإشارات (code des signes) برمتها. حينئذ، سيعرف الكاتب حبس الفاسق. ذلك لأن ساد قد سُجنَ، لا سيما بعد وضع الميثاق (Concordat)، بسبب كتاباته وليس على أفعاله. لكن ثمة من خطر آخر يهدده: كان بمقدور منظومة الكتابة (système de l’écriture) ذاتها أنّ تكون سجناً له، على الأقل إذا ما عجز هو عن صياغتها بصورة كاملة. بيد أنّ ساد قد نجح، مثل “فرانفال”، على تحويل السجن داخل الكلمات، وسرية العمل، إلى كشف عظيم ومُتفجر لفضيحته هذه، لذلك التمزق الجوهري، لموت الأم هذا الذي يشكل واقعة الكتابة ذاتها.

    الهوامش:
    1) “قريبي ساد” Sade mon prochain، منشورات Seuil، 1967، ص 177-1778.
    2) “البنى البدائية للأبوة” Structures élémentaires de la parenté، منشورات P.U.F، 1949، ص 65.

  • دستويفسكي ضدّ الماركيز دو ساد: جون آتاريان

    دستويفسكي ضدّ الماركيز دو ساد: جون آتاريان

    ترجمة: أسماء القناص

    Fedor Dostoievski by Séverine Scaglia
    كان الماركيز دي ساد (1740-1814)، الفاجر، المُنحرف والإباحي، شخصيةً مِحورية في الفكر الغربي. قدّمت رواياته مثل: “جوستين” (1791)، “الفلسفة في المخْدَع” (1795)، “جولييت” (1797) ولأول مرّة الفلسفة العَدمية مُوضحةً كُل ما يترتب عليها من شُرور.
    لقد تدفقت فلسفة ساد من تضخّم الأنا، مما دفعهُ إلى التطّرف الشديد في مُحاربة الإيمان. إن عدم وجود الله يجعل من الكون مُجرد طبيعة مادية بحتة، آلية تشغيل ذاتي «الحركة الدائبة للمادة تُفسر كل شيء». إن البشر مُجرد آلاتٍ تتملصُ من المسؤولية الأخلاقية، وطالما لا توجد حياةٌ أخرى، فإن سلوككَ غيرُ مُهم، سواء كُنت مُنحرفاً، أو فاسِداً. تُؤكد الأعرافُ المحلية أن الأخلاق نِسبية، وتختلِف باختلاف الثقافة، والجغرافيا، وبالتالي مُبتدعة. الطبيعة وحدها هي دليلُنا الأخلاقي، ومُذْ تبنّت الطبيعة مَسألة خلِق حيوات جديدة من أشكالِ الحياة الميتة، أصبحتْ أهميةُ البشر لا تعلُو عنِ الحشرات، جميعُهم سواسية. استخدمَتْ الطبيعة الجرِيمة، التدمير، والموت ضرورةً ومُتعةً لها، لذلك يكونُ القتلُ أمراً طيّباً، والسفّاح هو أسمى صورة من صور البشرية.
    لقد وُلد الفردُ وحدهُ، وهو المُهم فقط، لا وجود إلا لدوافِعه الأنانية، وبدون أية التزامات لأحد. كُل فرد مُحرّض ضِد الآخرين «أُمتّع نفسي بغض النظر عنِ الحساب». الفردُ يميلُ بطبيعته إلى الهيمنة، وإلحاق الألم بالآخرين، وهذا ما يُمتعه، لذلك الناسُ العادية ليست إلاَّ كائنات نَفعية، لُعبةٌ بيد الأثرياء، الأقوياء، والإلهيون. أولئكَ الذين لا يمنحُون الحُب على الإطلاق. يكون الجمالُ، والبراءة، مُلهماً للقسوة، والتصرفاتِ الشيطانية. منذُ جعلت المادية المُتعة تتناسبُ طردياً مع الإثارة، بقدر ما كُنتَ قاسياً، بقدر ما تستمتع. لذلك فإنّ الأنانية، التطرّف، والقسوة هي المسارُ الصحيح.
    إذا لم يكُن هناك إله، جحيم، لا حق، ولا باطل، وبدون أية مسؤولية أخلاقية، فلا وجود لمعنى يتجاوزُ حدود المُتعة، ثم يكون الوُجود بأكملِه، بلا أية معنى أو قيمة. لا شيء مما تفعلهُ يبدو مُهماً، والآخرون يفقدون قيمتهم، ما تفعله معهم، ولهم لا يعني أية شيء. إن العدمية تُحرّرنا، وعندها يُصبحُ كل شيء مسموحاً.
    سوّغ ساد باستمرار الأنشِطة الجنسية الأكثر انحطاطاً، وتفسخاً، وقام بتبرير كُل جريمة تتضمن القتل، وأكلَ لُحوم البشر. لقد قاد الضجر، والنهم ساد لأبشع الجرائم التي بلغت ذروتها في المجازِر، حتى أن جرائمهُ الغارقة في الشر جعلتْ مِن التوبةِ، والاستقامة أمراً مُستحيلاً. وبسبب عجزِ الواقع عن إشباع رغباته اللامحدودة، الرغباتُ المتلهفة نحو الدمار الشامل، أصبح الإحباط، والسخط حليفاً له.
    بما أن دينامية الشر، ووجهات نظر ساد في القسوة، والقتل تُشير إلى أن العَدمية في نهاية المطاف شيطانية لا أكثر، ولا تحتوي إلا على تدنيس للمُقدسات، إدانات مسعُورة لله، والمسيحية، والمُمارسات الشيطانية بما فيها السوادُ الذي يَطغى روايات ساد، حيثُ المركز الوحيد هو التمرّد، والسعي للتفوق عن طريق الشر، والسيادة.
    أثّر ساد بشكل واضِحْ على الكُتّاب الرومانسيين، والمنحلين أمثال: تشارلز بودلير، جوستاف فلوبير، ألغرنون سوينبرن وراشيلد. لقد أخبرُهم ساد ما أرادوا سماعه، وسَعتْ فلسفتهُ لتحريرهم، وحثّهم على الانغماس، والتعبير عن هوسهم في القسوة، والانحراف، لذلك ساهَم ساد بشكل جلي في تفشّي هذا المرض في الفكر، والثقافة الغربيين.

    II
    كرّس أحدُ الكُتّاب نفسهُ لمعارضة الفلسفة السادية، التيار العَدمي في القرن التاسِع عشر وهو فيودور دستويفسكي. لقد عرَف دستويفسكي ساد جيداً، كما وضح الباحث روبرت لويس جاكسون، وذكرُه بشكل متكرر في مذكراته، و رواياته، كـ “مذلون مهانون”، “الشياطين”، و”الإخوة كارامازوف”. سبّب ساد الهَلع لـ دستويفسكي، بعيداً عن كونه “ساد الروسي” كما نعته إيفان تورجنيف، أو سادي، سادومازوشي كما ادعى ماريو براز، وسيغموند فرويد، و كان ذلك جلياً ابتداءً من مذاكرتِه إلى آخر أعماله، “الإخوة كارامازوف”. يقولُ دستويفسكي: «مع كُل ما تترتب عليه الشهوة الحيوانية، مروراً بالقسوة، والجريمة جميعها تتجلى في شخص الماركيز دي ساد». وَجد جاكسون تجسيداً واضحاً للفلسفة السادية، ومُبرّراً للفجور في شخص “سفيرديجالوف”، الفاجر، المثير للاشمئزاز، و الذي اعتدى على امرأة في رواية “الجريمة والعقاب”. يُخلص دستويفسكي إلى مَدى خطورة الأسئلة الأخلاقية، والنفسية التي يُثيرها ساد، لكنه رفض بشكل قطعي لاأخلاقية التوجه السادي الذي تسبب في تشويه، وتدمير النسيج الأخلاقي، والاجتماعي للفرد، والمُجتمع.
    في الحقيقة، لقد فعل دستويفسكي أكثر من ذلك، بينما احتضن الرومانسيون، والمنحلون ساد بصفته المثل الأعلى، والمُحرر لهم، واجههُ دستويفسكي، وتنكر له، وأكّد وجهة نظر العالم المسيحي الذي رفضُه ساد بشدة. الأدلة في “الجريمة والعقاب” (1866)، و”الإخوة كارامازوف” (1880) توّضح أن دستويفسكي قد قام بقراءة، وتأمل أعمال ساد عن كثب، التفت لحوادث مُعينة فيها، وتناول حججاً مُحددة. شاركَ دستويفسكي ساد البصيرة ذاتها في إنكار الله، والمنُاداة بالعدمية من أجل تحقيق أقصى مراحل التحرّر، والحصول على الرخصة في الجنس، الجريمة، التدمير، والقتل. في الوقت ذاته الذي بشر ساد بذلك، قام دستويفسكي بإدانته، وهنا يكمنُ الفرق بينهما. تتعاطى أعمالُ دستويفسكي نقداً عميقاً لـ ساد، بلغ ذروتهُ في روايته الأخيرة، “الإخوة كارامازوف”.
    في البداية، لم يكُن ساد إلا شَخصية هامشية في اعتبار دستويفسكي، و روايتُه “مُذكرات من البيت الميت” (1862)، تناولت الحياة في سجن سيبيريا، والعقاب البدني. أشار دستويفسكي إلى أن بعض الجلادين قد حملُوا داخلهم شيء ما يوحي بـ الماركيز دي ساد «هناك بشرٌ كالنمور، مُتعطشة دائماً للدماء». وصف أيضاً كيفَ أن الّدم، والسُلطة تُسكر الإنسان، ودينامية الفساد تُحول هذه العينات القاسِية إلى طُغاة لن يكونَ بمقدورهم العودة إلى وضعِهم الإنساني. يظهر وعي دستويفسكي في ساد بشكل ماكِر في روايته “مذلون مهانون” (1862)، جشعُ الأمير “فالكوفسكي”، فلسفتُه، التنصل من كل الالتزامات، و المُثل العُليا هي إحدى أشكال تضخّم الأنا. في هذه المَرحلة مِن مِهنة دستويفسكي، شكّلتْ الأنا السادية، والعدمية مُشكلة مَركزية لم يُكرّس أية مجهود لحلها.
    بَعد عامين، وفي رِواية “الإنسان الصرصار”، تناولَ دستويفسكي القسوَة، والاعتداد بالذات بشكل مُعقد جداً، واحتقرَ الحجج ذات الطابع المُتفائل التي تقُول بأن الناس يُسيئون التّصرف فقط لأنهم لا يعرفون مَصالحهم، وسوفَ يَتصرفون بشكل صحيح حِين يتم تبديد هذا الجهل. المُتفائلون يقومون بتأويل المصالح للسلام، الحُرية، الثروة، والإخاء الخ… مُخطئون كُلّ أولئك الذين يؤمنون بأن الحَضارة الحَديثة قادرة على جَعل الفرد أكثرَ سلاماً. في الواقع، لقد جعلتْ مُنه أكثر حَساسية إلى درجة التمتّع بإراقة الدماء. يظُن دستويفسكي أنه في عالم مِثالي من التقدميين في القرن التاسع عشر، وفي وقت ازدهار العُلوم التي تنفي إرادة الفرد الحُرة، وإمكانية حل جَميع المُشكلات. في عالم كهذا، رُبما يُمارس البشر القسوة بسبب الضجر، والملل. مُذ كانت أعظمُ رغبات الفرد هي التغاضي عن القيم، والتفوق على الآخرين، فإنه سَيرتكب أفعالاً غبية، ومُضرة لإثبات أنه لن يكون دُمية يتلاعبُ القدر بها. ويضيف دستويفسكي «إن أكبر فشل للبشرية هو افتقارها للحس الأخلاقي».
    لكن بطريقة أُخرى، يَرى دستويفسكي الآن الفرد كما يفعل ساد، يمتلكُ الإرادة الحُرّة لفعل أيّ شيء مما يَجعله عُرضة لارتكاب أعمال غير منطقية، كالسادية، والافتقار إلى الحِس الأخلاقي. وعلاوة على ذلك، غض البصر عن حاجة الفرد للنظام الأخلاقي، والإشباع الروحاني خطأ فادِح يُحرض على التجاوزات السادية. هنا يكون دستويفسكي هو البداية للتعامل مع مَأزق الحداثة، وساد.

    III
    أصبحتْ الحرُب الروحانية، ونظرة ساد للعالم الشاغل الرئيسي لـ دستويفسكي، وذلك يَظهر في “الجريمة والعقاب”، و”الإخوة كارامازوف”. إدراك دستويفسكي، وانتباهه لفسوق ساد تنامَى على قدم وساق، مما يوحي بأن رؤيته نضجُت، وأصبحت أكثرَ عُمقاً للتركيز على مأزق الفرد، والعمل على مصِيره في إطار الحداثة. حينها يتصادمُ الإله، والشيطان من خلال معركة ما بين المسيحية، والعدمية السادية. كان المركز في رواية “الجريمة والعقاب”، قتلُ الطالب “روديون راسكولينكوف” لامرأة عجوز، وشقيقتها، وتورطه مع “سونيا” فيما بعد ممّا يُؤدي إلى اعترافه، واقتياده إلى سِجن سيبيريا.
    مِثل ساد نفسه، وتضخّم الأنا السادية، يَقضي “راسكولينكوف” مُعظم وقته في التأمل داخل غرفته الحقيرة، مَعزولاً عن الآخرين، وبلا أصدقاء تقريباً، وحين يَكون في الشوارع يَكون غافلاً غيرَ مُدركاً لمُحيطه. يُلاحظ زَميل “راسكولينكوف” حسّه العالي بالتفوق على الآخرين، وأنه في بعض الأحيان لا يكون إلا تجسيداً للقسوة، والبرود، واللاإنسانية، إن أناهُ السّادية تتوق إلى التحرر الأخلاقي «إن الأخلاق مُجرد تحامل، لأن الفرد ليسَ ببهيمة» وليسَ هُناك ما يمنعك من فعل أي شيء تُريده، وهذا مَا يَنبغي أن تكُونه. يَتضح أن “راسكولينكوف” قد نَشر في وقت سابق مقالاً تناول فيه فلسفته الاجتماعية التي تتوافق مع رؤية ساد. قسّم في مقالِه المجتمع إلى فئتين، فئةُ “العاديين” الذين لا وجود لهم إلاّ من حيث أنهم مَواد إن صح التعبير، وليسَ لهُم من وظيفة إلا أن يَتناسلُوا، ويجب أن يُعانوا من سوء المُعاملة لأن واجبهم هو الانقياد، والطاعة فقط، وفئة عُليا هي فئة “الخارقين” الذين لا يقومون إلا بالتدمير الفعلي، وكسر القانون، والذين لكونهم خارقين لديهم الحق في ارتكاب أية جريمة، أولئك المتفوقين هم مُجرمون بحكم مَلكاتهم. سورجوس، وسولون، ومحمد، ونابليون، وغيرهم. يُمكن أن يُوصفوا بأنهم مُجرمون، لأنهم حِين أقاموا قانوناً إنما خَالفوا بذلك قانوناً قديماً كان يُعد مُقدساً» هذه الصُورة تتبع تقنية ساد في تبرير القسوة، والفَساد وذلك عن طريق إعطاء قوائم بجميع المُؤسسين، والمُشرعين الأشهر الذين خولت لهم الجَريمة. في الواقع، باستثناء نابليون، كُلّ هذه الأسماء التي ذكرها “راسكولينكوف” تَظهر عِند ساد في روايته “الفلسفة في المخدع”.
    أرادَ “راسكيلنكوف” أن يَكون خارقاً “تأليه الذات السادية”، كَان مُعجباً بـ نابليون «الحَاكم الحقيقي هو المسمُوح لهُ كُل شيء»، لقد أخبرَ “راسكولينكوف” “سونيا” لاحقاً أنهُ قتل المرأة العجوز لأنه أرادَ أن يُصبح نابليون.
    يُظهر “راسكولينكوف” توافقاً قوياً مع “رودان” جرّاح “جوستين”، اسمهُ الأول “روديون” يُشابهه، وكلا الرجُلين بررا جرائمهما لأسباب مُتماثلة تقريباً. تآمرَ “رودان” و زميلُه لقتل، وتشريح ابنته البالغة من العُمر خمسة عشر عاماً من أجل تجربة طبية، يقول “رودان”: «فكّر بها!! تُضحي بشخص واحد من أجل حِفظ آلاف الأرواح» رُبما يُمكن للمرء أن يَتردد إذا كان السّعر بخساً! أليسَ الغرض من عقوبة الإعدام، الذي عادة ما يكون حكيماً، هو التضحية بفرد من أجل حِفظ البقية؟». قبل القتل، سَمِع “راسكولينكوف” طالباً يُناقش قضية الطالب الذي قتل المرأة العجوز، وأخذَ مالها، مُبرراً أن فِعلته هذه تُعد خيراً عظيماً. هذه الأفكار كانت تَستحوذ على “راسكيلينكوف” نفسه، «حسناً، ألا تظن أن جَريمة صغيرة من الممكن أن تُكفر عن خطاياك؟ تَقضي على حياة واحدة من أجل حِفظ الآلاف من الفساد، والانحلال إنها بسيطة جداً، فَرد واحد مُقابل مئات الأرواح.».
    في لمسة سادية أُخرى، حطّ “راسكولينكوف” من آدمية المرأة العجوز، وأشارَ إليها مراراً وتكراراً بأنها مُجرد قملة. بالنسبةِ إليه، لم تكُن العجوز إلا مجرد مَادة مُثيرة للاشمئزاز. “راسكولينكوف” لم يستقِل تماماً عن الإنسانية، على العكس من ساد. إنّهُ نوع مُتقطع، كان مُحباً تارةً، وفاسداً تارة أُخرى. لقد حَاول حِماية شقيقته “دونيا” مِن “أركادي”، أحدُ مُلاك الأراضي الذي تحرش بها جنسياً، هُنا دستويفسكي يُشير إلى حجة ألكسندر سولجينتسين «حتّى داخلَ القلوُب التي طَغى عليها الشر، يَتبقى جسر صغير من الخير» هذا الجسر يترُك “راسكولينكوف” مُنفتحاً على الإحسان، والهداية من خلال مَحبة “سونيا”.
    تُجسد “سونيا” الفضيلة مثل ما تفعل “جُوستين” بطلة ساد، ابنة لأب سكّير، وأم مُصابة بالسل، احترفت البغاء من أجل إعالة أُسرتها، وكما “جوستين”، احتفظت بنقاء رُوحها على الرغم من تعرّضها الوحشي للانحراف، والشر، ولكن هُنا ينتهي التشابُه. يُجيب دوستويفسكي ساد من خلال “سونيا”، لم تكُن مَسيحية “سونيا” عاطفية أو ليبراليةً مُتسامحة بل كانتْ حازِمة، وصارمة.
    عندما طَغت النزعة السادية لدى “راسكولينكوف” قامَ بتجريد ضحّيته من الإنسانية، لكن “سونيا” لم تَفعل ذلك مما أحبَطه:

    «سونيا، لكنّي لم أقتُل إلا قملة، مُقرفة، ضارة، ولا فائدة لها» سألته باستنكار: «إنسان يكُون مُجرد قملة؟»
    «سونيا، أعلم.. أعلم أنها لم تكُن قملة، لكنني أفترِض أنني أتحدّث فقط عن كثير مِن العفن»

    “راسكولينكوف” أخبر “سونيا” أنّهُ يُريد أن يقتلَ دون ضمير، من أجلِ إشباع ذاته «مثلَ ساد، سَعى للتفوّق من خِلال العدوان، أرادَ أن يتعلمَ شيئاً عن نفسِه كما يقول، ما إذا كانَ مِن المُصطفين أو مُجرد حشرة كالبقية، ما إذا كانَ بإمكانه تخطّيهم أم لا، إنّه يُريد أن يَعرف هل لديهِ الحق لفعل ما يريد أم ليسَ لديه الحق!!» صَرخت “سونيا” برُعب: «الحق لتقتُل، لتقتُل؟» أجابها “راسكولينكوف” بانزعاج، ثم حوّر اللوم على الشيطان، كما يفعلُ ساد، لكن “سونيا” لم تسمح له بالتهرب من المسؤُولية الأخلاقية «وأنت قتلت، قتلت!» إصرارُها على ذلك حطّم دفاعات “راسكولينكوف” حتى انهارَ يائساً. توّسل “سونيا” لتتركهُ لوحده ثم سألها ما ينبغي القيام به.
    حضّت “سونيا” “راسكولينكوف” على الاعتراف بجرِيمته، والاستسلام للألم تكفيراً عن ذلك، وأصرّت بأن هذا هو أمُله الوحيد للخلاص. بحُبها المسيحي، و وداعتها، ولطافتها نَبذت شر “راسكولينكوف”، وبالرّغم من مخاطر غَضبه طالبته بالتوبة، والإعتراف. وبعدها اتضحت رحمتُها عن طريق الاستسلام للمُعاناة مَعه. من خلالِ “سونيا”، أنكرَ دستويفسكي على ساد اختزاله، وتجريده للإنسانية، وأكّد مِراراً على قيود الأخلاق المسيحية التي رَفضها ساد، الأخلاق التي كما يظن تحمِل في طياتها الكثير من الحُب، والفداء.
    مُواجهة أُخرى تحدُث بين الأنا السادية، والفضيلة، بين “دونيا”، و”أركادي” الذي جسّد فجُور ساد. لقد ضرَب زوجته بالسوط، وقامَ بقتلها كما تَعتقد السيدة “راسكولينكوف”. طارَدَ الخادمات، واعتدى بوحشية على فتاة بكماء، وصماء تبلُغ من العمر خمسة عشر عاماً أو أربعة عشر، ثم بعد ذلك شَنقت نفسها.
    خلال أحادِيثه مع “راسكولينكوف”، زعَم أن المرأة تتمتع بالإذلال، وقد افتخر بإغواء سيّدة فاضلة. يبلُغُ من العمر خمسين سنة، مَخطوب لفتاةٍ في السادسة عشر لكنه لا زال يُطارد “دوينا”. الشهوة السادية للتدنيس جُزء لا يتجزأ من نَشاط “أركادي” الجنسي، والوحشي. قارن وجه خَطيبته الشّابة بوجه “مادونا السيستينية” لـ رفاييل، وكانَ يَرى إنكارها لذاتها، وبراءتها أمراً مُغرياً. لقد أثارَ “أركادي” احتمالية وُقوعه في الحب، ورُبما كانَ هو الضحية الحقيقة “عبداً للرغبة” استشهد بميولَه الطبيعي لتفسير سلُوكه، وأضاف أنّه لا يَرى سبباً لكبح جماحه مع النساء، وأن رَذيلته دائمة، ومُستمرة، جُزء من الطبيعة لا يخضع لهَوى من الأهواء، وشيء يَجري مِنه مجرى الدم.
    «مرّة أُخرى هنا، تابع دستويفسكي ساد بشكلٍ وثيق، ولَجأ للطبيعة لتفسير أسوء السلوكيات الجنسيّة على أنها سادية، وعلاوة على ذلك، الكثير مِن حديث “أركادي”، وتبرئته لنفسه تتلخّص في خطاب الرّاهب “كليمنت” في رواية “جوستين” «أية رجل يحمِلُ داخله أذواقاً مُنحرفة هو مَريض، ويستحق التعاطُف.» حينما حاولَ “أركادي” التقرب منِ “دونيا” للمرة الأخيرة، صدّته بسُرعة مما أشعلَ ثائراً داخِله، وهنا إجابة لـ ساد. إن الأهداف المُفضلة لدى الفَاجر هن العفيفات من النساء اللواتي لهن كل الحق في مُقاومة الشّر.
    من خلال “أركادي”، يُحذر دستويفسكي مِن الأنا السادية، وأنها لن تُقدم لمعتنقيها سِوى الموت. رَغِب “أركادي” بشدة بحُب “دونيا”، ولكن بسبب شرّه، وأنانيته صدّته، وازدرت توسلاته الأخيرة. ابتعلته العُزلة بعدَ إحباطه في مسعاه، وانتحر بكُل يأس.

    IV
    كانت آخِر أعمال دستويفسكي “الإخوة كارامازوف” غَارقة في الوعي التام بـ ساد، وتُعتبر الرواية أكبر جُهد قدّمه دستويفسكي لمواجهة فساد ساد الشيطاني. لا يخفى على القارئ أن قتل “فيودور كارامازوف” مِن قبل ابنه غير الشرعي، وإلقاء اللوم على ابنه “ديمتري” كان المركز في الرواية، وكان هذا من قبل التحرر، مُحاربة الإيمان، والعدمية في صَميم فلسفة ساد. هُنا دستويفسكي يُفصّل الجوانب المُختلفة للروح السادية، و رُؤية العالم من خلالها.
    يُعطي البطل “ايڤان كارامازوف” تجسيداً تاماً لفكر ساد في نظر دستويفسكي، “ايڤان” كما تم اقتباسه مِن قبل “بيتر ميزوف”، يعرِض فلسفة ساد في وقت مُبكر من الرواية “شخصنة الفلسفة السادية”:

    «لم يُوجد قانون في الطبيعة يُجبر الفرد على أن يُحب العرِق البَشري، أية حُب على وجه الأرض، لم يكن ذلك بسبب قوانين الطبيعة، لكن ببساطة لأن المرء يُؤمن بالخلُود، القانون الطبيعي بأكمله يكمُن في الإيمان، لو كُنتَ ستُحطم إيمان البشرية بالخلود، سيَجّف الحُب، والقوة للحفاظ على الحياة، وعلاوة على ذلك، لا شيء بعد هذا سيكُون غيرَ أخلاقي، حتى أكل لُحوم البشر سيكون قانونياً لكل شَخص لا يؤمن بالله أو الخلُود. يَنبغي أن يتم تَغيير القانون الأخلاقي للطبيعة حالاً إلى نَقِيض القانون الدّيني السابق.
    تضخّم الأنا، حتى الجَريمة، لن تكون قانونية فقط، ولكن يَنبغي أن يُعترف بها على أنها حتمية، وعقلانية لأية نَتائج مُشرفة.»

    يكُون الثيم المركزي للرواية، والذي يَظهر بشكل مُتكرر هو صِيغة ساد من أجل التّحرير «إذا لم يكُن هناك إله، إذن كُل شيء يُصبح مَشروعاً». لا وجود للإله، وبالتالي لا وجود للخلُود، هُنا أعلن “إيڤان” “العدمية المُطلقة” كما فعل “راسكولينكوف”. يُجيد “إيفان” العُزلة السادية، الكبرياء الفِكري، والانفصال التام عن الآخرين. في وقت مبكر من الرواية، يُخبر “إيڤان” أخاه “إليوشا” «لن يَأخُذ الكثير من ديمتري ليقتُل والده» صرخ “إليوشا” برعب وأردف: «معاذ الله» ابتسم “إيڤان” لهُ، وسأله: «لماذا يجب أن ينهى الله عنهُ؟ ستلتَهمُ دابة أُخرى، وذلك سيخدِمُ كليهما»

    تُوضح مُناشدات “إيڤان” السادية حَتمية الطبيعة، واعتقاده التام بأن أنا الفرد الطبيعية تتمنى الشّر للآخرين، ورَفض رفضاً قطعياً وضعهُ لحدود أخلاقية على رغباتِه، وخياله. تتجلى عدميتُه في احتقار الحياة البشرية الذي يتّضح عندما يقول لـ “إليوشا”: «يُقرر الفرد من الذي يستحق أن يَعيش على أسس طبيعية، وكُل فرد له الحق في تمنّي موت أية فرد آخر» لماذا تكذب على نفسِك؟ طالما أن جميع البشر متشابهين؟». دستويفسكي مُرددا مَقتهُ الشديد لفُسق ساد، يفتتح بـ “إيڤان” فصل “المُحقق الكبير” بالاعتراف إلى أخِيه “أليوشا” أنّه لم يفهم مُطلقاً كيف بإمكان المرء أن يُحب جيرانه، و بعدها.. حَادثُه بوحشيّة المرء الطبيعية مُقارباً عن كثب ساد.
    مُناقشة “إيڤان” عن جَلد الأطفال، وديناميكية المُتعة السادية هي مُستوحاة بشكل واضح من قِبل العديد من كَوالِيس جلد الأطفال في رواية “جوستين وجولييت” لـ ساد «هُناك أناس مع كل ضربة يصِلون إلى الشّهوانية، شّهوانية حَرفية، مما يَزيدُ من مُعاناتهم تَدريجياً مع كُلّ ضربة» نُقص دفاعات الأطفال هي التي تُغري الجلّاد، مُجرد الثقة الملائكية للطفل الذي لا يُوجد لديه ملاذ أو مناشدات تجعلُ من دم الجلّاد الخسِيس يثُور.
    يَرى “إيڤان”، مثل ساد تَأصّل الوَحشية، والسادية في الطبيعة البشرية «في كُل مرء هُناك شيطان كامِن، شيطانُ الغضب، شيطانُ الشهوانية جراء صرخات الضّحية المُعذبة، شيطان الانفلات للخرُوج عن المألُوف» حتى الآن، لم يكُن “إيڤان” سادياً بأسره، عدمُ مقدِرته على فِهم الحُب تنبعُ من الاشمئزاز من الوحشية، السادية، مُعاناة الأبرياء، ورَفض بشدّة تَبرير استخدام السّادية، والوَحشيّة كوسيلةٍ لتحقيق الصّالِح العام.
    كَما كان “أركادي” مُكملا لـ “راسكولينكوف”، كَان طالِب اللاهوت “راكيتين”، الجَشع، الكلبّي، المُهتم بمصالحه فقط، مُكملا لـ “إيڤان”. يَرى “راكيتين” أن المرء لا يُحب إلا لدواعٍ أنانية «وُجد الحَمقى من أجل انتفاع الرجُل الحَكيم». أرادَ “راكتيين” أن يكتُب مقالاً يُثبت فيه أن “ديمتري” لم يُساعد في مقتل “فيودور” لأن بيئته أفسَدته. حين زارَ “ديمتري” في مُعتقله، قَام بشرح المَادية السادية، والجبريّة لِفضح المسيحيّة، قائلاً لـ “ديمتري”: «إن المرء يَرى، ويُفكر بسبب الألياف العصَبية في الدماغ، وليس «لأن لدي رُوحاً، وأنا نوعاً ما صورتُها، ومثالُها» سأله “ديمتري”: «إلى ما سَيؤُول الفرد بدون الله والخلُود؟ كُل الأشياء تحِل بعد ذلك! يُمكن للفرد أن يفعل ما يحلُو له!» استجاب “راكتيين” بإجابة تُغلّف ساد: «الرجُل الذكي يفعلُ ما يشاء.»
    الخَلاعة المُضطربة لدى “فيودور”، و”ديمتري كارامازوف” تُعطي بورتريه عن الجنسانية الساديّة. “فيودور” السّكران، الفاسِق، و دُون أية خجل من شرّه، ينجذِب لجمال شاّبة، وبراءتها، لكنّه ينجذِب إليها فقط على أنها دعوة إلى الوَحشية. جَعلها زوجتهُ الثانية، وأخضعَها للقسوة، والتدهور. تُثير تقواها العميقة التدنيس لأيقُونة السيّدة العذراء «أنت تُؤمن أنها مُعجزة، و لكن هُنا.. سأبصِق عليها، ولن يحدُث لي شيء!».
    يُشير “فيودور” إلى الشبّان الذين يقومُون بجلد فتياتٍ حُكم عليهن بذلك، الفتيات أنفسهن، بعد إساءتهن للأب المُقدس زوسيما، أصبحن يُشكلن مَجموعة من دي ساد. يُخبر “فيودور” ابنه “إليوشا”: «إذا كان هُناك إله سيضطرُ للإجابة عن ذلك، ولكن إذا لم يكُن هُناك، فلا يحق للآباء أية شيء». مثل ساد، أراد أن تُقمع المسيحية من أجل أن تسُود الحقيقة.
    اعترف “ديمتري” بحُبه للرذيلة، و لقسوة على “إليوشا”، وتخلى عن خطيبته “كاترينا” بسبب هوسه الجنسي في “غروشينكا”، بعد أن اشتهاها والدُه أيضاً. شارَك في حفلات السُّكر، وهاجم والِده، وفي ليلة مَقتل “فيودور”، اعتدَى على “غريغوري” خادم “فيودور” العجوز، وسحقه.
    من أجلِ أهوائِه، وحماقاتِه كان “ديمتري” في حالة تأَهب لتسويغ كل ما يُريد أن يَفعله، ارتبط برؤية “إيڤان” التي التي تقول «إذا لم يكن هُناك إله، إذن كُل شيء يُصبح مشرُوعاً» كان مُنفتحاً على مادية “راكتيين”، وأعرب عن نسبيّة الأخلاق الساديّة «يكُون الخير شيء واحد معي، وشيء آخر، ومُختلف مع رجل صيني، لذلك فهو نِسبي».
    كان “سمردياكوف” مُذ صِباه يُمثل الإجرام في الأنا السادية، صامتاً، مُتجهم الوجه، مُنكفئاً على نفسه. حينما كان في الثانية عشرة من عُمره حاول “غريغوري” تعليمَه الكتاب المُقدس، لكن “سمردياكوف” سخِر من رواية الخلق. لقد كان مُلحداً، وسادياً. حينما كان صغيراً لطالما استمتَع بشنق القِطط، وقبل مقتل “فيودور كارامازوف”، أَمر الفتى “إلوشا” بوضع دبّوس في قطعة خُبز، ورميها لكلب جَائع الذي أكلها، وهرب يَئنّ من الألم. خلال زيارة “إيڤان” بعد الجريمة، يقوُل “سمردياكوف” لـ “ايڤان”: «أنت الذي قتلته.. أنت القاتل! لقد كُنتُ فقط أداتك، خادِمُك المُخلص الذي يفعلُ ما تقولُه.»
    كان سرِقة المال دافعُه لبدء حياة جديدة، لكن الفكرة تجذّرَت ولا سيما لأن كُل الأشياء مُستباحة «هذا ما كان يشرُحه “إيڤان” لهُ في كثير من الأحيان. كان مُحقاً، لقد أخبرَه “إيڤان” سابقاً بأنه «إذا لم يكُن هُناك إله، تُعد الفضيلة غير موجوُدة أو ضرورية حتّى وهذه الطريقة التي رأيتُ بها الأمر».
    برّر تحرُّر ساد ارتكاب الجرائِم، وخصوصاً القتل. في تقسيم هذه الأدوار يكُون “إيڤان” الأول، و”سمردياكوف” الثاني. تحرُر “إيڤان”، وسُلطته على “سمردياكوف” دفَعته لقتل “فيودور كارامازوف”، هُنا حقق دستويفسكي صُورة مُصغرة لخطر ساد الحضاري، وغيره من المثقفين العدميين في تقبّل المُجرمين. بالفعل قد تقبلوا مُرتكبي الجَرائم الصغيرة الذين حررتهم عدميتهُم، وشجعتهم على أسوأ التجاوزات.
    تُكمل ابنة السيّدة “هالكوف” الخبيثة “ليز” المعرض السّادي “للإخوة كارامازوف”. كما هو واضِح لكُل شخص على دِراية بالسادية، “ليز” هي المونتاج للخلاعة الأنثوية لـ “جولييت”:

    «أودُّ أن يُعذبني شخص ما.. أُريد مَرضاً. أظل دائماً أرغب بإضرام النّار في المنزل.. يا إلهي كم أشعُر بالضجر!! اجعلني غنية واجعل الفقر ينهش الجمِيع.. سآكل الكعك، والقشدة ولن أُعطي أي أحد آخر.. سأقتلُ شخصاً ما لو أصبحتُ فقيرة للأبد، حتّى وإن كنتُ غنية ربما أقتُل.. أود فِعل الشّر، لذلك سوف يتدمر كُل شيء.. أوه ما ألطف أن يكون كُل شيء مُدمراً.. جميعُهم يُحبّون الشر سرّاً.. الجميع يُحب الجريمة (قالت ذلك لرجل قام بصلب طفل يبلغ الرابعة من العُمر) أخبرها أن الطفل كان يئن، وبقيَ يشتكي حتّى أن الرجُل وقف له اعجاباً..» هذا جميل.. أحياناً أتخيلُ أنني أنا من صَلبَه، سأعلقه هُناك و هو يئن، وأجلسُ أمامه وأنا آكل مُربى الأناناس (هنا يتضح فُجور جولييت التي أقامت مأدبة حينما تعرّض الأطفال للتعذيب، والخوزقة الخ ) أنا أكره كُل شيء.. لا أريد أن أعيش.. لأنني لا أحب أحداً!!»

    حياة المُسن “زوسيما”، وتعاليمه “الكتاب السادس- الراهب الروسي” الذي كتبُه دستويفسكي لدحض الإلحاد، ويُعتبر تتويجاً لأعماله. تُقدَّم إجابة دستويفسكي المسيحية على أكمل وَجه لـ ساد. إن قصّة “زوسيما” هي قصّة عن التحول من الأنا السّادية إلى القداسة المَسيحية. كان “زوسيما” في صِغره ضابِط جيش غني، وكان يَرى رجاله مُجرد قَطيع. ثمل، ماجِن، مُشتعل، وعازم على إثلاج شهيته، مُتغطرس، ومُنغمس في ذاته أيضاً. تم تحريض “زوسيما” على مُبارزة الرجل الذي تزوّج المرأة التي أرادها، وقبل الُمبارزة بليلة، هاجمهُ بوحشية في وجهه. وفي صباح اليوم التالي، كانت ذكرى وفاة شقيقه “ماركيل” الذي تُوفي وفاة القديسين في السابعة عشر من عمره خلال عيد الفصح، شعرَ “زوسيما” بالندم الجليل (الحس الذي ندده ساد) كان هذا الندمُ مُصاحباً للميتانوما (تغيُّر عميق وعادة ما يكون روحياً في طريقة عيش الفرد-التحوُّل) توسّل الغُفران على الدوام رافضاً إطلاق النار من الخلف في المبارزة، ولهذا ترك كتيبته ليُصبح راهباً.
    من خلال زائر “زوسيما” الغامِض، وتعاليم الشيوخ، رفضَ دستويفسكي الفردية الراديكالية لـ ساد، والحُرية لبيع الوعود الفَارغة. الفردانية المُتطرفة لا تُحقق الامتلاء، إن ما تُحققه هو التدمير الذّاتي. لأنه في النهاية لا ينتهي في تحقيق الذات، ولكن في الانعزال، والانسحاق. تفسِّر العُزلة، والخوف مِن المحن على أنها التّحرر وذلك لتكاثر، واشباع الرغبات «إن الحُرية المزعُومة تستعبدنا لشهواتنا.»
    نُقطة تلو أخرى، يُجيب دستويفسكي ساد بواسِطة الأضداد. بشّر ساد بالرذائل تجاه الله والآخرين، أمّا “زوسيما” فقد بشر بالتقوى تجاه كليهما، يقول ساد: «إن كل فرد هو عدو للكُل»، أما “زوسيما” يُبشر بالأخوة الروحية، والاحترام المُتبادل، والإحسان. يُنادي ساد بالعُزلة الراديكالية، والتمركز حول الذات، ويُبشر “زوسيما” بأننا نحفظُ بعضنا. إن تحُرّر ساد المُتواصل لإثبات الذات يُؤدي إلى الإحباط، أمّا “زوسيما” فيُعطي السلام المُتدفق من التقوى. الحَيوات المُتحررة، الصّاخبة، المحمومة، المُرتكزة حَول الأنا تم ابعادُها مِن نطاق الرحمة الإلهية، لكن هدُوء “زوسيما”، وتأمّله يُدخله داخل حدود هذه الرحمة. في الواقع، يرفُض ساد نفسه هذه الرّحمة، أما “زوسيما” فإنه يُشدد على الانفتاح، والاهتداء مِن خلالها.
    الجَمال هو الشاغل الكبير في “الإخوة كارامازوف”، والوسيلة المُهمة لسلُوك طريق الرحمة. يَجعل دستويفسكي أهمية الجمال واضِحة في وقت مُبكر من الرواية، حين أخبرَ “ديمتري” “إليوشا” أن الجمال «رهيب وفظيع» غيرُ مفهُوم ولا يفهمه. يعتمدُ دورهُ في حياة الفرد على الكيفية التي يَستجيب له، تضارُباته، وقُدراته المُصاحبة للمثالية والفساد. أغلب البشرية ترَى أن «الجمال في سدوم» الجمال غامض «الإله والشيطان يَتقاتلان هُناك، وقلب المرء هو ساحة المَعركة.».
    أما الجمَال لدَى ساد فهو مُجرد تحريض للشهوة، والتدنيس، دعوَة إلى الشّر، وأنه يَصلُح بالتالي لـ “فيودور كارامازوف”. بالتأكيد على النقيض لدى “زوسيما”، الجمال هُو شاهِد عيان على الله، ودعوة للخشوع. في الفِكر الدّيني الروسي، يَلعبُ الجمال دوراً حاسماً في التوبة. جمالُ الخليقة، الكتاب المُقدس، الكنَائِس، الأيقُونات، والقداس تُثير umilenie (خليط من الرقة والخشُوع). الرّحمة قد تُؤدي إلى الوعي بالإله، وتُوحي بالرهبة، والتقوى، والإيمان. يلعب umilenie دوراً بارِزاً في تحولات “ماركيل” “التوبة” (الذي قد تخلّى في وقت سابِق عن الأرثوذكسية) و “زوسيما” نفسَه. الجمَال هُو التجلّي الإلهي، مصدر الرّحمة التي تُؤدي إلى التحول الجِذري «الجمال سُينقذ العالم» هذا ما كتَبهُ دستويفسكي في مُذاكرته.
    الذّكريات الثّمينة للجمال، الكُتب المُقدسة، الأشخاص الجيدون وهلم جراً… هُم كما يَقولُ “زوسيما” وسائل ثَمِينة للرحمة. قد تَلعُب الذّكريات التي تسترجعها في وقت لاحق دَوراً حَاسماً في الخلاص. وفي نهاية الرواية يسترجِع “أليوشا” «ذكرياتُه المُقدسة» والتي سوف تُبقيه آمِناً حتّى مماته، و ربما تكُون وسيلة للخلاَص ومنع الشّر»
    حينما بَشّر ساد بالتفوق من خِلال العُدوان، كان “زوسيما” يَحض أتباعه للسمو مِن خلال الحُب. إن المُتعة الرُّوحية هي المُكافأة التي تُمنح فقط للصالحين، على النقيض مِن ذلك، تُؤدي الأنا السادية إلى الجحيم. سألتُ الآباء والأساتذة : «ماهو الجحيم؟ لقد افترضت أنّه المُعاناة مِن عدم القُدرة على الحُب». في الفقرة الأخِيرة لـ “زوسيما”، يَصِف الأروَاح التي تفتقِد الحُب في الجحِيم، وقد أجاد وصفَ ساد وأتباعه بشكل مِثالي «الكائنات المُتغطرِسة، والشرسة حتّى في الجحِيم.» على الرغم من معرِفتهم وتأملهم للحقيقة، قد ضحّوا بأنفُسِهم للشيطان ورُوحه المُتغطرسة «إن أمثال هذه الأروَاح اختارت الجحيِم، لأنهم لَعنوا الذّات الإلهية والحَياة. هُم الذين حَكمُوا على أنفسِهم بذلك، لقد أهدروا المغفِرة وكرِهوا الإله» يَصرخُون عالياً بأن الإله يجبُ أن يُبيدهم جميعاً، وإن هذا الإله يَنبغي أن يُدمر نفسه وخليقته، وأنهُم سوف يَحترِقون في نار الغضب إلى الأبد توّاقين للموتِ والفناء»
    إنّ “الجريمة والعِقاب” مِثل “الإخوة كارامازوف” تبعثُ على الأمل للتوبة والخَلاص. وقد خاض “ماركيل” و”زوسيما” هذه التجربة. لقد تحوّل “ديمتري” من الجهلِ الرُّوحي وحياة الفجُور إلى محبة الإله إثرَ اعتقاله. حينما سقَط “ديمتري” مرِيضاً بعد إدانته بتُهمة القتل، كانت “ليز هولكاف” مِن بين هؤلاء الذين نجحُوا في الوصُول إليه، لقد استقرّت في غُرفة مُنفصلة في قِسم السّجن من المُستشفى، وأرسلت الزهُور إلى جنازِة “إلوشا” مُلمحة إلى “جِسر الخير” الموجُود حتّى في النفس السادية، ومن خِلال هذا الجسر يُمكن للرّحمة أن تحدُث.
    كانت أرثوذكسية دستويفسكي حاسِمة بلا شك في تَشكِيل رده على ساد، لقد كانت الأرثوذكسية الفرع مِن المسيحية الذي تلوّث باتصاله مع أثم التنوِير العقلاني ولكن رُؤية دستويفسكي المسيحيّة لم تتأثر بهذا الغُبار المُقاوم للرحمة. لقد كان قادِراً على مُراقبة الحَداثة مِن الخارِج واختراقِها مع منظُور نقدي مُستقل، وعلاوة على ذلك، ضغُوط الأرثوذكسية على الجمَال، الرّحمة، الخير، والتواضُع جَعلتهُ النّقيض التام لاستِّخفاف ساد الراديكالي، وهذا ما يَجعل مِن دستويفسكي الكاتِب الذي واجه رُؤية العالم بشكل مُعد، وفريد للكشف عن كُل ما هو لعنة على الأرثوذكسية، وقام بفضح جوهرِها الشّيطاني.
    و خُلاصة القول، يَعرض دستويفسكي عدميّة الأنا السّادية، مُحذراً مِن عواقِبها الوَخيمة، ويكشِف عن نبذ المسيحيّة الشّديد لـ ساد، ويقُوم بعرض المسيحيّة على أنّها البَديل الوَحيد لفلسفة ساد. يرفُض دستويفسكي أي حلِّ ثالِث من العلمَانيّة الإنسانيّة، والفلسفات القائلة بأن الفرد يمُكن أن يكُون خيّراً بدوُن الإله، ويكُون الإيثار الاجتماعي هو البديل للمسيحيّة. يَرى دستويفسكي أن النّزعة الإنسانيّة العلمانية لا تُولد التقوَى، والمَحبة التي بإمكانها إنقاذُنا مِن الانزلاق في هَاوية ساد.
    إن اعرابه هذا ينُم عنِ الكثير من الرّفض من خلال توبة “ديمتري”. ويُلاحظ هذا البطل بمهارة إمكَانيّة تبرير الأفعَال التي تَسعى لها النّفس الإنسانيّة كتملق “راكتيين”، وتودد الثريّة “مدام هولاكاف” الجشِع «لديهِم هذا التّبرير الاجتماعي لكُل شيء مشبُوه يفعلُونَه» وذلِك سيكُون قيد غير كافٍ على الشّر. حينما أخبرَ “راكتيين ديمتري”: أنّهُ «عن طرِيق الحِفاظ على أسعار اللحُوم مُنخفضة بدلاً عن الفلسفة، سيُظهر المرء الحُب للإنسانيّة بشكل مُباشر وأكثَر بساطة» فأجابه: «حسناً، إذا كان يُناسبك ويصنَع روبلاً من كُل قرش، إنّهم من دُون الله أكثر عُرضة لزيادة أسعار اللحُوم»
    من كتّاب عصر دستويفسكي الذين قَرأوا ساد، كان وحده من تولّى حجم ساد، وسَعى لصد تهدِيده الرهّيب للحضارة. إنّه يُشبه في هذا ونستون تشرشل، لقد أدرَك وحدُه الخَطر الكوني للبلشفيّة وهتلر. ومثلما كان تشرشل وحدُه قادِراً على التعامُل مع هتلر، فقط مُفكر في تقوى دستويفسكي المسِيحي وتميّزه، قادر على الرد على عبقرِيّة ساد الشيطانيّة. دستويفسكي يَظهرُ هُنا كبطل عظيِم في الحرب الرُّوحية للتاريخ الضمنِي.

    المصدر: Dostoevsky vs. the Marquis de Sade by John Attarian
    مصدر الترجمة: مدونة “اندفاعات” لأسماء القناص

  • لمحات من الماركيز دي ساد – ترجمة رشيد وحتي

    لمحات من الماركيز دي ساد – ترجمة رشيد وحتي

    انتخاب وترجمة: رَشِيدْ وَحْتِي

    Ce n’est point ma façon de penser qui a fait mon malheur, c’est celle des autres.
    لَيْسَتْ طَرِيقَتِي فِي التَّفْكِيـر هِيَ الَّتِي تَسَبَّبَتْ فِي مَأْسَاتِي، بَلْ طَرِيقَةُ الْآخَرِينَ.
    *
    Quand l’athéisme voudra des martyrs, qu’il les désigne, et mon sang est tout prêt.
    إِنِ احْتَاجَ الْإِلْحَادُ إِلَى شُهَدَاءَ، فَلْيُعَيِّنْهُمْ، وَدَمِي فِي أَتَمِّ الْاسْتِعْدَادِ.
    *
    Tout est bon quand il est excessif.
    كُلُّ شَيْءٌ جَمِيلٌ حِينَ يَكُونُ مُسْرِفًا.
    *
    Je suis l’homme de la nature avant d’être celui de la société.
    أَنَا إِنْسَانٌ يَنْتَسْبُ إِلَى الطَّبِيعَةِ قَبْلَ أَنْ أَنْتَسِبَ إِلَى الـمجْتَمَعِ.
    *
    Voir, c’est croire; mais sentir, c’est être sûr!
    أَنْ تـرى يَعْنِي أَنْ تُؤْمِنَ؛ لَكِنْ أَنْ تُحِسَّ، فَيَعْنِي أَنْ تَتَيَقَّنَ!
    *
    Tout le bonheur des hommes est dans l’imagination.
    كُلُّ سَعَادَةِ الْبَشَرِ تَتَجَلَّى فِي الـمخُيِّلَةِ.
    *
    Tous les hommes sont fous, et qui n’en veut point voir doit rester dans sa chambre et casser son miroir.
    كُلُّ الْبَشَرِ مَجَانِينُ، وَمَنْ لَا يـريدُ أَنْ يَنْتَبِهَ إِلَى ذَلِكَ أَبَدًا فَمَا عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَبْقَى فِي غُرْفَتِهِ وَيَكْسِرَ مِرْآتَهُ.
    *
    C’est dans le silence des lois que naissent les grandes actions.
    فِي صَمْتِ الْقَوَانِينِ تَنْشَأُ الْأَفْعَالُ الْعَظِيمَةُ.
    *
    On déclame contre les passions sans songer que c’est à leur flambeau que la philosophie allume le sien.
    تَتَوَجَّهُ خُطَبُنَا ضِدَّ الْأَهْوَاءِ دُونَ أَنْ نَتَفَكَّرَ بِأَنَّ الْفَلْسَفَةَ تُوْقِدُ مِشْعَلَهَا مِنْ نَارِ هَاتِهِ الْأَهْوَاءِ.
    *
    Je ne m’adresse qu’à des gens capables de m’entendre, et ceux-là me liront sans danger.
    أُوَجِّهُ خِطَابِي لِلْقَادِرِينَ عَلَى إِدْرَاكِي، وَأُوْلَاءِ سَيَقْرَؤُونَنِي دُونَ مَخَاطِرَ.
    *
    Les rêves sont des mouvements secrets qu’on ne met pas assez à leur vraie place.
    اَلْأَحْلَامُ حَرَكَاتٌ سِرِّيَّةٌ لَا نَضَعُهَا كَمَا يَنْبَغِي فِي مَكَانِهَا الْحَقِيقِيِّ.
    *
    Vous m’avez fait former des fantômes qu’il faudra que je réalise.
    صَوَّرْتُمْ لِي أَشْبَاحًا عَلَيَّ أَنْ أَجْعَلَهَا وَاقِعِيَّةً.
    *
    C’est seulement en côtoyant l’excès qu’on trouve la liberté.
    فَقَطْ بُمُجَاوَرَةِ الْإِسْرَافِ نُلَاقِي الْحُرِّيَّةَ.
    *
    Le pouvoir est par nature, criminel.
    اَلسُّلْطَةُ بِطَبْعِهَا مُجْرِمَةٌ.
    *
    L’insurrection n’est point un état moral; elle doit être pourtant l’état permanent d’une république.
    لَيْسَ اَلْعِصْيَانُ قَطُّ حَالَةً أَخْلَاقِيَّةً؛ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رَغْمَ ذَلِكَ الْحَالَةَ الدَّائِمَةَ لِلْجُمْهُورِيَّةِ.